المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازنيصفحات 88-97

باب الأسماء والأفعال

صفحات 88-97
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
دار إحياء التراث القديم
الطبعة
الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

والجيم، وكلتاهما1 من الأصل2, أرادوا أن يقع في "اقعنسس" ثالثة بين حرفين من الأصل2 وهما العين والسين الأولى، فلما مضت العين واللام، دعت الضرورة إلى تكرير اللام أو الزيادة بعدها.
ومن هنا لم يجئ في كلامهم نحو "افْعَنْوَنْتُ" ولا "افْعَنْليتُ" ولا "افْعَيْنَلت"2 ولا شيء من ذلك؛ كراهة أن تقع النون بين حرفين أحدهما أصل والآخر زائد, فتخالف حكم "احرنجمت". فإن قلت: فهلا جاء في كلامهم نحو "انفَنْعلت" أو "ايفَنْعلت", فجعلوا الزيادة قبل الفاء وكانت النون إذًا واقعة بين حرفين من الأصل, كما ذكر أبو عثمان أنه هو الذي اضطُر إلى أن كانت الزيادة بتكرير اللام أو بالزيادة بعدها؟ فالجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم إنما أرادوا إلحاق بنات الثلاثة ببنات الأربعة ولم نرهم في غير هذا الموضع ألحقوا الثلاثة في الفعل بالأربعة من أولها, إنما هو من آخرها نحو: "جلببت" أو وسطها نحو: "جهْورت وبيْطرت", ولا تجيء الزيادة للإلحاق في أول بنات الثلاثة3.
وأيضا, فإن الزيادة في الكلمة توهين لها؛ لأنه قد دخل فيها ما ليس منها، وآخر الكلمة بالتوهين أحق من أولها، ألا ترى إلى كثرة باب عطشان، وأنك لا تكاد تجد "لانقحل" نظيرا إلا "انْزَهْوا" فيما علمت.

وأيضا فإن النون في "احرنجم" بين العين واللام، ولو قالوا: "انْفَنْعلت"1 لكانت2 النون بين الفاء والعين، وهذا غير ما قصدوا إليه3 فلما لم يمكن4 إلحاق ذوات الثلاثة بذوات الأربعة من أولها, ولا من أوسطها كانت من آخرها.
وقوله: فكذلك5 جميع ما ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة، يريد به6 أنه إنما7 يأتي الملحق بالأربعة على هذه الأنحاء التي أولها "جلببت" وآخرها "اسلنقيت" ولم يأت شيء من الأفعال أُلحق بذوات الأربعة غير هذه الأمثلة المذكورة8, إلا أنهم قد قالوا: "اكْوَأَلَّ" فألحقوه بـ "اطمأنّ" وقالوا: "رَهْيأ، وتَرَهْيأ، وتَمَخْرق9، وتمندل، وتمنطق، وتمدرع، وتمسكن" فألحقوها بالأربعة وهي شاذة.
زيادة همزة الوصل وتضعيف اللام: قال أبو عثمان: وتلحق ألف الوصل في أول الأفعال من بنات الأربعة وتضاعف اللام, فيكون الحرف على "افْعَلَلَّ" نحو: "اطمأنَنْتُ واقشعررت" ويدركهما10 الإدغام كما أدرك باب "احمررت" وما كان نحوه من الثلاثة.

قال أبو الفتح: اعلم أن أصل "افْعَلَلَّ افْعَلَّلَ", فعلى هذا ينبغي أن يكون أصل "اطمأنَّ: اطمأْنَنَ" فكرهوا اجتماع مثلين متحركين، فأسكنوا الأول ونقلوا حركته إلى ما قبله, ثم أدغمت اللام الثانية في اللام الثالثة, فصار "اطمأنّ" كما ترى.
ويدل على أن "اطمأنّ"1 أصله: "اطمأنَنَ" وأنهم إنما فعلوا ذلك كراهة اجتماع مثلين متحركين, أنه إذا سكن الآخر منهما عاد البناء إلى أصله، ألا ترى أنك تقول: "اطمأننتُ" فتبين النون الأولى لما سكنت النون الآخرة2، فجرى ذلك3 مجرى "شدّ وضنّ" ثم تَسكُن اللام فتظهر العين فتقول: "شَدَدْتُ وضَنَنْتُ".
وكذلك "احمرّ" أصله: "احْمَرَرَ" بإظهار الراءين، ثم تنكَّبوا الجمع بين مثلين متحركين, فأسكنوا الراء الأولى وأدغموها في التي بعدها, فصارت "احْمَرَّ", ألا ترى أنك إذا أسكنت اللام الآخرة4 ظهرت الأولى, وذلك نحو5 قولك: "احمرَرْتُ واصفرَرْتُ"؟ فإن قيل: فهلا6 قالوا: "اطمأنن واحمرر" بالإظهار كما قالوا: "جلبب واقعنسس"؟ فالجواب: أنهم إنما بينوا جلبب ونحوه؛ لأنه ملحَق بدحرج, وبينوا اقعنسس؛ لأنه ملحق باحرنجم، فلما أرادوا مثالا لا يكون إلا متحركا لاختلاف حرفيه بينوا؛ ليدلوا على أنه ملحق به7.

فأما "اطمأنّ، واحمرّ" وما كان نحوهما، فإنهم إنما أدغموها؛ لأنها غير ملحقة بشيء، ألا ترى أنه ليس في الكلام1 فعل مثل "اسْفَرْجَلَ" فيُلحَق اطمأن به! هذا مستحيل؛ لأنه لا يكون فعل خماسي أبدا.
وليس في الكلام مثل "ادْحَرَجَ", فيلحق احمرّ به فيظهر, فمن هنا وجب الإدغام.
ولا يكون "افْعَلَّلَ" متعديا في كلام العرب البتة.
بعض مزيد الثلاثي ومزيد الرباعي: قال أبو عثمان: وللأفعال أبنية سوى ما ذكرت لك في الثلاثة والأربعة، فمن ذلك: "فَعَّلْتُ وتفعَّلت وفاعلت وتفاعلنا2", ومن الأربعة: "تدحرجت وتدحرجنا".
قال أبو الفتح: اعلم أن فعّلت أكثر ما يكون لتكرير الفعل نحو: قطّعت وكسّرت.
إنما تخبر أن هذا فعل وقع منك شيئا بعد شيء على تطاول الزمان.
وقد تجيء لا يراد بها ذلك، نحو "صبّحت المنزل ومسّيته، وكلّمت زيدا" وهي على ضربين: متعد، وغير متعد، فالمتعدي3 نحو "كسّرت وقطّعت", وغير المتعدي نحو "سبّحت وهلّلت", وأما "تَفَعّلت" فهو مطاوع "فَعَّلت"3 نحو "كسّرته فتكسّر، وقطّعته فتقطّع" وهو نظير "فعلتُهُ فانفعَلَ" نحو "قطعته فانقطع" إلا أن هذا يكون على ضربين: متعد، وغير متعد، فالمتعدي نحو قوله عز وجل3: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ 4

و"تَتَلَقَّفُ ما يأفكون"1, وغير المتعدي نحو "تحَوَّب، وتَأَثَّم".
وانْفَعَلَ لا يكون متعديا أبدا.
وأما "فاعلت" فأكثر ما يجيء من اثنين، نحو: "ضاربت زيدا"، و"شاتمت عمرا"2, وقد يكون من الواحد نحو "طارقت النعل، وعاقب الأميرُ اللصَ", ولا تكاد تراه إلا متعديا.
فأما3 "تفاعلنا" فيكون متعديا وغير متعد.
فالمتعدي نحو "تقاضيته، وتجارينا الحديث", وغير المتعدي نحو: "تغافل وتعاقل".
والفصل بين ضَارَبَ وتَضَارَبَ ونحوهما, أنك إذا قلت: "ضاربت زيدا", فقد وصل إليك منه مثل ما وصل إليه منك وقد نصبته فكأن4 الفعل لك دونه.
وأنت إذا قلت: تضارب زيد وعمرو، فإنما5 تعطف بالواو، ولا تقول: تضارب زيد عمرا، والمعنى في قولك: "ضارب زيد عمرا، وتضارب زيد وعمرو" واحد.
وإنما يجوز أن تقول: "تفاعلته فتعديه6 إلى مفعول, إذا لم يكن المفعول فاعلا في المعنى, نحو "تقاضيته الدين7، وتناسيت الحديث", فالفعل في نحو هذا لك وحدك.

ولا تقول: "تخاصمت زيدا"؛ لأنه منكما جميعا، وقد أنشدوا بيت امرئ القيس: لعوبٍ تناساني إذا قمت سربالي فتعدي تَفَاعَلَ إليك؛ لأن الفعل هنا لها دونك، ومعناه: تنسيني، فجرى مجرى "تقاضاني الدين".
وأما "تفعلَلْتُ" فإنها1 مطاوعة "فعللْتُهُ", وذلك قولك" "دحرجته فتدحرج" وهي نظير "فعّلته فتفعّل" وقلما توجد متعدية.
"الفرق في المضارع بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول من المواضي التي تجاوزت ثلاثة أحرف": قال أبو عثمان: وليس بين "يُفْعَلُ" منها و"يَفْعَلُ" بعد ضمة أول حرف وفتحته إلا كسرة الحرف الذي يلي آخر الحرف وفتحته، وذلك نحو: "يَستخرِج ويُستخرَج، ويَنطلِق ويُنطلَق به" إلا ما كان على "يَتَفَاعَلُ", فإنه لما كان مفتوحا في "يَفعَل" تركوه في "يُفعَل" بحاله2 نحو: "يَتغافل، ويُتغافَل عنه" كما فُعل ذلك في غير الزائد نحو "يَسمع، ويُسمع".
قال أبو الفتح: اعلم أن جميع الأفعال التي تُجاوز مواضيها ثلاثة أحرف، لا يكون الحرف الذي قبل الطرف من المضارع فيها إلا مكسورا نحو "أَكرمَ يُكرِم، وانطلق ينطلق، واستخرج يستخرج، واغدودنَ يغدودِن، واحرنجم يحرنجِم" إلا ما كان ماضيه على "تَفَاعَلَ" وما كان على وزنه نحو "تَفَعْلَلَ، وتَفَوْعَلَ، وتَفَيْعَلَ، وتَفَعْوَلَ،

وتَفَعَّلَ"1, فإن ما قبل طرفه في المضارع يكون مفتوحا نحو "تدحرج يتدحرَج، وتصومع يتصومع، وتفيهق يتفيهق، وتقطع يتقطع، وتغافل يتغافل".
وإنما ذكر أبو عثمان من هذا كله "تَفَاعَلَ" وحدها؛ لأنه أراد هذا المثال وما كان مثله في حركته وسكونه وزيادة التاء في أوله.
وقد كان القياس أن يكسروه لتخالف حركة العين في المضارع حركتها في الماضي, كما قالوا: "ضَرَبَ يَضْرِبُ, وركِب يركَب".
وكأنهم إنما هربوا إلى الفتح؛ لأنهم لو قالوا: "يتغافل" لأشبه آخره آخر المصادر نحو: التغافل والتعالم", ولو كسروه لأشبه آخر الجمع نحو: "تتافل وتناضب" جمع "تَتْفُل وتَنْضُب"، فأرادوا أن يباعدوا بين الفعل وبين المصدر والجمع.
فأما قولهم في اسم الفاعل: مُتغافِل، فإنما كسروا الفاء على ما يجب فيها؛ لأنه قد أُمن2 فيه شَبَه الجمع؛ لأنه مصروف، والجمع إذا كان على بناء مَفاعِل فهو غير مصروف، فقد وقع الفصل، وأيضا فإنهم لو قالوا: "مُتغافَل" ففتحوا الفاء؛ لالتبس اسم الفاعل باسم المفعول.
وهذا مأمون في الفعل؛ لأنك إذا قلت: "يَتغافَل", فقد عُلم بفتحة حرف المضارعة أنه للفاعل, وإذا ضممت فقلت: "يُتغافَل" فقد عُلم أنه للمفعول، فالفصل واقع، وحمل باقي الأفعال التي على وزن تفاعل عليه.

وكأن أبا عثمان إنما ذكره وحده دون غيره لهذا المعنى، ألا ترى أنهم لو قالوا: "يتدحرَج" فكسروا الراء لم يكن يشبه مصدرا ولا جمعا، فالباب في هذا لـ "تفاعل", وغيره داخل عليه.
فإذا صرت إلى بناء الفعل للمفعول وهو الذي يسمى "باب ما لم يسم فاعله", انفتح ما قبل الطرف في جميع المضارع؛ لأن ما قبل الطرف لا يكون في الماضي إلا مكسورا، ففُتح في المضارع؛ لأن هذا لا يختلف في جميع الأفعال1 التي لم يسم فاعلوها، وذلك قولك2: "أُكرِم يُكرَم، وانطُلِق به يُنطلَق، وتُغُوفل عنه يُتغافَل"، فجرى ذلك مجرى "شَرِب يَشرِب" لما كُسر الماضي فُتح المضارع.
وإنما جاء أبو عثمان بيَسمَع ويُسمَع؛ ليريك أن لباب "يَتغافل ويُتغافل عنه" نظيرا ثلاثيا بغير3 زيادة.
فأما يَسمع، فإنما وجبت الفتحة فيه من قِبَلِ أن ماضيه مكسور العين وهو سمع وليس من قبل حرف الحلق، ألا ترى أنك تقول: "ركب يركب، وشرب يشرب" فتفتح العين من المضارع ولا حرف حلق فيه؟ وكذلك ما لم يسم فاعله وهو "سُمع يُسمع", فجرى مجرى "ضُرب يُضرب".
قال أبو عثمان: وإنما كتبت لك في صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة؛ لتعلم كيف مذاهب العرب فيما بَنَتْ من الأسماء والأفعال، فإذا سُئلت عن مسألة فانظر: هل بنت العرب مثالها؟ فإن كانت بنت، فابنِ مثل ما بنتْ،

وإن كان الذي سُئلتَ عنه ليس من أبنية العرب فلا تَبْنِهِ؛ لأنك إنما تريد أمثلتهم وعليها تقيس.
قال أبو الفتح: اعلم أنه لوّح في هذا الفصل بخلاف أبي الحسن، وسيأتي به1 بعد هذا, وأقول فيه بما يقتضيه ولا قوة إلا بالله.
مسائل التصريف ذات البال في المهموز, وما فيه الواو والياء: قال أبو عثمان: واعلم2 أن الهمزة وبنات الواو والياء فيهن مسائل التصريف, فانظر كيف صنعت العرب في الياءات والواوات والهمزات اللواتي هن فاءات الفعل وعيناته ولاماته، وما ألحق باللامات من الياءات, وكيف أجروهن وكيف ألزموهن الحذف والتغيير والإبدال حتى يسهل عليك النظر إن شاء الله.
وسأضع لك من كل شيء من هذا الباب رسمًا تقيس عليه ما كان مثله، فإنه ليس شيء من غامض مسائله, إلا وفي ظاهره ما يبين لك مجرى غامضه ولا قوة إلا بالله.
قال أبو الفتح: اعلم أنه إنما3 أتبع هذا الفصل الذي قبله ليريك كيف ينبغي أن تعمل فيما يرد عليك مما يسأل عن بنائه، يقول: فلا تعد ما رأيتهم عملوه في نظير ما تبنيه ولا تتجاوزه4.
فهذا قريب من قوله: "فإن5 كانت بَنَتْ فابنِ مثل ما بَنَتْ، وإن كان الذي سئلت عنه ليس من أبنية العرب فلا تبنه".

وقوله: واعلم أن الهمزة وبنات الواو والياء فيهن مسائل التصريف, ومسائل التصريف في الهمزة وبنات الواو والياء وغيرها من الصحيح أيضا.
وإنما أراد أن المسائل إذا بُنيت من الهمزة أو الواو أو الياء كانت صعبة مشكلة؛ لما يعرض فيها من التغيير والحذف.
فكأنه1 حذر من السهو فيها، ونبه على صعوبتها وإشكالها ليقع التحرز منها.

حروف الزيادة: قال أبو عثمان:

جارٍ التحميل