المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازنيصفحات 98-137

باب ما تجعله زائدا من حروف الزيادة

صفحات 98-137
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
دار إحياء التراث القديم
الطبعة
الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: قال أبو الفتح: حكي أن أبا1 العباس سأل أبا عثمان عن حروف الزيادة، فأنشده: هَوِيتُ السمانَ فشيبنني ... وما كنت قدما هَوِيتُ السمانَا فقال له: الجواب؟ فقال له أبو عثمان: قد2 أجبتك في الشعر3 دَفْعَتين، يريد: "هويت السمان" ويجمعها أيضا في اللفظ: "اليومَ تنساهُ" وقيل أيضا: "سألتمونيها" وهي عشرة أحرف: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، والنون، والتاء، والهاء، والسين، واللام.
وقول أبي عثمان: "باب ما تجعله زائدا من حروف الزيادة"، يريد به: أن حروف الزيادة ليست في كل موضع تكون زائدة4، ولو كانت في كل

موضع تكون زائدة1؛ لما احتاج إلى تحديد المواضع، ولحدّد الحروف وحدها.
وقال: إذا رأيت شيئا من هذه الحروف العشرة في كلمة2 فاقض بزيادته ولا تتوقف، وهذا خطأ لا يقوله أحد، ألا ترى أن "أوى، ووأى" إنما هما3 مركبان من همزة وواو وياء، وليس فيهما حرف زائد البتة, وإن كنا نعلم أن الهمزة، والواو، والياء من حروف الزيادة في غير هذا الموضع. ولكن ينبغي أن تُعرَف مواقع الزيادة وكيف تكون وكيف وقعت في كلامهم بالأدلة الواضحة. وسنأتي على ذلك إن شاء الله تعالى4.
الهمزة التي في أول الكلمة: قال أبو عثمان: اعلم أن الهمزة إذا كانت أولا, وكان الشيء الذي هي فيه عدده أربعة أحرف بها فصاعدا5, فهي زائدة، إلا أن يجيء أمر يوضح أنها من نفس الحرف6, وذلك نحو "أفْكَل وأَيْدَع".
قال أبو الفتح: اعلم أنه قد تحجّر في هذا الفصل قسطا كبيرا من اللغة، عرّف أمر الهمزة فيه، فأمن معه أن تكون الهمزة في أول ما عدته أربعة أحرف بها, إلا زائدة إلا أن يجيء أمر يوضح أنها من نفس الحرف.

ألا ترى أنك لو سمعت في كلامهم مثل "أجْرَك، وأجْبَك" لقضيت بأن الهمزة زائدة بهذا الذي قد صدّره أبو عثمان، ولم تحتَجْ فيه إلى الاشتقاق؟ وقوله: "وكان الشيء الذي هي فيه عدده أربعة أحرف بها فهي زائدة"، يريد به: أنه إذا جاءت ثلاثة أحرف لا1 يُشَكّ في أنها من الأصول وفي أولها همزة, قضيت بزيادة الهمزة.
فأما إن كان في الكلمة حرف يجوز أن يكون زائدا، أو وقع فيها تكرير، لم تقض بزيادة الهمزة إلا بدليل.
وإذا كان الأمر كذلك، فللسائل أن يقول: ما الدليل على أن الياء في أيْدَع فاء, وما تنكر أن تكون زائدة، وتجعل الهمزة أصلا ويكون وزن الكلمة "فَيْعَلًا"؟ فالجواب في ذلك: أن حمل الهمزة على الزيادة أولى من حمل الياء عليها؛ وذلك أن زيادة الهمزة في أول الكلمة أكثر وأوسع2 من زيادة الياء ثانية، ألا ترى أن باب "أحمر وأصفر" أكثر من باب "خَيْفَق وصَيْرَف"؟ فبهذا الدليل ثبتت3 زيادة الهمزة في أيدع.
وقد حكى بعضهم: "يَدَّعْتُهُ تَيْدِيعا" فهذه دلالة قاطعة على كون الياء فاء.
ومن ذلك قولهم4: "أَوْلَقٌ وأَيْصَرٌ" لا يقضى بزيادة الهمزة فيهما لأجل الواو والياء فيهما، فيحتاج إلى الاشتقاق، وسنذكرهما في موضعهما إن شاء الله5.
فأما6 التكرير، فقال سيبويه: "لو جاء في الكلام شيء نحو: "أكْلَل،

وأيْقَق" فسميت به رجلا صرفته؛ لأنه لو كان "أفْعَلَ" لم يكن الحرف الأول إلا ساكنا مدغما.
يريد بذلك: أنه لو كانت الهمزة زائدة لوجب أن يقال: "أكَلّ وأيَقّ" كما قالوا: "أصَمّ وأيَلّ".
يقول: فيجب أن تكون الهمزة من الأصل، ويكون وزن الكلمة "فَعْلَلا، أو فَيْعَلا".
الياء في أول الكلمة: قال أبو عثمان: وكذلك الياء تجري مجرى الهمزة أولا نحو "يَرْمَع ويَعْمَل, للناقة التي يعمل عليها1"؟ قال أبو الفتح: يقول: إن حكم الياء إذا وقعت هذا الموقع حكم الهمزة، لا فصل بين الياء والهمزة فيه.
لِمَ قضي بزيادة الهمزة والياء في أول الكلمة؟: قال أبو عثمان: وإنما كان هذا زائدا وإن لم يشتق2 منه ما يذهب فيه؛ لكثرة ما تبين لك من هذا المثال مما3 يشتق منه4 ما يذهب فيه، نحو: "أحمر، وأسود، وأبيض", وذاك5 أكثر من أن6 أعده لك.
قال أبو الفتح: يقول: إنك إنما قضيت بزيادة الهمزة والياء إذا وقعتا في هذا الموضع وإن لم تعرف الاشتقاق؛ لأنك لا تشتق شيئا على هذا المثال وفي أوله همزة أو ياء إلا أصبتهما فيهما زائدتين، ألا ترى أن أبيض من البياض، وأسود

من السواد، وأحمر من الحمرة، وأخضر من الخضرة، وكذلك جميع ما يرد من هذا النحو، فإنما يحمل ما يجعل على ما يعرف، ويقاس الغائب بالشاهد.
فأما "يرمع" فيجوز عندي أن يكون من قولهم: "تَرَمَّعَ أنف فلان" إذا اضطرب وتحرك.
واليَرْمَع: حجارة خَوَّارة ليس1 لها ثبات ولا صلابة، وهي هَشَّة، والهشاشة والخَوَر قريب من الاختلاج والاضطراب، ألا ترى أنهما جميعا بضد الثبات والرزانة؟ وأما2 اليَعْمَلَة فهي: الناقة التي يُعمَل عليها في السير، فقد تبين أيضا بالاشتقاق زيادة الياء فيهما، فيكون3 هذا مضافا إلى القياس الأول.
وقوله: وذلك أكثر من أن4 أعده لك, يريد: أنه أكثر من أن يعد في هذا الكتاب؛ لأن التمثيل لا يُحتاج فيه إلى جميع5 اللغة، أو يكون أراد أنه لا يحيط بهذا6 الباب لسعته6، والتأويل الأول عندي أشبه؛ لأنه ليس فيه اعتراف منه بالتقصير في اللغة.
النون والتاء في أول الكلمة، لا تعدان زائدتين إلا بثبت: قال أبو عثمان: فأما6 النون والتاء, فإذا كانتا أولا وكانتا على مثال الأسماء مع ما7 هما فيه, فلا تجعلهما زائدتين إلا بثَبَت، نحو: "نَهْشَل ونَهْصَر ونهسر وتوءم".

قال أبو الفتح: اعلم أن النون والتاء لم تكثر زيادتهما في الكلام كثرة زيادة الياء، والواو، والهمزة؛ فلذلك احتجتَ إلى أن تنظر إلى المثال الذي هما فيه، فإن كانتا فيه واقعتين موقع حرف من الأصل، قضيت1 بأنهما من الأصل، وإن لم تكونا واقعتين1 موقع حرف من الأصل، قضيت بزيادتهما.
ألا ترى أن النون في نهشل, والتاء في توءم، بإزاء الجيم في جعفر؟ فلهذا قضيت بأنهما من الأصل.
والاشتقاق يدل على أن النون في "نهشل" والتاء في "توءم" أصلان, وذلك قولهم: "نَهْشَلَتِ المرأةُ" إذا أسنَّتْ، و"نهشلت: فعلَلَتْ"، فالنون في نهشل: فاء، بمنزلتها في نهشلتْ, وليس في كلامهم نَفْعَلَتْ.
وأما توءم، فيدل فيه على زيادة الواو وأن1 التاء أصل، قولهم في الجمع2: "تُؤَام, وتُؤَام: فُعَال"فالتاء فاء، والهمزة عين.
وإنما كُتبت الهمزة في تؤام واوا لانضمام ما قبلها، وكذلك إن خففت فأبدلتها واوا خالصة، فليست هذه الواو هي3 التي كانت في توءم، إنما هي همزة مخففة كما تقول في تخفيف "جُؤَن: جُوَن".
وشيء آخر يدل على أن الواو في توءم هي الزائدة دون التاء، وهو أن فَرْعلا في الكلام أكثر من تَفْعل, ألا ترى أن باب "كوثر, وجوهر، وقوصرة، وحوقل, وكوكب" أكثر من باب "تَأْلَب"؟ فحمله على الأكثر هو القياس.
وشيء آخر يدل عليه أيضا، وهو قولهم: "أتأمت المرأة" إذا ولدت التوءم.
1، 1 في الأصل: "بكونهما غير زائدتين وإن وإن لم تقعا" والمعنى واحد مع تكرار "وإن".

فأما تألب، فالتاء فيه1 زائدة؛ لأنه من "أَلَبَ يَأْلِبُ"2: إذا جَمَعَ وهو الجمار، فهذا ثبت.
قال سيبويه: ألب الحمار يألب2 وهو طرده طريدته.
وقوله: وكانتا على مثال الأسماء مع ما هما فيه، يريد به: كان2 الاسم الذي هما فيه بهما على مثال الأسماء, أي: على أحد أمثلة الرباعي الذي لا زيادة فيه, وهي: "فَعْلَل، وفِعْلِل، وفُعْلُل، وفِعْلَل، وفِعَلّ، وفُعْلَل" على مذهب أبي الحسن، وعلى أحد الأمثلة الخماسية.
زيادة النون والتاء في أول الكلمة: قال أبو عثمان: وإذا جاءتك على3 مثال لا يكون للأسماء, فهما زائدتان لمجيئهما على غير الأصول، وذلك نحو: "نَرْجِس، وتُرْتَب"؛ لأنه ليس في الكلام مثل جَعْفِر4 ولا جُعْفَر، اسمين.
قال أبو الفتح: إنما قضي بزيادة النون والتاء في "نرجس، وترتب"؛ لأنهما لم يقعا موقع حرف من الأصل، كما قضي بزيادة النون من "كَنَهْبُل"؛ لأنه ليس في الكلام مثل "سفرجُل" بضم الجيم.
وشيء آخر يدل على زيادة التاء في ترتب, وهو أنه5 الشيء الراتب الثابت, يقال: "رتب يرتُب"، قال طفيل:

وقد كان حيانا عدوين في الذي ... خلا فعلى ما كان في الدهر فارتُبِي وكذلك "تنضب وتتفل"؛ لأنه ليس في الكلام مثل جَعْفُر، وقد قالوا: "تُتْفُل" بضم التاء، ومثاله1 "تُفْعُل".
والتاء أيضا2 -وإن كانت بإزاء جيم جرهم3؛ لأنها قد ثبتت في قول من فسح التاء فقال: "تتفل"- زائدة، فهي أيضا في قول من ضمها زائدة.
ومحال أن تكون ثم زائدة هنا أصلا4؛ لأن اللفظ واحد والمعنى واحد.
ويدل أيضا على زيادة التاء في تُتْفُل أنه ليس في الكلام اسم5 على "فُفْعُل", ولا "فُنْعُل".
وكذلك تُدْرَأ؛ لأنه من درأت، ولأنه ليس في الكلام أيضا مثل جُعفر.
الهمزة غير أول, لا تجعل زائدة إلا بثبت: قال أبو عثمان: وإذا وجدت الهمزة غير أول, فلا تجعلها زائدة إلا بثبت؛ لأنها لم تكن زائدة غير أول.
قال أبو الفتح: قد زِيدت الهمزة غير أول في أحرف معلومة، وهي: شمْأل وشأْمَل بمعنى الشمال، وإنما هو من شَمَلَتِ الريح.
وسألت أبا علي عن "شمْأل وشأْمَل" فقلت: ما تنكر أن تكون الهمزة

فيهما غير زائدة وإن كانت من معنى شَمَلَتْ، كما تقول في1 "دَمِث ودِمَثْر، وسَبِط وسِبَطْر": إن أحدهما2 بمعنى الآخر وليس من أصله؛ لأن دمثا ثلاثي ودمثرا رباعي, فقل كذلك في شمأل وشأمل3؟ فقال: إن الهمزة قد زِيدتْ غير أول في جُرانِض ونِئْدِلان بمعنى نَيْدُلان وأحرف غير هذه, فكأن4 أبا علي رأى حمله على هذا مع الاشتقاق أولى من أن يجعله أصلًا رباعيًّا.
والنَّيْدُلان هو الذي يسمى الكابوس عند العامة.
قال الراجز: نِفْرِجَة القلب قليل النيل ... يُلْقَى عليه النَّيْدُلان بالليل والجرائض هو الجمل الضخم، وقد قالوا في معناه: جِرْواض, فالهمزة زائدة إذًا.
وحُطائِط: فُعائِل؛ لأنه5 من حططتُ؛ لأنه الصغير.
وقالوا في "تابَل: تَأْبَل"، فالهمزة زائدة.
وحكي أن العجاج كان يهمز العألم والخأتم6؛ أبدل الألف همزة وكذلك "تَأْبَل".
فالهمزة في هذه الأحرف الثلاثة زائدة؛ لأنها بَدَل من زائد, ومثالها: فأعل.
وقد قالوا: رِئْبال للأسد، فهمزوا.
وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز عن أبي زيد: وتقول: "رَهْيَأْتُ

أمري رَهْيَأةً" إذا لم تُحكمه, وقد رهيأ الرجل، وذلك أن يحمل حملا فلا يشده بالحبال فهو يميل.
وسألت أبا علي عن مثال: رَهْيَأَ, فقال: "فَعْيَلَ"؛ لأن الهمزة ليست بزائدة، وموضع الياء هو1 موضع زيادة الياء، والواو في حِذْيَم وجَدْوَل, فكأن2 أبا علي حمله على فَعْيَلَ، وإن كان هذا البناء ليس في أبنية الأفعال ولا3 الأسماء هربا من زيادة الهمزة غير أول، ولأنه4 رأى الياء في رهيأ في موضع الواو من جَهْوَرَ وسَرْوَلَ5.
ولهذا المثال6 نظائر في الشذوذ, منها قولهم: "قد اكْرَألّ الرجل" إذا قَصُر فالواو زائدة، ومثاله "افْرَعَلّ"7.
وقد قالوا: "بينهما مُهْوأنَ من الأرض" وهو عند "مُفْوَعَلّ" وهو في الأسماء نظير اكوأل في الأفعال. ونظيره في الشذوذ قولهم: "تقلْنس" في معنى تقلّس، ومثاله "تَفَعْنَلَ"8.
ونظير هذا في الشذوذ قولهم: "تَمَدْرَعَ وتَمَسْكَنَ" إنما هما من الشاذ9 ومثالهما "تَمَفْعَلَ"، ألا ترى أن أبا عثمان قال: إن اللغة الجيدة عندهم: "تدرّع وتسكّن"؟ ومن هنا حمل أهل التصريف قولهم: "مُغْفُور" على أنه "فُعْلُول"،

ولم يجعلوه "مُفْعُولا"؛ لأنهم قد قالوا: خرجوا يَتَمَغْفَرون، فيتمغفرون عندهم يَتَفَعْلَلون، ولم يجعلوه يَتَمَفْعَلُون؛ لقلة تَمَفْعَلَ، وكثرة تَفَعْمَلَ.
ومن هنا أيضا كانت الميم في "مَعدّ" أصلا؛ لقولهم: تمعدد، وتمعدد: تفعل، ولم يحمل على تَمَفْعَلَ، على أن قوما قد جعلوا مُغْفُورا مُفْعُولا كمُعْلُوق، وإنما هذا لقلة1 المعرفة بهذا الشاذ2, والقياس ما أنبأتك به أولا.
قال أبو علي: إنما قلنا: "مُعْلوقا" مُفْعُول؛ لأنهم قد قالوا في معناه: مِعْلاق، فمعلاق مِفْعَال ليس غير.
قال: وأما مُغْرود فحمله على فُعْلول أولى؛ لأن فُعْلولا أكثر من مُفْعول.
وقالوا: تَمَنْدَلَ بالمنديل، وهو تَمَفْعَلَ، والجيدة: تَنَدَّلَ.
وقالوا: قَلْنسته وهي3 فَعْنلته، وقالوا: قَلْسيته وهي4 القياس.
وقالوا: تَأْبلت القِدْرَ بالهمز, والهمزة زائدة؛ لأنها بدل من ألف تابَلْت الزائدة.
وحُكي عنهم: "مَرْحَبَكَ الله ومَسْهَلَك، وكان يُسَمَّى محمدا تم تَمَسْلم" أي: صار يسمى مُسْلِما، وهذا كله شاذ.
وقد قال بعضهم: إن "مَذْحِج" جماعة قبائل شتى مَذْحَجَتْ أي: اجتمعت.
فإن كان هذا ثبتا في اللغة فلا بد من أن تكون الميم زائدة، وتكون الكلمة مَفْعَلَتْ؛ لأنهم قالوا: "مَذْحِج"، فإن جعلت الميم أصلا كان وزن

الكلمة فَعْلِلًا, وهذا خطأ؛ لأنه ليس في الكلام اسم مثل جَعْفِر، فثبت أنه مَفْعِل مثل مَنْبِج.
ولهذا لم يصرف "نرجِس" اسم رجل؛ لأنه ليس في الأصول مثل جَعْفِر، وقضي أن النون زائدة مثلها في نَضْرِب.
وجاء في الحديث: "فإذا سحابة تَرَهْيَأُ" فهذا تَفَعْيَلُ، والياء فيه زائدة؛ لأنها من موضع الواو من تَرَهْوَكَ، وكأن "ترهيأ مطاوع رهيأته فترهيأ".
وقد قالوا: تشيْطن الرجل وتشيَّط بمعنى واحد، فينبغي أن يكونا لغتين، ولا يجوز أن تجعل تشيطن تفعْلن؛ لأنه ليس في الكلام تَفَعْلَنَ، وتشيطن أقوى من تشيط؛ لقولهم: شاطن وشَطْن، وأرض شَطُون، وهذا كله من البُعْد، والشيطان مبعد مقصى1, ومن هنا1 قيل: لعنه الله، أي: أبعده الله1 وأقصاه.
وفسروا بيت الشماخ: ذعرت به القَطَا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين أي: البعيد.
فمن هنا قيل له: شيطان؛ لأن الله قد أبعده.
فلهذا كان الوجه في شيطان أن يكون فَيْعَالا بمنزلة الغَيْدَاق والقَيَّام, ومن أخذه من تشيّط جعله "فَعْلان".
ووجه الاشتقاق فيه من تشيط، أنهم قد قالوا: غضب فاستشاط أي: احتدّ والْتهَبَ في الغضب وتشيط بمعناه.
وهذا المعنى موجود في الشيطان؛ لأن الالتهاب في الغضب مشبه بالجنون والتخبط، قال الله تبارك2 1، 1 ظ، ش: ولهذا.

وتعالى: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ 1, وهذا واضح لا خفاء به.
وإنما ذكرت هذه الأمثلة الشاذة2؛ لأُونس بها ما ذهب إليه أبو علي من أن "رهْيأ: فَعْيل" وإن كان هذا من الشواذ في أمثلة الفعل.
وقد قالوا: "امرأة3 ضَهْيَأ" مقصور3، قال أبو علي: فالهمزة3 زائدة دون الياء لقولهم4: ضَهْياء في معناها, وضهياء: فَعْلاء6 مثل حمراء، والألفان في آخرهما زائدتان6 لا محالة.
ووجدت بخط أبي العباس محمد بن يزيد -رحمه الله5- يقال: "امرأة ضهياء" إذا لم يكن لها ثديان، مثل الجَدَّاء, و"الضَّهْراء" التي لا تحيض ولا ثدي لها.
وحكى أحمد بن يحيى قال: الضهراء: الأرض التي لا تنبت.
والضهياء: التي لا ثدي لها.
وقال بعضهم: الضهياء6: التي تحيض وهي حُبْلى.
فأما قولهم: بَلْأص الرجل، فالهمزة فيه ينبغي أن تكون أصلا حتى تقوم دلالة على زيادتها، والذي رآه أبو علي من أن الياء في رهيأ7 زائدة دون الهمزة مذهب سديد.
فإن قال قائل: هلا جعل الهمزة زائدة وجعل الياء أصلا، فكانت8 الكلمة على هذا فَعْلَأ9 في أمره دون فَعْيَلَ، وإن كان هذان بناءين مفقودين

في الأفعال، ولِمَ عدل إلى زيادة الياء دون زيادة الهمزة، وقد زيدت الهمزة فيما ذكره من قولهم: "امرأة ضَهْيَأة"، أو هلا جعل الهمزة والياء جميعا من الأصل؟ قيل: لا يجوز أن يكونا جميعا من الأصل؛ لأن الياء لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف نحو "صِيصِيَة ويَهْياه وحاحَيْتُ وعاعَيْتُ" وستراه في موضعه إن شاء الله1.
فلما لم يكن بد من زيادة أحد الحرفين عُدِلَ إلى القضاء بزيادة الياء دون الهمزة؛ لأنه لو جعل الهمزة هي الزائدة دون الياء لاجتمع في قوله هذا شيئان مكروهان: أحدهما أن يكون في الأفعال مثال فَعْلَأ بوزن دحرج، والآخر زيادة الهمزة غير أول.
وإذا ذهب إلى أن الياء من رهيأ هي الزائدة، فإنما في قوله هذا شيء واحد مكروه، وهو أن الفعل على فَعْيَلَ، فليس في هذا القول شيء مكروه أكثر من أنه على فَعْيل، وكلما قل المستكره كان أقيس.
ومع هذا, فإنه يجعل الياء في رَهْيأ زائدة، مثلها في حِذْيَم وطريم وعثير وغريل.
وفي موضع الواو من جهْور، وسرول، وجدول2، وخِرْوَع، ونحو ذلك.
فالذي3 ذهب إليه في هذا هو القياس، والذي قبله4 ليس بقياس، فافهم ذلك.
مواضع زيادة الياء: قال أبو عثمان: وأما الياء, فإذا وجدتها ثانية وثالثة ورابعة فهي زائدة.

قال أبو الفتح: قد قال أبو عثمان1 هذا القول قولا2 مرسلا غير مقيد، وليس لأحد أن يطعن فيه بقولهم: صيصية ويهيأة ونحوهما مما الياء فيه أصل؛ لأنه قد بين هو هذا القول واستثنى به في هذا الكتاب وستراه، وإنما تسامح فيه؛ لأنه معلوم الموضع وليس مما يذهب على المبتدئين, فضلا عن الأشياخ المتقدمين.
وإنما يريد أبو عثمان: أنك إذا حصّلت في الكلمة ثلاثة أحرف من الأصول، ثم رأيت فيها ياء ثانية أو ثالثة فصاعدا، قضيت بزيادتها حملا على ما عُرف اشتقاقه3؛ لأنها لم تُرَ على هذه الصفة فيما وضح أمره بالاشتقاق إلا زائدة.
فعلى هذا القياس لو جاء في الكلام مثل "خَيْقَب وقِرْيَج وشَقَيْطَر" لقضيت بزيادة الياء، ولم تحتج إلى الاشتقاق.
مواضع زيادة الواو: قال أبو عثمان: والواو كذلك، إلا أن الواو لا تزاد أولا البتة، وتزاد ثانية وثالثة ورابعة كالياء، إلا في أول الكلمة فإنها تفارق الياء.
قال أبو الفتح: يقول: لا فصل بين الياء والواو في هذه القضية إلا في باب زيادة الياء أولا وامتناع زيادة الواو أولا.
فسألت أبا علي وقت القراءة عليه فقلت له: لِمَ كان ذلك, وما الفصل بين الياء والواو في هذا الموضع؟ فقال: إنما امتنع ذلك في الواو؛ لأنها لو زِيدتْ أولا مضمومة لاطرد فيها قلبها همزة نحو: "أُقِّتَتْ" وبابه, وستراه في موضعه.
ولو زيدت مكسورة أيضا, لجاز قلبها جوازا كالمطرد نحو "إسادة وإفادة

في وِسَادة، ووِفَادة"، ولو زيدت مفتوحة حتى تحقر الكلمة لانضم أولها فجاز قلبها همزة، يريد تحقير وزة: وُزَيْزَة، ويجوز أُزَيْزة.
قال: فلما كانت زيادتها أولا تقود إلى هذا التغيير والقلب واللبس ويكون ذلك فيها أثقل؛ لأنها زائدة, رُفضت1 زيادتها أولا فلم يجز لذلك.
فهذا2 معنى قول أبي علي وقريب3 من لفظه والأمر كما ذكر.
فإن قلت: فهلا زادوا الواو في أول الفعل مفتوحة؛ لأن الفعل لا يحقر فينضم؟ قيل: لأنه إذا بُنِيَ للمفعول ولم يسم الفاعل4, انضم أوله فجاز الهمز.
فإن قيل: فكان5 يجري مجرى "وُعِدَ، وأُعد"؟ قيل: واو "وُعد" أصل, فاحتُمل ذلك فيها وليس الزائد كالأصل.
الهمزة الأصلية في أول الكلمة: قال أبو عثمان: "فأما أَوْلَق، وأيصر, وإِمَّعَة", فإن الهمزة فيهن6 غير زائدة؛ لأنهم قد7 قالوا: "أُلق فهو مألوق8"، فقد تبين لك أن الهمزة من نفس الحرف, "وأيصر" أيضا9 من نفس الحرف لقولهم في جمعه: "إصار".
وقال10 الشاعر: ويجمع ذا بينهن الإصارا

وإِمَّعَة؛ لأنه ليس في الكلام إِفْعَلَة صفة، وإنما هو مثل دنمة، وهو مثل أرطى؛ لأنهم يقولون: أديم مأروط؛ إذا دُبغ بالأرطى.
قال أبو الفتح: قد جمع في هذا الفصل أشياء تحتاج إلى تفصيل وشرح؛ استدل على أن الهمزة في أولق من نفس الكلمة بقولهم: أُلق فهو مألوق -يقول: فالهمزة في ألق فاء الفعل- فينبغي أن تكون في أولق كذلك, وهذا استدلال صحيح.
ولمعترض بعدُ أن يعترض فيقول: ما تنكر أن يكون أَوْلَق أَفْعَلا دون فَوْعَل، وتكون الواو فيه فاء الفعل بمنزلة أَوْطَف، وأوجز؟ فإن قلت: فقد قالوا: أُلِقَ، فقد يجوز أن تكون الهمزة في ألق منقلبة عن الواو المضمومة, كأنه كان أولا: وُلِقَ، ثم قلبت همزة، كما تقول: أُعِدَ وأُزِنَ، في وُعد ووُزن، فلا تكون لأبي عثمان حجة في قولهم: أُلق؟ فالجواب عن هذه الزيادة: أنهم قد1 قالوا: مألوق، فلو كانت الهمزة في أُلق إنما هي منقلبة عن الواو في وُلق كما يدعي الخصم, لزالت في اسم المفعول لزوال الضمة الموجبة للقلب.
وكانوا يقولون: "مولوق" كما يقولون: "أُعِد" فهو "مَوْعود", ولم نسمعهم قالوا: "مأْعود"؛ لزوال الضمة, فلما لم نرهم قالوا: "مولوق" استدللنا2 بذلك على أن الهمزة في ألق ليست بمنزلة الهمزة في "أعد", بل هي أصل ثابتة غير منقلبة.
فإن قال: فما تنكر أن يكون هذا من القلب اللازم كما قالوا في تكسير "عيد"

وتحقيره: أَعْياد, وعُيَيْد، فلم يرجعوا الواو وإن كانت الكسرة قبلها قد زالت, فكذلك ما تنكر أن يكون مألوق من البدل اللازم وإن زالت الضمة الموجبة للقلب كما زالت الكسرة من عيد في قولهم: عُييد، وأعياد ولم ترد الياء إلى الواو, كما1 قالوا: البرية، فألزموها التخفيف وأصلها الهمز, وكما قالوا: النبي، فألزموه2 البدل في الأمر العام الشائع؟ قيل: الحمل على هذه الأشياء لا يجوز؛ لخروجها عن القياس ودخولها في الشذوذ.
فينبغي إذا كان الأمر كذلك أن تسلم كما سمعت ولا تجعل أصلا يقاس عليه.
وأيضا فإنا3 قد سمعناهم يقولون: تَنَبَّأ مُسَيْلمة4 وذكر سيبويه: أن جميع العرب تهمز هذا فتقول: تنبأ مسيلمة4 وقد قالوا: بَرَأَ4 الله الخلق, وقالوا أيضا: عاد يعود.
فلما سمعناهم يقولون هذا دلنا ذلك على أن النبي، والبرية، وعيدا، أصلها الهمز5 والواو, فقضينا لها بهذه الأصول لقيام الدلالة عليها. ونحن لم نسمعهم لفظوا بالواو في تصريف أَوْلَق, فنقضي بأنه من الواو دون الهمز6.
فنحن على الظاهر حتى تقوم دلالة ننزل لها عنه إلى غيره, فإن ادعى ذلك مدع لزمه الدليل عليه وكان هو المطالب به دوننا.

ولو جاز لمدعٍ أن يقول: إن أصل ألق: وُلِقَ من غير دلالة، ومع أن الهمزة ثابتة في تصريف الكلمة بحيث لا موجبا1 للقلب، لجاز لآخر أيضًا أن يقول: إن أصل أُخذ: وُخذ, وإن أصل أُم: وُم, وإن أصل أُكل: وُكل، من غير دلالة ولا ثَبَت.
ولو جاز ذلك لخرج هذا الأمر من باب طريق العلم إلى الجهل وارتكاب ما لا حقيقة له, واعتقاد ما لا دليل عليه.
وهذا موقف إذا وقفه المدعي سقطت2 كُلْفَة الاشتغال به2، والاحتجاج عليه، ولا قوة إلا بالله.
وقد قالوا: مَأْلوق، ومُؤْلَق، ومُؤَوْلَق، فمألوق: مفعول, ومؤلق: مفعل, ومؤولق: مفوعل.
وقال أبو علي: سأل مروان بن سعيد المهلبي الكسائي في حلقة يونس عن أوْلَق؟ فقال الكسائي: أفْعَل، فقال له مروان: استحييت لك يا شيخ.
واستدل أبو إسحاق الزجاج على أنه لا يجوز أن يكون أَفْعل2 ولا فَوْعلا من وَلَق يَلِق, إذا أسرع بقولهم3: مألوق، كما ذهبت إليه.
واستدل أبو عثمان على أن إِمّعة فِعّلة بأنه4 ليس في الكلام إِفْعَلة صفة، وهذا هو استدلال سيبويه، وهو صحيح.
وفيه قول آخر، وهو أنه لو كانت الهمزة في إمعة زائدة لوجب أن تكون الميم الأولى فاء والأخرى عينًا، فكانت الفاء والعين -تكونان على هذا التأويل- من موضع واحد، وهذا لا يؤخذ به لقلته.

وإنما جاءت منه أحرف محصورة نحو: كوكب, ودَدَن1, وستراها في مواضعها, ولا ينبغي أن يقاس عليها, فهذا وجه ثانٍ.
فأما أيصر، فقولهم في جمعه: إِصَار، يدل على أن همزته فاء؛ لأنها فاء2 في إصار، ومثاله: فِعَال.
وليس يجوز أن يعترض معترض فيقول: ما تنكر أن الهمزة في إصار بدل من ياء أيصر، على أن تكون الهمزة في أَيْصر زائدة؟ ويشبه هذا بقولهم: إسادة في وِسادة؛ لأن الياء إذا انكسرت لم يجب قلبها همزة.
وليس في كلام العرب اسم في أوله ياء مكسورة, إلا قولهم في اليد اليسرى: يِسار بكسر الياء، والأفصح: يَسار بفتحها.
وقالوا أيضا في جمع يقظان: يِقاظ، وفي جمع يَعْر وهو الجدي: يِعَرَة، وفي جمع يابس: يِبَاس.
وإنما تنكبوا ذلك عندي استثقالا للكسرة في الياء, وليست كالواو التي إذا انضمت هُمزت هربا من الضمة فيها.
فلما لم يمكن فيها القلب لم يستجيزوا كسرها أولا.
وقد كسرت غير أول نحو: مُغِيل، وأَسْيِرْ به، وأبْيِع به، وأبين به، وهذا مطرد في بابه؛ لأن وسط الكلمة مما تجتمع فيه الواوان, فاجتماع ياء وكسرة أولى.
فأما قولهم: يَيْجَل، ويِيْجَل، ونحو ذلك، فإن أصله الفتح، وإنما كُسرت الياء لتنقلب الواو ياء, فالكسر عارض.
فأما3 أَرْطى، فقولهم: مأروط، يدل على أن همزته فاء، وقال لي

أبو علي: إن أبا الحسن حكى عن بعضهم: أديم مَرْطي, فالهمزة عند هؤلاء زائدة.
فأولق مثل: كوثر، وإِمّعة مثل: دِنّمة، وأَيْصر مثل: خَيْفق، وأرطى مثل: عَلْقى، فيمن نوّن هذا, على قول من قال: مأروط.
ومن قال: مرطي, فأرطى عنده بمنزلة أفعى، وينبغي أن تكون الألف في آخر أرطى فيمن قال: مَرْطِيّ منقلبة عن ياء؛ لأنه لو كان من الواو لقالوا: مَرْطُوّ, كما قالوا: مَغْزُوّ.
وإنما مَرْطِي كمَرْمِي، ولا تحمله على قول الشاعر: وقد علمت عرسى مليكة أنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا وهو يريد: مَعْدُوا عليه, ولا على مَسْنِيَّة، وهم يريدون: مَسْنُوَّة؛ لأن هذا شاذ لا يقاس عليه، ومأروط أكثر في اللغة من مَرْطِيّ.
الألف لا تكون أصلا أبدا: قال أبو عثمان: والألف لا تكون أصلا أبدا، إنما هي زائدة1 أو بدل مما هو من نفس الحرف, ولا تكون أصلا البتة في الأسماء ولا في الأفعال.
فأما في الحروف التي جاءت لمعنى فهي2 أصل فيهن.
قال أبو الفتح: إنما قال أبو عثمان: إن الألف لا تكون أصلا في الأسماء، ولا في الأفعال، وإنما تكون زائدة3 أو بدلا؛ لأنه استقرى جميع الأسماء والأفعال أو جمهورها, فلم يجد الألف فيها4 إلا كذلك، فقضى لها بهذا الحكم.
فأما الحروف, فالألف فيهن أصل, غير زائدة ولا منقلبة.
والدليل

على ذلك أنها غير مشتقة، ولا متصرفة، ولا يُعرَف لها أصل غير هذا الذي هي1 عليه.
فيجب أن تُقَرّ على ما هي عليه حتى تقوم دلالة على أنها زائدة, أو منقلبة.
ولا دلالة على ذلك, فلا تكون الألف فيهن زائدة؛ لأنهن غير مشتقات, وبالاشتقاق تُعلَم الزيادة من الأصل.
ولا تكون منقلبة؛ لأنه لو كانت الألف في "ما" من الواو لقالوا: مَوْ، كما قالوا: لَوْ، ولو كانت من الياء لقالوا: مَيْ، كما قالوا: كَيْ، فبَطَلَ أن تكون الألف في الحرف2 زائدة أو منقلبة.
فإن قال قائل: فهلا حملت الحروف في هذا المعنى على الأسماء والأفعال, فقضيت بأن الألف فيها بمنزلتها فيهما؟ قيل: هذا خطأ؛ وذلك أن الحروف بائنة من الأسماء والأفعال، خارجة عن أحكامهما من وجوه كثيرة يطول بذكرها الكتاب!! فليس لنا أن نحمل الشيء على الشيء وبينهما هذا البُعْد.
وإنما المتجوز أن تحمل ما لم يُعرَف اشتقاقه من الأسماء على ما عُرِف اشتقاقه منها.
فنقول: إنّا إذا حصّلنا ثلاثة أحرف من الأصول وجاءت الهمزة رابعة في أولها، قضينا بزيادة الهمزة حملا على ما عُرِف, فيحسن هذا منا لحملنا اسما على اسم, وكذلك الأفعال أيضا.
فأما أن نحمل الحرف على الاسم والفعل على بعد ما بينهما، فخطأ, ويمنع منه أيضا أنهم لم يُميلوا "حتى" وألفها رابعة، ولو كانت منقلبة عن ياء أو واو، لكانت إمالتها مستقيمة؟

وأقول: إن الأسماء المبنية, والأصوات المحكية، والأسماء الأعجمية، تجري مجرى الحروف في أن الألفات فيها أصول غير منقلبة؛ لأنا إنما قضينا بأنها في الحروف غير منقلبة؛ لأنه لا يعرف لها اشتقاق، فيجب من ذلك أن يكون كل ما كان مما ذكرنا غير مشتق, أن تكون ألفه غير زائدة ولا منقلبة.
فإن قلت: فهلا حملت المبنية والأعجمية على ما عرف اشتقاقه من العربية؛ لأنها أسماء مثلها؟ قيل: أما الأسماء المبنية1 فإنما2 بُنيت لمشابهتها الحروف نحو: كَمْ، ومَنْ, وأين، ومتى, وأنى، فلما أشبهت الحروف المتضمنة هي معانيها، وكانت مثلها في أنه لا يعرف لها اشتقاق، ولا يوجد لها تصرف، كان حكمها في ذلك حكم الحروف، وكانت الألفات فيها كالألفات فيها، ألا ترى أنك لا تجد لكم، وأين، ومتى, اشتقاقا ولا تصرفا؟ وإذا كان الأمر كذلك لم يكن3 لأحد أن يقول: إن الألف من "لكن" زائدة, ولا أنه4 من اللكنة.
ولا يجوز لآخر أن يقول أيضا: إن الألف في "متى" منقلبة عن5 ياء ولا واو، ولا أن الألف في "إياك" منقلبة ولا زائدة.
ويدلك على أن الأسماء المضمرة في حكم الحروف, أنك تجد فيها ما هو على حرف واحد نحو الكاف في "رأيتك" و"مررت بك", والياء في "مررت بي", فجرت هذه الأسماء في أنها على حرف واحد مجرى همزة الاستفهام، وواو العطف وفائه، ولو كانت كالأسماء الظاهرة المتمكنة لما جاز أن يأتي شيء

منها على أقل من ثلاثة أحرف: فاء، وعين، ولام, و"أنا، وأنت، وإياك" بمنزلة الكاف في "ضربتُكَ" والياء في "مررت بي"؛ لأنها مضمرة مثلها.
وحُكِيَ عن بعضهم أنه سُئل عن قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ , ما معنى "إياك"؟ فقال: معناه حقيقتك، قال: واشتقاقه من "الآية" وهي العلامة التي تدل على حقيقة الشيء، فيجب على هذا القول أن تكون "إيا" فِعْلا, أو فِعِّلا، أو فِعْلَلا من الآية, وأن تكون الألف في آخرها إنما انقلبت عن الياء إن كانت لاما، أو تكون زائدة إن كانت فِعْلا.
وهذا قول ساقط ليس مما يُتشاغَل بمثله؛ لأن "إياك" بمنزلة الكاف في "رأيتُك" في أنها اسم مضمر مثله.
فيجب أن يكون غير مشتق، كما أن: "الكاف، وأنتَ" كذلك.
وأرى أن القائل بهذا القول إنما شجّعه عليه ما حُكي عن الخليل من أنه قال: إن "إيا" اسم ظاهر خُص به المضمر.
فلما سمع1 أنه ظاهر, جعله مشتقا وأخرجه عن باب المضمرات وصرّفه.
وقد دل أبو علي على أن "إياك" اسم مضمر.
قال: لأنه خُص بالنصب كما خُص "أنا، وأنت"2 بالرفع.
فكما أن "أنا، وأنت"2 مضمران بلا إشكال, فكذلك "إياك" ولو كان اسما ظاهرا لما اقتُصر به على النصب ولدخله الإعراب كله, وليس ظرفا, فيلزم النصب كما لزمته "سوَى، وبُعَيدات بَيْنٍ"، ونحوهما من الظروف التي لم تستعمل إلا ظروفا، ولا

مصدرا فأُلزم النصب1 نحو: "سبحانَ الله، ولبَّيك، ومعاذَ الله"2, فإذا كان الأمر كذلك3 بَطَلَ أن يكون "إياك" مشتقا أو متصرفا.
وكذلك الألف في "غاقِ" لصوت الغراب، و"جاهِ" لزجر البعير، و"حاءِ، وماءِ" في صوت الشاء4، هي فيهن غير منقلبة؛ لأن هذه كلها بمنزلة الحروف.
فإن قلت: فقد قالوا: إن وزن "ذَا" من الفعل "فَعْل", وإنه محذوف اللام وهو مع ذلك مبني لمشابهته الحروف، وألفه منقلبة عن العين الساكنة, فما5 الفصل بينه وبين "متى"؟ قيل: إنما جاز ذلك فيه لمشابهته الأسماء المتمكنة، ألا تراه يُوصَف ويُوصَف به، ويثنى ويحقر، ويدخله كثير من أحكام الأسماء6 المتمكنة؛ فلذلك جاز أن يمثل من الفعل.
قال أبو علي: أصل بنائه فَعْل كأنه "ذَيّ", ثم حذفت اللام لضرب من التخفيف؛ لأنه من مضاعف الياء، وكأنه بقي "ذي" فقلبت ياؤه ألفا, فصار "ذا".
قلت له: ما الدليل على أن عينه من الياء، ولِمَ لا يكون من باب: "طويت, وشويت"؛ لأنه أكثر من باب "حييت، وعييت"؟ فقال: لأن سيبويه حكى فيه الإمالة، فهذا7 يدل على أنه من الياء، قال: ولم يقل فيه: "ذي" لئلا يشبه "كي" فألحق بمتى.

قلت له بعد ذلك بزمان: هلا قلت في "متى": إنه في الأصل "مَتَيْ" ثم قلبت ياؤه ألفا كما تقول في "ذا"؟ فقال: "ذا" أشبه الأسماء1 المتمكنة بأنه يوصف، ويوصف به, ولا يجوز ذلك في "متى".
وقال في موضع آخر: إنما أُميلت "متى"؛ لأنها اسم, فدخلها ما يكون أمارة للأسماء وهو الإمالة.
قال: فأما "إذا" فإنما امتنعت من الإمالة وإن كانت اسما لأنها أقعد في شبه الحرف من "متى"؛ لأنها محتاجة إلى الإضافة، مفتقرة إلى ما بعدها.
وأما "مَتَى" فهي في كلا موضعيها -الاستفهام, والشرط- غير مضافة.
فهي أشبه بالأسماء القائمة بأنفسها؛ ولذلك أميلت "بلى" لأنها تقوم بنفسها إذا قال القائل: "أما قام زيد؟ " قال له المجيب: "بلى", فلما حسُن الوقوف عليها أُميلت، أمارة لمشابهة الاسم فيها.
قال أبو علي: وكذلك قولهم: "افعَلْ كذا وكذا إمَّا لا", فإمالتهم "لِا" من "إمَّا لا" إنما هو لأن معناه: افعلْ كذا وكذا إن كنت لا تفعل غيره.
فلما حذف الفعل وأقيمت "لا" مقامه وأغنت عنه, أميلت لمشابهتها الفعل.
وكذلك كان يقول في قولهم: "يا زيد": إنها2 إنما أميلت؛ لأنها قامت مقام "أدعو، وأنادي" ولأجل الياء أيضا.
وحكى قطرب عن بعضهم: "لِا أفعل كذا" ممالة.
وإنما جاز هذا فيها عندي؛ لأنها قد تكون جوابا فتقوم بنفسها في نحو قولك جوابا: لهل قام زيد؟ "لِا".
فلما قامت بنفسها أميلت كما قدمنا, إلا أن إمالة "بلى" أشبه من

إمالة "لِا"؛ لأنها على ثلاثة أحرف، فهي بالمتمكنة أشبه؛ ولهذا كتبوها بالياء.
فإن قلت: فقد قالوا: "حتي" فكتبوها بالياء, وإن لم تكن1 ممالة؟ قيل: إنما كُتبت بالياء1؛ لأن ألفها وقعت رابعة.
وهذا من المواضع التي تغلب عليها الياء.
ولم يكتبوا "إذا" بالياء2 وإن كانت اسما لمّا لم تكن الإمالة تحسن فيها, ولو كتبوا "كلَّا" بالياء2 قياسا على "حتّي" لكان وجها.
وكَتْبهم1 إياها أيضا بالألف صواب2؛ لأنه لا موجب للإمالة فيها.
وكذلك أيضا لو كتبت "حتى" بالألف قياسا على "كلا" لكان صوابا, ولكل علة قائمة.
وأحسبني رأيت "حتى" بالألف بخط أبي العباس.
وأما3 إمالتهم "للكِنْ" فلأجل كسرة الكاف, فأشبه ذلك إمالة "عابد، وحاتم".
وإن كان ليس مثله في كل موضع فقد يشبه الشيءُ الشيءَ من وجه ولا يشبهه من وجوه.
فإن أُعطي بعض أحكامه فللشبه الذي بينهما, وإن مُنِعَهُ فلما فاته من تكامل الشبه.
فتأمل هذا الموضع, فإنه مُسهَّل4 عليك كثيرا مما تستقر به في اللغة العربية, فإن أكثر من يتسكع فيها إنما يلحقه ذلك لجهله بهذا الموضع.
وقد كان أبو علي يقول في قول الراجز: فهي تنوش الحوض نوشا من علا نوشا به تقطع أجواز الفَلا 1، 1 ساقط من ظ، ش، وسقوطه أفسد المعنى.
2، 2 ساقط من ظ، ش، وسقوطه أفسد المعنى.

إن الألف في "علا" منقلبة عن الواو؛ لأنه من عَلَوْتُ، وإن الكلمة في موضع مبني على الضم نحو: "قبلُ، وبعدُ"؛ لأنه يريد: نوشا من أعلاه.
فلما اقتُطع المضاف من المضاف إليه، وجب بناء الكلمة على الضم نحو: "قبل، وبعد", فلما وقعت الواو مضمومة وقبلها فتحة قُلبت ألفا, وهذا مذهب حسن.
وكان أيضا يقول: إن "اللاءِ" ليس محذوفا من "اللائي", قال1: لأن هذه الأسماء في حكم الحروف غير مشتقة.
قال: فـ "اللاء" مثل "شاء" و"اللائي" بمنزلة "الجائي", وليس أن "اللاءِ" من "اللائي" بمنزلة "القاضِ" من "القاضي"؛ ولذلك مثّله بـ "شاء" وهو بمنزلة "باب".
ويدل على أن هذه الأسماء بمنزلة الحروف, قولهم في "ذا" اسم رجل: "ذاءٌ" كما يقولون في "لا: لاءٌ".
وسألت أبا علي عن قولهم: "باء، وتاء" فيمن مد لما عطف, فقلت له: أتقول2: إن الألف منقلبة؟ فقال: نعم، أحكم عليها بأنها واو في الأصل؛ لأنها عين والهمزة لام بدل من ياء ليكون من باب "طويتُ".
فقلت له: كيف3 تجيز ذلك ونحن نعلم أن هذه الألف إنما4 هي الألف المجهولة في "با، وتا"5 قبل المد؟ فقال: لما صارت اسما, قضينا لها بأحكام الأسماء.
ألا ترى أنا لو سمينا بـ "ضرب" لأعربناه فقلنا: "جاءني ضَرَبٌ", فنعربه وإن كان قبل التسمية غير معرب، فكذلك "يا، تا" إذا مُدت قُضي عليها بما يُقضى على الأسماء.
فقيل له في الوقت: أفتجمع على الكلمة إعلالين:

إعلال العين، وإعلال اللام؟ فقال: قد1 جاء من هذا شيء صالح نحو: "ماءٍ, وشاءٍ" فهذا قوله.
وقد نص أبو الحسن على أن "الألف"2 من ذوات الياء، وقول أبي علي أجرى على القياس.
وكذلك لو سميت رجلًا بـ "قاف" لقضيتَ بأنه من الواو.
وهذا قياس قول سيبويه؛ لأنه كان يرى أن الألف إذا جاءت في موضع العين, فأكثر ما تكون من الواو.
وهذا هو الصحيح؛ لأنك إذا استقريت اللغة وجدتَها في أكثر الأمر هكذا، ألا ترى إلى "بابٍ، ودارٍ، وساقٍ، وغارٍ، وتاجٍ، وصاعٍ" فهذا كله من الواو, والياء في هذا الموضع قليلة.
وسألت أبا علي, فقلت له: هل يقول هذا سيبويه في الأسماء والأفعال جميعًا؟ أو في الأسماء خاصة؟ فقال: لا أعرف له نصا على الأفعال؛ ولهذا ما قال سيبويه: إنك لو نطقت بالفعل من "آتٍ" لقلت: "أُؤْتُ" بمنزلة: "قُلْتُ".
فأما "ماء" فلو سميت به رجلا، لقضيت بأن ألفه من الياء؛ لأجل الإمالة فيه.
وقياس قول أبي علي أن تكون من الواو.
قال ذو الرمة: لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم وأنشدنا أبو علي للراجز: يدعونني بالماء ماء أسودا قال: يريد: أصبتُ ماء أسود.
قال: فالألف واللام في الماء زائدتان؛ لأن الأصوات لا تدخلها الألف واللام، وليس هذا موضع هذا.

وقال سيبويه: إنك إذا1 سميت رجلا2 بـ "عَلَى, ولَدَى، وإِلَى" لقلت: "عَلَوَانِ، وإلوانِ، ولدوانِ" فتثنيه بالواو؛ لأن الإمالة لا تحسن فيه3.
فهذه أحكام الأصوات والحروف في امتناع اشتقاقها وما يقتضيه القول في قبيلها.
ولم أر4 أحدا من أصحابنا4 أشبع القول فيها هكذا.
وهذا الموضع من لطيف التصريف، وفيه ما هو أكثر من هذا، ولكن الكتاب يطول به ولا يأتي على آخره.
فأما الأسماء الأعجمية, ففي حكم الحروف في امتناعها من التصريف والاشتقاق؛ لأنها ليست من اللغة العربية.
وإذا كان ضَرْب من كلام العرب لا يمكن فيه الاشتقاق، ولا يسوغ فيه التصريف مع أنه عربي، فالأعجمي بالامتناع من هذا أولى، وهو به أحرى؛ لبعد ما بين الأعجمية والعربية.
ألا ترى أنك لا تجد لإبراهيم ولا4 إسماعيل ونحوهما اشتقاقا ولا تصريفا، كما لا تجدهما لـ "قد، وهل.
وبل" فالأمر فيهما واحد.
فأما قول من يقول: إن "إبليس" من6 قول الله6 تعالى: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ 5 ومن قول الراجز:

يا صاحِ هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا فخطأ منه.
لو كان "إبليس" من هذا لكان عربيا؛ لأنه مشتق، ولوجب صرفه؛ لأنك لو سميت رجلا بـ "إِجْفِيل، وإخريط" لصرفته؛ لأنه لا مانع له من الصرف.
وكذلك أيضا لا يجوز أن يكون "إدريس" من درست القرآن, ولا من درس من المنزل, ونحوهما، ولا يكون" يعقوب" من العقبى، ولا من العقاب, ونحوهما1؛ لأنه1 لو كان كذلك كان مشتقا عربيا, ولوجب صرفه كما تصرف "يربوعا، ويعسوبا" اسمي رجل.
وإنما هذه ألفاظ أعجمية وافقت ألفاظ العرب، ألا ترى إلى قول النابغة: نُبِّئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد فلو كان هذا من قبستُ النار لانصرف؛ لأنه كان يكون بمنزلة "جارود" من الجرد، و"عاقول" من العقل.
وإذا كان الأمر كذلك، فليس لأحد أن يقول: إن "إبراهيم، وإسماعيل" لهما مثال من الفعل، كما لا يمكنه ذلك في: "إِنّ، وثُمَّ، وقد، وسوف" وما أشبه ذلك.
ولكن يقال: إن هذه الأسماء لو كانت من كلام العرب, لكان من1 حكمها كَيْتَ وكَيْتَ، كما أن "سوف, وحتى" لو سمي بهما, لكان من أمرهما كيت وكيت.
ولم يُرِد أبو عثمان بقوله: "إن الألف لا تكون في الأسماء والأفعال إلا زائدة أو منقلبة" أنها تكون كذلك في جميع الأسماء، وإنما أراد الأسماء العربية المتصرفة.
وقد شرحت هذا في أول الكتاب, وأراد جميع الأفعال؛ لأنها متصرفة مشتقة من مصادرها.
1، 1 زادت ظ، ش في هذا الموضع: ولا يكون من هذا، ولا معنى له.

الميم في أول الكلمة زائدة: قال أبو عثمان: وأما الميم إذا كانت أولا, فهي زائدة بمنزلة الهمزة والياء؛ لأن الميم أولا نظيرة الهمزة.
قال أبو الفتح: يقول: لا فصل بين الميم والهمزة إذا وقعتا أولا، فمتى وجب في الهمزة أن تكون زائدة ووقعت1 الميم موقعها, فاقض بزيادتها.
الميم في مَعَدّ أصل, وليست زائدة: قال أبو عثمان: فأما معد، فالميم فيه من نفس الحرف لقول العرب: تَمَعْدَدَ، فإن قال قائل: فقد جاء مثل تمسكن؟ فإن هذا غلط وليس بأصل, وقد قالوا: "تَمَدْرَعَ"، والجيدة العربية "تَدَرَّعَ، وتَسَكَّنَ" وهو كلام أكثر العرب.
وأنشد أبو زيد: ربّيتُهُ حتى إذا تَمَعْدَدَا كان جزائي بالعصا أن أُجلدا قال أبو الفتح: اعلم أنه إنما كان "معد" من معنى "تمعدد"؛ لأن "تمعدد" تكلَّم بكلام معد أي: كبر وخطب، هكذا كان أبو علي يقول.
ومنه قول عمر2, رضي الله عنه2: "اخْشَوْشِنُوا وتَمَعْدَدُوا" قال أحمد بن يحيى: "تمعددوا" أي: كونوا على خُلُق مَعَدّ.
فإذا كانت الميم في تمعدد فاء فهي

في "مَعَدّ" فاء.
قال: ولا تنظر إلى "تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ" فتقول: أحمل "تمعدد" على أنه تَمَفْعَلَ بمنزلة "تمدرع", وأجعل "مَعَدًّا" مَفْعَل؛ ًا لأن "تمدرع" قليلة, والجيدة "تدرّع، وتسكّن".
فأما قول العامة: تمخْرق، فينبغي أن يكون لا أصل له, وإن1 كان قد جاء عن العرب فهو بمنزلة تمسكَن في الشذوذ, والجيدة: متخرّق؛ لأنهم يقولون: "تَخَرَّقَ فلان بالمعروف" ولم نسمعهم يقولون: "مَخْرَقَ", وإنما2 هو من الخِرْق وهو الكريم من الرجال، إلا أن بعض أصحابنا قد حكى "مَخْرَق" وليس بالقوي, فأما3 ما أنشده من قوله: كان جزائي بالعصا أن أجلدا ففيه نظر؛ وذلك أن معناه: كان جزائي أن أجلد بالعصا, فإن قدّمه على هذا التقدير فخطأ؛ لأن الباء في صلة أَنْ، ومحال تقديم شيء من الصلة على الموصول, ولكنه جعل الباء تبيينا.
ونظيره قول الشاعر, أنشده أبو العباس: تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلِيَ هذا بالرحى المتقاعس معناه: المتقاعس بالرحى، ولكن الباء إذا قُدِّمت فهي تبيين, ولو كانت من الصلة لما جاز تقديمها2 على الألف واللام من المتقاعس, ولكنها تفيد ما تفيد إذا كانت في الصلة.
وأنشد أبو العباس أيضا: وإني امرؤ من عصبة خندفية ... أبت للأعادي أن تذل رقابها معناه: أبت أن تذل رقابها للأعادي.
فلو كانت اللام من الصلة لما جاز البيت لبطلان جواز تقدم الصلة أو شيء منها على الموصول.
وقال الله تعالى:

وهو أصدق قيلا: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ 1, معناه2: من الزاهدين فيه.
﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ 3, معناه: من القالين لعملكم, و ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ 4, معناه: من الناصحين لكما.
ولكنه لما قدمه جعله تبيينا وأخرجه عن الصلة.
ومعنى التبيين: أن تعلقه بما يدل عليه معنى الكلام ولا تقدره في الصلة؛ لأن معنى: كان جزائي بالعصا أن أجلدا: جلدي بالعصا.
ومعنى: أبت للأعادي أن تذل رقابها لا تذل رقابها للأعادي.
وكذلك5 الباقي كله لا يمتنع أن تقدر فيه مثل6 هذا التقدير.
فإذا7 فعلت هذا، سَلِمَ لك اللفظ والمعنى, ولم تقدم شيئا عن موضعه الذي هو أخص به، ولا يجوز زواله عنه.
وليس يمتنع8 أن يكون تفسير المعنى مخالفا لتقدير الإعراب، ألا ترى أن معنى قولهم: "أهلَكَ والليلَ": الْحَقْ بأهلك قبل الليل, وإنما تقديره في الإعراب: الحق أهلك وسابق الليل.
وكذلك9 أيضا يكون معنى الكلام: "كان جزائي أن أجلد بالعصا", وتقديره في الإعراب غير ذلك.
وسيبويه كثيرا ما يمثل في كتابه على المعنى, فيتخيل من لا خبرة له أنه قد

جاء بتقدير الإعراب فيحمله في الإعراب عليه وهو لا يدري, فيكون مخطئا وعنده أنه مصيب, فإذا نُوزع في ذلك قال: هكذا قال سيبويه وغيره.
وإذا تفطّنت لهذا في "الكتاب", وجدته كثيرا, وأكثر ما يستعمله في المنصوبات في صدر الكتاب؛ لأنه موضع مشكل وقلما يهتدى له.
الميم في مِعْزى أصل: قال أبو عثمان: والمعزى أصله أعجمي, ولكن قد أُعرب وجعلت العرب ميمه من نفس الحرف فقالوا: مَعَز.
قال أبو الفتح: اعلم أن الأسماء الأعجمية النكرات التي دخل1 عليها الألف واللام قد أعربتها العرب واستعملتها استعمال أسمائها العربية.
وذلك أنها تمكّنت عندهم؛ لأنها أسماء الأجناس وهي الأول, وتدخل عليها الألف واللام؛ فجرت لذلك مجرى رَجُل وفَرَس.
ولذلك2 لم يمنعها من الصرف إلا3 ما يمنع العربي؛ لأنها قد جرت مجراه، نحو: ديباج، وفِرِنْد، وزنجبيل، ولجام, وما كان مثلها.
فلو سميت رجلا بديباج أو فرند لصرفته4؛ لأن العجمة فيه غير معتد بها, فجرت لذلك مجرى زيد وعمرو وبكر في أنها منقولة من أسماء الأجناس.
قال أبو علي: ويدل على أنهم قد أجروها مجرى العربي, أنهم قد اشتقوا منها كما يشتقون من العربي.
قال رؤبة:

هل يُنجيني حلف سِخْتِيت أو فضة أو ذهب كِبْرِيت قال: فسختيت من: السَّخْت1 وهو الشديد, بمنزلة زِحْلِيل من زَحْل.
فأما الأعجمية التي لا يجوز دخول الألف واللام عليها نحو: إبراهيم وإسماعيل، فإنها تباعدت من كلامهم فثقُلت, فمُنعت الصرف في المعرفة.
و"معزى" اسم نكرة؛ فلذلك جرى مجرى العربي عندهم حتى قالوا فيه: "مَعَزٌ".
فهذا معنى قول أبي عثمان: ولكن قد أُعرب، ألا ترى إلى اشتقاقهم منه "معز" وإدخالهم عليه الألف واللام وإلحاقهم إياه بهِجْرَع؟ زيادة الألف والنون في آخر الكلمة: قال أبو عثمان: وكل ما وجدت في آخره ألفا ونونا مما لم يشتق منه ما يذهب فيه, فهي زائدة.
قال أبو الفتح: يقول: إذا وجدت كلمة في صدرها ثلاثة أحرف من الأصل، وفي آخرها ألف ونون، فاقضِ بزيادة الألف والنون وإن لم تعرف الاشتقاق؛ لكثرة ما جاءتا زائدتين فيما عرف اشتقاقه نحو: "سِرْحان، وسَعْدان".
وليس يريد أنك كلما وجدت اسما في آخره ألف ونون قضيت بزيادتهما.
هذا خطأ، ألا ترى أن النون في فَدَان، وعِنَان، وسِنَان لام وليست زائدة.
وكذلك إن كانت الكلمة مكررة، حكمتَ بأن النون غير زائدة؛ لأنه لو جاء في كلامهم نحو: "جَنْجان، وقَنْقان" لكان قياسه أن يكون بمنزلة:

"خَضْخاض, وقَمْقام", ولا تجعل النون زائدة؛ لأنك لو فعلت ذلك للزمك أن تجعل "جنجانا" من باب سَلِسٍ وقَلِقٍ من ذوات الثلاثة، كأنه في التقدير: "جَنْج, وقَنْق" ثم زيدت الألف والنون.
وهذا بعيد؛ لأن باب "قلقلت، وصلصلت" أكثر من باب "سَلِسَ، وقلق".
وكذلك لو جاء شيء نحو "رُمّان، ومُرّان" لم تقض بزيادة النون إلا بثبت؛ لأنه يجوز أن تكون النون أصلا، وإن قضيتَ بزيادة نونه بغير ثبت فهو وجه، ألا ترى أن في الحديث: "أن قوما من العرب أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لهم: "من أنتم؟ " فقالوا1: نحن بنو غيان، فقال لهم: "بل أنتم بنو رشدان" "، أفلا تراه -عليه السلام- كيف تكرّه لهم هذا الاسم؛ لأنه جعله من الغي.
يدل على ذلك قوله: "بل أنتم بنو رشدان"؛ لأن الرشد ضد الغي.
فقد دل هذا من مذاهب العرب على أنه إذا جاءك مضاعَف في آخره ألف ونون نحو: "رمان, وعدان, وإبان" فسبيلك2 أن تحكم فيه3 بزيادة النون.
فأما مران، فحكى سيبويه فيه4 عن الخليل أن النون فيه من الأصل، وذهب إلى أن اشتقاقه من المَرَانة وهي اللين, فجرى عنده مجرى حُمَّاض من الحموضة.
فما كان من هذا النحو يُحتاج فيه إلى الاشتقاق ولا يقضى عليه3 بشيء إلا بثبت.
فأما ما كان من باب "سرحان، وسعدان" مما تحصل في صدره ثلاثة أحرف من الأصل، فاحكم بزيادة النون من آخره حتى تقوم دلالة على أنها من الأصل.

فأما ما قامت عليه دلالة: فـ "دِهْقان" نونه لام؛ لأنهم قد1 قالوا: "تَدَهْقَنَ" و"شَيْطان"؛ لأنهم قد2 قالوا: "تَشَيْطن" وليس في كلامهم "تَفَعْلَنَ" فالنون فيه لام.
فأما "تدهّق، وتشيّط" فليسا في قوة "تدهْقن، وتشيْطن" هكذا قال أبو علي, وإنما دفعه من طريق الرواية, فيسلم1 له.
فأما2 دُكّان فله اشتقاقان، قالوا: "دَكَنت الشيء أدكنه دَكْنا": إذا نضدت بعضه فوق بعض، و"دكّنته تدكينا" حكى ذلك ابن دريد قال: ومنه اشتقاق الدكان, قال3: وهو عربي صحيح. قال: وسمعت أبا عثمان الأشنانداني يقول: قال الأخفش: الدكان مشتق من قولهم: "أكمة دَكّاء" إذا كانت منبسطة, و"ناقة دكاء" إذا افترش سنامها في ظهرها. كما اشتقوا عثمان من العَثْم, فالنون على هذا القول في دكان زائدة, وهي في القول الأول أصل4.
فهذا تفصيل ما أجمله أبو عثمان في هذا الفصل وقد تعجرف فيه، ولكنه كان يخاطب به5 من يثق بفهمه ومعرفته.
مواضع زيادة النون حشوا: قال أبو عثمان: وكلما وجدت النون في مثال لا يكون للأصول, فاجعلها زائدة نحو: "كَنَهْبُل"؛ لأنه ليس في الكلام مثل "سَفَرْجُل", وكذلك "قَرَنْفُل" النون فيه زائدة، ومثل ذلك: "جُنْدَب, وعُنْصَر، وقُنْبَر"؛ لأنه 1، 2 قد: ساقط من ش في الموضعين.

ليس في الكلام مثل1: "جُعْفَر", فهذا بمنزلة ما اشتققت منه ما تذهب فيه النون.
قال أبو الفتح: قوله: فاجعلها زائدة, يقول: احكم بهذا من طريق القياس لا من قبل السماع، فإن انضاف إلى القياس السماع فما لا نهاية وراءه.
فمثال "كنهْبُل فَنَعْلُل"؛ لأنه ليس في الأصول مثل "سفرجُل", فمن ها2 هنا قضي بزيادتها.
ولو كانت الباء من كنهبل مفتوحة لكانت النون أصلا؛ لأنه لما انفتح رابعه صار كسفرجَل.
وهذا إنما يُقضَى به على النون إذا كانت مع أربعة أحرف ولم تكن ثالثة ساكنة، فإن كانت ثالثة ساكنة والكلمة على خمسة أحرف قضي بزيادتها، وإن كانت الكلمة على مثال الأصول، وذلك نحو "جَحَنْفَل" تجعل النون فيه زائدة؛ لأنها ثالثة ساكنة، فهذا وجه.
وفيه وجه آخر, وهو أنه الكثير بمعنى الجَحْفَل وهو الجيش الكثير، ولو لم نعلم أنه بمعنى الجحفل؛ لكان القياس أن تكون نونه زائدة لما ذكرت لك.
فأما قَرَنْفُل, فينضم3 إلى أنه ليس على مثال الأصول أن نونه ثالثة ساكنة, فقد وضح أمره في زيادة نونه من وجهين.
وإذا كان الأمر كذلك, فقد كان القياس في "عَنْتَرِيس" أن تكون نونه أصلًا؛ لأنها واقعة موقع العين من جَعْفَلِيق، ولكن القياس أوجب زيادتها؛ لأنها عند سيبويه من العَتْرسة وهي الشدة، والعنتريس: هي الناقة الشديدة، فمن هنا كانت زائدة.
فإن قال قائل4: ولِمَ صارت النون إذا وقعت ثالثة ساكنة في كلمة على خمسة أحرف, استحقت الزيادة؟

قيل: لأنها وقعت موقعا تكثر فيه الألف والواو والياء الزوائد نحو ألف الجمع في مَفَاعِل، وياء التحقير في مُفَيْعِل.
وكذلك1: "عُذافر، وسُمَيْدَع، وفَدَوْكَس".
فلما وقعت موقعا تكثر فيه حروف اللين الزائدة, وهي في الأصل من حروف الزيادة2؛ قضي بزيادتها مع كثرة ما يَضِح من3 أمرها بالاشتقاق أنها زائدة.
ولو جاء شيء مثل: "خَزَنْزَنَ، وفدندن" جاز فيه عندي أمران: أحدهما: أن تكون نونه الثالثة زائدة وتجعل الزايين والدالين عينين مكررين وتجعله من باب "هَجَنْجل، وعقنقل، وسجنجل" فيكون فَعَنْعَلًا.
والآخر: أن يكون الحرفان الرابع والخامس مكررين بمنزلة تكرير4 حاء5 صَمَحْمح, وكاف6 دمكْمك، فتكون النون أصلا؛ لأنها لام7 بمنزلة حاء صمحمح وكاف دمكمك الأوليين، فيكون فَعَلْعَلًا, والأمران عندي معتدلان.
وإنما اعتدلا؛ لأن بإزاء كثرة باب صمحمح، ودمكمك وزيادته على باب "عقنقل، وعصنصر" أن النون ثالثة ساكنة، والكلمة خمسة أحرف، فقام أحد السببين بإزاء الآخر، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لتغليب أحدهما على الآخر موجب، فإن جاء الاشتقاق بشيء عُمل عليه وتُرك القياس.
وقوله: وكذلك "جُنْدَب، وعنصر، وقنبر" يقول: إنك إنما جعلت النون في كَنَهْبُل زائدة؛ لأنه ليس في الأسماء مثل "سَفَرْجُل" فيلزم من هذا

جارٍ التحميل