باب ما تجعله زائدا من حروف الزيادة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- دار إحياء التراث القديم
- الطبعة
- الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أن تكون النون في "جُنْدَب" زائدة؛ لأنه ليس في الكلام مثل "جُعْفَر".
فهذا على مذهب سيبويه؛ لأنه ليس عنده أن في الأصول مثال "فُعْلَل".
فأما أبو الحسن، فقال أبو علي: إن قياس قوله أن تكون النون في "جندب" وبابه من الأصل حتى تقوم دلالة على زيادتها؛ لأنه قد حكي عنهم: "جُخْدَب" بفتح الدال, وقد ذكرت هذا فيما مضى من الكتاب.
قال: ولا حجة له في قولهم: "جُؤْذَر"؛ لأنه أعجمي، فإن كان الجندب من الجدب -لأنه مما يصحبه- فالنون فيه زائدة غير ملحقة على مذهب سيبويه، وهي زائدة ملحقة على مذهب أبي الحسن.
وأما عُنْصَر: فيجوز عندي أن يكون من: عصرتُ الشيء؛ لأن العُنْصُر هو أصل الشيء.
وإذا عُصِرَ الشيء فكأنه يرجع إلى أصله وجوهره بما يلحقه من شدة العصر.
ومثل هذا قولهم في التهدد بالشر: "والله لأرُدَّنَّكَ إلى أصلك" أو لأن الإنسان1 من عصارة أبيه.
فهذا من طريق الاشتقاق, والقياس أيضا يوجب زيادتها بغير اشتقاق.
وأما قُنْبَر: فيضاف فيه إلى القياس, أنهم قد قالوا فيه: "قُبَّر" والمعنى واحد.
قال الراجز:
يا لك من قبرة بمعمر
خلا لك الجوّ فبيضي واصْفِري
وقوله: "فهذا بمنزلة ما اشتققت منه ما تذهب فيه النون".
يقول: إن لم يوجد في الأصول بناء "سَفَرْجُل وجُعْفَر" "فهذا"2 بمنزلة وجدانك اشتقاق هذا بغير نون.
زيادة التاء آخرا:
قال أبو عثمان: والتاء تزاد في: مَلَكُوت، وجَبَرُوت، وعنكبوت، وتَرْنَمُوت.
قال أبو الفتح: "أما ملكوت" فمن الملك, "وجبروت" من التجبر.
فالتاء فيهما زائدة، ومثالهما "فَعَلُوت" ونظيرهما: "رَغَبُوت، ورَحَمُوت", وقد قالوا: "رَغَبُوتى، ورحموتى"، ومثالهما "فَعَلوتى".
فأما قول لبيد:
بأحزة الثَّلَبُوت يربأ فوقها ... قفر المراقب خوفها آرامها
فقياس التاء أن تكون فيه أصلا؛ لأنها في موضع السين من قَرَبُوس، وقَرَقُوس.
فإن1 قلت: أحمله على باب "جَبَرُوت، وملكوت، ورغبوت, ورحموت" وما أشبه ذلك لكثرته؟ فهو قول وليس بالقوي.
وأما "عنكبوت" فيدل على زيادة تائه, قولهم في معناه: العَنْكَب, والعنكباء.
وأما "تَرْنَمُوت" فيدل على زيادة تائه أيضا2 أنه بمعنى الترنم.
قال الراجز:
تجاوب القوس بترنموتها
أي: بترنمها3.
ويروى: تجاوب الصوت3.
ومثال عنكبوت: فَعْلَلُوت.
ومثال تَرْنَموت: تَفَعْلوت.
زيادة الياء والألف في يَهْيَرَّى:
قال أبو عثمان: "ويهيرى" الألف للتأنيث والياء التي في أوله زائدة؛ لأنهم قالوا: "يَهْيَر" فخففوا1.
قال أبو الفتح: وجه الاستدلال في هذا أنهم قد2 قالوا: يَهْيَرٌ بمعنى يهيرَّى, فيَهْيَر: يَفْعَل.
وليس يخلو من أن يكون "يَفْعَلا، أو فَعْيَلا، أو فَعْلَلا".
فلا يجوز أن يكون فَعْيلا؛ لأنه ليس في الكلام فَعْيَل، إنما هو مكسور3 الفاء نحو "حِذْيَم، وعثير".
ولا يجوز أيضا أن يكون فَعْلَلا؛ لأن الياء لا تكون أصلا في ذوات الأربعة على هذه الصفة.
فإن قلت: أجعله مكررا من باب "يَهْياه" فمحال؛ لأن اللامين في يهياه بلفظ الفاء والعين, بمنزلة "صَلْصل، وقلقل".
وكذلك "الوَحْوَحة، والوزوزة" الحرفان الأولان بلفظ الآخرين.
وليس كذلك"يهير" لاختلاف الراء والهاء.
ولو كان "يَهْيَه" لكان ذلك4 كذلك لعمري! فأما على هذا اللفظ فلا.
ولا يجوز أن يكون "يَهْيَر" فَعْلَلا أيضا على أن تجعله من باب "زهزق، ودهدق" وتقول: اختلف الثاني والرابع كما اختلفا في "زهزق، ودهدق"؛ لأنا لم نر الياء ولا الواو جاءتا أصلين فيما اتفق أوله وثالثه واختلف ثانيه ورابعه
نحو باب "زَهْزَق" كما جاءتا أصلين في باب "صَلْصَلَ، وقَلْقَلَ" نحو "وَحْوَحَ، ووزوز، ويهياه، ويليل" فإذا1 لم يجز أن يكون يَهْيَر فَعْلَلا، ولا فَعْيَلا بقي أن يكون يَفْعَلا بمنزلة "يَرْمَع، ويَعْمَلَة" وإذا كانت الياء زائدة في "يهير" وهو بمعنى "يهيرّى" كانت الياء أيضا في يهيرى زائدة؛ لأن اللفظ والمعنى متفقان.
فهذا وجه استدلاله، وفيه غموض ولم يفصح به.
وقد قالوا: يهيرّ, فتثقل الراء، قال الراجز:
أشبعت راعيّ من اليهيرّ
فظل2 يبكي حبطا بشر
خلف استه مثل نقيق الهر
وقد أنشد أيضا:
أشبعت راعي من اليهيرى
بالألف.
الميم في مهدد أصل:
قال أبو عثمان: "ومَهْدَد" الميم فيه أصل؛ لأنها لو كانت زائدة لكانت مَهَدّا3؛ لأن مَفْعَلا من المضاعف يجيء مدغما نحو "مَرَدّ, ومسدّ".
قال أبو الفتح: يقول: فظهور الدالين يدل على أنه فَعْلَل بمنزلة "قَرْدَد".
فإن قال قائل: فقد قالوا: "مَحْبَب", فبينوا وهو مَفْعَل؛ لأنه من الحب، فما تنكر أن يكون "مهدد" أيضا مَفْعَلا من الهدّ؟
قيل: "محبب" شاذ لا يقاس عليه، وقياس مَحَبّ كمَرَدّ, ومَسَدّ.
ولكن الأسماء الأعلام قد تغير كثيرا عما1 عليه غيرها مما ليس علما نحو قولهم: "رجاء بن حيوة، وثُهَلُل ومَزْيد، ومَكْوزة، ومعديكرب, ومَوْهب، وموظب, ومورق" وغير ذلك.
وقياس حيوة: حية، وثهلل: ثَهَلّ، ومزيد: مَزَاد, ومكْوَزة: مكازة، ومعديكرب: معدي كرب؛ لأن ما اعتل لامه لم يبن منه مَفْعِل -بكسر العين- إنما يجيء مفتوح العين نحو المشتى والمغزى والمحيا والمرمى, ولا يقولون: المشتِي ولا المغزِي ونحوهما.
وقياس "مَوْهَب، ومورق، وموظب: مَوْهِب، ومورق، وموظب"؛ لأن ما كانت فاؤه واوا بابه أن يجيء على مفعل -بكسر العين- لا فتحها نحو "موضع، وموعد".
وحكى الكوفيون "موضعا" بفتح الضاد, وأحرفا أخر وهو شاذ.
فلما كانت الأعلام قد تغير كثيرا عما عليه أكثر الأسماء, وكان "محبب" علما، جاز2 فيه إظهار التضعيف كما جاز في غير3 ما ذكرنا.
فإن قال قائل: فإن "مهددا" اسم4 علم، وهو اسم امرأة، قال الأعشى:
وما ذاك من عشق النساء5 وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا6
فما تنكر أن يكون مَهْدَد، مثل: مَحْبَب، إذ هو عَلَم مثله فيكون حينئذ مَفْعَلا؟ قيل: إنما قلنا في محبب: إنه مَفْعَل؛ لأنه من الحب لا غير7.
وهذا
كتسميتهم حبيبا ومحبوبا ونحوهما.
وليس في "مهدد" ما يدل على أنه من الهد دون المهد, فيقضى بأنه مَفْعَل، ولا يترك الظاهر إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل هنا.
بل إظهارهم الدالين يدل على أنه فَعْلَل، فيكون اشتقاق هذا الاسم من المِهاد.
ومهّدت الشيء، كأن المرأة سميت بذلك؛ لأنها ممهدة المودة، وطيئة الأخلاق, فيكون قريبا من تسميتهم إياها بسعدة من المساعدة, ومطيع من الطاعة، ووصال من المواصلة, فهذا أشبه، مع إظهار الدال من أن يكون من الهد, ولا أعرف في الكلام تصريف "محب"1, فيكون مَحْبَب فَعْلَلا منه.
فإن قلت: ولِمَ جاز في الأعلام هذا التغيير كله؟
قيل: لأنها كثيرة2 الاستعمال، معروفة المواضع3، والشيء إذا كثر استعماله, وعرف موضعه، جاز فيه من التغيير ما لا يجوز في غيره، نحو: "لا أدْرِ، ولم يكُ4, ولا تُبَلْ" وغير ذلك.
وليس كذلك ما كان مجهولا قليل الاستعمال.
ولما غُيِّرت الأعلام في ذواتها، جاز أن تغير في إعرابها.
فمن هنا جاز في الحكاية "مَنْ زيدا، ومَنْ زيد؟ " ولم يجز ذلك في الرجل والغلام ونحوهما5 مما ليس بعَلَم6.
هكذا قال أبو علي وهو الصواب.
الزوائد لا تلحق أول بنات الأربعة إلا إذا كانت مشتقة:
قال أبو عثمان: واعلم أن الزوائد1 لا تلحق أول بنات الأربعة إلا الأسماء من أفعالهن، نحو: "مُدَحْرَج، ومدحرِج".
قال أبو الفتح: إنما لم تلحق الزوائد بنات الأربعة من أوائلهن إلا ما كان جاريا على "فِعْل" لقلة الزوائد في بنات الأربعة أصلا؛ لأنه ليس لها تصرف ذوات الثلاثة وكثرتها.
ولما كانت ذوات الثلاثة مع تصرفها لم يجئ فيها ما اجتمع في أوله زائدان إلا حرفان، وهما "انْقَحْل، وانْزَهْو"؛ لأن أول الكلمة لا تتمكن فيه الزيادة إلا ما كان جاريا على فعل نحو "منطلِق، ومستخرج" رُفضت الزيادة في أول بنات الأربعة أصلا, إلا ما كان جاريا على فعل نحو: "مدحرج".
وإنما كان ذلك في الأفعال وما جرى عليها من الأسماء سائغا؛ لأنها في الزيادة أسوغ، وإليها أقرب.
ويدل2 على أن أول الكلمة لا تليق به الزيادة كما تليق بوسطه وآخره: امتناعهم من زيادة الواو أولا, وزيادة الواوين في نحو: "عَطَوّد، وكروس، واخْرَوّط, واعلوط".
وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن تكون الهمزة في: "إصْطبل" أصلا، وتكون الكلمة خماسية؛ لأن الكلمة لم تجر على فعل.
وهذا قول سيبويه وأبي الحسن.
وكذلك كان يقول في همزة "إبراهيم، وإسماعيل" وما كان نحوهما مما اجتمع
فيه أربعة أحرف من الأصول سوى الهمزة: إن الهمزة في أوله أصل، بخلاف ما يذهب إليه الكوفيون وهو القياس.
الياء في يَسْتَعُورٍ أصل:
قال أبو عثمان: فأما مثل "يَسْتَعُورٍ" فهو بمنزلة "عَضْرَفُوط"؛ لأن الياء من نفس الحرف لما ذكرت لك.
قال أبو الفتح: قوله: لما ذكرت لك, يريد: لأن الزوائد لا تلحق بنات الأربعة من أوائلها إلا الأسماء من أفعالهن, وقد مضى هذا.
و"يستعُورٌ" ليس بجارٍ على فعل, وليس لقائل أن يقول: إن السين والتاء هنا1 زائدتان ولا إحداهما؛ لأن هذا ليس من مواضع زيادتهما، وستراه إن شاء الله. فلذلك مَثّل "يستعورًا بعضرفوط"2, وجعل الياء كالعين2.
فأما من قال: إن مثال "يستعُور: يَفْتَعُول" فلا يدري من صنعة التصريف شيئا، وإنما هو فيه3 هاذ!!
الميم في مَنْجَنُونٍ أصل:
قال أبو عثمان: "ومنجنون" كذلك.
قال أبو الفتح: يقول: إن3 الميم في "منجنون" أصل، فهذا معنى قوله: "ومنجنون" كذلك, وليس يريد أن منجنونا من ذوات الخمسة مثل
عضرفوط.
هذا محال؛ لأجل تكرير النون، وإنما هو مثل "حَنْدَقوق, ملحق بعَضْرَفُوط", ولا يجوز أن تكون الميم زائدة؛ لأنا لا نعلم في الكلام مَفْعَلُولا.
ولا يجوز أيضًا أن تكون الميم والنون جميعًا زائدتين على أن تكون الكلمة ثلاثية من لفظ: "الجن" من "جهتين":
إحداهما1: أنك كنت تجمع في أول الكلمة زيادتين، وليست الكلمة جارية على فعل مثل: "منطلق, ومستخرج".
والأخرى: أنا لا نعلم في الكلام "مَنْفَعُولا" فنحمل هذا عليه.
ولا يجوز أيضًا أن تكون النون وحدها زائدة؛ لأنها قد ثبتت في الجمع في قولهم: "مَناجِِين".
ولو كانت زائدة لقيل: "مجانين", كما قالوا: "مجانيق" في جمع "منجنيق" لما كانت النون زائدة.
وإذا لم يجز أن تكون الميم وحدها زائدة ولا النون وحدها زائدة، ولا أن تكونا2 كلتاهما زائدتين، لم يبق إلا أن تكونا أصلين, وتجعل النون لامًا مكررة، وتكون الكلمة مثل "حندقوق" ملحقة3 بعضرفوط.
الميم في مَنْجَنِيق والخلاف فيها:
قال أبو عثمان: وأما "منجنيق" فإنها "فَنْعَلِيل".
يدلك على ذلك قولهم: "مجانيق", فتذهب النون4 في التكسير كما تذهب تاء عنكبوت إذا قلت: عناكب.
قال أبو الفتح: اعلم أن هذه اللفظة قد تنازع الناس فيها الخلاف, وأنا أذكر ما قيل فيها.
قال ابن دريد: اختلف أهل اللغة فيه -يعني منجنيقا- فقال قوم: الميم زائدة, وقال آخرون: بل هي أصلية.
قال1: وأخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة -وأحسب أن أبا عثمان أيضا أخبرنا به عن التوزي عن أبي عبيدة- قال: سألت أعرابيا عن حروب كانت بينهم, فقال: "كانت بيننا حروب عُون، تُفقأ فيها العيون مرة، ثم نُجنق، وأخرى نُرشَق".
قال: فقوله2: "نجنق" دال على أن الميم زائدة، ولو كانت أصلية لقال: "نُمجنَق" على أن المنجنيق أعجمي معرب, فهذا قول ابن دريد كما تراه.
والقول عندي: أن الميم من نفس الحرف كما ذهب إليه أبو عثمان, والنون زائدة لقولهم: "مجانيق" وسقوط النون في الجمع, فجرت لذلك مجرى الياء في عَيْضَمُوز إذا قلت: عَضَاميز.
فأما قوله3 تارة: "نُجنَق" وما حكاه الفراء من قولهم: "جَنَقُوهم بالمجانيق" فالقول فيه عندي أنه مشتق من المنجنيق إلا أن فيه ضربا من التخليط, وكان قياسه: "مَجْنَقوهم، وتَمَجْنق".
ولكنهم إذا اشتقوا من الأعجمي خلطوا فيه؛ لأنه ليس من كلامهم فاجترءوا عليه فغيروه، وذلك أن الميم وإن كانت هنا أصلا, فإنها قد تكون في غير هذه الكلمة زائدة، فشبهت بالزائد فحذفت عند اشتقاقهم الفعل.
ونظير ذلك ما أنشدناه أبو علي من قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج
منها فظلت اليوم كالمُزَرّج
أراد: سكران كالذي قد1 شرب من الزّرَجُون.
قال: وكان قياسه أن يقول: "المُزَرْجَن"؛ لأن النون في زَرَجون أصل.
فقال: "مُزَرَّج" لأن الكلمة أعجمية, وهم إذا اشتقوا من الأعجمي خلطوا فيه.
ونظير ذلك قولهم في تحقير "إبراهيم: بُرَيْهِم، وبُرَيْه", فحذفهم الهمزة تارة والهمزة والميم أخرى، تخليط في الكلمة؛ لأنها أعجمية خارجة عن أصول كلامهم.
وهما مع ذلك وإن كانتا هنا من الأصل، فقد تكونان2 في غير هذا الموضع زائدتين.
ولو ذهب ذاهب إلى أن "جنقوهم، ونجنق" لم يُخلَّط فيه، لقُضي بأن وزن "منجنيق: مَنْفَعِيل" وهذا غير موجود في الكلام.
ولما كان المنجنيق مما ينقل ويعمل به، وكانت ميمه قد جاء فيها الكسر3، توهموها4 زائدة نحو مِطْرَقة5 ومِرْوَحة، فحذفوها عند اشتقاقهم5 الفعل واجترءوا على ذلك لذلك.
وهذا عندي من الشاذ, والقياس ما ذهب إليه أبو عثمان.
فأما قوله5: فتذهب النون في التكسير, كما تذهب تاء عنكبوت إذا
قلت: "عناكب", ففيه شيء لأنه ليس بقولهم: "عناكب" يعلم لا محالة أن التاء في عنكبوت زائدة.
وإنما يعلم ذلك بقولهم: "عَنْكَب" في معناه.
وقالوا1 أيضا: "عَنْكَبَاء" فبهذا يقطع على زيادة التاء في عنكبوت لا بما ذهب إليه أبو عثمان.
ولكنه لما رآهم يقولون في الجمع: "عناكب" فيجترئون على حذف التاء من غير استكراه, استدل به على زيادتها؛ لأنها لو كانت في من الأصل لقبُح حذفها؛ لأنهم لا يكسِّرون ذوات الخمسة إلا على استكراه2, فقد يمكن قائل أن يقول: ما تنكر أن تكون التاء أصلا ويكون تكسير الكلمة على استكراه2, و2 إذا احتج بقولهم في معناه: "عنكب" سقط الكلام.
فهذه هي الحجة القاطعة.
فأما قولهم: "مَجَانيق" فيدل على زيادة النون في منجنيق, كما ذهب إليه؛ لأن النون ثانية، ولو كانت من الأصل لثبتت.
زيادة الهمزة حشوا, وهمز العالم والخاتم:
قال أبو عثمان: ومما زِيدت الهمزة فيه غير أول "شَمْأل، وشَأْمل", وإنما هي من شَمَلَتْ تَشْمَلُ.
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر زيادة الهمزة غير أول, فأغنى عن إعادته.
وشمأل, وشأمل ملحقان بجعفر وسلهب, ومثالهما "فَعْأَل، وفَأْعَل".
وحكي أن العجاج كان يهمز العألم والخأتم3، وقياسه عندي أنه لم
يبتدئ بزيادة الهمزة ثانية، ولكنه أبدل الألف همزة، كما يقول بعضهم في الوقت: "رأيت رجلا"1على أن الوقف من مواضع التغيير.
وكذلك قول بعضهم: "تَأْبَلْتُ القِدْر" والتَّأْبَل إنما أبدل الألف همزة على ما ذكرت, وليس كذلك شَأْمَل؛ لأن الهمز2 فاشٍ, والمشهور من تابل وخاتم وعالم ترك الهمز.
فأما قول امرئ القيس:
كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
فمفعل من3 لفظ الأسْلة3 وليس بفَأْعل3 كشَأْمل؛ لأن زيادة الميم في أول بنات الثلاثة أكثر من زيادة الهمزة في حشوها, ولا يجوز أن يكون فَعْلَلا؛ لأن الميم في أول بنات الثلاثة نظيرة الهمزة.
ولو كانت الهمزة موضع الميم لقضي بزيادتها, وإن كان هذا الجبل الذي اسمه مَأْسَل سَبِطا مستطيلا.
فاشتقاقه عندي من أسَلَة الذراع، ومن قولهم: "خد أسيل" كما قال أبو علي في "قَباء" اسم الجبل المعروف: إنه إن كان في هذا الجبل انضمام واجتماع فهو من قولهم: حرف مَقْبُوّ أي: مضموم، فهذا الذي قلت أنا نظير4 ما قاله.
زيادة الميم آخرا:
قال أبو عثمان: وزادوا الميم غير أول في "زُرْقُم, وسُتْهُم، ودِلْقِم", ولولا الاشتقاق كان من الأصل، ولكن للاشتقاق5 كان زائدا.
قال أبو الفتح: إنما كان القياس عنده -لولا الاشتقاق- أن تكون الهمزة والميم غير زائدتين1 في هذا الموضع؛ لأنه ليس من مواضع زيادتهما، إنما ذلك أول الكلمة.
فقولهم: "شملت الريح" يدل على زيادة الهمزة.
و"زرقم" بمعنى الأزرق.
و"ستهم" بمعنى الأسته.
و"دلقم" هي الناقة التي قد تكسّرت أسنانها فاندلق لسانها, وسال لعابها, فهذا ما ذكروه2.
وقالوا: "ضِرْزِم" وهو من معنى الضرر, وهو الشديد البخيل.
وقالوا: "فُسْحُم" للواسع وهو من الانفساح.
وقالوا: "الدِّقْعِم"3 وهو التراب3 وهو من الدَّقْعاء.
وقالوا: "دِرْدِم" وهو من الأدْرَد, وهو الذي تكسرت أسنانه.
وقالوا: "الحِلْكِم" للشديد السواد, وهو عندي من الحُلْكة.
وقال الأصمعي: "جَلْهَمَة" اسم رجل.
نُرَى أنه اشتُق من جَلْهَة الوادي، وهو ما استقبلك منه.
الميم في دُلَامِص:
قال أبو عثمان: وزعم الخليل أن "دلامصا" الميم فيه زائدة، وهو "فُعَامِل".
والدليل على ذلك قولهم: "دِلَاص، ودَلِيص" في معنى "دُلامِص".
ولو قال قائل: إن دُلَامِصا من الأربعة، معناه "دَلِيص", وليس بمشتق من الثلاثة, قال قولا قويا، كما أن "لآلا" منسوب1 إلى اللؤلؤ1 وليس منه, وكما أن "سِبَطْرا" معناه السَّبِط وليس منه.
قال أبو الفتح: مذهب الخليل في هذا أكشف وأوجه من مذهب أبي عثمان, وذلك أنه لما رأى "دلامصا" بمعنى دليص, ووجد الميم قد زيدت غير أول في زرقم، وستهم، وبابهما؛ ذهب إلى زيادة الميم في دلامص.
فهذا قول واضح كما تراه1، والذي ذهب إليه أبو عثمان أغمض من هذا.
وذلك أنه لما لم ير الميم قد كثرت زيادتها غير أول, ووجد في كلامهم ألفاظا ثلاثية بمعنى ألفاظ رباعية، وليس بين هذه2 وهذه إلا زيادة الحرف الذي كمّل أربعة, حمل دلامصا عليه هربا من القضاء بزيادة الميم غير أول.
ألا ترى أن "لآلا" ثلاثي, ولؤلؤا رباعي والمعنى واحد, واللفظ قريب بعضه من بعض.
وكذلك "سَبِط، وسِبَطْر" وكلا القولين مذهب, وقول الخليل أقيس3 وأجرى على الأصول.
5ونظير هذا فيما ذهب5 إليه أبو عثمان, قولهم: "دَمِث، ودِمَثْر، وثعلب، وثُعَالة".
وقال الأصمعي: إنهم قالوا للأسد: "هِرْمَاس"؛ لأنه من الهرس.
فهرماس على هذا القول عنده "فِعْمَال" وهو نظير قول الخليل.
ويحتمل أن يكون عنده 1، 1 ظ، ش: إلى معنى اللؤلؤ.
من معنى الهَرْس, وإن كان رباعيا كما ذهب إليه أبو عثمان, والقول الأول أظهر, ولهذا نظائر.
أمهات الزوائد:
قال أبو عثمان: واعلم أن الياء والواو والألف هن1 من أمهات الزوائد, والهمزة والميم أولا كذلك, وهمزة التأنيث في مثل حَمْرَاء وخُنْفُساء, والألف والنون في مثل2 "غَضْبَان، وزعفران"، والتاء للتأنيث في مثل "تمرة" وما أشبهها, وهي التي تُبدَل منها الهاء في الوقف، والتاء التي يجمع بها التأنيث نحو مسلمات وصالحات, وهؤلاء أمهات الزوائد.
قال أبو الفتح: معنى قوله: أمهات الزوائد, يريد به: أنه يكثر3 تصرفها في الكلام، وهي فاشية، وليست3 كالسين واللام اللتين لا تكثر زيادتهما ولا يكاد الكلام يخلو من الألف والواو والياء أو من بعضهن -وبعضهن الحركات- لأنه ليس في كلامهم لفظة تخلو من الحركات؛ فلذلك قدّم الألف والياء والواو على ما ذكره.
وقوله: والهمزة والميم أولا كذلك، يقول: إنما تكثر زيادة الميم والهمزة أولا، لا حشوا ولا3 آخرا، وليس كذلك حروف اللين؛ لأن تلك تزاد
في كل موضع إلا الواو والألف, فإنهما لا تُزَادان أولا1, أما الواو فقد ذكرنا العلة في أن لم تزد أولا1.
وأما الألف, فإنها إنما امتنعت من أن تزاد أولا؛ لأنها ساكنة والابتداء بالساكن ممتنع غير جائز.
وقوله: وهمزة التأنيث: اعلم أنه قد صرح في هذا الموضع بأن علامة التأنيث هي الهمزة في الحقيقة وهو الصواب، وليس كما يقول من يزعم أن المدة علامة التأنيث؛ لأن هذا كلام غير محصّل، وذلك أن المدة إنما هي الألف التي1 قبل الهمزة, وعلامة التأنيث لا تكون في وسط الكلمة, إنما تكون آخرها2 نحو "حَمْدَة وحُبْلَى".
فإن قيل: ما تنكر أن تكون3 الألف والهمزة جميعا علامة التأنيث, كما تقول: إن الياءين في نحو: "زيديّ وبكريّ" علامة النسب؟
قيل: هذا ممتنع؛ لأنا لم نر علامة تأنيث غير هذه تكون على حرفين, إنما هي حرف واحد نحو الهاء في "طلحة" والألف في "حبلى".
فإن قيل: فإن سيبويه يقول في مواضع من "الكتاب": فعلتَ بألفي التأنيث وصنعتَ بهما4، يعني: هذه الألف والهمزة؟
قيل: إنما قال هذا؛ لأن هذه الهمزة لما كانت لا تنفكّ من كون هذه الألف قبلها وهي مصاحبة لها وغير مفارقة، أطلق هذا اللفظ عليهما5 تجوزا.
1، 1 ساقط من ظ، ش, وسقوطه يفسد المعنى.
ويدل على أن الهمزة وحدها عَلَم التأنيث، أنك إذا جمعت مثل "صحراء، وخنفساء" بالألف والتاء فإنما1 تغير الهمزة وحدها وتدع الألف بحالها, وذلك قولهم: "صَحْراوات، وخُنْفُساوات" فقلبك الهمزة في هذا الجمع نظير حذف التاء من طلحات؛ لئلا يجتمع في الكلمة علامتا تأنيث.
ولو كانت الألف قبلها داخلة معها في أنها علامة تأنيث, لوجب تغييرها في الجمع كما وجب تغيير الهمزة لما كانت علامة تأنيث، فتركتهم الألف بحالها.
وتغييرهم الهمزة، دلالة على أن الهمزة وحدها علامة التأنيث.
انقلاب همزة التأنيث عن ألفه:
وينبغي أن يعلم أن هذه الهمزة إنما هي منقلبة عن ألف التأنيث التي في نحو "حبلى، وبشرى", ولكنها لما وقعت بعد ألف قبلها زائدة, وجب تحريكها لئلا يلتقي ساكنان فقلبت همزة.
وهذا مذهب سيبويه وهو الصحيح.
ويدل على صحته, وأن2 هذه الهمزة منقلبة عن ألف التأنيث المفردة، أنك إذا أزلت الألف من قبلها بقلبها، خرجت هي عن الهمزة.
وذلك قولهم في جمع3 "صحراء: صحارِي", فهذه الياء4 الأولى المدغمة4 هي الألف التي كانت قبل الهمزة في "صحراء" انقلبت4 في الجمع لانكسار ما قبلها, كما تنقلب في جمع مفتاح وغِرْبال إذا قلت: مفاتيح، وغرابيل.
فلما انقلبت الألف إلى الياء
انقلبت علامة التأنيث التي كانت بعدها في "صحراء" ياء؛ لوقوع1 الياء المنقلبة عن الألف قبلها.
وذلك قولك2: صحاريّ, وزالت الهمزة لزوال الألف الموجبة3 لها من قبلها.
فلو كانت الهمزة في "صحراء" غير منقلبة, لم يلزم انقلابها في الجمع، كما أنك لو جمعت "قُرّاء" لقلت: "قَرَارِئ", وكما قالوا4 في جمع كوكب "دُرِّيء: دَرَارِئ" لما كانت الهمزة أصلا غير منقلبة.
فقولهم5: "صحاري" بلا همز، دلالة على أن الهمزة في "صحراء" منقلبة, إذ لو لم تكن منقلبة لوجب أن تقول: صحارئ كما قالوا: درارئ.
وإذا ثبت أنها منقلبة في "صحراء", فيجب أن يكون انقلابها عن الألف التي في مثل "حبلى".
ولا يجوز أن تكون منقلبة عن ياء ولا6 واو؛ لأنا7 لا نعلم الياء والواو جاءتا علامتي تأنيث في الأسماء8.
فأما الياء في تقومِين، وتقعُدِين، فعلامة الضمير المؤنث، وليست9 من جنس علامات التأنيث في الأسماء المتمكنة.
فتأمل ما ذكرته1، فإنه لا يجوز في القياس غيره.
وهو رأي أبي علي, وعليه2 قول أشياخنا المتقدمين.
الألف والنون في نحو: عثمان وسرحان
وأما الألف والنون الزائدتان في نحو "عثمان, وسرحان", فإنهما نظيرتا الألف والهمزة في باب "حمراء، وصفراء"3, وأصل بنائهما لباب "سكران، وغضبان" لأنهما وصف, والزيادة بالوصف أحق منها بالاسم؛ لأن الوصف مشابه للفعل، والزيادة في الفعل أقعد منها في الاسم، وقد تقدم ذكر هذا.
ويدل على أن الألف والنون في باب "سكران" ونحوه مضارعتان لألفي التأنيث في نحو "صفراء، وحمراء" أن مؤنث "سكران" على غير بنائه, وإنما هو "سكرى".
كما أن مذكر "حمراء" على غير بنائها، إنما هو "أحمر", فهذا هنا كذاك ثمة.
فأما قولهم: "سكرانة، وعطشانة" فشاذ، والأكثر "سكرى، وعطشى", وفيه دليل آخر وهو4 أنهم قد قالوا في جمع "ظَرِبان: ظَرابيّ", فشبهوه بصحارِيّ5, وقياسه: ظرابِين كما تقول: سراحين.
ولكنهم قلبوا النون من ظَرِبان ياء في الجمع ليكون ذلك6 تنبيها على أن النون في "سكران" وبابه مشبهة بهمزة التأنيث في "صحراء".
ولهذا قال النحويون: إن النون في باب "سكران" مشبهة بالألف
الثابتة في باب "حمراء, وصفراء", قالوا: لأن الوزن واحد بالعدة والحركة والسكون.
قالوا: ولأنك لا تقول: "سكرانة، ولا غضبانة" كما لا تقول: "حمراءة, ولا صفراءة"؛ لأن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث، ولا على ما كان بمنزلتها.
وأيضا فقد قالوا في جمع "سَكْرَان: سَكَارَى" كما قالوا في جمع "صَحْرَاء: صَحَارَى" وأصله: "سَكارين", كما أن أصل هذا: "صحاريّ"1, فحذفوا من "سكارى" كما حذفوا من "صحارى"1.
فأما قولهم: إن النون في باب سكران بدل من الهمزة, فلا يريدون به البدل الذي هو على حد قولهم1 في مُفْعِل من "أيقنتُ، وأيسرتُ: مُوقِن، ومُوسِر", وإنما يريدون أن هذه الهمزة بمنزلة هذه النون, يتعاقبان على حد ما يقولون: إن الألف واللام بدل من التنوين, إنما معناه أنهما يتعاقبان؛ لأنا لم نرهم أبدلوا النون من الهمزة في غير هذا الموضع.
فأما قولهم في النسب إلى صنعاء وبهراء: صنعانِيّ وبهرانِيّ، فقد ذهبوا فيه إلى النون بدل من الهمزة.
قال أبو علي: وليس كذلك2, إنما قدره بَدِيًّا: صنعاوِيّ، وبهراوِيّ، ثم أبدل النون من الواو المبدلة من الهمزة.
قال: لأنا لم نر النون أُبدلت من الهمزة في غير هذا الموضع.
قال: وقد رأيناهم أبدلوا الواو من النون4 في قولهم: "مَوّاقد" وهم يريدون: "من واقد", فلما رأيناهم أبدلوا الواو من النون4 قلنا: إن النون في بهراني وصنعاني بدل من الواو، ولم نرهم أبدلوا الهمزة من النون ولا النون من الهمزة.
1، 1 ساقط من ظ، ش.
النون في صَنْعَانِيّ وبَهْرَانِيّ:
ثم قال بعد ذلك بزمان: لو أجاز1 مجيز أن تكون النون في2 صنعاني، وبهراني بدلا من الهمزة3 لكان وجها؛ لأن الغرض أن يزول لفظ الهمزة3 مع ياءي الإضافة، فجائز أن تبدل الهمزة نونا لتقارب بعض هذه الحروف من بعض.
يريد بذلك: أنهم قد أبدلوا الألف من النون في الوقف نحو "رأيتُ زيدَا, ولنَسْفَعَا" يقول: والألف3 قريبة من الهمزة، فكما4 جاز أن يبدلوا الألف من النون, جاز أيضا أن يبدلوا النون من الهمزة6, والقول الأول هو الذي كان يعتمد عليه وهو الأقوى.
وإنما ذكر أبو عثمان الألف والنون بعد همزة التأنيث؛ لقرب ما بينهما من الشَّبَه, وقدّم باب حمراء على باب عثمان؛ لأنه محمول عليه.
التاء في مثل تمرة:
وقوله: والتاء للتأنيث في مثل تمرة وما أشبهها, وهي التي تُبدَل منها الهاء في الوقف, هذا قول كما تراه، وهو صحيح.
ولمعترض أن يقول: ما تنكر أن تكون الهاء هي الأصل، وأن التاء في الوصل إنما هي بدل من الهاء في الوقف؟5
فالجواب عن1 ذلك: أن الوصل من المواضع التي تُجْرَى فيها الأشياء على أصولها، وأن الوقف من مواضع التغيير والبدل، ألا ترى أن منهم من يقول في الوصل: "هذه أفعى يا فتى" بالألف كما يجب, فإذا2 وقف قال: "هذه أفعَيْ" فيبدل الألف ياء.
ومنهم من يقول: "أفْعَوْ" فيبدلها واوا.
وأنشدوا:
تبشري بالرفه والماء الروي
وفرج منك قريب قد أتي
وقال الآخر:
إن لطي نسوة تحت الغضي
يمنعهن الله ممن قد طغي
بالمشرفيات وطعن بالقني
في3 كله بالياء.
ويقولون في الوصل: "رِوًى يا فتى، وغضا، وقنا", ويقولون في الوصل: "هذا بكرٌ، ومررت ببكرٍ"4, فإذا وقفوا فمنهم من يقول: "هذا بَكُرْ، ومررت ببَكِرْ"4، فينقل الحركة إلى ما قبل حرف الإعراب.
ويقول بعضهم في الوقف: "هذا خالدّ، وهو يجعلّ", فيشدد الحرف في الوقف, فإذا وصل رده إلى التخفيف.
وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن, أو سمعته4 يُقرأ عليه عن ثعلب:
أرتني حجلا على ساقها ... فهش الفؤاد لذاك الحجل
فقلت ولم أخف عن صاحبي: ... ألا بأبي1 أصل تلك الرجل
2ويروى "بينا" بالنون, ويريد: الحجل والرجل، ولكنه كسر الجيم في الوقف2.
فهذا وأشباهه مما يكثر تعداده، يدل على أن الوصل تجري فيه الكلمة على أصلها، وأن الوقف من مواضع التغيير.
فلما رأينا هاء التأنيث في الوصل "تاء", علمنا أن أصلها "التاء" وأن الهاء في الوقف بدل2 من التاء في الوصل.
وإنما أبدلت "هاء" لانفتاح ما قبلها، وأنها من الحروف المهموسة، والهاء مهموسة وقريبة3 من الألف, ولم تبدل ألفا لانفتاح ما قبلها؛ لئلا يلتبس بالألف المقصورة في حبلى وبشرى، والهاء قريبة من الألف فأبدلت هاء.
فأما التاء في مسلمات ونحوها فليس4 يحتاج فيها إلى دلالة؛ لأنها تاء على كل حال.
وهذا أيضا مما يدل على أن التاء هي الأصل في باب "طلحة، وحمدة" وأن الهاء بدل منها.
ألا تراها في هندات تاء ثابتة ولم تبدل في الهندات هاء لسكون ما قبلها, وإنما ذكر تأنيث الجمع بعد تأنيث الواحد6؛ لأن تأنيث الجمع ليست له قوة تأنيث الواحد6.
ألا ترى أنه لك في الجمع التذكير والتأنيث،
فتقول: قامَ الهندات، وقامتِ الهندات، وليس لك أن تقول: "قام هند"؛ لأن تأنيث الواحد أشد تمكنا؟
ألا ترى أنك لو سميت رجلا "سعاد"1 لم تصرفه، ولو سميته "نساء" لصرفته؛ لأن تأنيث الجمع لا حقيقة له، وإنما هو شيء لا قوة له كقوة تأنيث الواحد.
يدل على ذلك أنك تقول: "هذه رجال مقبلة" تذهب إلى الجماعة, وإن كان كل واحد منها2 مذكرا؛ فلذلك جاء بتأنيث الجمع بعد تأنيث الواحد.
فهذه أمهات الزوائد كما ذكر, وقد بينت ما معنى أمهات الزوائد في أول الفصل.
زيادة العين في مثل فَعَّل، واللام في مثل محمَرّ:
قال أبو عثمان: وقد تزاد العين في مثل "فعّل، ومُفَعَّل", واللام في مثل "محمرّ، ومطمئنّ, ومقشعرّ" وقد فسرنا بعض هذا فيما مضى.
قال أبو الفتح3: اعلم أن معنى قوله: "قد تزاد العين" ليس يريد به4: أن الطاء المكررة في "قطّع" من حروف الزيادة, وإنما يريد أنها تتكرر وإن كان المكرر بلفظ الأصل.
وذكر تكرير العين واللام, ولم يذكر تكرير الفاء في "مَرْمَرِيس"؛ لأنه حرف شاذ لا نظير له5, فأضرب عن ذكره5 لقلته.
وهكذا كان يفعل سيبويه إذا تحجّر شيئا من اللغة وخرج عنه1 الحرف أو الحرفان لم يستثن بما خرج عن الجمهور لقلته, لا لأنه لم يقع إليه.
ألا تراه قال: إن مثال2 "فَيْعُل" لم يأت في الكلام, وقد قال الأعشى:
وما أَيْبُلِيّ على هيكل ... بناه وصلب فيه وصارا
فقوله: "أيبلي" هو فَيْعُلِيّ.
قال أبو علي: واشتقاقه من أَبَلَ3 بالمكان: إذا أقام به, وأبلت الإبل بالرطب عن الماء أي: أقامت عليه واجتزأت به عن الماء, فكأن هذا الراهب اجتزأ بما في هيكله وأقام عليه, ولم يتعده إلى غيره.
قال: وإنما لم يذكر سيبويه هذا الحرف لشذوذه وخروجه عن الجمهور, فكذلك أبو عثمان لم يذكر "مَرْمَرِيسًا"؛ لأنه لا نظير له.
على أنه أيضا4 لم يقل: إن الفاء لم تضعف.
قال أبو علي: وقد يأتي مع ياءي5 الإضافة من الأمثلة ما لا يأتي مع غيرهما.
ألا ترى أنهم قالوا في الإضافة إلى تحية: تَحَوِيّ؟ قال6: فتحوي وزنه7: تَفَلِيّ. وهذا مثال لا يقع إلا مع ياءي الإضافة من الأمثلة8.
قال: وكذلك تاء التأنيث, ألا ترى أنه لولا تاء التأنيث لم يأت مثل "عَرْقُوَة وقَمَحْدُوَة9 وتَرْقُوَة" مصححا, فقد يجيء مع تاء التأنيث وياءي الإضافة
ما لا يأتي مع غيرهما, فكذلك جاء أَيْبُلي وإن لم يأت فَيْعُل بلا ياءي إضافة1.
وقد اختلف الناس في هذه المكررات، فقال قوم: الأول هو الأصل، والثاني هو الزائد.
وقال آخرون: الأول هو الزائد, والثاني هو الأصل.
فمن قال: إن الأول هو الأصل، قال: الطاء الثانية من "قطّع" بإزاء الواو من "جَهْوَرَ", فهي زائدة كالواو.
ومن قال: إن الأول هو الزائد، قال: الطاء الأولى من "قطّع" في موضع الواو والياء من "حوْقل, وبيْطر", فهي زائدة مثلهما.
ومذهب الخليل: أن الزائد هو الأول.
قال سيبويه: وأما غيره فيجعل2 الثاني هو الزائد.
قال: وكلا القولين صواب.
ومذهب أبي بكر: أن الثاني هو الزائد؛ لأنه تكرر.
قال: فهو3 أحق بالزيادة, وهذا هو القياس؛ لأنك إنما تبدأ فتستوفي ما هو من أصل الكلمة، ثم تزيد بالتكرير حتى تبلغ العدة، والمثال الذي تريد4.
زيادة النون والواو في نحو حِنْطَأْو:
قال أبو عثمان: واعلم أن مثل "حنطأو، وكنثأو، وفندأو" النون والواو فيهن زوائد، وقد ألحقن بباب "جِرْدَحْل".
قال أبو الفتح: اعلم أنه إنما ذهب إلى أن الواو والنون جميعا زائدتان؛ لأن الواو لا تكون أصلا في ذوات الخمسة أبدا، ولا في ذوات الأربعة على هذه
السبيل.
فلما ثبتت زيادة الواو, قُضي بزيادة النون أيضا؛ لأنها لزمت هذا الموضع1 من هذا المثال كما لزمت النون باب "جُنْدَب وعنظب وعنصل" في ذلك1.
قال أبو علي: ولأن الزيادة بذوات الثلاثة أحق منها بذوات الأربعة؛ لتصرف بنات الثلاثة وكثرتها في الكلام، فهذا من طريق القياس.
وأما1 من طريق الاشتقاق، فقد قالوا: "كَثَّأَتْ لحيتُهُ" إذا عظمت, وأنشد الأصمعي:
وأنت امرؤ قد كَثَّأت لك لحيةٌ ... كأنك منها قاعد في جُوالِق
وقالوا: "رجل كِنْثَأْو" وهو الوافر اللحية, فهذا قريب من معنى "كثأت لحيته", فهذا2 يدل على أن "كِنْثَأْوا: فِنْعَلْو" وكذلك "حنطأو, وقندأو".
زيادة اللام في ذَلِكَ، وأُولَالِكَ:
قال أبو عثمان: وقد زادوا اللام في ذلك وأولالك, وليس زيادتهما بمُتْلَئِبّة ولا مستقيمة3 ولا كثيرة.
قال أبو الفتح: إنما كانت اللام زائدة في هذا؛ لأنهم قد4 قالوا في معناه: "ذاك، وأولاك، وأولئك" ولا لام فيها5، وإنما زيدت اللام في ذلك تكثيرا 1، 1 ساقط من ظ، ش.
واتساعا في اللغة. ولمّا زادوها في الواحد، زادوها في الجميع1.
قال الشاعر:
أُولَالِكَ قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أُولالِكا
وقد زيدت اللام في غير هذين.
قالوا2: "عَبْدَل" في معنى عبد الله, فاللام زائدة.
وقالوا: "هُنالِك" في معنى هُناك.
وقالوا: "زيْدل" في معنى زيد.
"وفَيْشَلَة"3 في معنى فَيْشَة3.
وقال بعضهم: اللام في "حَسْدَل" زائدة, والحسدل: القُراد.
ما تعرف به حروف الزيادة:
قال أبو عثمان: فاذا وجدت حرفا من4 حروف الزيادة4 سوى الواو والياء والألف في شيء يشتق3 من معناه ما يذهب فيه؛ فاجعله زائدا نحو: "رَعْشَن"؛ لأنه4 من الرعشة.
يدلك5 على ذلك قوله:
من كل رَعْشَاءَ وناجٍ رَعْشَن
فهذا ثبت.
قال أبو الفتح: يقول: إن الياء والواو والألف وغيرهن من حروف6
الزيادة في هذا المعنى1 سواء.
ولا تقل: إني أفصل بينهما؛ لأن الاشتقاق يقضي بالزيادة على الحرف1 سواء كان من الياء والواو والألف1, أم كان من غيرهن.
وقوله: رَعشاء في معنى رَعْشَن، يدل على زيادة النون في "رعشن" ومثاله "فَعْلَن" وهو ملحق بجَعْفَر.
زيادة النون في فِرْسِن:
قال أبو عثمان: وزعم الخليل أن فرسنا النون فيه زائدة؛ لأنها عنده من: فَرَسَ يَفْرِسُ.
قال أبو الفتح: إنما كان عند الخليل من: فرس يفرس؛ لأن الفَرْس أصله الدّقّ, ومنه قيل للأسد: "فِرْنَاس"2, فالنون3 فيه زائدة, والفرسن تدق الأرض.
فهي4 من الفَرْس، كما أن مِفْتاحا من الفتح, ومعلاقا من يَعْلَقُ5.
ومثاله "فِعْلِن" وهي6 ملحقة بصِمْرِد.
النون في ضَيْفَن زائدة:
قال أبو عثمان: وقال: "ضيفن" النون فيه زائدة؛ لأنه من الضيف.
وزعم أبو زيد أنه يقال: ضَفَنَ الرجلُ يَضْفِنُ: إذا جاء ضيفا مع الضيف، فضيفن في هذا المذهب "فَيْعَل".
1، 1 ساقط من ظ، ش.
قال أبو الفتح: كلا الاشتقاقين مذهب.
وقول أبي زيد في هذا1 كأنه أقوى؛ لأن المعنى يطابقه.
ألا ترى إلى قول الشاعر:
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضَيْفَن ... فأوْدَى بما تُقرَى الضيوف الضَّيَافِن؟
فالضيفن: هو الذي يجيء مع الضيف.
وقولهم: ضَفَن يَضْفِن في هذا المعنى يشهد بأن ضيْفنا "فَيْعَل" فهذا قول.
وفيه شيء آخر يقوي ما قال أبو زيد, وهو أن "فيْعلا" أكثر في الكلام من "فَعْلَن", فهذه2 بينة أخرى تشهد لكونه "فيعلا".
والقول الأول أيضا وجه؛ لأنه وإن كان ضيف ضيف, فهو على كل حال ضيف, فينبغي3 أن تكون نونه زائدة.
وقد جاء على فَعْلَن ما أذكره: قالوا4: "امرأة خَلْبَن" وهو من الخلابة, و"ناقة عَلْجَن" وهي الغليظة، مأخوذة5 من العِلْج.
قال الراجز:
وخلطت كل دلاث عَلْجَن ... تخليط خرقاء اليدين خَلْبَن
وحكى سيبويه: في خُلُق فلان "خِلَفْنَة" وهو من الاختلاف, والنون في هذا كله زائدة.
ومثله "عِرَضْنَة" وهي6 من الاعتراض.
الواو والياء في الرباعي:
قال أبو عثمان: واعلم أن كل7 ما كان من الأربعة، فالواو والياء لا يكونان
فيه أصلا البتة، إلا أَنْ يضعَّف، نحو: "ضَوْضَيت، وقوقيت", فإن هذا بمنزلة "صَلْصَلت، وقلقلت" إلا أن الطرف لزمه القلب كما لزم واو أغزيت.
فمن ثم قال في "عِزْوِيت": هو "فِعْلِيت"؛ لأنه إن جعل التاء أصلا، كان الحرف "فِعْوِيلا" وليس شيء من الأسماء على "فِعْوِيل".
وإن جعل الياء والواو أصلين, جعل في بنات الأربعة واوا أصلا، وهذا لا يكون, فجَعَلها بمنزلة "عِفْريت", و"عِفْرِيت"فِعْلِيت"1؛ لأنه من العَفْر, فعلى هذا تجري الزوائد.
وإنما كتبت لك هذا؛ لتنظر إذا سئلت عن مسألة ما هي؟ وما زيادتها؟ فتعلم ذلك, فتبني على مثاله.
وإن كان أصلا, فعلتَ به ما وصفت لك إن شاء الله.
قال أبو الفتح: قوله: "إن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة2, إلا أن تضعف نحو: ضوضيت"2, عليه اعتراضان:
أحدهما: أن يقال: ما تنكر أن يكون "ضَوْضيت: فعليت" بمنزلة: "سَلْقيت وجعبيت"؟
فالجواب أن يقال: إن حمله على هذا يبعد من وجهين:
أحدهما: أنك لو قضيت بذلك؛ للزمك أن تجعل الفاء واللام من موضع واحد وهما الضادان, فتكون الكلمة من باب "سَلِسَ، وقَلِقَ" وهذا ليس في كثرة باب "صَلْصَلْت وقلقلت" فحمله على باب "فَعْلَلت" المضاعف أولى.
والوجه الآخر: أنهم قد قالوا منه: "الضوضاء", والضوضاء بمنزلة الزلزال, فينبغي أن يكون ضوضيت مثل زلزلت, ولم نسمعهم قالوا من "سلقيت: سَلْقاء" لأنه
ليس في كلامهم فَعَلاء مصروفا, ولا1 تكون الهمزة التي في هذا المثال إلا للتأنيث.
فأما ما حكاه أبو زيد من قولهم: "قَصْبَاء، وحلفاء، وطرفاء" وإدخالهم الهاء على هذه الهمزة2, فشاذ لا يُلتفت إليه ولا يُعرج عليه لقلته، وأنا أرى أن من قال: "حلفاءة, وقصباءة, وطرفاءة" فأدخل الهاء على هذه الهمزة2 ثم حذف هذه الهاء, فيلزمه أن يصرف الكلمة لأن الهمزة عندنا2 ليست للتأنيث؛ إذ لو كانت للتأنيث لما جاز دخول الهاء عليها، كما أن حُبْلَى لما كانت ألفها للتأنيث لم يجز دخول الهاء عليها، كما دخلت على "أرطاة، وعلقاة" فيمن نوّن؛ لأن علامة تأنيث لا تدخل عليها علامة تأنيث.
هذا هو الأشهر من أمر "قصباءة، وحلفاءة3, وطرفاءة".
وقد يجوز أن يكون الذي يقول: "قضباءة" فيخالف الجمهور بإدخال الهاء إذا نزعها رجع إلى الوفاق, واعتقد أن الهمزة علامة تأنيث, فيكون مخالفا في الهمزة إذا أدخل الهاء موافقا4 إذا نزع الهاء.
وهذا ليس في قوة القول الذي قبله؛ لأنه لا حاجة به5 إلى أن7 يقدر الهمزة تقديرين7 مختلفين في وقتين.
وإنما جوزت الثاني -وإن لم يكن في قوة الأول- لأنا لم نرهم صرفوا: "قصباء، وطرفاء، وحلفاء" في نثر.
فأما النظم, فإن صُرِفت فيه فلا حجة في صرفها؛ لأنه يجوز في الشعر صرف ما لا ينصرف للضرورة.
ومن أجاز القول الثاني, لزمه ألا يصرف: "قصباء, وحلفاء, وطرفاء"؛ لأن الهمزة عنده للتأنيث إذًا.
وأما1 الاعتراض الثاني, فلقائل أن يقول: ما تنكر أن يكون "ضوضيت وقوقيت" بمنزلة: "حوقلت، وصومعت" فيكون بوزن "فَوْعَلْتُ"؟ وهذا أبعد من الجواز من الأول؛ لأنه كان يلزمك أن تجعل فاء الفعل وعينه من موضع واحد، وهذا أقل من باب سلس2, وإذا لم يجز هنا باب سلس2 مع أنه أكثر من باب "كوكب ودَدَن" فألا2 يجوز باب دَدَن لقلته أجدر.
وقد جاءت الواو أصلا في ذوات الأربعة -وإن كانت غير مضعفة- قالوا: "وَرَنْتَل" وهي الداهية, فالنون زائدة؛ لأنها ثالثة ساكنة، فالواو إذًا3 أصل.
فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون زائدة5 وإن كانت في أول الكلمة, كما أجزت أنت أن تكون أصلا وإن كانت غير مضعفة5؟
قيل: جعلها من الأصل -وإن كان الحرف شاذا- أولى؛ لأنَّا قد رأيناها أصلا في ذوات الأربعة بلا محالة مع التضعيف.
فنحن نجعلها هنا أيضا من الأصل, وإن لم يكن تضعيف للضرورة، وهو أسوغ من أن نجعلها زائدة؛ لأنا لم نرهم زادوها أولا على وجه من الوجوه.
وقد رأيناهم جعلوها أصلا في ذوات الأربعة في بعض المواضع وهو التضعيف, فجعلها أصلا أولى من الحكم بزيادتها.
فتأمله, فإنه لا يجوز في القياس غيره.
وقوله: "إلا أن الطرف لزمه القلب, كما لزمه واو أَغزيتُ" إنما وجب القلب في باب "أغزيت"؛ لأنها رابعة، وأصلها: "أغزوْت" وستراه في بابه.
فإذا1 كان ذلك كذلك، فواجب أن تقلب في "قوقيت" لأنها رابعة, وأصلها: "قَوْقَوْتُ" فالعلة2 في "قوقوت، وأغزوت"3 واحدة.
وقوله: فمن4 ثم قال في "غِزْوِيت": إنه "فِعْلِيت", ترك الكلام في انقلاب الواو ياء، وعاد إلى أن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة؟
فيقول: لا يمكن أن تكون5 الواو في "غزويت" أصلا على أن تكون التاء من الأصل أيضا؛ لأنه كان يلزمك أن تجعل الواو أصلا6 في ذوات الأربعة.
قال: ولا يجوز أيضا أن تجعلها زائدة؛ لأنه كان يلزم أن يكون وزنه: "فِعْوِيلا", وهذا مثال لا يعرف فلا يجوز الحمل عليه.
يقول: فإذا لم يجز أن يكون غزويت: فِعْلِيلا ولا فِعْوِيلا، كان فِعْلِيتا، بمنزلة عفريت؛ لأنه من العفر, فمن ها7 هنا كانت الواو عنده أصلا.
فإن قال قائل: فأجعل الواو والتاء زائدتين؟
قيل: هذا أبعد من الجواز؛ لأنه كان يكون وزن الكلمة على هذا فِعْوِيتا, فيبقى بغير لام، وهذا محال.
وكأن أبا عثمان إنما8 لم يذكر هذه القسمة؛ لأنها ساقطة لا يورد مثلها أحد.
وإنما ذكرتها أنا استظهارا؛ لأن هذا الكتاب هو للمبتدئ كما هو للمنتهي.
قال أبو عثمان: