المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازيصفحات 15-45
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 15-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشيرازي، أبو إسحاق
الكتاب
المهذب في فقة الإمام الشافعي
المؤلف
أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب ما تجوز به الطهارة من المياه وما لا تجوز

يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بالماء المطلق وهو ما نزل من السماء أو نبع من

الأرض فما نزل من السماء ماء المطر وذوب الثلج والبرد والأصل فيه قوله عز وجل ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [لأنفال:11] وما نبع من الأرض ماء البحار وماء الأنهار وماء الأبار والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته1" وروي أن النبي توضأ من بئر بضاعة".
فصل: ولا يكره من ذلك إلا ما قصد إلى تشميسه فإنه يكره الوضوء به ومن أصحابنا من قال: لا يكره ما تشمس بنفسه في البرك والأنهار والمذهب الأول والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها وقد سخنت ماء

الشمس "يا حميراء لا تفعلي هذا فإنه يورث البرص" ويخالف ماء البرك والأنهار لأن ذلك لا يمكن حفظه من الشمس فلم يتعلق به المنع فإن خالف وتوضأ به صح الوضوء لأن المنع منه لخوف الضرر فلم يمنع صحة الوضوء كما لو توضأ بما يخاف من حره أو برده.
فصل: وما سوى الماء المطلق من المائعات كالخل وماء الورد والنبيذ وما اعتصر من الثمر أو الشجر لا يجوز رفع الحدث ولا إزالة النجس به لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:43] فأوجب التيمم على من لم يجد الماء فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره ولقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها في دم الحيض يصيب الثوب "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" فأوجب الغسل بالماء فدل على أنه لا يجوز بغيره.
فصل: فإن كمل الماء المطلق بمائع بأن احتاج في طهارته إلى خمسة أرطال ومعه أربعة أرطال فكمله بمائع لم يتغير به كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان قال أبو علي الطبري: لا يجوز الوضوء به لأنه كمل الوضوء بالماء والمائع فأشبه إذا غسل بعض أعضائه بالماء وبعضها بالمائع ومن أصحابنا من قال: إنه يجوز لأن المانع استهلك في الماء فصار كما لو طرح ذلك في ماء يكفيه.

باب ما يفسد الماء من الطاهرات وما لا يفسده

إذا اختلط بالماء شيء طاهر ولم يتغير به لم يمنع الطهارة به لأن الماء باقي على إطلاقه وإن لم يتغير به لمرافقته الماء في الطعم واللون والرائحة كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان: أحدهما: عن كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به لبقاء اسم الماء المطلق وإن كانت الغلبة للمخالط لم يجز لزوال إطلاق اسم الماء والثاني: إن كان

ذلك قدراً لو كان مخالفاً للماء في صفاته لم يغيره لم يمنع وإن كان قدراً لو كان مخالفاً له غيره منع لأن الماء لما لم يغير بنفسه اعتبر بما يغيره كما نقول في الجناية التي ليس لها أرش مقدر لما لم يمكن اعتبارها بنفسها اعتبرت بالجناية على العبيد وإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة نظرت فإن كان مما يمكن حفظ الماء منه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة وغيرهما جاز الوضوء به لأنه لا يمكن صون الماء عنه فعفي عنه كما عفي عن النجاسة اليسيرة والعمل القليل في الصلاة وإن كان مما يمكن حفظ الماء منه نظرت فإن مان ملحاً انعقد من الماء لم يمنع الطهارة به لأنه كان ماء في الأصل فهو كالثلج إذا ذاب فيه وإن كان تراباً طرح فيه لم يؤثر لأنه يوافق الماء في التطهير فهو كما لو طرح فيه ماء آخر فتغير به وإن كان شيئاً سوى ذلك كالزعفران والتمر والدقيق والملح الجبلي والطحلب إذا أخذ ودق وطرح فيه وغير ذلك مما يستغني الماء عنه لم يجز الوضوء به لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس بمطهر والماء مستغن عنه فلم يجز الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلاء وإن وقع فيه ما لا يختلط به فتغيرت به رائحته كالدهن الطيب والعود ففيه قولان: قال في البويطي: لا يجوز الوضوء كما لا يجوز بما تغير بالزعفران وروى المزني أنه يجوز الوضوء به لأن تغيره عن مجاوره فهو كما لو تغير بجيفة بقربه وإن وقع فيه قليل كافور فتغير به ريحه ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز الوضوء به كما لو تغير بالزعفران والثاني يجوز لأنه لا يختلط به وإنما تغير من جهة المجاورة.

باب ما يفسد الماء من النجاسة وما لا يفسده

إذا وقعت في الماء نجاسة لا يخلو إما أن يكون راكداً أو جارياً أو بعضه راكداً وبعضه جارياً فإن كان راكداً نظرت في النجاسة فإن كانت نجاسة يدركها الطرف من

خمر أو بول أو ميتة لها نفس سائلة نظرت فإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه1" فنص على الطعم والريح وقسنا اللون عليهما لأنه في معناهما وإن تغير بعضه دون بعض نجس الجميع لأنه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض وإن لم يتغير نظرت فإن كان الماء دون القلتين فهو نجس وإن كان قلتين فصاعداً فهو طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا كان الماء قلتين فإنه لا يحمل الخبث1" ولأن القليل يمكن حفظه من النجاسة في الظروف والكثير لا يمكن حفظه من النجاسة فجعل القلتين حداً فاصلاً بينهما والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي لأنه روي في الخبر "بقلال هجر" قال ابن 1رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب 34.
الترمذي في كتاب الطهارة باب 49.
ابن ماجه في كتاب الطهارة باب 76.
أحمد في مسنده "1/235".

جريج: رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئاً فجعل الشافعي رحمه الله الشيء نصفاً احتياطاً وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل فصار الجميع خمسمائة رطل وهل ذلك تحديد أو تقريب فيه وجهان: أحدهما أنه تقريب فإن نقص منه رطل أو رطلان لم يؤثر لأن الشيء يستعمل فيما دون النصف في المادة والثاني أنه تحديد فلو نقص منه ما نقص نجس لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفاً احتياطاً وجب استيفاؤه كما أنه لما وجب غسل شيء من الرأس احتياطاً لغسل الوجه صار ذلك فرضاً فإن كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف ففيه ثلاث طرق: من أصحابنا من قال لا حكم لها لأنها لا يمكن الاحتراز منها فهي كغبار السرجين ومنهم من قال حكمها حكم سائر النجاسات لأنها نجاسة متيقنة فهي كالنجاسة التي يدركها الطرف ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما لا حكم لها والثاني لها حكم وجهها ما ذكرناه وإن كانت النجاسة ميتة لا نفس لها سائلة كالذباب والزنبور وما أشبههما ففيه قولان: أحدهما أنها كغيره من الميتات لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته فهو كالحيوان الذي له نفس سائلة والثاني أنه لا يفسد الماء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء والآخر دواء1" وقد يكون الطعام حاراً فيموت بالمقل فيه فلو كان يفسده لما أمر بمقلة ليكون شفاء لنا إذا أكلناه فإن كثر من ذلك ما غير

الماء فيه وجهان: أحدهما أنه ينجس لأنه ماء تغير بالنجاسة والثاني لا ينجس لأن ما لا ينجس الماء إذا وقع فيه وهو دون القلتين لم ينجسه وإن تغير به كالسمك والجراد.
فصل: إذا أراد تطهير الماء النجس نظرت فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين طهر بأن يزول التغير بنفسه أو بأن يضاف إليه ماء آخر أو بأن يؤخذ بعضه لأن النجاسة بالتغير وقد زال وإن طرح فيه تراب أو جص فزال التغير ففيه قولان: قال في الأم: لا يطهر كما لو يطهر إذا طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحة النجاسة وقال في حرملة يطهر وهو الأصح لأن التغير قد زال فصار كما لو زال بنفسه أو بماء آخر ويفارق الكافور والمسك لأن هناك يجوز أن تكون الرائحة باقية وإنما لم تطهر لغلبة رائحة الكافور والمسك وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه إلا بأخذ بعضه فإنه لا يطهر لأنه ينقص عن قلتين وفيه نجاسة وإن كانت نجاسته بالقلة بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء آخر حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين كالأرض النجسة إذا طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة ومن أصحابنا من قال لا يطهر لأنه دون القلتين وفيه نجاسة والأول أصح لأن الماء إنما ينجس إذا وردت عليه النجاسة وههنا ورد الماء على النجاسة فلم ينجس إذا لو نجس لم يطهر الثوب النجس إذا صب عليه الماء.
فصل: وإذا أراد الطهارة بالماء الذي وقعت فيه نجاسة وحكم بطهارته نظرت فإن كان دون القلتين وطهر بالمكاثرة بالماء لم تجز الطهارة به لأنه وإن كان طاهراً فهو غير مطهر لأن الغلبة للماء الذي غمره وهو ماء أزيل به النجاسة فلم يصلح للطهارة وإن كان أكثر من قلتين نظرت فإن كانت النجاسة جامدة فالمذهب أنه تجوز الطهارة منه لأنه لا حكم للنجاسة القائمة فكان وجودهما كعدمها وقال أبو إسحاق وأبو العباس بن القاص: لا تجوز حتى يكون بينه وبين النجاسة قلتان فإن كان بينه وبين النجاسة أقل من قلتين لم يجز لأنه لا حاجة به إلى استعمال ماء فيه نجاسة قائمة وإن كان الماء قلتين وفيه نجاسة قائمة ففيه وجهان قال أبو إسحاق: لا تجوز الطهارة به لأنه ماء واحد فإذا كان ما يبقى بعد ما غرف منه نجساً وجب أن يكون الذي غرفه نجساً والمذهب أنه يجوز لأن ما يغرف منه ينفصل منه قبل أن يحكم بنجاسته فبقي على الطهارة وإن كانت

النجاسة ذائبة جازت الطهارة به ومن أصحابنا من قال لا يتطهر بالجميع بل يبقى منه قدر النجاسة كما قال الشافعي رحمه الله فيمن حلف لا يأكل تمرة فاختلطت بتمر كثير أنه ياكل الجميع إلا تمرة وهذا لا يصح لأن النجاسة لا تتميز بل تختلط بالجميع فلو وجب ترك بعضه لوجب ترك جميعه بخلاف التمرة.
فصل: فإن كان الماء جارياً وفيه نجاسة جارية كالميتة والجرية المتغيرة فالماء الذي قبلها طاهر لأنه لم يصل إلى النجاسة فهو كالماء الذي يصب على النجاسة من إبريق والذي بعدها طاهر أيضاً لأنه لم تصل إليه النجاسة وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها فإن كان قلتين ولم يتغير فهو طاهر وإن كان دونهما فهو نجس كالراكد وقال أبو العباس بن القاص فيه قول آخر قاله في القديم أنه لا ينجس الماء الجاري إلا لتغير لأنه ماء ورد على النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء المزال به النجاسة وإن كانت النجاسة واقفة والماء يجري عليها فإن ما قبلها وما بعدها طاهر وما يجري عليها إن كان قلتين فهو طاهر وإن كان دونهما فهو نجس وكذلك كل ما يجري عليها بعدها فهو نجس ولا يطهر شيء من ذلك حتى يركد في موضع ويبلغ قلتين وقال أبو إسحاق وأبو العباس بن القاص والقاضي أبو حامد: ما لم تصل إلى الجيفة فهو طاهر والماء الذي بعد الجيفة يجوز أن يتوضأ منه إذا كان بينه وبين الجيفة قلتان والأول أصح لأن لكل جرية حكم نفسها فلا يعتبر فيه القلتان.
فصل: وإن كان بعضه جارياً وبعضه راكداً بأن يكون في النهر موضع منخفض يركد فيه الماء والماء يجري بجنبه والراكد زائد عن سمت الجري فوقع في الراكد نجاسة وهو دون القلتين فإن كان مع الجرية التي يحاذيها يبلغ قلتين فهو طاهر وإن لم يبلغ قلتين فهو نجس وتنجس كل جرية بجنبها إلى أن يجتمع في موضع قلتان فيطهر.

باب ما يفسد الماء من الاستعمال وما لا يفسده

الماء المستعمل ضربان: مستعمل في طهارة الحدث ومستعمل في طهارة النجس فأما المستعمل في طهارة الحدث فينظر فيه فإن استعمل في رفع حدث فهو طاهر لأنه

ماء طاهر لاقى محلاً طاهراً فكان طاهراً كما لو غسل به ثوب طاهر وهل تجوز به الطهارة أم لا؟ فيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه قولان المنصوص أنه لا يجوز لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء فصار كما لو تغير بالزعفران وروي عنه أنه قال: يجوز الوضوء به لأنه استعمال لم يغير صفة الماء فلم يمنع الوضوء به كما لو غسل به ثوب طاهر ومن أصحابنا من لم يثبت هذه الرواية فإن قلنا لا يجوز الوضوء به فهل تجوز إزالة النجاسة به أم لا؟ فيه وجهان: قال أبو القاسم الأنماطي وأبو علي بن خيران رحمة الله عليهما: يجوز لأن للماء حكمين رفع الحدث وإزالة النجس فإذا رفع الحدث بقي عليه إزالة النجس والمذهب أنه لا يجوز لأنه ماء لا يرفع الحدث فلم يزل النجس كالماء النجس فإن جمع الماء المستعمل حتى صار قلتين ففيه وجهان: أحدهما: أنه يزول حكم النجاسة ولأنه لو توضأ فيه أو اغتسل وهو قلتان لم يثبت له حكم الاستعمال فإذا بلغ قلتين وجب أن يزول عنه حكم الاستعمال ومن أصحابنا من قال: لا يزول لأن المنع منه لكونه مستعملاً وهذا لا يزول بالكثرة وإن استعمل في نقل الطهارة كتجديد الوضوء والدفعة الثانية والثالثة ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا تجوز الطهارة لأنه مستعمل في طهارة فهو كالمستعمل في رفع الحدث والثاني: أنه يجوز لأنه ماء لم يرفع به حدث ولا نجس فهو كما لو غسل به ثوب طاهر.
فصل: وأما المستعمل في النجس فينظر فيه فإن انفصل من المحل متغيراً فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه1" وإن كان غير متغير ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه طاهر وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق لأنه ماء لا يمكن حفظه من النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة والثاني: أنه ينجس وهو قول بي القاسم الأنماطي لأنه ماء قليل لا في نجاسة فأشبه ما إذا وقعت فيه نجاسة والثالث: أنه إن انفصل والمحل طاهر فهو طاهر وإن انفصل والمحل نجس فهو نجس وهو قول أبي العباس ابن القاص لأن المنفصل من جملة الباقي في المحل فكان حكمه في النجاسة والطهارة حكمه فإذا قلنا إنه طاهر فهل يجوز الوضوء به؟ فيه وجهان قال أبو علي بن خيران يجوز وقال سائر أصحابنا لا يجوز وقد مضى توجيههما.

باب الشك في نجاسة الماء والتحري فيه

إذا تيقن طهارة الماء وشك في نجاسته توضأ به لأن الأصل بقاؤه على الطهارة

وإن تيقن نجاسته وشك في طهارته لم يتوضأ به لأن الأصل بقاؤه على النجاسة وإن لم يتيقن طهارته ولا نجاسته توضأ به لأن الأصل طهارته فإن وجده متغيراً ولم يعلم بأي شيء تغير توضأ به لأنه يجوز ان يكون تغيره بطول المكث وإن رأى حيواناً يبول في ماء ثم وجده متغيراً وجوز أن يكون تغيره بالبول لم يتوضأ به لأن الظاهر أن تغيره من البول وإن رأى هرة أكلت نجاسة ثم وردت على ماء قليل فشربت منه ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تنجسه لأنا تيقنا نجاسة فمها والثاني: أنها إن غابت ثم رجعت لم تنجسه لأنه يجوز أن تكون قد وردت على ماء فطهر فمها فلا ينجس ما تيقنا طهارته بالشك والثالث: لا ينجس بكل حال لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفى عنها فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات1". فصل: وإن ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته لم يقبل حتى يبين بأي شيء نجس لجواز أن يكون قد رأى سبعاً ولغ فيع فاعتقد انه نجس بذلك فإن بين النجاسة قبل منه كما يقبل ممن يخبره بالقبة ويقبل في ذلك قول الرجل والمرأة والحر والعبد لأن أخبارهم مقبولة ويقبل خبر العمى فيه لأن له طريقاً إلى العلم به بالحس والخبر ولا يقبل فيه قول صبي ولا فاسق ولا كافر لأن أخبارهم لا تقبل وإن كان معه إنا آن فأخبره رجل ان الكلب ولغ في أحدهما قبل قوله ولم يجتهد لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما

تقول في القبلة وإن أخبره رجل أنه ولغ في هذا دون ذاك وقال آخر: بل ولغ في ذاك دون هذا حكم بنجاستهما لأنه يمكن صدقهما بأن يكون قد ولغ فيهما في وقلتين وإن قال أحدهما: ولغ في هذا دون ذاك في وقت معين وقال الآخر بل ولغ في ذلك دون هذا في ذلك الوقت بعينه فهما كالبيتين إذا تعارضتا فإن قلنا إنهما يسقطان سقط خبرهما وجازت الطهارة بهما لأنه لم تثبت نجاسة واحد منهما وإن قلنا إنهما لا يسقطان أراقهما أو صب أحدهما في الآخر ثم تيمم.
فصل: وإن اشتبه عليه ماآن طاهر ونجس تحرى فيهما فإن غلب على ظنه طهارته منهما توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فجاز له الاجتهاد عند الاشتباه فيه كالقبلة فإن انقلب أحدهما قبل الاجتهاد ففيه وجهان: أحدهما: أنه يتحرى في الثاني لأنه قد ثبت جواز الاجتهاد فيه فلم يسقط بالانقلاب والثاني: وهو الأصح أنه لا يجتهد لأن الاجتهاد يكون بين أمرين فإذا قلنا لا يجتهد فما الذي يصنع؟ فيه وجهان: قال أبو علي الطبري: يتوضأ به لأن الأصل فيه الطهارة فلا يزال اليقين بالشك وقال القاضي أبو حامد: يتيمم ولا يتحرى لأن حكم الأصل قد زال بالاشتباه بدليل أنه منع من استعماله من غير تحر فوجب أن يتيمم وإن اجتهد فيهما فلم يغلب على ظنه شيء أراقهما أو صب أحدهما في الآخر وتيمم فإن تيمم وصلى قبل الإراقة أو الصب أعاد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين وإن غلب على ظنه طهارة أحدهما توضأ به والمستحب أن يريق الآخر حتى لا يتغير اجتهاده بعد ذلك فإن تيقن أن الذي توضأ به كان نجساً غسل ما أصابه منه وأعاد الصلاة لأنه تعين له يقين الخطأ فهو كالحاكم إذا أخطأ النص وإن لم يتيقن ولكن تغير اجتهاده فظن أن الذي توضأ به كان نجساً قال أبو العباس: يتوضأ بالثاني كما لو صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده والمنصوص في حرملة أنه لا يتوضأ بالثاني لأنا لو قلنا إنه يتوضأ به ولم يغسل ما أصابه المال الأول من ثيابه وبدنه أمرناه أن يصلي وعلى بدنه نجاسة بيقين وهذا لا يجوز وإن قلنا إنه يغسل ما أصابه من الماء الأول نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد وهذا لا يجوز ويخالف القبلة فإن هناك لا يؤدي إلى الأمر بالصلاة إلى غير القبلة ولا إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد وإذا قلنا بقول أبي العباس توضأ بالثاني وصلى ولا إعادة عليه وإن قلنا بالمنصوص فإنه يتمم ويصلي وهل يعيد الصلاة؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يعيد لأن ما معه من الماء ممنوع من استعماله بالشرع فصار وجوده كعدمه كما لو تيمم ومعه ما يحتاج إليه للعطش والثاني: يعيد لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته والثالث وهو قول أبي

الطيب بن سلمة: إن كان بقي من الأول بقية أعاد لأن معه ماء طاهراً بيقين وإن لم يكن بقي معه شيء لم يعد لأنه ليس معه ماء طاهر بيقين وإن اشتبه عليه ماآن ومعه ماء ثالث يتيقن طهارته ففيه وجهان: أحدهما: لا يتحرى لأنه يقدر على إسقاط الفرض بيقين فلا يؤدي يالاجتهاد كالمكي في القبلة والثاني: أنه يتحرى لأنه يجوز إسقاط الفرض بالطاهر في الظاهر مع القدرة على الطاهر بيقين ألا ترى أنه يجوز أن يترك ما نزل من السماء ويتيقن طهارته ويتوضأ بما يجوز نجاسته وإن اشتبه عليه ماء مطلق وماء مستعمل ففيه وجهان: أحدهما لا يتحرى لأنه يقدر على إسقاط الفرض بيقين بأن يتوضأ بكل واحد منهما والثاني: أنه يتحرى لأنه يجوز أن يسقط الفرض بالطاهر مع القدرة على اليقين وإن اشتبه عليه ماء مطلق وماء ورد لم يتحر بل يتوضأ بكل واحد منهما وإن اشتبه عليه ماء ورد وبول انقطعت رائخته لم يتحر بل يريقهما ويتيمم لأن ماء الورد والبول لا أصل لهما في التطهير فيرد إلا الاجتهاد وإن اشتبه عليه طعام طاهر وطعام نجس تحرى فيهما لأن أصلهما على الإباحة فهما كالماءين وإن اشتبه الماء الطاهر بالماء النجس على أعمى ففيه قولان قال في حرملة: لا يتحرى لأن عليه أمارات تتعلق بالبصر فهو كالقبلة وقال في الأم: يتحرى لأن له طريقاً إلى إدراكه بالسمع والشم فيتحرى فيه كما يتحرى في وقت الصلاة فإذا قلنا يتحرى فلم يكن له دلالة على الأغلب عنده ففيه وجهان: من أصحابنا من قال: لا يقلد لأن من جاز له الاجتهاد في شيء لم يقلد فيه غيره كالبصير ومنهم من قال: يجوز أن يقلد وهو ظاهر قوله في الأم لأن أماراته تتعلق بالبصر وغيره فإذا لم تغلب على ظنه دل على أن أماراته تعلقت بالبصر فصار كالأعمى في القبلة وإن اشتبه ذلك على رجلين فأدى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر توضأ كل واحد منهما بما أداه إليه اجتهاده ولم يأتم أحدهما بالآخر لأنه يعتقد أن صلاة إمامه باطلة وإن كثرت الأواني وكثر المجتهدون فأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى طهارة إناء وتوضأ به وتقدم أحدهم وصلى بالباقين الصبح وتقدم آخر وصلى بهم الظهر وتقدم آخر وصلى بهم العصر فكل من صلى خلف إمام يجوز أن يكون طاهراً فصلاته خلفه صحيحة وكل من صلى خلف إمام يعتقد أنه نجس فصلاته خلفه باطلة وبالله التوفيق.

باب الآنية

كل حيوان نجس بالموت طهر جلده بالدباغ وهو ما عدا الكلب والخنزير لقوله

عليه الصلاة والسلام "أيما إهاب دبغ فقد طهر1" ولأن الدباغ يحفظ الصحة على الجلد ويصلحه للانتفاع به كالحياة ثم الحياة تدفع النجاسة عن الجلد فكذلك الدباغ وأما الكلب والخنزير فكذلك وما توالد منهما أو من أحدهما فلا يطهر جلدهما بالدباغ لأن الدباغ كالحياة ثم الحياة لا تدفع النجاسة عن الكلب والخنزير فكذلك الدباغ.
فصل: ويجوز الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشب والقرظ وغير ذلك ما يعمل عمله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أليس في الماء والقرظ ما يطهرانه" فنص على القرظ لأنه يصلح الجلد ويطيبه فوجب أن يجوز بكل ما عمل عمله وهل يفتقر إلى غسله بالماء بعد الدباغ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يفتقر لأن طهارته تتعلق بالاستحالة وقد حصل ذلك فطهر كالخمر إذا استحالت خلا وقال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء لأن ما يدبغ به تنجس بملاقاة الجلد فإذا زالت نجاسة الجلد بقيت نجاسة ما يدبغ به فوجب أن يغسل حتى يطهر.
فصل: وإذا طهر الجلد بالدباغ جاز الانتفاع به لقوله صلى الله عليه وسلم "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" وهل يجوز بيعه؟ فيه قولان: قال في القديم: لا يجوز لأنه حرم

التصرف فيه بالموت ثم رخص بالانتفاع فيه فبقي ما سوى الانتفاع على التحريم وقال في الجديد: يجوز لأنه منع بيعه لنجاسته وقد زالت النجاسة فوجب أن يجوز البيع كالخمر إذا تخللت وهل يجوز أكله؟ ينظر فإن كان من حيوان يؤكل ففيه قولان: قال في القديم: لا يؤكل لقوله صلى الله عليه وسلم "إنما حرم من الميتة أكلها1" وقال في الجديد: يؤكل لأنه جلد طاهر من حيوان مأكول فأشبه جلد المذكى وإن كان من حيوان لم يؤكل لم يحل أكله لأن الدباغ ليس بأقوى من الذكاة والذكاة لا تبيح ما لا يؤكل لحمه فلأن لا يبيحه الدباغ أولى وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني عن القاضي أبي القاسم بن كنج أنه حكى وجهاً آخر أنه يحل لأن الدباغ عمل في تطهيره كما عمل في تطهير ما يؤكل فعمل في إباحته بخلاف الذكاة.
فصل: كل حيوان نجس بالموت نجس شعره وصوفه على المنصوص وروي عن الشافعي رحمه الله أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق: فمنهم من لم يثبت هذه الرواية وقال ينجس الشعر بالموت قولاً واحداً لأنه جزء متصل بالحيوان اتصال خلقة فينجس بالموت كالأعضاء ومنهم من جعل الرجوع عن تنجيس شعر الآدمي رجوعاً عن تنجيس جميع الشعور فجعل في الشعور قولين أحدهما: ينجس لما ذكرناه والثاني: لا ينجس لأنه لا يحس ولا يتألم فلا تلحقه نجاسة الموت ومنهم من جعل هذه الرواية رجوعاً عن تنجيس شعر الآدمي خاصة فجعل في الشعور قولين أحدهما: ينجس الجميع لما ذكرناه والثاني: ينجس الجميع إلا شعر الآدمي فإنه لا ينجس لأنه منصوص بالكرام ولهذا يحل لبنه مع تحريم أكله.
وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قلنا إن شعر غيره طاهر فشعره صلى الله عليه وسلم أولى بالطهارة وإذا قلنا إن شعر غيره نجس ففي شعره عليه الصلاة والسلام وجهان: أحدهما: أنه نجس لأن ما كان نجساً من غيره كان نجساً منه كالدم وقال أبو جعفر الترمذي: هو طاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ناول أبا طلحة شعره فقسمه بين الناس وكل موضع قلنا إنه نجس عفى عن الشعرة والشعرتين في الماء والثوب لأنه لا يمكن الاحتراز منه فعفى عنه كما عفي عن دم البراغيث فإن دبغ جلد الميتة وعيه شعر فقد قال في الأم: لا يطهر لأن الدباغ لا يؤثر في تطهيره وروى الربيع بن سليمان الجيزي عنه أنه يطهر لأنه شعر نابت على جلد

طاهر فكان كالجلد في الطهارة كشعر الحيوان في حال الحياة وإن جز الشعر من الحيوان نظرت فإن كان من حيوان يؤكل لم ينجس لأن الجز في الشعر كالذبح في الحيوان ولو ذبح الحيوان لم ينجس فكذلك إذا جز شعره وإن كان من حيوان لا يؤكل فحكمه حكم الحيوان ولو ذبح الحيوان كان ميتة كذلك إذا جز شعره وجب أن يكون ميتة.
فصل: فأما العظم والسن والقرن والظلف والظفر ففيه طريقان: من أصحابنا من قال هو كالشعر والصوف لأنه لا يحس ولا يألم ومنهم من قال ينجس قولاً واحداً.
فصل: وأما اللبن في ضرع الشاة الميتة فهو نجس لأنه ملاق للنجاسة فهو كاللبن في إناء نجس وأما البيض في جوف الدجاجة الميتة فإن لم يتصلب قشره فهو كاللبن وإن تصلب قشرة لم ينجس كما لو وقعت بيضة في شيء نجس.
فصل: إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه ويجوز الانتفاع بجلده وشعره وعظمه ما لم يكن عليها نجاسة لأنه جزء طاهر من حيوان طاهر مأكول فجاز الانتفاع به بعد الذكاة كاللحم وإن ذبح حيوان لا يؤكل نجس بذبحه كما ينجس بموته لأنه ذبح لا يبيح أكل اللحم فنجس به كما ينجس بالموت كذبح المجوسي.
فصل: ويكره استعمال أواني الذهب والفضة لما روى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنهما لهم في الدنيا ولكم في الآخرة1" وهل يكره كراهية تنزه أو تحريم قولان: قال في القديم: كراهية تنزيه لأنه إنما نهي عنه للسرف والخيلاء والتشبه بالأعاجم وهذا لا يوجب التحريم وقال في الجديد: يكره كراهية تحريم وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم2" فتوعد عليه بالنار فدل على أنه محرم وإن توضأ منه صح

الوضوء لأن المنع لا يختص بالطهارة فأشبه الصلاة في الدار المغصوبة ولأن الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء وليس في ذلك معصية وإنما المعصية في استعمال الظرف دون ما فيه فإن أكل أو شرب منه لم يكن المأكول والمشروب حراماً لأن المنع لأجل الظرف دون ما فيه وأما اتخاذها ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز لأن الشرع ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ والثاني لا وهو الأصح لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالطنبور والبربط وأما أواني البلور والفيروزج وما أشبههما من الأجناس المثمنة ففيه قولان: روى حرملة أنه لا يجوز لأنه أعظم في السرف من الذهب والفضة فهو بالتحريم أولى وروى المزني أنه يجوز وهو الأصح لأن السرف فيه غير ظاهر لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس.
فصل: وأما المضبب بالذهب فإنه يحرم قليله وكثيره لقوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها1" فإن اضطر إليه جاز لما روي أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا

من ذهب وأما المضبب بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن كان قليلاً للحاجة لم يكره لما روى أنس أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فتخذ مكان الشفة سلسلة من فضة وإن كان للزينة كره لأنه غير محتاج إليه ولا يحرم لما روى أنس قال: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وقبيعة سيفه فضة وما بين ذلك حلق الفضة وإن كان كثيراً للحاجة كره لكثرته ولم يحرم للحاجة وإن كان كثيراً للزينة حرم لقول ابن عمر لا يتوضأ ولا يشرب من قدح فيه حلقة من فضة أو ضبة من فضة وعن عائشة رضي الله عنها أنها نهت أن تضبب الأقداح بالفضة ومن أصحابنا من قال: يحرم في موضع الشرب لأنه يقع الاستعمال به ولا يحرم فيما سواه لأنه لا يقع به الاستعمال ومنهم من قال: يكره ولا يحرم لحديث أنس في سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل: ويكره استعمال أواني المشركين وثيابهم لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قلت: يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب ونأكل في آنيتهم فقال: "لا تأكلوا في آنيتهم إلا إن لم تجدوا عنها بداً فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها1" ولأنهم لا يتجنبون النجاسة فكره

لذلك فإن توضأ من أوانيهم نظرت فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وتوضأ عمر من جرة نصراني ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح الوضوء لأن الأصل في أوانيهم الطهارة والثاني: لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة ويستحب تغطية الإناء لما روى أبو هريرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية الإناء وإيكاء السقاية.

باب السواك

السواك سنة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب1" ويستحب في ثلاثة أحوال: أحدها: عند القيام للصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك2" والثاني: عند اصفرار الأسنان لما روى العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استاكوا لا تدخلوا علي قلحاً3" والثالث: عند تغير الفم وذلك قد يكون من النوم وقد يكون بالأزم وهو ترك

الأكل وقد يكون يأكل شيء يتغير به الفم لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك وإنما استاك لأن النائم ينطبق فمه ويتغير وهذا المعنى موجود في كل ما يتغير به الفم فوجب أن يستحب لنا السواك ولا يكره إلا في حالة واحدة وهو للصائم بعد الزوال لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك4" والسواك يقطع ذلك فوجب أن يكره ولأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهداء والمستحب أن يستاك عرضاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "استاكوا عرضاً وادهنوا غباً واكتحلوا وتراً" والمستحب أن لا يستاك بعود

رطب لا يقلع ولا بيابس يجرح اللثة بل يستاك بعود بين عودين وبأي شيء استاك مما يقلع القلح ويزيل التغير كالخرقة الخشنة وغيرها أجزأه لأنه يحصل به المقصود وإن أمر إصبعه على أسنانه لم يجزئه لأنه لا يسمى سواكاً.
فصل: ويستحب أن يقلم الأظفار ويغسل البراجم ويقص الشارب وينتف الإبط ويحلق العانة لما روى عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الفطرة عشرة المضمضة والاستئناف والسواك وقص الشارب وتقليم الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط والانتضاح بالماء والختان والاستحداد1" فصل: ويجب الختان لقوله عز وجل ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل: 123] وروي أن إبراهيم عليه السلام إختتن بالقدوم ولأنه لو لم يكن واجباً لما كشفت له العورة لأن كشف العورة محرم فلما كشفت له العورة دل على وجوبه.

باب نية الوضوء

الطهارة ضربان: طهارة عن حدث وطهارة عن نجس فأما الطهارة عن النجس فلا

تفتقر إلى النية لأنها من باب التروك فلم تفتقر إلى النية كترك الزنى والخمر واللواط والغضب والسرقة وأما الطهارة عن الحدث فهو الوضوء والغسل والتيمم فإنه لا يصح شيء منها إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى1" ولأنها عبادة محضة طريقها الأفعال فلم تصح من غير نية كالصلاة.
فصل: ويجب أن ينوي بقلبه أن النية هي القصد تقول العرب: نواك الله بحفظه أي قصدك الله بحفظه فإن تلفظ بلسانه وقصد بقلبه فهو آكد.
فصل: والأفضل أن ينوي من أول الوضوء إلى أن يفرغ منه وأن يكون مستديماً للنية فإن نوى عند غسل الوجه ثم عزبت نيته أجزأه لأنه أول فرض فإذا نوى عنده اشتملت النية على جميع الفروض وإن عزبت نيته عند المضمضة قبل أن يغسل شيئاً من وجهه ففيه وجهان: أحدهما: تجزئه لأنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض فإذا عزبت النية عنده أجزأه كغسل الوجه والثاني: لا تجزئه وهو الأصح لأن نيته عزبت قبل الفرض فأشبه إذا عزبت عند غسل الكف وما قاله الأول يبطل بغسل الكف فإنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض ثم إذا عزبت النية عنده لم تجزئه.
فصل: وصفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحديث وأيهما نوى أجزأه لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث فإن نوى الطهارة المطلقة لم تجزه لأن الطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس فلم تصح بنية مطلقة وإن نوى الطهارة للصلاة أو لأمر لا يستباح إلا بالطهارة كمس المصحف ونحوه أجزأه لأنه لا يستباح مع الحدث فإذا نوى الطهارة لذلك تضمنت نيته رفع الحدث فإن نوى الطهارة لقراءة القرآن والجلوس

في المسجد وغير ذلك مما تستحب له الطهارة ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا تجزئة لأنه يستباح من غير طهارة فأشبه إذا توضأ للبس الثوب والثاني: تجزئة لأنه يستحب له أن لا يفعل ذلك وهو محدث فإذا نوى الطهارة لذلك تضمنت نيته رفع الحدث وإن نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد والتنظيف صح وضوؤه على المنصوص في البويطي لأنه نوى رفع الحدث وضم إليه ما لا ينافيه ومن أصحابنا من قال لا يصح وضوؤه لأنه شرك في النية بين القربة وبين غيرها وإن أحدث أحداثاً ونوى رفع حدث منها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يصح وضوؤه لأن الأحداث تتداخل فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع والثاني: أنه لا يصح لأنه لم ينو رفع جميع الأحداث والثالث: أنه إن نوى به رفع الحدث الأول صح وإن نوى رفع ما بعده لم يصح لأن الذي أوجب الطهارة هو الأول دون ما بعده والأول أصح وإن نوى أن يصلي به صلاة وأن لا يصلي غيرها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يصح وضوؤه لأنه لم ينو كما أمر والثاني: يصح لأن نيته للصلاة تضمنت رفع الحدث ونيته أن لا يصلي غيرها لغو والثالث: أنه يصح لما نوى اعتباراً بنيته وإن نوى نية صحيحة ثم غير النية في بعض الأعضاء بأن ينوي بغسل الرجل التبرد أو التنظف ولم يحضر نية الوضوء لم يصح ما غسله للتبرد والتنظيف وإن حضرته نية الوضوء وأضاف إليها نية التبرد فعلى ما ذكرت من الخلاف.

باب صفة الوضوء

المستحب أن لا يستعين في وضوئه بغيره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا لا نستعين على الوضوء بأحد" فإن استعان بغيره جاز لما روي أن أسامة والمغيرة والربيع بنت معوذ بن عفراء صبوا على النبي صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ وإن أمر غيره حتى وضأه ونوى هو أجزأه لأن فعله غير مستحق في الطهارة ألا ترى أنه لو وقف تحت ميزاب فجرى الماء عليه ونوى الطهارة أجزأه.
فصل: ويستحب أن يسمي الله تعالى على الوضوء لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من توضأ وذكر اسم الله تعالى عليه كان طهوراً لجميع بدنه" فإن نسي التسمية في أولها وذكرها في أثنائها أتى بها حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله عز وجل وإن تركها

عمداً أجزأه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لما مر عليه الماء ". فصل: ثم يغسل كفيه ثلاثاً لأن عثمان وعلياً كرم الله وجههما وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلا اليد ثلاثاً ثم ينظر فأن لم يقم من النوم فهو بالخيار إن شاء غمس يده ثم غسل وإن شاء أفرغ الماء على يده ثم غمس فإن قام من النوم فالمستحب أن لا يغمس يده حتى يغسلها لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده1" فإن خالف وغمس لم يفسد الماء لأن الأصل الطهارة فلا يزال اليقين بالشك.
فصل: ثم يتمضمض ويستنشق والمضمضة أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه والاستنشاق أن يجعل الماء في أنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم يستنثر لما روى عمر بن عبسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء1" والمستحب أن يبالغ فيهما لقوله عليه الصلاة والسلام للقيط بن صبرة "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً2" ولا يستقصي في البالغة فيكون سعوطاً فإن كان صائماً لم يبالغ للخبر وهل يجمع بينهما أو يفصل قال في الأم يجمع لأن علي بن أبي طالب عليه السلام وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وقال في البويطي: يفصل بينهما لما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق ولأن الفصل أبلغ في النظافة فكان أولى اختلف أصحابنا في كيفية الجمع والفصل فقال بعضهم على قوله في الأم يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثاً ويستنشق منها ثلاثاً ويبدأ بالمضمضة وعلى رواية البويطي يغرف غرفة فيتمضمض منها ثلاثاً ثم يغرف غرفة أخرى فيستنشق منها ثلاثاً وقال بعضهم على قوله في الأم يغرف غرفة فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة 1رواه مسلم في كتاب الطهارة حديث 87.
أبو داود في كتاب الطهارة باب 49.
الترمذي في كتاب الطهارة باب 19.
النسائي في كتاب الطهارة باب 1 أحمد في مسنده "2/214،289"

أخرى فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة ثالثة فيتمضمض منها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق وعلى رواية البويطي يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق والأول أشبه بكلام الشافعي رحمه الله لأنه قال يغرف غرفة لفيه وأنفه والثاني أصح لأنه أمكن فإن ترك المضمضة والاستنشاق جاز لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: توضأ كما أمرك الله وليس فيما أمر الله تعالى المضمضة ولا الاستنشاق ولأنه عضو باطن دون حائل معتاد فلا يجب غسله كالعين.
فصل: ولا يغسل العين ومن أصحابنا من قال: يستحب غسلها لأن ابن عمر كان يغسل عينه حتى عمي والأول أصح لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً ولا فعلاً فدل على أنه ليس بمسنون ولأن غسلها يؤدي إلى الضرر.
فصل: ثم يغسل وجهه وذلك فرض لقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ "المائدة:6] والوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيتين طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً والاعتبار بالمنابت المعتادة لا بمن تصلع الشعر عن ناصيته ولا بمن نزل الشعر إلى جبهته وفي موضع التحذيف وجهان: قال أبو العباس: هو من الوجه لأنهم أنزلوه من الوجه وقال أبو إسحاق: هو من الرأس لأن الله عز وجل خلقه من الرأس فلا يصير وجهاً بفعل الناس فإن كان ملتحياً نظرت فإن كانت لحيته خفيفة لا تستر البشرة وجب غسل الشعر والبشرة للآية وإن كانت كثيفة تستر البشرة وجب إفاضة الماء على الشعر لأن المواجهة تقع به ولا يجب غسل ما تحته لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة وغسل بها وجهه وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية ولأنه باطن دونه حائل معتاد فهو كداخل الفم والأنف.

والمستحب أن يخلل لحيته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته فإن كان بعضها خفيفاً وبعضها كثيفاً غسل ما تحت الخفيف وأفاض الماء على الكثيف ولا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف في الوضوء إلا في خمسة مواضع: الحاجب والشارب والعنفقة والعذار واللحية الكثة للمرأة لأن الشعر في هذه المواضع يخف في العادة وإن كثف لم يكن إلا نادراً فلم يكن له حكم فإن استرسلت اللحية ونزلت عن حد الوجه ففيها قولان: أحدهما لا تجب إفاضة الماء عليها لأنه شعر لا يلاقي محل الفرض فلم يكن محلاً للفرض كالذؤابة والثاني يجب لأنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه فأشبه شعر الخد.
فصل: ثم يغسل يديه وهو فرض لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] ويستحب أن يبدأ باليمنى ثم اليسرى لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم1" فإن بدأ باليسرى أجزأه لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] ولو وجب الترتيب فيهما لما جمع بينهما ويجب إدخال المرفقين في الغسل لما روى جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه وإن طالت أظافره وخرجت عن رؤوس الأصابع ففيه طريقان: قال أبو علي بن خيران يجب غسلها قولاً واحداً لأن ذلك نادر ومن أصحابنا من قال: فيه قولان كاللحية المسترسلة وإن كان له إصبع زائدة أو كف زائد لزمه غسلها لأنه في محل الفرض فإن كانت له يدان متساويتان على منكب أو مرفق لزمه غسلهما لوقوع اسم اليد عليهما وإن كانت إحاهما تامة والأخرى ناقصة فالتامة هي الأصلية وينظر في الناقصة فإن كانت خلقت على محل لزمه غسلها كالإصبع الزائدة وإن خلقت على العضد ولم تحاذ محل الفرض لم يلزمه غسلها وإن حاذت بعض محل الفرض وإن تقلع من الذراع وبلغ التقلع إلى العضد ثم تدلى منه لم يلزمه غسله لأنه صار من العضد وإن تقلع من العضد وتدلى منه لم يلزمه غسله لأن

محل الفرض لأنه بمنزلة الجلد الذي على الذراع إلى العضد فإن كان ذلك متجافياً عن ذراعه لزمه غسل ما تحته وإن لم كان أقطع اليد لم يبق من محل الفرض شيء فلا فرض عليه والمستحب أن يمس ما بقي من اليد ماء حتى لا يخلو العضو من الطهارة وإن لم يقدر الأقطع على الوضوء ووجد من يوضئه بأجهزة المثل لزمه كما يلزمه شراء الماء بثمن المثل وإن لم يجد صلى وأعاد كما لو لم يجد ماء ولا تراباً وإن توضأ ثم قطعت يده لم يلزمه غسل ما ظهر بالقطع من الحدث وكذلك لو مسح شعور رأسه ثم حلقه لم يلزمه مسح ما ظهر لأن ذلك ليس ببدل عما تحته فلم يلزمه بظهوره طهارة كما لو غسل يده ثم كشط جلده فإن أحدث بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر بالقطع لأنه صار ظاهراً وإن حصل في يده ثقب لزمه غسل باطنه لأنه صار ظاهراً.
فصل: ثم يمسح برأسه وهو فرض لقوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة:6] والرأس ما اشتمل عليه منابت الشعر المعتاد والنزعتان منه لأنه في سمت الناصية والصدغ من الرأس لأنه من منابت شعره والواجب منه أن يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح وإن قل وقال أبو العباس بن القاص: أقله ثلاث شعرات كما نقول في الحلق في الإحرام والمذهب أنه لا يتقدر لأن الله تعالى أمر بالمسح وذلك يقع على القليل والكثير والمستحب أن يمسح جميع الرأس فيأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق طرف سبابته بطرف سبابته الأخرى ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه لما روي أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما

إلى قفاه ولأن منابت شعر الرأس مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي على مقدم رأسه فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره ولا يستقبل الشعر من مؤخر رأسه فيقع المسح على ظاهر الشعر فإذا رد يديه حصل المسح على ما لم يمسحه في ذهابه فإن كان عليه شعر فمسح ما نزل منها عن الرأس لم يجزه لأنه لا يقع عليها اسم الرأس وإن كان له شعر مسترسل عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح أطرافه أجزأه لأن اسم الرأس يتناوله ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه لأنه مسح على شعر في غير منبته فهو كطرف الذؤابة وليس بشيء وإن كان على رأسه عمامة ولم يرد نزعها مسح بناصيته والمستحب أن يتمم المسح بالعمامة لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى عمامته فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه لأنها ليست برأس ولأنه عضو لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلا يجوز المسح على حائل منفصل عنه كالوجه واليد.
فصل: ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لما روى المقداد بن معدي كرب أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعين في جحري أذنيه ويكون ذلك بماء جديد غير الماء الذي مسح به الرأس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأمسك مسبحتيه لأذنيه ولأنه عضو تميز عن الرأس في الاسم والخلقة فلا يتبعه في الطهارة كسائر الأعضاء قال في الأم والبويطي ويأخذ لصماخيه ماء جديداً غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذن وباطنه لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه فكما أفرد الفم والأنف عن الوجه بالماء فكذلك الصماخ فإن ترك مسح الأذن جاز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" وليس فيما أمر الله تعالى مسح الأذنين.
فصل: ثم يغسل رجليه وهو فرض لما روى جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا ويجب إدخال الكعبين في الغسل لقوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6] قال أهل التفسير: مع الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان عند

مفصل الساق والقدم والدليل عليه ما روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه وقال: "أقيموا صفوفكم" فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه فدل على أن الكعب ما قلناه ويستحب أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لما ذكرناه في اليد فإن كانت أصابعه منفرجة فالمستحب أن يخلل بين أصابعه لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة "خلل بين الأصابع1" وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل وجب التخليل لقوله صلى الله عليه وسلم: "خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله بينها بالنار" والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله صلى الله عليه وسلم "تأتي أمتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل1 ". فصل: والمستحب أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً لما روى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال هذا وضوء لا يقبل الصلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم عليه السلام" فإن اقتصر على مرة وأسبغ أجزأه لقوله صلى الله عليه وسلم "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" فإن خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً جاز لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثم قال: "هذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " فصل: ويجب أن يرتب الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وحكى أبو العباس بن القاص قولاً آخر أنه إن نسي الترتيب جاز والمشهور هو الأول والدليل عليه قوله عز وجل ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] الآية 1رواه الترمذي في كتاب الصوم باب 69.
أبو داود في كتاب الطهارة باب 56.
النسائي في كتاب الطهارة باب 91.
ابن ماجه في كتاب الطهارة باب 54 الدارمي في كتاب الوضوء باب 34: أحمد في مسنده "4/211".

فأدخل المسح بين الغسلين وقطع النظر عن النظير فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ولأنها عبادة تشتمل على أفعال متغايرة يرتبط بعضها ببعض فوجب فيها الترتيب كالصلاة والحج فإن غسل أربعة أنفس أعضاءه الأربعة دفعة واحدة لم يجزه إلا غسل الوجه لأنه لم يرتب وإن اغتسل وهو محدث من غير ترتيب ونوى الوضوء ففيه وجهان: أحدهما أنه يجزئه لأنه إذا جاز ذلك عن الحدث الأعلى فلأن يجوز عن الحدث الأدنى أولى والثاني لا يجزئه وهو الأصح لأنه أسقط ترتيباً واجباً بفعل ما ليس بواجب.
فصل: ويوالي بين أعضائه وإن فرق تفريقاً يسيراً لم يضر لأنه لا يمكن الاحتراز منه وإن فرق تفريقاً كثيراً وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ففيه قولان: قال في القديم: لا يجزيه لأنه عبادة يبطلها الحدث فأبطلها التفريق كالصلاة وقال في الجديد: يجزيه لأنه عبادة لا يبطلها التفريق القليل فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقة الزكاة فإذا قلنا إنه يجوز فهل يلزمه استئناف النية؟ وفيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه لأنها انقطعت بطول الزمان والثاني لا يستأنف لأنه لم يقطع حكم النية فلم يلزمه الاستئناف.
فصل: والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله خالصاً من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الحنة يدخلها من أي باب شاء1" ويستحب أن يقول أيضاً سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ وقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم

طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة" ويستحب لمن توضأ أن لا ينفض يده لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم".
فصل: ويستحب أن لا ينشف أعضاءه من بلل الوضوء لما روت ميمونة رضي الله عنها قالت: أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسلاً من الجنابة فأتيته بالمنديل فرده ولأنه أثر عبادة فكان تركه أولى فإن تنشف جاز لما روى قيس بن سعد قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له غسلاً فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فالتحف بها فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه.
فصل: والفرض مما ذكرناه ستة أشياء: النية وغسل الوجه وغسل اليدين ومسح بعض الرأس وغسل الرجلين والترتيب وأضاف إليه في القديم الموالاة فجعلها سبعاً وسننه إثنتا عشرة: التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق وتخليل اللحية الكثة ومسح جميع الرأس ومسح الأذنين وإدخال الماء في صماخي أذنيه وتخليل أصابع الرجلين وتطويل الغرة والابتداء بالميامن والتكرار وزاد أبو العباس بن القاص مسح العنق بعد مسح الأذنين فجعلها ثلاث عشرة وزاد غيره أن يدعو على وضوئه فيقول عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه وعلى غسل اليد اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني بشمالي وعلى مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار وعلى مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعلى غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم فجعلها أربعة عشر وبالله التوفيق.

باب المسح على الخفين

يجوز المسح على الخفين في الوضوء لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نسيت؟ فقال: "بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي" ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر ولا يجوز ذلك في غسل الجنابة لما روى صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا

إذا كنا مسافرين أو سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط أو بول أو نوم ثم تحدث بعد ذلك وضوءاً ولأن غسل الجنابة يندر فلا تدعو الحاجة فيه إلى المسح على الخف فلم يجز.
فصل: وهل هو مؤقت أم لا؟ فيه قولان: قال في القديم: غير مؤقت لما روى أبي بن عمارة قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخف؟ قال: نعم قلت: يوماً؟ قال ويومين قلت: وثلاثة؟ قال: "نعم وما شئت" وروي وما بدا لك وروي حتى بلغ سبعاً قال: نعم وما بدا لك ولأنه مسح بالماء فلم يتوقت كمسح الجبائر ورجع عنه قبل أن يخرج إلى مصر وقال يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من يوم وليلة للمقيم وإلى أكثر من ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر فلم تجز الزيادة عليه وإن كان السفر معصية لم يجز أن يمسح أكثر من يوم وليلة لأن ما زاد يستفيده بالسفر والسفر معصية فلا يجوز أن يستفاد به رخصة ويعتبر ابتداء المدة من حين يحدث بعد لبس الخف لأنها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة.
فصل: فإن لبس الخف في الحضر وأحدث ومسح ثم سافر أتم مسح مقيم لأنه بدأ بالعبادة في الحضر فلزمه حكم الحضر كما لو أحرم بالصلاة في الحضر ثم سافر وإن أحدث في الحضر ثم سافر ومسح في السفر قبل خروج وقت الصلاة أتم مسح مسافر من حين أحدث في الحضر لأنه بدأ بالعبادة في السفر فثبت له رخصة السفر وإن سافر بعد خروج وقت الصلاة ثم مسح ففيه وجهان قال أبو إسحاق: يتم مسح مقيم لأن خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الإتمام فكذلك في المسح وقال أبو علي ابن أبي هريرة: يتم مسح مسافر لأنه تلبس بالمسح وهو مسافر فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت ويخالف الصلاة لأن الصلاة تفوت وتقضى فإذا فاتت في الحضر ثبتت في الذمة صلاة الحضر فلزمه قضاؤها والمسح لا يفوت ولا

فصول الكتاب · 52 فصل · 499 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي · 499 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن
كتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب السبق والرميكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب عتق أمهات الأولادكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتال أهل البغي
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل