المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازيصفحات 358-395
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 358-395
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشيرازي، أبو إسحاق
الكتاب
المهذب في فقة الإمام الشافعي
المؤلف
أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

مدخل

... كتاب الحج الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان" وفي العمرة قولان: قال في الجديد: هي فرض لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة وقال في القديم: ليست بفرض لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أهي واجبة قال: لا وأن تعتمر خير لك والصحيح هو الأول لأن هذا الحديث يرفعه ابن لهيعة وهو ضعيف ففيما ينفرد به ولا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحج كل عام قال: "لا بل حجة واحدة" وروى سراقة بن مالك قال: قلت يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ومن حج واعتمر حجة الإسلام وغمرته ثم أراد دخول مكة لحاجة نظرت فإن كان لقتال أو دخلها خائفاً من ظالم يطلبه ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك جاز أن يدخل بغير إحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع النسك وإن كان دخوله لتجارة أو زيارة ففيه قولان: أشهرهما أنه لا يجوز أن يدخل إلا بحج أو عمرة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يدخل أحدكم مكة إلا محرماً ورخص للحطابين والثاني أنه يجوز لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك وإن كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين

جاز بغير نسك لحديث ابن عباس ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة فإن دخل بتجارة وقلنا إنه يجب عليه الإحرام فدخل بغير إحرام لم يلزمه القضاء لأنا لو ألزمناه القضاء لزمه لدخوله للقضاء قضاء ولا يتناهى قال أبو العباس بن القاص: فإن دخل بغير إحرام ثم صار حطاباً أو صياداً لزمه القضاء لأنه لا يلزمه للقضاء قضاء.
فصل: ولا يجب الحج والعمرة إلا على مسلم عاقل بالغ حر مستطيع فأما الكافر فإن كان أصلياً لم يصح منه لأن ذلك من فروع الإيمان فلم يصح من الكافر ولا يخاطب به في حال الكفر لأنه لا يصح منه وإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر لقوله صلى الله عليه وسلم "الإسلام يجب ما قبله1" ولأنه لم يلتزم وجوبه فلم يلزمه ضمائنه كحقوق الآدميين وإن كان مرتداً لم يصح منه لما ذكرناه ويجب عليه لأنه التزم وجوبه فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين وأما المجنون فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات فلم يصح حجه ولا يجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأما الصبي فلا يجب عليه للخبر ويصح منه لما روى ابن عباس أن امرأة رفعت صبياً لها من محفتها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر فإن كان مميزاً فأحرم بإذن الولي صح إحرامه وإن أحرم بغير إذنه ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يصح كما يصح إحرامه في الصلاة وقال أكثر أصحابنا لا يصح لأنه يفتقر في أدائه إلى المال فلا يصح من غير إذن الولي بخلاف الصلاة وإن كان غير مميز جاز لأمه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس ويجوز لأبيه قياساً على الأم ولا يجوز للأخ والعم أن يحرما عنه لأنه لا ولاية لهما على الصغير فإن عقد له الإحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه لما روى جابر قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رمي عنه وفي نفقة الحج وما يلزمه من الكفارة قولان: أحدهما يجب في مال الولي لأنه هو الذي أدخله فيه والثاني يجب في مال الصبي لأنه وجب لمصلحته فكان

في ماله كأجرة المعلم وأما العبد فلا يجب عليه الحج لأن منافعه مستحقة لمولاه وفي إيجاب الحج عليه إضرار بالمولى ويصح منه لأنه من أهل العبادة فصح منه الحج كالحر فإن أحرم بإذن السيد وفعل ما يوجب الكفارة فإن ملكه السيد مالاً وقلنا إنه يملك لزمه الهدي وإن قلنا لا يملك أو لم يملكه السيد وجب عليه الصوم ويجوز للسيد أن يمنعه من الصوم لأنه لم يأذن في سببه وإن أذن في التمتع أو القران وقلنا أنه لا يملك المال صام وليس للمولى منعه من الصوم لأنه وجب بإذنه فإن قلنا إنه يملك ففي الهدى قولان: أحدهما يجب في مال السيدة لأنه أذن في سببه والثاني لا يجب لأن أذنه رضا بوجوبه على عبده لا في ماله ولأن بوجوب التمتع في حق العبد هو الصوم لأنه لا يقدر على الهدي فلا يجب عليه الهدى فإن حج الصبي ثم بلغ أو حج العبد ثم أعتق لم يجزه ذلك عن حجة الإسلام لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى" وإن بلغ الصبي أو أعتق العبد في الإحرام نظرت فإن كان قبل الوقوف بعرفة أو في حال الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام لأنه أتى بأفعال النسك في حال الكمال فأجزأه وإن كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزه وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف فقد قال أبو عباس: يجزئه لأن إدراك وقت العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال والدليل عليه أنه لو أحرم كمل جعل كأنه بدأ بالإحرام حال الكمال ولو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت جعل كأنه صلى في حال بلوغه والمذهب أنه لا يجزيه لأنه لم يدرك الوقوف في حال الكمال فأشبهه إذا كمل في يوم النحر ويخالف الإحرام لأن هناك أدرك الكمال والإحرام

قائم فوازنه من مسألتنا أن يدرك الكمال وهو واقف بعرفة فيجزئه وههنا أدرك الكمال وقد انقضى الوقوف فلم يجزه كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الإحرام ويخالف الصلاة فإن الصلاة تجزئه بإدراك الكمال بعد الفراغ منها ولو فرغ من الحج ثم أدرك الكمال لم يجزه.
فصل: فأما غير المستطيع فلا يجب عليه لقوله عز وجل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97] فدل على أنه لا يجب على غير المستطيع والمستطيع اثنان: مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره والمستطيع بنفسه ينظر فيه فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة فهو أن يكون صحيحاً واجداً للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه واجداً لراحلة تصلح لمثله بثمن المثل أو بأجرة المثل وأن يكون الطريق آمنا من غير خفارة وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء فأما إذا كان مريضاً تلحقه مشقة غير معتادة لم يلزمه لما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر فمات فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً1". فصل: فإن لم يجد الزاد لم يلزمه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج فقال: الزاد والراحلة فإن لم يجد الماء لم يلزمه لأن الحاجة إلى الماء أشد من الحاجة إلى الزاد فإذا لم يجب على من لم يجد الزاد فلأن لا يجد على من لم يجد الماء أولى وإن وجد الزاد والماء بأكثر من ثمن المثل لم يلزمه لأنه لو لزم ذلك لم يأمن أنه لا يباع منه ذلك إلا بما يذهب به جميع ماله في إيجاب ذلك إضرار فلم يلزمه وإن لم يجد راحلة لم يلزمه لحديث ابن عمر وإن وجد راحلة لا تصلح لمثله بأن يكون ممن لا يمكنه الثبوت على القتب والزاملة لم يلزمه

حتى يجد عمارية أو هودجاً وإن بذل له رجل راحلة من غير عرض لم يلزمه قبولها لأن عليه في قبول ذلك منة وفي تحمل المنة مشقة فلا يلزمه وإن وجد بأكثر من ثمن المثل ولو بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه لما ذكرناه في الزاد وإن وجد الزاد والراحلة لذهابه ولم يجد لرجوعه نظرت فإن كان له أهل في بلده لم يلزمه وإن لم يكن له أهل ففيه وجهان: أحدهما يلزمه لأن البلاد كلها في حقه واحدة والثاني لا يلزمه لأنه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة لم يلزمه وإن وجد ما يشتري به الزاد والراحلة وهو محتاج إليه لدين عليه لم يلزمه حالاً كان الدين أو مؤجلاً لأن الدين الحال على الفور والحج على التراخي فقدم عليه والمؤجل يحل عليه فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين وإن كان محتاجاً إليه لنفقة من تلزمه نفقة لم يلزمه الحج لأن النفقة على الفور والحج على التراخي وإن احتاج إليه لمسكن لا بد له من مثله أو خادم يحتاج إلى خدمته لم يلزمه وإن احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح لأن الحاجة إلى ذلك الفور والحج ليس على الفور وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيهل ليحصل منها على ما يحتاج إليه للنفقة ففيه وجهان: قال أبو العباس بن سريج لا يلزمه الحج أنه محتاج إليه فهو كالمسكن والخادم ومن أصحابنا من قال يلزمه لأنه واجد للزاد والراحلة وإن لم يجد الزاد والراحلة وهو قادر على المشي وله صنعة يكتسب بها ما يكفيه لنفقته استحب له أن يحج لأنه يقدر على إسقاط الفرض بمشقة لا يكره تحملها فاستحب له إسقاط الفرض كالمسافر إذا قدر على الصوم في السفر وإن لم يكن له صنعة ويحتاج إلى مسألة الناس كره له أن يحج لأن المسألة مكروهة ولأن في المسألة تحمل مشقة شديدة فكره وإن كان الطريق غير آمن لم يلزمه لحديث أبي أمامة ولأن في إيجاب الحج مع الخوف تغريراً بالنفس والمال وإن كان الطريق آمناً إلا أنه يحتاج فيه إلى خفارة لم يلزمه لأن ما يؤخذ في الخفارة بمنزلة ما زاد على ثمن المثل وأجرة المثل

في الزاد والراحلة فلا يلزمه ولأنه رشوة على واجب فلا يلزمه وإن لم يكن له طريق إلا في البحر فقد قال في الأم: لا يجب عليه وقال في الإملاء: إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما يجب لأنه طريق مسلوك فأشبه البر والثاني لا يجب لأن فيه تغريراً بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ومنهم من قال إن كان الغالب منه السلامة لزمه وإن كان الغالب منه الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم من قال إن كان عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه لأن من له عادة لا يشق عليه ومن لا عادة له يشق عليه وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد فإن الأعمى من غير قائد كالزمن ومع القائد كالبصير وإن كانت امرأة لم يلزمها إلا أن تأمن على نفسها بزوج أو محرم أو نساء ثقات قال في الإملاء أو امرأة واحدة وروى الكرابيسي عنه إذا كان الطريق آمناً جاز من غير نساء وهو الصحيح لما روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حتى لتوشك الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة قال عدي: فلقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالكعبة بغير جوار ولأنها تصير مستطيعة بما ذكرناه ولا تصير مستطيعة بغيره فإن لم يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لأداء الحج لم يلزمه لأنه إذا ضاق الوقت لم يقدر على الحج فلا يلزمه فرضه.
فصل: وإن كان من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يجد راحلة نظرت فإن كان قادراً على المشي وجب عليه لأنه يمكنه الحج من غير مشقة شديدة وإن كان زمناً على المشي ويقدر على الحبو لم يلزمه لأن المشقة في الحبو في المسافة القريبة أكثر من المشقة في المسافة البعيدة في السير.

فصل: وإن كان من أهل لمكة وقدر على المشي إلى مواضع النسك من غير خوف وجب عليه لأنه بصير مستطيعاً بذلك.
فصل: ومن قدر على الحج راكباً أو ماشياً فالأفضل أن يحج راكباً لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكباً ولأن الركوب أعون على المناسك.
فصل: والمستطيع بغيره اثنان: أحدهما من لا يقدر على الحج بنفسه لزمانه أو كبر وله مال يدفع إلى من يحج عنه فيجب عليه فرض الحج لأنه يقدر على أداء الحج بغيره كما يقدر على أدائه بنفسه فيلزمه فرض الحج والثاني من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له مال ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج فينظر فيه فإن كان الولد مستطيعاً بالزاد والراحلة وجب على الأب الحج ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه لأنه قادر على أداء الحج بولده كما يقدر على أدائه بنفسه وإن لم يكن للولد مال ففيه وجهان: أحدهما يلزمه لأنه قادر على تحصيل الحج بطاعته والثاني لا يلزمه لأن الصحيح لا يلزمه فرض الحج من غير زاد ولا راحلة فالمغصوب أولى أن لا يلزمه وإن كان الذي يطيعه غير الولد ففيه وجهان: أحدهما أن الحاكم ينوب عنه في الإذان كما ينوب عنه إذا امتنع من إخراج الزكاة والثاني لا ينوب عنه كما إذا كان له مال ولم يجهز من يحج عنه ينب الحاكم عنه في تجهيز من يحج عنه وإن بذل له الطاعة ثم رجع الباذل ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يجوز لأنه لما لم يجز للمبذول له أن يرد لم يجز للباذل أن يرجع والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لأنه متبرع بالبذل فلا يلزمه الوفاء بما بذل وأما إذا بذل له مالاً يدفعه إلى من يحج عنه ففيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه قبوله كما يلزمه قبول الطاعة والثاني لا يلزمه وهو الصحيح لأنه إيجاب كسب لإيجاب الحج فلم يلزمه كالكسب بالتجارة.
فصل: والمستحب لمن وجب عليه الحج بنفسه أو بغيره أن يقدمه لقوله تعالى:

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:148] ولأنه إذا أخره عرضه للفوات ولحوادث الزمان ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة لأن فريضة الحج نزلت سنة ست فأخر النبي صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر من غير عذر فلو لم يجز التأخير لما أخره.
فصل: ومن وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات نظرت فإن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه ولم يجب القضاء وقال أبو يحيى البلخي: يجب القضاء وأخرج إليه أبو إسحاق نص الشافعي رحمه الله فرجع عنه والدليل على أنه يسقط أنه هلك ما تعلق به الفرض قبل التمكن من الأداء فسقط الفرض كما لو هلك النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة وإن مات بعد التمكن من الأداء لم يسقط الفرض ويجب قضاؤه من تركته لما روى بريدة قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج قال: حجي عن أمك ولأنه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي ويجب قضاؤه عنه من الميقات لأن الحج يجب من الميقات ويجب من رأس المال لأنه دين واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وإن اجتمع الحج ودين الآدمي والتركة لا تتسع لهما ففيه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في آخر الزكاة.
فصل: وتجوز النيابة في حج الفرض في موضعين: أحدهما في حق الميت إذا مات وعليه حج والدليل عليه حديث بريدة والثاني في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير معتادة كالزمن والشيخ الكبير والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم قالت: أينفعه ذلك؟ قال نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه ولأنه أيس من الحج بنفسه فتاب عنه غيره كالميت وفي حج التطوع قولان: أحدهما لا يجوز لأنه غير مضطر إلى الاستنابة فيه فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها كالصدقة فإن استأجر من يتطوع عنه وقلنا لا يجوز فإن الحج للحاج وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يستحق لأن الحج قد انعقد له فلا يستحق الأجرة كالصرورة والثاني أنه يستحق لأنه لم يحصل له بهذا الحج منفعة لأنه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب بخلاف الصرورة فإن هناك قد سقط عنه الفرض فأما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة فلا يجوز النيابة عنه في الحج لأن الفرض عليه في بدنه فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا في الموضع الذي وردت فيه الرخصة وهو إذا أيس وبقي فيما سواه

على الأصل فلا تجوز النيابة عنه فيه وأما المريض فينظر فيه فإن كان غير مأيوس منه لم يجز أن يحج عنه غيره لأنه لم ييأس من فعله بنفسه فلا تجوز النيابة عنه فيه كالصحيح فإن خالف أو حج عن نفسه ثم مات فهل يجزئه عن حجة الإسلام؟ فيه قولان: أحدهما يجزئه لأنه مات تبينا أنه كان مأيوساً منه والثاني لا يجزئه لأنه حج وهو غير مأيوس منه في الحال فلم يجزه كما لو برأ منه وإن كان مريضاً مأيوساً منه جازت النيابة عنه في الحج لأنه مأيوس منه فأشبه الزمن والشيخ الكبير فإن حج عن نفسه ثم برأ من المرض ففيه طريقان: أحدهما أنه كالمسألة التي قبلها وفيها قولان والثاني أنه يلزمه الإعادة قولاً واحداً لأنا تبينا الخطا في الأياس ويخالف إذا كان غير مأيوس منه فمات لأنا لم نتبين الخطأ لأنه يجوز أنه لم يكن مأيوساً منه ثم زاد المرض فصار مأيوساً منه ولا يجوز أن يكون مأيوساً منه ثم يصير غير مأيوس منه.
فصل: ولا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول لبيك عن شبرمة فقال: "حججت عن نفسك قال: لا قال: فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياساً على الحج قال الشافعي رحمه الله: وأكره أن يسمي من لم يحج صرورة لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صرورة في الإسلام" ولا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة وعليه فرضهما ولا يحج ويعتمر عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام فلا يجوز تقديمهما عليها كحج غيره على حجة فإن أحرم من غيره وعليه فرضه انعقد إحرامه لنفسه لما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أحججت عن نفسك؟ قال: لا قال: "فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" فإن أحرم بالنفل وعليه فرضه انعقد إحرامه عن الفرض وإن أحرم عن النذر وعليه فرض الإسلام انعقد إحرامه عن فرض الإسلام قياساً على من أحرم عن غيره وعليه فرضه فإن أمر المعضوب من يحج عنه عن النذر وعليه حجة الإسلام فأحرم عنه انصرف إلى حجة الإسلام لأنه نائب عنه ولو أحرم هو عن النذر انصرف إلى حجة الإسلام فكذلك النائب عنه.

فصل: فإن كان عليه حجة الإسلام وحجة نذر فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة فقد نص في الأم أنه يجوز وكان أولى لأنه لم يقدم النذر على حجة الإسلام ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه يحج بنفسه حجتين في سنة وليس بشيء.
فصل: ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج والدليل عليه قوله عز وجل ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197] والمراد به وقت إحرام الحج لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أنه أراد به وقت الإحرام ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج فكان مؤقتاً كالوقوف والطواف وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر لما روى عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا: أشهر الحج معلومات شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة لأنها عبادة مؤقتة فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة فلا يمكن أداء الحجة الأخرى.
فصل: وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة1" ولا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة لما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها.

فصل: ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة.
فصل: والإفراد والتمتع من القران وقال المزني القران أفضل والدليل على ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله والقارن يقتصر على عمل الحج وحده فكان الإفراد والتمتع أفضل.
فصل: وفي التمتع والإفراد قولان: أحدهما أن التمتع أفضل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج والثاني أن الإفراد أفضل لما روى جابر قال أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ليس معه عمرة ولأن التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الإفراد أفضل منه كالقران وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنه يحتمل أنه أمر بالتمتع كما روي أنه رجم ماعزاً وأراد أنه يرجمه والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوي وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج.
فصل: والإفراد أن يحج ثم يعتمر والتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه والقران أن يحرم بهما معاً فإن أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف جاز ويصير قارناً لما روي أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بالعمرة فحاضت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهلي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي" وإن أدخل عليها الحج بعد الطواف لم يجز واختلف أصحابنا في علته فمنهم من قال لا يجوز لأنه قد أخذ في التحلل ومنهم قال لا يجوز لأنه قد أتى بمقصود العمرة وإن أحرم بالحج وأدخل عليه بالعمرة ففيه قولان: أحدهما يجوز لأنه أحد النسكين فجاز إدخاله على الآخر كالحج والثاني لا يجوز لأن أفعال العمرة استحقت بإحرام الحج فلا يعد إحرام العمرة شيئاً فإن قلنا إنه يجوز فهل

يجوز بعد الوقوف أن يبني على العلتين في إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؟ فإن قلنا لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لأنه أخذ في التحلل ههنا بعد الوقوف لأنه لم يأخذ في التحلل وإن قلنا لا يجوز لأنه أتى بالمقصود لم يجز ههنا لأنه قد أتى بمعظم المقصود وهو الوقوف فإن أحرم بالعمرة فأفسدها ثم أدخل عليها الحج ففيه وجهان: أحدهما ينعقد الحج ويكون فاسداً لأنه إدخال حج على عمرة فأشبه إذا كان صحيحاً والثاني لا ينعقد لأنه لا يجوز أن يصح لأنه إدخال حج على إحرام فاسد ولا يجوز أن يفسد لأن إحرامه لم يصادفه الوطء فلا يجوز إفساده.
فصل: ويجب على المتمتع الدم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196] ولا يجب عليه إلا بخمسة شروط: أحدها أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج فلم يلزمه دم كالمفرد وإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وأتى بأفعالها في أشهر الحج ففيه قولان: قال في القديم والإملاء: يجب عليه دم لأن استدامة الإحرام بمنزلة الابتداء ولو ابتدأ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج لزمه الدم فكذلك إذا استدام وقال في الأم: لا يجب عليه الدم لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به أتى به في غير أشهر الحج فلم يلزمه دم التمتع كالطواف والثاني أن يحج من سنته فأما إذا حج في سنة اخرى لم يلزمه الدم لما روى سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا ولأن الدم إنما يجب بترك الإحرام بالحج من الميقات وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته وإن رجع إلى بلده وعاد فقد أحرم من الميقات والثالث أن لا يعود لإحرام إلى الميقات فأما إذا رجع لإحرام الحج إلى الميقات فأحرم لم يلزمه الدم لأن الدم توجب بترك الإحرام من الميقات وهذا لم يترك الميقات فإن أحرم بالحج من جوف مكة ثم رجع إلى الميقات قبل أن يقف ففيه وجهان: أحدهما لا دم عليه لأنه حصل محرماً من الميقات قبل التلبس بنسك فأشبه من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم وعاد إلى الميقات والثاني يلزمه لأنه وجب عليه الدم بالإحرام من مكة فلا يسقط بالعود إلى الميقات كما لو ترك الميقات وأحرم دونه ثم عاد بعد التلبس بالنسك والرابع أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام فأما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحاضر المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة لأن الحاضر في اللغة هو

القريب ولا يكون قريباً إلا في مسافة لا تقصر فيها الصلاة وفي الخامس وهو نية التمتع وجهان: أحدهما أنه لا يحتاج إليها لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات وذلك يوجد من غير نية والثاني أنه يحتاج إلى نية التمتع لأنه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين فإذا قلنا بهذا ففي وقت النية وجهان: أحدهما أنه يحتاج أن ينوي عند الإحرام بالعمرة والثاني يجوز أن ينوي ما لم يفرغ من العمرة بناء على القولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين فإن في ذلك قولين: أحدهما ينوي في ابتداء الأولى منهما والثاني ما لم يفرغ من الأولى.
فصل: ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196] ولأن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به وفي وقت جوازه قولان: أحدهما لا يجوز قبل أن يحرم بالحج لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن فلا يجوز قبل وجوبها كالصوم والصلاة والثاني يجوز بعد الفراغ من العمرة لأنه حق مال يجب بشيئين فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب.
فصل: فإن لم يكن واجداً للهدي في موضعه انتقل إلى الصوم وهو صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لقوله تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:196] فأما صوم ثلاثة أيام في الحج فلا يجوز قبل الإحرام بالحج لأنه صوم واجب فلا يجوز قبل وجوبه كصوم رمضان ويجوز بعد الإحرام بالحج إلى يوم النحر والمستحب أن يفرغ منه قبل يوم عرفة فإنه يكره للحاج صوم عرفة وهل يجوز صيامها في أيام التشريق على قولين وقد ذكرناهما في كتاب الصيام وأما صوم السبعة ففيه قولان: قال في حرملة: لا يجوز حتى يرجع إلى أهله لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله وقال في الإملاء: يصوم إذا أخذ في السير خارجاً من مكة لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:196] وابتداء الرجوع إذا ابتدأ بالسير من مكة فإذا قلنا بهذا ففي الأفضل قولان: أحدهما الأفضل أن يصوم بعد الابتداء بالسير لأن تقديم العبادة في أول وقتها أفضل والثاني الأفضل أن يؤخر إلى يرجع إلى الوطن ليخرج من الخلاف فإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى أهله لزمه صوم عشرة أيام وهل يشترط التفريق بينهما: فيه وجهان: أحدهما أنه ليس بشرط لأن التفريق وجب بحكم الوقت وقد فات فسقط كالتفريق بين الصلوات والثاني أنه يشترط وهو المذهب لأن ترتيب أحدهما

على الآخر لا يتعلق بوقت فلم يسقط بالفوات كترتيب أفعال الصلاة فإن قلنا بالوجه الأول صام عشرة أيام كيف شاء وإن قلنا بالمذهب فرق بينهما بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء.
فصل: فإن دخل في الصوم ثم وجد الهدي فالأفضل أن يهدي ولا يلزمه وقال المزني: يلزمه كالمتيمم إذا رأى الماء فإن وجد الهدى بعد الإحرام بالحج وقبل الدخول في الصوم فهو مبني على الأقوال الثلاثة في الكفارات: أحدها أن الاعتبار بحال الوجوب ففرضه الصوم والثاني أن الاعتبار بحال الأداء ففرضه الهدي والثالث الاعتبار بأغلظ الحالين ففرضه الهدي.
فصل: ويجب على القارن دم لأنه روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ولأنه إذا وجب على المتمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى فإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على ما بيناه وبالله التوفيق.

باب المواقيت

ميقات أهل المدينة ذو الحليفة وميقات أهل الشام الجحفة وميقات أهل نجد قرن وميقات أهل اليمن يلملم لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن" قال ابن عمر رضي الله عنهما: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يهل أهل

اليمن من يلملم وأهل الشام من الجحفة وأما أهل العراق فميقاتهم ذات عرق1" وهل هو منصوص عليه أو مجتهد فيه؟ قال الشافعي رحمه الله في الأم: هو غير منصوص عليه ووجهه ما روي عن ابن عمر قال: لما فتح المصران أتوا عمر رضي الله عنه فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرناً وإنا إذ أردنا أن نأتي قرناً شق علينا فقال: فانظروا حذوها من طريقكم قال: فحد لهم ذات عرق ومن أصحابنا من قال هو منصوص عليه ومذهبه ما ثبتت به السنة والدليل عليه ما روى جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يهل أهل المشرق من ذات عرق" وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق وقال الشافعي رحمه الله: ولو أهل أهل المشرق من العقيق كان أحب إلي لأنه روي عن ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق ولأنه أبعد من ذات عرق فكان أفضل وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرناً ولأهل اليمن يلملم وقال: "هذه المواقيت لأهلها ولكل من أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة" ومن كان داره دون ذلك فمن حيث ينشيء ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة ومن سلك طريقاً لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه لأن عمر رضي الله عنه لما اجتهد في ميقات أهل العراق اعتبر ما ذكرناه.
فصل: ومن كانت داره فوق الميقات فله أن يحرم من الميقات وله أن يحرم من فوق الميقات لما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وفي الأفضل قولان: أحدهما أن الأفضل أن يحرم من الميقات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة ولأنه إذا أحرم من بلده لم يأمن أن يرتكب محظورات الإحرام فإذا أحرم من الميقات أمن من ذلك فكان الإحرام من الميقات أفضل والثاني أن الأفضل أن يحرم من داره لما روت أم سلمة رضي الله

عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة1" ومن كانت داره دون الميقات فيمقاته موضعه ومن جاوز الميقات قاصداً إلى موضع قبل مكة ثم أراد النسك أحرم من موضعه كما إذا دخل مكة لحاجة ثم أراد الإحرام كان ميقاته من مكة ومن كان من أهل مكة وأراد أن يحج فميقاته من مكة وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل والأفضل أن يحرم من الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها فإن أخطأها فمن التنعيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم ومن بلغ الميقات مريداً للنسك لم يجز أن يجاوزه حتى يحرم لما ذكرناه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن جاوزه وأحرم دونه نظرت فإن كان له عذر بأن يخشى أن يفوته الحج أو الطريق مخوف لم يعد وعليه دم وإن لم يخش شيئاً لزمه أن يعود لأنه نسك واجب مقدور عليه فلزمه الاتيان به فإن لم يرجع لزمه الدم وإن رجع نظرت فإن كان قبل أن يتلبس بنسك سقط عنه الدم لأنه قطع المسافة بالإحرام وزاد عليه فلم يلزمه دم وإن عاد بعد ما وقف أو بعد ما طاف لم يسقط عنه الدم لأنه عاد بعد فوات الوقت فلم يسقط عنه الدم كما لو دفع من الموقف قبل الغروب ثم عاد في غير وقته وإن نذر الإحرام من موضع فوق الميقات لزمه الإحرام منه فإن جاوزه وأحرم دونه كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم لأنه وجب الإحرام منه كما وجب الإحرام من الميقات فكان حكمه حكم الميقات وإن مر كافر بالميقات مريداً للحج فأسلم دونه وأحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه الدم وقال المزني رحمه الله: لا يلزمه لأنه مر بالميقات وليس هو من أهل النسك فأشبه إذا مر به غير مريد للنسك ثم أسلم دونه وأحرم وهذا لا يصح لأنه ترك الإحرام من الميقات وهو مريد للنسك فلزمه الدم كالمسلم وإن مر بالميقات صبي وهو محرم أو عبد وهو محرم فبلغ الصبي أو عتق العبد ففيه قولان: أحدهما أنه يجب عليه دم لأنه ترك الإحرام بحجة الإسلام من الميقات والثاني لا يلزمه لأنه جاوز الميقات وهو محرم فلم

يلزمه دم كالحر البالغ فإن كان من أهل مكة فخرج لإحرام الحج إلى أدنى الحل وأحرم فإن رجع إلى مكة قبل أن يقف بعرفة لم يلزمه دم وإن لم يرجع حتى وقف وجب عليه دم لأنه ترك الإحرام من الميقات فأشبه غير المكي إذا أحرم من دون الميقات وإن خرج من مكة إلى خارج البلد وأحرم من موضع من الحرم ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه الدم لأن مكة والحرم في الحرمة سواء والثاني يلزمه وهو الصحيح لأن الميقات هو البلد وقد تركه فلزمه الدم وإن أراد العمرة وأحرم من جوف مكة نظرت فإن خرج إلى أدنى الحل قبل أن يطوف لم يلزمه دم لأنه دخل الحرم محرماً فأشبه إذا أحرم من الحل وإن طاف وسعى ولم يخرج إلى الحل ففيه قولان: أحدهما لا يعتد بالطواف والسعي عن العمرة لأنه لم يقصد الحرم بإحرام فلا يعتد بالطواف والسعي والثاني أنه يعتد بالطواف وعليه دم لترك الميقات كغير المكي إذا جاوز ميقات بلده غير محرم ثم أحرم ودخل مكة وطاف وسعى والله أعلم.

باب الإحرام وما يحرم فيه

إذا أراد أن يحرم فالمستحب أن يغتسل لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه وإن كانت امرأة حائضاً أو نفساء اغتسلت للإحرام لما روى القاسم بن محمد أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مروها فلتغتسل ثم لتهل" ولأنه غسل يراد للنسك فاستوى فيه الحائض والطاهر ومن لم يجد الماء تيمم لأنه غسل مشروع فانتقل منه إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة قال في الأم: ويغتسل لسبعة مواطن: للإحرام ولدخول مكة والوقوف بعرفة والوقوف بمزدلفة ولرمي الجمار الثلاث لأن هذه المواطن تجتمع لها الناس فاستحب لها الاغتسال ولا يغتسل لرمي جمرة العقبة لأن وقته من نصف الليل إلى آخر النهار فلا يجتمع لها الناس في وقت واحد وأضاف إليها في القديم الغسل لطواف الزيارة وطواف الوداع لأن الناس يجتمعون لهما ولم يستحبه في الجديد لأن وقتهما متسع فلا يتفق اجتماع الناس فيهما.

فصل: ثم يتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين ونعلين لما روى بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين والمستحب أن يكون ذلك بياضاً لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم1" والمستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ولا يطيب ثوبه لأنه ربما نزعه للغسل فيطرحه على بدنه فتجب به الفدية والمستحب أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ذي الحليفة ركعتين ثم أحرم وفي الأفضل قولان: قال في القديم: الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل في دبر الصلاة وقال في الأم: الأفضل أن يحرم إذا انبعث به راحلته إن كان راكباً وإذا ابتدأ بالسير إن كان راجلاً لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج" ولأنه إذا لبى مع السير وافق قوله فعله وإذا لبى في مصلاه لم يوافق فعله فكان ما قلناه أولى وينوي الإحرام ولا يصح الإحرام إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولأنه عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم ويلبي لنقل الخلف عن السلف فإن اقتصر على النية ولم يلب أجزأه وقال أبو إسحاق وأبو عبد الله الزبيري: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية كما لا تنعقد الصلاة إلا بالنية والتكبيرة والمذهب الأول لأنها عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب النطق في أولها كالصوم وله أن يعين ما يحرم به من الحج والعمرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج فإن لبى بنسك ونوى غيره انعقد ما نواه لأن النية في القلب وله أن يحرم إحراماً مبهماً لما روى أبو موسى قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أهللت قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنت وفي الأفضل قولان: قال في

الأم: التعيين أفضل لأنه إذا عين عرف ما دخل فيه والثاني أن الإبهام أفضل لأنه أحوط فإنه ربما عرض مرض أو إحضار فيصرفه إلى ما هو أسهل عليه فإن عين انعقد بما عينه والأفضل أن يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص لما روى نافع قال: سئل ابن عمر أيسمى أحدنا حجاً أو عمرة فقال: أتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم ومن أصحابنا من قال الأفضل أن ينطق به لما روى أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحجة وعمرة ولأنه إذا نطق به كان أبعد من السهو فإن أبهم الإحرام جاز أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لأنه يصلح لهما فصرف إلى ما شاء منهما فإن قال إهلالاً كإهلال فلان إنعقد إحرامه بما عقد به فلان إحرامه فإن مات الرجل الذي علق إهلاله بإهلاله أو جن ولم يعلم ما أهل به لزمه أن يقرن ليسقط ما لزمه بيقين فإن بان أن فلاناً لم يحرم انعقد إحراماً مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لأنه عقد الإحرام وإن علق عين النسك على إحرام فلان فإذا سقط إحرام فلان بقي إحرامه مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة وإن أحرم بحجتين أو بعمرتين لم ينعقد الإحرام بهما لأنه لا يمكن المضي فيهما وينعقد بإحداهما لأنه يمكن المضي في إحداهما قال في الأم إذا استأجره رجلان للحج فأحرم بهما انعقد إحرامه عن نفسه لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا وبقي إحرام مطلق فانعقد له قال: ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الإحرام عن نفسه لأنه تعارض التعيينان فسقطا وبقي مطلق الإحرام فانعقد له وإن أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك ففيه قولان: قال في الأم: يلزمه أن يقرن لأنه شك لحقه بعد الدخول في العبادة فيبني فيه على اليقين كما لو شك في عدد ركعات الصلاة وقال في القديم: يتحرى لأنه يمكنه أن يدرك بالتحري فيتحرى فيه كالقبلة فإن قلنا يقرن لزمه أن ينوي القران فإذا قرن أجزأه ذلك عن الحج وهل يجزئه عن العمرة؟ إذ قلنا يجوز إدخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضاً وإن قلنا لا يجوز ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه لأنه يجوز أن يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح وإذا شك لم يسقط الفرض والثاني أنه يجزئه لأن العمرة إنما لا يجوز إدخالها على الحج من غير

حاجة وهاهنا به حاجة إلى إدخال العمرة على الحج والمذهب الأول وإن قلنا إنه يجزئه عن العمرة لزمه الدم لأنه قارن وإن قلنا لا يجزئه عن العمرة هل يلزمه دم ففيه وجهان: أحدهما لا دم عليه وهو المذهب لأنا لم نحكم له بالقران فلا يلزمه دم والثاني يلزمه دم لجواز أنه يكون قارناً فوجب عليه الدم احتياطاً وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم فإن نوى القران وعاد قبل طواف القدوم أجزأه الحج لأنه إن كان حاجاً أو قارناً فقد إنعقد إحرامه بالحج وإن كان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة فصح حجه ولا يجزئه عن العمرة لأن إدخال العمرة على الحج لا يصح في أحد القولين ويصح في الآخر ما لم يقف بعرفة فإذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزه وإن نسي بعد طواف القدوم وقبل الوقوف فإن قلنا إن إدخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة لأنه يحتمل أنه كان معتمراً فلا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف فلم يسقط فرض الحج مع الشك ولا تصح العمرة لأنه يحتمل أن لا يكون أحرم بها أو أحرم بها على حج فلا يصح وإن قلنا إنه يجوز إدخال العمرة على الحج لم يصح له الحج لجواز أن يكون أحرم بالعمرة وطاف لها فلا يجوز أن يدخل الحج عليها وتصح له العمرة لأنه أدخلها على الحج قبل الوقوف فإن أراد أن يجزئه الحج طاف وسعى لعمرته ويحلق ثم يحرم بالحج ويجزئه لأنه إن كان معتمراً فقد حل من العمرة وأحرم بالحج وإن كان حاجاً أو قارناً فلا يضره تجديد الإحرام بالحج ويجب عليه دم واحد لأنه إن كان معتمراً فقد حلق في وقته وصار متمتعاً فعليه دم التمتع دون الدم الحلاق وإن كان حاجاً فقد حلق في غير وقته فعليه دم الحلاق دون دم التمتع وإن كان قارناً فعليه دم الحلاق ودم القران فلا يجب عليه دمان بالشك ومن أصحابنا من قال: يجب عليه دمان احتياطاً وليس بشيء.
فصل: ويستحب أن يكثر من التلبية ويلبي عند اجتماع الرفاق وفي كل صعود وهبوط وفي أدبار الصلوات وإقبال الليل والنهار لما روى جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

يلبي إذا رأى ركباً أو صعد وهبط وادياً وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل ولأن في هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضجيج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الحج العج والثج1" ويستحب في مسجد مكة ومنى وعرفات وفيما عداها من المساجد قولان: قال في القديم لا يلبي وقال في الجديد يلبي لأنه مسجد بني للصلاة فاستحب فيه التلبية كالمساجد الثلاثة وفي حال الطواف قولان: قال في القديم يلبي ويخفض صوته وقال في الأم لا يلبي لأن للطواف ذكراً يختص به فكان الاشتغال به أولى ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله قال: "جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحاج" وإن كانت امرأة لم ترفع الصوت بالتلبية لأنه يخاف عليها الافتتان.
فصل: والتلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك

والملك لا شريك لك قال الشافعي رحمه الله: فإن زاد على هذا فلا بأس لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يزيد فيها لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغبة إليك وإذا رأى شيئاً يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنهم أعجبه ما هم فيه فقال: لبيك إن العيش عيش الآخرة والمستحب إذا فرغ من التلبية أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم كالأذان ثم يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار لما روى خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار ثم يدعو بما أحب.
فصل: وإذا أحرم الرجل حرم عليه حرم الرأس لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:196] ويحرم عليه حلق شعر سائر البدن لأنه حلق يتنظف به ويترفه به فلم يجز كحلق الرأس ويجب به الفدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:196]

ولما روى كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعلك آذاك هوام رأسك فقلت: نعم يا رسول الله فقال: أحلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة" ويجوز له أن يحلق شعر الحلال لأن نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه.
فصل: ويحرم عليه أن يقلم أظفاره لأنه جزء ينمى وفي قطعة ترفيه وتنظيف فمنع الإحرام منه كحلق الشعر ويجب به الفدية قياساً على الحلق.
فصل: ويحرم عليه أن يستر رأسه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره "لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً1" وتجب به الفدية لأنه فعل محرم في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ويجوز أن يحمل على رأسه مكتلاً لأنه لا يقصد به الستر فلم يمنع منه كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في عيبة المتاع حين لم يقصد المصحف ويجوز أن يترك يده على رأسه لأنه يحتاج إلى وضع اليد على الرأس في المسح فعفى عنه ويحرم عليه لبس القميص لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران" وتجب به الفدية لأنه فعل محظور في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ولا فرق بين أن يكون ما يلبسه من الخرق أو الجلود أو اللبود أو الورق ولا فرق بين أن يكون مخيطاً بالإبرة أو ملصقاً بعضه إلى بعض لأنه في معنى المخيط والعباءة والدراعة كالقميص فيما ذكرناه لأنه في معنى القميص ويحرم عليه لبس السراويل لحديث ابن عمر رضي الله عنه وتجب به الفدية لما ذكرناه من المعنى والتبان والران كالسراويل فيما ذكرناه لأنه في معنى السراويل وإن

شق الإزار وجعل له ذيلين وشدهما على ساقيه لم يجز لأنهما كالسراويل وما على الساقين كالبابكين ويجوز أن يعقد عليه إزاره لأن فيه مصلحة له وهو أن يثبت عيه ولا يعقد الرداء عليه لأنه لا حاجة به إليه وله أن يغرز طرفيه في إزاره وإن جعل لإزاره حجزة وأدخل فيها التكة واتزر به جاز وإن اتزر وشد فوقه تكة جاز قال في الإملاء وإن زره أو خاطه أو شوكه لم يجز لأنه يصير كالمخيط وإن لم يجد إزاراً جاز أن يلبس السراويل ولا فدية عليه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين1" فإن لم يجد رداء لم يلبس القميص لأنه يمكنه أن يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل فإن لبس السراويل ثم وجد الإزار لزمه خلعه ويحرم عليه لبس الخفين للخبر وتجب الفدية لما ذكرناه من القياس على الحلق فإن لم يجد نعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما من أسفل الكعبين للخبر فإن لبس الخف مقطوعاً من أسفل الكعب مع وجود النعل لم يجز على المنصوص وتجب عليه الفدية ومن أصحابنا من قال يجوز ولا فدية عليه لأنه قد صار كالنعل بدليل أنه لا يجوز المسح عليه وهذا خلاف المنصوص وخلاف السنة وما ذكره من المسح لا يصح لأنه وإن لم يجز المسح إلا أنه يترفه به في دفع الحر والبرد والأذى ولأنه يبطل بالخف المخرق فإنه لا يجوز المسح عليه ثم يمنع من لبسه ويحرم عليه لبس القفازين وتجب به الفدية لأنه ملبوس على قدر العضو فأشبه الخف ولا يحرم عليه ستر الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي خر من بعيره: "ولا تخمروا رأسه" فخص الرأس بالنهي ويحرم على المرأة ستر الوجه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن

القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب وليلبس بعد ذلك ما اختير من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف وتجب به الفدية قياساً على الحلق ويجوز أن تستر من وجهها ما لا يمكن ستر الرأس إلا بستره لأنه لا يمكن ستر الرأس إلا بستره فعفى عن ستره فإن أرادت ستر وجهها عن الناس سدلت على وجهها شيئاً لا يباشر الوجه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا وكشفنا ولأن الوجه من المرأة كالرأس من الرجل ثم يجوز للرجل ستر الرأس من الشمس بما لا يقع عليه فكذلك المرأة في الوجه ولا يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخف لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ولأن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين فجاز لها ستره لما ذكرناه وهل يجوز لها لبس القفازين فيه قولان: أحدهما أنه يجوز لأنه عضو يجوز لها ستره بغير المخيط فجاز لها ستره بالمخيط كالرجل والثاني لا يجوز للخبر ولأنه عضو ليس بعورة فتعلق به حرمة الإحرام في اللبس كالوجه.
فصل: ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران1" وتجب به الفدية قياساً على الحلق ولا يلبس ثوباً مبخراً بالطيب ولا ثوباً مصبوغاً بالطيب ويجب به الفدية قياساً على ما مسه الورس والزعفران وإن علق بخفه طيب وجبت به الفدية لأنه ملبوس فهو كالثوب ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا يستعط به ولا يحتقن به فإن استعمله في شيء من ذلك لزمته الفدية لأنه إذا وجب ذلك فيما يستعمله بالثياب فلأن يجب فيما يستعمله ببدنه أولى وإن كان الطيب في طعام نظرت فإن ظهر ذلك في طعمه أو رائحته لم يجزأ كله وتجب به الفدية

وإن ظهر ذلك في لونه وصبغ به اللسان من غير طعم ولا رائحة فقد قال في المختصر الأوسط من الحج لا يجوز وقال في الأم والإملاء يجوز قال أبو إسحاق: يجوز قولاً واحداً وتأول قوله في الأوسط على ما إذا كانت له رائحة ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما لا يجوز لأن اللون إحدى صفات الطيب فمنع من استعماله كالطعم والرائحة والثاني يجوز وهو الصحيح لأن الطيب بالطعم والرائحة.
فصل: والطيب كل ما يتطيب به ويتخذ منه الطيب كالمسك والكافور والعنبر والصندل والورد والياسمين والورس والزعفران وفي الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس قولان: أحدهما أنه يجوز شمها لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن المحرم يدخل البستان قال: نعم ويشم الريحان ولأن هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة فإذا جفت لم يكن لها رائحة والثاني لا يجوز لأنه يراد للرائحة فهو كالورد والزعفران وأما البنفسج فقد قال الشافعي رحمه الله: ليس بطيب فمن أصحابنا من قال

هو طيب قولاً واحد لأنه يشم رائحته ويتخذ منه الدهن فهو كالورد وتأول قول الشافعي على المربب بالسكر ومنهم من قال ليس بطيب قولاً واحداً لأنه يراد للتداوي ولا يتخذ من يابسه طيب ومنهم من قال هو كالنرجس والريحان وفيه قولان: لأنه يشم رطبه ولا يتخذ من يابسه طيب وأما الأترج فإنه ليس بطيب لأنه يراد للأكل فهو كالتفاح والسفرجل وأما العصفر فليس بطيب لقوله صلى الله عليه وسلم: "وليلبسن ما أحببن من المعصفر" ولأنه يراد للون فهو كالنيل والحناء ليس بطيب لما روي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يختضبن بالحناء وهن محرمات ولأنه يراد للون فهو كالعصفر ولا يجوز أن يستعمل الأدهان المطيبة كدهن الورد والزنبق وهدن البان المنشوش وتجب به الفدية لأنه يراد للرائحة وأما غير المطيب كالزيت والشيرج والبان غير المنشوش فإنه يجوز استعماله في غير الرأس واللحية لأنه ليس فيه طيب ولا تزيين ويحرم استعماله في شعر الرأس واللحية لأنه يرجل الشعر ويربيه وتجب به الفدية فإن استعمله في رأسه وهو أصلع جاز له لأنه ليس فيه تزيين وإن استعمله في رأسه وهو محلوق لم يجز لأنه يحسن الشعر إذا نبت ويجوز أن يجلس عند العطار وفي موضع يبخر لأن في المنع من ذلك مشقة ولأن ذلك ليس بطيب مقصود والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر فلا يكره ذلك لأن الجلوس عندها قربة فلا يستحب تركها لأمر مباح وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة والمسك في نافجة ولا فدية عليه لأن دونه حائلاً وإن مس طيباً فعبقت به رائحته ففيه قولان: أحدهما لا فدية عليه لأنه رائحة عن مجاوره فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت بجيفة بقربه والثاني يجب لأن المقصود من الطيب هو الرائحة وقد حصل ذلك وإن كان عليه طيب فأراد غسله فالمستحب أن يولي غيره غسله حتى لا يباشره بيده فإن غسله بنفسه جاز لأن غسله ترك له فلا يتعلق به تحريم كما لو دخل دار غيره بغير إذنه فأراد أن يخرج فإن حصل عليه طيب ولا يقدر على إزالته بغير الماء وهو محدث ومعه من الماء ما لا يكفي الطيب والوضوء غسل به الطيب لأن الوضوء له بدل وغسل الطيب لا بدل له وإن كان عليه

نجاسة استعمل الماء في إزالة النجاسة لأن النجاسة تمنع صحة الصلاة والطيب لا يمنع صحة الحج.
فصل: ويحرم عليه أن يتزوج وأن يزوج غيره بالوكالة والولاية الخاصة فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل لما روى عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المحرم ولا يخطب ولا ينكح1" ولأنه عبادة تحرم الطيب فحرمت النكاح كالعدة وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة والثاني يجوز لأن الولاية العامة آكد والدليل عليه أنه يملك بالولاية العامة أن يزوج المسلمة والكافرة ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة ويجوز أن يشهد في النكاح وقال أبو سعيد الأصطخري لا يجوز لأنه ركن في العقد فلم يجز أن يكون محرما كالولي والمذهب أنه يجوز لأن العقد هو الإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك ويكره له الخطبة لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له ويجوز أن يراجع الزوجة في الإحرام لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنه يصح من غير ولي ولا شهود ويصح من العبد بغير إذن المولى فلم يمنع الإحرام منه كالبقاء على العقد.
فصل: ويحرم عليه الوطء في الفرج لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197] قال ابن عباس: الرفث الجماع وتجب به الكفارة لما روي عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة ولأنه إذا وجبت الكفارة في الحلق فلأن تجب في الجماع أولى.
فصل: ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج لأنه إذا حرم عليه النكاح فلأن تحرم المباشرة وهي أدعى للوطء أولى وتجب فيه الكفارة لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دماً ولأنه فعل محرم في الإحرام فوجبت به الكفارة كالجماع.
فصل: ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير ولا يجوز له أخذه لقوله

تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:96] فإن أخذه لم يملكه بالأخذ لأن ما منع أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه كما لو غضب مال غيره وإن كان الصيد لآدمي وجب رده إلى مالكه وإن كان من المباح وجب إرساله في موضع يمتنع على من يأخذه لأن ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده إلى مالكه كالمغصوب فإن هلك عنده وجب عليه الجزاء لأنه مال حرام أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي فإن خلص صيداً من فم سبع فداواه فمات في يده لم يضمنه لأنه قصد الصلاح قال الشافعي رحمه الله: ولو قيل يضمن لأنه تلف في يده كان محتملاً ويحرم عليه قتله فإن قتله عمداً وجب عليه الجزاء لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95] فإن قتله خطأ وجب عليه الجزاء لأن ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه كمال الآدمي ولأنه كفارة تجب بالقتل فاستوى فيها الخطأ والعمد ككفارة القتل فإن كان الصيد مملوكاً لآدمي وجب عليه الجزاء والقيمة وقال المزني: لا يجب الجزاء في الصيد المملوك لأنه يؤدي إلى إيجاب بدلين عن متلف واحد والدليل على أنه يجب أنه كفارة تجب بالقتل فوجبت بقتل المملوك ككفارة القتل ويحرم عليه جرحه لأن ما منع من إتلافه لحق الغير منع من إتلاف أجزائه كالآدمي وإن أتلف جزءاً منه ضمنه بالجزاء لأن ما ضمن جميعه بالبدل ضمن أجزاؤه كالآدمي ويحرم عليه تنفير الصيد لقوله صلى الله عليه وسلم في مكة: "لا ينفر صيدها" وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام فإن نفره فوقع في بئر فهلك أو نهشته حية أو أكله سبع وجب عليه الضمان لما روي أن عمر رضي الله عنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طير فخاف أن ينجسه فطيره فنهشته حية فقال طير طردته حتى نهشته

الحية فسأل من كان معه أن يحكموا عليه فحكموا عليه بشاة ولأنه هلك بسبب من جهته فأشبه إذا حفر له بئراً ونصب له أحبولة فهلك بها ويحرم عليه أن يعين على قتله بدلالة أو إعارة آلة لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله كالآدمي وإن أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة فقتل لم يلزمه الجزاء لأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه كمال الغير ويحرم عليه أكل ما صيد له لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيد حلال لكم ما لم تصيدوا أو يصد لكم1" ويحرم عليه أكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة لما روى عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة في قوم محرمين وهو حلال فأبصر حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطاً فضربه حتى صرعه ثم ذبحه وأكل هو وأصحابه فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل أشار إليه أحد منكم"؟ قالوا: لا قال: فلم ير بأكله بأساً فإن أكل ما صيد له أو أعان على قتله فهل يجب عليه الجزاء؟ فيه قولان: أحدها يجب لأنه فعل محرم يحكم الإحرام فوجبت فيه الكفارة كقتل الصيد والثاني لا يجب لأنه ليس بنام ولا بآيل إلى النماء فلا يضمن بالجزاء كالشجر اليابس والبيض المذر فإن ذبح صيداً حرم عليه أكله لأنه إذا حرم عليه ما صيد له أو دل عليه فلأن يحرم ما ذبحه أولى وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان: قال في الجديد يحرم لأن ما حرم على الذابح أكله حرم على غيره كذبيحة المجوسي وقال في القديم لا يحرم لأن من حل بذكاته غير الصيد حل بذكاته الصيد كالحلال فإن أكل ما ذبحه لم يضمن بالأكل لأن ما ضمنه بالقتل لم يضمنه بالأكل كشاة الغير ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو يهبه لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" ولأنه سبب يتملك به الصيد فلم يتملك به مع الإحرام كالاصطياد فإن مات من يرثه وله صيد ففيه وجهان: أحدهما لا يرثه لأنه سبب للملك فلا يملك به الصيد كالبيع والهبة والثاني أنه يرثه لأنه يدخل في ملكه بغير قصده ويملك به الصبي والمجنون فجاز أن يملك به المحرم الصيد وإن كان في ملكه

صيد فأحرم ففيه قولان: أحدهما لا يزول ملكه عنه لأنه ملك فلا يزول بالاحرام كملك البضع والثاني يزول عنه لأنه معنى لا يراد للبقاء يحرم على المحرم ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط فإن قلنا إنه لا يزول ملكه جاز له بيعه وهبته ولا يجوز له قتله فإن قتله وجب عليه الجزاء لأن الجزاء كفارة تجب لله تعالى فجاز أن تجب على مالكه ككفارة القتل وإن قلنا يزول ملكه وجب عليه إرساله فإن لم يرسله حتى مات ضمنه بالجزاء وإن لم يرسله حتى تحلل ففيه وجهان: أحدهما يعود إلى ملكه ويسقط عنه فرض الإرسال لأن علة زوال الملك هو الإحرام وقد زال فعاد الملك كالعصير إذا صار خمراً ثم صار خلاً والثاني أنه لا يعود إلى ملكه ويلزمه إرساله لأن يده متعدية فوجب أن يزيلها.
فصل: وإن كان الصيد غير مأكول نظرت فإن كان متولداً مما يؤكل ومما لا يؤكل كالسبع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل فحكمه حكم ما يؤكل في تحريم صيده ووجوب الجزاء لأنه اجتمع فيه جهة التحليل والتحريم فغلب التحريم كما غلب جهة التحريم في أكله وإن كان حيواناً لا يؤكل ولا هو متولد مما يؤكل فالحلال والحرام فيه واحد لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:96] فحرم من الصيد ما يحرم بالإحرام وهذا لا يكون إلا فيما يؤكل وهل يكره قتله أو لا يكره ينظر فيه فإن كان مما يضر ولا ينفع كالذئب والأسد والحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والبق والبرغوث والقمل والجرجس والزنبور فالمستحب أن يقتله لأنه يدفع ضرره عن نفسه وعن غيره وإن كان مما ينتفع به ويستضر به كالفهد والبازي فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ولا يكره لما فيه من المضرة وإن كان مما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان وبنات وردان فإنه يكره قتله ولا يحرم.
فصل: وإن كان الصيد وما حرم على المحرم من الصيد حرم عليه بيضه وإذا كسره وجب عليه الجزاء وقال المزني: لا جزاء عليه لأنه لا روح فيه والدليل عليه ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه ولأنه خارج من الصيد يخلق منه مثله فضمن بالجزاء كالفرخ وإن كسر بيضاً لم يحل له أكله وهل يحل لغيره؟ فيه قولان كالصيد وقال شيخنا القاضي أبو الطيب: في تحريمه على غيره نظر لأنه لا روح فيه فلا يحتاج إلى ذكاة وإن كسر بيضاً مذراً لم يضمنه من غير النعامة لأنه لا قيمة له ويضمنه من النعامة لأن لقشر بيض النعامة قيمة.

فصل: وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر شديد أو برد شديد أو احتاج إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو إلى شد رأسه بعصابة لجراحة عليه أو إلى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه وتجب عليه الكفارة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:196] ولحديث كعب بن عجرة فثبت الحلق بالنص وقسنا ما سواه عليه لأنه في معناه وإن نبت في عينه شعرة فقلعها أو نزل شعر الرأس إلى عينه فغطاها فقطع ما غطى العين أو انكسر شيء من ظفره فقطع ما انكسر منه أو صال عليه صيد فقتله دفعاً عن نفسه جاز ولا كفارة عليه لأن الذي تعلق به المنع ألجأه إلى إتلافه ويخالف إذا آذاه القمل في رأسه فحلق الشعر لأن الأذى لم يكن من جهة الشعر الذي تعلق به المنع وإنما كان من غيره وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان: أحدهما يجب عليه الجزاء لأنه قتله لمنفعة نفسه فأشبه إذا قتله للمجاعة والثاني لا يجب لأن الجراد ألجأه إلى قتله فأشبه إذا صال عليه الصيد فقتله للدفع وإن باض صيد على فراشه فنقله فلم يحضنه الصيد فقد حكى الشافعي رحمه الله عن عطاء أنه لا يلزمه ضمانه لأنه مضطر إلى ذلك قال: ويحتمل عندي أن يضمن لأنه أتلفه باختياره فحصل فيه قولان كالجراد وإن كشط من بدنه جلداً وعليه شعر وقطع كفه وفيه أظافر لم تلزمه فدية لأنه تابع لمحله فسقط حكمه تبعاً لمحله كالأطراف مع النفس في قتل الآدمي.
فصل: وإن لبس أو تطيب أو دهن رأسه أو لحيته جهلاً بالتحريم أو ناسياً للإحرام لم تلزمه الفدية لما روى أبو يعلى بن أمية قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة وما كنت صانعاً في حجتك فاصنع في عمرتك

ولم يأمره بالفدية فدل على أن الجاهل لا فدية عليه فإذا ثبت هذا في الجاهل ثبت في الناسي لأن الناسي يفعل وهو يجهل تحريمه عليه فإن ذكر ما فعله ناسياً أو علم ما فعله جاهلاً نزع اللباس وأزال الطيب لحديث يعلى بن أمية فإن لم يقدر على إزالة الطيب لم تلزمه الفدية لأنه مضطر إلى تركه فلم تلزمه فدية كما لو أكره على التطيب وإن قدر على إزالته واستدام لزمته الفدية لأنه تطيب من غير عذر فأشبه إذا ابتدأ به وهو عالم بالتحريم وإن مس طيباً وهو يظن أنه يابس وكان رطباً ففيه قولان: أحدهما تلزمه الفدية لأنه قصد مس الطيب والثاني لا تلزمه لأنه جهل تحريمه فأشبه إذا جهل تحريم الطيب في الإحرام فإن حلق الشعر أو قلم الظفر ناسياً أو جاهلاً بالتحريم فالمنصوص أنه تجب عليه الفدية لأنه إتلاف فاستوى في ضمانه العمد والسهو كإتلاف مال الآدمي وفيه قول آخر مخرج إنه لا تجب لأنه ترفه وزينة فاختلف في فديته السهو والعمد كالطيب وإن قتل صيداً ناسياً أو جاهلاً بالتحريم وجب عليه الجزاء لأن ضمانه ضمان مال فاستوى فيه السهو والعمد والعلم والجهل كضمان مال الآدميين وإن أحرم ثم جن وقتل صيداً ففيه قولان: أحدهما يجب عليه الجزاء لما ذكرناه والثاني لا يجب لأن المنع من قتل الصيد تعبد والجنون ليس من أهل التعبد فلا يلزمه ضمان ومن أصحابنا من نقل هذين القولين إلى الناسي وليس بشيء وإن جامع ناسياً أو جاهلاً بالتحريم ففيه قولان: قال في الجديد لا يفسد حجه ولا يلزمه شيء لأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة فاختلف في الوطء فيها العمد والسهو كالصوم وقال في القديم يفسد حجه وتلزمه الكفارة لأنه معنى يتعلق به قضاء الحج فاستوى فيه العمد والسهو كالفوات وإن حلق رجل رأسه فإن كان بإذنه وجبت عليه الفدية لأنه أزال شعره بسبب لا عذر له فيه فأشبه إذا حلقه بنفسه وإن حلقه وهو نائم أو مكره وجبت الفدية وعلى من تجب؟ فيه قولان: أحدهما تجب على الحالق لأنه أمانة عنده فإذا أتلفه غيره وجب الضمان على من أتلفه كالوديعة إذا أتلفها غاصب والثاني تجب على المحلوق لأنه هو الذي ترفه بالحلق فكانت الفدية عليه فإذا قلنا تجب الفدية على الحالق فالمحلوق مطالبته بإخراجها لأنها تجب بسببه فإن مات الحالق أو أعسر بالفدية لم تجب على المحلوق الفدية وإن قلنا تجب على المحلوق أخذها من الحالق وأخرج وإن افتدى المحلوق نظرت فإن افتدى بالمال رجع بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع فإن أداها بالصوم لم يرجع عليه لأنه لا يمكن الرجوع به ومن أصحابنا من قال يرجع بثلاثة أمداد لأن صوم كل يوم مقدر بمد وإن حلق رأسه وهو ساكت ففيه طريقان: أحدهما أنه كالنائم والمكره لأن السكوت لا يجري مجرى الإذن والدليل عليه هو أنه لو أتلف رجل ماله وسكت لم يكن سكوته إذناً في إتلافه والثاني أنه

بمنزلة ما لو أذن فيه لأنه يلزمه حفظه والمنع من حلقه فإذا لم يفعل جعل سكوته كالإذن فيه كالمودع إذا سكت عن إتلاف الوديعة.
فصل: ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظافره حتى لا ينتثر شعره فإن انتثر منه شعره لزمته الفدية ويكره أن يفلي رأسه ولحيته فإن فلى وقتل قملة استحب له أن يفديها قال الشافعي رحمه الله: وأي شيء فداها به فهو خير منها فإن ظهر القمل على بدنه وثيابه لم يكره أن ينحيه لأنه ألجأه إليه ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه لأنه زينة والحاج أشعث أغبر فإن احتاج إليه لم يكره لأنه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة فلأن لا يكره ما لا حرم أولى ويجوز أن يدخل الحمام ويغتسل بالماء لما روى أبو أيوب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل وهو محرم ويجوز أن يغسل شعره بالماء والسدر لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره: "اغسلوا بماء وسدر" ويجوز أن يحتجم ما لم يقطع شعرا لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم ويجوز أن يفتصد أيضاً كما يجوز أن يحتجم ويجوز أن يستظل سائراً ونازلاً لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فإذا ثبت جواز ذلك بالحرم نازلاً وجب أن يجوز سائراً قياساً عليه ويكره أن يلبس الثياب المصبغة لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى على طلحة رضي الله عنه ثوبين مصبوغين وهو حرام فقال: أيها الرهط أنتم أئمة يقتدى بكم ولو أن جاهلاً رأى عليك ثوبيك لقال قد كان طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبغة في الإحرام شيئاً ويكره أن يحمل بازاً أو كلباً معلماً لأنه ينفر به الصيد وربما انفلت فقتل صيداً وينبغي أن ينزه إحرامه عن الخصومة والشتم والكلام القبيح لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197] قال ابن عباس: الفسوق المنابزة بالألقاب وتقول لأخيك يا ظالم يا فاسق والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حج لله عز وجل فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه1" وبالله التوفيق.

باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الكفارة وغيرها

إذا حلق المحرم رأسه فكفارته أن يذبح شاة أو يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع أو يصوم ثلاثة أيام وهو مخير بين الثلاثة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:196] ولحديث كعب بن عجرة وإن حلق ثلاثة شعرات كانت كفارته ما ذكرناه في حلق الرأس لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق فصار كما لو حلق جميع رأسه وإن حلق شعر رأسه وشعر بدنه لزمه ما ذكرناه وقال أبو القاسم الأنماطي يجب عليه فديتان لأن شعر الرأس مخالف لشعر البدن ألا ترى أنه يتعلق النسك بحلق الرأس ولا يتعلق بشعر البدن والمذهب الأول لأنهما وإن اختلفا في النسك إلا أن الجمع جنس واحد فأجزأه لهما فدية واحدة كما لو غطى رأسه ولبس القميص والسراويل وإن حلق شعره أو شعرتين ففيه ثلاثة أقوال أحدها يجب لكل شعر ثلث دم لأنه إذا وجب فيه ثلاثة شعرات دم وجب في كل شعرة ثلثه والثاني يجب لكل شعرة درهم لأن إخراج ثلث الدم يشق فعدل إلى قيمته وكانت قيمة الشاة ثلاثة دراهم فوجب ثلثها والثالث مد لأن الله تعالى عدل في جزاء الصيد من الحيوان إلى الطعام فيجب أن يكون ههنا مثله وأقل ما يجب من الطعام مد فوجب ذلك فإن قلم أظفاره أو ثلاثة أظفار وجب عليه ما وجب في الحلق وإن قلم ظفراً أو ظفرين وجب فيهما ما يجب في الشعرة أو الشعرتين لأن في معناهما.
فصل: وإن تطيب ولبس المخيط في شيء من بدنه أو غطى رأسه أو شيئاً منه أو دهن على رأسه أو لحيته وجب عليه ما يجب في حلق الشعر لأنه ترفه وزينة فهو كالحلق وإن تطيب ولبس وجب لكل واحد منهما كفارة لأنهما جنسان مختلفان وإن لبس ثوباً مطيباً وجبت كفارة واحدة لأن الطيب تابع للثوب فدخل في ضمانه وإن لبس ثم لبس أو تطيب في أوقات متفرقة ففيه قولان: أحدهما تتداخل لأنها جنس واحد فأشبه إذا كانت في وقت واحد والثاني لا تتداخل لأنها في أوقات مختلفة فكان لكل وقت من ذلك حكم نفسه وإن حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات فهي على القولين إن قلنا يتداخل لزمه دم وإن قلنا لا يتداخل وجب لكل شعرة مد وإن حلق

تسع شعرات في ثلاثة أوقات فعلى لقولين إن قلنا لا يتداخل وجب ثلاثة دماء وإن قلنا تتداخل لزمه دم واحد.
فصل: وإن وطئ في العمرة أو في الحج قبل التحلل الأول فقد فسد نسكه ويجب عليه أن يمضي في فاسده ثم يقضي لما روي عن عمرو وعلي وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم أوجبوا ذلك وهل يجب القضاء على الفور أو لا؟ فيه وجهان أحدهما أنه على الفور وهو ظاهر النص لما روي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا يقضي من قابل والثاني أنه على التراخي لأن الأداء على التراخي فكذلك القضاء وهذا لا يصح لأن القضاء بدل عما أفسده من الأداء وذلك واجب على الفور فوجب أن يكون القضاء مثله ويجب الإحرام في القضاء من حيث أحرم في الأداء لأنه قد تعين ذلك بالدخول فيه فإذا أفسده وجب قضاؤه كحج التطوع فإن سلك طريقاً آخر لزمه أن يحرم من مقدار مسافة الإحرام في الأداء وإن كان قارناً فقضاه بالإفراد جاز لأن الإفراد أفضل من القران ولا يسقط عنه دم القران لأن ذلك دم وجب عليه فلا يسقط عنه بالإفساد كدم الطيب وفي نفقة المرأة في القضاء وجهان: أحدهما في مالها كنفقة الأداء والثاني تجب على الزوج لأنها غرامة تتعلق بالوطء فكانت على الزوج كالكفارة وفي ثمن الماء الذي تغتسل به وجهان: أحدهما يجب على الزوج لما ذكرناه والثاني يجب عليها لأن الغسل يجب للصلاة فكان ثمن الماء عليها وهل يجب عليهما أن يفترقا في موضع الوطء؟ فيه وجهان: أحدهما يجب لما روي عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا يفترقان ولأن اجتماعهما في ذلك الوقت يدعو إلى الوطء فمنع منه والثاني أنه لا يجب وهو الظاهر النص كما لا يجب في سائر الطريق ويجب عليه بدنة روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: على كل واحد منهما بدنة فإن لم يجد فبقرة لأن البقرة كالبدنة لأنها تجزئ في الأضحية عن سبعة فإن لم يجد لزمه سبع من الغنم فإن لم يجد قوم البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة قياساً على فدية الأذى.
فصل: وإن كان المحرم صبياً فوطئ عامداً بنيت على القولين فإن قلنا إن عمده خطأ فهو كالناسي وقد بيناه وإن قلنا إن عمده عمد فسد نسكه ووجبت الكفارة وعلى

من تجب فيه قولان: أحدهما في ماله والثاني على الولي وقد بيناه في أول الحج وهل يجب عليه القضاء فيه قولان: أحدهما لا يجب لأنها عبادة تتعلق بالبدن فلا تجب على الصبي كالصوم والصلاة والثاني يجب لأن من فسد الحج بوطئه وجب عليه القضاء كالبالغ فإن قلنا يجب فهل يصح منه في حال الصغر؟ فيه قولان: أحدهما لا يصح لأنه حج واجب فلا يصح من الصبي كحجة الإسلام والثاني يصح لأنه يصح منه أداؤه فصح منه قضاؤه كالبالغ وإن وطئ العبد في إحرامه عامداً فسد حجه ويجب عليه القضاء ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه لأنه ليس من أهل فرض الحج وهذا خطأ لأنه يلزمه الحج بالنذر فلزمه القضاء بالإفساد كالحر وهل يصح منه القضاء في حال الرق؟ على القولين على ما ذكرناه في الصبي فإن قلنا إنه يصح منه القضاء فهل للسيد منعه؟ منه يبنى على الوجهين في أن القضاء على الفور أم لا فإن قلنا إن القضاء على التراخي فله منعه لأن حق السيد على الفور فقدم على الحج وإن قلنا على الفور ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يملك منعه لأن موجب ما أذن فيه وهو الحج فصار كما لو أذن فيه والثاني أنه يملك منعه لأن المأذون فيه حجة صحيحية فإن أعتق بعد التحلل من الفاسد وقبل القضاء لم يجز أن يقضي حتى يحج الإسلام ثم يقضي وإن أعتق قبل التحلل من الفاسد نظرت فإن كان بعد الوقوف مضى في فاسده ثم يحج حجة الإسلام في السنة الثانية ثم يحج عن القضاء في السنة الثالثة وإن أعتق قبل الوقوف مضى في فاسده ثم يقضي ويجزئه ذلك عن القضاء وعن حجة الإسلام لأنه لو لم يفسد لكان أداؤه يجزئه عن حجة الإسلام فإذا فسد وجب أن يجزئه قضاؤه عن حجة الإسلام.
فصل: وإن وطئ وهو قارن وجب مع البدنة دم القران لأنه دم وجب بغير الوطء فلا يسقط بالوطء كدم الطيب.
فصل: وإن وطئ ثم وطئ ولم يكفر عن الأول ففيه قولان: قال في القديم يجب عليه بدنة واحدة كما لو زنى ثم زنى كفاه لهما حد واحد وقال في الجديد يجب عليه للثاني كفارة أخرى وفي الكفارة الثانية قولان: أحدهما شاة لأنها مباشرة لا توجب الفساد فوجبت فيها شاة كالقبلة بشهوة والثاني يلزمه بدنة لأنه وطء في إحرام منعقد فأشبه الوطء في إحرام صحيح وإن وطئ بعد التحلل الأول لم يفسد حجه لأنه قد زال الإحرام فلا يلحقه فساد وعليه كفارة وفي كفارته قولان: أحدهما بدنة لأنه وطيء في حال يحرم فيه الوطء فأشبه ما قبل التحلل والثاني أنها شاة لأنها مباشرة لا توجب الفساد فكانت كفارته شاة كالمباشرة فيما دون الفرج وإن جامع في قضاء الحج لزمته بدنة ولا يلزمه إلا قضاء حجة واحدة لأن المقضى واحد فلا يلزمه أكثر منه.

فصل: والوطء في الدبر واللواط وإتيان البهيمة كالوطء في القبل في جميع ما ذكرناه لأن الجميع وطء.
فصل: وإن قبلها بشهوة أو باشرها فيما دون الفرج بشهوة لم يفسد حجه لأنها مباشرة لا توجب الحد فلم تفسد الحج كالمباشرة بغير شهوة ويجب عليه فدية الأذى لأنه استمتاع لا يفسد الحج فكانت كفارته ككفارة فدية الأذى والطيب والاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج لأنه بمنزلتها في التحريم والتعزير فكان بمنزلتها في الكفارة.
فصل: وإن قتل صيد نظرت فإن كان له مثل من النعم وجب عليه مثله من النعم والنعم هي الإبل والبقر والغنم والدليل عليه قوله عز وجل ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95] فيجب في النعامة بدنة وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة وفي الضبع كبش وفي الغزال عنز وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة لما روي عن عثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن الزبير ومعاوية رضي الله عنهم أنهم قضوا في النعامة ببدنة وعن عمر رضي الله عنه أنه جعل في حمار الوحش بقرة وحكم في الضبع بكبش وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وعن عثمان رضي الله عنه أنه حكم في أم حبين بحلان وهو الحمل فما حكم في الصحابة فلا يحتاج إلى اجتهاد وما لم تحكم في الصحابة يرجع في معرفة المماثلة بينه وبين النعم إلى عدلين من أهل المعرفة لقوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً﴾ [المائدة:95] وروى قبيصة بن جابر الأسدي قال: أصبت ظبياً وأنا محرم فأتيت عمر رضي الله عنه ومعي صاحب لي فذكرت له فأقبل على رجل إلى جنبه فشاوره فقال لي: اذبح شاة فلما انصرفنا قلت لصاحبي إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول فسمعني فأقبل علي ضرباً بالدرة وقال: أتقتل صيداً وأنت محرم وتغمص الفتيا أي تحتقرها وتطعن فيها قال الله عز

فصول الكتاب · 52 فصل · 499 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي · 499 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن
كتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب السبق والرميكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب عتق أمهات الأولادكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتال أهل البغي
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل