كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
90] واسم الخمر يقع على كل مسكر والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" 1. وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من التمر لخمراً وإن من البر لخمراً وإن من الشعير لخمراً وإن من العسل خمراً" 2. وروى سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" 3. وروت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" 4. فصل: ومن شرب مسكراً وهو مسلم بالغ عاقل مختار وجب عليه الحد فإن كان حراً جلد لما روى أبو ساسان قال: لما شهد على الوليد بن عقبة قال عثمان لعلي عليه السلام دونك ابن عمك فاجلده قال: قم يا حسن فاجلده قال: فيم أنت وذاك ول هذا غيري قال: ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت فقال: قم يا عبد الله بن
جعفر فاجلده فجلده وعلي كرم الله وجهه يعد ذلك فعد أربعين وقال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وإن كان عبداً جلد عشرين لأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنا فإن رأى الإمام أن يبلغ بحد الحر ثمانين وبحد العبد أربعين جاز لما روى أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم فقلت: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه قال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم فقال علي كرم الله وجهه: تراه إذا سكر هذى وإذا هذ افترى وعلى المفتري ثمانون فقال عمر بلغ صاحبك ما قال فجلد خالد ثمانين وإذا أتى بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلده أربعين فإن جلده أربعين ومات لم يضمن لأن الحق قتله وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية لأن نصفه حد ونصفه تعزير وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير وإن جلد إحدى وأربعين فمات ففيه قولان: أحدهما: أنه يضمن نصف ديته لأنه مات من مضمون وغير مضمون فضمن نصف ديته كما لو جرحه واحد جراحة وجرح نفسه جراحات والثاني: أنه يضمن جزءاً من أحد وأربعين جزءاً من الدية ووجب النصف بالتعزير وإن جلد إحدى وأربعين فمات ففيه قولان: أحدهما: أنه يضمن نصف ديته لأنه مات من مضمون وغير مضمون فضمن نصف ديته كما لو جرحه واحد جراحة وجرح نفسه جراحات والثاني: أنه يضمن جزءاً من أحد وأربعين جزءاً من الدية لأن الأسواط متماثلة فقسطت الدية على عددها وتخالف الجراحات فإنها لا تتماثل وقد يموت من جراحة ولا يموت من جراحات ولا يجوز أن يموت من سوط ويعيش من أسواط وإن أمر الإمام الجلاد أن يضرب في الخمر ثمانين فجلده إحدى وثمانين ومات المضروب فإن قلنا إن الدية تقسط على عدد الضرب سقط منها أربعون جزءاً لأجل الحد ووجب على الإمام أربعون جزءاً لأجل العزير ووجب على الجلاد جزء وإن قلنا أنه يقسط على عدد الجناية ففيه وجهان: أحدهما: يسقط نصفها لأجل الحد ويبقى النصف على الإمام نصفه وعلى الجلاد نصفه لأن الضرب نوعان مضمون وغير مضمون فسقط النصف بما ليس بمضمون ووجب النصف بما هو مضمون والثاني: أنه تقسط الدية أثلاثاً فسقط ثلثها بالحد وثلثها على الإمام وثلثها على الجلاد لأن الحد ثلاثة أنواع فجعل لكل نوع الثلث.
فصل: ويضرب في حد الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب على ظاهر النص لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اضربوه" قال فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض الناس أخزال الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا هكذا ولا يعينوا عليه الشيطان ولكن قولوا رحمك الله" 1. ولأنه لما كان أخف من غيره في العدد وجب أن يكون أخف من غيره في الصفة وقال أبو العباس وأبو إسحاق يضرب بالسوط ووجهه ما روي أن علياً رضي الله عنه لما أقام الحد على الوليد بن عقبة قال لعبد الله بن جعفر أقم عليه الحد قال: فأخذ السوط فجعله حتى انتهى إلى أربعين سوطاً فقال له: أمسك وإن قلنا إنه يضرب بغير السوط فضرب بالسوط أربعين سوطاً فمات ضمن لأنه تعدى بالضرب بالسوط وكم يضمن فيه وجهان: أحدهما: أنه يضمن بقدر ما زاد ألمه تعدى بالضرب بالسوط وكم يضمن فيه وجهان: أحدهما: أنه يضمن بقدر ما زاد ألمه على ألم النعال والثاني: أنه يضمن جميع الدية لأنه عدل من جنس إلى غيره فأشبه إذا ضربه بما يجرح فمات منه.
فصل: والسوط الذي يضرب به سوط بين سوطين ولا يمد ولا يجرد ولا يشد يده لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليس في هذه الأمة مد ولا تجريد ولا غل ولا صفد.
فصل: ولا يقام الحد في المسجد لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إقامة الحد في المسجد ولأنه لا يؤمن أن يشق الجلد بالضرب فيسيل منه الدم أو يحدث من شدة الضرب فيتنجس المسجد وإن أقيم الحد في المسجد سقط التمرض لأن النهي لمعنى يرجع إلى المسجد لا إلى الحد فلم يمنع صحته كالصلاة في الأرض المغصوبة.
فصل: إذا زنى دفعات حد للجميع حداً واحداً وكذلك إن سرق دفعات أو شرب الخمر دفعات حد للجميع حداً واحداً لأن سببها واحد فتداخلت وإن اجتمعت عليه
حدود بأسباب بأن زنى وسرق وشرب الخمر وقذف لم تتداخل لأنها حدود وجبت بأسباب فلم تتداخل وإن اجتمع عليه الجلد في حد الزنا والقطع في السرقة أوفي قطع الطريق قدم حد الزنا أو تأخر لأنه أخف من القطع فإذا تقدم أمكن استيفاء القطع بعده وإذا قدم القطع لم يؤمن أن يموت منه فيبطل حد الزنا وإن اجتمع عليه مع ذلك حد الشرب أوحد القذف قدم حد الشرب وحد القذف على تحد الزنا لأنهما أخف منه وأمكن للاستيفاء وإن اجتمع حد الشرب وحد القذف ففيه وجهان: أحدهما: أنه يقدم حد القذف لأنه للآدمي والثاني: أنه يقدم حد الشرب وهو الصحيح لأنه أخف من حد القذف فإذا أقيم عليه حد لم يقم عليه حد آخر حتى يبرأ من الأول لأنه إذا توالى عليه حدان لم يؤمن أن يتلف وإن اجتمع عليه حد السرقة والقطع في قطع الطريق قطعت يمينه للسرقة وقطع الطريق ثم تقطع رجله لقطع الطريق وهل تجوز الموالاة بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه تجوز لأن قطع الرجل مع قطع اليد حد واحد فجاز الموالاة بينهما والثاني: أنه لا يجوز قطع الرجل حتى تندمل اليد لأن قطع الرجل لقطع الطريق وقطع اليد للسرقة وهما سببان مختلفان فلا يوالي بين حديهما والأول أصح لأن اليد تقطع لقطع الطريق أيضاً فأشبه إذا قطع الطريق ولم يسرق وإن كان مع هذه الحدود قتل فإن كان في غير المحاربة أقيمت الحدود على ما ذكرناه من الترتيب والتفريق بينهما فإذا فرغ من الحدود قتل وإن كان القتل في المحاربة ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق أنه يوالي بين الجميع والفرق بينه وبين القتل في غير المحاربة أن القتل في غير المحاربة غير متحتم وربما عفى عنه فتسلم نفسه والقتل في المحاربة متحتم فلا معنى لترك الموالاة والوجه الثاني أنه لا يوالي بينهما لأنه لا يؤمن إذا والى بين الحدين أن يموت في الثاني فيسقط ما بقي من الحدود.
باب التعزير
من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة كمباشرة الأجنبية فما دون الفرج وسرقة ما دون النصاب أو السرقة من غير حرز أو القذف بغير الزنا أو الجناية التي لا قصاص فيها وما أشبه ذلك من المعاصي عزر على حسب ما يراه السلطان لما روى عبد الملك بن عمير قال: سأل علي كرم الله وجهه عن قول الرجل للرجل يا فاسق يا خبيث قال: هن فواحش فيهن التعزير وليس فيهن حد وروي عن ابن عباس أنه لما خرج من البصرة
استخلف أبا الأسود الديلي فأتى بلص نقب حرزاً على قوم فوجدوه في النقب فقال: مسكين أراد أن يسرق فأعجلتموه فضربه خمسة وعشرين سوطاً وخلى عنه ولا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود فإن كان على حر لم يبلغ به أربعين وإن كان على عبد لم يبلغ به عشرين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بلغ بما ليس بحد حداً فهو من المعتدين".
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطاً وروي عنه ثلاثين سوطاً وروي عنه ما بين الثلاثين إلى الأربعين سوطاً ولأن هذه العاصي دون ما يجب فيه الحد فلا تحلق بما يجب فيه الحد من العقوبة وإن رأى السلطان ترك التعزير جاز تركه إذا لم يتعلق به حق آدمي لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود" 1. وروى عبد الله بن الزبير أن رجلاً خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة الذي يسقون به النخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق أرضك الماء ثم أرسل الماء إلى جارك".
فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله وأن كان ابن عمتك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا زبير اسق أرضك الماء ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر".
فقال الزبير: فوالله إني لأحسب هذه الأية نزلت في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ولولم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال.
فصل: وإن عزر الإمام رجلاً فمات وجب ضمانه لما روى عمرو بن سعيد عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ما من رجل أقمت عليه حداً فمات فأجد في نفسي أنه لا دية له
إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه ولا يجوز أن يكون المراد به إذا مات من الحد فإن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الخمر فثبت أنه أراد من الزيادة على الأربعين ولأنه ضرب جعل إلى اجتهاده فإذا أدى إلى التلف ضمن كضرب الزوج زوجته.
فصل: وإن كان على رأس بالغ عاقل سلعة لم يجز قطعها بغير إذنه فإن قطعها قاطع بإذنه فمات لم يضمن لأنه قطع إذنه وإن قطعها بغير إذنه فمات وجب عليه القصاص لأنه تعدى بالقطع وإن كان على رأس صبي أو مجنون لم يجز قطعها لأنه جرح لا يؤمن معه الهلاك فإن قطعت فمات منه نظرت فإن كان القاطع لا ولاية له عليه وجب عليه القود لأنها جناية يعدي بها وإن كان أباً أوجدا وجبت عليه الدية وإن كان ولياً غيرهما ففيه قولان: أحدهما: أنه يجب عليه القود لأنه قطع منه ما لا يجوز قطعه والثاني: أنه لا يجب القود لأنه لم يقصد القتل وإنما قصد المصلحة فعلى هذا يجب عليه دية مغلظة لأنها عمد خطأ.
وبالله التوفيق.