المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازيصفحات 239-248
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الديات

صفحات 239-248
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشيرازي، أبو إسحاق
الكتاب
المهذب في فقة الإمام الشافعي
المؤلف
أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

القتل لأنه حق المؤجل فاعتبر الأجل من حين وجود السبب كالدين المؤجل وإن كان دية الطرف فإن لم تسر واعتبرت المدة من وقت الجناية لأنه وقت الوجوب وإن سرت إلى عضو آخر اعتبرت المدة من وقت الاندمال لأن الجناية لم تقف فاعتبرت المدة من وقت الاستقرار وإن كان الواجب أقل من دية نظرت فإن كان ثلث الدية أو دونه لم تجب إلا في سنة لأنه لا يجب على العاقلة شيء في أقل من سنة فإن كان أكثر من الثلث ولم يزد على الثلثين وجب في السنة الأولى الثلث ووجب الباقي في السنة الثانية وإن كان أكثر من الثلثين ولم يزد على الدية وجب في السنة الأولى الثلث وفي الثانية الثلث والثالثة الباقي وإن وجب بجنايته ديتان فإن كانتا لاثنتين بأن قتل اثنين وجب في كل سنة لكل واحد منهما ثلث الدية لأنهما يجبان لمستحقين فلا ينقص حق كل واحد منهما في كل سنة من الثلث فإن كانتا لواحد بأن قطع اليدين والرجلين من رجل وجب الكل في ست سنين في كل سنة ثلث دية لأنها جناية على واحد فلا يجب له على العاقلة في كل سنة أكثر من ثلث دية وإن وجب بجناية الخطأ أو عمد الخطأ دية ناقصة كدية الجنين والمرأة ودية أهل الذمة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها لأنها دية نفس فوجب في كل سنة ثلثها كالدية الكاملة والثاني: أنه كأرش الطرف إذا نقص عن الدية لأنه دون الدية الكاملة فعلى هذا إن كان ثلث دية وهو كدية اليهودي والنصراني أو أقل من الثلث وهو دية المجوسي ودية الجنين وجب الكل في سنة واحدة وإن كان أكثر من الثلث وهو دية المرأة وجب في السنة الأولى ثلث دية كاملة ويجب ما زاد في السنة الثانية كما قولنا في الطرف وإن كان قيمة عبد وقولنا أنها على العاقلة ففيه وجهان: أحدهما: أنها تقسم في ثلاث سنين وأن زاد حصة كل سنة على ثلث الدية لأنها دية نفس والثانية: تؤدى في كل سنة ثلث دية الحر.
فصل: والعاقلة هم العصبات الذين يرثون بالنسب أو الولاء غير الأب والجد والابن وابن الابن والدليل عليه ما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المرأة بديتها على عصبة العاقلة وأما الأب والجد والابن وابن الابن فلا يعقلون لما روى جابر رضي الله عنه أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل النبي صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها وإذا ثبت هذا في الولد ثبت في الأب لتساويهما في العصبة ولأن الدية جعلت على العاقلة إبقاء على القاتل حتى لا يكثر عليه فيجحف به فلو جعلناه على الأب والابن أجحفنا به لأن مالهما كماله ولهذا لا نقبل شهادته لهما كما لا تقبل لنفسه ويستغنى عن المسألة بمالهما

كما يستغنى بمال نفسه وإن كان في بني عمها ابن لها لم يحمل معهم لما ذكرناه وإن لم يكن له عصبة نظرت فإن كان مسلماً حملت عنه من بيت المال لأن مال بيت المال للمسلمين وهم يرثونه كما ترث العصبات وإن كان ذمياً لم يحمل عنه في بيت المال لأن مال بيت المال للمسلمين وهم لا يرثونه وإنما ينقل ماله إلى بيت المال فيئاً واختلف قوله في المولى من أسفل فقال في أحد القولين: لا يعقل عنه وهو الصحيح لأنه لا يرثه فلم يعقله وقال في الآخر: يعقله لأنه يعقله المولى فعقل عنه المولى كالأخوين فعلى هذا يقدم على بيت المال لأنه من خواص العاقلة فقدم على بيت المال كالمولى من أعلى وإن لم يكن له عاقلة ولا بيت مال فهل يجب على القاتل فيه وجهان بناء على أن الدية هل تجب على القاتل تتحمل عنه العاقلة أو تجب على العاقلة ابتداء وفيه قولان: أحدهما: تجب على القاتل ثم تنتقل إلى العاقلة لأنه هو الجاني فوجبت الدية عليه فعلى هذا تجب الدية في ماله والقول الثاني تجب على العاقلة ابتداء لأنه لا يطالب غيرهم فعلى هذا لا تجب عليه وقال أبوعلي الطبري: إذا قلنا إنها تجب على القاتل عند عدم بيت المال حمل الأب والابن ويبدأ بهما قبل القاتل لأنا لم نحمل عليهما إبقاء على القاتل وإذا حمل على القاتل كانا بالحمل أولى قال الشيخ الإمام حرس الله مدته: ويحتمل عندي أنه لا يجب عليهما لأنا إنما أوجبنا على القاتل على هذا القول لأنه وجب عليه في الأصل فإذا لم يجد من يتحمل بقي الوجوب في محله والأب والابن لم يجب عليهما في الأصل ولا حملا مع العاقل فلم يجب الحمل عليهما.
فصل: ولا يعقل مسلم عن كافر ولا كافر عن مسلم ولا ذمي عن حربي ولا حربي عن ذمي لأنه لا يرث بعضهم من بعض فإن رمى نصراني سهماً إلى الصيد ثم أسلم ثم أصاب السهم إنساناً وقتله وجبت الدية في ماله لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته من النصارى لأنه وجد القتل وهو مسلم ولا يمكن إيجابها على عاقلته من المسلمين لأنه رمى وهو نصراني فإن قطع نصراني يد رجل ثم أسلم ومات المقطوع عقلت عنه عصباته من النصارى دون المسلمين لأن الجناية وجدت منه وهو نصراني ولهذا يجب بها القصاص ولا يسقط عنه بالإسلام وإن رمى مسلم سهماً إلى صيد ثم ارتد ثم أصاب السهم إنساناً فقتله وجبت الدية في ذمته لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته من المسلمين لأنه وجد القتل وهو مرتد ولا يمكن إيجابها على الكفار لأنه ليس له منهم عاقلة يرثونه فوجبت في ذمته وإن جرح مسلم إنساناً ثم ارتد الجارح وبقي في الردة زمناً يسري في مثله الجرح ثم أسلم ومات المجروح وجبت الدية وعلى من تجب فيه قولان: أحدهما:

تجب على عاقلته لأن الجناية في حال الإسلام وخروح الروح في حال الإسلام والعاقلة تحمل ما يجب بالجنايتين في حال الإسلام فوجبت ديته عليها والقول الثاني: أنه يجب على العاقلة نصف الدية ويجب في مال الجاني النصف لأنه وجد سراية في حال الإسلام وسراية في حال الردة فحملت ما سرى في حال الإسلام ولم تحمل ما سرى في الردة.
فصل: ولا يعقل صبي ولا معتوه ولا امرأة لأن حمل الدية على سبيل النصرة بدلاً عما كان في الجاهلية من النصرة بالسيف ولا نصرة في الصبي والمعتوه والمرأة ويعقل المريض والشيخ الكبير إذا لم يبلغ المريض حد الزمانة والشيخ حد الهرم لأنهما من أهل النصرة بالتدبير وقد قاتل عمار في محفة وأما إذا بلغ الشيخ حد الهرم والمريض حد الزمانة ففيه وجهان بناء على القولين في قتلهما في الأسر فإن قلنا إنهما يقتلان في الأسر عقلا وإن قلنا لا يقتلان في الأسر لم يعقلا.
فصل: ولا يعقل فقير لأن حمل الدية على العاقل مواساة الفقير ليس من أهل المواساة ولهذا لا تجب عليه الزكاة ولا نفقة الأقارب ولأن العاقلة تتحمل لدفع الضرر عن القاتل والضرر لا يزال بالضرر ويجب على المتوسط ربع دينار لأن المواساة لا تحصل بأقل قليل ولا يمكن إيجاد الكثير لأن فيه إضراراً بالعاقلة فقدر أقل ما يؤخذ بربع دينار لأنه ليس في حد التافه والدليل عليه أنه تقطع فيه يد السارق وقد قالت عائشة رضي الله عنها: يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه ويجب على الغني نصف دينار لأنه لا يجوز أن يكون ما يؤخذ من الغني والمتوسط واحداً فقدر بنصف دينار لأنه أقل قدر يؤخذ من الغني في الزكاة التي قصد فيها المواساة فيقدر ما يؤخذ من الغني في الدية بذلك لأن في معناه ويجب هذا القدر في كل سنة لأنه حق يتعلق بالحال على سبيل المواساة فتكرر بتكرر الحول كالزكاة ومن أصحابنا من قال يجب ذلك القدر في الثلاث سنين لأنا لو أوجدنا هذا القدر في كل سنة أجحف به ويعتبر حاله في الفقر والغنى والتوسط عند حلول النجم لأنه حق مال يتعلق بالحلول على سبيل المواساة فاعتبر فيه حاله عند حلول الحول كالزكاة إذا مات قبل حلول الحول لم تجب كما لا تجب الزكاة إذا مات قبل الحول وإن مات بعد الحول لم يسقط ما وجب كما لا يسقط ما وجب من الزكاة قبل الموت.
فصل: وإذا أراد الحاكم قسمة على العاقلة قدم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيبهم في الميراث لأنه حق يتعلق بالتعصيب فقدم فيه الأقرب فالأقرب كالميراث،

وإن كان فيهم من يدلي بالأبوين وفيهم من يدلي بالأب ففيه قولان: أحدهما: أنهما سواء لتساويهما في قرابة الأب لأن الأم لا مدخل لها في النصرة وحمل الدية فلا يقدم بها والثاني: يقدم من يدلي بالأبوين على من يدلي بالأب لأنه حق يستحق بالتعصيب فقدم من يدلي بالأبوين على من يدلي بالأب كالميراث فإن أمكن أن يقسم ما يجب على الأقربين منهم لم يحمل على من بعدهم وإن لم يمكن أن يقسم على الأقربين لقلة عددهم قسم ما فضل على من بعدهم على الترتيب فإن كان القاتل من بني هاشم قسم عليهم فإن عجزوا دخل معهم بنو عبد مناف فإن عجزوا دخل معهم بنو قصي ثم كذلك حتى تستوعب قريش ولا يدخل معهم غير قريش لأن غيرهم لا ينسب إليهم وإن غاب الأقربون في النسب وحضر الأبعدون ففيه قولان: أحدهما: يقدم الأقربون في النسب لأنه حق يستحق بالتعصيب فقدم فيه الأقربون في النسب كالميراث والثاني: يقدم الأقربون في الحضور على الأقربين في النسب لأن تحمل العاقلة على سبيل النصرة والحاضرون أحق بالنصرة من الغيب فعلى هذا إن كان القاتل بمكة وبعض العاقلة بالمدينة وبعضهم بالشام قدم من بالمدينة على من بالشام لأنهم أقرب إلى القاتل وإن استوت جماعة في النسب وبعضهم حضور وبعضهم غيب ففيه قولان: أحدهما: يقدم الحضور لأنهم أقرب إلى النصرة والثاني: يسوي بين الجميع كما يسوي في الميراث وإن كثرت العاقلة وقل المال المستحق بالجناية بحيث إذا قسم عليهم خص المتوسط دون ربع دينار والغني دون نصف دينار ففيه قولان: أحدهما: أن الحاكم يقسمه على من يرى منهم لأن في تقسيط القليل على الجميع مشقة والثاني: هو الصحيح أنه يقس على الجميع لأنه حق يستحق بالتعصيب فقسم قليله وكثيره بين الجميع كالميراث.
فصل: وإن جنى عبد على حر أو عبد جناية توجب المال تعلق المال برقبته لأنه لا يجوز إيجابه على المولى لأنه لم يوجد منه جناية ولا يجوز تأخيره إلى أن يعتق لأنه يؤدي إلى إهدار الدماء فتعلق برقبته والمولى بالخيار بين أن يبيعه ويقضي حق الجناية من ثمنه وبين أن يفديه ولا يجب عليه تسليم العبد إلى المجني عليه لأنه ليس من جنس حقه وإن اختار بيعه فباعه فإن كان الثمن بقدر مال الجناية صرفه فيه وإن كان أكثر قضى ما عليه والباقي للمولى وإن كان أقل لم يلزم المولى ما بقي لأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة فإن اختار أن يفديه ففيه قولان: أحدهما: يلزمه أن يفديه بأقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمة العبد لأنه لا يلزمه ما زاد على واحد منهما والقول الثاني: يلزمه أرش الجناية بالغاً أو يسلمه للبيع لأنه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من

قيمته فإذا امتنع من البيع لزمه الأرش بالغاً ما بلغ وإن قتل عشرة أعبد لرجل عبد الآخر عمداً فاقتص مولى المقتول من خمسة وعفا عن خمسة على المال تعلق برقبتهم نصف القيمة في رقبة كل واحد منهم عشرها لأنه قتل خمسة بنصف عبده وعفا عن خمسة على المال وبقي له النصف.

باب اختلاف الجاني وولي الدم

إذا قتل رجلاً ثم ادعى أن المقتول كان عبداً وقال الولي بل حراً فالمنصوص أن القول قول الولي مع يمينه وقال فيمن قذف امرأة ثم ادعى أنها أمة أن القول قول القاذف فمن أصحابنا من نقل جوابه في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين: أحدهما: أن القول قول الجاني والقاذف لأن ما يدعيان محتمل لأن الدار تجمع الأحرار والعبيد والأصل فيه حمى للظهر وحقن الدم والثاني: أن القول قول ولي المجني عليه والمقذوف لأن الظاهر من الدار الحرية ولهذا لو وجد في الدار لقيط حكم بحريته ومن أصحابنا من قال القول في الجناية قول الولي والقول في القذف قول القاذف والفرق بينهما أنا إذا جعلنا القول قول القاذف أسقطنا حد القذف وأوجبنا التعزير فيحصل به الردع وإذا جعلنا القول قول الجاني سقط القصاص ولم يبق ما يقع به الردع.
فصل: إذا وجب له القصاص في موضحة فاقتص في أكثر من حقه أو وجب له القصاص في أصبع فاقتص في أصبعين وادعى أن أخطأ في ذلك وادعى المستقاد منه أنه تعمد فالقول قول المقتص مع يمينه لأنه أعرف بفعله وقصده وما يدعيه يجوز الخطأ في مثله فقبل قوله فيه وإن قال المقتص منه أن هذه زيادة حصلت باضطرابه وأنكره المستقاد منه ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول المقتص لأن ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل براءة الذمة والثاني: أن القول قول المستقاد منه لأنه الأصل عدم الاضطراب.
فصل: إذا اشترك ثلاثة في جرح رجل ومات المجروح ثم ادعى أحدهم أن جراحته اندملت وأنكر الآخران وصدق الوالي المدعي نظرت فإن أراد القصاص قبل تصديقه ولم يجب على المدعي إلا ضمان الجراحة لأنه لا ضرر على الآخرين لأن القصاص يجب عليهما في الحالين وإن أراد أن يأخذ الدية لم يقبل تصديقه لأنه يدخل الضرر على الآخرين لأنه إذا حصل القتل من الثلاثة وجب على كل واحد منهم ثلث الدية وإذا حصل من جراحهما وجب على كل واحد منهما نصف الدية والأصل براءة ذمتهما مما زاد على الثلث.
فصل: إذا قد رجلاً ملفوفاً في كساء ثم ادعى أنه قده وهو ميت وقال الوالي بل كان

حياً ففيه قولان: أحدهما: أن القول قول الجاني لأن ما يدعيه محتمل والأصل براءة ذمته والثاني: أن القول قول الوالي لأن الأصل حياته وكونه مضموناً فصار كما لو قتل مسلماً وادعى أنه كان مرتداً.
فصل: وإن جنى على عضو ثم اختلفا في سلامته فادعى الجاني أنه جنى عليه وهو أشل وادعى المجني عليه أنه جنى عليه وهو سليم فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان: أحدهما: أن القول قول الجاني لأن ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل براءة ذمته والثاني: أن القول قول المجني عليه لأن الأصل سلامة العضو ومنهم من قال القول في الأعضاء الظاهرة قول الجاني وفي الأعضاء الباطنة القول قول المجني عليه لأنه يتعذر عليه إقامة البينة على السلامة في الأعضاء الظاهرة فكان القول قول الجاني ويتعذر عليه إقامة البينة على الأعضاء الباطنة والأصل السلامة فكان القول قول المجني عليه ولهذا لم علق طلاق امرأته على ولادتها فقالت ولدت لم يقبل قولها لأنه يمكن إقامة البينة على الولادة ولو علق طلاقها على حيضها فقالت حضت قبل قولها لأنه يتعذر إقامة البينة على حيضها فإن اتفقا على سلامة العضو الظاهر وادعى الجاني أنه طرأ عليه الشلل وأنكر المجني عليه ففيه قولان: أحدهما: أن القول قول الجاني لأنه يتعذر إقامة البينة على سلامته والثاني: أن القول قول المجني عليه لأنه قد ثبتت سلامته فلا يزال عنه حتى يثبت الشلل.
فصل: إذا أوضح رأس رجل موضحتين بينهما حاجز ثم زال الحاجز فقال الجاني تأكل ما بينهما بسراية فعلي فلا يلزمني مني إلا أرش موضحة وقال المجني عليه أنا خرقت ما بينهما فعليك أرش موضحتين فالقول قول المجني عليه لأن ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل بقاء الموضحتين ووجوب الأرشين وإن أوضح رأسه فقال الجاني أوضحته موضحة واحدة وقال المجني عليه أو ضحتني موضحتين وأنا خرقت ما بينهما فالقول قول الجاني لأن ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل براءة الذمة.
فصل: وإن قطع رجل يدي رجل ورجليه ومات واختلف الجاني والولي فقال الجاني مات من سراية الجنايتين فعلي دية واحدة وقال الولي بل اندملت الجنايتين ثم مات فعليك ديتان فإن كان قد مضى زمان يمكن فيه اندمال الجراحتين فالقول قول الولي لأن الأصل وجوب الديتين وإن لم يمض زمن يمكن فيه الاندمال فالقول قول الجاني لأن ما يدعيه الولي غير محتمل وإن اختلفا في المدة فقال الولي مضت مدة يمكن فيها الاندمال وقال الجاني لم يمض فالقول قول الجاني لأن الأصل عدم المدة.

فصل: وإن قطع يد رجل ومات فقال الولي مات من سراية قطعك فعليك الدية وقال الجاني اندملت جنايتي ومات بسبب آخر فعلي نصف الدية نظرت فإن لم تمض مدة يمكن فيها الاندمال فالقول قول الولي لأن الظاهر أنه مات من سراية الجناية ويحلف على ذلك لجواز أن يكون قتله آخر أو شرب سماً فمات منه وإن مضت مدة يمكن فيها الاندمال ثم مات فإن كان مع الولي بينة أنه لم يزل متألماً ضمناً إلى أن مات فالقول قوله مع يمينه لأن الظاهر أنه مات من الجناية وإن لم يكن معه بينة على ذلك فالقول قول الجاني لأن ما يدعيه كل واحد منهما ممكن والأصل براءة ذمة الجاني مما زاد على نصف الدية.
فصل: وإن قطع يد رجل ومات ثم اختلف الولي والجاني فقال الجاني شرب سماً أو جنى عليه آخر بعد جنايتي فلا يجب علي إلا نصف الدية وقال الولي مات من سراية جنايتك فعليك الدية فليس فيها نص ويحتمل أن يكون القول قول الولي لأن الأصل حصول جنايته وعدم غيرها ويحتمل أن يكون القول قول الجاني لأنه يحتمل ما يدعيه والأصل براءة ذمته.
فصل: وإن جنى عليه جناية ذهب بها ضوء العين وقال أهل الخبرة يرجى عود البصر فمات واختلف الولي والجاني فقال الجاني عاد الضوء ثم مات وقال الولي لم يعد فالقول قول الولي مع يمينه لأن الأصل ذهاب الضوء وعدم العود وإن جنى على عينه فذهب الضوء ثم جاء آخر فقلع العين واختلف الجانيان فقال الأول عاد الضوء ثم قلعت أنت فعليك الدية وقال الثاني قلعت ولم يعد الضوء فعلي حكومة وعليك الدية فالقول قول الثاني لأن الأصل عدم العود فإن صدق المجني عليه الأول قبل قوله في براءة الأول لأنه يسقط عنه حقاً له ولا يقبل قوله على الثاني لأنه يوجب عليه حقاً له والأصل عدمه.
فصل: إذا جنى على رجل جناية فادعى المجني عليه أنه ذهب سمعه وأنكر الجاني امتحن في أوقات غفلاته بالصياح مرة بعد مرة فإن ظهر منه إمارات السماع فالقول قول الجاني لأن الظاهر يشهد له ولا يقبل قوله من غير يمين لأنه يحتمل أن يكون ما ظهر من أمارة السماع اتفاقاً وإن لم يظهر منه أمارة السماع فالقول قول المجني عليه لأن الظاهر معه ولا يقبل قوله في ذلك من غير يمين لجواز ما ظهر من عدم السماع لجودة تحفظه وإن ادعى نقصان السمع فالقول قوله مع يمينه لأنه يتعذر إقامة البينة عليه ولا يعرف ذلك إلا من جهته وما يدعيه محتمل فقبل قوله مع يمينه كما يقبل قول المرأة في الحيض وإن ادعى ذهاب السمع من إحدى الأذنين سد التي لم يذهب السمع منها ثم

يمتحن بالصياح في أوقات غفلاته فإن ظهر منه أمارة السمع فالقول قول الجاني مع يمينه وإن لم يظهر منه أمارة السماع فالقول قول المجني عليه مع يمينه لما ذكرناه.
فصل: وإن ادعى المجني عليه ذهاب شمه وأنكر الجاني امتحن في أوقات غفلته بالروائح الطيبة والروائح المنتنة فإن كان لا يرتاح إلى الروائح الطيبة ولا تظهر منه كراهية الروائح النتنة فالقول قوله لأن الظاهر معه ويحلف عليه لجواز أن يكون قد تصنع لذلك وإن ارتاح إلى الروائح الطيبة ظهرت منه الكراهية للروائح المنتنة فالقول قول الجاني لأن الظاهر يشهد له ويحلف على ذلك لجواز أن يكون ما ظهر من المجني عليه من الارتياح والتكره اتفاقا وإن حلف المجني عليه على ذهاب شمه ثم غطى أنفه عند رائحة منتنة فادعى الجاني أنه غطاه ببقاء شمه وادعى المجني عليه أنه غطاه لحاجة أو لعادة فالقول قول المجني عليه لأنه يحتمل ما يدعيه.
فصل: وإن كسر صلب رجل فادعى المجني عليه أنه ذهب جماعة فالقول قوله مع يمينه لأن ما يدعيه محتمل ولا يعرف ذلك إلا من جهته فقبل قوله مع يمينه كالمرأة في دعوى الحيض.
فصل: وإن اصطدمت سفينتان فتلفتا وادعى صاحب السفينة على القيم أنه فرط في ضبطها وأنكر القيم ذلك فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم التفريط وبراءة الذمة.
فصل: إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً ثم اختلفا فقال الضارب ما أسقطت من ضربي وقالت المرأة أسقطت من ضربك نظرت فإن كان الإسقاط عقيب الضربة فالقول قولها لأن الظاهر معها وإن كان الإسقاط بعد مدة نظرت فإن بقيت المرأة متألمة إلى أن أسقطت فالقول قولها لأن الظاهر معها وإن لم تكن متألمة فالقول قوله لأنه يحتمل ما يدعيه كل واحد منهما والأصل براءة الذمة وإن اختلفا في التألم فالقول قول الجاني لأن الأصل عدم التألم وإن ضربها فأسقطت جنيناً حياً ومات واختلفا فقالت المرأة مات من ضربك وقال الضارب مات بسبب آخر فإن مات عقب الإسقاط فالقول قولها لأن الظاهر معها وأنه مات من الجناية وإن مات بعد مدة ولم تقم البينة أنه بقي متألماً إلى أن مات فالقول قول الضارب مع يمينه لأنه يحتمل ما يدعيه والأصل براءة الذمة وإن أقامت بينة أنه بقي متألماً إلى أن مات فالقول قولها مع اليمين لأن الظاهر أنه مات من جنايته.
فصل: وإن اختلفا فقالت المرأة استهل ثم مات وأنكر الضارب فالقول قوله لأن الأصل عدم الاستهلال وإن ألقت جنيناً حياً ومات ثم اختلفا فقال الضارب كان أنثى

وقالت المرأة أنه كان ذكراً فالقول قول الضارب لأن الأصل براءة الذمة مما زاد على دية الأنثى.
فصل: وإن ادعى رجل على رجل قتلاً تجب فيها الدية على العاقل صدقه المدعى عليه وأنكرت العاقلة وجبت الدية على الجاني بإقراره ولا تجب على العاقلة من غير بينة لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولأنا لو قبلنا إقراره على العاقلة لم يؤمن إن لم يواطىء في كل وقت من يقوله بقتل الخطأ فيودي إلى الإضرار بالعاقلة وإن ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً فقال الجاني كان ميتاً وقالت المرأة كان حياً فالقول قول الجاني لأنه يحتمل ما يدعيه لك واحد منهما والأصل براءة الذمة وإن صدق الجاني المرأة وأنكرت العاقلة وجب على العاقلة قدر الغرة لأنها لم تعترف بأكثر منها ووجبت الزيادة في ذمة الجاني لأن قوله مقبول على نفسه دون العاقلة.
فصل: إذا سلم من عليه الدية الإبل في قتل العمد ثم اختلفا فقال الولي لم يكن فيها خلفات وقال من عليه الدية كانت فيها خلفات فإن لم يرجع في حال الدفع إلى أهل الخبرة فالقول قول الولي لأن الأصل عدم الحمل فإن رجع في الدفع إلى قول أهل الخبرة ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول الولي لما ذكرناه والثاني: أن القول قول من عليه الدية لأن حكمنا بأنها خلفات بقول أهل الخبرة فلم يقبل فيه قول الولي.

باب كفارة القتل

من قتل من يحرم عليه قتله من مسلم أو كافر له أمان خطأ وهو من أهل الضمان وجبت عليه الكفارة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وقوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فإن قتله عمداً أو شبه عمد وجبت عليه الكفارة لأنها إذا وجبت في قتل الخطأ مع عدم المأثم فلأن تجب في العمد وشبه العمد وقد تغلظ بالإثم أولى وإن توصل إلى قتله بسبب يضمن فيه النفس كحفر بئر وشهادة الزور والإكراه وجبت عليه الكفارة لأن السبب كالمباشرة في إيجاب الضمان فكان كالمباشرة في إيجاب الكفارة فإن ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً وجبت عليه الكفارة لأنه آدمي محقون الدم لحرمته فضمن بالكفارة كغيره وإن قتل نفسه أو قتل عبده وجبت عليه الكفارة لأن الكفارة تجب لحق الله تعالى،

فصول الكتاب · 52 فصل · 499 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي · 499 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن
كتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب السبق والرميكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب عتق أمهات الأولادكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتال أهل البغي
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل