كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قلاص الصدقة وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في السلم في الكرابيس إذا كان ذرعاً معلوماً إلى أجل معلوم فلا بأس وعن أبي النضر قال: سئل ابن عمر رضي الله عنه عن السلم في السرق قال: لا بأس والسرق الحرير فثبت جواز السلم فيما رويناه في الأخبار وثبت فيما سواه مما يباع ويضبط بالصفات بالقياس على ما ثبت بالأخبار لأنه في معناه.
فصل: وأما ما لا يضبط بالصفة فلا يجوز السلم فيه لأنه يقع البيع فيه على مجهول وبيع المجهول لا يجوز قال الشافعي رحمه الله: ولا يجوز السلم في النبل لأن دقته وغلظه مقصود وذلك لا يضبط ولا يجوز في الجواهر كاللؤلؤ والعقيق والياقوت والفيروزج والمرجان لأن صفاءها مقصود وعلى قدر صفائه يكون ثمنها وذلك لايضبط بالوصف ولا يجوز السلم في الجلود لأن جلد الأوراك غليظ وجلد البطن رقيق ولا يضبط قدر رقته وغلظه ولأنه مجهول المقدار لأنه لا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه ولا يجوز في الرق لأنه لا يضبط رقته وغلظه ويجوز في الورق لأنه معلوم القدر معلوم الصفة.
فصل: ولا يجوز فيما عملت فيه النار كالخبز والشواء لأن عمل النار فيه يختلف فلا يضبط واختلف أصحابنا في اللبأ المطبوخ فقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني رحمه الله: لا يجوز لأن النار تعقد أجزاءه فلا يضبط وقال القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله يجوز لأن ناره لينة.
فصل: ولا يجوز فيما يجمع أجناساً مقصودة لا تتميز كالغالية والند والمعجون والقوس والخف والحنطة التي فيها الشعير لأنه لا يعرف قدر كل جنس منه ولا يجوز فيما خالطه ما ليس بمقصود من غير حاجة كاللبن المشوب بالماء والحنطة التي فيها الزوان لأن ذلك يمنع من العلم بمقدار المقصود وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد ويجوز
فيما خالطه غيره للحاجة كخل التمر وفيه الماء والجبن وفيه الأنفحة والسمك المملوح وفيه الملح لأن ذلك من مصلحته فلم يمنع جواز العقد ويجوز في الأدهان المطيبة لأن الطيب لا يخالطه وإنما تعبق به رائحته ولا يجوز في ثوب نسج ثم صبغ لأنه سلم في ثوب وصبغ مجهول ويجوز فيما صبغ غزله ثم نسج لأنه بمنزلة صبغ الأصل ولا يجوز في ثوب عمل فيه من غير غزله كالقرقوبي لأن ذلك لا يضبط واختلف أصحابنا في الثوب المعمول من غزلين فمنهم من قال: لا يجوز لأنهما جنسان مقصودان لا يتميز أحدهما عن الآخر فأشبه الغالية ومنهم من قال: يجوز لأنهما جنسان يعرف قدر كل واحد منهما وفي السلم في الرؤوس قولان: أحدهما يجوز لأنه لحم وعظم فهو كسائر اللحوم والثاني لا يجوز لأنه يجمع أجناساً مقصودة لا تضبط بالوصف ولأن معظمه العظم وهو غير مقصود.
فصل: ولا يجوز السلم في الطير لأنه لا يضبط بالسن ولا يعرف قدره بالذرع ولا يجوز السلم في جارية وولدها ولا في جارية وأختها لأنه يتعذر وجود جارية وولدها أو جارية وأخنها على على ماوصف وفي الجارية الحامل طريقان: أحدهما لا يجوز السلم فيها لأن الحمل مجهول والثاني يجوز لأن الجهل بالحمل لاحكم له مع الأم كما نقول في بيع الجارية الحامل وفي السلم في شاة لبون.
فصل: وفي السلم في الأواني المختلفة الأعلى والأسفل كالإبريق والمنارة والكراز وجهان: أحدهما لا يجوز لأنها مختلفة الأجزاء فلم يجز السلم فيها كالجلود والثاني يجوز لأنها يمكن وصفها فجاز السلم فيها كالأسطال المربعة والصحاف الواسعة واختلف أصحابنا في السلم في الدقيق فمنهم من قال لا يجوز وهو قول أبي القاسم الداركي رحمه الله لأنه لا يضبط والثاني يجوز لأنه يذكر النوع والنعومة والجودة فيصير
معلوماً ولا يجوز السلم في العقار لأن المكان فيه مقصود والثمن يختلف باختلافه فلا بد من تعيينه والعين لا تثبت في الذمة.
فصل: ولا يجوز السلم إلا في شيء عام الوجود مأمون الانقطاع في المحل فإن أسلم فيما لا يعم كالصيد في موضع لا يكثر فيه أو ثمرة ضيعة بعينها أو جعل المحل وقتالاً يأمن انقطاعه فيه لم يصح لما روى عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن زيد بن سعنة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً إلى أجل معلوم من حائط بني فلان فقال: "لا يا يهودي ولكن أبيعك تمراً معلوماً إلى كذا وكذا من الأجل" ولأنه لا يؤمن أن يتعذر المسلم فيه وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد.
فصل: ولا يجوز السلم إلا فيقدر معلوم لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم1" فإن كان في مكيل ذكر كيلاً معروفاً وإن كان في موزون ذكر وزناً معروفاً وإن كان في مذروع ذكر ذرعاً معروفاً فإن علق العقد على كيل غير معروف كملء زبيل لا يعرف ما يسع أو ملء جرة لا يعرف ما تسع أو زنة صخرة لا يعرف وزنها أو ذراع رجل بعينه لم يجز لأن المعقود عليه غير معلوم في الحال لأنه لا يؤمن أن يهلك ما علق عليه العقد فلا يعرف قدر المسلم فيه وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد كما لو علقه على ثمرة حائط بعينه وإن أسلم فيما يكال بالوزن وفيما يوزن بالكيل جاز لأن القصد أن يكون معلوماً والعلم يحصل بذلك وإن أسلم فيما لا يكال ولا يوزن كالجوز والبيض والقثاء والبطيخ والبقل والرؤوس إذا جوزنا السلم فيها أسلم بالوزن وقال أبو إسحاق: يجوز أن يسلم في الجوز كيلاً لأنه لا يتجافى في المكيال والمنصوص هو الأول.
فصل: ولا يجوز حتى يصف المسلم فيه بالصفات التي تختلف بها الأثمان كالصغر والكبر والطول والعرض والدور والسمك والنعومة والخشونة واللين والصلابة والرقة والصفاقة والذكورية والأنوثية والثيوبية والبكارة والبياض والحمرة والواد والسمرة والرطوبة واليبوسة والجودة والرداءة وغير ذلك من الصفات التي تختلف بها الأثمان
ويرجع فيما لا يعلم من ذلك إلى نفسين من أهل الخبرة وإن شرط الأجود لم يصح العقد لأن ما من جيد إلا ويجوز أن يكون فوقه ما هو أجود منه فيطالب به فلا يقدر عليه وإن شرط الأردأ ففيه قولان: أحدهما لا يصح لأنه ما من رديء إلا ويجوز أن يكون دونه ما هو أردأ منه فيصير كالأجود والثاني أنه يصح لأنه إن كان ما يحضره هو الأردأ فهو الذي أسلم فيه وإن كان دونه أردأ منه فقد تبرع بما أحضره فوجب قبوله فلا يتعذر التسليم وإن أسلم في ثوب من الصفات التي يختلف بها الثمن وشرط أن يكون وزنه قدراً معلوماً ففيه وجهان: أحدهما لا يصح وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني لأنه لا يتفق ثوب على هذه الصفات مع الوزن المشروط إلا نادراً فيصير كالسلم في جارية وولدها وكالسلم فيما لا يعم وجوده والثاني أنه يجوز لأن الشافعي رحمه الله نص على أنه إذا أسلم في آنية وشرط وزناً معلوماً جاز فكذلك ههنا.
فصل: فإن أسلم في المؤجل وجب بين أجل لحديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" ولأن الثمن يختلف باختلافه فوجب بيانه كالكيل والوزن وسائر الصفات والأجل المعلوم ما يعرفه الناس كشهور العرب وشهور الفرس وشهور الروم وأعياد المسلمين والنيروز والمهرجان فإن أسلم إلى الحصاد أو إلى العطاء أو إلى عيد اليهود والنصارى لم يصح لأنه ذلك غير معلوم لأنه يتقدم ويتأخر وإن جعله إلى شهر ربيع أو جمادى صح وحمل على الأول منهما ومن أصحابنا من قال: لا يصح حتى يبين والمذهب الأول لأنه نص على أنه إذا جعل إلى النفر حمل على النفر الأول فإن قال إلى يوم كذا كان المحل إذا طلع الفجر فإن قال إلى شهر كذا كان المحل إذا غربت الشمس من الليلة التي يرى فيها الهلال فإن قال محله في يوم كذا أو سنة كذا ففيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة يجوز ويحمل على أوله كما لو قال لامرأته أنت طالق في يوم كذا أو شهر كذا أو سنة كذا فإن الطلاق يقع في أولها والثاني لا يجوز وهو الصحيح لأن ذلك يقع على جميع أجزاء اليوم والشهر والسنة فإذا لم يبين كان مجهولاً ويخالف الطلاق فإنه يجوز إلى أجل
مجهول وإذا صح تعلق بأوله بخلاف السلم فإن ذكر شهوراً مطلقة حمل على شهور الأهلة لأن الشهور في عرف الشرع شهور الأهلة فجمل العقد عليها فإن كان العقد في الليلة التي رؤي فيها الهلال اعتبر الجميع بالأهلة وإن كان العقد في أثناء الشهر اعتبر شهراً بالعدد وجعل الباقي بالأهلة فإن أسلم في حال وشرط أنه حاال صح العقد وإن أطلق ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأنه أحد محلي السلم فوجب بينه كالمؤجل والثاني أنه يصح ويكون حالاً لأن ما جاز حالاً ومؤجلاً حمل إطلاقه على الحال كالثمن في البيع وإن عقد السلم حالاً وجعله مؤجلاً أو مؤجلاً فجعله حالاً أو زاد في أجله أو نقص نظرت فإن كان ذلك بعد التفرق لم يلحق بالعقد لأن العقد استقر فلا يتغير وإن كان قبل التفرق لحق بالعقد وقال أبو علي الطبري إن قلنا أن المبيع انتقل بنفس العقد لم يلحق به والصحيح هو الأول وقد ذكرناه في الزيادة في الثمن.
فصل: وإن أسلم في جنسين إلى أجل أو في جنس إلى أجلين ففيه قولان: أحدهما أنه لا يصح لأن ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر وذلك مجهول فلم يجز والثاني أنه يصح وهو الصحيح لأن كل بيع جاز في جنس واحد وأجل واحد جاز في جنسين وفي أجلين كبيع الأعيان ودليل القول الأول يبطل ببيع الأعيان فإنه يجوز إلى أجلين وفي جنسين مع الجهل بما يقابل كل واحد منهما.
فصل: وأما بيان موضع التسليم فإنه إن كان في العقد في موضع لا يصلح للتسليم كالصحراء وجب بيانه وإن كان موضع يصلح للتسليم ففيه ثلاثة أوجه: أحدها يجب بيانه لأنه يختلف الغرض باختلافه فوجب بيانه كالصفات والثاني لا يجب بل يحمل على موضع العقد كما نقول في بيع الأعيان والثالث أنه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه لأنه يختلف الثمن باختلافه فوجب بيانه كالصفات التي يختلف الثمن باختلافها فإن لم يكن
لحمله مؤنة لميجب بيانه لأنه لا يختلف الثمن باختلافها فلم يجب بيانه كالصفات التي لا يختلف الثمن باختلافها.
فصل: ولا يجوز تأخير قبض رأس المال عن المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم: "أسلفوا في كيل معلوم" والإسلاف هو التقديم ولأنه إنما سمي سلماً لما فيه من تسليم رأس المال فإذا تأخر لم يكن سلماً فلم يصح ويجوز أن يكون رأس المال في الذمة ثم يعينه في المجلس ويسلمه ويجوز أن يكون معيناً فإن كان في الذمة نظرت فإن كان من الأثمان حمل على نقد البلد وإن كان في البلد نقود حمل على الغالب منها وإن لم يكن في البلد نقد غالب وجب بيان نقد معلوم وإن كان رأس المال عرضاً وجب بين الصفات التي تختلف بها الأثمان لأنه عوض في الذمة غير معلوم بالعرف فوجب بيان صفاته كالمسلم فيه وإن كان رأس المال معيناً ففيه قولان: أحدهما يجب ذكر صفاته ومقداره لأنه لا يؤمن أن ينفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه فإذا لم يعرف مقداره وصفته لم يعرف ما يرده والثاني لا يجب ذكر صفاته ومقداره لأنه عوض في عقد لا يقتضي رد المثل فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر صفاته ومقداره كالمهر والثمن في البيع وإن كان رأس المال بما لا يضبط بالصفة كالجواهر وغيرها فعلى القولين إن قلنا يجب صفاته لم يجز أن يجعل ذلك رأس المال لأنه لا يمكن ذكر صفاته وإن قلنا لا يجب جاز أن يجعل ذلك رأس المال لأنه معلوم بالمشاهدة والله أعلم.
باب تسليم المسلم فيه
إذا حل دين السلم وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد فإن كان المسلم فيه تمراً لزمه ما يقع عليه اسم التمر على الإطلاق فإن أحضر حشفاً أو رطباً لم يقبل منه فإن كان رطباً لزمه ما يطلق عليه اسم الرطب على الإطلاق ولا يقبل منه بسر ولا منصف ولا مذنب ولا مشدخ وإن كان طعاماً لزمه ما نقى من التبن فإن كان فيه قليل تراب نظرت فإن كان أسلم فيه كيلاً قبل منه لأن القليل من التراب لا يظهر في الكيل وإن أيلم فيه وزناً لم يقبل منه لأنه يظهر في الوزن فيكون المأخوذ من الطعام دون حقه وإن كان عسلاً لزمه ما صفى من الشمع فإن أسلم إليه في ثوب فأحضر ثوباً
أجود منه لزمه قبوله لأنه أحضر المسلم فيه وفيه زيادة صفة لا تتميز فلزمه قبوله فإن جاءه بالأجود وطلب عن الزيادة عوضاً لم يجز لأنه بيع صفة والصفة لا تفرد بالبيع فإن أتاه بثوب رديء لم يجبر على قبوله لأنه دون حقه فإن قال خذه وأعطيك للجودة درهماً لم يجز لأنه بيع صفة ولأنه بيع جزء من المسلم فيه قبل قبضه فإن أسلم في نوع آخر من ذلك الجنس كالمعقلي عن البرني والهروي عن المروي ففيه وجهان: قال أبو إسحاق لا يجوز لأنه غير الصنف الذي أسلم فيه فلم يجز أخذه عنه كالزبيب عن التمر وقال أبو علي ابن أبي هريرة يجوز لأن النوعين من جنس واحد بمنزلة النوع الواحد ولهذا يحرم التفاضل في بيع أحدهما بالآخرة ويضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب في الزكاة فإن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه فأحضره ففيه وجهان: أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب في الزكاة ففيه وجهان: أحدهما إن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه فأحضره ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز قبوله لأنه يصير الثمن هو المثمن والعقد يقتضي أن يكون الثمن غير المثمن والثاني أنه يجوز لأن الثمن هو الذي سلم إليه والمثمن هو الموصوف وإن أسلم إلى محل فأحضر المسلم فيه قبله أو شرط أن يسلم إليه في مكان فأحضر المسلم فيه في غير ذلك المكان فامتنع المسلم من أخذه نظرت فإن كان له غرض صحيح في الامتناع لزمه أخذه فإن لم يأخذه رفع إلى الحاكم ليأخذه عنه والدليل عليه ماروي أن أنساً رضي الله عنه كاتب عبداً له على مال إلى أجل فجاءه بمال قبل الأجل فأبى أن يأخذه فأتى عمر رضي الله عنه فأخذه منه وقال له إذهب فقد عتقت ولأنه زاده بالتقديم خيراً فلزمه قبوله وإن سأله المسلم أن يقدمه قبل المحل فقال أنقصني من الدين حتى أقدمه ففعل لم يجز لأنه بيع أجل والأجل لا يفرد بالبيع ولأن هذا في معنى ربا الجاهلية فإن كان من في الجاهلية يقول من عليه الدين زدني في الأجل أزدك في الدين.
فصل: وإن أسلم إليه في طعام بالكيل أو اشترى منه طعاماً بالكيل فدفع إليه الطعام من غير كيل لم يصح القبض لأن المستحق قبض بالكيل فلا يصح قبض بغير الكيل فإن كان المقبوض باقياً رده على البائع ليكيله له وإن تلف في يده قبل الكيل تلف من ضمانه لأنه قبض حقه وإن ادعى أنه كان دون حقه فالقول قوله لأن الأصل أنه لم يقبض إلا ماثبت بإقراره فإن باع الجميع قبل الكيل لم يصح لأنه لا يتحقق أن الجميع له وإن باع منه القدر الذي يتحقق أنه له ففيه وجهان: أحدهما يصح وهو قول أبي إسحاق لأنه دخل في ضمانه فنفذ بيعه فيه كما لو قبضه بالكيل والثاني لا يصح وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وهو المنصوص في الصرف لأنه باعه قبل وجود القبض
المستحق بالعقد فلم يصح بيعه كما لو باعه قبل أن يقبضه فإن دفع إليه بالكيل ثم ادعى أنه دون حقه فإن كان ما يدعيه قليلاً قبل منه وإن كان كثيراً لم يقبل لأن القليل يبخس به والأصل عدم القبض والكثير لا يبخس به فكان دعواه مخالفاً للظاهر فلم يقبل.
فصل: فإن أحاله على رجل له عليه طعام لم يصح لأن الحوالة بيع وقد بينا في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل القبض وإن قال لي عند رجل طعام فأحضر معي حتى أكتاله لك فحضر واكتاله له لم يجز لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري وهذا لم يجر فيه الصاعان وهل ييصح قبض المسلم إليه لنفسه فيه وجهان بناء على القولين فيمن باع دين المكاتب فقبضمنه المشتري فإن قبض المشتري لنفسه لا يصح وهل يصح القبض للسيد فيه قولان: أحدهما يصح لأنه قبضه بإذنه فصار كما لو قبضه وكيله والثاني لا يصح لأنه لم يأذن له في قبضه له وإنما أذن له في قبضه لنفسه فلا يصير القبض له ويخالف الوكيل فإنه قبضه لموكله فإن قلنا إن قبضه لا يصح اكتال لنفسه مرة أخرى ثم يكيله للمسلم وإن قلنا إن قبضه يصح كاله للمسلم فإن قال أحضر معي حتى أكتاله لنفسي وتأخذه ففعل ذلك صح القبض للمسلم إليه لأنه قبضه لنفسه قبضاً صحيحاً ولا يصح للمسلم لأنه دفعه إليه من غير كيل وإن اكتاله لنفسه وسلم إلى المسلم وهو في المكيال ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا يقتضي كيلاً بعد كيل وذاك لم يوجد والثاني أنه يصح لأن استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه ولو ابتدأ بكيله جاز فكذلك إذا استدامه.
فصل: وإن دفع المسلم إليه إلى المسلم دراهم وقال اشتر لي بها مثل مالك علي واقبضه لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه وهل يصح للمسلم إليه على الوجهين المبينين على القولين في دين المكاتب فإن قال اشتري لي واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء والقبض للمسلم إليه ولا يصح قبضه لنفسه لأنه لا يجوز أن يكون وكيلاً لغيره في قبض حق نفسه.
فصل: إذا قبض المسلم فيه وجد به عيباً فله أن يرده لأن إطلاق العقد يقتضي مبيعاً سليماً فلا يلزمه قبول المعيب فإن رد ثبت له المطالبة بالسليم لأنه أخذ المعيب عما في الذمة فإذا رده رجع إلى ماله في الذمة وإن حدث عنده عيب رجع بالأرش لأنه لا يمكنه رده ناقصاً عما أخذ ولا يمكن إجباره على أخذه مع العيب فوجب الأرش.
فصل: فإن أسلم في ثمرة فانقطعت في محلها أو غاب المسلم إليه فلم يظهر حتى نفدت الثمرة ففيه قولان: أحدهما أن العقد ينفسخ لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام وقد هلكت فانفسخ العقد كما لو اشتري لي واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء والقبض للمسلم إليه ولا يصح قبضه لنفسه لأنه لا يجوز أن يكون وكيلاً لغيره في قبض حق نفسه.
فصل: إذا قبض المسلم فيه ووجد به عيباً فله أن يرده لأن إطلاق العقد يقتضي مبيعاً سليماً فلا يلزمه قبول المعيب فإن رد ثبت له المطالبة بالسليم لأنه أخذ المعيب عما في الذمة فإذا رده رجع إلى ماله في الذمة وإن حدث عنده عيب رجع بالأرش لأنه لا يمكنه رده ناقصاً عما أخذ ولا يمكن إجباره على أخذه مع العيب فوجب الأرش.
فصل: فإن أسلم في ثمرة فانقطعت في محلها أو غاب المسلم إليه فلم يظهر حتى نفدت الثمرة ففيه قولان: أحدهما أن العقد ينفسخ لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام وقد هلك فانفسخ العقد كما لو اشترى قفيزاً من صبرة فهلكت الصبرة والثاني أنه لا ينفسخ لكنه بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن توجد الثمرة فيأخذها لأن المعقود عليه ما في الذمة لا ثمرة هذا العام والدليل عليه أنه لو أسلم إليه في ثمرة عامين فقدم في العام الأول ما يجب له في العام الثاني جاز وما في الذمة لم يتلف وإنما تأخر فثبت له الخيار كما لو اشترى عبداً فأبق.
فصل: يجوز فسخ عقد السلم بالإقالة لأن الحق لهما فجاز لهما الرضا بإسقاطه فإذا فسخا وانفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين أو بالفسخ في القول الآخر رجع المسلم إلى رأس المال فإن كان باقياً وجب رده وإن كان تالفاً ثبت بدله في ذمة المسلم إليه فإن أراد أن يسلمه في شيء آخر لم يجز لأنه بيع دين بدين وإن أراد أن يشتري به عيناً نظرت فإن كان تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل القبض كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عيناً بعين وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان: أحدهما يجوز أن يتفرقا من غير قبض كما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عيناً بعين أن يتفرقا من غير قبض والثاني لا يجوز لأن المبيع في الذمة فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه والله أعلم.
باب القرض
القرض قربة مندوب إليه لما روى أبوهريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من
كشف عن مسلم كربة كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه1" وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردا ثم أقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: قرض مرتين خير من صدقة مرة.
فصل: ولا يصح إلا من جائز التصرف لأنه عقد على المال فلا يصح إلا من جائز التصرف كالبيع ولا ينعقد إلا يالإيجاب والقبول لأنه تمليك آدمي فلا يصح من غير إيجاب وقبول كالبيع والهبة ويصح بلفظ القرض والسلف لأن الشرع ورد بهما ويصح بما يؤدي معناه وهو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد علي بدله فإن قال ملكتك ولم يذكر البدل كان هبة فإن اختلفا فيه فالقول قول الموهوب له لأنه الظاهر معه فإن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر وإن قال أقرضتك ألفاً وقبل وتفرقا ثم دفع إليه ألفاً فإن لم يطل الفصل جاز لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب وإن طال الفصل لم يجز حتى يعيد لفظ القرض لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل.
فصل: وإن كتب إليه وهو غائب أقرضتك هذا أو كتب إليه بالبيع ففيه وجهان: أحدهما ينعقد لأن الحاجة مع الغيبة داعية للكتابة والثاني لا ينعقد لأنه قادر على النطق فلا ينعقد عقده بالكتابة كما لو كتب وهو حاضر وقول القائل الأول إن الحاجة داعية إلى الكتابة لا يصح لأنه يمكنه أن يوكل من يعقد العقد بالقول.
فصل: ولا يثبت فيه خيار المجلس وخيار الشرط لأن الخيار يراد للفسخ وفي القرض يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ إذا شاء فلا معنى لخيار المجلس وخيار الشرط ولا يجوز شرط الأجل فيه لأن الأجل يقتضي جزءاً من العوض والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه فلا يجوز شرط الأجل فيه ويجوز شرط الرهن فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه على شعير أخذه لأهله ويجوز أخذ الضمين فيه لأنه وثيقة فجاز في القرض كالرهن.
فصل: وفي الوقت الذي يملك فيه وجهان: أحدهما أنه يملكه بالقبض لأنه عقد
يقف التصرف فيه على القبض فوقف الملك فيه على القبض كالهبة فعلى هذا إذا كان القرض حيواناً فنفقته بعد القبض على المستقرض فإن اقترض أباه وقبضه عتق عليه والثاني أنه لا يملكه إلا بالتصرف بالبيع والهبة والإتلاف لأنه لو ملك قبل التصرف لما جاز للمقرض أن يرجع فيه بغير رضاه فعلى هذا تكون نفقته على المقرض فإن اقترض أباه لم يعتق عليه قبل أن يتصرف فيه واختلف أصحابنا فيمن قدم طعاماً إلى رجل ليأكله على أربعة أوجه: أحدهما أنه يملكه بالأخذ والثاني أنه يملكه بمركه في الفم والثالث أنه يملكه بالبلع والرابع أنه لا يملكه بل يأكله على ملك صاحب الطعام.
فصل: ويجوز قرض كل مال يملك بالبيع ويضبط بالوصف لأنه عقد تمليك يثبت العوض فيه في الذمة فجاز أن يملك ويضبط بالوصف كالسلم فأما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر وغيرها ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأن القرض يقتضي رد المثل وما لا يضبط بالوصف لا مثل له والثاني يجوز لأن ما لا مثل له يضمنه المستقرض بالقيمة والجواهر كغيرها في القيمة ولا يجوز إلا في مال معلوم القدر فإن أقرضه دراهم لا يعرف وزنها أو طعاماً لا يعرف كيله لم يجز لأن القرض يقتضي رد المثل فإذا لم يعلم القدر لم يمكن القضاء.
فصل: ويجوز استقراض الجارية لمن لا يحل له وطؤها كالبيع والهبة والمنصوص هو الأول لأنه عقد إرفاق جائز من الطرفين فلا يستباح الوطء كالعارية ويخالف البيع والهبة فإن الملك فيهما تام لأنه لو أراد كل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ لم يملك والملك في القرض غير تام لأنه يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ فلو جوزنا فيمن يحل له وطؤها أدى إلى الوطء في ملك غير تام وذلك لا يجوز وإن أسلم جارية في جارية ففيه وجهان: قال أبو إسحاق لا يجوز لأنا لا نأمن أن يطأها ثم يردها عن التي تستحق عليه فيصير كمن اقترض جارية فوطئها ثم ردها ومن أصحابنا من قال: يجوز وهو المذهب لأن كل عقد صح في العبد بالعبد صح في الجارية بالجارية كالبيع.
فصل: ولا يجوز قرض جر منفعة مثل أن يقرضه ألفاً على أن يبني داره أو على
أن يرد عليه أجود منه أو أكثر منه أو على أن يكتب له بها سفتجة يربح فيها خطر الطريق والدليل عليه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سلف وبيع والسلف هو القرض في لغة أهل الحجاز وروي عن أبي كعب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولأنه عقد إرفاق فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضوعه فإن شرط أن يرد عليه دون ما أقرضه ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأن مقتضى القرض رد المثل فإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافي مقتضاه فلم يجز كما لو شرط الزيادة والثاني يجوز لأن القرض جعل رفقاً بالمستقرض وشرط الزيادة يخرج به عن موضوعه فلم يجز وشرط النقصان لا يخرج به عن موضوعه فجاز فإن بدأ المستقرض فزاده أو رد عليه ما هو أجود منه أو كتب سفتجة أو باع منه داره جاز لما روى أبو رافع رضي الله عنه قال: استسلف رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل بكراً فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكراً فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خياراً رباعياً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء1" وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فقضاني وزادني فإ عرف لرجل عادة أنه إذا استقرض زاد في العوض ففي إقراضه وجهان: أحدهما لا يجوز إقراضه إلا أن
يشترط رد المثل لأن المتعارف كالمشروط ولو شرط الزيادة لم يجز فكذلك إذا عرف بالعادة والثاني أنه يجوز وهو المذهب وإن الزيادة مندوب إليها فلا يجوز أن يمنع ذلك صحة العقد فإن شرط في العقد شرطاً فاسداً بطل الشرط وفي القرض وجهان: أحدهما أنه يبطل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل قرض جر منفعة فهو ربا" ولأنه إنما أقرضه بشرط ولم يسلم الشرط فوجب أن لا يسلم القرض والثاني أنه يصح لأن القصد منه الإرفاق فإذا زال الشرط بقي الإرفاق.
فصل: ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل ولهذا يقال الدنيا قروض ومكافأة فوجب أن يرد المثل وفيما لا مثل له وجهان: أحدهما يجب عليه القيمة لأن ما ضمن بالمثل إذا كان له مثل ضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل كالمتلفات والثاني يجب عليه مثله في الخلقة والصورة لحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقضي البكر بالبكر ولأن ما ثبت في الذمة بعقد السلم ثبت بعقد القرض قياساً على ماله مثل ويخالف المتلفات فإن المتلف متعد فلم يقبل منه إلا القيمة لأنها أحصر وهذا عقد أجيز للحاجة فقبل فيه مثل ما قبض كما قبل في السلم مثل ما وصف فإن اقترض الخبز وقلنا يجوز إقراض ما لا يضبط بالوصف ففي الذي يرد وجهان: أحدهما مثل الخبز والثاني ترد القيمة فعلى هذا إذا أقرضه الخبز وشرط أن يرد عليه الخبز ففيه وجهان: أحدهما يجوز لأن مبناه على الرفق فلو منعناه من رد الخبز شق وضاق والثاني لا يجوز لأنه إذا شرط صار بيع خبز بخبز وذلك لا يجوز.
فصل: إذا أقرضه دراهم بمصر ثم لقيم بمكة فطالبه بها لزمه دفعها إليه فإن طالبه المستقرض بأن يأخذها وجب عليه أخذها لأنه لا ضرر عليه في أخذها فوجب أخذها فإن أقرضه طعاماً بمصر فلقيه بمكة فطالبه به لم يجبر على دفعه إليه لأن الطعام بمكة أغلى فإن طالبه المستقرض بالأخذ لم يجبر على أخذه لأن عليه مؤنة في حمله فإن تراضيا جاز لأن المنع لحقهما وقد رضيا جميعاً فإن طالبه بقيمة الطعام بمكة أجبر على دفعها لأنه بمكة كالمعدوم وماله مثل إذا عدم وجبت قيمته ويجب قيمته بمصر لأنه يستحقه بمصر فإن أراد أن يأخذ عن بدل القرض عوضاً جاز لأن ملكه عليه مستقر فجاز أخذ العوض عنه كالأعيان المستقرة وحكمه في اعتبار القبض في المجلس حكم ما يأخذه بدلاً عن رأس مال السلم بعد الفسخ وقد بيناه والله أعلم.