المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازيصفحات 265-301
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السير

صفحات 265-301
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشيرازي، أبو إسحاق
الكتاب
المهذب في فقة الإمام الشافعي
المؤلف
أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

مدخل

... كتاب السير من أسلم في دار الحرب ولم يقدر على إظهار دينه وقدر على الهجرة وجبت عليه الهجرة لقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 97] روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك".
فإن لم يقدر على الهجرة لم يجب عليه لقوله عز وجل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: 98- 99] وإن قدر على إظهار الدين ولم يخف الفتنة في الدين لم تجب عليه الهجرة لأنه لما أوجب على المستضعفين دل على أنه لا تجب على غيرهم ويستحب له أن يهاجر لقوله عز وجل: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51] ولأنه إذا أقام في دار الشرك كثر سوادهم ولأنه لا يؤمن أن يميل إليهم ولأنه ربما ملك الدار فاسترق ولده.
فصل: والجهاد فرض والدليل عليه قوله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] وقوله تعالى: ﴿جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 41] وهو فرض إلى الكفاية إذا قام به من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين قوله عز وجل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ الله الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] ولو كان فرضاً على الجميع لما فاضل بين من فعل وبين من ترك ولأنه وعد الجميع بالحسنى يدل على أنه ليس بفرض على الجميع وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان وقال: "ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال

للقاعدين: " أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل أجر نصف الخارج".
ولأنه لو جعل فرضاً على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش فيؤدي ذلك إلى خراب الأرض وهلاك الخلق.
فصل: ويستحب الإكثار منه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيل الله".
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا سعيد من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وجبت له الجنة" فقال: أعدها يا رسول الله ففعل ثم قال: "وأخرى يرفع الله بها للعبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" قلت: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله " وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده وددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل" 1 كان أبو هريرة يقول ثلاثاً أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها ثلاثا وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعا وعشرين غزوة وبعث خمسا وثلاثين سرية.
فصل: وأقل مل يجزئ في كل سنة مرة لأن الجزية تجب في كل سنة مرة وهي بدل عن القتل فكذلك القتل ولأن في تعطيله في أكثر من سنة ما يطمع العدو في المسلمين فإن دعت الحاجة في السنة إلى أكثر من مرة وجب لأنه فرض على الكفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه فإن دعت الحاجة الى تأخيره لضعف المسلمين أو قلة ما يحتاج إليه من قتالهم من المدة وللطمع في إسلامهم ونحو ذلك من الأعذار جاز تأخيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر قتال قريش بالهدنة وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة ولأن ما يجري من النفع بتأخيره أكثر مما يجرى من النفع بتقديمه فوجب تأخيره.
فصل: ولا يجاهد أحد عن أحد بعوض وبغير عوض لأنه إذا حضر تعين عليه الفرض في حق نفسه فلا يؤديه عن غيره كما لا يحج عن غيره وعليه فرضه.

فصل: ولا يجب الجهاد على المرأة لما روت عائشة رضي الله عنه قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال: "جهادكن الحج أو حسبكن الحج".
ولأن الجهاد هو القتال وهن لا يقاتلن ولهذا رأى عمر بن أبي ربيعة امرأة مقتولة فقال: إن من أكبر الكبائر عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول ولا يجب على الخنثى المشكل لأنه يجوز أن بكون امرأة فلا يجب عليه بالشك ولا يجب على العبد لقوله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] والعبد لا يجد ما ينفق وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أسلم عنده رجل لا يعرفه قال: "أحر هو أم مملوك" فإن قال: أنا حر بايعه على الإسلام والجهاد وإن قال: أنا مملوك بايعه على الإسلام ولم يبايعه على الجهاد ولأنه عبادة متعلقة بقطع مسافة بعيدة فلا يجب على العبد كالحج.
فصل: ولا يجب على الصبي والمجنون لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق".
وروى عروة بن الزبير قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر نفراً من أصحابه استصغرهم منهم عبد الله بن عمر وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة وأسامة بن زيد والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وعرابة بن أوس ورجل من بني حارثة فجعلهم حرسا للذراري والنساء ولأنه عبادة على البدن فلا يجب على الصبي والمجنون كالصوم والصلاة والحج.
فصل: ولا يجب على الأعمى لقوله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى

الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} [النور: 61] ولا يختلف أهل التفسير أنها في سورة الفتح أنزلت في الجهاد ولأنه لا يصلح للقتال فلم يجب عليه وإن كان في بصره شيء فإن كان يدرك الشخص وما يتقيه من السلاح وجب عليه لأنه يقدر على القتال وإن لم يدرك ذلك لم يجب عليه لأنه لا يقدر على القتال ويجب على الأعور والأعشى وهو الذي يبصر بالنهار دون الليل لأنه كالبصير في القتال ولا يجب على الأعرج الذي يعجز عن الركوب والمشي للآية ولأنه لا يقدر على القتال ويجب عليه إذا قدر على الركوب والمشي لأنه يقدر على القتال ولا يجب على الأقطع والأشل لأنه يحتاج في القتال إلى يد يضرب بها ويد يتقي بها وإن قطع أكثر أصابعه لم يجب عليه لأنه لا يقدر على القتال وإن قطع الأقل وجب عليه لأنه يقدر على القتال ولا يجب على المريض الثقيل للآية ولأنه لا يقدر على القتال ويجب على من به حمى خفيفة أو صداع قليل لأنه يقدر على الفتال.
فصل: ولا يجب على الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه فاضلاً عن نفقة عياله لقوله عز وجل: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] فإن كان القتل على باب البلد أو حواليه وجب عليه لأنه لا يحتاج إلى نفقة الطريق وإن كان على مسافة تقصر فيها الصلاة ولم يقدر على مركوب يحمله لم يجب عليه قوله عز وجل: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فلم تجب من غير مركوب كالحج وإن بذل له الإمام ما يحتاج اليه من مركوب وجب عليه أن يقبل ويجاهد لأن ما يعطيه الإمام حق له وإن بذل له غيره لم يلزمه قبوله لأنه اكتساب مال لتجب به العبادة فلم يجب كاكتساب المال للحج والزكاة.
فصل: ولا يجب على من عليه دين حال من أن يجاهد من غير إذن غريمه لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله كفر الله خطاياي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر كفر خطاياك إلا الدين كذلك قال لي جبريل" 1 ولأن فرض الدين متعين عليه فلا يجوز تركه لفرض على الكفاية يقوم عنه غيره مقامه فإن استناب من يقضيه من مال

حاضر جاز لأن الغريم يصل إلى حقه وإن كان من مال غائب لم يجز لأنه قد يتلف فيضيع حق الغريم وإن كان الدين مؤجلاً ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يجاهد من غير إذن الغريم كما يجوز أن يسافر لغير الجهاد والثاني: أنه لا يجوز لأنه يتعرض للقتل طلباً للشهادة فلا يؤمن أن يقتل فيضيع دينه. فصل: وإن كان أحد أبويه مسلماً لم يجز أن يجاهد بغير إذنه لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك" قال: نعم فقال: "ففيهما فجاهد"1.
وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لميقاتها" قلت ثم ماذا؟ فقال: "بر الوالدين" قلت: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" 2. فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد ولأن الجهاد فرض على الكفاية ينوب عنه فيه غيره وبر الوالدين فرض يتعين عليه لأنه لا ينوب عنه فيه غيره ولهذا قال رجل لابن عباس رضي الله عنه إني نذرت أن أغزو الروم وإن أبوي منعاني فقال: أطع أبويك فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك وإن لم يكن له أبوان وله جد أو جدة لم يجز أن يجاهد من غير إذنهما لأنهما كالأبوين في البر وإن كان له أب وجد أو أم وجدة فهل يلزمه استئذان الأب مع الحد أو استئذان الجدة مع الأم فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأن الأب والأم يحجبان الجد والجدة عن الولاية والحضانة والثاني: يلزمه وهو الصحيح عندي لأن وجود الأبوين لا يسقط بر الجدين ولا ينقص شفقتهما عليه وإن كان الأبوان كافرين جاز أن يجاهد من غير إذنهما لأنهما متهمان في الدين وإن كانا مملوكين فقد قال بعض أصحابنا أنه يجاهد من غير إذنهما لأنه لا إذن لهما في أنفسهما فلم يعتبر إذنهما لغيرهما قال الشيخ الإمام: وعندي أنه لا يجوز أن يجاهد إلا بإذنهما لأن المملوك كالحر في البر والشفقة فكان كالحر في اعتبار الإذن وان أراد الولد أن يسافر في تجارة أوفي طلب علم جاز من غير إذن الأبوين لأن الغالب في سفره السلامة.
فصل: وإن أذن الغريم لغريمه أو الوالد لولده ثم رجعا أو كانا كافرين فأسلما فإن كان ذلك قبل التقاء الزحفين لم يجز الخروج إلا بالإذن وان كان بعد التقاء الزحفين ففيه

قولان: أحدهما: أنه لا يجوز أن يجاهد إلا بالإذن لأنه عذر يمنع وجوب الجهاد فإذا طرأ منع من الوجوب كالعمى والمرض والثاني: أنه يجاهد من غير إذن لأنه اجتمع حقان متعينان وتعين الجهاد سابق فقدم وإن أحاط العدو بهم تعين فرض الجهاد وجاز من غير إذن الغريم ومن غير إذن الأبوين لأن ترك الجهاد في هذه الحالة يؤدي إلى الهلاك فقدم على حق الغريم والأبوين.
فصل: ويكره الغزو من غير إذن الإمام أو الأمير من قبله لأن الغز وعلى حسب حال الحاجة والإمام والأمير أعرف بذلك ولا يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس والتغرير بالنفس يجوز في الجهاد.
فصل: ويجب على الإمام أن يشحن ما يلي الكفار من بلاد المسلمين بجيوش يكفون من يليهم ويستعمل عليهم أمراء ثقات من أهل الإسلام مدبرين لأنه إذا لم يفعل ذلك لم يؤمن أنه إذا توجه في جهة الغز وأن يدخل العدو من جهة أخرى فيملك بلاد الإسلام وإن احتاج إلى بناء حصن أو حفر خندق فعل لأن النبي صلى الله عليه وسلم حفر الخندق وقال البراء بن عازب: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعره وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة وهو يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

وإذا أراد الغز وبدأ بالأهم فالأهم لقوله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] فاذا استوت الجهاد في الخوف اجتهد وبدأ بأهمها عنده.
فصل: وإذا أراد الخروج عرض الجيش ولا يأذن لمخذل ولا لمن يعاون الكفار بالمكاتبة لقوله عز وجل: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47] قيل في التفسير لأوقعوا بينكم الاختلاف وقيل وشرعوا في تفريق جمعكم ولأن في حضورهم إضرارا بالمسلمين ولا نستعين بالكفار من غير حاجة الله لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فقال له: "تؤمن بالله ورسوله قال: لا قال: فارجع فلن أستعين بمشرك" 1. فان احتاج أن يستعين بهم فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي في المسلمين لم نستعن به لأن ما يخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة وإن كان حسن الرأي في المسلمين جاز أن نستعين بهم لأن صفوان بن أمية شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شركه حرب هوازن وسمع رجلا يقول غلبت هوازن وقتل محمد فقال بفيك الحجر لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن وإن احتاج إلى أن يستأجرهم جاز لأنه لا يقع الجهاد له وفي القدر الذي يستأجر به وجهان: أحدهما: لا يجوز له أن تبلغ الأجرة سهم راجل لأنه ليس من أهل فرض الجهاد فلا يبلغ حقه سهم راجل كالصبي والمرأة والثاني: وهو المذهب أنه يجوز لأنه عوض في الإجارة فجاز أن يبلغ قدر سهم الراجل كالأجرة في سائر الإجارات ويجوز أن يأذن للنساء لما روت الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخدم القوم ونسقيهم الماء ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة ويجوز أن يأذن لمن اشتد

من الصبيان لأن فيهم معاونة ولا يأذن المجنون لأنه يعرضه للهلاك من غير منفعة وينبغي أن يتعاهد الخيل فلا يدخل حطبا وهو الكسير ولا فحماً وهو الكبير ولا ضرعاً وهو الصغير ولا أعجف وهو الهزيل لأنه ربما كان سببا للهزيمة ولأنه يزاحم به الغانمين في سهمهم ويأخذ البيعة على الجيش أن لا يفروا لما روى جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألف رجل وأربعمائة فبايعناه تحت الشجرة على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت يعني النبي صلى الله عليه وسلم ويوجه الطلائع ومن يتجسس أخبار الكفار لما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: "من يأتينا بخبر القوم"؟ فقال الزبير: أنا فقال: "إن لكل نبي حوارياً وحواريي الزبير" 1. والمستحب أن يخرج يوم الخميس لما روى كعب بن مالك قال قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إلا يوم الخميس ويستحب أن يعقد الرايات ويجعل تحت كل راية طائفة لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أبا سفيان أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عباس أحبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها" قال العباس: فحبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرت به القبائل على راياتها حتى مر به

رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتيبة الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال: "من هؤلاء يا عباس" قال: قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار فقال: "ما لأحد بهؤلاء من قبل والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما" والمستحب أن يدخل إلى دار الحرب بتعية الحرب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فجعل خالد بن الوليد على إحدى المجنبتين وجعل الزبير على الأخرى وجعل أبا عبيدة على الساقة وبطن الوادي ولأن ذلك أحوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو.
فصل: وإن كان العدو ممن لم تبلغهم لدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم الى الإسلام لأنه لا يلزمهم الإسلام قبل العلم والدليل عليه قوله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15] ولا يجوز قتالهم على ما يلزمهم وإن بلغتهم الدعوة فالأحب أن يعرض عليهم الإسلام لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله لعلي كرم الله وجهه يوم خيبر: "إذا نزلت بساحتهم فادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فو الله لأن يهدي لله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" 1. وإن قاتلهم من غير أن يعرض عليهم الإسلام جاز لما روى نافع قال: أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وقيل وهم غافلون.

فصل: فان كانوا ممن لا يجوز إقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 1 وإن كانوا ممن يجوز إقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وروى بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على جيش أو سرية قال: إذا لقيت عدواً من المشركين فادعهم الى إحدى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم وادعهم الى الدخول في الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم الى دار الهجرة فان فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن دخلوا في الإسلام وأبوا أن يتحولوا الى دار الهجرة فأخبرهم أنهم كأعراب المؤمنين الذين يجري عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء حتى يجاهدوا مع المؤمنين فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم وإن أبوا فادعهم الى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم وإن أبوا فاستعن بالله عليهم ثم قاتلهم ويستحب الاستنصار بالضعفاء لما روى أبو الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ائتوني بضعفائكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم" 2. ويستحب أن يدعوا عند التقاء الصفين لما روى أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي وأنت ناصري وبك أقاتل".
وروى أبو موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف أمراً قال: "اللهم إني أجعلك في نحورهم وأعوذ بك من

شرورهم".
ويستحب أن يحرض الجيش على القتال لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر الأنصار هذه أوباش قريش قد جمعت لكم إذا لقيتموهم غداً فاحصدوهم حصدا".
وروى سعد رضي الله عنه قال: نقل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال: "ارم فداك أبي وأمي".
ويستحب أن يكبر عند لقاء العدو لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فلما رأى القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر فإذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
قالها ثلاثا ولا يرفع الصوت بالتكبير لما روى أبو موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فأشرفوا على واد فجعل الناس يكبرون ويهللون الله أكبر الله أكبر يرفعون أصواتهم فقال: "يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون قريباً سميعاً إنه معكم".
فصل: وإذا التقى الزحفان ولم يزدد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين ولم يخافوا الهلاك تعين عليهم فرض الجهاد لقوله عز وجل: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] وهذا أمر بلفظ الخبر لأنه لوكان خبراً لم يقع الخبر بخلاف المخبر فدل على أنه أمر المائة بمصابرة المائتين وأمر الألف بمصابرة الألفين ولا يجوز لمن تعين عليه أن يولي إلا متحرفا لقتال وهو أن ينتقل من مكان الى مكان أمكن للقتال أو متحيزا إلى فئة وهو أن ينضم الى قوم ليعود معهم الى قتال والدليل عليه قوله عز وجل: {يَا

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ َمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله} [الأنفال: 15 - 16] وسواء كانت الفئة قريبة أو بعيدة والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة عظيمة وكنت ممن حاص فلما برزنا قلت كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بغضب ربنا فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا وقلنا نحن الفرارون فقال: "لا بل أنتم العكارون" فدنونا فقبلنا يده فقال إنا فئة المسلمين وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أنا فئة كل مسلم وهو بالمدينة وجيوشه في الآفاق إن ولى غير متحرف لقتال أو متحيزا إلى فئة أثم وارتكب كبيرة والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكبائر سبع أولهن الشرك بالله وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا وفرار يوم الزحف ورمي المحصنات وانقلاب الى الأعراب" 1. فإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا لمثليهم هلكوا ففيه وجهان: أحدهما: أن لهم أن يولوا لقوله عز وجل: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] والثاني: أنه ليس لهم أن يولوا وهو الصحيح لقوله عز وجل: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] ولأن المجاهد إنما يقاتل ليقتل أو يقتل وإن زاد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين فلهم أن يولوا لأنه لما أوجب الله عز وجل على المائة مصابرة المائتين دل على أنه لا يجب عليهم مصابرة ما زاد على المائتين وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر وإن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون فالأفضل أن يثبتوا حتى لا ينكسر المسلمون وان غلب على ظنهم أنهم يهلكون ففيه وجهان أحدهما: أنه يلزمهم أن

ينصرفوا لقوله عز وجل: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ والثاني: أنه يستحب أن ينصرفوا ولا يلزمهم لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة وإن لقي رجل من المسلمين رجلين من المشركين في غير الحرب فإن طلباه ولم يطلبهما فله أن يولي عنهما لأنه غير نتأهب للقتال وإن طلبهما ولم يطلباه ففيه وجهان أحدهما: أن له أن يولي عنهما لأن فرض الجهاد في الجماعة دون الانفراد والثاني: أنه يحرم عليه أن يولي عنهما لأنه مجاهد لهما فلم يول عنهما كمل لو كان مع جماعة.
فصل: ويكره أن يقصد قتل ذي رحم محرم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أبا بكر رضي الله عنه من قتل ابنه فإن قتله لم يكره أن يقصد قتله كما لا يكره إذا قصد قتله وهو مسلم وإن سمعه يذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم بسوء لم يكره أن يقتله لأن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قتل أباه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعته يسبك ولم ينكر عليه.
فصل: ولا يجوز قتل نسائهم ولا صبيانهم إذا لم يقاتلوا لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان ولا يجوز قتل الخنثى المشكل لأنه يجوز أن يكون رجلا ويجوز أن يكون امرأة فلم يقتل مع الشك وان قاتلوا جاز قتلهم لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: "من قتل هذه؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت الى سيفي أو إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال النساء".
ما شأن قتل النساء ولو حرم ذلك لأنكره النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه إذا جاز قتلهن إذا قصدن القتل وهن مسلمات فلأن يجوز قتلهن وهن كافرات أولى.
فصل: وأما الشيخ الذي لا قتال فيه فإن كان له رأي في الحرب جاز قتله لأن دريد بن الصمة كان شيخا كبيرا وكان له رأي فإنه أشار على هوازن يوم حنين ألا يخرجوا معهم بالذراري فخالفه مالك بن عوف فخرج بهم فهزموا فقال دريد في ذلك: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وقتل ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قتله ولأن الرأي في الحرب أبلغ من القتال لأنه هو الأصل وعنه يصدر القتال ولهذا قال المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان

ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الفرسان وإن لم يكن له رأي ففيه وفي الراهب قولان: أحدهما: أنه يقتل لقوله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ولأنه ذكر مكلف حربي فجاز قتله بالكفر كالشاب والثاني: أنه لا يقتل لما روي أن أبا بكر رضي الله عنه قال ليزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة لما بعثهم الى الشام لا تقتلوا الولدان ولا النساء ولا الشيوخ وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم إلى الصوامع فدعوهم وما حبسوا له أنفسهم ولأنه لا نكاية له في المسلمين فلم يقتل بالكفر الأصلي كالمرأة.
فصل: ولا يقتل رسولهم لما روى أبو وائل قال: لما قتل عبد الله بن مسعود بن النواحة قال: إن هذا وابن أثال قد كانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين لمسيلمة فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشهدان أني رسول الله" قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت أعناقكم".
فجرت سنة أن لا تقتل الرسل.
فصل: فإن تترسوا بأطفالهم ونسائهم فإن كان في حال التحام الحرب جاز رميهم ويتوقى الأطفال والنساء لأنا لو تركنا رميهم جعل ذلك طريقاً إلى تعطيل الجهاد وذريعة إلى الظفر بالمسلمين وإن كان في غير حال الحرب ففيه قولان: أحدهما: أنه يجوز رميهم لأن ترك قتالهم يؤدي إلى تعطيل الجهاد والثاني: أنه لا يجوز رميهم لأنه يؤدي إلى قتل أطفالهم ونسائهم من غير ضرورة وإن تترسوا بمن معهم من أسارى المسلمين فإن كان ذلك في حال التحام الحرب جاز رميهم ويتوقى المسلم لما ذكرناه وإن كان في غير التحام الحرب لم يجوز رميهم قولا واحدا والفرق بينهم وبين أطفالهم ونسائهم أن المسلم محقون الدم لحرمة الدين فلم يجز قتله من غير ضرورة والأطفال والنساء حقن دمهم لأنهم غنيمة للمسلمين فجاز قتلهم من غير ضرورة وإن تترسوا بأهل الذمة أو بمن بيننا وبينهم أمان كان الحكم فيه كالحكم فيه إذا تترسوا بالمسلمين لأنه يحرم قتلهم كما يحرم قتل المسلمين.
فصل: وإن نصب عليهم منجنيقا أو بيتهم ليلا وفيهم النساء والأطفال جاز لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف وإن كانت لا تخلو من النساء والأطفال وروى الصعب بن جثامة قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من

المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ولأن الكفار لا يخلون من النساء والأطفال فلو تركنا رميهم لأجل النساء والأطفال بطل الجهاد وإن كان فيهم أسارى من المسلمين نظرت فإن خيف منهم أنهم إذا تركوا قاتلوا وظفروا بالمسلمين جاز رميهم لأن حفظ من معنا من المسلمين أولى من حفظ من معهم وإن لم يخف منهم نظرت فإن كان الأسرى قليلاً جاز رميهم لأن الظاهر أنه لا يصيبهم والأولى أن لا نرميهم لأنه ربما أصاب المسلمين وإن كانوا كثيراً لم يجز رميهم لأن الظاهر أنه يصيب المسلمين وذلك لا يجوز من غير ضرورة.
فصل: ويجوز قتل ما يقاتلون عليه من الدواب لما روي أن حنظلة بن الراهب عقر بأبي سفيان فرسه فسقط عنه فجلس على صدره فجاء ابن شعوب فقال: لأحمين صاحبي ونفسي ... بطعنة مثل شعاع الشمس فقتل حنظلة واستنقذ أبا سفيان ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم فعل حنظلة ولأن بقتل الفرس يتوصل إلى قتل الفارس.
فصل: وان احتيج إلى تخريب منازلهم وقطع أشجارهم ليظفروا بهم جاز ذلك وإن لم يحتج إليه نظرت فإن لم يغلب على الظن أنها تملك عليهم جاز فعله وتركه وإن غلب على الظن أنها تملك عليهم ففيه وجهان أحدهما: لا يجوز لأنها تصير غنيمة فلا يجوز إتلافها والثاني: أن الأولى أن لا يفعل فإن فعل جاز لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق على بني النضير وقطع البويرة فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . فصل: ويجوز للمسلم أن يأمن من الكفار آحاداً لا يتعطل بأمانهم الجهاد في ناحية كالواحد والعشرة والمائة وأهل القلعة لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ما عندي شيء إلا كتاب الله عز وجل وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذمة المسلمين واحدة فمن

أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ويجوز للمرأة من ذلك ما يجوز للرجل لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن أم هانئ رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله يزعم ابن أمي أنه قاتل من أجرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرت من أجرت يا أم هانئ".
ويجوز ذلك للعبد لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجير على المسلمين أدناهم" 1. وروى فضل بن يزيد الرقاشي قال: جهز عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشاً كنت فيه فحصرنا قرية من قرى رام هرمز فكتب عبد منا أمانا في صحيفة وشدها مع سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا بأمانة فكتب بذلك الى عمر رضي الله عنه فقال العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته منهم ولا يصح ذلك من صبي ولا مجنون ولا مكره لأنه عقد فلم يصح منهم كسائر العقود فإن دخل مشرك على أمان واحد منهم فإن عرف أن أمانه لا يصح حل قتله لأنه حربي ولا أمان له وإن لم يعرف أن أمانه لا يصح فلا يحل قتله إلى أن يرجع الى مأمنه لأنه دخل على أمان ويصح الأمان بالقول وهو أن يقول أمنتك أو أجرتك أو أنت آمن أو مجار أولا بأس عليك أولا خوف عليك أولا تخف أو مترس بالفارسية وما أشبه ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وقال لأم هانئ: "قد أجرت من أجرت" وقال أنس لعمر رضي الله عنه في قصة هرمز أن ليس لك إلا قتله من سبيل قلت له تكلم لا بأس عليك فأمسك عمر وروى زر عن عبد الله أنه قال: إن الله يعلم كل لسان فمن أتى منكم أعجميا وقال مترس فقد أمنه ويصح الأمان بالإشارة لما روى أبو سلمة قال: قال عمر رضي الله عنه: والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله لقتلته فإن أشار إليه الأمان ثم قال لم أرد الأمان قبل قوله لأنه أعرف بمل أراده وبعرف المشرك أنه لا أمان له ولا يتعرض له إلى أن يرجع الى مأمنه لأنه دخل على أنه آمن وإن أمن مشركاً فرد الأمان لم يصح الأمان لأنه إيجاب حق لغيره بعقد فلم يصح مع الرد كالإيجاب في البيع والهبة وإن أمن أسيراً لم يصح الأمان لأنه يبطل ما ثبت الإمام فيه من الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن قال كنت أمنته قبل الأسر لم يقبل قوله لأنه لا يملك عقد الأمان في هذه الحال فلم يقبل إقراره به.
فصل: وإن أسر امرأة حرة أو صبياً حراً رق بالأسر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم سبي بني

المصطلق واصطفى صفية من سبي خيبر وقسم سبي هوازن ثم استنزلته هوازن فنزل واستنزا الناس فنزلوا وإن أسر حر بالغ من أهل القتال فللإمام أن يختار ما يرى من القتل أو الاسترقاق والمن والفداء فإن رأى القتل قتل لقوله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر ثلاثة من المشركين من قريش مطعم بن عدي والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحي وقتل يوم الفتح ابن خطل وإن رأى المن عليه جاز لقوله عز وجل: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم من على أبي عزة الجمحي ومن على ثمامة الحنفي ومن على أبي العاص ابن الربيع وإن رأى أن يفادي بمال أو بمن أسرى من المسلمين فادى به لقوله عز وجل: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى أسيراً من عقيل برجلين من أصحابه أسرتهما ثقيف وإن رأى أن يسترقه فإن كان من غير العرب نظرت فإن كان ممن له كتاب أوشبه كتاب استرقه لما روي عن ابن عباس أنه قال في قوله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ وذلك يوم بدر والمسلمين يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أمر الله عز وجل في الأسارى فإما منا بعد وإما فداء فجعل الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا استعبدوهم وإن شاءوا فادوهم فإن كان من عبدة الأوثان ففيه وجهان أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه لا يجوز استرقاقهم لأنه لا يجوز إقراره على الكفر بالجزية فلم يجز الاسترقاق كالمرتد والثاني: أنه يجوز لما رويناه عن ابن عباس ولأن من جاز المن عليه في الأسر جاز استرقاقه كأهل الكتاب وإن كان من العرب ففيه قولان قال في الجديد يجوز استرقاقه والمفاداة به وهو الصحيح لأن من جاز المن عليه والمفاداة به من الأسارى جاز استرقاقه كغير الغرب وقال في القديم لا يجوز استرقاقه لما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين لو كان استرقاق ثابتاً على العرب لكان اليوم وإنما هو أسر وفداء فإن تزوج عربي بأمة فأتت منه بولد فعلى القول الجديد الولد مملوك وعلى القديم الولد حر ولا ولاء عليه لأنه حر من الأصل.
فصل: ولا يختار الإمام في الأسير من القتل والاسترقاق والمن والفداء إلا ما فيه

الحظ للإسلام والمسلمين لأنه ينظر لهما فلا يفعل إلا ما فيه الحظ لهما فان بذل الأسير الجزية وطلب أن تعقد له الذمة وهو ممن يجوز أن تعقد له الذمة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب قبولها كما يجب إذا بذل وهو في غير الأسر وهو ممن يجوز أن تعقد لمثله الذمة والثاني: أنه لا يجب لأنه يسقط بذلك ما ثبت من اختيار القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن قتله مسلم قبل أن يختار الإمام ما يراه عزر القاتل لا فتياته على الإمام ولا ضمان عليه لأنه حربي لا أمان له وإن أسلم حقن دمه لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالكم إلا بحقها".
وهل يرق الإسلام أو يبقى الخيار فيه بين الاسترقاق والمن والفداء فيه قولان: أحدهما: أنه يرق بنفس الإسلام ويسقط الخيار في الباقي لأنه أسير لا يقتل فرق الصبي والمرأة والثاني: أنه لا يرق بل يبق الخيار في الباقي لما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن الأسير العقيلي قال: يا محمد إني مسلم ثم فاداه برجلين ولأن ما ثبت الخيار فيه بين أشياء إذا سقط أحدهما: لم يسقط الخيار في الباقي ككفارة اليمين إذا عجز فيها عن العتق فعلى هذا اذا اختار الفداء لم يجز أن يفادى به إلا أن يكون له عشيرة يأمن معهم على دينه ونفسه وإن أسر شيخ لا قتال فيه ولا رأي له في الحرب فإن قلنا أنه يجوز قتله فهو كغيره في الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن قلنا لا يجوز قتله فهو كغيره إذا أسلم في الأسر وقد بيناه.
فصل: وإن رأى الإمام القتل ضرب عنقه لقوله عز وجل: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ولا يمثل به لما روى بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية قال: "اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تغلوا".
ويكره حمل رأس من قتل من الكفار الى بلاد المسلمين لما روى عقبة بن عامر أن شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص بعثا بريداً إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه برأس بناق البطريق فقال أتحملون الجيف الى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون بنا هكذا قال لا تحملوا منهم إلينا شيئا وإن اختار استرقاقه كان للغانمين وإن فاداه بمال كان للغانمين وإن أراد أن يسقط منهم شيئاً من المال لم يجز الا برضا الغانمين لما روى عروة بن الزبير أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وفد هوازن مسلمين فقال: "إن أخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل" فقال: الناس قد طيبنا لك يا رسول الله قال الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ستة آلاف سبي من سبي هوازن من النساء والصبيان والرجال إلى هوازن حين أسلموا وإن أسر عبد فرأى الإمام أن يمن عليه لم يجز إلا برضا الغانمين وإن رأى قتله لشره وقوته قتله وضمن قيمته للغانمين لأنه مال لهم.
فصل: وإن دعا مشرك الى المبارزة فالمستحب أن يبرز إليه مسلم لما روي أن عتبة وشيبة ابني ريبعة والوليد بن عتبة دعوا الى المبارزة فبرز إليهم حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث ولأنه إذا لم يبرز إليه أحد ضعفت قلوب المسلمين وقويت قلوب المشركين فإن بدأ المسلم ودعا إلى المبارزة لم يكره وقال أبوعلي بن أبي هريرة يكره لأنه ربما قتل وانكسرت قلوب المسلمين والصحيح أنه لا يكره لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المبارزة بين الصفين فقال: "لا بأس".
ويستحب أن لا يبارز الأقوى في الحرب لأنه إذا بارز ضعيف لم يأمن أن يقتل فيضعف قلوب المسلمين وإن بارز ضعيف جاز ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأن القصد من المبارزة إظهار القوة وذلك لا يحصل من مبارزة الضعيف والصحيح هو الأول لأن التغرير بالنفس يجوز في الجهاد ولهذا يجوز للضعيف أن يجاهد كما يجوز للقوي والمستحب أن لا يبارز إلا بإذن الأمير ليكون ردءاً له إذا احتاج فإن بارز بغير إذنه جاز ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه لا يؤمن أن يتم عليه ما ينكسر به الجيش والصحيح أنه يجوز لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز وإن بارز مشرك مسلماً نظرت فإن بارز من غير شرط جاز لكل أحد أن يرميه لأنه حربي لا أمان له وإن شرط أن لا يقابله غير من برز إليه لم يجز رميهم وفاء بشرطه فإن ولى عنه مختاراً أو مثخناً أو ولى عنه المسلم مختاراً أو مثخناً جاز لكل أحد رميه لأنه شرط الأمان في حال القتال وقد انقضى

القتال فزال الأمان وإن استنجد المشرك أصحابه في حال القتال فانجدوه أو بدأ المشركون بمعاونته فلم يمنعهم جاز لكل أحد رميه لأنه نقض الأمان وإن أعانوه فمنعهم فلم يقبلوا منه فهو على أمانه لأنه لم ينقض الأمان ولا انقضى القتال وإن لم يشترط ولكن العادة في المبارزة أن لا يقاتله غير من يبرز إليه فقد قال بعض أصحابنا أنه يستحب أن لا يرميه غيره وعندي أنه لا يجوز لغيره رميه وهو ظاهر النص لأن العادة كالشرط فإن شرط أن لا يقاتله غيره ولا يتعرض له إذا انقضى القتال حتى يرجع الى موضعه وفى له بالشرط فان ولى عنه المسلم فتبعه ليقتله جاز لكل أحد أن يرميه لأنه نقض الشرط فسقط أمانه.
فصل: وإن غرر بنفسه من له سهم في قتل كافر مقبل على الحرب فقتله استحق سلبه لما روى أبو قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فرأيت رجلاً من المشركين علا رجلاً من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقصصت عليه فقال رجل صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندي فأرضه فقال أبو بكر رضي الله عنه لاها الله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن دين الله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق فأعطه إياه".
فأعطاني إياه فبعث الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام فإن كان ممن لا حق له في الغنيمة كالمخذل والكافر إذا حضر من غير إذن لم يستحق لأنه لا حق له في السهم الراتب فلأن لا يستحق السلب وهو غير راتب أولى فإن

كان ممن يرضخ له كالصبي والمرأة والكافر إذا حضر بالإذن ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يستحق لما ذكرناه والثاني: أنه يستحق لأن له حقاً في الغنيمة فأشبه من له سهم وإن لم يغرر بنفسه في قتله بأن رماه من وراء الصف فقتله لم يستحق سلبه وإن قتله وهو غير مقبل على الحرب كالأسير والمثخن والمنهزم لم يستحق سلبه وقال أبو ثور: كل مسلم قتل مشركاً استحق سلبه لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل كافرا فله سلبه" 1. ولم يفصل وهذا لا يصح لأن ابن مسعود رضي الله عنه قتل أبا جهل وكان قد أثخنه غلامان من الأنصار فلم يدفع النبي صلى الله عليه وسلم سلبه إلى ابن مسعود وإن قتله وهو مول ليكر استحق السلب لأن الحرب كر وفر وإن اشترك اثنان في القتل اشتركا في السلب لاشتراكهما في القتل وإن قطع أحدهما: يديه أو رجليه وقتله الآخر ففيه قولان: أحدهما: أن السلب للأول لأنه عطله والثاني: أن السلب للثاني لأنه هو الذي كف شره دون الأول لأن بعد قطع اليدين يمكنه أن يعدو أو يجلب وبعد قطع الرجلين يمكنه أن يقاتل إذا ركب وإن غرر من له سهم فأسر رجلاً مقبلاً على الحرب وسلمه الى الإمام حياً ففيه قولان: أحدهما: لا يستحق سلبه لأنه لم يكف شره بالقتل والثاني: أنه يستحق لأن تغريره بنفسه في أسره ومنعه من القتال أبلغ من القتل وإن من عليه الإمام أو قتله استحق الذي أسره سلبه وإن استرقه أو فاداه بمال بمال ففي رقبته وفي المال المفادي به قولان: أحدهما: أنه للذي أسره والثاني: أنه لا يكون له لأنه مال حصل بسبب تغريره فكان فيه قولان كالسلب.
فصل: والسلب ما كان يده عليه من جنة الحرب كالثياب التي يقاتل فيها والسلاح الذي يقاتل فيه والمركوب الذي يقاتل عليه فأما ما لا بد له عليه كخيمته وما في رجله من السلاح والكراع فلا يستحب سلبه لأنه ليس من السلب وأما ما في يده مما لا يقاتل به كالطوق والمنطقة والسوار والخاتم وما في وسطه من النفقة ففيه قولان: أحدهما: أنه ليس من السلب لأنه ليس من جنة الحرب والثاني: أنه من السلب لأن يده عليه فهو كجنة الحرب ولا يخمس السلب لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب.

فصل: وإن حاصر قلعة ونزل أهلها على حكم حاكم جاز لأن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة" 1. ويجب أن يكون الحاكم حراً مسلماً ذكراً بالغاً عاقلاً عدلاً عالماً لأنه ولاية حكم فشرط فيها هذه الصفات كولاية القضاء ويجوز أن يكون أعمى لأن الذي يقتضي الحكم هو الذي يشتهر من حالهم والذي يدرك بالسماع فصح من الأعمى كالشهادة فيما طريقه الاستفاضة ويكره أن يكون الحاكم حسن الرأي فيهم لميله إليهم ويجوز حكمه لأنه عدل في الدين وإن نزلوا على حكم حاكم يختاره الإمام جاز لأنه لا يختار الإمام إلا من يجوز حكمه وإن نزلوا على حكم من يختارونه لم يجز إلا أن يشترط أن يكون الحاكم على الصفات التي ذكرناها وإن نزلوا على حكم اثنين جاز لأنه تحكيم في مصلحة طريقها الرأي فجاز أن يجعل إلى اثنين كالتحكيم في اختيار الإمام وإن نزلوا على حكم مثلاً يجوز أن يكون حاكماً أو على حكم من يجوز أن يكون حاكماً فمات أو على حكم اثنين فماتا أو مات أحدهما: وجب ردهم إلى القلعة لأنهم نزلوا على أمان فلا يجوز أخذهم إلا برضاهم ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه مصلحة المسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن حكم بعقد الذمة وأخذ الجزية ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز إلا برضاهم لأنه عقد معاوضة فلا يجوز من غير رضاهم والثاني: يجوز لأنهم نزلوا على حكمه وإن حكم أن من أسلم منهم استرق ومن أقام على الكفر قتل جاز وإن حكم بذلك ثم أراد أن يسترق من حكم بقتله لم يجز لأنه لم ينزل على هذا الشرط وإن حكم عليهم بالقتل ثم رأى هو أو الإمام أن يمن عليهم جاز لأن سعد بن معاذ رضي الله عنه حكم بقتل رجال بني قريظة فسأل ثابت الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب له الزبير بن باطا اليهودي ففعل فإن حكم باسترقاقهم لم يجز أن يمن عليهم إلا برضا الغانمين لأنهم صاروا مالاً لهم.
فصل: ومن أسلم من الكفار قبل الأسر عصم دمه وماله لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
فإن كانت له منفعة بإجارة لم تملك عليه لأنها كالمال وإن كانت له زوجة جاز استرقاقها على المنصوص ومن أصحابنا من قال: لا يجوز كما

لا يجوز أن يملك ماله ومنفعته وهذا خطأ لأن منفعة البضع ليست بمال ولا تجري مجرى المال ولهذا لا يضمن بالغصب بخلاف المال والمنفعة وإن كان له ولد صغير لم يجز استرقاقه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة فأسلم ابنا شعية فأحرزا بإسلامهما أموالهما وأولادهما ولأنه مسلم فلم يجز استرقاقه كالأب وإن كان حمل من حربية لم يجز استرقاقه لأنه محكوم بإسلامه فلم يسترق كالولد وهل يجوز استرقاق الحامل فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه إذا لم يسترق الحمل لم يسترق الحامل ألا ترى أنه لما لم يجز بيع الحر لم يجز بيع الحامل به والثاني: أنه يجوز لأنها حربية لا أمان لها.
فصل: وإن أسلم رجل وله ولد صغير تبعه الولد في الإسلام لقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] وإن أسلمت امرأة ولها ولد صغير تبعها في الإسلام لأنها أحد لأبوين فتبعها الولد في الإسلام كالأب وإن أسلم أحدهما: والولد حمل تبعه في الإسلام لأنه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع المسلم منهما كالولد وإن أسلم أحد الأبوين دون الآخر تبع الولد المسلم منهما لأن الإسلام أعلى فكان إلحاقه بالمسلم منهما أولى وإن لم يسلم واحد منهما فالولد كافر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أن ينصرانه أو يمجسانه" 1. فإن بلغ وهو مجنون فأسلم أحد أبويه تبعه في الإسلام لأنه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع الأبوين في الإسلام كالطفل وإن بلغ عاقلاً ثم جن ثم أسلم أحد أبويه ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يتبعه لأنه زال حكم الإتباع ببلوغه عاقلاً فلا يعود إليه والثاني: أنه يتبعه وهو المذهب لأنه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع أبويه في الإسلام كالطفل.
فصل: وإن سبى المسلم صبياً فإن كان معه أحد أبويه كان كافراً لما ذكرناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وإن سبى وحده ففيه وجهان: أحدهما: إنه باق على حكم كفره ولا يتبع السابي في الإسلام وهو ظاهر المذهب لأن يد السابي يد ملك فلا توجب إسلامه كيد المشتري والثاني: أنه يتبعه لأنه لا يصح إسلامه بنفسه ولا معه من يتبعه في كفره فجعل تابعاً للسابي لأنه كالأب في حضانته وكفالته فتبعه في الإسلام.

فصل: وإن وصف الإسلام صبي عاقل من أولاد الكفار لم يصح إسلامه على ظاهر المذهب لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون - المغلوب على عقله - حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم".
ولأنه غير مكلف فلم يصح إسلامه بنفسه كالمجنون فعلى هذا يحال بينه وبين أهله من الكفار إلى أن يبلغ لأنه إذا ترك معهم خدعوه وزهدوه في الإسلام فإن بلغ ووصف الإسلام حكم بإسلامه وإن وصف الكفر هدد وضرب وطولب بالإسلام وإن أقام على الكفر رد إلى أهله من الكفار ومن أصحابنا من قال يصح إسلامه لأنه يصح صومه وصلاته فصح إسلامه كالبالغ.
فصل: وإن سبيت امرأة ومعها ولد صغير لم يجز التفريق بينهما وقد بيناه في البيع وإن سبى رجل ومعه ولد صغير ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز التفريق بينهما لأنه أحد الأبوين فلم يفرق بينه وبين الولد الصغير كالأم والثاني: أنه يجوز أن يفرق بينهما لأن الأب لا بد أن يفارقه في الحضانة لأنه لا يتولى حضانته بنفسه وإنما يتولاها غيره فلم يحرم التفريق بينهما بخلاق الأم فإنها لا تفارقه في الحضانة فإنه إذا فرق بينهما ولهت بمفارقته فحرم التفريق بينهما.
فصل: وإن سبى الزوجان أو أحدهما: انفسخ النكاح لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصبنا نساء يوم أو طاس فكرهوا أن يقعوا عليهن فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فاستحللناهن قال الشافعي رحمه الله: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو طاس وبني المصطلق وقسم الفيء وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها وإن كان الزوجان مملوكين فسبيا أو أحدهما فلا نص فيه والذي يقتضيه قياس المذهب أن لا ينفسخ النكاح لأنه لم يحدث بالسبي رق وإنما حدث انتقال الملك فلم ينفسخ النكاح كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع ومن أصحابنا من قال ينفسخ النكاح لأنه ينفسخ النكاح كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع ومن أصحابنا من قال ينفسخ النكاح لأنه حدث سبي يوجب الاسترقاق وإن صادف رقاً كما أن الزنى يوجب الحد وإن صادق حداً.
فصل: إذا دخل الجيش دار الحرب فأصابوا ما يؤكل من طعام أو فاكهة أو حلاوة واحتاجوا إليه جاز لهم أكله من غير ضمان لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا نصيب من المغازي العسل والفاكهة فنأكله ولا نرفعه وسئل ابن أبي أوفى عن طعام خيبر فقال كان الرجل يأخذ منه قدر حاجته ولأن الحاجة تدعوا إلى ما يؤكل ولا يوجد من يشتري منه مع قيام الحرب فجاز لهم الأكل وهل يجوز لهم الأكل من غير حاجة فيه

وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة فإنه لا يجوز كما لا يجوز في غير دار الحرب أكل مال الغير بغير إذنه من غير حاجة والثاني: أنه يجوز وهو ظاهر المذهب وهو قول أكثر أصحابنا لما روى عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: دلي جراب من شحم يوم خيبر فأتيته فالتزمته ثم قلت لا أعطي من هذا أحداً اليوم شيئاً فالتقت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلي ولو لم يجز أكل ما زاد على الحاجة لنهاه عن منع ما زاد على الحاجة ويخالف طعام الغير بأن ذلك لا يجوز أكله من غير ضرورة وهذا يجوز أكله من غير ضرورة قطعاً وطعام الغير يأكله بعوض وهذا يأكله بغير عوض فجاز أكله من غير حاجة ولا يجوز لأحد منهم أن يبيع شيئاً منه لأن حاجته إلى الأكل دون البيع وإن باع شيئاً منه نظرت فإن باعه من بعض الغانمين وسمله إليه صار المشتري أحق به لأنه من الغانمين وقد حصل في يده ما يجوز له أخذه للأكل فكان أحق به فإن رده إلى البائع صار البائع أحق به لما ذكرناه في المشتري وإن باعه من غير الغانمين وسلمه إليه وجب على المشتري رده إلى الغنيمة لأنه ابتاعه لمن لا يملك بيعه وليس هو من الغانمين فيمسكه لحقه فوجب رده إلى الغنيمة.
فصل: ويجوز أن يعلف منه المركوب وما يحمل عليه رحله من البهائم لأن حاجته إليه كحاجته ولا يدهن منه شعره ولا شعر البهائم لأنه لا حاجة به إليه ولا يعلف منه ما معه من الجوارح كالصقر والفهد لأنه لا حاجة به إليه وإن خرج إلى دار الإسلام ومعه بقية من الطعام ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه ردها في المغنم لأنه مال اختص به من الغنيمة فلا يجب رده فيها كالسلب والثاني: أنه يجب ردها لأنه إنما أجيز أخذه في دار الحرب للحاجة ولا حاجة إليه في دار الإسلام ومن قال إن كان كثيراً وجب رده قولاً واحداً وإن كان قليلاً فعلى القولين والصحيح هو الأول ولا يجوز تناول ما يصاب من الأدوية من غير حاجة وإن دعت الحاجة إليه جاز تناوله ويجب ضمانه لأنه ليس من الأطعمة التي يحتاج إليها في العادة ولا يجوز له لبس ما يصاب من الثياب لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه" 1. ولأنه لا يحتاج إليه في العادة فإن لبسها لزمته أجرته لأنه كالغاصب.

فصل: ويجوز ذبح ما يؤكل للأكل ومن أصحابنا من قال لا يجوز والمذهب الأول لأنه مما يؤكل في العادة فهو كسائر الطعام ولا يجوز أن يعمل من أهبها حذاء ولا سقاء ولا دلاء ولا فراء فإن اتخذ منه شيئاً من ذلك وجب رده في المغنم وإن زادت بالصنعة قيمته لم يكن له في الزيادة حق وإن نقص لزمه أرش ما نقص لأنه كالغاصب.
فصل ك وإن أصابوا كتباً فيها كفر لم يجز تركها على حالها لأن قراءتها والنظر فيها معصية وإن أصابوا كتباً والإنجيل لم يجز تركها على حالها أنه لا حرمة لها لأنها مبدلة فإن أمكن الانتفاع بما كتب عليه إذا غسل كالجلود غسل وقسم مع الغنيمة وإن لم يمكن الانتفاع به إذا غسل كالورق مزق ولا يحرق لأنه إذا حرق لم يكن له قيمة فإذا مزق كانت له قيمة فلا يجوز إتلافه على الغانمين.
فصل: وإذا أصابوا خمراً وجب إراقتها كما يجب إذا أصيبت في يد مسلم فإن أصابوا خنزيراً فقد نقل في سير الواقدي أنه يقتل إن كان به عدو فمن أصحابنا من قال إن كان فيه عدو قتل لما فيه من الضرر وإن لم يكن فيه عدو لم يقتل لأنه لا ضرر فيه ومنهم من قال: يجب قتله بكل حال لأنه يحرم الانتفاع به فوجب إتلافه كالخمر وإن أصابوا كلباً فإن كان عقوراً قتل لما فيه من الضرر وإن كان فيه منعة دفع إلى من ينتفع به من الغانمين أومن أهل الخمس وإن لم يكن فيهم من يحتاج إليه خلي لأن اقتناءه لغير حاجة محرم وقد بيناه في البيوع.
فصل: وإن أصابوا مباحاً لم يمكله الكفار كالصيد والحجر والحشيش والشجر فهو لمن أخذه كما لو وجده في دار الإسلام وإن وجد ما يمكن أن يكون للمسلمين ويمكن أن يكون للكفار كالسيف والقوس عرف سنة فإن لم يوجد صاحبه فهو غنيمة.
فصل: وإن فتحت أرض عنوة وأصيب فيها موات فإن لم يمنع الكفار عنها فهو لمن أحياه كموات دار الإسلام وإن منعوا عنها كان للغانمين لأنه يثبت لهم بالمنع عنها حق التملك فانتقل ذلك الحق إلى الغانمين كما لو تحجروا مواتاً للإحياء ثم صارت الدار للمسلمين وإن فتحت صلحاً على أن تكون الأرض لهم لم يجز للمسلمين أن يملكوا فيها مواتاً بالإحياء لأن الدار لهم فلم يملك المسلم فيها بالإحياء.
فصل: وما أصاب المسلمين من مال الكفار وخيف أن يرجع إليهم ينظر فيه فإن كان غير الحيوان أتلف حتى لا ينتفعوا به ويتقووا به على المسلمين وإن كان حيواناً لم يجز إتلافه من غير ضرورة لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول

الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها سأله الله تعالى عن قتلها قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي بها" 1 وإن دعت إلى قتله ضرورة بأن كان الكفار لا خيل لهم وما أصابه المسلمون خيل وخيف أن يأخذوه ويقاتلونا علي جاز قتله لأنه إذا لم يقتل أخذه الكفار وقاتلوا به المسلمين.
فصل: إذا سرق بعض الغانمين نصاباً من الغنيمة فإن كان قبل إخراج الخمس لم يقطع لمعنيين أحدهما: أن له حقاً في خمسها والثاني: أن له حقاً في أربعة أخماسها وإن سرق بعد إخراج الخمس نظرت فإن سرق من الخمس لم يقطع لأن له حقاً فيه وإن سرق من أربعة أخماسها نظرت فإن سرق قدر حقه أو دونه لم يقطع لأن له في ذلك القدر شبهة وإن كان أكثر من حقه ففيه وجهان: أحدهما: أنه يقطع لأنه لا شبهة له في سرقة النصاب والثاني: أنه لا يقطع لأن حقه شائع في الجميع فلم يقطع فيه وإن كان السارق من غير الغانمين نظرت فإن كان قبل إخراج الخمس لم يقطع لأن له حقاً في خمسها وإن كان بعد أخراج الخمس فإن سرق من الخمس لم يقطع لأن فيه حقاً وإن سرق ذلك من أربعة أخماسها فإن كان في الغانمين من للسارق شبهة في ماله كالأب والابن لم يقطع لأن له شبهة فيما سرق وإن لم يكن له فيهم من له شبهة في ماله قطع لأنه لا شبهة له فيما سرق.
فصل: وإن وطئ بعض الغانمين جارية من الغنيمة لم يجب عليه الحد وقال أبو ثور: يجب وهذا خطأ لأن له فيها شبهة وهو حق التملك ويجب عليه المهر لأنه وطء يسقط فيه الحد على الموطوءة للشبهة فوجب المهر على الواطئ كالوطء في النكاح الفاسد وإن أحبلها ثبت النسب للولد وينقد الولد حراً للشبهة وهل تقسم الجارية في الغنيمة أو تقوم على الواطئ فيه طريقان: من أصحابنا من قال: إن قلنا إنه إذا ملكها صارت أم ولد قومت عليه وإن قلنا إنها لا تصير أم ولد له لم تقوم عليه وقال أبو إسحاق تقوم على القولين لأنه لا يجوز قمستها كما لا يجوز بيعها ولا يجوز تأخير القسمة لأن فيه إضراراً بالغانمين فوجب أن تقوم وإن وضعت فهل تلزمه قيمة الولد ينظر فيه فإن كان قد قومت عليه لم تلزمه لأنها تضع في ملكه وإن لم تكن قومت عليه لزمه قيمة الولد لأنها وضعته في غير ملكه.

فصل: ومن قتل في دار الحرب قتلاً يوجب القصاص أو أتى بمعصية توجب الحد وجب عليه ما يجب في دار الإسلام لأنه لا تختلف الدارن في تحريم الفعل فلم تختلفا فيما يجب به من العقوبة.
فصل: وإن تجسس رجل من المسلمين للكفار لم يقتل لما روي عن علي كرم الله وجهه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب فخذوه منها" فانطلقنا حتى أتينا الروضة فإذا بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى أناس بمكة يخبرهم ببعش أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا حاطب ما هذا" قال: يا رسول الله لا تعجل علي إنما كنت امرأ ملصقاً فأحببت أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ولم أفعل ذلك ارتداداً عن ديني ولا أرضى الكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد صدق" فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال: "إنه قد شهد بدراً" فقال سفيان بن عيينة فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1] وقرأ سفيان إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ .

فصل: إذا أخذ المشركون مال المسلمين بالقهر لم يملكوه وإذا استرجع منهم وجب رده إلى صاحبه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه".
وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: أغار المشركون على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبوا به وذهبوا بالعضباء واسروا امرأة من المسلمين فركبتها وجعلت لله عليها إن نجاها الله لتنحرنها فقدمت المدينة وأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بئس ما جزيتها لا وفاء لنذر في معصية الله عز وجل ولا فيما لا يملكه ابن آدم" 1. فإن لم يعمل به حتى قسم دفع إلى من وقع في مهمه العوض من خمس الخمس ورد إلى صاحبه لأنه يضق نقض القمسة.
فصل: وإن أسر مسلماً وأطلقوه من غير شرط فله أن يغتالهم في النفس والمال لأنهم كفار لا أمان لهم وإن أطلقوه على أنه في أمان ولم يستأمنوه ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أنه لا أمان لهم لأنهم لم يستأمنوه والثاني: وهو ظاهر المذهب أنهم في أمانه لأنهم جعلوه في أمان فوجب أن يكونوا منه في أمان وإن كان محبوساً فأطلقوه واستحلفوه أنه لا يرجع إلى دار الإسلام لم يلزمه حكم اليمين ولا كفارة عليه إذا حلف لأن ظاهره الإكراه فإن ابتدأ وحلف أنه إن أطلق لم يخرج إلى دار الإسلام ففيه وجهان: أحدهما: أنه يمين إكراه فإن خرج لم تلزمه كفارة لأنه لم يقدر

على الخروج إلا باليمين فأشبه إذا حلفوه على ذلك والثاني: أنه يمين اختيار فإن خرج لزمته الكفارة لأنه بدأ بها من غير إكراه وإن أطلق ليخرج إلى دار الإسلام وشرط عليه أن يعود إليهم أو يحمل مالاً لم يلزمه العود لأن مقامه في دار الحرب لا يجوز ولا يلزمه بالشرط ما ضمن من المال لأنه ضمان من مال بغير حق والمستحب أن يحمل لهم ما ضمن ليكون ذلك طريقاً إلى إطلاق الأسرى.

باب الأنفال

يجوز لأمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي الى الظفر بالعدو كالتجسيس والدلالة على طريق أو قلعة أو التقدم بالدخول الى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها لما روى عبادة ابن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث وتقدير النفل الى رأي أمير الجيش لأنه بذل لمصلحة الحرب فكان تقديره الى رأي الأمير ويكون ذلك على قدر العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في البدأة الربع وفي القفول الثلث لان التغرير في القفول أعظم لأنه يدخل إلى دار الحرب والعدو منه على حذر وفي البدأة يدخل والعدو منه على غير حذر ويجوز شرط النفل من بيت مال المسلمين ويجوز شرطه من المال الذي يؤخذ من المشركين فإن جعل في بيت مال المسلمين كان ذلك من خمس الخمس لما روى سعيد بن المسيب قال: كان

الناس يعطون النفل من الخمس ولأنه مال يصرف في مصلحة فكان من خمس الخمس ولا يجوز أن يكون مجهولاً لأنه عوض في عقد لا تدعوا الحاجة فيه الى الجهل به فلم يجز أن يكون مجهولاً لأنه عوض في عقد لا تدعوا الحاجة فيه الى الجهل به فلم يجز أن يكون مجهولاً كالجهل في رد الآبق وإن كان النفل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في البدأة الربع وفي القفول الثلث وذلك جزء من غنيمة مجهولة.
فصل: وإن قال الأمير من دلني على القلعة الفلانية فله منها جارية فدله عليها رجل نظرت فإن لم تفتح القلعة لم يجب الدليل شيء ومن أصحابنا من قال: يرضخ له لدلالته والمذهب الأول لأنه لما جعل له الجارية من القلعة صار تقديره من دلني على القلعة وفتحت كانت له منها جارية لانه لا يقدر على تسليم الجارية إلا بالفتح فلم يستحق من غير الفتح شيئا وإن فتحت عنوة ولم تكن فيها جارية لم يستحق شيئاً لأنه شرط معدوم وإن كانت فيها جارية سلمت إليه ولا حق فيها للغانمين ولا لأهل الخمس لأنه استحقها بسبب سابق للفتح وإن أسلمت الجارية قبل القدرة عليها لم يستحقها لأن إسلامها يمنع من استرقاقها ويجب له قيمتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاء من المسلمات فمنعه الله عز وجل من ردهن وأمره أن يرد مهورهن وإن أسلمت بعد القدرة عليها فإن كان الدليل مسلما سلمت إليه وإن كان كافراً فإن قلنا إن الكافر يملك العبد المسلم بالشراء استحقها ثم أجبر على إزالة الملك عنها وإن قلنا إنه لا يملك دفع إليه قيمتها وإن أسلم الدليل بعد ذلك لم يستحقها لأنه أسلم بعدما انتقل حقه إلى قيمتها وإن فتحت والجارية قد ماتت ففيه قولان: أحدهما: أن له قيمتها لأنه تعذر تسليمها فوجب قيمته كما لو أسلمت والثاني: أنه لا يجب له قيمتها لأنه غير مقدور عليها فلم يجب قيمتها كما لولم تكن فيها جارية وفتحت صلحاً نظرت فإن لم تدخل الجارية في الصلح كان الحكم فيها كالحكم إذا فتحت عنوة فإن دخلت في الصلح ففيه وجهان أحدهما: وهو قول أبي إسحاق إن الجارية للدليل وشرطها في الصلح لا يصح كما لو زوجت امرأة من رجل ثم زوجت من آخر والثاني: أن شرطها في الصلح صحيح لأن الدليل لو عفا عنها أمضينا الصلح فيها ولو كان فاسداً لم يمض إلا بعقد مجدد فعلى هذا إن رضي الدليل بغيرها من جواري القلعة أو رضي بقيمتها أمضينا الصلح، وإن لم

يرض ورضي أهل القلعة بتسليمها فكذلك وإن امتنع أهل القلعة من دفع الجارية وامتنع الدليل من الانتقال الى البدل ردوا إلى القلعة وقد زال الصلح لأنه اجتمع أمران متنافيان وتعذر الجمع بينهما وحق الدليل سابق ففسخ الصلح ولصاحب القلعة أن يحصن القلعة كما كانت من غير زيادة وإن فتحت بعد ذلك عنوة كانت الجارية للدليل وإن لم تفتح لم يكن له شيء.
فصل: إذا قال الأمير قبل الحرب من أخذ شيئا فهوله فقد أومأ فيه الى قولين: أحدهما: أن الشرط صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: من أخذ شيئا فهوله والثاني: وهو الصحيح أنه لا يصح الشرط لأنه جزء من الغنيمة شرطه لمن لا يستحقها من غير شرط فلا يستحقه بالشرط كما لو شرطه لغير الغانمين والخبر ورد في غنائم بدر وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء.

باب قسم الغنيمة

والغنيمة ما أخذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب فإن كان فيها سلب للقاتل أو مال لمسلم سلم إليه لأنه استحقه قبل الاغتنام ثم يدفع منها أجرة النقال والحافظ لأنه لمصلحة الغنيمة فقدم ثم يقسم الباقي على خمسة أخماس خمس لأهل الخمس ثم يقسم أربعة أخماسها بين الغانمين لقوله عز وجل ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] فأضاف الغنيمة إلى الغانمين ثم جعل الخمس لأهل الخمس فدل على أن الباقي للغانمين والمستحب أن يقسم ذلك في دار الحرب ويكره تأخيرها الى دار الإسلام من غير عذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر وقسم غنائم بني المصطلق على مياههم وقسم غنائم حنين بأو طاس وهو واد من أودية حنين فإن كان الجيش رجالة سوى بينهم وإن كانوا فرساناً سوى بينهم وإن كان بعضهم فرساناً وبعضهم رجالة جعل للراجل سهماً وللفارس ثلاثة أسهم لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم للرجل سهم وللفرس سهمان ولا يفضل من قاتل على من لم يقاتل لأن من لم يقاتل كالمقاتل في إرهاب العدو ولأنه أرصد نفسه للقتال ولا يسهم لمركوب غير الخيل لأنه لا يلحق بالخيل في التأثير في الحرب من الكر والفر،

فلم يلحق بها في السهم ويسهم للفرس العتيق وهو الذي أبواه عربيان وللبرذون وهو الذي أبواه عجميان وللمقرف وهو الذي أمه عربية وأبوه عجمي وللهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه عجمية لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" 1 ولأنه حيوان يسهم له فلم يختلف سهمه باختلاف أبويه كالرجل وإن حضر بفرس حطم أو صرع أو أعجف فقد قال في الأم: قيل لا يسهم له وقيل يسهم له فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: أنه لا يسهم له لأنه لا يغني غناء الخيل فلم يسهم له كالبغل والثاني: يسهم له لأن ضعفه لا يسقط سهمه كضعف الرجل وقال أبو إسحاق إن أمكن القتال عليه أسهم له وإن لم يمكن القتال عليه لم يسهم له لأن الفرس يراد للقتال عليه وهذا أقيس والأول أشبه بالنص ولا يسهم للرجل لأكثر من فرس لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن الزبير حضر يوم حنين بأفراس فلم يسهم له النبي صلى الله عليه وسلم إلا لفرس واحد ولأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد فلا يسهم لأكثر منه وإن حضر بفرس والقتال في الماء أو على حصن استحق سهمه لأنه أرهب بفرسه فاستحق سهمه كما لو حضر به القتال ولم يقاتل ولأنه قد يحتاج إليه إذا خرجوا من الماء والحصن.
فصل: فإن غصب فرسا وحضر به الحرب استحق للفرس سهمين لأنه حصل به الإرهاب وفي مستحقه وجهان: أحدهما: أنه له والثاني: أنه لصاحب الفرس بناء على القولين في ربح الدراهم المغصوبة: أحدهما: أنه للغاصب والثاني: أنه للمغصوب منه وإن استعار فرساً أو استأجره للقتال فحضر به الحرب استحق به السهم لأنه ملك القتال عليه وإن حضر دار الحرب بفرس وانقضت الحرب ولا فرس معه بأن نفق أو باعه أو أجره أو أعاره أو غصب منه لم يسهم له وإن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره وحضر به الحرب استحق السهم لأن استحقاق المقاتل بالحضور فكذلك

الاستحقاق بالفرس وإن حضر بفرس وعار الفرس إلى أن انقضت الحرب لم يسهم له ومن أصحابنا من قال: يسهم له لأنه خرج من يده بغير اختياره والمذهب الأول لأن خروجه من يده يسقط السهم وإن كان بغير اختياره كما يسقط سهم الراجل إذا ضل عن الوقعة وإن كان بغير اختياره.
فصل: ومن حضر الحرب ومرض فإن كان مريضاً يقدر معه على القتال كالسعال ونفور الطحال والحمى الخفيفة أسهم له لأنه من أهل القتال ولأن الإنسان لا يخلو من مثله فلا يسقط سهمه لأجله وإن كان لا يقدر على القتال لم يسهم له لأنه ليس من أهل القتال فلم يسهم له كالمجنون والطفل.
فصل: ولا حق في الغنيمة لمخذل ولا لمن يرجف بالمسلمين ولا لكافر حضر بغير إذن لأنه لا مصلحة للمسلمين في حضورهم ويرضخ للصبي والمرأة والعبد والمشرك إذا حضر بالإذن ولم يقسم لهم لما روى عمير قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عبد مملوك فلما فتح الله على نبيه خيبر قلت يا رسول الله سهمي فلم يضرب لي بسهم وأعطاني سيفا فتقلدته وكنت أخط بنعله في الأرض وأمر لي من خرثي المتاع وروى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب الى ابن عباس يسأله هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن سهم؟ فكتب إليه ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوا بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن بسهم.
فصل: وتقدير الرضخ إلى اجتهاد أمير الجيش ولا يبلغ به سهم راجل لأنه تابع لمن له سهم فنقص عنه كالحكومة لا يبلغ بها أرش العضو ومن أين يرضخ لهم فيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه يرضخ لهم من أصل الغنيمة لأنهم أعوان المجاهدين فجعل حقهم من

أصل الغنيمة كالنقال والحافظ والثاني: أنه من أربعة أخماس الغنيمة لأنهم من المجاهدين فكان حقهم من أربعة أخماس الغنيمة والثالث أنه من خمس الخمس لأنهم من أهل المصالح فكان حقهم من سهم الصالح.
فصل: وإن حضر أجير في أجارة مقدرة بالزمان ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يرضخ له مع الأجرة لأن منفعته مستحقة لغيره فرضخ له كالعبد والثاني: أنه يسهم له مع الأجرة لأن الأجرة تجب بالتمكين والسهم بالحضور وقد وجد الجميع والثالث أنه يخير بين السهم والأجرة فإن اختار الأجرة رضخ له مع الأجرة وإن اختار السهم أسهم له وسقطت الأجرة لأن المنفعة واحدة لا يستحق بها حقان واختلف قوله في تجار الجيش فقال في أحد القولين: يسهم لهم لأنهم شهدوا الوقعة والثاني: أنه لا يسهم لهم لأنهم لم يحضروا للقتال واختلف أصحابنا في موضع القولين فمنهم من قال القولان إذا حضروا ولم يقاتلوا وأما إذا حضروا فقاتلوا فإنه يسهم لهم قولا واحدا ومنهم من قال القولان إذا قاتلوا فأما إذا لم يقاتلوا فإنه لا يسهم لهم قولاً واحدا.
فصل: وإذا لحق بالجيش مدد أو افلت أسير ولحق بهم نظرت فإن كان قبل انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة أسهم لهم لقول عمر رضي الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة وإن كان بعد انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة لم يسهم لأنهم حضروا بعدما صارت الغنيمة للغانمين وإن كان بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يسهم لهم لأنهم لم يشهدوا الوقعة والثاني: أنه يسهم لهم لأنهم حضروا قبل أن يملك الغانمون.
فصل: وإن خرج أمير في جيش وأنفذ سرية من الجيش إلى الجهة التي يقصدها أو إلى غيرها فغنمت السرية شاركهم الجيش وإن غنم الجيش شاركتهم السرية لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين هزم هوازن بحنين أسرى قبل أوطاس سرية وغنمت فقسم غنائمهم بين الجميع وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وترد سراياهم على قاعدهم" 1. ولأن الجميع جيش واحد فلم يختص بعضهم بالغنيمة وإن أنفذ سريتين إلى جهة واحدة من

طريق أو طريقين اشترك الجيش والسريتان فيما يغنم كل واحد منهم لأن الجميع جيش واحد وإن أنفذ سريتين إلى جهتين شارك السريتان الجيش فيما يغنمه وشارك الجيش السريتين فيما يغنمان وهل تشارك كل واحدة من السريتين السرية الأخرى فيما تغنمه فيه وجهان: أحدهما: أنها لا تشارك لأن الجيش أصل السريتين وليست إحدى السريتين أصلا للأخرى والثاني: وهو الصحيح أنها تشارك لأنهما من جيش واحد وإن أنفذ الأمير سرية من الجيش وأقام هو مع الجيش فغنمت السرية لم يشاركها الجيش المقيم مع الأمير لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث السرايا من المدينة فلم يشاركهم أهل المدينة فيما غنموا ولأن الغنيمة للمجاهدين والجيش مقيم مع الأمير ما جاهدوا فلم يشارك السرية فيما غنمت.
والله أعلم.

باب قسم الخمس

ويقسم الخمس على خمس أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل والدليل عليه قوله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] فأما سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يصرف في مصالح المسلمين والدليل عليه ما روى جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدر من خيبر تناول بيده نبذة من الأرض أو وبرة من بعيره وقال: "والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس والخمس مردود عليكم".
فجعله لجميع المسلمين ولا يمكن صرفه إلى جميع المسلمين إلا بأن يصرف في مصالحهم وأهم المصالح سد الثغور لأنه يحفظ به الإسلام والمسلمين ثم الأهم فالأهم.

فصل: وأما سهم ذوي القربى فهو لمن ينتسب إلى هاشم والمطلب ابني عبد مناف لما روى جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب جئت أنا وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وإياهم منك بمنزلة واحدة قال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" ثم شبك بين أصابعه ويسوي فيه بين الأغنياء والفقراء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى منه العباس وكان موسراً يقول عامة بني عبد المطلب ولأنه حق يستحق بالقرابة بالشرع فاستوى فيه الغني والفقير كالميراث ويشترك فيه الرجال والنساء لما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لأم الزبير في ذوي القربي ولأنه حق يستحق بالقرابة بالشرع فاستوى فيه الذكر والأنثى كالميراث ويجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وقال المزني وأبو ثور يسوي بين الذكر والأنثى لأنه مال يستحق باسم القرابة فلا يفضل الذكر فيه على الأنثى كالمال المستحق بالوصية للقرابة وهذا خطأ لأنه مال خطأ لأنه مال يستحق بقرابة الأب بالشرع ففضل الذكر فيه على الأنثى كميراث ولد الأب ويدفع ذلك إلى القاصي منهم والداني وقال أبو إسحاق يدفع ما في كل إقليم إلى من فيه منهم لأنه يشق نقله من إقليم إلى إقليم والمذهب الأول لقوله عز وجل: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] ولم يخص ولأنه حق مستحق بالقرابة فاستوى فيه القاصي والداني كالميراث.
فصل: وأما سهم اليتامى فهو لكل صغير فقير لا أب له فأما من له أب فلا حق له فيه لأن اليتيم هو الذي لا أب له وليس لبالغ فيه حق لأنه لا يسمى بعد البلوغ يتيماً والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتم بعد الحلم" 1 وليس للغني فيه حق ومن أصحابنا من قال للغني فيه حق لأن اليتيم هو الذي لا أب له غنياً كان أو فقيراً والمذهب الأول لأن غناه بالمال أكثر من غناه بالأب فإذا لم يكن لمن له أب فيه حق فلأن لا يكون لمن له مال أولى.
فصل: وأما سهم المساكين فهو لكل محتاج من الفقراء والمساكين لأنه إذا أفرد المساكين تناول الفريقين.
فصل: وأما سهم ابن السبيل فهو لكل مسافر أو مريد السفر في غير معصية وهو محتاج على ما ذكرناه في الزكاة.

فصول الكتاب · 52 فصل · 499 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي · 499 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن
كتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب السبق والرميكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب عتق أمهات الأولادكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتال أهل البغي
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل