المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازيصفحات 3-37
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 3-37
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشيرازي، أبو إسحاق
الكتاب
المهذب في فقة الإمام الشافعي
المؤلف
أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

مدخل

... كتاب البيوع البيع جائز وأصله قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ﴾ [النساء: 29] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 275] ويصح البيع من كل بالغ عاقل مختار فأما الصبي والمجنون فلا يصح بيعهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" ولأنه تصرف في المال فلم يفوض إلى الصبي والمجنون كحفظ المال فأما المكره فإنه إن كان بغير حق لم يصح بيعه لقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فدل على أنه إذا لم يكن عن تراض لم يحل الأكل وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما البيع عن تراض" فدل على أنه لا بيع عن غير تراض ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم وإن كان بحق صح لأنه قول حمل عليه بحق فصح ككلمة الإسلام إذا أكره عليها الحربي.
فصل: ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول فأما المعاطاة فلا ينعقد فيها البيع لأن اسم البيع لا يقع عليه والإيجاب أن يقول بعتك أو ملكتك أو ما أشبههما والقبول أن يقول قبلت أو ابتعت أو ما أشبههما فإن قال المشتري بعني فقال البائع: بعتك انعقد البيع لأن ذلك يتضمن الإيجاب والقبول وإن كتب رجل إلى رجل ببيع سلعة فيه وجهان: أحدهما ينعقد

البيع لأنه موضع ضرورة والثاني لا ينعقد وهو الصحيح لأنه قادر على النطق فلا ينعقد البيع بغيره وقول القائل الأول إنه موضع ضرورة لا يصح لأنه يمكنه أن يوكل من يبيعه بالقول.
فصل: وإذا انعقد البيع ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الفسخ والإمضاء إلى أن يتفرقا أو يتخايرا لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر1" والتفرق أن يتفرقا بأبدانهما بحيث إذا كلمه عن العادة لم يسمع كلامه لما روى نافع أن ابن عمر كان إذا اشترى شيئاً مشى أذرعاً ليجب البيع ثم يرجع ولأن التفرق في الشرع مطلق فوجب أن يحمل على التفرق المعهود وذلك يحصل بما ذكرناه وإن لم يتفرقا ولكن جعل بينهما حاجز من ستر أو غيره لم يسقط الخيار لأن ذلك لا يسمى تفرقاً وأما التخاير فهو أن يقول أحدهما للآخر اختر إمضاء البيع أو فسخه فيقول الآخر اخترت إمضاءه أو فسخه فينقطع الخيار لقوله عليه الصلاة والسلام "أو يقول أحدهما للآخر اختر" فإن خير أحدهما صاحبه فسكت لم ينقطع خيار المسؤول وهل ينقطع خيار السائل؟ فيه وجهان: أحدهما لا ينقطع خياره كما لو قال لزوجته اختاري فسكتت فإن خيار الزوج في طلاقها لا يسقط والثاني أنه ينقطع لقوله عليه الصلاة والسلام: "أو يقول أحدهما للآخر اختر" فدل على أنه إذا قال يسقط خياره ويخالف تخيير المرأة فإن المرأة لم تكن مالكة للخيار وإذا خيرها فقد ملكها ما لم تكن تملكه فإذا سكتت بقي على حقه وههنا المشتري يملك الفسخ فلا يفيد تخييره إسقاط حقه من الخيار فإن أكرها على التفرق ففيه وجهان: أحدهما يبطل الخيار لأنه كان يمكنه أن يفسخ بالتخاير فإذا لم يفعل فقد رضي بإسقاط الخيار والثاني أنه لا يبطل لأنه لم يوجد منه أكثر من السكوت والسكوت لا يسقط الخيار.
فصل: فإن باعه على أن لا خيار له ففيه وجهان: من أصحابنا من قال يصح لأن الخيار جعل رفقاً بهما فجاز لهما تركه ولأن الخيار غرر فجاز إسقاطه وقال أبو إسحاق لا يصح وهو الصحيح لأنه خيار يثبت بعد تمام البيع فلم يجز إسقاطه قبل تمامه كخيار الشفيع فإن قلنا بهذا فهل يبطل العقد بتمام الشرط؟ فيه وجهان أحدهما لا يبطل لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى الجهل بالعوض المعوض والثاني يبطل لأنه

يسقط موجب العقد كما لو شرط ألا يسلم المبيع.
فصل: ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لاربا فيها لما روى محمد بن يحيى بن حبان قال: كان جدي قد بلغ ثلاثين ومائة سنة لا يترك البيع والشراء ولا يزال يخدع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بايعته فقل لاخلابة وأنت بالخيار ثلاثاً1" فأما في البيوع التي فيها الربا وهي الصرف وبيع الطعام بالطعام فلا يجوز فيها شرط الخيار لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام المبيع ولهذا لا يجوز أن يتفرقا إلا عن قبض العوضين فلو جوزنا شرط الخيار لتفرقا ولم يتم البيع بينهما وجاز شرط الخيار في ثلاثة أيام وفيما دونهما لأنه لو جاز شرط الثلاث فما دونها أولى بذلك ولا يجوز أكثر من ثلاثة أيام لأنه غرر وإنما جوز في الثلاث لأنه رخصة فلا يجوز فيما زاد ويجوز أن يشترط لهما ولأحدهما دون الآخر ويجوز أن يشترط لأحدهما ثلاثة أيام وللآخر يوم أو يومان لأن ذلك جعل إلى شرطهما فكان على حسب الشرط فإن شرطا ثلاثة أيام ثم تخايرا سقط قياساً على خيار المجلس وإن شرط الخيار لأجنبي ففيه قولان: أحدهما لا يصح لأنه حكم من أحكام العقد فلا يثبت لغير المتعاقدين كسائر الأحكام والثاني يصح لأنه جعل إلى شرطهما للحاجة وربما دعت الحاجة إلى شرطه للأجنبي بأن يكون أعرف بالمتاع منهما فإن شرطه للأجنبي وقلنا إنه يصح فهل يثبت له؟ فيه وجهان: أحدهما يثبت له لأنه إذا ثبت للأجنبي من جهته فلأن يثبت له أولى والثاني لا يثبت لأن ثبوته بالشرط فلا يثبت إلا لمن شرط له قال في الصرف: إذا اشترى بشرط الخيار على أن لا يفسخ حتى يستأمر فلاناً لم يكن له أن يفسخ حتى يقول استأمرته فأمرني بالفسخ فمن أصحابنا من قال له أن يفسخ من غير إذنه لأن له أن يفسخ من غير شرط الاستثمار فلا يسقط حقه بذكر الاستثمار وتأول ما قاله على أنه أراد به أنه لا يقول استأمرته إلا بعد أن يستأمره لئلا يكون كاذباً ومنهم من حمله على ظاهره أنه لا يجوز أن يفسخ لأنه ثبت بالشرط فكان على ما شرط وإذا شرط الخيار في البيع ففي ابتداء مدته وجهان: أحدهما من حين العقد لأنها مدة ملحقة بالعقد فاعتبر ابتداؤها من حين العقد كالأجل ولأنه اعتبر من

حين التفرق صار أول مدة الخيار مجهولاً لأنه لا يعلم متى يفترقان والثاني أنه يعتبر من حين التفرق لأن ما قبل التفرق الخيار ثابت فيه بالشرع فلا يثبت فيه بشرط الخيار فإن قلنا إن ابتداءه من حين العقد فشرط أن يكون من حين التفرق بطل لأن وقت الخيار مجهول ولأنه يزيد الخيار على ثلاثة أيام ولو قلنا أن ابتداءه من حين التفرق فشرط أن يكون من حين العقد ففيه وجهان: أحدهما يصح لأن ابتداء الوقت معلوم والثاني لا يصح لأنه شرط ينافي موجب العقد فأبطله ومن ثبت له الخيار فله أن يفسخ في محضر من صاحبه وفي غيبته لأنه رفع عقد جعل إلى اختياره فجاز في حضوره وغيبته كالطلاق فإن تصرف في المبيع تصرفاً يفتقر إلى الملك كالعتق والوطء والهبة والبيع وما أشبهها نظرت فإن كان ذلك من البائع كان اختياراً للفسخ لأنه تصرف يفتقر إلى الملك فجعل اختياراً للفسخ والرد إلى الملك وإن كان ذلك من المشتري ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: إن كان ذلك عتقاً كان اختياراً للإمضاء وإن كان غيره لم يكن اختياراً لأن العتق لو وجد قبل العلم بالعيب منع الرد فأسقط خيار المجلس وخيار الشرط وما سواه لو وجد قبل العلم بالعيب لم يمنع الرد فلم يسقط خيار المجلس وخيار الشرط وقال أبو سعيد الإصطخري: الجميع اختيار للإممضاء وهو الصحيح لأن الجميع يفتقر إلى الملك فكان الجميع اختياراً للملك ولأن في حق البائع الجميع واحد فكذلك في حق المشتري فإن وطئها المشتري بحضرة البائع وهو ساكت فهل ينقطع خيار البائع بذلك؟ فيه وجهان أحدهما ينقطع لأنه أمكنه أن يمنعه فإذا سكت كان ذلك رضا بالبيع والثاني لا ينقطع لأنه سكوت عن التصرف في ملكه فلا يسقط عليه حكم التصرف كما لو رأى رجلاً يخرق ثوبه فسكت عنه فإن جن من له الخيار أو أغمي عليه انتقل الخيار إلى الناظر في ماله وإن مات فإن كان في خيار الشرط انتقل الخيار إلى من ينتقل إليه المال لأنه حق ثابت لإصلاح المال كالرهن وحبس المبيع على الثمن فإن لم يعلم والوارث حتى انقضت المدة ففيه وجهان: أحدهما يثبت له الخيار في القدر الذي بقي من المدة لأنه لما انتقل الخيار إلى غير من شرط له بالموت وجب أن ينتقل إلى غير الزمان الذي شرط فيه والثاني أن تسقط المدة ويثبت الخيار للوارث على الفور لأن المدة فاتت وبقي الخيار فكان على الفور كخيار الرد بالعيب وإن كان في خيار المجلس فقد روى المزني أن الخيار للوارث وقال في المكاتب إذا مات وجب البيع فمن أصحابنا من قال لا يسقط الخيار بالموت في المكاتب وغيره وقوله في المكاتب وجب

البيع أراد به أن ينفسخ بالموت كما تنفسخ الكتابة ومنهم من قال يسقط الخيار في بيع المكاتب ولا يسقط في بيع غيره لأن السيد يملك بحق الملك فإذا لم يملك في حياة المكاتب لم يملك بعد موته والوارث يملك بحق الإرث فانتقل إليه بموته ومنهم من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وخرجهما على قولين: أحدهما أنه يسقط الخيار لأنه إذا سقط الخيار بالتفرق فلأن يسقط بالموت والتفرق فيه أعظم أولى والثاني لا يسقط وهو الصحيح لأنه خيار ثابت لفسخ البيع فلم يبطل بالموت كخيار الشرط فعلى هذا إن كان الذي ينتقل إليه الخيار حاضراً ثبت له الخيار إلى أن يتفرقا أو يتخايرا وإن كان غائباً ثبت له الخيار إلى أن يفارق الموضع الذي بلغه فيه.
فصل: وفي الوقت الذي ينتقل الملك في البيع الذي فيه خيار المجلس أو خيار الشرط ثلاثة أقوال: أحدها ينتقل بنفس العقد لأنه عقد معاوضة يوجب الملك فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح والثاني أنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار لأنه لا يملك التصرف إلا بالعقد وانقضاء الخيار فدل على أنه لا يملك إلا بهما والثالث أنه موقوف مراعى فإن لم ينفسخ العقد تبينا أنه ملك بالعقد وإن فسخ تبينا أنه لم يملك لأنه لا يجوز أنه يملك بالعقد لأنه لو ملك بالعقد لملك التصرف ولا يجوز أن يملك بانقضاء الخيار لأن انقضاء الخيار لا يوجب الملك فثبت أنه موقوف مراعى فإن كان المبيع عبداً فأعتقه البائع نفذ عتقه لأنه إن كان باقياً على ملكه فقد صادف العتق ملكه وإن كان قد زال ملكه عنه إلا أن يملك الفسخ فجعل العتق فسخاً وإن أعتقه المشتري لم يخل إما أن يفسخ البائع البيع أو لا يفسخ فإن لم يفسخ وقلنا إنه يملكه بنفس العقد أو قلنا إنه موقوف نفذ عتقه لأنه صادف ملكه وإن قلنا إنه لا يملك بالعقد م يعتق لأنه لم يصادف ملكه وإن فسخ البائع وقلنا إنه لا يملك بالعقد أو موقوف لم يعتق لأنه لم يصادف ملكه وإن قلنا إنه يملك بالعقد ففيه وجهان: قال أبو العباس إن كان موسراً عتق وإن كان معسراً لم يعتق لأن العتق صادف ملكه وقد تعلق به حق الغير فأشبه عتق المرهون ومن أصحابنا من قال لا يعتق وهو المنصوص لأن البائع اختار الفسخ والمشتري اختار الإجازة بالعتق والفسخ والإجازة إذا اجتمعا قدم الفسخ ولهذا لو قال المشتري أجزت وقال البائع بعده فسخت قدم الفسخ وبطلت الإجازة وإن كانت سابقة للفسخ فإن قلنا لا يعتق عاد العبد إلى ملك البائع وإن قلنا يعتق فهل يرجع البائع بالثمن أو بالقيمة؟ قال أبو العباس يحتمل وجهين: أحدهما يرجع بالثمن ويكون العتق مقرراً للعقد ومبطلاً للفسخ.
والثاني

أنه يرجع بالقيمة لأن البيع انفسخ وتعذر الرجوع إلى العين فرجع إلى قيمته كما لو اشترى عبداً بثوب واعتق العبد ووجد البائع بالثوب عيباً فرده فإنه يرجع بقيمة العبد فإن باع البائع المبيع أو وهبه صح لأنه إما أن يكون على ملكه فيملك العقد عليه وإما أن يكون للمشتري إلا أنه يملك الفسخ فجعل البيع والهبة فسخاً وإن باع المشتري المبيع أو وهبه نظرت فإن كان بغير رضى البائع فإن قلنا إنه في ملك البائع لم يصح تصرفه وإن قلنا إنه في ملكه ففيه وجهان: قال أبو سعيد الاصطخري: يصح وللبائع أن يختار الفسخ فإذا فسخ بطل تصرف المشتري ووجهه أن التصرف صادف ملكه الذي ثبت للغير فيه حق الانتزاع فأشبه إذا اشترى شقصاً فيه شفعة فباعه ومن أصحابنا من قال لا يصح لأنه باع عيناً تعلق بها حق الغير من غير رضاه فلم يصح كما لو باع الراهن المرهون فأما إذا تصرف فيه برضى البائع نظرت فإن كان عتقاً نفذ لأنهما رضيا بإمضاء البيع وإن كان بيعاً أو هبة ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأنه ابتدأ بالتصرف قبل أن يتم ملكه والثاني يصح لأن المنع من التصرف لحق البائع وقد رضي البائع.
فصل: وإن كان المبيع جارية لم يمنع البائع من وطئها لأنها باقية على ملكه في بعض الأقوال ويمكن ردها إلى ملكه في بعض الأقوال فإذا وطئها انفسخ البيع ولا يجوز للمشتري وطؤها لأن في أحد الأقوال لا يملكها وفي الثاني مراعي فلا يعلم هل يملكها أم لا وفي الثالث يملكها ملكاً غير مستقر فإن وطئها لم يجب الحد وإن أحبلها ثبت نسب الولد وانعقد الولد حراً لأنه إما أن يكون في ملك أو في شبهة ملك وأما المهر وقيمة الولد وكون الجارية أم ولد فإنه يبنى على الأقوال فإن أجاز البائع البيع بعد وطء المشتري وقلنا إن الملك للمشتري أو موقوف لم يلزمه المهر ولا قيمة الولد وتصير الجارية أم ولد لأنها مملوكته وإن قلنا إن الملك للبائع فعليه المهر وقال أبو إسحاق: لا يلزمه كما لا تلزمه أجرة الخدمة والمذهب الأول لأنه وطء في ملك البائع ويخالف الخدمة فإن الخدمة تستباح بالإباحة والوطء لا يستباح وفي قيمة الولد وجهان: أحدهما لا تلزمه لأنها وضعته في ملكه والاعتبار بحال الوضع ألا ترى أن قيمة الولد تعتبر حال الوضع والثاني تلزمه لأن العلوق حصل في غير ملكه والاعتبار بحال العلوق لأنها حالة الإتلاف وإنما تأخر التقويم إلى حال الوضع لأنه لا يمكن تقويمه في حال العلوق وهل تصير الجارية أم ولد؟ فيه قولان كما قلنا فيمن أحبل جارية غيره بشبهة فأما إذا فسخ البيع وعادت إلى ملكه فإن قلنا إن الملك للبائع أو موقوف وجب عليه المهر وقيمة الولد ولا تصير الجارية في الحال أم ولد وهل تصير أم ولد إذا ملكها؟ فيه قولان وإن قلنا إن

الملك للمشتري لم يجب عليه المهر لأن الوطء صادف ملكه ومن أصحابنا من قال: يجب لأن لم يتم ملكه عليها وهذا يبطل به إذا أجاز البائع البيع وعلى قول أبي العباس تصير أم ولد كما تعتق إذا أعتقها عنده وهل يرجع البائع بقيمتها أو بالثمن؟ فيه وجهان: وقد بينا ذلك في العتق وعلى المنصوص أنها لا تصير أم ولد له لأن حق البائع سابق فلا يسقط بإحبال المشتري فإن ملكها المشتري بعد ذلك صارت أم ولد لأنها لم تصر أم ولد له في الحال لحق البائع فإذا ملكها صارت أم ولد.
فصل: وإن اشترى جارية فولدت في مدة الخيار بنينا على أن الحمل هل له حكم في البيع وفيه قولان: أحدهما له حكم ويقابله قسط من الثمن وهو الصحيح لأن ما أخذ قسطاً من الثمن بعد الانفصال أخذ قسطاً من الثمن قبل الانفصال كاللبن والثاني لا حكم له ولا قسط له من الثمن لأنه يتبعها في العتق فلم يأخذ قسطاً من الثمن كالأعضاء فإن قلنا إن له حكماً فهو مع الأم بمنزلة العينين المبيعتين فإن أمضى العقد كانا للمشتري وإن فسخ العقد كانا للبائع كالعينين المبيعتين وإن قلنا لا حكم له نظرت فإن أمضى العقد وقلنا إن الملك ينتفل بالعقد أو موقوف فهما للمشتري وإن قلنا إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار فالولد للبائع وإن قلنا يملك بالعقد فهو للمشتري وقال أبو اسحاق الولد للبائع لأن على هذا القول لا ينفذ عتق المشتري وهذا خطأ لأن العتق يفتقر إلى ملك تام والنماء لا يفتقر إلى ملك تام.
فصل: وإن تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار فلمن له الخيار الفسخ والإمضاء لأن الحاجة التي دعت إلى الخيار باقية بعد تلف المبيع فإن فسخ وجبت القيمة على المشتري لأنه تعذر رد العين فوجب رد القيمة وإن أمضى العقد فإن قلنا إنه يملك بنفس العقد أو موقوف فقد هلك من ملكه وإن قلنا يملك بالعقد وانقضاء الخيار وجب على المشتري قيمته والله أعلم.

باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز

الأعيان ضربان: نجس وطاهر فأما النجس فعلى ضربين: نجس في نفسه ونجس بملاقاة نجاسة فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه وذلك مثل الكلب والخنزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام1" وروى

ابن مسعود وأبو هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم "نهى عن ثمن الكلب" فنص على الكلب والخنزير والخمر والميتة وقسنا عليها سائر الأعيان النجسة فأما اقتناؤها فينظر فيه فإن لم يكن فيها منفعة مباحة كالخمر والخنزير والميتة العذرة لم يجز اقتناؤها لما روى أنس قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر تصنع خلاً فكرهه وقال: "اهرقها" ولأن اقتناء ما لا منفعة فيه سفه فلم يجز فإن كان فيه منفعة مباحة كالكلب جاز اقتناؤه للصيد والماشية والزرع لما روى سالم عن أبيه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان2" وفي حديث أبو هريرة: "إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع" ولأن الحاجة تدعو إلى الكلب في هذه المواضع فجاز اقتناؤه وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروب؟ فيه وجهان: أحدهما يجوز للخبر والثاني يجوز لأنه حفظ مال فأشبه الزرع والماشية وهل يجوز لمن لا يصطاد أن يقتنيه ليصطاد به إذا أراد؟ فيه وجهان: أحدهما يجوز للخبر والثاني لا يجوز لأنه لا حاجة به إليه وهل يجوز اقتناء الجرو للصيد والزرع والماشية فيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأنه ليس فيه منفعة يحتاج إليها والثاني يجوز لأنه إذا جاز اقتناه للصيد جاز اقتناؤه لتعليم ذلك وأما السرجين فإنه يكره اقتناؤه وتربية الزرع به لما فيه من مباشرة النجاسة وأما النجس بملاقاة النجاسة فهو الأعيان الطاهرة إذا أصابتها نجاسة فينظر فيها فإن كان جامداً كالثوب وغيره جاز بيعه لأن البيع يتناول الثوب وهو طاهر وإنما جاورته نجاسة وإن كان مائعاً نظرت فإن كان مما لا يطهر كالخل والدبس لم يجز بيعه لأنه نجس لا يمكن تطهيره من النجاسة فلم يجز بيعه كالأعيان النجسة وإن كان ماء ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز بيعه لأنه نجس لا يطهر بالغسل فلم يجز بيعه كالخمر والثاني يجوز بيعه لأنه يطهر بالماء فأشبه الثوب فإن كان دهناً فهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان: أحدهما لا يطهر لأن لا يمكن عصره من النجاسة فلم يطهر كالخل والثاني يطهر لأنه يمكن غسله بالماء فهو كالثوب فإن قلنا لا يطهر لم يجز بيعه كالخل وإن قلنا يطهر ففي بيعه وجهان كالماء النجس ويجوز استعماله في السراج والأولى أن لا يفعل لما فيه من مباشرة النجاسة.
فصل: وأما الأعيان الطاهرة فضربان: ضرب لا منفعة فيه وضرب فيه منفعة فأما

ما لا منفعة فيه فهو كالحشرات والسباع التي لا تصلح للاصطياد والطيور التي لا تؤكل ولا تصطاد كالرخمة والحدأة وما يؤكل من الغراب فلا يجوز بيعه لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل وبذل العوض فيه من السفه واختلف أصحابنا في بيع دار لا طريق لها أو بيع بيت من دار لا طريق إليه فمنهم من قال لا يصح لأنه لا يمكن الانتفاع به فلم يصح بيعه ومنهم من قال يصح لأنه يمكن أن يحصل له طريق فينتفع به فيصح بيعه وأما مافيه منفعة فلايجوز بيع الحر منه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره" ولايجوز بيع أم الولد لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع أمهات الأولاد ولأنه استقر لها حق الحرية وفي بيعها إبطال ذلك فلم يجز ويجوز بيع المدبر لما روى جابر رضي الله عنه أن رجلاً دبر غلاماً له ليس له مال غيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يشتريه منه فاشتراه نعيم" ويجوز بيع المعتق بصفة لأنه ثبت له العتق بقول السيد وحده فجاز بيعه كالمدبر وفي المكاتب قولان: قال في القديم يجوز بيعه لأن عتقه غير مستقر فلا يمنع من البيع وقال في الجديد لايجوز لأنه كالخارج من ملكه ولهذا لا يرجع أرش الجناية عليه إليه فلم يملك بيعه كما لو باعه ولايجوز بيع الوقف لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال أصاب عمر رضي الله عنه أرضا بخيبر فأتى البني صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: "إن شئت حبست أصله وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر صدقة لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث.
فصل: ويجوز بيع ما سوى ذلك من الأعيان المنتفع بها من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم وما ينتفع به من الحيوان بالركوب والأكل والدر والنسل والصيد والصوف وما يقتنيه الناس من العبيد والجواري والأراضي والعقار لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعها من غير إنكار ولا فرق بين ما كان في الحرم من الدور

وغيره لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر نافع بن عبد الحارث أن يشتري داراً بمكة للسجن من صفوان بن أمية فاشتراها بأربعة آلاف درهم ولأنه أرض حية لم يرد عليها صدقة مؤبدة فجاز بيعها كغير الحرم ويجوز بيع المصاحف وكتب الأدب لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس يأخذون أجور أيديهم ولأنه طاهر منتفع به فهو كسائر الأموال واختلف أصحابنا في بيع بيض دود القز وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التي يجوز بيعها كالصقر والبازي فمنهم من قال هو طاهر ومنهم من قال هو نجس بناءً على الوجهين في طهارة من ما لا يؤكل لحمه ونجاسته فإن قلنا إن ذلك طاهر جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به فهو كبيض الدجاج وإن قلنا إنه نجس لم يجز بيعه لأنه عين نجسة فلم يجز بيعه كالكلب والخنزير.

باب ما نهى عنه من بيع الغرر وغيره

ولا يجوز بيع المعدوم كالثمرة التي لم تخلق لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر والغرر ما انطوى عليه أمره وخفيت عليه عاقبته ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في وصف أبو بكر رضي الله عنه: فرد نشر الإسلام على غره أي على طيه والمعدوم قد انطوى عنه أمره وخفي عليه عاقبته فلم يجز بيعه وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاومة وفي بعضها بيع السنين.

فصل: ولايجوز بيع مالا يملكه من غير إذن مالكه لما روى حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبع ماليس عندكسيئ1" ولأن مالا يملكه لا يقدر على تسليمه فهو كالطير في الهواء أو السمك في الماء.
فصل: ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه كبيع الأعيان المملوكة بالبيع والإجازة والصداق وماأشبهها من المعاوضات قبل القبض لما روي أن حكيم بن حزام قال يا رسول الله إني أبيع بيوعاً كثيرة فما يحل لي منها مما يحرم قال: "لاتبع ما لم تقبضه2" ولأن ملكه عليه غير مستقر لأنه بما هلك فانفسخ العقد وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز وهل يجوز عتقه؟ فيه وجهان: أحدهما أنه لايجوز لما ذكرناه والثاني يجوز لأن العتق له سراية فصح لقوته فأما ماملكه بغير معاوضة كالميراث والوصية أو عاد إليه بفسخ عقد فإنه يجوز بيعه وعتقه قبل القبض لأن ملكه مستقر فجاز التصرف فيه كالمبيع بعد القبض وأما الديون فينظر فيها فإن كان الملك مستقراً كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه ممن عليه قبل القبض لأن ملكه مستقر عليه فجاز بيعه كالمبيع وهل يجوز من غيره فيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأن ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعه والثاني لا يجوز لأنه لا يقدر على تسليمه إليه لأنه ربما منعه أوجحده وذلك غرر لاحاجة به إليه فلم يجز والأول أظهر لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولاجحود وإن كان الدين غير مستقر نظرت فإن كان مسلماً فلم يجز بيعه لما روي أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن رجل أسلف في حلل دقاق فلم يجد تلك الحلل فقال: آخذ منك مقام كل حلة من الدقاق حلتين من الجل فكرهه ابن عباس وقال خذ برأس المال علفاً أو غنماً ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر لأنه ربما تعذر فانفسخ البيع فيه فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض وإن كان ثمنا في بيع ففيه قولان: قال في الصرف يجوز بيعه قبل القبض لما روى ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لابأس ما لم تتفرقا وبينكما شيء" ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك فصار كالمبيع بعد

القبض وروى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز لأن ملكه غير مستقر عليه لأنه قد ينفسخ البيع فيه بتلف المبيع أو بالرد بالعيب فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض وفي بيع نجوم المكاتب قبل القبض طريقان: أحدهما أنه على قولين بناء على القولين في بيع رقبته والثاني انه لايصح ذلك قولاً واحداً وهو المنصوص في المختصر لأنه لايملكه ملكاً مستقراً فلم يصح بيعه كالمسلم فيه والقبض فيما بنقل النقل لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجداد التخلية لأن القبض ورد به الشرع وأطلقه فحمل على العرف والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية.
فصل: ولا يجوز بيع مالا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء أو السمك في الماء والجمل الشارد والفرس العائر والعبد الآبق والمال المغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا غرر ولهذا قال ابن مسعود لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف وذلك لايمكن فيما لايقدر على تسليمه فإن باع طيراً في برج مغلق الباب أو السمك في بركة لاتتصل بنهر نظرت فإن قدر على تناوله إذا أراد من غير تعب جاز بيعه وإن كان في برج عظيم أو بركة عظيمة لايقدر على أخذه إلا بتعب لم يجز بيعه لأنه غير مقدور عليه في الحال وإن باع العبد الآبق ممن يقدر عليه أو المغصوب من الغاصب أو ممن يقدر على أخذه منه جاز لأنه لاغرر في بيعه منه.
فصل: ولايجوز بيع عين مجهولة كبيع عبد من عبيد وثوب من أثواب لأن ذلك غرر من غير حاجة ويجوز أن يبيع قفيزاً من صبرة لأنه إذا عرف الصبرة عرف القفيز منها فزال الغرر.
فصل: ولا يجوز بيع العين الغائبة إذا جهل جنسها أو نوعها لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي بيع ما لايعرف جنسه أو نوعه غرر كبير فإن علم الجنس والنوع بأن قال بعتك الثوب المروي الذي في كمي أو العبد الزنجي الذي في داري أو الفرس الأدهم الذي في اصطبلي ففيه قولان: قال في القديم والصرف يصح ويثبت له الخيار إذا رآه لما روي ابن أبي مليكة أن عثمان رضي الله عنه ابتاع من طلحة

أرضاً بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة فقال عثمان بعتك ما لم أره فقال طلحة: إنما النظر لأني ابتعت مغيباً وأنت قد رأيت ما ابتعت فتحاكما إلى جبير بن مطعم فقضي على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة لأنه ابتاع مغيباً ولأنه عقد على عين فجاز مع الجهل بصفته كالنكاح وقال في الجديد لايصح لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي هذا البيع غرر ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم فإذا قلنا بقوله القديم فهل تفتقر صحة البيع إلى ذكر الصفات أم لا فيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه لايصح حتى تذكر جميع الصفات المسلم فيه والثاني لا يصح حتى تذكر الصفات المقصودة والثالث أنه لايفتقر إلى ذكر شيء من الصفات وهو المنصوص في الصرف لأن الاعتماد على الرؤية ويثبت له الخيار إذا رآه فلا يحتاج إلى ذكر الصفات فإن وصفه ثم وجده على خلاف ما وصف ثبت له الخيار وإن وجده على ما وصف أو أعلى ففيه وجهان: أحدهما لاخيار له لأنه وجده على ما وصف فلم يكن له خيار كالمسلم فيه والثاني أن له الخيار لأنه يعرف ببيع خيار الرؤية فلا يجوز أن يخلو من الخيار وهل يكون له الخيار على الفور أم لا؟ فيه وجهان: قال ابن أبي هريرة هو على الفور لأنه خيار تعلق بالرؤية فكان على الفور كخيار الرد بالعيب وقال أبو إسحاق يتقدر الخيار بالمجلس لأن العقد إنما يتم بالرؤيا فيصير كأنه عقد عند الرؤية فيثبت له خيار كخيار المجلس وأما إذا رأى المبيع قبل العقد ثم غاب عنه ثم اشتراه فإن كان مما لايتغير كالعقار وغيره جاز بيعه وقال أبو القاسم الأنماطي: لايجوز في قوله الجديد لأن الرؤية شرط في العقد فاعتبر وجودها في حال العقد كالشهادة في النكاح والمذهب الأول لأن الرؤية تراد للعلم بالمبيع وقد حصل العلم بالرؤية المتقدمة فعلى هذا إذا اشتراه ثم وجده على الصفة الأولى أخذه وإن وجده ناقصاً فله الرد لأنه ماالتزم العقد فيه إلا على تلك الصفة وإن اختلفا فقال البائع لم يتغير وقال المشتري تغير فالقول قول المشتري لأنه يؤخذ منه الثمن فلا يجوز من غير رضاه وإن كان مما يجوز أن يتغير ويجوز أن لا يتغير أو يجوز أن يبني ويجوز أن لا يبقى ففيه وجهان: أحدهما أنه لايصح لأنه مشكوك في بقائه على صفته والثاني يصح وهو المذهب لأن الأصل بقاؤه على صفته فصح بيعه قياساً على ما لا يتغير.
فصل: وإن باع الأعمى أو اشترى شيئاً لم يره فإن قلنا أن بيع مالم يره البصير لا يصح لم يصح بيع الأعمى وشراؤه وإن قلنا يصح ففي بيع الأعمى وشرائه وجهان: أحدهما يصح كما يصح من البصير فيما لم يره ويستنيب في القبض والخيار كما يستنيب

في شرط الخيار والثاني لا يصح لأن بيع مالم يره يتم بالرؤية وذلك لا يوجد في حق الأعمى ولايمكنه أن يوكل في الخيار لأنه خيار ثبت بالشرع فلا يجوز الاستنابة به كخيار المجلس بخلاف خيار الشرط.
فصل: إذا رأى بعض المبيع دون بعض نظرت فإن كان مما لايختلف أجزاؤه كالصبرة من الطعام والجرة من الدبس جاز بيعه لأن برؤية البعض يزول غرر الجهالة لأن الظاهر أن الباطن كالظاهر وإن كان مما يختلف نظرت فإن كان مما يشق رؤية باقيه كالجوز في القشر الأسفل جاز بيعه لأن رؤية الباطن تشق فسقط اعتبارها كرؤية أساس الحيطان وإن لم تشق رؤية الباقي كالثوب المطوي ففيه طريقان: من أصحابنا من قال فيه قولان كبيع مالم ير شيئاً منه ومنهم من قال يبطل البيع قولاً واحداً لأن ما رآه لا خيار فيه ومالم يره فيه الخيار وذلك لا يجوز في عين واحدة.
فصل: واختلف أصحابنا في بيع الباقلا في قشره فقال أبو سعيد الإصطخري يجوز لأنه يباع في جميع البلدان من غير إنكار ومنهم من قال لا يجوز وهو المنصوص في الأم لأن الحب قد يكون صغاراً وقد يكون كباراً وقد يكون في بيوته ما لا شيء فيه وقد يكون فيه حب متغير وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز واختلفوا أيضاً في بيع نافجة المسك فقال أبو العباس: يجوز بيعها لأن النافجة فيها صلاح للمسك لأن بقاءه فيها أكثر فجاز بيعه فيها كالجوز في القشر الأسفل ومن أصحابنا من قال لا يجوز وهو ظاهر النص لأنه مجهول القدر مجهول الصفة وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز واختلفوا في بيع الطلع في قشره فقال أبو اسحاق: لا يجوز بيعه لأن المقصود مستور بما لا يدخر فيه فلم يصح بيعه كالتمر في الجراب وقال أبو علي عن أبي هريرة يجوز لأنه مستور بما يؤكل معه من القشر فجاز بيعه فيه كالقثاء والخيار واختلف قوله في بيع الحنطة في سنبلها فقال في القديم: يجوز لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد" وقال في الجديد: لا يجوز لأن لا يعلم قدر ما فيه من الحب ولا صفة الحب وذلك غرر لاتدعو الحاجة إليه فلم يجز.

فصل: ولا يجوز بيع مجهول القدر فإن قال قد بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح البيع لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي بيع البعض غرر لأنه يقع على القليل والكثير ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بقدر المبيع كالسلم وإن قال بعتك هذه الصبرة جاز وإن لم يعرف قفزانها وإن قال بعتك هذه الدار أو هذا الثوب جاز وإن لم يعرف ذرعانها لأن غرر الجهالة ينتفي عنهما بالمشاهدة قال الشافعي: وأكره بيع الصبرة جزافاً لأنه يجهل قدرها على الحقية وإن قال بعتك ثلثها أو ربعها أو بعتك إلا ثلثها أو ربعها جاز لأن من عرف الشيء عرف ثلثه وربعه وما يبقى بعدهما وإن قال بعتك هذه الصبرة إلا قفيزاً منها أو هذه الدار أو هذا الثوب إلا ذراعاً منه نظرت فإن علما مبلغ قفزان الصبرة وذرعان الدار والثوب جاز لأن المبيع معلوم إن لم يعلما ذلك لم يجز لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا ولأن المبيع هو الباقي بعد القفيز والذراع وذلك مجهول وإن قال بعتك عشرة أقفزة من هذه الصبرة جاز لأنها معلومة القدر والصفة فإن اختلفا فقال البائع أعطيك من أسفلها وقال المشتري من أعلاها فالخيار إلى البائع فمن أي موضع أعطاه جاز لأنه أعطاه من الصبرة وإن قال بعتك عشرة أذرع من هذه الدار أو عشرة أذرع من هذا الثوب فإن كانا يعلمان مبلغ ذرعان الدار والثوب وأنها مئة ذراع صح البيع في عشرها لأن العشرة من المئة عشرها فلا فرق بين أن يقول بعتك عشرها وبين أن يقول بعتك عشرة من مئة ذراع منها وإن لم يعلما مبلغ ذرعان الدار والثوب لم يصح لأنه إن جعل البيع في عشر أذرع مشاعة لم يعرف قدر المبيع أنه عشرها أو ثلثها أو سدسها وإن جعل البيع في عشرة أذرع من موضع بعينه لم يعرف صفة المبيع فإن أجزاء الثوب والدار تختلف وقد يكون بعضها أجود من بعض وإن قال بعتك عشرة أذرع ابتداؤها من هذا المكان ولم يبين المنتهى ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأن أجزاء المبيع مختلفة وقد ينتهي إلى موضع يخالف موضع

الابتداء والثاني أنه يصح لأنه يشاهد السمت وإن بين الابتداء والانتهاء صح في الدار وأما في الثوب فإنه إن كان مما لا ينقص قيمته بالقطع فهو كالدار وإن كان مما ينقص لم يصح لأنه شرط إدخال نقص عليه فيما لم يبع من الثوب ومن أصحابنا من قال يصح لأنه رضي بما يدخل عليه من الضرر وإن قال بعتك هذا السمن مع الظرف كل من بدرهم نظرت فإن لم يعلما مقدار السمن والظرف لم يجز لأن ذلك غرر لأن الظرف قد يكون خفيفاً وقد يكون ثقيلاً وإن علما وزنهما جاز لأنه لا غرر فيه واختلف أصحابنا في بيع النحل في الكندوج فقال أبو العباس يجوز بيعه لأنه يعرف مقداره حال دخوله وخروجه ومن أصحابنا من قال لايجوز وهو قول أبي حامد الإسفرايني لأنه قد يكون في الكندوج ما لا يخرج وإن اجتمع فرخه في موضع وشوهد جميعه جاز بيعه لأنه معلوم مقدور على تسليمه فجاز بيعه.
فصل: ولا يجوز بيع الحمل في البطن لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي نهى عن المجر والمجر اشتراء ما في الأرحام ولأنه قد يكون حملاً وقد يكون ريحاً وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز ولأنه إن كان حملاً فهو مجهول القدر مجهول الصفة وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز وإن باع حيواناً وشرط أنه حامل ففيه قولان: أحدهما أن البيع باطل لأنه مجهول الوجود مجهول الصفة والثاني أنه يجوز لأن الظاهر أنه موجود والجهل به لايؤثر لأنه لاتمكن رؤيته فعفى عن الجهل به كأساس الدار.
فصل: ولايجوز بيع اللبن في الضرع لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "لاتبيعوا الصوف على ظهر الغنم ولاتبيعوا اللبن في الضرع" ولأنه مجهول القدر لأنه قد يرى امتلاء الضرع في السمن فيظن أنه من اللبن ولأنه مجهول الصفة لأنه قد يكون اللبن صافي وقد يكون كدراً وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز.
فصل: ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم لقول ابن عباس ولأنه قد يموت الحيوان قبل الجز فيتنجس شعره وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز ولأنه لا يمكن تسليمه إلا باستئصاله من أصله ولا يمكن ذلك إلا بإيلام الحيوان وهذا لايجوز.

فصل: ولا يجوز البيع إلابثمن معلوم الصفة فإن باع بثمن مطلق في موضع ليس فيه نقد متعارف لم يصح البيع لأنه عوض في البيع فلم يجز مع الجهل بصفته كالمسلم فيه فإن باع بثمن معين تعين لأنه عوض فتعين بالتعيين كالمبيع فإن لم يره المتعاقدان أو أحدهما فعلى ما ذكرناه من القولين في بيع العين التي لم يرها المتبايعان أو أحدهما.
فصل: ولا يجوز البيع إلا بثمن معلوم القدر فإن باع بثمن مجهول كبيع السلعة برقمها وبيع السلعة بما باع به فلان سلعته وهما لا يعلمان ذلك فالبيع باطل لأنه عوض في البيع فلم يجز مع الجهل بقدره كالمسلم فيه فإن باعه بثمن معين جزافاً فأجاز لأنه معلوم بالمشاهدة ويكره ذلك ما قلنا في بيع الصبرة جزافاً وإن قال بعتك هذا القطيع كل شاة بدرهم أو هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وهما لا يعلمان مبلغ قفزان الصبرة وعدد القطيع صح البيع لأن غرر الجهالة ينتفي بالعلم بالتفصيل كما ينتفي بالعلم بالجملة جاز بالعلم بالتفصيل وإن كان لرجل عبدان فباع أحدهما من رجل الآخر من رجل آخر في صفقة واحدة بثمن واحد فإن الشافعي رحمه الله قال فيمن كاتب عبدين بمال واحد أنه على قولين: أحدهما يبطل العقد لأن العقد الواحد مع اثنين عقدان فإذا لم يعلم قدر العوض في كل واحد منهما بطل كما لو باع كل واحد منهما في صفقة بثمن مجهول والثاني يصح ويقسم العوض عليهما على قدر قيمتهما فمن قال في البيع أيضاً قولان وهو قول أبي العباس وقال أبو سعيد الإصطخري وأبو إسحاق يبطل البيع قولاً واحداً لأن البيع يفسد العوض والصحيح قول أبي العباس لأن الكتابة أيضاً تفسد بفساد العوض وقد نص فيها على قولين فإن قال بعتك بألف مثقال ذهباً وفضة فالبيع باطل لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما فكان باطلاً وإن قال بعتك بألف نقدا أو بألفين نسيئة فالبيع باطل لأنه لم يعقد على ثمن بعينه فهو كما لو قال بعتك أحد هذين العبدين.
فصل: وإن باع بثمن مؤجل لم يجز إلى أجل مجهول كالبيع إلى العطاء لأنه عوض في بيع فلم يجز إلى أجل مجهول كالمسلم فيه.
فصل: ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء الشهر وقدوم الحاج لأنه

بيع غرر من غير حاجة فلم يجز ولا يجوز بيع المنابذة وهو أن يقول إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع ولابيع الملامسة وهو أن يمس بيده ولا ينشره وإذا مسه فقد وجب البيع لما روى أبو سعيد الخدري قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين المنابذة والملامسة" والمنابذة أن يقول إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع والملامسة أن يمسه بيده ولا ينشره فإذا مسه فقد وجب البيع ولأنه إذا علق وجوب البيع على نبذ الثوب فقد علق البيع على شرط وذلك لا يجوز وإذا لم ينشر الثوب فقد باع مجهولاً وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز ولايجوز بيع الحصى وهو أن يقول بعتك ما وقع عليه الحصى من ثوب أو أرض لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصى ولأنه بيع مجهول من غير حاجة فلم يجز ولا يجوز حبل الحبلة لما روي ابن عمر رضي الله عنه قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحبلة" واختلف في تأويله فقال الشافعي رحمه الله: هو بيع السلعة بثمن إلى أن تلد الناقة ويلد حملها وقال أبو عبيد: هو بيع ما يلد حمل الناقة فإن كان على ما قال الشافعي رحمه الله فهو بيع بثمن إلى أجل مجهول وقد بينا أن ذلك لايجوز وإن كان على ما قال أبو عبيد فهو بيع معدوم ومجهول وذلك لا يجوز ولا يجوز بيعان في بيعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال "نهى رسول الله عن بيعتين في بيعة" فيحتمل أن يكون المراد به أن يقول بعتك هذا بألف نقداً أو بألفين نسيئة فلا يجوز للخبر ولأنه لم يعقد على ثمن معلوم ويحتمل أن يكون المراد به أن يقول

بعتك هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف فلا يصح للخبر ولأنه شرط في عقد وذلك لايصح فإذا سقط وجب أن يضاف إلى ثمن السلعة بإزاء ما سقط من الشرط وذلك مجهول فإذا أضيف إلى الثمن صار مجهولاً فبطل.
فصل: ولا يجوز مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام لما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن حلوان الكاهن ومهر البغي وعن الزهري في امرأة زنت بمال عظيم قال لا يصلح لملاها أكله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي فإن كان معه حلال وحرام كره مبايعته والأخذ منه لما روى النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات وسأضرب لكم في ذلك مثلاً إن الله تعالى حمى حمى وإن حمى الله حرام وأن من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى" وإن بايعه وأخذ منه جاز لأن الظاهر مما في يده أنه له فلا يحرم الأخذ منه ويكره بيع العنب ممن يعصر الخمر والتمر ممن يعمل النبيذ وبيع السلاح ممن يعصي الله تعالى به لأنه لا يأمن أن يكون ذلك معونة على المعصية فإن باع منه صح البيع لأنه قد لا يتخذ الخمر ولا يعصي الله تعالى بالسلاح ولا يجوز بيع المصحف ولا العبد المسلم من الكافر لأنه يعرض العبد للصغار والمصفح للابتذال فإن باعه منه ففيه قولان: أحدهما أن البيع باطل لأنه عقد منع منه لحرمة الإسلام فلم يصح كتزويج المسلمة من الكافر والثاني يصح لأنه سبب يملك به العبد الكافر فجاز أن يملك به العبد المسلم كالإرث فإذا قلنا بهذا أمرناه بإزالة ملكه لأن في تركه ملكه صغاراً على الإسلام فإن باعه أو أعتقه جاز وإن كاتبه ففيه قولان: أحدهما يقبل لأن بالكتابة يصير كالخارج من ملكه في التصرفات والثاني لايقبل لأنه عقدة لا يزيل الملك فلا يقبل منه كالتزويج والإجارة فإن ابتاع الكافر أباه المسلم ففيه طريقان: أحدهما أنه على

القولين والثاني أنه يصح قولاً واحداً لأنه يحصل له من الكمال بالحرية أكثر مما يحصل له من الصغار بالرق.
فصل: ولا يجوز بيع الجارية إلا حملها لأنه يتبعها في البيع والعتق فلا يجوز بيعها دونه كاليد والرجل ولا يجوز أن يفرق بين الجارية وولدها في البيع قبل سبع سنين لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لاتوله والدة بولدها" وقال عليه السلام: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة1" وإن فرق بينهما بالبيع بطل البيع لأنه تفريق محرم فأفسد البيع كالتفريق بين الجارية وحملها وهل يجوز بعد سبع سنين إلى البلوغ؟ فيه قولان: أحدهما لا يجوز لعموم الأخبار ولأنه غير بالغ فلا يجوز التفريق بينه وبين أمه في البيع كما لو كان دون سبع سنين والثاني يجوز لأنه لأنه مستغن عن حضانتها فجاز التفريق بينهما كالبالغ.

باب ما يفسد البيع من الشروط وما لا يفسده

إذا شرط في البيع شرطاً نظرت فإن كان شرطاً يقتضيه البيع كالتسليم والرد بالعيب وما أشبههما لم يبطل العقد لأن شرط ذلك بيان لما يقتضيه العقد فلم يبطله فإن شرط ما لا يقتضيه العقد ولكن فيه مصلحة كالخيار والأجل والرهن ولاضمين لم يبطل العقد لأن الشرع ورد بذلك على ما نبينه في مواضعه إن شاء الله وبه الثقة ولأن الحاجة تدعو إليه فلم يفسد العقد فإن شرط عتق العبد المبيع لم يفسد العقد لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة لتعتقها فأراد أهلها أن يشترطوا ولاءها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشتريها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق" وإن اشتراه بشرط العتق فامتنع من إعتاقه ففيه وجهان: أحدهما يجبر عليه لأنه عتق مستحق عليه فإذا امتنع أجبر عليه كما لو نذر عتق عبد ثم امتنع من إعتاقه والثاني لا يجبر بل يثبت الخيار في فسخ البيع لأنه ملكه بالعوض وإنما شرط للبائع حقاً فإذا لم يف ثبت للبائع الخيار كما لو اشترى شيئاً بشرط أن يرهن بالثمن رهناً فامتنع من الرهن فإن رضي البائع بإسقاط حقه من العتق ففيه وجهان: أحدهما لا يسقط لأنه عتق مستحق فلا يسقط بإسقاط الآدمي كالمنذور والثاني أنه يسقط لأنه حق شرطه البائع لنفسه فسقط بإسقاطه كالرهن والضمين وإن تلف العبد قبل العتق ففيه

ثلاثة أوجه: أحدها أنه ليس للبائع إلا الثمن لأنه لم يفقد أكثر من العتق والثاني يأخذ الثمن وما نقص من الثمن بشرط العتق فيقوم من غير شرط العتق ثم يقوم مع شرط العتق ويجب ما بينهما من الثمن والثالث أنه يفسخ العقد لأن البائع لم يرض بهذا الثمن وحده والمشتري لم يلتزم أكثر من هذا الثمن فوجب أن يفسخ العقد.
فصل: فإن شرط ما سوى ذلك من الشروط التي تنافي مقتضى البيع بأن باع عبداً بشرط أن لا يبيعه أو لا يعتقه أو باع داراً بشرط أن يسكنها مدة أو ثوباً بشرط أن يخيطه له أو فعلة بشرط أن يحذوها له بطل البيع لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن بيع وشرط" وروي أن عبد الله بن مسعود اشترى جارية من امرأته زينب الثقفية وشرطت عليه أنك إن بعتها فهي لي بالثمن فاستفتى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: لا تقر بها وفيها شرط لأحد وروي أن عبد الله اشترى جارية واشترط خدمتها فقال له عمر رضي الله عنه: لا تقبر بها وفيها مثنوية ولأنه شرط لم يبن على التغليب ولا هو من مقتضى العقد ولا من مصلحته فأفسد العقد كما لو شرط أن لا يسلم إليه المبيع فإن قبض المبيع لم يملكه لأنه قبض في عقد فاسد فلا يوجب الملك كالوطء في النكاح الفاسد فإن كان باقياً وجب رده وإن هلك ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف ومن أصحابنا من قال: يضمن قيمته يوم التلف لأنه مأذون في إمساك فضمن قيمته يوم التلف كالعارية وليس بشيء لأنه قبض مضمون في عين يجب ردها فإذا هلكت ضمنها بأكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف كقبض الغاصب ويخالف العارية فإن العارية مأذون في إتلاف منافعها ولأن في العارية لو رد العين ناقصة بالاستعمال لم يضمن ولو رد المبيع ناقصاً ضمن النقصان وإن حدثت في عينها زيادة بأن سمنت ثم هزلت ضمن ما نقص لأن ما ضمن عينه ضمن نقصانه كالمغصوب ومن أصحابنا من قال: لا يضمن لأن البائع دخل في العقد ليأخذ بدل العين دون الزيادة والمنصوص هو الأول وماقاله هذا القائل يبطل بالمنافع فإنه لم يدخل في العقد ليأخذ بدلها ثم تستحق فإن كان لمثله أجرة لزمه الأجرة للمدة التي أقام في يده لأنه مضمون عليه غير مأذون في الانتفاع به فضمن أجرته كالمغصوب فإن كانت جارية فوطئها لم يلزمه الحد لأنه وطء بشبهة لأنه اعتقد أنها ملكه ويجب عليه المهر لأنه وطء بشبهة فوجب به المهر كالوطء في النكاح الفاسد وإن كانت بكراً وجب عليه أرش البكارة لأن البكارة جزء من أجزائها وأجزاؤها مضمونة عليه فكذلك البكارة وإن أتت منه بولد فهو حر لأنه اعتقد

أنها جاريته ويلزمه قيمة الولد لأنه أتلف عليه رقه باعتقاده ويقوم بعد الانفصال لأنه لا يمكن تقويمه قبل الانفصال ولأنه يضمن قيمة الولد للحيلولة وذلك لا يحصل إلا بعد الانفصال فإن ألقت الولد ميتاً لم يضمنه لأنه لا قيمة له قبل الانفصال ولا توجد الحيلولة إلا بعد الانفصال فإن ماتت الجارية من الولادة لزمه قيمتها لأنها هلكت بسبب من جهته ولا تصير الجارية أم ولد في الحال لأنها عقلت منه في غير ملكه وهل تصير أم ولد إذا ملكها فيه قولان.

باب تفريق الصفقة

إذا جمع في البيع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه كالحر والعبد وعبده وعبد غيره ففيه قولان: أحدهما تفرق الصفقة فيبطل البيع فيما لا يجوز ويصح فيما يجوز لأنه ليس إبطاله فيهما لبطلانه في أحدهما بأولى من تصحيحه فيهما لصحته في أحدهما فبطل حمل أحدهما على الآخر وبقيا على حكمهما فصح فيما يجوز وبطل فيما لا يجوز والقول الثاني أن الصفقة لا تفرق فيبطل للعقد فيهما واختلف أصحابنا في علته فمنهم من قال يبطل لأن العقد جمع حلالاً وحراماً فغلب التحريم كما لو جمع بين أختين في النكاح أو باع درهماً بدرهمين ومنهم من قال يبطل لجهالة الثمن وذلك أنه إذا باع حراً وعبداً بألف سقط ما يخص الحر من الثمن فيصير العبد مبيعاً بما بقي وذلك مجهول في حال العقد فبطل كما لو قال بعتك هذا العبد بحصته من ألف درهم فإن قلنا بالتعليل الأول بطل البيع فيما ينقسم الثمن فيه على القيمة كالعبدين وفيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء كالعبد الواحد نصفه له ونصفه لغيره أو كرين من طعام أحدهما له والآخر لغيره وكذلك لو جمع بين ما يجوز وبين ما لا يجوز في الرهن أو الهبة أو النكاح بطل في الجميع لأنه جمع بين الحلال والحرام وإن قلنا إن العلة جهالة العوض لم يبطل البيع فيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء لأن العوض غير مجهول ولا يبطل الرهن والهبة لأنه لا عوض فيه ولا يبطل النكاح لأن الجهل بالعوض لا يبطله فإن قلنا أن العقد يبطل فيهما رد المبيع واسترجع الثمن وإن قلنا أنه يصح في أحدهما فله الخيار بين فسخ البيع وبين إمضائه لأنه يلحقه ضرر بتفريق الصفقة فثبت له الخيار فإن اختار الإمساك فبكم يمسك فيه قولان: أحدهما يمسك بجميع الثمن أو يرد لأن مالاً يقابل العقد لا ثمن له فيصير الثمن كله في مقابلة الآخر والثاني أنه يمسكه بقسطه لأنه لم يبذل جميع العوض إلا في مقابلتهما فلا يؤخذ منه جميعه في مقابلة أحدهما واختلف

أصحابنا في موضع القولين فمنهم من قال القولان فيما يتقسط العوض عليه بالقيمة فأما ما يتقسط العوض عليه بالأجزاء فإنه يمسك الباقي بالقسط من الثمن قولاً واحداً لأن فيما يتقسط الثمن عليه بالقيمة ما يخص الجائز مجهول فدعت الضرورة إلى أن يجعل جميع الثمن في مقابلته ليصير معلوماً وفيما يتقسط الثمن عليه بالأجزاء ما يخص الجائز معلوم فلا حاجة بنا إلى أن نجعل جميع الثمن في مقابلته ومنهم من قال: القولان في الجميع وهو الصحيح لأنه نص على القولين في بيع الثمرة قبل أن تخرج الزكاة والثمار مما يتقسط الثمن عليها بالأجزاء فإن قلنا يمسك بجميع الثمن لم يكن للبائع الخيار لأنه لا ضرر عليه وإن قلنا يمسك بحصته فهل للبائع الخيار؟ فيه وجهان أحدهما أن له الخيار لأنه تبعضت عليه الصفقة فيثبت له الخيار كما يثبت للمشتري والثاني لاخيار له لأنه دخل على بصيرة لأن الحر لا يؤخذ منه بثمن وإن باع مجهولاً ومعلوماً فإن قلنا لاتفرق الصفقة بطل العقد فيهما وإن قلنا تفرق وقلنا إنه يمسك الجائز بحصته بطل البيع فيه لأن الذي يخصه مجهول وإن قلنا يمسكه بجميع الثمن صح العقد فيه وإن جمع بين حلالين ثم تلف أحدهما قبل القبض بطل البيع فيه وإن يبطل في الباقي فيه طريقان: أحدهما أنه على القولين في تفريق الصفقة لأن ما يحدث من الهلاك قبل القبض كالموجود في حال العقد في إبطال العقد فوجب أن يكون كالموجود في حال العقد فيما ذكرناه والثاني لايبطل إلا فيما تلف لأن في الجمع ما بين الحلال والحرام إنما بطل للجهل بالعوض أو للجمع بين الحلال والحرام في العقد ولا يوجد ههنا واحد منهما فعلى هذا يصح العقد في الباقي وللمشتري الخيار في فسخ العقد لأنه تفرقت عليه الصفقة فإن أمضاه أخذ البا قي بقسطه من الثمن قولاً واحداً لأن العوض ههنا قابل المبيعين فانقسم عليهما فلا يتغير بالهلاك.
فصل: وإن جمع بين بيع وإجارة أو بين بيع وصرف أو بين عبدين بشرط الخيار في أحدهما دون الآخر بعوض واحد ففيه قولان: أحدهما أنه يبطل العقدان لأن أحكام العقدين متضادة وليس أحدهما أولى من الآخر فبطل الجميع والثاني أنه يصح العقدان وينقسم العوض عليهما على قدر قيمتهما لأنه ليس فيه أكثر من اختلاف حكم

العقدين وهذا لا يمنع صحة العقد كما لو جمع في البيع بين ما فيه شفعة وبين ما لا شفعة فيه وإن جمع بين البيع والنكاح بعوض واحد فالنكاح لا يبطل لأنه لا يبطل بفساد العوض وفي البيع قولان ووجههما ما ذكرناه وإن جمع بين البيع والكتابة فإن قلنا في البيع والإجارة أنهما يبطلان بطل البيع والكتابة وإن قلنا إن البيع والإجارة يصحان بطل البيع ههنا لأنه لا يجوز أن يبيع السيد من عبده وهل تبطل الكتابة يبني على تفريق الصفقة فإن قلنا لا تفرق بطل وإن قلنا تفرق بطل البيع وصحت الكتابة.

باب الربا

الربا محرم والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ﴿البقرة: 275﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] روي في التفسير حين يقوم من القبر وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه".
فصل: والأعيان التي نص على تحريم الربا فيها الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح والدليل عليه ما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً فمن زاد أو استزاد فقد أربى فأما الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة وهو أنهما من جنس الأثمان فيحرم الربا فيهما ولا يحرم فيما سواهما من الموزونات والدليل عليه أن لا يجوز أن يكون تحريم الربا لمعنى يتعداهما إلى غيرهما من الأموال لأنه لو كان لمعنى يتعداهما إلى غيرهما لم يجز إسلامهما فيما سواهما من الأموال لأن شيئين جمعتها علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر كالذهب والفضة والحنطة والشعير فلما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من الأموال دل على أن العلة فيهما لمعنى لا يتعداهما وهو أنه من جنس الأثمان فأما الأعيان الأربعة ففيها قولان: قال في الجديد العلة فيها أنها مطعومة والدليل عليه ماروى معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" والطعام اسم لكل ما يتطعم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 45] أراد به الذبائح وقالت

عائشة رضي الله عنها: مكثنا مع نبينا صلى الله عليه وسلم سنة ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر وقال لبيد: لمعفر قهد ينازع شلوه ... غبش كواسب ما يمن طعامها وأراد بع الفريسة والحكم إذا علق على اسم مشتق كان ذلك علة فيه كالقطع في السرقة والحد في الزنا ولأن الحب ما دام مطعوماً يحرم فيه الربا فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوماً لم يحرم فيه الربا فإذا انعقد الحب وصار مطعوماً حرم فيه الربا فدل على أن العلة فيه كونه مطعوماً فعلى هذا يحرم الربا في كل ما يطعم من الأقوات والإدام والحلاوات والفواكه والأدوية وفي الماء وجهان: أحدهما يحرم فيه الربا لأنه مطعوم فهو كغيره والثاني لا يحرم فيه الربا لأنه مباح في الأصل غير متمول في العادة فلا يحرم فيه الربا وفي الأدهان المطيبة وجهان: أحدهما لا ربا فيها لأنها تعد للانتفاع برائحتها دون الأكل والثاني أنه يحرم فيها الربا وهو الصحيح لأنه مأكول وإنما لا يؤكل لأنه ينتفع به فيما هو أكثر من الأكل وفي البزر ودهن السمك وجهان: أحدهما لا ربا فيه لأنه يعد

للاستصباح والثاني أنه يحرم الربا فيه لأنه مأكول فأشبه الشيرج وقال في القديم العلة فيها أنها مطعومة مكيلة أو مطعومة موزونة والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" والمماثلة لا تكون إلا بالكيل أو الوزن فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن فعلى هذا لا يحرم الربا فيما لا يكال ولا يوزن من الأطعمة كالرمان والسفرجل والقثاء والبطيخ وما أشبهها.
فصل: وما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيها الربا فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً ونسيئة ويجوز فيها التفرق قبل التقابض لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله أن أجهز جيشاً فنقدت الإبل فأمرني أن آخذ على قلاص الصدقة فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وعن علي كرم الله وجهه أنه باع جملاً إلى أجل بعشرين بعيراً وباع ابن عباس رضي الله عنه بعيراً بأربعة أبعرة واشترى ابن عمر رضي لله عنه راحلة بأربعة رواحل ورواحله بالربذة واشترى رافع بن خديج رضي الله عنه بعيراً ببعيرين فأعطاه أحدهما وقال آتيك بالآخر غداً ولا يجوز بيع نسيئة بنسيئة لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الكاليء بالكاليء " قال أبو عبيدة: هو النسيئة بالنسيئة.
فصل: فأما ما يحرم فيه الربا فينظر فيه فإن باعه بجنسه حرم فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض لما روى عبادة ابن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد1" فإن باعه بغير جنسه نظرت فإن كان مما يحرم الربا فيهما لعلة واحدة كالذهب والفضة والشعير والحنطة جاز فيه التفاضل وحرم فيه النساء والتفرق قبل التقابض لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا اختلفت هذه الأصناف

فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" فإن تبايعا وتخايرا في المجلس قبل التقابض بطل البيع لأن التخاير كالتفرق ولو تفرقا قبل التقابض بطل العقد فكذلك إذا تخايرا وإن تبايعا دراهم بدنانير في الذمة وتقابضا ثم وجد أحدهما بما قبض عيباً نظرت فإن لم يتفرقا جاز أن يرد ويطالب بالبلد لأن المعقود عليه ما في الذمة وقد قبض قبل التفرق وإن تفرقا ففيه قولان: أحدهما يجوز إبداله قبل التفرق جاز بعده كالمسلم فيه والثاني لا يجوز وهو قول المزني لأنه إذا أبدله صار القبض بعد التفرق وذلك لا يجوز وإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلتين كبيع الحنطة بالذهب والشعير بالفضة حل فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب والفضة في المكيلات المطعومة.
فصل: وكل شيئين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة كالتمر البرني والتمر المعقلي فهما جنس واحد وكل شيئين اختلفا في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب فهما جنسان والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ستة أشياء وحرم التفاضل إذا باع كل شيء منها بما وافقه في الاسم وأباح فيه التفاضل إذا باعه بما خالفه في الاسم فدل على أن كل شيئين اتفقا في الاسم فهما جنس وإذا اختلفا في الاسم فهما جنسان وما اتخذ من أموال الربا كالدقيق والخبز والعصير والدهن تعتبر بأصولها فإن كانت الأصول أجناساً فهي أجناس وإن كانت الأصول جنساً واحداً فهي جنس واحد فعلى هذا دقيق الحنطة ودقيق الشعير جنسان وخبز الحنطة وخبز الشعير جنسان ودهن الجوز ودهن اللوز جنسان واختلف قوله في زيت الزيتون وزيت الفجل فقال في أحد القولين: هما جنس واحد لأنه جمعهما اسم الزيت والثاني أنهما جنسان وهو الصحيح

لأنهما يختلفان في الطعم واللون فكانا جنسين كالتمر الهندي والتمر البرني ولأنهما فرعان لجنسين مختلفين فكانا جنسين كدهن الجوز ودهن اللوز واختلف قوله في اللحمان فقال في أحد القولين هي أجناس وهو قول المزني هو الصحيح لأنها فروع لأصول هي أجناس فكانت أجناساً كالأدقة والأدهان والثاني أنها جنس واحد لأنها تشترك في الاسم الخاص في أول دخولها في تحريم الربا فكانت جنساً واحداً كالتمور وتخالف الأدقة والأدهان لأنه أصولها أجناس يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً فاعتبر فروعها بها واللحمان لا يحرم الربا في أصولها فاعتبرت بنفسها فإن قلنا إن اللحم جنس واحد لم يجز بيع لحم شيء من الحيوان بلحم غيره متفاضلاً وهل يدخل لحم السمك في ذلك فيه وجهان: قال أبو اسحاق يدخل فيها فلا يجوز بيعه بلحم شيء من الحيوان متفاضلاً لأن اسم اللحم يقع عليه والدليل قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ [النحل: 14] ومن أصحابنا من قال لا يدخل فيه لحم السمك وهو المذهب لأنه لا يدخل في إطلاق اللحوم أجناس جاز بيع لحم كل جنس من الحيوان بلحم جنس آخر متفاضلاً فيجوز بيع لحم البقر بلحم الغنم متفاضلاً ولحم بقر الوحش بلحم بقر الأهل لأنهما جنسان ولا يجوز بيع لحم الضأن بلحم المعز ولا لحم البقر بلحم الجواميس متفاضلاً لأنهما نوعان من جنس واحد.
فصل: واللحم الأحمر واللحم الأبيض جنس واحد لأن الجميع لحم واللحم والشحم جنسان واللحم والألية جنسان والشحم والألية جنسان واللحم والكبد جنسان والكبد والطحال جنسان واللحم والكلية جنسان لأنه مختلفة الاسم والخلقة فأما الألبان ففيها طريقان: من أصحابنا من قال هي كاللحمان وفيها قولان ومنهم من قال الألبان أجناس قولاً واحداً لأنها تتولد من الحيوان والحيوان أجناس فكذلك الألبان واللحمان لا تتولد من الحيوان والصحيح أنها كاللحمان.
فصل: وما حرم فيه التفاضل لا يجوز بيع بعضه ببعض حتى يتساويا في الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن لما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب تبره وعينه وزناً بوزن والفضة بالفضة تبرها وعينها وزناً بوزن والملح بالملح والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير كيلاً بكيل فمن زاد أو أزاد فقد أربى1" فإن باع

صبرة طعام بصبرة طعام وهما لا يعلمان كيلهما لم يصح البيع لما روى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاتباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام1" وإن باع صبرة طعام بصبرة طعام صاعاً بصاع فخرجتا متساويتين صح البيع وإن خرجتا متفاضلتين ففيه قولان: أحدهما أنه باطل لأنه بيع طعام بطعام متفاضلاً والثاني أنه يصح فيما تساويا فيه لأنه شرط التساوي في الكيل ومن نقصت صبرته فهو بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يمضيه بمقدار صبرته لأنه دخل على أن يسلم له جميع الصبرة ولم يسلم له فثبت له الخيار وإن باع صبرة طعام بصبرة شعير كيلاً بكيل فخرجتا متساويتين جاز وإن خرجتا متفاضلتين فإن رضي صاحب الصبرة الزائد بتسليم الزيادة أقر العقد ووجب على الآخر قبوله لأنه ملك الجميع بالعقد إن رضي صاحب الصبرة الناقصة بقدر صبرته من الصبرة الزائدة أقر العقد وإن تشاحا فسخ البيع لأن كل واحد منهما باع صبرته بجميع صبرة صاحبه على التساوي في المقدار وقد تعذر ذلك ففسخ العقد.
فصل: ويعتبر التساوي فيما يكال ويوزن بكيل الحجاز ووزنه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة" وإن كان مما لا أصل له بالحجاز في الكيل والوزن نظرت فإن كان مما لا يمكن كيله اعتبر التساوي فيه بالوزن لأنه لا يمكن غيره وإن كان مما يمكن كيله ففيه وجهان: أحدهما أن يعتبر بأشبه الأشياء به في الحجاز فإن كان مكيلاً لم يجز بيعه إلا كيلاً وإن كان موزوناً لم يجز بيعه إلا موزوناً لأن الأصل فيه الكيل والوزن بالحجاز فإذا لم يكن له في الحجاز أصل في الكيل والوزن اعتبر بأشبه الأشياء به والثاني أنه يعتبر بالبلد الذي فيه البيع لأنه أقرب إليه وإن كان مما لا يكال أو يوزن وقلنا بقوله الجديد إنه يحرم فيه الربا وجوزنا بيع بعضه ببعض نظرت فإن كان مما لا يمكن كيله كالبقل والقثاء والبطيخ وما أشبهها بيع وزناً وإن كان مما يمكن كيله ففيه وجهان: أحدهما لا يباع إلا كيلاً لأن الأصل هو الأعيان الأربعة المنصوص عليها وهي مكيلة فوجب رده إلى الأصل والثاني أنه لا يباع إلا وزنا لأن الوزن أحصر.

فصل: وما حرم فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض ومع أحد العوضين جنس آخر يخالفه في القيمة كبيع ثوب ودرهم بدرهمين، ومد عجوة ودرهم بدرهمين ولا يباع نوعان من جنس بنوع كدينار قاساني ودينار سابوري بقاسانين أو سابورين أو دينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين أو دينارين قراضة والدليل عليه ما روى فضالة بن عبيد قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز مغلفة بذهب فابتاعها رجل بسبعة دنانير أو تسعة دنانير فقال عليه الصلاة والسلام: "لاحتى تميز بينه وبينه" قال: إنما أردت الحجارة فقال: لاحتى تميز بينهما ولأن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما والدليل عليه أنه إذا باع سيفاً وشقصاً بألف قوم السيف والشقص وقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما وأخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن على قدر قيمته وأمسك المشتري السيف بحصته من الثمن على قدر قيمته وإذا قسم الثمن على قدر القيمة أدى إلى الربا لأنه إذا باع ديناراً صحيحاً قيمته عشرون درهماً وديناراً قراضة قيمته عشرة بدينارين وقسم الثمن على قدر قيمتهما صارت القراضة مبيعة بثلث الدينارين والصحيح بالثلثين وذلك ربا.
فصل: ولا يباع خالصه بمشوبه كحنطة خالصة بحنطة فيها شعير أو زؤان وفضة خالصة لفضة مغشوشة وعسل مصفى بعسل فيه شمع لأن أحدهما يفضل على الآخر ولا يباع مشوبه بمشوبه كحنطة فيها شعير أو زؤان بحنطة فيها شعير أو زؤان وفضة مغشوشة بفضة مغشوشة أو عسل فيه شمع بعسل فيه شمع لأنه لا يعلم التماثل بين الحنطتين وبين الفضتين وبين العسلين ويجوز أن يباع طعام بطعام وفيه قليل تراب لأن التراب يحصل في سفوف الطعام ولا يظهر في الكيل فإن باع موزوناً بموزون من جنسه من أموال الربا وفيه قليل تراب لم يجز لأن ذلك يظهر في الوزن ويمنع من التماثل.

فصل: ولا يباع رطبه بيابسه على الأرض لما روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" فقيل له نعم قال: "فلا".
فنهى عن بيع الرطب بالتمر وجعل العلة فيه أنه ينقص عن يابسه فدل على أن كل رطب لا يجوز بيعه بيابسه وأما بيع رطبه برطبه فينظر فيه فإن كان ذلك مما يدخر يابسه كالرطب والعنب ولم يجز بيع رطبه برطبه وقال المزني يجوز لأن معظم منافعه في حال رطوبته فجاز بيع بعضه ببعض كالبن والدليل على أنه لا يجوز أنه لا يعلم التماثل بينهما في حال الكمال والادخار فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالتمر بالتمر جزافاً ويخالف اللبن فإن كماله في حال رطوبته لأنه يصلح لكل ما يراد به الكمال في الرطب والعنب في حال يبوسته لأنه يعمل منه كل ما يراد منه ويصلح للبقاء والادخار وإن كان مما لا يدخر يابسه كسائر الفواكه ففيه قولان: أحدهما لا يجوز لأنه جنس فيه رباً فلم يجز بيع رطبه برطبه كالرطب والعنب والثاني أنه يجوز لأن معظم منافعه في حال رطوبته فجاز بيع رطبه برطبه كاللبن وفي الرطب الذي لا يجيء منه التمر والعنب الذي لا يجيء منه الزبيب طريقان: أحدهما أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض لأن الغالب منه أنه يدخر يابسه وما لا يدخر منه نادر فألحق بالغالب والثاني وهو قول أبي العباس إنه على قولين لأن معظم منفعته في حال رطوبته فكان على قولين كسائر الفواكه وفي بيع اللحم الطري باللحم الطري طريقان: أحدهما وهو المنصوص إنه لا يجوز لأنه يدخر يابسه فلم يجز بيع رطبه برطبه كالرطب والعنب والثاني وهو قول أبي العباس إنه على قولين لأن معظم منفعته في حال رطوبته فصار كالفواكه فإن باع منه ما فيه نداوة يسيرة بمثله كالتمر الحديث بعضه ببعض جاز بلا خلاف لأن ذلك لا يظهر في الكيل وإن كان مما يوزن كاللحم لم يجز لأنه يظهر في الوزن.
فصل: وأما العرايا وهو بيع الرطب على النخل بالتمر على الأرض خرصاً فإنه يجوز للفقراء فيخرص ما على النخل من الرطب وما يجيء منه من التمر إذا جف ثم يبيع ذلك بمثله تمراً ويسلمه إليه قبل التفرق والدليل عليه ماروى محمود بي لبيد قال:

قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه فسمى رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس وعندهم فضول من قوتهم من التمر فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بيتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطباً وهل يجوز للأغنياء فيه قولان: أحدهما لا يجوز - وهو اختيار المزني - لأن الرخصة وردت في حق الفقراء والأغنياء لا يشاركونهم في الحاجة فبقي في حقهم على الحظر والثاني أنه يجوز لما روى سهل بن أبي حثمة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالتمر إلا أنه رخص في العرايا أن تبتاع بخرصها تمراً يأكلها أهلها رطباً ولم يفرق ولأن كل بيع جاز للفقراء جاز للأغنياء كسائر البيوع وهل يجوز ذلك في الرطب بالرطب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها يجوز - وهو قول أبي علي بن خيران لما روى زيد بن ثابت قال: رخص رسول الله في العرايا بالتمر والرطب ولم يرخص في غير ذلك والثاني لايجوز وهو قول أبي سعيد الإصطخري لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبايعوا ثمر النخل بثمر النخل" ولأن الخرص غرر وقد وردت الرخصة في جوازه في أحد العوضين فلو جوزناه في الرطب بالرطب لجوزناه في العوضين وذلك غرر كثير زائد على ما وردت فيه الرخصة فلم يجز كشرط الخيار فيما زاد على ثلاثة أيام والثالث وهو قول أبي إسحاق إنه إن كان نوعاً واحداً لم يجز لأنه لاحاجة به إليه لأن مثل ما يبتاعه عنده وإن كان نوعين جاز لأنه قد يشتهي كل واحد منهما النوع الذي عند صاحبه فيكون كمن عنده تمر ولارطب عنده ولا يجوز في العرايا فيما زاد على خمسة أوسق في عقد واحد لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة فالمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من حنطة والمزابنة أن يبيع الثمر على رؤوس النخل بمائة فرق والمخابرة كراء الأرض بالثلث والربع ويجوز ذلك فيما دون خمسة أوسق لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق وفي خمسة أوسق قولان: أحدهما لا يجوز وهو قول المزني لأن الأصل هو الحضر وقد ثبت جواز ذلك فيما دون خمسة أوسق

لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي خمسة أوسق شك لأنه روي في حديث أبي هريرة فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق شك فيه داود بي الحصين فبقي على الأصل ولأن خمسة أوسق في حكم ما زاد بدليل أنه تجب الزكاة في الجميع فإذا لم تجز فيما زاد على خمسة أوسق لم تجز في خمسة أوسق والقول الثاني أنه يجوز لعموم حديث سهل بن أبي حثمة.
فصل: وما جاز في الرطب بالتمر جاز في العنب بالزبيب لأنه يدخر يابسه ويمكن خرصه فأشبه الرطب وفيما سوى ذلك من الثمار قولان: أحدهما يجوز لأنه ثمرة فجاز بيع رطبها بيابسها خرصاً كالرطب والثاني لا يجوز لما روى زيد بن ثابت قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرايا بالتمر والرطب ولم يرخص في ذلك ولأن سائر الثمار لايدخر يابسها ولا يمكن خرصها لتفرقها في الأغصان واستتارها في الأوراق فلم يجز بيعها خرصاً.
فصل: ولا يباع منه ما نزع نواه بما لم ينزع نواه لأن أحدهما على هيئة الادخار والآخر على غير هيئة الادخار ويتفاضلان حال الادخار فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالرطب بالتمر وهل يجوز بيع ما نزع نواعه بعضه ببعض؟ فيه وجهان: أحدهما يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا التمر بالتمر إلا سواء بسواء" والثاني لا يجوز لأنه يتجافى في المكيال

فلا يتحقق التساوي ولأنه يجهل تساويهما في حال الكمال والادخار فأشبه بيع التمر بالتمر جزافاً.
فصل: ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه لأن النار تعقد أجزاءه وتسخنه فإن بيع كيلاً لم يجز لأنهما لا يتساويان في الكيل في حال الادخار وإن بيع وزناً لم يزد لأن أصله الكيل فلا يجوز بيعه وزناً ولا يجوز بيع مطبوخه لأن النار قد تعقد من أجزاء أحدهما أكثر من الآخر فيجهل التساوي واختلف أصحابنا في بيع العسل المصفى بالنار بعضه ببعض فمنهم من قال لا يجوز لأن النار تعقد أجزاءه فلا يعلم تساويهما ومنهم من قال يجوز وهو المذهب لأن نار التصفية نار لينة لا تعقد الأجزاء وإنما تميزه من الشمع فصار كالعسل المصفى بالشمس واختلفوا في بيع السكر بعضه ببعض فمنهم من قال لا يجوز لأن النار قد عقدت أجزاءه ومنهم من قال يجوز لأن ناره لا تعقد الأجزاء وغنما تميزه من القصب.
فصل: ولا يجوز بيع الحب بدقيقه متفاضلاً لأن الدقيق هو الحب بعينه وإنما فرقت أجزاؤه فهو كالدنانير الصحاح بالقراضة فأما بيعه به متماثلاً فالمنصوص أنه لا يجوز وقال الكرابيسي: قال أبو عبد الله: تجوز فجعل أبو الطيب بن سلمة هذا قولاً آخر وقال أكثر أصحابنا: لا يجوز قولاً واحداً ولعل الكرابيسي أراد أبا عبد الله مالكاً أو أحمد فإن عندهما يجوز ذلك والدليل على أنه لا يجوز أنه جنس فيه ربا بيع منه ما هو على هيئة الادخار بما ليس منه على هيئة الادخار على وجه يتفاضلان في حال الادخار فلم يصح كبيع الرطب بالتمر ولا يجوز بيع دقيقة بدقيقة وروى المزني عنه في المنثور أنه يجوز وإليه أومأ في البويطي لأنهما يتساويان في الحال ولا يتفاضلان في الثاني فجاز بيع أحدهما بالآخر كالحنطة بالحنطة والصحيح هو الأول لأنه جهل التساوي بينهما في حال الكمال والإدخار فأشبه بيع الصبرة بالصبرة جزافاً ولا يجوز بيع حبه بسويقه ولا سويقه بسويقه لما ذكرناه في الدقيق ولأن النار قد دخلت عليه وعقدت أجزاؤه فمنع التماثل ولا يجوز بيعه بخبزه لأنه دخله النار وخالطه الملح والماء وذلك يمنع التماثل ولأن الخبز موزون والحنطة مكيل فلا يمكن معرفة التساوي بينهما ولا يجوز بيع خبزه بخبزه لأن ما فيه من الماء والملح يمنع من لا علم بالتماثل فمنع جواز العقد وإن جفف الخبز وجعل فتيتاً وبيع بعضه ببعض كيلاً ففيه قولان: أحدهما لا يجوز لأنه لا يعلم تساويهما في حال التكامل فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالرطب بالرطب والثاني أنه يجوز لأنه مكيل مدخر فجاز بيع بعضه ببعض كالتمر.

فصل: ولا يجوز بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والعنب بالعصير لأنه إذا عصر الأصل نقص عن العصير الذي بيع به ويجوز بيع العصير بالعصير إذا لم تنعقد أجزاؤه لأنه يدخر على صفته فجاز بيع بعضه ببعض كالزبيب بالزبيب ويجوز بيع الشيرج بالشيرج ومن أصحابنا من قال لا يجوز لأنه يخالطه الماء والملح وذلك يمنع التماثل فمنع العقد والمذهب الأول لأنه يدخر على جهته فجاز بيع بعضه ببعض كالعصير وأما الماء والملح فإنه يحصل في الكسب ولا ينعصر لأنه لو انعصر في الشيرج لبان عليه ويجوز بيع خل الخمر بخل الخمر لأنه يدخر على جهته فجاز بيع بعضه ببعض كالزبيب بالزبيب ولا يجوز بيع خل الخمر بخل الزبيب لأن في خل الزبيب ماء وذلك يمنع من تماثل الخلين ولا يجوز خل الزبيب بخل الزبيب ولا بيع خل التمر بخل التمر لأنا إن قلنا إن الماء فيه ربا لم يجز للجهل بتماثل الماءين والجهل بتماثل الخلين وإن باع خل الزبيب بخل التمر فإن قلنا إن في الماء ربا لم يجز للجهل بتماثل الماءين فيهما وإن قلنا لا ربا في الماء جاز لأنهما جنسان فجاز بيع أحدهما بالآخر مع الجهل بالمقدار كالتمر بالزبيب والله أعلم.
فصل: ولا يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلب شاة لأن اللبن يدخل في البيع ويقابله قسط من الثمن والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في مقابلة لبن المصراة صاعاً من تمر ولأن اللبن في الضرع كاللبن في الإناء والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلبن أحدكم شاة غيره بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى خزانته فينتثل ما فيها1" فجعل اللبن كالمال في الخزانة فصار كما لو باع لبناً وشاة بلبن فإن باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن ففيه وجهان: قال أبو الطيب بن سلمى: يجوز كما يجوز بيع السمسم بالسمسم وإن كان في كل واحد منهما شيرج وكما يجوز بيع دار بدار وإن كان في كل واحدة منهما بئر ماء وقال أكثر أصحابنا: لا يجوز لأنه جنس فيه ربا بيع بعضه ببعض ومع كل واحد منهما شيء مقصود فلم يجز كما لو باع نخلة مثمرة بنخلة مثمرة ويخالف السمسم لأن الشيرج في السمسم كالمعدوم لأنه لا يحصل إلا بطحن وعصر واللبن موجود في الضرع

فصول الكتاب · 52 فصل · 499 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي · 499 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن
كتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب السبق والرميكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب عتق أمهات الأولادكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتال أهل البغي
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل