كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب ما يكره لبسه وما لا يكره
يحرم على الرجل استعمال الديباج والحرير في اللبس والجلوس وغيرهما لما روى حذيفة قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال: هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة فإن كان بعض الثوب إبريسم وبعضه قطناً فإن كان الإبريسم أكثر لم يحل وإن كان أقل كالخز لحمته صوف وسداه إبريسم حل لما روي عن ابن عباس قال: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم وسدا الثوب فليس به بأس ولأن السرف يظهر بالأكثر دون الأقل وإن كان نصفين ففيه وجهان: أحدهما أنه يحرم لأنه ليس الغالب الحلال والثاني أنه يحل وهو الأصح لأن التحريم يثبت بغلبة المحرم والمحرم ليس بغالب وإن كان في الثوب قليل من الحرير والديباج كالجبة المكفوفة بالحرير والمجيب بالديباج وما أشبههما لم يحرم ذلك لما روى علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلا في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع وروي أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج فإن كان له جبة محشوة بالإبريسم لم يحرم لبسها لأن السرف فيها غير ظاهر.
فصل: قال في الأم: وإن توقى المحارب لبس الديباج كان أحب إلي فإن لبسه فلا بأس والدليل عليه أنه يحصنه ويمنع من وصول السلاح إليه وإن احتاج إلى لبس الحرير للحكة جاز لنا روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما في لبس الحرير من الحكة.
فصل: فأما الذهب فلا يحل للرجال استعماله لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحرير والذهب "الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثها1" ولا فرق في الذهب بين القليل والكثير لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التختم بالذهب هذين الخاتم مع قتله ولأن السرف في الجميع ظاهر وإن كان في الثوب ذهب قد صدىء بحيث لا يبين لم يحرم لم يحرم لبسه لأنه ليس فيه سرف ظاهر وإن كان له درع منسوج بالذهب أو بيضة مطلية بالذهب وأراد لبسها في الحرب فإن وجد ما يقوم مقامه لم يجز وإن لم يجد وفاجأته الحرب جاز لأنه موضع ضرورة فإن اضطر إلى استعمال الذهب لما روى أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب ويحل للنساء لبس الحرير ولبس الحلي من الذهب لحديث علي كرم الله وجهه.
فصل: ويجوز أن يلبس دابته وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير لأنه إن كان مدبوغاً فهو طاهر وإن كان غير مدبوغ فالمنع من استعماله للنجاسة ولا تعبد على الدابة والأداة وأما جلد الكلب والخنزير فلا يجوز استعماله في شيء من ذلك لأن الخنزير لا يحل الانتفاغ به والكلب لا يحل إلا لحاجة وهي الصيد وحفظ الماشية والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان1" ولا حاجة إلى الانتفاع بجلده بعد الدباغ فلم يحل وبالله التوفيق.
1رواه أبو داود في كتاب اللباس باب 10.
الترمذي في كتاب اللباس 1.
النسائي في كتاب الزينة باب 40.
ابن ماجه في كتاب اللباس باب 19.
باب صلاة الجمعة
صلاة الجمعة واجبة لما روى جابر رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "اعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً أو جحوداً فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره1" فصل: ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون لأنه لا تجب عليهما سائر الصلوات فالجمعة أولى ولا تجب على المرأة لما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض" ولأنها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز ولا تجب على المسافر للخبر ولأنه مشغول بالسفر وأسبابه فلو أوجبنا عليه انقطع عنه ولا تجب على العبد للخبر ولأنه ينقطع عن خدمة مولاه ولا تجب على المريض للخبر ولأنه يشق عليه القصد وأما الأعمى فإنه إن كان له قائد لزمه وإن لم يكن له قائد لم تلزمه لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد ولا تجب على المقيم في موضع لا يسمح النداء من البلد الذي تقام فيه الجمعة أو القرية التي تقام فيها الجمعة لما روى عبد الله ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجمعة على من سمع النداء2" والاعتبار في سماع النداء أن يقف المؤذن في طرف البلد والأصوات هادئة والريح ساكنة وهو مستمع فإذا سمع لزمه وإن لم يسمع لم يلزمه ولا تجب على خائف على نفسه أو ماله لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: خوف أو مرض3" ولا تجب على من في طريقه إلى المسجد مطر يبل ثيابه لأنه يتأذى بالقصد ولا تجب على من له مريض يخاف ضياعه لأن حق المسلم آكد من فرض الجمعة ولا تجب على من له قريب أو صهر أو ذو ود يخاف موته لما روي أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر
يسعى إلى الجمعة فترك الجمعة ومضى إليه وذلك لما بينهما من القرابة فإنه ابن عمه ولأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه من مرض أو أخذ مال.
فصل: ومن لا جمعة عليه لا تجب عليه وإن حضر الجامع إلا المريض ومن في طريقه مطر لأنه إنما لم تجب عليهم للمشقة وقد زالت بالحضور وإن اتفق يوم عيد ويوم جمعة فحضر أهل السواد فصلوا العيد فجاز أن ينصرفوا ويتركوا الجمعة لما روي أن عثمان رضي الله عنه قال في خطبته: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف ولم ينكر عليه أحد ولأنهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيأوا بالعيد فإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة والجمعة تسقط بالمشقة ومن أصحابنا من قال: تجب عليهم الجمعة لأن من لزمته الجمعة في غير يوم عيد وجبت عليه في يوم العيد كأهل البلد والمنصوص في الأم هو الأول.
فصل: ومن لا جمعة عليه مخير بين الظهر والجمعة فإن صلى الجمعة أجزأه عن الظهر لأن الجمعة إنما سقطت عنه لعذر فإن حمل على نفسه وفعل أجزأه كالمريض إذا حمل على نفسه فصلى من قيام وإذا أراد أن يصلي الظهر جاز لأنه فرضه غير أن المستحب أن لا يصلي حتى يعلم ان الجمعة قد فاتت لأنه ربما زال العذر فيصلي الجمعة فإن صلى في أول الوقت ثم زال عذره والوقت باق لم تجب عليه الجمعة وقال أبو بكر بن الحداد المصري: إذا صلى الصبي الظهر ثم بلغ والوقت باق لزمه الجمعة وإن صلى غيره من المعذورين لم تلزمه الجمعة لأن ما صلى الصبي ليس بفرض وما صلى غيره فرض والمذهب الأول لأن الشافعي نص على أن الصبي إذا صلى في غير يوم الجمعة الظهر ثم بلغ والوقت باق لم تجب عليه إعادة الظهر فكذلك الجمعة وإن صلى المعذور الظهر ثم صلى الجمعة سقط الفرض بالظهر وكانت الجمعة نافلة وحكى أبو إسحاق المروزي أنه قال في القديم: يحتسب الله له بأيتهما شاء والصحيح هو الأول وإن أخر المعذور الصلاة حتى فاتت الجمعة صلى الظهر في الجماعة قال الشافعي رحمه الله: وأحب إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين قال أصحابنا: فإن كان عذرهم ظاهراً
لم يكره إظهار الجماعة لأنهم لا يتهمون مع ظهور العذر وأما من تجب عليه الجمعة فلا يجوز أن يصلي الظهر قبل فوات الجمعة فإنه مخاطب بالسعي إلى الجمعة فإن صلى الظهر قبل صلاة الإمام ففيه قولان: قال في القديم: يجزئه لأن الفرض هو الظهر لأنه لو كان الفرض هو الجمعة لوجب قضاؤها كسائر الصلوات وقال في الجديد: لا يجزئه ويلزمه إعادتها وهو الصحيح لأن الفرض هو الجمعة لأنه لو كان الفرض هو الظهر والجمعة بدل عنه لما أثم بترك الجمعة إلى الظهر كما لا يأثم بترك الصوم إلى العتق في الكفارة وقال أبو إسحاق: إن اتفق أهل بلد على فعل الظهر أتموا بترك الجمعة إلا أنه يجزئهم لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة والصحيح أنه لا يجزئهم على قوله الجديد لأنهم صلوا فرض الظهر وفرض الجمعة متوجه عليهم.
فصل: ومن لزمته الجمعة وهو يريد السفر فإن كان يخاف فوت السفر جاز له ترك الجمعة لأنه ينقطع عن الصحبة فينتظر وإن لم يخف الفوت لم يجز أن يسافر بعد الزوال لأن الفرض توجه عليه فلا يجوز تفويته بالسفر وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان: أحدهما يجوز لأنه لم تجب عليه فلم يحرم التفويت كبيع المال قبل الحول والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه وقت لوجوب التسبب بدليل أنه من كان داره على بعد لزمه القصد قبل الزوال ووجوب التسبب كوجوب الفعل فإذا لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجز بعد وجوب التسبب.
فصل: وأما البيع فينظر فيه فإن كان قبل الزوال لم يكره له وإن كان بعد الزوال وقبل ظهور الإمام كره فإن ظهر الإمام وأذن المؤذن حرم لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:9] إن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل الفرض أثما جميعاً لأن أحدهما توجه عليه الفرض وقد اشتغل عنه والآخر شغله عن الفرض ولا يبطل البيع لأن النهي لا يختص بالعقد فلم يمنع الصحة كالصلاة في أرض مغصوبة.
فصل: ولا تصح الجمعة إلا في أبنية مجتمعة يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة في بلد أو قرية لأنه لم تقم الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية ولم ينقل أنها أقيمت في بدو فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز لأنه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو وإن انهدم البلد فأقام أهله على عمارته فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لأنهم في موضع الاستيطان.
فصل: ولا تصح إلا بأربعين نفساً لما روى جابر رضي الله عنه قال: مضت السنة
أن في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطراً ومن شرط العدد أن يكونوا رجالاً أحراراً عقلاء مقيمين في الموضع فأما النساء والعبيد والمسافرون فلا تنعقد بهم الجمعة لأنه لا تجب عليهم الجمعة فلا تنعقد بهم كالصبيان وهل تنعقد بمقيمين غير مستوطنين؟ فيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة تنعقد بهم لأنه تلزمهم الجمعة فانعقدت بهم كالمستوطنين وقال أبو إسحاق: لا تنعقد لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى عرفات وكان معه أهل مكة وهم في ذلك الموضع مقيمون غير مستوطنين فلو انعقد بهم الجمعة لأقامها فإن أحرم بالعدد ثم انفضوا عنه ففيه ثلاثة أقوال: أحدها إن نقص العدد عن أربعين لم تصح الجمعة لأنه شرط في الجمعة فشرط في جميعها كالوقت والثاني إن بقي معه اثنان أتم الجمعة لأنهم يصيرون ثلاثة وذلك جمع مطلق فأشبه الأربعين والثالث إن بقي معه واحد أتم الجمعة لأن الاثنين جماعة وخرج المزني رحمه الله قولين آخرين أحدهما: إن بقي وحده جاز أن يتم الجمعة كما قال الشافعي رحمه الله في إمام أحرم بالجمعة ثم أحدث أنهم يتمون صلاتهم وحداناً ركعتين والثاني إن كان قد صلى ركعة ثم انفضوا أتم الجمعة وإن انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة كما قال في المسبوق: إذا أدرك مع الإمام ركعة أتم الجمعة وإن لم يدرك ركعة أتم الظهر فمن أصحابنا من أثبت القولين وجعل في المسألة خمسة أقوال ومنهم من لم يثبت فقال إذا أحدث الإمام يبنون على صلاتهم لأن الاستخلاف لا يجوز على هذا القول فيبنون على صلاتهم على حكم الجماعة مع الإمام وههنا الإمام لا تتعلق صلاة بصلاة من خلفه وأما المسبوق فإنه يبني على جمعة تمت شروطها وهذه لم تتم جمعة فيبني الإمام عليها.
فصل: ولا تصح الجمعة إلا في وقت الظهر لأنهما فرضا وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة السفر وصلاة الحضر فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح لأن الجمعة ردت إلى ركعتين بالخطبة فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة فإن دخل فيها في وقتها ثم خرج الوقت لم يجز فعل الجمعة لأنه لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت فلا يجوز إتمامها كالحج ويتم الظهر لأنه فرض رد من أربع إلى ركعتين بشرط يختص به
فإذا زال الشرط أتم كالمسافر إذا دخل في الصلاة ثم قدم قبل أن يتم وإن أحرم بها في الوقت ثم شك هل خرج الوقت أتم الجمعة لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الفرض فلا يبطل الشك وإن ضاق وقت الصلاة ورأى أنه إن خطب خطبتين خفيفتين وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة وإذا رأى أنه لا يمكن ذلك صلى الظهر.
فصل: ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين وروى ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما ولأن السلف قالوا: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل ومن شرط الخطبة العدد الذي تنعقد به الجمعة لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:9] والذكر الذي يفعل بعد النداء هو الخطبة ولأنه ذكر شرط في صحة الجمعة فشرط فيه العدد كتكبيرة الإحرام فإن خطب بالعدد ثم انفضوا وعادوا قبل الإحرام فإن لم يطل الفصل صلى الجمعة لأنه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين ثم الفصل اليسير لا يمنع الجمع فكذلك لا يمنع الجمع بين الخطبة والصلاة وإن طال الفصل قال الشافعي رحمه الله: أحببت أن يبتديء الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة فإن لم يفعل صلى الظهر واختلف فيه أصحابنا فقال فيه أبو العباس: تجب إعادة الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة لأن الخطبة مع الصلاة كالصلاتين المجموعتين فكما لا يجوز الفصل الطويل بين الصلاتين لم يجز بين الخطبة والصلاة وما نقله المزني لا يعرف وقال أبو إسحاق: يستحب أن يعيد الخطبة لأنه لا يأمن أن ينفضوا مرة أخرى فجعل ذلك عذراً في جواز البناء وأما الصلاة فإنها واجبة لأنه يقدر على فعلها فإن صلى بهم الظهر جاز بناء على أصله إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة ثم صلوا الظهر أجزأهم وقال بعض أصحابنا: يستحب إعادة الخطبة والصلاة على ظاهر النص لأنهم انفضوا عنه مرة فلا يأمن أن ينفضوا عنه ثانياً فصار ذلك عذراً في ترك الجمعة ومن شرطهما القيام مع القدرة والفصل بينهما بالجلسة لما روى جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيقرأ آيات ويذكر الله عز وجل ولأنه إحدى فرضي الجمعة فوجب فيه القيام والقعود كالصلاة وهل تشترط فيه الطهارة فيه قولان: قال في القديم: تصح من غير طهارة لأنه لو افتقر إلى الطهارة لافتقر إلى استقبال القبلة كالصلاة وقال في الجديد: لا تصح من غير طهارة لأنه ذكر شرط في الجمعة فشرط فيه الطهارة كتكبيرة الإحرام وفرضها أربعة أشياء: أحدها أن يحمد الله تعالى لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم
خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش ثم يقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي" والثاني أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله عز وجل افتقرت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأذان والصلاة والثالث الوصية بتقوى الله عز وجل لحديث جابر ولأن القصد من الخطبة الموعظة فلا يجوز الإخلال بها والرابع أن يقرأ آية من القرآن لحديث جابر بن سمرة ولأنه أحد فرضي الجمعة فوجب فيه القراءة كالصلاة ويجب ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم والوصية في الخطبتين وفي قراءة القرآن وجهان أحدهما أنها تجب في الخطبتين لأن ما وجب في أحد الخطبتين وجب في الأخرى كذكر الله تعالى وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية والثانية لا تجب إلا في إحدى الخطبتين وهو المنصوص لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أنه قرأ في الخطبة وهذا لا يقتضي أكثر من مرة ويستحب أن يقرأ سورة "ق" لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها في الخطبة فإن قرأ آية وفيها سجدة فنزل وسجد جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم فعل عمر رضي الله عنه بعده فإن فعل هذا وأطال الفصل ففيه قولان: قال في القديم: يبني وقال في الجديد يستأنف وهل يجب الدعاء؟ فيه وجهان: أحدهما يجب رواه المزني في أقل ما يقع عليه اسم الخطبة ومن أصحابنا من قال يستحب وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال: إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيراً.
فصل: وسننها أن تكون على منبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على المنبر ولأنه أبلغ في الإعلام ومن سننها أنه إذا صعد على المنبر ثم أقبل على الناس أن يسلم عليهم لما
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس قال السلام عليكم ولأنه استدبر الناس في صعوده فإذا أقبل عليهم يسلم ومن سننها أن يجلس إذا سلم حتى يؤذن المؤذن لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم الجمعة جلس يعني على المنبر حتى يسكت المؤذن ثم قام فخطب ويقف على الدرجة التي تلي المستراح لأن ذلك أمكن ويستحب أن يعتمد على قوس أو عصاً لما روى الحكم بن حرب قال: وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعة فقام متوكئاً على قوس أو عصاً فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات ولأن ذلك أمكن له فإن لم يكن معه شيء سكن يديه ومن سننها أن يقبل على الناس ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً لما روى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه ويستحب أن يرفع صوته لحديث جابر علا صوته واشتد غضبه ولأنه أبلغ في الإعلام قال الشافعي رحمه الله ويكون كلامه مترسلاً مبيناً معرباً من غير تغن ولا تمطيط لأن ذلك أحسن وأبلغ ويستحب أن يقصر الخطبة لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه خطب وأوجز فقيل له: لو كنت تنفست فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة1".
فصل: والجمعة ركعتان لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى ولأنه نقل الخلف عن السلف والسنة أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة الجمعة وفي الثانية المنافقين لما روى عبد الله بن أبي رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة فصلى بالناس الجمعة فقرأ بالجمعة والمنافقين فقلت: يا أبا هريرة قرأت سورتين سمعت علياً قرأهما قال: سمعت حبيبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قرأهما والسنة أن تجهر فيهما بالقراءة لأنه نقل الخلف عن السلف.
باب هيئة الجمعة والتكبير
السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" ووقته ما بعد طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة فإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يجزه لقوله صلى الله عليه وسلم: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم1" فعلقه على اليوم والأفضل أن يغتسل عند الرواح لحديث ابن عمر رضي الله عنه ولأنه إنما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود فإن ترك الغسل جاز لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل2" فإن كان جنباً فنوى بالغسل الجنابة والجمعة أجزأه عنهما كما لو
اغتسلت المرأة فنوت الجنابة والحيض وإن نوى الجنابة ولم ينوي الجمعة أجزأه عن الجنابة وفي الجمعة قولان: أحدهما يجزئه لأنه يراد للتنظيف وقد حصل ذلك والثاني لا يجزئه لأنه لم ينوه فأشبه إذا اغتسل من غير نية وإن نوى الجمعة ولم ينو الجنابة لم يجزئه عن الجنابة وفي الجمعة وجهان: أحدهما وهو المذهب أنه يجزئه عنها لأنه نواها والثاني لا يجزئه لأن غسل الجمعة يراد للتنظيف والتنظيف لا يحصل مع بقاء الجنابة ويستحب أن يتنظف بسواك وأخذ الظفر والشعر وقطع الروائح ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه لما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه وخرج حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينهما وبين الجمعة1" وأفضل الثياب البياض لما روى سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب3" ويستحب للإمام من الزينة أكثر مما يستحب لغيره لأنه يقتدي به والأفضل أن يعتم ويرتدي ببرد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
فصل: ويستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة 1رواه البخاري في كتاب الجمعة باب 19.
مسلم في كتاب الجمعة حديث 7،8. الترمذي في كتاب الجمعة باب 29.
أبو داود في كتاب الجمعة باب 127. أحمد في مسنده "1/317".
ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر وطويت الصحف1" وتعتبر الساعات من حين طلوع الفجر لأنه أول اليوم وبه يتعلق جواز الغسل ومن أصحابنا من قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا1" ويستحب أن لا يركب من غير عذر لما روى أوس بن أوس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها2" ولا يشبك 1رواه البخاري في كتاب الجمعة باب 4.
مسلم في كتاب الجمعة حديث 10.
أبو داود في كتاب الطهارة باب 127. الترمذي في كتاب الجمعة باب 6.
الموطأ في كتاب الجمعة حديث 1.
بين أصابعه لقوله صلى الله عليه وسلم "إن أحدكم في الصلاة ما دام يعمد إلى الصلاة1" ويستحب أن يدنو من الإمام لحديث أوس ولا يتخطى رقاب الناس لحديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال الشافعي رحمه الله: وإذا لم يكن للإمام طريق لم يكره له أن يتخطى رقاب الناس فإن دخل رجل وليس له موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يتخطى رجل أو رجلين لم يكره له لأنه يسير وإن كان بين يديه خلق كثير فإذا رجا إذا قاموا إلى الصلاة أن يتقدموا جلس حتى يقوموا وإن لم يرج أن يتقدموا جاز أن يتخطى ليصل إلى الفرجة ولا يجوز أن يقوم رجلاً من موضعه ليجلس فيه لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول تفسحوا أو توسعوا1" فإن قام رجل وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس وأما صاحب الموضع فإنه إن كان الموضع الذي ينتقل إليه دون الموضع الذي كان فيه في القرب من الإمام كره له ذلك لأنه آثر غيره في القربة وإن فرش لرجل ثوب فجاء آخر لم يجلس عليه فإن أراد أن ينحيه ويجلس مكانه جاز وإن قام رجل من موضعه لحاجة فجلس رجل مكانه ثم عاد فالمستحب أن يرد الموضع إليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع فهو أحق2" قال الشافعي رحمه الله: وأحب إذا نعس ووجد موضعاً لا يتخطى فيه غيره أن يتحول لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره "3. 1رواه مسلم في كتاب المساجد حديث 152. الموطأ في كتاب النداء حديث 4.
أحمد في مسنده "2/460، 529".
فصل: وإن حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله والصلاة ويستحب أن يقرأ يوم الجمعة سورة الكهف لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة" ويكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة لما روى أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي1" ويكثر من الدعاء لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعوة فلعله يصادف ذلك وإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل لما روي عن ثعلبة بن أبي مالك قال: قعود الإمام يقطع السبحة وكلامه يقطع الكلام وأنهم كانوا لا يزالون يتحدثون يوم الجمعة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين فإذا أقيمت الصلاة ونزل عمر تكلموا ولأن النفل في هذه الحالة يمنع الاستماع إلى ابتداء الخطبة فكره فإن دخل رجل والإمام على المنبر صلى تحية المسجد لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين1" فإن دخل والإمام في آخر الخطبة لم يصل لأنه يفوته أول الصلاة مع الإمام وهو فرض فلا يجوز أن يشتغل عنها بالنفل.
فصل: ويجوز الكلام قبل أن يبتدئ الخطبة لما رويناه من حديث ثعلبة بن أبي مالك ويجوز إذا جلس الإمام بين الخطبتين وإذا نزل من المنبر قبل أن يدخل في الصلاة لما روى أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل من المنبر يوم الجمعة فيقوم معه الرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي ولأنه ليس بحال صلاة ولا حال إسماع فلم يمنع من الكلام وإذا بدأ بالخطبة أنصت لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أنصت لإمام يوم الجمعة حتى يفرغ من صلاته كفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" وهل يجب الإنصات؟ فيه قولان: أحدهما يجب لما روى جابر قال: دخل ابن مسعود والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبي فسأله عن شيء فلم يرد عليه فسكت حتى صلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما منعك أن ترد علي؟ فقال: إنك لم تشهد معنا الجمعة قال: ولم؟ قال: لأنك تكلمت والنبي صلى الله عليه وسلم 1أبو داود في كتاب الصلاة 201. النسائي في كتاب الجمعة باب 5.
الدارمي في كتاب الصلاة باب 206. أحمد في مسنده "4/8".
يخطب فقام ابن مسعود فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له فقال: "صدق أبي وأطع أبياً" والثاني يستحب وهو الأصح لما روى أنس رضي الله عنه قال: دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يوم الجمعة فقال متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الثالثة: "ما أعددت لها قال حب الله ورسوله قال: إنك مع من أحببت" فإن رأى رجلاً ضريراً يقع في بئر أو رأى عقرباً تدب إليه لم يحرم عليه كلامه قولاً واحداً لأن الإنذار يجب لحق الآدمي والإنصات لحق الله تعالى ومبناه على المسامحة وإن سلم عليه رجل أو عطس فإن قلنا يستحب الإنصات رد السلام وشمت العاطس وإن قلنا يجب الإنصات لم يرد السلام ولم يشمت العاطس لأن المسلم سلم في غير موضعه فلم يرد عليه وتشميت العاطس سنة فلا يترك له الإنصات الواجب ومن أصحابنا من قال لا يرد السلام لأن المسلم مفرط ويشمت العاطس لأن العاطس غير مفرط في العطس وليس بشيء.
فصل: ومن دخل والإمام في الصلاة أحرم بها فإن أدرك معه الركوع من الثانية فقد أدرك الجمعة فإذا سلم الإمام أضاف إليها أخرى وإن لم يدرك الركوع فقد فاتت الجمعة فإذا سلم الإمام أتم الظهر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى"1.
فصل: فإن زوحم المأموم عن السجود في الجمعة نظرت فإن قدر أن يسجد على ظهر إنسان لزمه أن يسجد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه وقال بعض أصحابنا: فيه قول آخر قاله في القديم أنه بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان وإن شاء ترك حتى يزول الزحام لأنه إذا سجد حصلت له فضيلة المتابعة وإذا انتظر زوال الزحمة حصلت له فضيلة السجود على الأرض فخير بين الفضيلتين والأول أصح لأن ذلك يبطل بالمريض إذا عجز عن السجود على الأرض فإنه يسجد على حسب حاله ولا يؤخر وإن كان في التأخير فضيلة السجود على الأرض وإن لم يقدر على السجود بحال انتظر حتى يزول الزحام فإن زال الزحام لم يخل إما أن يدرك الإمام قائماً أو راكعاً أو رافعاً من الركوع أو ساجداً فإن أدركه قائماً سجد ثم تبعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك بعسفان للعذر والعذر ههنا موجود
فوجب أن يجوز فإن فرغ من السجود فأدرك الإمام راكعاً في الثانية ففيه وجهان: أحدهما يتبعه في الركوع ولا يقرأ كمن حضر والإمام راكع والثاني يشتغل بما عليه من القراءة لأنه أدرك مع الإمام محل القراءة بخلاف من حضر والإمام راكع.
فصل: فإن زال الزحام فأدرك الإمام رافعاً من الركوع أو ساجداً معه لأن هذا موضع سجوده وحصلت له ركعة ملفقة وهل يدرك بها الجمعة؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يدرك لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى1" وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يدرك لأن الجمعة صلاة كاملة فلا تدرك إلا بركعة كاملة وهذه ركعة ملفقة.
فصل: وإن زال الزحام وأدرك الإمام راكعاً ففيه قولان: أحدهما يشتغل بقضاء ما فاته ثم يركع لأنه شارك الإمام في جزء من الركوع فوجب أن يسجد كما لو زالت الزحمة فأدركه قائماً والثاني يتبع الإمام في الركوع لأنه أدرك الإمام راكعاً فلزمه متابعته كمن دخل في صلاة والإمام فيها راكع فإن قلنا إنه يركع معه نظرت فإن فعل ما قلناه وركع حصل له ركوعان وبأيهما يحتسب؟ فيه قولان: أحدهما يحتسب بالثاني كالمسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً فركع معه والثاني يحتسب بالأول لأنه قد صح الأول فلم يبطل بترك ما بعده كما لو ركع ونسي السجود فقام وقرأ وركع ثم سجد فإن قلنا أنه يحتسب بالثاني حصل له مع الإمام ركعة فإذا سلم أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا يحتسب بالأول حصل له ركعة ملفقة لأن القيام والقراءة والركوع حصل له من الركعة الأولى وحصل له السجود من الثانية وهل يصير مدركاً للجمعة؟ فيه وجهان قال أبو إسحاق: يكون مدركاً: وقال ابن أبي هريرة: لا يكون مدركاً فإذا قلنا بقول أبي إسحاق أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة قام وصلى ثلاث ركعات وجعلها ظهراً ومن أصحابنا من قال: يجب أن يكون فيه وجهان بناءً على القولين فيمن صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة وهذا قد صلى ركعة من الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة فلزمه أن يستأنف الظهر بعد فراغه وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري الصحيح هو الأول والبناء على القولين لا يصح لأن القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة من
غير عذر والمزحوم معذور فلم تجب عليه إعادة الركعة التي صلاها قبل فراغ الإمام ولأن القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفرداً وهذا قد دخل مع الإمام في الجمعة فلم تجب عليه إعادة ما فعل كما لو أدرك الإمام ساجداً في الركعة الأخيرة فإنه يتابعه ثم يبني الظهر على ذلك الإحرام ولا يلزمه الاستئناف وإن خالف ما قلناه واشتغل بقضاء ما فاته فإن اعتقد أن السجود فرضه لم يعد سجوده لأنه سجد في موضع الركوع ولا تبطل صلاته لأنه زاد فيها زيادة من جنسها جاهلاً فهو كمن زاد في صلاته من جنسها ساهياً وإن اعتقد أن فرضه المتابعة فإن لم ينو مفارقته بطلت صلاته لأنه سجد في موضع الركوع عامداً وإن نوى مفارقة الإمام ففيه قولان: أحدهما تبطل صلاته والثاني لا تبطل ويكون فرضه الظهر وهل يبني أو يستأنف الإحرام بعد فراغ الإمام على القولين في غير المعذور إذا صلى الظهر قبل صلاة الإمام وأما إذا قلنا إن فرضه الاشتغال بما فاته نظرت فإن فعل ما قلناه وأدرك الإمام راكعاً تبعه فيه ويكون مدركاً للركعتين وإن أدركه ساجداً فهو يشتغل بقضاء ما فاته أو يتبعه في السجود فيه وجهان: أحدهما يشتغل بقضاء ما فاته لأن على هذا القول الاشتغال بالقضاء أولى من المتابعة ومنهم من قال يتبعه في السجود وهو الأصح لأن هذه الركعة لم يدرك منها شيئاً يحتسب له به فهو كالمسبوق إن أدرك الإمام ساجداً بخلاف الركعة الأولى فإن هناك أدرك الركوع وما قبله فلزمه أن يفعل ما بعده من السجود فإذا قلنا يسجد كان مدركاً للركعة الأولى إلا أن بعضها أدركه فعلاً وبعضه أدركه حكماً لأنه تابعه إلى السجود ثم انفرد بفعل السجدتين وهل يدرك بهذه الركعة الجمعة؟ على وجهين لأنه إدراك ناقص فهو كالتلفيق في الركعة وإن سلم الإمام قبل أن يسجد المأموم السجدتين لم يكن مدركاً لجمعة قولاً واحداً وهل يستأنف الإحرام أو يبني على ما ذكرناه من الطريقين فإن خالف ما قلناه وتبعه في الركوع فإن كان معتقداً أن فرضه الاشتغال بالسجود بطلت صلاته لأنه ركع في موضع السجود عامداً وإن اعتقد أن فرضه المتابعة لم تبطل صلاته لأنه زاد في الصلاة من جنسها جاهلاً ويحتسب بهذا السجود ويحصل له ركعة ملفقة وهل يصير مدركاً للجمعة على الوجهين وإن زحم عن السجود وزالت الزحمة والإمام قائم في الثانية وقضى ما عليه وأدركه قائماً أو راكعاً فتابعه فلما سجد في الثانية زحم عن السجود فزال الزحام وسجد ورفع رأسه وأدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الركعتين بعضهما فعلاً وبعضهما حكماً وهل يكون مدركاً للجمعة على الوجهين وإن ركع مع الإمام الركعة الأولى ثم سها حتى صلى الإمام هذه الركعة وحصل في الركوع في الثانية قال القاضي أبو حامد: يجب أن يكون على قولين
كالزحام ومن أصحابنا من قال يتبعه قولاً واحداً لأنه مفرط في السهو فلم يعذر في الانفراد عن الانفراد عن الإمام وفي الزحام غير مفرط فعذر في الانفراد عن الإمام
فصل: إذا أحدث الإمام في الصلاة ففيه قولان: قال في القديم: لا يستخلف وقال في الجديد: يستخلف وقد بينا وجه القولين في باب صلاة الجماعة فإن قلنا لا يستخلف نظرت فإن أحدث بعد الخطبة وقبل الإحرام لم يجز أن يستخلف لأن الخطبتين مع الركعتين كالصلاة الواحدة فلما لم يجز أن يستخلف في الظهر بعد الركعتين لم يجز أن يستحلف في الجمعة بعد الخطبتين وإن أحدث بعد الإحرام ففيه قولان: أحدهما يتمون الجمعة فرادى لأنه لما لم يجز الاستخلاف بقوا على حكم الجماعة فجاز لهم أن يصلوا فرادى والثاني أنه إذا كان الحدث قبل أن يصلي بهم ركعة صلوا الظهر وإن كان بعد الركعة صلوا ركعة أخرى فرادى كالمسبوق إذا لم يدرك ركعة أتم الظهر وإن أدرك ركعة أتم الجمعة وإن قلنا بقوله الجديد فإن كان الحدث بعد الخطبتين وقبل الإحرام فاستخلف من حضر الخطبة جاز وإن استخلف من لم يحضر الخطبة لم يجز لأن من حضر كمل بالسماع فانعقدت به الجمعة ومن لم يحضر لم يكمل فلم تنعقد به الجمعة ولهذا لو خطب بأربعين فقاموا وصلوا الجمعة جاز ولو حضر أربعون لم يحضروا الخطبة فصلوا الجمعة لم يجز وإن كان الحدث بعد الإحرام فإن كان في الركعة الأولى فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز له لأنه من أهل الجمعة وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز لأنه ليس من أهل الجمعة ولهذا لو صلى بانفراده الجمعة لم تصح وإن كان الحدث في الركعة الثانية فإن كان قبل الركوع فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث ولم يكن معه قبل الركوع فإن فرضه الظهر وفي جواز الجمعة خلف من يصلي الظهر وجهان: فإن قلنا يجوز جاز أن يستخلفه وإن قلنا لا يجوز لم يجز أن يستخلفه.
فصل: والسنة أن لا تقام الجمعة بغير إذن السلطان فإن فيه افتياتاً عليه فإن أقيمت الجمعة من غير إذنه جاز لما روي أن علياً رضي الله عنه صلى العيد وعثمان رضي الله عنه محصور ولأنه فرض لله تعالى لا يختص بفعل الإمام فلم يفتقر إلى إذنه كسائر العبادات.
فصل: قال الشافعي رحمه الله: ولا يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد والدليل عليه أنه لم يقمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء من بعده في أكثر
من موضع واختلف أصحابنا في بغداد فقال أبو العباس: يجوز في مواضع لأنه بلد عظيم ويشق الاجتماع في موضع واحد وقال أبو الطيب بن سلمة: يجوز في كل جانب جمعة لأنه كالبلدين ولا يجوز أكثر من ذلك وقال بعضهم: كانت قرى متفرقة في كل موضع منها جمعة ثم اتصلت العمارة فبقيت على حكم الأصل.
فصل: وإن عقدت جمعتان في بلد إحداهما قبل الأخرى وعرفت الأولى منها نظرت فإن لم يكن مع واحدة منها إمام أو كان الإمام مع الأولى فالجمعة هي الأولى والثانية باطلة وبأي شيء يعتبر السبق؟ فيه قولان: أحدهما بالفراغ لأنه لا يحكم بصحتها إلا بعد الفراغ منها فوجب أن يعتبر السبق بالفراغ والثاني يعتبر بالإحرام لأنها بالإحرام تنعقد فلا يجوز أن تنعقد بعدها جمعة فإن كان الإمام مع الثانية ففيه قولان: أحدهما أن الجمعة هي الأولى لأنها جمعة أقيمت شروطها فكانت هي الجمعة والثاني أن الجمعة هي الثانية لأن في تصحيح الأولى افتياتاً على الإمام وتفويتاً للجمعة على عامة الناس وإن كانت الجمعتان في وقت واحد من غير إمام بطلتا لأنه ليس إحداهما أولى من الأخرى فوجب إبطالهما كما نقول فيمن جمع بين أختين في عقد واحد وإن لم يعلم هل كانتا في وقت واحد أو في وقتين بطلتا لأنه ليس كونهما في وقت واحد بأولى من تقدم إحداهما على الأخرى فحكم ببطلانهما وإن علم أن إحداهما قبل الأخرى ولم تتعين حكم ببطلانهما لأن كل واجدة من الطائفتين شك في إسقاط الفرض والفرض لا يسقط بالشك وفيما يجب عليهم قولان: أحدهما تلزمهم الجمعة إن كان الوقت باقياً لأن التي تقدمت لما لم تتعين لم يثبت حكمها فصارت كأن لم تكن والثاني يصلون الظهر لأنا تيقنا أن المتقدمة منهما جمعة صحيحة فوجب أن يصلوا الظهر احتياطاً وإن علمت السابقة منهما ثم أشكلت حكم ببطلانهما لأنه لا يمكن التوقف إلى أن تعرف لأنه يؤدي إلى فوات الوقت أو فواتهما بالموت فوجب الحكم ببطلانهما وبالله التوفيق.
باب صلاة العيدين
صلاة العيدين سنة وقال أبو سعيد الاصطخري: هي فرض على الكفاية والمذهب
الأول لما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده فقال: هل علي غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع1" ولأنها صلاة مؤقتة لا تشرع لها الإقامة فلم تجب بالشرع كصلاة الضحى وإن اتفق أهل بلد على تركها وجب قتالهم على قول الاصطخري وهل يقاتلن على المذهب؟ فيه وجهان: أحدهما لا يقاتلون لأنه تطوع فلا يقاتلون على تركها كسائر التطوع والثاني يقاتلون لأنه من شعائر الإسلام ولأن في تركها تهاوناً بالشرع بخلاف سائر التطوع لأنها تفعل فرادى فلا يظهر تركها كما يظهر في صلاة العيد.
فصل: وقتها ما بين طلوع الشمس إلى أن تزول والأفضل أن يؤخرها حتى ترتفع الشمس قيد رمح والسنة أن يؤخر صلاة الفطر ويعجل الأضحى لما روى عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب أن يقدم الأضحى ويؤخر الفطر ولأن الأفضل أن يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة فإذا أخر الصلاة اتبع الوقت لإخراج صدقة الفطر والسنة أن يضحي بعد صلاة الإمام فإذا عجل بادر إلى الأضحية.
فصل: والسنة أن تصلي صلاة العيد في المصلى إذا كان مسجد البلد ضيقاً لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى ولأن الناس يكثرون في صلاة العيد فإذا كان المسجد ضيقاً تأذى الناس فإن كان في الناس ضعفاء استخلف في مسجد البلد من يصلي بهم لما روي أن علياً رضي الله عنه استخلف أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه ليصلي بضعفة الناس في المسجد وإن كان يوم مطر صلى في المسجد لما روي أبو هريرة رضي الله عنه قال: أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وروي أن عمر وعثمان رضي الله عنهما صليا في المسجد في المطر وإن كان المسجد واسعا فالمسجد أفضل
من المصلى لأن الأئمة لم يزالوا يصلون صلاة العيد بمكة في المسجد ولأن المسجد أشرف وأنظف قال الشافعي رحمه الله: فإن كان المسجد واسعاً فصلى في الصحراء فلا بأس وإن كان ضيقاً فصلى فيه ولم يخرج إلى المصلى كرهت لأنه إذا ترك المسجد وصلى في الصحراء لم يكن عليهم ضرر وإذا ترك الصحراء وصلى في المسجد الضيق تأذوا بالزحام وربما فات بعضهم الصلاة فكره.
فصل: والسنة أن يأكل في يوم الفطر قبل الصلاة ويمسك في يوم النحر حتى يفرغ من الصلاة لما روى بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من لحم نسيكته والسنة أن يأكل التمر ويكون وتراً لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً.
فصل: والسنة أن يغتسل للعيدين لما روي أن علياً وابن عمر رضي الله عنهما كانا يغتسلان ولأنه يوم عيد يجمع فيه الكافة للصلاة فسن فيه الغسل لحضورها كالجمعة وفي وقت الغسل قولان: أحدهما بعد الفجر كغسل الجمعة وروى البويطي أنه يجوز أن يغتسل قبل الفجر لأن الصلاة تقام في أول النهار وتقصدها الناس من البعد فيجوز تقديم الغسل حتى لا يفوتهم فجوز على هذا القول أن يغتسل بعد نصف الليل كما يقول في أذان الصبح ويستحب ذلك لمن يحضر الصلاة ولمن لا يحضر لأن القصد إظهار الزينة والجمال والسنة أن يتنظف بحلق الشعر ويقلم الأظافر وقطع الرائحة لأنه يوم عيد فسن فيه ما ذكرناه كيوم الجمعة والسنة أن يتطيب لما روى الحسن بن علي عليه السلام قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد.
فصل: والسنة أن يلبس أحسن ثيابه لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس في العيدين برد حبرة.
فصل: ويستحب أن يحضر النساء غير ذوات الهيآت لما روت أم عطية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض في العيد فأما الحيض فكن
يعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين وإذا أردنا الحضور تنظفن بالماء ولا يتطيبن ولا يلبسن الشهرة من الثياب لقوله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وليخرجن "تفلات" أي غير عطرات ولأنها إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب دعا ذلك إلى الفساد قال الشافعي رحمه الله: ويزين الصبيان بالمصبغ والحلي ذكوراً أو إناثاً لأنه يوم زينة وليست على الصبيان تعبد فلا يمنعون من لبس الذهب.
فصل: والسنة أن يبكر إلى الصلاة ليأخذ موضعه كما قلنا في الجمعة والمستحب أن يمشي ولا يركب لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة ولا بأس أن يركب في العود لأنه غير قاصد إلى قربة.
فصل: وإذا حضر جاز أن يتنفل إلى أن يخرج الإمام لما روي عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام لأنه ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه ولا هناك ما هو أهم من الصلاة فلم يمتنع من الصلاة كما بعد العيد والسنة أن لا يخرج الإمام إلا في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة والسنة أن يمضي إليهما في طريق ويرجع في أخرى لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر الأضحى فيخرج من طريق ويرجع في أخرى.
فصل: ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى ابن عباس رضي الله عنه شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم صلوا قبل الخطبة بلا أذان
ولا إقامة والسنة أن ينادي لها الصلاة جامعة لما روي عن الزهري أنه كان ينادي به.
فصل: وصلاة العيد ركعتان لقول عمر رضي الله عنه صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى والسنة أن تصلى جماعة لنقل الخلف عن السلف والسنة أن يكبر في الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام والركوع لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة الصلاة والتكبيرات قبل القراءة لما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً قبل القراءة فإن حضر وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يقض لأنه ذكر مسنون فات محله فلم يقضه كدعاء الاستفتاح وقال في القديم: يقضي لأن محله القيام وقد أدركه وليس بشيء والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد ويستحب أن يقف بين كل تكبيرتين بقدر أن يذكر الله تعالى لما روي أن الوليد بن عقبة خرج يوماً على عبد الله وحذيفة الأشعري وقال: إن هذا العيد غداً فكيف التكبير؟ فقال عبد الله بن مسعود: تكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتكبر وتفعل مثل ذلك فقال الأشعري وحذيفة: صدق والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة بقاف واقتربت لما روى أبو واقد الليثي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر والأضحى ب "ق" "واقتربت الساعة" والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة لنقل الخلف عن السلف.
فصل: والسنة إذا فرغ من الصلاة أن يخطب لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبا بكر ثم عمر رضي الله عنهما كانوا يصلون العيد قبل الخطبة والمستحب أن يخطب على المنبر لما روى جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم الأضحى فلما قضى خطبته نزل عن منبره وسلم على الناس إذا أقبل عليهم كما قلنا في الجمعة وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجلس لأن في الجمعة إنما يجلس لفراغ المؤذن من الأذان وليس في العيد أذان والثاني يجلس وهو المنصوص في الأم لأنه يستريح بها ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة ويجوز أن يخطب من قعود لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد على راحلته لأن صلاة العيد تجوز قاعداً فكذلك خطبتها بخلاف الجمعة والمستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع لما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال:
هو من السنة ويأتي ببقية الخطبة على ما ذكرناه في الجمعة من ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله وقراءة القرآن فإن كان في عيد الفطر علمهم صدقة الفطر وإن كان في الأضحى علمهم الأضحية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته "لا يذبحن أحدكم حتى يصلي1" ويستحب للناس استماع الخطبة لما روي عن ابن مسعود البدري أنه قال: يوم عيد من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة فإن دخل رجل والإمام يخطب فإن كان في المصلى استمع الخطبة ولا يشتغل بصلاة العيد لأن الخطبة من سنن العيد ويخشى فوتها فكان الاشتغال بالخطبة أولى وإن كان في المسجد ففيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة يصلي تحية المسجد ولا يصلي صلاة العيد لأن الإمام لم يفرغ من سنة العيد فلا يشتغل بالقضاء وقال أبو إسحاق المروزي: يصلي العيد لأنها أهم من تحية المسجد وآكد وإذا صلاها سقط بها التحية فكان الاشتغال بها أولى كما لو حضر وعليه مكتوبة.
فصل: روى المزني أنه تجوز صلاة العيد للمنفرد والمسافر والعبد والمرأة وقال في الإملاء والقديم والصيد والذبائح: لا يصلي العبد حيث لا تصلى الجمعة فمن أصحابنا من قال فيها قولان: أحدهما أنهم لا يصلون لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمنى مسافراً يوم النحر فلم يصل ولأنها صلاة تشرع لها الخطبة واجتماع الكافة لم يفعلها المسافر كالجمعة والثاني أنهم يصلون وهو الصحيح لأنها صلاة نفل فجاز لهم فعلها كصلاة الكسوف ومن أصحابنا من قال: يجوز لهم فعلها قولاً واحداً وتأول ما قال في الإملاء والقديم على أنه أراد أن لا يصلي بالاجتماع والخطبة حيث لا تصلي الجمعة لأن في ذلك افتياتاً على السلطان.
فصل:إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين بعد الزوال برؤية الهلال ففيه قولان: أحدهما لا يقضي والثاني يقضي وهو الصحيح فإن أمكن جمع الناس صلى بهم في يومهم فإن لم يمكن صلى بهم من الغد لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومته قالوا: قامت بينة عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد الظهر أنهم رأوا الهلال هلال شوال فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد إلى المصلى وإن شهد ليلة الحادي والثلاثين صلوا قولاً واحداً ولا يكون ذلك قضاء لأن فطرهم غداً لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون 1".
باب التكبير
التكبير سنة في العيدين لما روى نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعبد الله بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن رضي الله عنهم رافعاً صوته بالتكبير فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى وأول وقت تكبير الفطر إذا غابت الشمس من ليلة الفطر لقوله عز وجل: ﴿ولِتُكْمِلوا العِدّة ولِتُكبِّروا الله على مَا هَدَاكم﴾ "البقرة: 185" إكمال العدة بغروب الشمس من ليلة الفطر وأما آخره ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها ما روى المزني أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لأنه إذا حضر فالسنة أن يشتغل بالصلاة فلا معنى للتكبير والثاني ما رواه البويطي أنه يكبر حتى تفتتح الصلاة لأن الكلام مباح قبل أن تفتتح الصلاة فكن التكبير مستحباً والثالث قاله في القديم حتى ينصرف الإمام لأن الإمام والمأمومين مشغولون بالذكر إلى أن يفرغوا من الصلاة فسن لمن لم يكن في الصلاة أن يكبر ومن أصحابنا من قال هو على قول واحد أنه يكبر إلى أن تفتتح الصلاة وتأول رواية المزني على ذلك لأنه إذا خرج إلى المصلى افتتح الصلاة وقوله في القديم حتى ينصرف الإمام لأنه ما لم ينصرف مشغول بالتكبير في الصلاة ويسن التكبير المطلق في عيد الفطر وهل يسن التكبير المقيد في أدبار الصلوات؟ فيه وجهان: أحدهما لا يسن لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أنه يسن لأنه عيد يسن له التكبير المطلق فيسن له التكبير المقيد كالأضحى والسنة في التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً لما روى ابن عباس أنه قال: الله أكبر ثلاثا وعن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: رأيت الأئمة رضي الله عنهم يكبرون أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثاً وعن الحسن مثله قال في الأم: وإن زاد زيادة فليقل بعد الثلاث الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك على الصفا ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما روي أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين رافعاً صوته بالتهليل والتكبير لأنه إذا رفع صوته سمع من لم يكبر فيكبر
فصل: وأما التكبير الأضحى ففي وقته ثلاثة أقوال: أحدهما يبتدأ بعد الظهر من يوم النحر إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق والدليل على أنه يبتدأ بعد الظهر قوله عز وجل ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:200] المناسك تقضى يوم النحر ضحوة وأول صلاة تلقاهم الظهر والدليل على أنه يقطعه بعد الصبح أن الناس تبع للحاج وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج والثاني يبتدأ بعد غروب الشمس من ليلة العيد قياساً على عيد الفطر وبقطعه إذا صلى الصبح من آخر أيام التشريق لما ذكرناه والثالث أنه يبتدأ بعد صلاة الصبح من يوم عرفة ويقطعه بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق لما روى عمر وعلي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في دبر كل صلاة بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
فصل: السنة أن يكبر في هذه الأيام خلف الفرائض لنقل الخلف عن السلف وهل يكبر خلف النوافل؟ فيه طريقان: من أصحابنا من قال يكبر قولاً واحداً لأنها صلاة راتبة فأشبهت الفرائض ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما يكبر لما قلناه والثاني لا يكبر لأن النفل تابع للفرض والتابع لا يكون له تبع ومن فاتته صلاة في هذه الأيام فأراد قضاءها في غيرها لم يكبر خلفها لأن التكبير يختص بهذه الأيام فلا يفعل في غيرها وإن قضاها في هذه الأيام ففيه وجهان: أحدهما يكبر لأن وقت التكبير باق والثاني لا يكبر لأن التكبير خلف هذه الصلوات يختص بوقتها وقد فات الوقت فلم يقض.
باب صلاة الكسوف
وصلاة الكسوف سنة لقوله صلى الله عليه وسلم "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا
لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله عز وجل فإذا رأيتموها فقوموا وصلوا1" والسنة أن يغتسل لها لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فيسن لها الغسل كصلاة الجمعة والسنة أن تصلي حيث تصلى الجمعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ولأنه يتفق في وقت لا يمكن قصد المصلي فيه وربما يجلى قبل أن يبلغ المصلي فيفوت فكان الجامع أولى والسنة أن يدعي لها الصلاة جامعة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رجلا أن ينادي الصلاة جامعة.
فصل: وهي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان والسنة أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ثم يرفع ويقرأ فاتحة الكتاب ويقرأ بقدر مائتي آية ثم يركع ويسبح بقدر تسعين آية ثم يسجد كما يسجد في غيرها وقال أبو العباس: يطيل السجود كما يطيل الركوع وليس بشيء لأن الشافعي رحمه الله لم يذكر ذلك ولا نقل في خبر ولو كان قد أطال لنقل كما نقل في القراءة والركوع ثم يصلي الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة قدر مائة آية وخمسين آية ثم يركع بقدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ثم يركع بقدر خمسين آية ثم يسجد والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال (كسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلاً ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد وانصرف وقد انجلت الشمس) والسنة أن يسر بالقراءة في كسوف الشمس لما روى ابن عباس قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فصلى فقمت إلى جنبه فلم أسمع له قراءة ولأنها صلاة نهار لها نظير بالليل فلم يجهر فيها بالقراءة كالظهر ويجهر في كسوف القمر لأنها صلاة ليل لها نظير بالنهار فيسن لها الجهر كالعشاء.
فصل: والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم فرغ من صلاته فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وتصدقوا2".
فصل: فإن لم يصل حتى تجلت لم يصل لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي" فإن تجلت وهو في الصلاة أتمها لأنها صلاة أصل فلا يخرج منها بخروج وقتها كسائر الصلوات وإن تجللتها غمامة وهي كاسفة صلى لأن الأصل بقاء الكسوف وإن غربت الشمس كاسفة لم يصل لأنه لا سلطان لها بالليل وإن غاب القمر وهو كاسف فإن كان قبل طلوع الفجر صلى لأنه سلطان باق وإن غاب بعد طلوع الفجر ففيه قولان: قال في القديم: لا يصلي لأنه سلطانه بالليل وقد ذهب الليل وقال في الجديد: يصلي لأن سلطانه باق ما لم تطلع الشمس لأنه ينتفع بضوئه وإن صلى ولم تنجل مرة أخرى لأنه لم ينقل ذلك عن أحد ولا تسن صلاة الجماعة لآية غير الكسوف كالزلازل وغيرها لأن هذه الآيات قد كانت ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى لها جماعة غير الكسوف.
فصل: وإن اجتمعت صلاة الكسوف مع غيرها قدم أخوفهما فوتاً فإن استويا في الفوت قدم آكدهما فإن اجتمعت مع صلاة الجنازة قدمت صلاة الجنازة لأنها يخشى عليها التغير والانفجار وإن اجتمعت مع المكتوبة في أول الوقت بدأ بصلاة الكسوف لأنه يخاف فوتها بالتجلي وإذا فرغ بدأ بالمكتوبة قبل الخطبة للكسوف لأن المكتوبة يخاف فوتها والخطبة لا يخاف فوتها وإن اجتمعت معها في آخر الوقت بدأ بالمكتوبة لأنهما استويا في خوف الفوت والمكتوبة آكد فكان تقديمها أولى وإن اجتمعت مع الوتر في آخر وقتها قدمت صلاة الكسوف لأنهما استويا في الوقت وصلاة الكسوف آكد فكانت بالتقديم أولى.
باب صلاة الاستسقاء
وصلاة الاستسقاء سنة لما روى عباد بن تميم عن عمه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه واستسقى والسنة أن
يكون في المصلى لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ولأن الجمع يكثر فكان في المصلى أرفق بهم.
فصل: إذا أراد الإمام الخروج إلى الاستسقاء وعظ الناس وأمرهم بالخروج من المظالم والتوبة من المعاصي قبل أن يخرج لأن المظالم والمعاصي تمنع المطر والدليل عليه ما روى أبو وائل عن عبد الله أنه قال: "إذا بخس المكيال حبس القطر" وقال مجاهد في قوله عز وجل ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:159] قال دواب الأرض تلعنهم تقول تمنع القطر خطاياهم ويأمرهم بصوم ثلاثة أيام قبل الخروج ويخرجون في اليوم الرابع وهم صيام لقوله صلى الله عليه وسلم "دعوة الصائم لا ترد" ويأمرهم بالصدقة لأنه أرجى للإجابة ويستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا فسقوا ويستسقى بأهل الصلاح لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود فقال: اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد إرفع يديك إلى الله عز وجل فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترش وهبت لها ريح فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم ويستسقى بالشيوخ والصبيان لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا صبيان رضع وبهائم رتع وعباد لله ركع لصب عليهم العذاب صبا" قال في الأم: ولا آمر بإخراج البهائم وقال أبو إسحاق: استحب إخراج البهائم لعل الله يرحمهما لما روي أن سليمان عليه السلام خرج يستسقي فرأى نملة تستسقي فقال ارجعوا فإن الله تعالى سقاكم بغيركم ويكره إخرج الكفار للاستسقاء لأنهم أعداء الله فلا يجوز أن يتوسل بهم إليه فإن حضروا وتميزوا لم يمنعوا لأنهم جاؤوا في طلب الرزق والمستحب أن يتنظف للاستسقاء بغسل وسواك لأنها صلاة يسن لها الاجتماع
والخطبة فيشرع لها الغسل كصلاة الجمعة ولا يستحب أن يتطيب لها لأن الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة ويخرج متواضعاً متبذلاً لما روى ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا والمستحب أن ينادي لها الصلاة جامعة لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة ولا يسن لها الأذان والإقامة فيسن لها الصلاة جامعة كصلاة الكسوف.
فصل: وصلاته ركعتان كصلاة العيد ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الأولى بقاف وفي الثانية سورة نوح لأنها فيها ذكر الاستسقاء والمذهب أنه يقرأ فيها ما يقرأ في العيد لما روي أن مروان أرسل إلى ابن عباس سأله عن سنة الاستسقاء فقال: سنة الاستسقاء الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداءه فجعل يمينه يساره ويساره يمينه وصلى ركعتين فكبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر خمس تكبيرات والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة لحديث أبي هريرة والمستحب أن يدعو في الخطبة الأولى فيقول: أللهم اسقنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجللاً طبقاً سحاً عاماً دائماً أللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين أللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكو إلا إليك أللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا
من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض أللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك أللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل الماء علينا مدراراً والمستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول ما على الأيمن إلى الأيسر وما على الأيسر إلى الأيمن لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة ودعا وحول رداءه فجعل الأيمن على اليسر والأيسر على الأيمن فإن كان الرداء مربعاً نكسه فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وإن كان مدوراً اقتصر على التحويل لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه ويستحب للناس أن يفعلوا مثل ذلك لما روي في حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول رداءه وقلب ظهر البطن وحول الناس معه قال الشافعي رحمه الله: وإذا حولوا أرديتهم تركوها محولة لينزعوها مع الثياب لأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم غيرها بعد التحويل ويستحب أن يدعو في الخطبة الثانية سراً ليجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار ليكون أبلغ ولهذا قال الله تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:9] ويستحب أن يرفع اليد في الدعاء لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ويستحب أن يكثر من الاستغفار ومن قوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [هود:52] لما روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه خرج يستسقي فصعد المنبر فقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:12] ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ثم نزل فقيل له يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر.
فصل: قال في الأم: فإن صلوا ولم يسقوا عادوا من الغد وصلوا واستسقوا فإن سقوا قبل أن يصلوا صلوا شكراً لله وطلباً للزيادة ويجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر رضي الله عنه ويستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب ويستحب إذا جاء المطر أن يقول أللهم صيباً هنيئاً لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال ذلك ويستحب أن يتمطر لأول مطر لما روى أنس قال: أصابنا مطر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم صنعت هذا؟ قال "إنه حديث عهد بربه" ويستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ لما روي أنه جرى الوادي فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اخرجوا بنا إلى هذا الذي سماه الله طهوراً حتى نتوضأ منه ونحمد الله عليه" ويستحب لمن سمع الرعد أن يسبح لما روى ابن عباس قال: كنا مع عمر رضي الله عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثاً عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعوفينا.