كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب سجود السهو
إذا ترك ركعة من الصلاة ساهياً فذكرها وهو فيها لزمه أن يأتي بها فإن شك في تركها بأن شك هل صلى ركعة أو ركعتين أو صلى ثلاثاً أو أربعاً لزمه أن يأخذ بالأقل ويأتي بما بقي لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين1" فإن استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة له والسجدتان وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماماً لصلاته والسجدتان ترغمان أنف الشيطان وإن ترك ركعة ناسياً وذكرها بعد التسليم
نظرت فإن لم يتطاول الفصل أتى بها وإن تطاول استأنف واختلف أصحابنا في التطاول فقال أبو إسحاق: هو أن يمضي قدر ركعة وعليه نص في البويطي وقال غيره: يرجع فيه إلى العادة فإن كان قد مضى ما يعد تطاولاً استأنف الصلاة وإن مضى ما لا يعد تطاولاً بنى لأنه ليس له حد في الشرع فرجع فيه إلى العادة وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن مضى مقدار الصلاة التي نسي فيها استأنف وإن كان دون ذلك بنى لأن آخر الصلاة يبنى على أولها وما زاد على ذلك لا يبنى عليه فجعل ذلك حداً وإن شك بعد السلام في تركها لم يلزمه شيء لأن الظاهر أنه أداها على التمام فلا يضره الشك الطارئ بعده ولأنا لو اعتبرنا حكم الشك الطارئ بعدها شق ذلك وضاق فلم يعتب فصل: وإن ترك فرضاً ساهياً أو شك في تركه وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه ثم يأتي بما بعده لأن الترتيب مستحق في أفعال الصلاة فلا يعتد بما فعل حتى يأتي بما تركه فإن ترك سجدة من الركعة الأولى وذكرها وهو قائم في الثانية نظرت فإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى خر ساجداً وقال أبو إسحاق: يلزمه أن يجلس ثم يسجد ليكون السجود عقيب الجلوس والمذهب الأول لأن المتروك هو السجدة وحدها فلا يعيد ما قبلها كما لو قام من الرابعة إلى الخامسة ساهياً ثم ذكر فإنه يجلس ثم يتشهد ولا يعيد السجود قبله وإن لم يكن قد جلس عقيب السجدة الأولى حتى قام ثم ذكر جلس ثم سجد ومن أصحابنا من قال يخر ساجداً لأن الجلوس يراد للفصل بين السجدتين وقد حصل الفصل بالقيام إلى الثانية والمذهب الأول لأن الجلوس فرض مأمور به فلم يجز تركه وإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى وهو يظن أنها جلسة الاستراحة ففيه وجهان: قال أبو العباس: لا يجزئه بل يلزمه أن يجلس ثم يسجد لأن جلسة الاستراحة نفل فلا يجزئه عن الفرض كسجود التلاوة لا يجزئه عن سجدة الفرض ومن أصحابنا من قال يجزئه كما لو جلس في الرابعة وهو يظن أنه جلس للتشهد الأول وتعليل أبي العباس يبطل بهذه المسألة وأما سجود التلاوة فلا يسلم فإن من أصحابنا من قال يجزئه عن الفرض ومنهم من قال لا يجزئه لأنه ليس من الصلاة وإنما هو عارض فيها وجلسة الاستراحة من الصلاة وإن ذكر ذلك بعد السجود في الثانية تمت له ركعة لأن عمله بعد المتروك كلا عمل حتى يأتي بما ترك فإذا سجد في الثانية ضممنا سجدة
من الثانية إلى الأولى فتمت له الركعة وإن ترك سجدة من أربع ركعات ونسي موضعها لزمه ركعة لأنه يجوز أن يكون قد ترك من الأخيرة فيكفيه سجدة ويحتمل أن يكون قد ترك من غير الأخيرة فتبطل عليه الركعة التي بعدها وفي الصلاة يجب أم يحمل الأمر على الأشد ليسقط الفرض بيقين ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من شك في عدد الركعات أن يأخذ بالأقل ليسقط الفرض بيقين وإن ترك سجدتين جعل إحداهما من الأولى والأخرى من الثالثة فيتم الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة فيحصل له ركعتان وتلزمه ركعتان وإن ترك ثلاث سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدة ومن الرابعة سجدة وتلزمه ركعتان وإن ترك أربع سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين ومن الرابعة سجدة فيلزمه سجدة وركعتان وإن ترك خمس سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين ومن الرابعة سجدتين فيلزمه سجدتان وركعتان وإن نسي ست سجدات فقد أتى بسجدتين فجعل إحداهما من الأولى والأخرى من الرابعة وتلزمه ثلاث ركعات وإن نسي سبع سجدات حصل له ركعة إلا سجدة وإن نسي ثماني سجدات حصل له ركعة القيام والركوع ويلزمه أن يأتي بما بقي فإن ذكر ذلك بعد السلام أو شك في تركه بعد السلام فالحكم فيه على ما ذكره في الركعة.
فصل: وإن نسي سنة نظرت فإن ذكر ذلك وقد تلبس بغيرها مثل أن يترك دعاء الاستفتاح فذكر وهو في التعوذ أو ترك التشهد الأول فذكر وقد انتصب قائماً لم يعد إليه والدليل عليه ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قام أحدكم من الركعتين ولم يستتم قائماً فليجلس وإذا استتم قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتين" ففرق بين أن ينتصب وبين أن لا ينتصب لأنه إذا انتصب حصل في غيره وإذا لم ينتصب لم يحصل في غيره فدل على ما ذكرناه وإن نسي تكبيرات العيد حتى افتتح القراءة ففيه قولان: قال في القديم: يأتي بها لأن محلها القيام والقيام باق في الجديد لا يأتي بها لأنه ذكر مسنون قبل القراءة فسقط بالدخول في القراءة كدعاء الاستفتاح.
فصل: الذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان فأما الزيادة فضربان: قول وفعل فالقول أن يسلم في غير موضع السلام ناسياً أو يتكلم ناسياً فيسجد للسهو والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين وأتم صلاته وسجد سجدتين وإن قرأ في غير موضع القراءة سجد لأنه قول في غير موضعه فصار كالسلام وأما الفعل فضربان: ضرب لا يبطل عمده الصلاة وضرب يبطل فما لا يبطل عمده الصلاة كالالتفات والخطوة والخطوتين فلا يسجد له لأن عمده لا يؤثر فسهوه لا يقتضي
السجود وأما ما يبطل عمده فضربان: متحقق ومتوهم فالمتحقق أن يسهو فيزيد في صلاته ركعة أو ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً أو يطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو فيسجد للسهو والدليل عليه ما روى عبدا لله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فقيل له صليت خمساً فسجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم وأما المتوهم فهو أن يشك هل صلى ركعة أو ركعتين فيلزمه أن يصلي ركعة أخرى ثم يسجد للسهو لحديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرناه في أول الباب فإن قام من الركعتين فرجع إلى القعود قبل أن ينتصب قائماً ففيه قولان: أحدهما يسجد للسهو لأنه زاد في صلاته فعلاً تبطل الصلاة بعمده فيسجد كما لو زاد قياماً أو ركوعاً والثاني لا يسجد وهو الأصح لأنه عمل قليل فهو كالالتفات والخطوة.
فصل: وأما النقصان فهو أن يترك سنة مقصودة وذلك شيئان: أحدهما أن يترك التشهد الأول ناسياً فيسجد للسهو لما روى ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين فلما جلس من أربع انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم والثاني أن يترك القنوت ساهياً فيسجد للسهو لأنه سنة مقصودة في محلها فتعلق السجود بتركها كالتشهد الأول وإن ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول فإن قلنا ليست بسنة فلا يسجد وإن قلنا إنها سنة سجد لأنه ذكر مقصود في موضعه فهو كالتشهد الأول فإن ترك التشهد الأول أو القنوت عامداً سجد للسهو ومن أصحابنا من قال لا يسجد لأنه مضاف إلى السهو فلا يفعل مع العمد والمذهب الأول لأنه إذا سجد لتركه ساهياً فلأن يسجد لتركه عامداً أولى وإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش وما أشبهها لم يسجد لأنه ليس بمقصود في موضعه فلم يتعلق بتركه الجبران وإن شك هل سها نظرت فإن كان في زيادة هل زاد أم لا لم يسجد لأن الأصل أنه لم يزد وإن كان في نقصان هل ترك التشهد أو القنوت أم لا سجد لأن الأصل أنه لم يفعل فسجد لتركه.
فصل: وإن اجتمع سهوان أو أكثر كفاه الجميع سجدتان لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين واقتصر على سجدتين ولأنه لو لم يتداخل لسجد عقيب السهو فلما أخر إلى آخر الصلاة دل على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة وإن سجد للسهو ثم سها فيه ففيه وجهان: قال أبو العباس بن القاص: بعيد لأن السجود لا يجبر ما بعده وقال أبو عبد الله الختن: لا يعيد لأنه لو لم يجبر كل سهو لم يؤخر.
فصل: إذا سها خلف الإمام لم يسجد لأن معاوية بن الحكم شمت العاطس في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس1" ولم يأمره بالسجود وإن سها الإمام لزم المأموم حكم السهو لأنه لما تحمل عنه الإمام سهوة لزم المأموم أيضاً سهوه فإن لم يسجد الإمام لسهوه سجد المأموم وقال المزني وأبو حفص البابشامي: لا يسجد لأنه إنما يسجد تبعاً للإمام وقد ترك الإمام فلم يسجد المأموم والمذهب الأول لأنه لما سها الإمام دخل النقص على صلاة المأموم لسهوه فإذا لم يجبر الإمام صلاته جبر المأموم صلاته وإن سبقه الإمام ببعض الصلاة وسها فيما أدركه معه وسجد معه ففيه قولان: قال في الأم: يعيد لأن الأول فعله متابعة لإمامه ولم يكن موضع سجوده وقال في الإملاء والقديم: لا يعيد لأن الجبران حصل بسجوده فلم يعد وإن سها الإمام فيما أدركه وسجد سجد معه ثم سها المأموم فيما انفرد فإن قلنا لا يعيد السجود سجد لسهوه وإن لم يسجد الإمام أو سجد وقلنا يعيد فالمنصوص أنه تكفيه سجدتان لأن السجدتين يجبران كل سهو ومن أصحابنا من قال يسجد أربع سجدات لأن إحداهما من جهة الإمام والأخرى من جهته وإن سها الإمام ثم أدركه المأموم فالمنصوص في صلاة الخوف أنه يلزم المأموم وحكم سهوه لأنه دخل في صلاة ناقصة فنقصت بها صلاته ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لأنه لو سها المأموم فيما انفرد به بعد مفارقة الإمام لم يتحمل عنه الإمام فإذا سها الإمام فيما انفرد به لم يلزم المأموم وإن صلى ركعة منفرداً في صلاة رباعية فسها فيها ثم نوى متابعة إمام مسافر فسها الإمام ثم قال ثم قام إلى رابعته فسها فيها ففيه ثلاثة أوجه أصحها أنه يكفيه سجدتان والثاني يسجد أربع سجدات لأنه سها سهواً في جماعة وسهواً في جماعة وسهواً في الانفراد والثالث يسجد ست سجدات لأنه سها في ثلاثة أحوال.
فصل: وسجود السهو سنة لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري كانت الركعة نافلة له والسجدتان ولأنه يفعل لما لا يجب فلا يجب.
فصل: ومحله قبل التسليم لحديث أبي سعيد ولحديث ابن بحينة ولأنه يفعل لإصلاح الصلاة فكان قبل التسليم كما لو نسي سجدة من الصلاة ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر إنه إن كان السهو زيادة كان محله بعد السلام والمشهور هو الأول لأن بالزيادة يدخل النقص في الصلاة كما يدخل بالنقصان فإن لم يسجد حتى سلم ولم يتطاول الفصل سجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمساً وسلم ثم سجد وإن تطاول الفصل ففيه
قولان: أحدهما يسجد لأنه جبران فلم يسقط بالتطاول كجبران الحج وقال في الجديد: لا يسجد وهو الأصح لأنه يفعل لتكميل الصلاة فلم يفعل بعد تطاول الفصل كما لو نسي سجدة من الصلاة فذكرها بعد التسليم وبعد تطاول الفصل وكيف يسجد بعد التسليم فيه وجهان: قال أبو العباس بن القاص: يسجد ثم يتشهد لأن السجود في الصلاة بعده تشهد وكذلك هذا وقال أبو إسحاق: لا يتشهد وهو الأصح لأن الذي ترك هو السجود فلا يعيد معه غيره والنفل والفرض في سجود السهو واحد ومن أصحابنا من حكى قولاً في القديم أنه لا يسجد للسهو في النفل وهذا لا وجه له لأن النفل كالفرض في النقصان فكان كالفرض في الجبران.
باب الساعات التي نهى الله عن الصلاة فيها
وهي خمس: اثنتان نهى عنهما لأجل الفعل وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: حدثني أناس أعجبهم إلي عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وثلاثة نهى عنها لأجل الوقت وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند الاستواء حتى تزول وعند الاصفرار حتى تغرب والدليل ما روى عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن نصلي فيها أو أن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة وحتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة وحين تضيف الشمس للغروب وهل يكره التنفل لمن
صلى ركعتي الفجر؟ فيه وجهان: أحدهما يكره لما روى ابن عمر رضي اله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليبلغ الشاهد منكم الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين" والثاني لا يكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا بعد الصبح حتى تطلع الشمس.
فصل: ولا يكره في هذه الأوقات ما لها سبب كقضاء الفائتة والصلاة المنذورة وسجود التلاوة وصلاة الجنازة وما أشبهها لما روي عن قيس بن فهر قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فقال: ما هاتان الركعتان قلت: لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان ولم ينكر عليه فدل على جوازه فإن دخل إلى المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة له غيرها ففيه وجهان: أحدهما يصلي لأنه وجد سبب الصلاة وهو الدخول والثاني لا يصلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتحرى أحدكم بصلاته طلوع الشمس وغروبها1" وهذا يتحرى بصلاته طلوع الشمس وغروبها.
فصل: ولا تكره يوم الجمعة يوم الاستواء حتى لو حضر الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة ولأنه يشق عليه مع كثرة الخلق أن يخرج لمراعاة الشمس ويغلبه النوم إن قعد فعفى عن الصلاة وإن لم يحضر الصلاة ففيه وجهان: أحدهما يجوز للخبر والثاني لا يجوز لأنه لا مشقة عليه في مراعاة الشمس.
فصل: ولا تكره الصلاة في هذه الأوقات بمكة لما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة1" ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف بالبيت صلاة2" ولا خلاف أن الطواف يجوز فكذلك الصلاة 1رواه البخاري في كتاب المواقيت باب 30.
مسلم في كتاب المسافرين حديث 289 النسائي في كتاب المواقيت باب 33.
الموطأ في كتاب القرآن حديث 47.
أحمد في مسنده "6/255".
باب صلاة الجماعة
إختلف أصحابنا في الجماعة فقال أبو عباس وأبو إسحاق: هي فرض على الكفاية يجب إظهارها في الناس فإن امتنعوا من إظهارها قوتلوا عليها وهو المنصوص في الإمامة والدليل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحذوا عليهم الشيطان عليك بالجماعة فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم1" ومن أصحابنا من قال هي سنة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة2". فصل: وأقل الجماعة اثنان إمام ومأموم لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة3" وفعلها للرجال في المسجد أفضل لأنهم أكثر جمعاً وفي المساجد التي يكثر الناس فيها أفضل لما روى أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى4"
فإن كان في جواره مسجد تختل فيه الجماعة ففعلها في مسجد الجوار أفضل من فعلها في المسجد الذي يكثر فيه الناس لأنه صلى في مسجد الجوار حصلت الجماعة في موضعين وأما النساء فجماعتهن في البيوت أفضل لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن1" فإن أرادت المرأة حضور المسجد مع الرجال فإن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزاً لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزاً في منقلها.
فصل: ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الجماعة لأنه يريد أن يتبع غيره فلا بد من نية الإتباع فإن رأى رجلين يصليان على الانفراد فنوى الائتمام بهما لم تصح صلاته لأنه لا يمكنه أن يقتدي بهما في وقت واحد وإن نوى الاقتداء بأحدهما بغير عينه لم تصح صلاته لأنه إذا لم يعين لم يمكنه الاقتداء به وإن كان أحدهما يصلي بالآخر فنوى الاقتداء بالمأموم منهما لم تصح صلاته لأنه تابع لغيره فلا يجوز أن يتبعه غيره فإن صلى رجلان فنوى كل واحد منهما أنه هو الإمام لم تبطل صلاته لأنه كل واحد منهما يصلي لنفسه وإن نوى كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام.
فصل: وتسقط الجماعة بالعذر وهو أشياء فمنها المطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه أن صلوا في رحالكم ومنها أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه أو يدافع الخبثين لما روت عائشة رضي الله عنها
قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين1" ومنها أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو مرضاً يشق معه القصد والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر" قالوا يا رسول الله وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض" ومنها أن يكون قيماً بمريض يخاف ضياعه لأنه حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة ومنها أن يكون له قريب مريض يخاف موته لأنه يتألم عليه بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال.
فصل: ويستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها وعليه السكينة والوقار وقال أبو إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود اشتد إلى الصلاة وقال: بادروا حد الصلاة يعني التكبيرة الأولى والأول أصح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا1" وإن حضر والإمام لم يحضر فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لأن في تفويت الجماعة افتياتاً عليه وإفساداً للقلوب وإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف فقدم الناس أبا بكر رضي الله عنه وحضر النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الصلاة فلم ينكر عليهم وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة لأن الجماعة أفضل وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة فإن نوى الدخول في الجماعة 1رواه مسلم في كتاب المساجد حديث 67.
أبو داود في كتاب الطهارة باب 43.
الدارمي في كتاب الصلاة باب 137. أحمد في مسنده " "6/43/ 45".
من غير أن يقطع ففيه قولان: قال في الإملاء: لا يجوز وتبطل صلاته لأن تحريمته سبقت تحريمة الأمام فلم يجز كما لو حضر معه في أول الصلاة فكبر قبله وقال في القديم والجديد: يجوز وهو الأصح لأنه لما جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً ثم يصير إماماً بأن يجئ من يلأتم به جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً ثم يصير مأموماً ومن أصحابنا من قال: إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يجز قولاً واحداً لأنه يغير ترتيب صلاته بالمتابعة والصحيح أنه لا فرق لأن الشافعي رحمه الله لم يفرق ويجوز أن يغير ترتيب صلاته بالمتابعة كالمسبوق بركعة وإن حضر وقد أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة1" فإن أدركه في القيام وخشي أن تفوته القراءة ترك دعاء الاستفتاح واشتغل بالقراءة لأنها فرض فلا يشتغل عنها بالنفل فإن قرأ بعض الفاتحة فركع الإمام ففيه وجهان: أحدهما يركع ويترك القراءة لأن متابعة الإمام آكد ولهذا لو أدركه راكعاً سقط عنه فرض القراءة والثاني يلزمه أن يتم القراءة لأنه لزمه بعض القراءة فلزمه إتمامها وإن أدركه وهو راكع كبر للإحرام وهو قائم ثم كبر للركوع ويركع فإن كبر تكبيرة واحدة نوى بها الإحرام وتكبيرة الركوع لم تجزئه عن الفرض لأنه أشرك في النية بين الفرض والنفل وهل تنعقد له صلاة نفل؟ فيه وجهان: أحدهما تنعقد كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع والثاني لا تنعقد لأنه أشرك في النية بين تكبيرة هي شرط وتكبيرة ليست بشرط وإن أدرك معه مقدار الركوع الجائز فقد أدرك الركعة إن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع فليصل الظهر أربعاً" وإن كان الإمام قد ركع ونسي تسبيح الركوع فرجع إلى الركوع ليسبح فأدركه في هذا الركوع فقد قال أبو علي الطبري: يحتمل أن يكون مدركاً كما لو قام إلى الخامسة فأدركه المأموم فيها والمنصوص في الأم أنه لا يكون مدركاً لأن ذلك غير محتسب للإمام ويخالف الخامسة لأن هناك قد أتى بها المأموم وههنا لم يأت بما فاته مع الإمام وإن أدركه ساجدا كبر للإحرام ثم سجد من غير تكبير ومن أصحابنا من قال: يكبر كما يكبر للركوع والمذهب الأول لأنه لم يدرك محل التكبير في السجود ويخالف إذا أدركه راكعا فإن
هذا موضع ركوعه ألا ترى يجزئه عن فرضه فصار كالمنفرد وإن أدركه في آخر الصلاة كبر للإحرام وقعد وحصل له فضيلة الجماعة فإن أدرك معه الركعة الأخيرة كان ذلك أول صلاته لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما أدركت فهو أول صلاتك وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: يكبر فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته فإن كان ذلك في صلاة فيها قنوت فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته لأن ما فعله مع الإمام فعله للمتابعة فإذا بلغ إلى موضعه أعاد كما لو تشهد مع الإمام ثم قام إلى ما بقي فإنه يعيد التشهد وإن حضر وقد فرغ الإمام من الصلاة فإن كان المسجد له إمام راتب كره أن يستأنف فيه جماعة لأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد وإن كان المسجد في سوق أو ممر الناس لم يكره أن يستأنف الجماعة لأنه لا يحمل الأمر فيه على الكياد وإن حضر ولم يجد إلا من صلى استحب لبعض من حضر أن يصلي معه ليحصل له الجماعة والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً جاء وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه.
فصل: ومن صلى منفرداً ثم أدرك جماعة يصلون استحب له أن يصلي معهم وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كان صبحاً أو عصراً لم يستحب لأنه منهي عن الصلاة في ذلك الوقت والمذهب الأول لما روى يزيد بن الأسود العامري أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة في مسجد الخيف فرأى في آخر القوم رجلين لم يصليا معه فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا فقال "لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة" فإن صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه وجهان: احدهما يعيد للخبر والثاني لا يعيد لأنه قد حاز فضيلة الجماعة وإذا صلى وأعاد مع الجماعة فالفرض هو الأول في قوله الجديد للخبر ولأنه أسقط الفرض بالأولى فوجب أن تكون الثانية نفلاً وقال في القديم: يحتسب الله له بأيتهما شاء وليس بشيء.
فصل: ويستحب للإمام أن يأمر من خلفه بتسوية الصفوف لما روى أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء
ظهري1" قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه والمستحب أن يخفف في القراءة والأذكار لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذاصلى لنفسه فليطول ما شاء1" فإن صلى بقوم يعلم أنهم يؤثرون التطويل لم يكره التطويل لأن المنع لأجلهم وقد رضوا وإن أحس بداخل وهو راكع ففيه قولان: أحدهما يكره أن ينتظر لأن فيه تشريكاً بين الله عز وجل وبين الخلق في العبادة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:110] والثاني يستحب أن ينتظر وهو الأصح لأنه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلم يكره كالانتظار في صلاة الخوف وتعليل الأول يبطل بإعادة الصلاة لمن فاتته الجماعة برفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه فإن فيه تشريكاً ثم يستحب وإن أحس به وهو قائم لم ينتظره لأن الإدراك يحصل له بالركوع وهو يتشهد ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يستحب لما فيه من التشريك والثاني يستحب الإدراك يحصل له بالركوع فإن أدركه وهو يتشهد ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يستحب لما فيه من التشريك والثاني يستحب لأنه يدرك به الجماعة.
فصل: وينبغي للمأموم أن يتبع الإيمام ولا يتقدمه في شيء من الأفعال لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإن كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ولا تختلفوا عليه فإذا قال سمع الله لمن حمد فقولوا ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا ترفعوا قبله2" فإن كبر قبله أوكبر معه للإحرام لم تنعقد صلاته لأنه علق صلاته بصلاته قبل أن تنعقد فلم تصح وإن سبقه بركن بأن ركع قبله أو سجد قبله لم يجز ذلك لقوله: "أما يخشى أحدكم أن يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار3" ويلزمه أن يعود إلى متابعته لأن ذلك 1رواه البخاري في كتاب الأذان باب 76 النسائي في كتاب الإمامة باب 28.
أحمد في مسنده "2/98".
فرض فإن لم يفعل لحقه فيه لم تبطل لأن ذلك مفارقة قليلة وإن ركع قبل الإمام فلما أراد الإمام أن يركع رفع فلما أراد الإمام أن يرفع سجد فإن كان عالماً بتحريمه بطلت صلاته لأن ذلك مفارقة كثيرة وإن كان جاهلاً بذلك لم تبطل صلاته ولا يعتد له بهذه الركعة لأنه لم يتابع الإمام في معظمها وإن ركع قبله فلما ركع الإمام رفع ووقف حتى رفع الإمام واجتمع معه في القيام لم تبطل صلاته لأنه تقدم بركن واحد وذلك قدر يسير وإن سجد الإمام سجدتين وهو قائم ففيه وجهان: أحدهما تبطل صلاته لأنه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما وقال أبو إسحاق: لا تبطل لأنه تأخر بركن واحد وهو السجود وإن سها الإمام في صلاته فإن كان في قراءة فتح عليه المأموم لما روى أنس رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم يلقن بعضهم بعضاً في الصلاة وإن كان في ذكر غيره جهر به المأموم ليسمعه الإمام فتقوله وإن سها في فعل سبح له ليعلمه لم يقع للإمام أنه سها لم يعمل بقول المأموم لأن من شك في فعل نفسه لم يرجع فيه إلى قوله غيره كالحاكم إذا نسي حكماً حكم به فشهد شاهدان عليه أنه حكم به وهو لا يذكر وأما المأموم فإنه ينظر فيه فإن كان سهو الإمام في ترك فرض مثل أن يقعد وفرضه أن يقوم أو يقوم وفرضه أن يقعد لم يتابعه لأنه إنما تلزمه متابعته في أفعال الصلاة وما يأتي به ليس من أفعال الصلاة وإن كان سهوه في ترك سنة لزمه متابعته لأن المتابعة فرض فلا يجوز أن يشتغل عنها بسنة فإن نسي الإمام التسليمة الثانية أو سجود السهو لم يتركه المأموم لأنه يأتي به وقد سقط عنه المتابعة فإن نسيا جميعاً التشهد الأول ونهضا للقيام وذكر الإمام قبل أن يستتم القيام والمأموم قد استتم القيام ففيه وجهان: أحدهما لا يرجع لأنه قد حصل في فرض والثاني يرجع وهو الأصح لأن متابعة الإمام آكد ألا ترى أنه إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام لزمه العود إلى متابعته وإن كان قد حصل في فرض.
فصل: وإن أحدث الإمام واستحلف ففيه قولان: قال في القديم: لا يجوز لأن المستحلف كان لا يجهر ولا يقرأ السورة ولا يسجد للسهو فصار يجهر ويقرأ السورة ويسجد للسهو وذلك لا يجوز في صلاة واحدة وقال في الأم: يجوز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي توفي فيه قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول الله إنه رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فمر عمر فليصل بالناس فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فمر علياً فليصل بالناس قال إنكن
لأنتن صويحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس" فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج فلما رآه أبو بر فذهب ليستأخر فأومأ إليه بيده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلى جنبه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير فإن استخلف من لم يكن معه في الصلاة فإن كان في الركعة الأولى أو الثالثة جاز على قوله في الأم وإن كان في الركعة الثانية أو الرابعة لم يجز لأنه لا يوافق ترتيب الأول فيشوش وإن سلم الإمام وبقي على بعض المأمومين بعض الصلاة فقدموا من يتم بهم ففيه وجهان أحدهما يجوز كما يجوز في الصلاة والثاني لا يجوز لأن الجماعة الأولى قد تمت فلا حاجة إلى الاستخلاف.
فصل: وإن نوى المأموم مفارقة الإمام وأتم لنفسه فإن كان لعذر لم تبطل صلاته لأن معاذاً رضي الله عنه أطال القراءة فانفرد عنه أعرابي فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه وإن كان لغير عذر ففيه قولان: أحدهما تبطل لأنهما صلاتان مختلفتان في الحكم فلا يجوز أن ينتقل من إحداهما إلى الأخرى من غير عذر كالظهر والعصر والثاني يجوز وهو الأصح لأن الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائماً ثم قعد.
باب صفة الأئمة
إذا بلغ الصبي حداً يعقل وهو من أهل الصلاة صحت إمامته لما روي عن عمر بن سلمة قال: أممت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام بن سبع سنين وفي الجمعة قولان: قال في الأم: لا يجوز إمامته لأن صلاته نافلة وقال في الإملاء: يجوز لأنه يجوز أن يكون إماماً في غير الجمعة كالبالغ ولا تصح إمامة الكافر لأنه ليس من أهل الصلاة فلا يجوز أن يعلق صلاته على صلاته فإن تقدم وصلى بقوم لم يكن ذلك
إسلاماً منه لأنها من فروع الإيمان فلا يصير بفعلها مسلماً كما لوصام رمضان أو زكى المال وأما من صلى خلفه فإنه إن علم بحالة لم تصح صلاته لأنه علق صلاته بصلاة باطلة وإن لم يعلم ثم علم نظرت فإن كان كافراً متظاهراً بكفره لزمته الإعادة لأنه مفرط في صلاته خلفه لأن على كفره أمارة من الغيار وإن كان مستتراً ففيه وجهان: أحدهما لا تصح صلاته لأنه ليس من أهل الصلاة فلا تصح الصلاة خلفه كما لو كان متظاهراً بكفره والثاني تصح لأنه غير مفرط في الائتمام به وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله" ولأن ابن عمر رضي الله عنه صلى خلف الحجاج مع فسقه ولا يجوز للرجل أن يصلي خلف المرأة لما روى جابر رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تؤم امرأة رجلاً1" فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة فلم يعذر في صلاته خلفها ولا تجوز صلاة الرجل خلف الخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأة ولا صلاة خلف الخنثى لجواز أن يكون المأموم رجلاً والإمام امرأة.
فصل: ولا تجوز خلف المحدث لأنه ليس من أهل الصلاة فإن صلى خلفه غير الجمعة ولم يعلم ثم علم فإن كان ذلك في أثناء الصلاة نوى مفارقته وأتم وإن كان بعد الفراغ لم تلزمه الإعادة لأنه ليس على حدثه أمارة فعذر في صلاته خلفه فإن كان في الجمعة فقد قال الشافعي رحمه الله في الأم: إن تم العدد به لم تصح الجمعة لأنه فقد شرط الجمعة وإن تم العدد دونه صحت لأن العدد وجد وحدثه لا يمنع صحة الجمعة كما لا يمنع في سائر الصلوات ويجوز للمتوضئ أن يصلي خلف المتيمم لأنه أتى عن طهارته ببدل فهو كغاسل الرجل إذا صلى خلف الماسح على الخف وفي صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وجهان: أحدهما يجوز للمتوضئ خلف المتيمم والثاني لا يجوز لأنها لم تأت بطهارة على النجس ولأنها تقوم مقامها فهو كالمتوضئ خلف المحدث ويجوز للقائم أن يصلي خلف القاعد لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا والناس خلفه قيام
ويجوز للراكع والساجد أن يصلي خلف المومي إلى الركوع والسجود لأنه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام وفي صلاة القارئ خلف الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة وخلف الأرت والألثغ قولان: أحدهما يجوز لأنه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام والثاني لا يجوز لأنه يحتاج أن يتحمل قراءته وهو يعجز عن ذلك فلا يجوز أن ينتصب للتحمل كالإمام الأعظم إذا عجز عن تحمل أعباء الأمة وتجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل والمفترض بالمفترض في صلاة أخرى لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن معاذاً كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الأخيرة ثم يأتي قومه في بني سلمة يصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة العشاء ولأن الاقتداء يقع بالأفعال الظاهرة وذلك يمكن مع اختلاف النية فأما إذا صلى صلاة الكسوف خلف من يصلي الصبح أو الصبح خلف من يصلي الكسوف لم يجز لأنه لا يمكن الإئتمام مع اختلاف الأفعال ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر لأن الإمام شرط في الجمعة والإمام ليس معهم في الجمعة فيصير كالجمعة بغير إمام ومن أصحابنا من قال: تجوز كما يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر وفي فعلها خلف المتنفل قولان: أحدهما يجوز لأنهما متفقان في الأفعال الظاهرة والثاني لا يجوز لأن من شرط الجمعة الإمام والإمام ليس معهم في الجمعة ويكره أن يصلي الرجل بقوم وأكثرهم له كارهون لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ثلاثة لا يرفع الله صلاتهم فوق رؤوسهم فذكر فيهم رجلا أمَّ قوماً وهم له كارهون1" فإن كان الذي يكرهه الأقل لم يكره أن يؤمهم لأن أحداً لا يخلو ممن يكرهه ويكره أن يصلي الرجل بامرأة أجنبية لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان2" ويكره أن يصلي خلف التمتام والفأفاء لما يزيدان في الحروف فإن صلى خلفهما صحت صلاته لأنها زيادة هو مغلوب عليها.
فصل: والسنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم لما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى وأكثرهم قراءة فإن كانت قراءتهم سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً3" وكان أكثر الصحابة قراءة أكثرهم فقهاً لأنهم كانوا يقرأون ويتعلمون أحكامها ولأن الصلاة تفتقر صحتها إلى القراءة والفقه فقدم أهلهما على غيرهما فإن زاد أحدهما في القراءة والفقه قدم على الآخر وإن زاد أحدهما في الفقه وزاد الآخر في القراءة فالأفقه أولى لأنه ربما حدثت في الصلاة حادثة تحتاج إلى الاجتهاد فإن استويا في الفقه ففيه قولان: قال في القديم يقدم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن وهو الأصح لأنه قدم الهجرة على السن في حديث أبي مسعود البدري ولا خلاف أن الشرف مقدم على الهجرة فإذا قدمت الهجرة على السن فلأن يقدم عليه الشرف أولى وقال في الجديد: يقدم الأسن ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "صلوا كما رأيتموني أصلي وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم4" ولأن الأكبر أخشع في الصلاة فكان أولى والسن الذي يستحق به التقديم السن في الإسلام فأما إذا شاخ في الكفر ثم
أسلم لم يقدم على شاب في الإسلام والشرف الذي يستحق به التقديم أن يكون من قريش والهجرة أن يكون ممن هاجر من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أولادهم فإن استويا في ذلك فقد قال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال أحسنهم صورة ومنهم من قال أراد أحسنهم ذكراً.
فصل: فإن اجتمع هؤلاء مع صاحب البيت فصاحب البيت أولى منهم لما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يؤم الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذن1" فإن حضر مالك الدار والمستأجر فالمستأجر أولى لأنه أحق بالتصرف في المنافع وإن حضر مالك العبد والعبد في دار جعلها السيد لسكنى العبد فالسيد أولى لأنه هو المالك في الحقيقة دون العبد وإن اجتمع غير السيد مع العبد في الدار فالعبد أولى لأنه أحق بالتصرف فإن اجتمع هؤلاء مع إمام المسجد فإمام المسجد أولى لما روي أن ابن عمر كان له مولى يصلي في مسجد فحضر فقدمه مولاه فقال له ابن عمر رضي الله عنه: أنت أحق بافمامة في مسجدك وإن اجتمع إمام المسلمين مع صاحب البيت أو مع إمام المسجد فالإمام أولى لأن ولايته عامة ولأنه راع وهم رعيته فكان تقديم الراعي أولى وإن اجتمع مسافر ومقيم فالمقيم أولى لأنه إذا تقدم المقيم أتموا كلهم فلا يختلفون وإذا تقدم المسافر اختلفوا في الصلاة وإن اجتمع حر وعبد فالحر أولى لأنه موضع كمال والحر أكمل وإن اجتمع عدل وفاسق فالعدل أولى لأنه أفضل وإن اجتمع ولد الزنا مع غيره فغيره أولى لأنه كرهه عمر بن عبد العزيز ومجاهد فكان غيره أولى منه وإن اجتمع بصير وأعمى فالمنصوص في الإمامة أنهما سواء لأن في الأعمى فضيلة وهو أن لا يرى ما يلهيه وفي البصير فضيلة وهو أن يتجنب النجاسة قال أبو إسحاق المروزي الأعمى أولى وعندي أن البصير أولى لأنه يتجنب النجاسة التي تفسد الصلاة والأعمى يترك النظر إلى ما يلهيه وذلك لا يفسد الصلاة.
باب موقف الإمام والمأموم
السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه فإن وقف على يساره رجع إلى يمينه فإن لم يحسن علمه الإمام كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس رضي الله عنه فإن جاء آخر أحرم عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخر الملموم لما روى جابر رضي الله عنه قال: قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي وأدارني حتى أقامني عن يمينه وجاء جابر بن صخر حتى قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذنا بيديه جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه لأنه قبل أن يحرم الثاني لم يتغير موقف الأول فلا يزال عن موضعه فإن حضر رجلان اصطفا خلفه لحديث جابر وإن حضر رجل وصبي اصطفا خلفه لما روى أنس رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين فإن حضر رجال وصبيان تقدم الرجال لقوله صلى الله عليه وسلم "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم1" وإن كانت معهم امرأة وقفت خلفهم لحديث أنس رضي الله عنه فإن كان معهم خنثى وقف خلف الرجل والمرأة خلف الخنثى لأنه يجوز أن يكون امرأة فلا تقف مع الرجال والسنة أن لا يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم لما روي أن حذيفة رضي الله عنه صلى على دكن والناس أسفل منه فجذبه سلمان رضي الله عنه حتى أنزله فلما انصرف قال له "أما علمت أن أصحابك يكرهون أن يصلي الإمام على شيء وهم أسفل منه؟ قال حذيفة: بلى قد ذكرت حين جذبتني وكذلك لا يكون موضع المأموم أعلى من موضع الإمام لأنه إذا كره أن يعلو الإمام فلأن يكره أن يعلو المأموم أولى فإن أراد الإمام تعليم
المأمومين أفعال الصلاة فالسنة أن يقف الإمام على موضع عال لما روى سهل بن سعد الساعدي قال صلى الله عليه وسلم على المنبر والناس وراءه فجعل يصلي عليه ويركع ثم يرفع ثم يرجع القهقرى ويسجد على الأرض ثم يرفع فيرقى عليه فقال "أيها الناس إنما صنعت هكذا كيما تروني فأتموا بي" ولأن الارتفاع في هذه الحالة أبلغ في الإعلام فكان أولى.
فصل: والسنة أن تقف إمامة النساء وسطهن لما روي أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أمتا نساء فقامتا وسطهن وكذلك إذا اجتمع الرجال وهم عراة فالسنة أن يقف الإمام وسطهم لأنه أستر.
فصل: فإن خافوا فيما ذكرناه فوقف الرجل عن يسار الإمام أو خلفه وحده أو وقفت المرأة مع الرجل أو أمامه لم تبطل الصلاة لما روي أن ابن عباس رضي الله عنه وقف على يسار النبي صلى الله عليه وسلم فلم تبطل صلاته وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "زادك الله حرصاً ولا تعد" ولأن هذه المواضع كلها مواقف لبعض المأمومين فلا تبطل الصلاة بالانتقال إليها وإن تقدم المأموم على الإمام ففيه قولان: قال في القديم: لا تبطل الصلاة كما لو وقف خلف الإمام وحده وقال في الجديد: تبطل لأنه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال فأشبه إذا وقف في موضع نجس.
فصل: والمستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لو تعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة1" وروى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول1" والمستحب أن يعتمد يمين الإمام لما روى البراء قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه ويسلم عليه فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتموا الصف الأول فإن كان نقص 1رواه ابن ماجه في كتاب الإقامة باب 51.
ففي المؤخرة1" فإن تباعدت الصفوف أو تباعد الصف الأول عن الإمام نظرت فإن كان لا حائل بينهما وكانت الصلاة في المسجد وهو عالم بصلاة الإمام صحت الصلاة لأن كل موضع من المسجد موضع الجماعة وإن كان في غير المسجد فإن كان بينه وبين الإمام أو بينه وبين آخر صف مع الإمام مسافة بعيدة لم تصح صلاته فإن كانت مسافة قريبة صحت صلاته وقدر الشافعي رحمه الله القريب بثلثمائة ذراع والبعيد ما زاد على ذلك لأن ذلك قريب في العادة وما زاد بعيد وهل هو تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: أحدهما أنه تحديد فلو زاد على ذلك ذراع لم يجزه والثاني أنه تقريب فإن زاد ثلاثة أذرع جاز وإن كان بينهما حائل نظرت فإن كانت الصلاة في المسجد بأن كان أحدهما في المسجد والآخر على سطحه أو في بيت لم يضر وإن كان في غير المسجد نظرت فإن كان الحائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن نسوة كن يصلين في حجرتها بصلاة الإمام فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب وإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأن بينهما حائلاً يمنع الاستطراق فأشبه الحائط والثاني يجوز لأنه يشاهدهم فهو كما لو كان معهم وإن كان بين الإمام والمأموم نهر ففيه وجهان: قال أبو سعيد الاصطخري: لا يجوز لأن الماء يمنع الاستطراق فهو كالحائط والمذهب أنه يجوز لأن الماء لم يخلق للحائل وإنما خلق للمنفعة فلا يمنع الإئتمام كالنار.
1رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب 93.
النسائي في كتاب الإمامة باب 30.
أحمد في مسنده "3/ 132، 215".
باب صلاة المريض
إذا عجز عن القيام صلى قاعداً لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن الحصين "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب1" وكيف يقعد؟ فيه قولان: أحدهما يقعد متربعاً لأنه بدل عن القيام والقيام يخالف قعود الصلاة فيجب أن يكون بدله
مخالفاً له والثاني يقعد مفترشاً لأن التربع قعود العادة والافتراش جلوس قعود العبادة فكان الافتراش أولى فإن لم يمكنه ان يركع أو يسجد أومأ إليهما وقرب وجهه إلى الأرض على قدر طاقته فإن سجد على مخدة أجزأه لأن أم سلمة رضي الله عنها سجدت على مخدة لرمد بها قال في الأم: عن قدر أن يصلي منفرداً قائماً ويخفف القراءة وإذا صلى مع الجماعة صلى بعضها من قعود فالأفضل أن يصلي منفرداً لأن القيام فرض والجماعة نفل فكان الانفراد أولى وإن صلى مع الإمام وقعد في بعضها صحت صلاته فإن كان في ظهره علة لا تمنع من القيام وتمنعه من الركوع والسجود لزمه القيام ويركع ويسجد على قدر طاقته فإن لم يمكنه أن يحني ظهره حتى رقبته فإن أراد أن يتكئ على عصا كان له ذلك وإن تقوس ظهره حتى صار كأنه راكع رفع رأسه في موضع القيام على قدر طاقته ويحني ظهره في الركوع على قدر طاقته وإن كان بعينه وجع وهو قادر على القيام فقيل له إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز له ترك القيام لما روي أن ابن عباس رضي الله عنه لما وقع في عينيه الماء حمل إليه عبد الملك أطباء على البرد فقيل له إنك تمكث سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقياً فسأل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما فنهتاه والثاني يجزيه لأنه يخاف الضرر من القيام فأشبه المريض.
فصل: وإن عجز عن القيام والقعود صلى على جنبه ويستقبل القبلة بوجهه ومن أصحابنا من قال يستلقي على ظهره ويستقبل القبلة برجليه والمنصوص في البويطي هو الأول والدليل عليه ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع صلى جالساً فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه2" ولأنه إذا اضطجع على جنبه استقبل القبلة بجميع بدنه وإذا استلقى لم يستقبل القبلة إلا برجليه ويومئ إلى الركوع والسجود فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه لحديث علي رضي الله عنه.
فصل: وإن افتتح الصلاة قائماً ثم عجز قعد وأتم صلاته وإن افتتحها قاعداً ثم قدر على القيام وأتم صلاته لأنه يجوز أن يؤدي جميع صلاته قاعداً عند العجز وجميعها قائماً عند القدرة فجاز أن يؤدي بعضها قاعداً عند العجز وبعضها قائماً عند القدرة وإن افتتح الصلاة قاعداً ثم عجز اضطجع وإن افتتحها مضطجعاً ثم قدر على القيام أو القعود قام أو قعد والتعليل ما ذكرناه.
باب صلاة المسافر
يجوز القصر في السفر لقوله عز وجل ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:101] قال ثعلبة بن أمية: قلت لعمر رضي الله عنه قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء:101] وقد أمن النساء قال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ولا يجوز القصر إلا في الظهر والعصر والعشاء لإجماع الأمة ويجوز ذلك في سفر الماء كما يجوز للراكب في البر.
فصل: ولا يجوز ذلك إلا في مسيرة يومين وهو أربعة برد كل بريد أربعة فرسخ فذلك ستة عشر فرسخاً لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وسأل عطاء بن عباس أأقصر إلى عرفات؟ فقال: لا فقال: إلى منى؟ فقال: لا لكن إلى جدة وعسفان والطائف قال مالك رحمه الله:
بين الطائف ومكة وجدة وعسفان أربعة برد ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال وفيما دونه لا تتكرر قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن لا يقصر في أقل من ثلاثة أيام وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يبيح القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام فإن كان للبلد الذي يقصده طريقان يقصر في أحدهما وفي الآخر لا يقصر فسلك الأبعد لغرض يقصد في العادة قصر وإن سلكه ليقصر ففيه قولان: قال في الإملاء: له أن يقصر لأنها مسافة يقصر في مثلها الصلاة فجاز له القصر فيها كما لو لم يكن له طريق سواه وقال في الأم: ليس له أن يقصر لأنه طول الطريق للقصر فلا يقصر كما لو مشى في مسافة قريبة طولاً وعرضاً حتى طال وإن سافر إلى بلد يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إن لقي عبده أو صديقه في بعض الطريق رجع لم يقصر لأنه لم يقطع على سفر تقصر فيه الصلاة وإن نوى السفر إلى بلد ثم منه إلى بلد آخر فهما سفران فلا يقصر حتى يكون كل واحد منهما مما تقصر فيه الصلاة.
فصل: إذا كان السفر مسيرة ثلاثة أيام فالقصر أفضل من الإتمام لما روى عمران بن الحصين قال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عثمان رضي الله عنه فصلى ركعتين ست سنين ثم أتم بمنى فكان الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل فإن ترك القصر وأتم جاز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطرت وصمت وقصرت وأتممت؟ فقال "أحسنت يا عائشة" ولأنه تخفيف أبيح السفر فجاز تركه كالمسح على الخفين ثلاثاً.
فصل: ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية فأما إذا سافر لمعصية كالسفر لقطع الطريق وقتال المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخيص بشيء من رخص المسافر لأن الرخص لا يجوز أن تتعلق بالمعاصي ولأن في جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.
فصل: ولا يجوز القصر إلا أن يفارق الإقامة لقوله عز وجل {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ
فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء:101] فعلق القصر على الضرب في الأرض وإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد فإن اتصل بحيطان البساتين حيطان البلد وفارق بنيان البلد جاز له القصر لأن البساتين ليست من البلد وإن كان في قرية وبقربها قرية ففارق قريته جاز له القصر وقال أبو العباس إن كانت القريتان متقاربتين فهما كالقرية الواحدة فلا يقصر حتى يفارقهما والمذهب الأول لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى فإن كان من أهل الخيام فإن كانت خياماً مجتمعة لم يقصر حتى يفارق جميعها وإن كانت خياماً متفرقة قصر إذا فارق ما يقرب من خيمته قال في البويطي: فإن خرجوا من البلد فأقاموا في موضع حتى يجتمعوا ويخرجوا لم يجز لهم القصر لأنهم لم يقطعوا الطريق بالسفر وإن قالوا ننتظر يومين أو ثلاثة فإن لم يجتمعوا سرنا جاز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر.
فصل: ولا يجوز القصر حتى تكون جميع الصلاة في السفر فأما إذا أحرم بالصلاة في سفينة في البلد ثم سارت السفينة وحصلت في السفر لم يجز له القصر وكذلك إن أحرم بها في سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة أو نوى الإقامة لزمه الاتمام لأنه اجتمع في صلاته ما يقتضي القصر والإتمام فغلب الإتمام.
فصل: ولا يجوز القصر حتى ينوي القصر عند الإحرام لأن الأصل التمام فإذا لم ينو القصر انعقد احرامه على التمام فلم يجز له القصر كالمقيم.
فصل: ولا يجوز القصر لمن ائتم بمقيم فإن ائتم به في جزء من صلاته لزمه التمام لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام وإن أراد أن يقصر الظهر خلف من يصلي الجمعة لم يجز لأنه مؤتم بمقيم ولأن الجمعة صلاة تامة فهو كما لو ائتم بمن يصلي الظهر تامة فإن لم ينو القصر أو نوى الإتمام او ائتم بمقيم ثم أفسد صلاته لزمه الإتمام لأنه فرض لزمه فلا يسقط عنه بالإفساد كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا وهل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا أو هل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام لأن الأصل هو التمام والقصر أجيز بشروط فإذا لم تتحقق الشروط رجع إلى الأصل فإن ائتم بمسافر أو بمقيم الظاهر منه أنه مسافر جاز أن ينوي القصر خلفه لأن الظاهر أن الإمام مسافر فإن
أتم الإمام تبعه في الإتمام لأنه بان أنه ائتم بمقيم أو بمن نوى الإتمام وإن أفسد الإمام صلاته وانصرف ولم يعلم المأموم أنه نوى القصر أو الاتمام لزمه أن يتم المنصوص وهو قول أبي إسحاق لأنه شك في عدد الصلاة ومن شك في عدد الصلاة لزمه البناء على اليقين لا على غلبة الظن والدليل عليه أنه إذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً بنى على اليقين وهو الثلاث وإن غلب على ظنه أنه صلى أربعاً وحكي عن ابن عباس أنه قال: له أن يقصر لأنه ائتم بمن الظاهر منه أن يقصر.
فصل: قال الشافعي رحمه الله: وإن صلى مسافر بمقيمين فرعف واستخلف مقيماً أتم الراعف فمن أصحابنا من قال هذا على القول القديم أن صلاة الراعف لا تبطل فيكون في حكم المؤتم بمقيم ومن أصحابنا من قال تلزمه على القول الجديد أيضاً لأن المستخلف فرع للراعف فلا يجوز ولا يلزم الأصل وليس بشيء.
فصل: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج صار مقيماً وانقطعت عنه رخص السفر لأن بالثلاثة لا يصير مقيماً لأن المهاجرين حرم عليهم الإقامة بمكة ثم رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيموا ثلاثة أيام فقال: يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً وأجلى عمر رضي الله عنه اليهود من الحجاز ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثاً وأما اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فلا يحتسب به لأنه مسافر فيه فإقامته في بعضه لا تمنعه من كونه مسافراً لأنه ما من مسافر إلا ويقيم بعض اليوم ولأن مشقة السفر لا تزول إلا بإقامة يوم فإن نوى إقامة أربعة أيام على حرب ففيه قولان: أحدهما يقصر لما روى أنس رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة والثاني لا يقصر لأنه نوى إقامة أربعة أيام لا سفر فيها فلا يقصر كما لو نوى الإقامة في غير حرب وأما إذا أقام في بلد على حاجة إذا تنجزت رحل ولم ينو مدة ففيه قولان: أحدهما يقتصر سبعة عشر يوماً لأن الأصل التمام إلا فيما وردت فيه الرخصة وقد روى ابن عباس رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام سبعة عشر يوما يقصر الصلاة وبقي فيما زاد على حكم الأصل والثاني يقصر أبداً لأنها إقامة على تنجز حاجة يرحل بعدها فلم يمنع القصر كالإقامة في سبعة عشر يوماً وخرج أبو إسحاق قولاً ثالثاً إنه يقصر إلى أربعة أيام لأن الإقامة أبلغ من نية الإقامة لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ والنية يلحقها الفسخ ثم ثبت أنه لو نوى إقامة أربعة أيام لم يقصر فلأن لا يقصر إذا أقام أولى.
فصل: إذا فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر ففيه قولان: قال في القديم: له أن يقصر لأنها صلاة سفر فكان قضاؤها كأدائها في العدد كما لو فاتته في الحضر فقضاها في السفر وقال في الجديد: لا يجوز له القصر وهو الأصح لأنه تخفيف تعلق في عذر فزال بزوال العذر كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر ففيه قولان: أحدهما لا يقصر لأنه صلاة ردت من أربع إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كصلاة الجمعة والثاني له أن يقصر وهو الأصح لأنه تخفيف يعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقياً كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في الحضر صلاة فأراد قضاءها في السفر لم يجز له القصر لأنه ثبت في ذمته صلاة تامة فلم يجز له القصر كما لو نذر أن يصلي أربع ركعات وقال المزني: له أن يقصر كما لو فاته قصر يوم في الحضر فذكره في السفر فإن له أن يفطر وهذا لا يصح لأن الصوم تركه في حال الأداء وقد كان له تركه وههنا في حال الأداء لم يكن له أن يقصر فوازنه من الصوم أن يتركه من غير عذر فلا يجوز له تركه في السفر فأما إذا دخل عليه وقت الصلاة وتمكن من فعلها ثم سافر فإن له أن يقصر وقال المزني: لا يجوز له أن يقصر ووافقه عليه أبو العباس لأن السفر يؤثر في الصلاة كما يؤثر في الحيض ثم لو طرأ الحيض بعد الوجوب والقدرة على فعلها لم يؤثر ذلك كذلك السفر والمذهب الأول لأن الاعتبار في صفة الصلاة بحال الأداء لا يحال الوجوب والدليل عليه أنه لو دخل عليه وقت الظهر وهو عبد فلم يصل حتى عتق صار فرضه الجمعة وهذا في حال الأداء مسافر فوجب أن يقصر ويفارق الحيض لأنه يؤثر في إسقاط الفرض فلو أثر ما طرأ منه بعد القدرة على الأداء أفضى إسقاط الفرض بعد الوجوب والقدرة والسفر يؤثر في العدد فلا يفضي إلى إسقاط الفرض بعد الوجوب ولأن الحائض تفعل القضاء والقضاء يتعلق بالوجوب والقدرة عليه والمسافر يفعل الأداء وكيفية الأداء تعتبر بحال الأداء والأداء في حال السفر وإن سافر بعد ما ضاق الوقت كان له أن يقصر وقال أبو الطيب بن سلمة: لا يقصر لأنه تعينت عليه صلاة حضر فلا يجوز له القصر والمذهب الأول لما زكرناه مع المزني ووأبي عباس وقوله تعينت عليه صلاة حضر يبطل بالعبد إذا عتق في وقت الظهر وإن سافر وقد بقي من الوقت أقل من قدر الصلاة فإن قلنا إنه مؤد لجميع الصلاة جاز القصر وإن قلنا إنه مؤد لما فعل في الوقت قاض لما فعل بعد الوقت لم يجز له القصر.
فصل: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر الذي تقصر فيه الصلاة لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر وفي السفر الذي لا تقصر فيه صلاة قولان: أحدهما يجوز لأنه سفر يجوز فيه التنفل على الراحلة فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه إخراج عبادة عن وقتها فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم.
فصل: ويجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما وفي وقت الثانية غير أنه إن كان نازلاً في وقت الأولى فالأفضل أن يقدم الثانية وإن كان سائراً فالأفضل أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس في المنزل قدم العصر إلى وقت الظهر وجمع بينهما في الزوال وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر إلى وقت العصر ثم جمع بينهما في وقت العصر ولأن هذا أرفق بالمسافر فكان أفضل وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط: أحدهما أن ينوي الجمع وقال المزني يجوز الجمع من غير نية الجمع وهذا خطأ لأنه جمع فلا يجوز من غير نية كالجمع في وقت الثانية ولأن العصر قد يفعل في وقت الظهر على وجه الخطأ فلا بد من نية الجمع ليتميز التقديم المشروع من غيره وفي وقت النية قولان: أحدهما يلزمه أن ينوي عند ابتداء الأولى لأنها نية واجبة للصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الإحرام كنية الصلاة ونية القصر والثاني يجوز أن ينوي قبل الفراغ من الأولى وهو الأصح لأن النية تقدمت على حال الجمع فأشبه إذا نوى عند الإحرام والشرط الثاني الترتيب وهو أن يقدم الأولى ثم يصلي الثانية لأن الوقت للأولى وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى فلا بد من تقديم المتبوع والشرط الثالث التتابع وهو أن لا يفرق بينهما والدليل عليه أنهما كالصلاة الواحدة فلا يجوز أن يفرط بينهما كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة فإن فصل بينهما بفصل طويل بطل الجمع وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر وإن أخر الأولى إلى الثانية لم يصح إلا بالنية لأنه قد يؤخر للجمع وقد يؤخر لغيره فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره ويجب أن ينوي في وقت الأولى وأما الترتيب فليس بواجب لأن وقت الثانية وقت الأولى فجاز البداية بما شاء منهما وأما التتابع فلا يجب لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة فجاز التفريق بينهما.
فصل: ويجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعاً من غير خوف ولا سفر قال مالك رحمه الله: أرى ذلك في وقت المطر وهل يجوز أن يجمع بينهما في وقت الثانية؟ فيه قولان: قال في الإملاء: يجوز لأنه عذر يجوز الجمع به في وقت الأولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالسفر وقال في الأم: لا يجوز لأنه إذا أخر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر.
فصل: فإذا دخل في الظهر من غير مطر ثم جاء المطر لم يجز له الجمع لأن سبب الرخصة حدث بعد الدخول فلم يتعلق به كما لو دخل في صلاة ثم سافر فإن أحرم بالأولى مع المطر ثم انقطع في أثنائها ثم عاد قبل أن يسلم وأدام حتى أحرم بالثانية جاز الجمع لأن العذر موجود في حال الجمع وإن عدم فيما سواها من الأحوال لم يضر لأنه ليس بحال الدخول ولا بحال الجمع.
فصل: ولا يجوز الجمع إلا في مطر يبل الثياب وأما المطر الذي لا يبل الثياب فلا يجوز الجمع لأجله لأنه لا يتأذى به وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع لأجله فأما الوحل والريح والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها فإنها قد كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه جمع لأجلها وإن كان يصلي في بيته أو في مسجد ليس في طريقه إليه مطر ففيه قولان: قال في القديم: لا يجوز لأنه مشقة عليه في فعل الصلاة في وقتها وقال في الإملاء: يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع في المسجد وبيوت أزواجه إلى المسجد وبجنب المسجد.
باب صلاة الخوف
تجوز صلاة الخوف في قتال الكفار لقوله عز وجل ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء:102] وكذلك يجوز في كل قتال مباح كقتال أهل البغي وقتال قطاع الطريق لأنه قتال جائز فهو كقتال الكفار وأما في القتال المحظور كقتال أهل العدل وقتال
أصحاب الأموال لأخذ أموالهم فلا يجوز فيه صلاة الخوف لأن ذلك رحمة وتخفيف فلا يجوز أن يتعلق بالمعاصي وفيه إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.
فصل: وإذا أراد الصلاة لم يخل إما أن يكون العدو في جهة القبلة أو في غيرها فإن كان في غير جهة القبلة ولم يأمنوا وفي المسلمين كثرة جعل الإمام الناس طائفتين طائفة في وجه العدو وطائفة تصلي معه ويجوز أن يصلي بالطائفة التي معه جميع الصلاة ثم تخرج إلى وجه العدو ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم فيكون متنفلاً بالثانية وهم مفترضون والدليل عليه ما روى أبو بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين وبالذين جاؤوا ركعتين فكانت للنبي أربعاً ولهؤلاء ركعتين ويجوز أن يصلي بإحدى الطائفتين بعض الصلاة وبالأخرى البعض وهو أفضل من أن يصلي بكل واحدة منهم جميع الصلاة لأنه أخف فإن كانت الصلاة ركعتين صلى بالطائفة التي معه ركعة ويثبت قائماً وأتمت الطائفة لأنفسهم وتنصرف إلى وجه العدو وتجيء الطائفة الأخرى ويصلي معهم الركعة التي بقيت من صلاته وثبت جالساً وأتمت الطائفة الأخرى ثم يسلم بهم والدليل عليه ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف فذكر مثل ما قلنا.
فصل: وتفارق الطائفة الأولى الإمام حكماً وفعلاً فإن لحقها سهو بعد المفارقة لم يتحمل عنهم الإمام وإن سها الإمام لم يلزمهم سهوه وهل يقرأ الإمام في انتظاره؟ قال في موضع: إذا جاءت الطائفة الثانية قرأ وقال في موضع: يطيل القراءة حتى تدركه الطائفة الثانية فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما لا يقرأ حتى تجيء الطائفة الثانية فيقرأ معها لأنه قرأ مع الطائفة الأولى قراءة تامة فيجب أن يقرأ مع الثانية أيضاً قراءة تامة والقول الثاني أنه يقرأ وهو الأصح لأن أفعال الصلاة لا تخلو من ذكر والقيام لا يصلح لذكر غير القراءة فوجب أن يقرأ ومن أصحابنا من قال: إذا أراد أن يقرأ سورة قصيرة لم يقرأ حتى لا يفوت القراءة على الطائفة الثانية وإن أراد أن يقرأ سورة طويلة قرأ لأنه لا يفوت عليهم القراءة وحمل القولين على هذين الحالين وأما الطائفة الثانية فإنهم يفارقون الإمام فعلاً ولا يفارقونه حكماً فإن سهوا تحمل عنهم الإمام وإن سها الإمام لزمهم سهوه ومتى يفارقونه؟ قال الشافعي رحمه الله: في سجود السهو يفارقونه بعد
التشهد لأن المسبوق لا يفارق الإمام إلا بعد التشهد وقال في الأم: يفارقونه عقيب السجود في الثانية وهو الأصح لأن ذلك أخف ويفارقون المسبوق لأن المسبوق لا يفارق حتى يسلم الإمام وهذا يفارق قبل التسليم فإذا قلنا بهذا فهل يتشهد الإمام في حال الانتظار؟ فيه طريقان: من جهة أصحابنا من قال فيه قولان كالقراءة ومنم من قال يتشهد قولاً واحداً ويخالف القراءة فإن في القراءة قد قرأ مع الطائفة الأولى فلم يقرأ حتى تدركه الطائفة الثانية فيقرأ معها والتشهد لم يفعله مع الطائفة الأولى فلا ينتظر.
فصل: وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بإحدى الطائفتين ركعة وبالأخرى ركعتين وفي الأفضل قولان: قال في الإملاء: الأفضل أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين لما روي أن علياً رضي الله عنه صلى ليلة الهرير هكذا وقال في الأم: الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة وهو الأصح لأن ذلك أخف لأنه تتشهد كل طائفة تشهدين وعلى القول الآخر تتشهد الطائفة الثانية ثلاث تشهدات فإن قلنا بقوله في الإملاء فارقته الطائفة الأولى في القيام في الركعة الثانية لأن ذلك موضع قيامها وإذا قلنا بقوله في الأم فارقته بعد التشهد لأنه موضع تشهدها وكيف ينتظر الإمام الطائفة الثانية؟ فيه قولان: قال في المختصر: ينتظرهم جالساً حتى يدركوا معه القيام من أول الركعة لأنه إذا انتظرهم قائماً فاتهم معه بعض القيام وقال في الأم: إن انتظرهم قائماً فحسن وإن انتظرهم جالساً فجائز فجعل الانتظار قائماً أفضل وهو الأصح لأن القيام أفضل من القعود ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم1".
فصل: وإن كانت الصلاة ظهراً أو عصراً أو عشاء وكان في الحضر صلى بكل طائفة ركعتين وإن جعلهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة ففي صلاة الإمام قولان: أحدهما أنها تبطل لأن الرخصة وردت بانتظارين فلا تجوز الزيادة عليهما والثاني أنها لا تبطل
وهو الأصح لأنه قد يحتاج إلى أربع انتظارات بأن يكون المسلمون أربعمائة والعدو ستمائة فيحتاج أن يقف بإزاء العدو ثلثمائة ويصلي بمائة ولأن الانتظار الثالث والرابع بالقيام والقراءة والجلوس والذكر وذلك لا يبطل الصلاة فإن قلنا إن صلاة الإمام لا تبطل صحت صلاة الطائفة الأخيرة لأنهم لم يفارقوا الإمام والطائفة الأولى والثانية والثالثة فارقوه بغير عذر ومن فارق الإمام بغير عذر ففي بطلان صلاته قولان فإن قلنا إن صلاة الإمام تبطل ففي وقت بطلانها وجهان: قال أبو العباس: تبطل بالانتظار الثالث فتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة وأما الرابعة فإن علموا ببطلان صلاته بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل وقال أبو إسحاق: المنصوص أنه تبطل صلاة الإمام بالانتظار الثاني لأن النبي صلى الله عليه وسلم انتظر الطائفة الأولى حتى فرغت ورجعت إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الخرى وانتظر بقدر ما أتمت صلاتها وهذا قد زاد على ذلك لأنه انتظر الطائفة الأولى حتى أتمت صلاتها ومضت إلى وجه العدو وانتظر الثانية حتى أتمت صلاتها ومضت إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الثالثة وهذا زائد على انتظار رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى هذا إن علمت الطائفة الثالثة بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل.
فصل: وإن كان العدو من ناحية القبلة لا يسترهم عنهم شيء - وفي المسلمين كثرة - صلى بهم صلاة رسول الله بعسفان فيحرم بالطائفتين ويسجد معه الصف الذي يليه فإذا رفعوا سجد الصف الآخر فإذا سجد في الثانية حرس الصف الذي سجد في الأولى وسجد الصف الآخر فإذا رفعوا سجد الصف الآخر لما روى جابر وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى هكذا.
فصل: ولا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس وهل يجب حمل ما سواه؟ قال في الأم: يستحب وقال بعده يجب قال أبو إسحاق المروزي فيه قولان: أحدهما يجب لقوله عز وجل ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء:102] فدل على أن عليهم جناحاً إذا وضعوا من غير أذى ولا مرض والثاني لا يجب لأن السلاح إنما يجب حمله للقتال
وهو غير مقاتل في حال الصلاة فلم يجب حمله ومن أصحابنا من قال: إن كان السلاح يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين وجب حمله وإن كان يدفع به عن نفسه وعن غيره كالرمح والسنان لم يجب وحمل القولين على هذين الحالين والصحيح ما قال أبو إسحاق.
فصل: وإن اشتد الخوف ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لقوله عز وجل ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:239] قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه إذا كان الخوف أكثر من ذلك صلى راكباً وقائماً يومئ إيماء قال الشافعي رحمه الله: ولا بأس أن يضرب الضربة ويطعن الطعنة فإن تابع أو عمل ما يطول بطلت صلاته وحكى الشيخ أبو حامد الإسفرايني عن أبي العباس رحمهما الله أنه قال: إن لم يكن مضطراً إليه بطلت صلاته وإن كان مضطراً إليه لم تبطل كالمشي وحكى عن بعض أصحابنا أنه قال: إن اضطر إليه فعل ولكن تلزمه الإعادة كما نقول فيمن لم يجد ماء ولا تراباً أنه يصلى ويعيد فإن استفتح الصلاة راكباً ثم أمن فنزل فإن استدبر القبلة في النزول بطلت صلاته لأنه ترك القبلة من غير خوف وإن لم يستدبر قال الشافعي رحمه الله: بنى على صلاته لأنه عمل قليل فلم يمنع البناء وإن استفتحها راجلاً فخاف فركب قال الشافعي: ابتدأ الصلاة وقال أبو العباس: إن لم يكن مضطراً إليه ابتدأ لأنه عمل كثير لا ضرورة به إليه وإن كان مضطراً لم تبطل لأنه مضطر إليه فلم تبطل كالمشي وقول أبي العباس أقيس والأولى أشبه بظاهر النص.
فصل: إذا رأوا سواداً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه لم يكن عدواً ففيه قولان: أحدهما تجب الإعادة لأنه فرض فلم يسقط بالخطأ كما لو ظن أنه أتى بفرض ثم علم أنه لم يأت به والثاني لا إعادة عليه وهو الأصح لأن العلة في جواز الصلاة شدة الخوف والعلة موجودة في حال الصلاة فوجب أن يجزئه كما لو رأى عدواً فظن أنهم على قصده فصلى بالإيماء ثم علم أنهم لم يكونوا على قصده فأما إذا رأى العدو فخافهم فصلى صلاة شدة الخوف ثم بان أنه كان بينهم حاجز من خندق أو ماء
ففيه طريقان ومن أصحابنا من قال على قولين كالتي قبلها ومنهم من قال تجب الإعادة ههنا قولاً واحداً لأنه فرط في ترك تأمل المانع فلزمه الإعادة فأما إذا غشيه سيل أو طلبه سبع جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف فإذا أمن لم تلزمه الإعادة قال المزني: قياس قول الشافعي رحمه الله أن الإعادة عليه لأنه عذر نادر والمذهب الأول لأن جنس الخوف معتاد فسقط الفرض بجميعه.