المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازيصفحات 134-169
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 134-169
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشيرازي، أبو إسحاق
الكتاب
المهذب في فقة الإمام الشافعي
المؤلف
أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

عمر رضي الله عنه رأى رجلاً يصلي ورجل جالس مستقبله بوجهه فضربهما بالدرة وإن صلى ومر بين يديه مار فدفعه لم تبطل صلاته بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع صلاة المره شيء وادرءوا ما استطعتم1".

باب صفة الصلاة

إذا أراد أن يصلي في جماعة لم يقم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة لأنه ليس بوقت للدخول في الصلاة والدليل عليه ما روى أمامة رضي الله عنه أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة مثل ما يقوله فإذا فرغ المؤذن قام والقيام فرض في الصلاة المفروضة لما روى عمر أن ابن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صل قائماً فإن لم تستطع فعلى جنب1" فأما في النافلة فليس بفرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفل على الراحلة وهو قاعد ولأن النوافل تكثر فلو وجب فيها القيام شق وانقطعت النوافل.
فصل: ثم ينوي والنية فرض من فروض الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولأنها قربة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم ومحل النية القلب فإن نوى بقلبه دون لسانه أجزأه ومن أصحابنا من قال: ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان وليس بشيء لأن النية هي القصد بالقلب ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير لأنه أول فرض من فروض الصلاة فيجب أن تكون النية مقارنة له فإن كانت الصلاة فريضة لزمه تعيين النية فينوي الظهر أو العصر لتتميز عن غيرها وهل يلزمه نية الفرض؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يلزمه لتتميز عن ظهر الصبي وظهر من صلى وحده ثم أدرك جماعة فصلاها معهم وقال أبو علي بن أبي هريرة: تكفيه نية الظهر أو العصر لأن الظهر والعصر لا يكونان في حق هذا إلا فرضاً ولا يلزمه أن ينوي الأداء والقضاء ومن

أصحابنا من قال يلزمه نية القضاء والأول هو المنصوص فإنه قال فمن صلى في يوم غيم بالاجتهاد فوافق ما بعد الوقت أنه يجزيه وإن كان عنده أنه يصليها في الوقت وقال في الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور فصام شهراً بالاجتهاد فوافق رمضان أو ما بعده إنه يجزيه وإن كان عنده أنه يصوم في شهر رمضان وإن كانت الصلاة سنة راتبة كالوتر وسنة الفجر لم تصح حتى يعين النية لتتميز عن غيرها وإن كانت نافلة غير راتبة أجزأته نية الصلاة وإن أحرم ثم شك هل نوى ثم ذكر أنه نوى فإن كان قبل أن يحدث شيئاً من أفعال الصلاة أجزأه وإن ذكر ذلك بعد ما فعل شيئاً من ذلك بطلت صلاته لأنه فعل ذلك وهو شاك في صلاته وإن نوى الخروج من الصلاة أو نوى أنه سيخرج أو شك هل يخرج أم لا بطلت صلاته لأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطع ذلك بما أحدث فبطلت صلاته كالطهارة إذا قطعها بالحدث وإن دخل في الظهر ثم صرف النية إلى العصر بطل الظهر لأنه قطع نيتها ولم يصح العصر لأنه لم ينو عند الإحرام وإن صرف نية الظهر إلى التطوع بطل الظهر لما ذكرناه وفي التطوع قولان: أحدهما لا يصح لما ذكرناه في العصر والثاني تصح لأن نية الفرض تتضمن نية النفل بدليل أن من دخل في الظهر قبل الزوال وهو يظن أنه بعد الزوال كانت صلاته نافلة.
فصل: ثم يكبر والتكبير للإحرام فرض من فروض الصلاة لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم1" والتكبير هو أن يقول الله أكبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل به في الصلاة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي2" فإن قال الله أكبر أجزأه لأنه أتى بقوله الله أكبر وزاد زيادة لا تحيل المعنى فهو كقوله الله أكبر كبيراً وإن قال أكبر الله ففيه وجهان: أحدهما يجزيه كما لو قال عليكم السلام في آخر الصلاة والثاني لا يجزيه وهو ظاهر قوله في الأم لأنه ترك الترتيب في الذكر فهو كما لو قدم آية على آية وهذا يبطل بالتشهد والسلام وإن كبر بالفارسية وهو يحسن بالعربية لم يجز لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن لم يحسن بالعربية وضاق الوقت أن يتعلم كبر بلسانه لأنه عجز عن اللفظ 1رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب 31.
الترمذي في كتاب الطهارة باب 3.
ابن ما جه في كتاب الطهارة 32.
الدارمي في كتاب الوضوء باب 22.

فأتى بمعناه وإن اتسع الوقت لزمه أن يتعلم فإن لم يتعلم وكبر بلسانه بطلت صلاته لأنه ترك الفرض مع القدرة عليه وإن كان بلسانه خبل أوخرس حركه بما يقدر عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم1" ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير ليسمع من خلفه ويستحب لغيره أن يسر به وأدناه أن يسمع نفسه.
فصل: ويستحب أن يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام حذو منكبيه لما روى ابن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ويفرق بين أصابعه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينشر أصابعه في الصلاة نشراً أو يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه فإن سبقت اليد أثبتها مرفوعة حتى يفرغ من التكبير لأن الرفع للتكبير فكان معه وإن لم يمكنه رفعهما أو أمكنه رفع إحداهما أو رفعهما إلى ما دون المنكب رفع ما أمكنه لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتو به ما استطعتم1 " وإذا كان به علة إذا رفع اليد جاوز المنكب رفع لأنه يأتي بالمأمور به وزيادة هو مغلوب عليه وإن نسي الرفع وذكر بعد أن يفرغ من التكبير أتى به لأن محله باق.
فصل: ويستحب إذا فرغ من التكبير وضع اليمنى على اليسرى فيضع اليمنى على بعض الكف وبعض الرسغ لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: قلت لأنظرن إلى صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يصلي فظرت إليه وقد وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد والمستحب أن يجعلهما تحت الصدر لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فوضع يديه على صدره إحداهما على الأخرى والمستحب أن ينظر إلى موضع سجوده لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده".
1رواه البخاري في كتاب الاعتصام باب 2.
مسلم في كتاب الحج حديث 412. النسائي في كتاب المناسك باب 1.
ابن ماجه في كتاب المقدمة باب 1.
أحمد في مسنده "2/247".

فصل: ثم يقرأ دعاء الاستفتاح وهو سنة والأفضل أن يقول ما رواه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى المكتوبة كبر وقال "وجهت وجهي للذين فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين أللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لايغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدني لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك" كما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك غير أن في حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه "وأنا أول المسلمين" فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول المسلمين وغيره لا يقول إلا ما ذكرناه.
فصل: ثم يتعوذ ويقول أعوذ بالله الشيطان الرجيم لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك قال في الأم: كان ابن عمر رضي الله عنه يتعوذ في نفسه وأبو هريرة رضي الله عنه كان يجهر به وأيهما فعل جاز قال أبو علي

الطبري: المستحب أن يسر به لأنه ليس بقراءة ولا علم على الإتباع ويستحب ذلك في الركعة الأولى قال في الأم: يقول في أول ركعة وقد قيل إن قاله في كل ركعة فحسن ولا آمر به أمري به في أول ركعة فمن أصحابنا من قال فيما سوى الركعة الأولى قولان: أحدهما يستحب لأنه يستفتح القراءة فيها فهي كالأولى والثاني لا يستحب لأن استفتاح القراءة في الأولى ومن أصحابنا من قال يستحب في الجميع قولأً واحدً وإنما قال في الركعة الأولى أشد استحباباً وعليه يدل قول الشافعي رحمه الله تعالى.
فصل: ثم يقرأ فاتحة الكتاب وهي فرض من فروض الصلاة لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب1" فإن تركها ناسياً ففيه قولان: قال في القديم: يجزيه لأن عمر رضي الله عنه ترك القراءة فقيل له في ذلك فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا حسناً قال: فلا بأس وقال في الجديد: لا يجزيه لأنه ما كان ركناً من الصلاة لم يسقط فرضه بالنسيان كالركوع والسجود ويجب أن يبتدئها بسم الله الرحمن الرحيم فإن آية منها والدليل عليه ما روت أم سلمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فعدها آية منها ولأن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها فيما جمعوا من القرآن فيدل على أنها آية منها فإن كان في صلاة يجهر فيما جهر بها كما يجهر في سائر الفاتحة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة ويجب أن يقرأها مرتباً فإن قرأ من خلالها غيرها ناسياً ثم أتى بما بقي منها أجزاءه فإن قرأ عامداً لزمه أن يستأنف القراءة كما لو تعمد في خلال الصلاة ما ليس منها لزمه استئنافها وإن نوى قطعها ولم يقطع لم يلزمه استئنافها لأن القراءة باللسان ولم يقطع ذلك بخلاف ما لو نوى قطع الصلاة لأن النية بالقلب وقد قطع ذلك فإن قرأ الإمام الفاتحة وأمن والمأموم في أثناء الفاتحة فأمن بتأمينه ففيه وجهان: قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني رضي الله عنه: تنقطع القراءة كما لو قطعها بقراءة غيرها وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله: لا تنقطع لأن ذلك مأمور به فلا يقطع القراءة كالسؤال في آية الرحمة والإستعاذة من النار في آية العذاب فيما يقرأ في صلاته منفرداً وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة لما روى رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ورجل يصلي

فلما انصرف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فقال له: "أعد صلاتك فإنك لم تصل فقال: علمني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر إلى أن قال ثم اصنع في كل ركعة ذلك" ولأنها ركعة يجب فيها القيام فوجب فيها القراءة مع القدرة كالركعة الأولى وهل تجب على المأموم؟ ينظر فيه فإن كان في صلاة يسر فيها بالقراءة وجبت عليه وإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة ففيه قولان: قال في الأم والبويطي: يجب عليه لما "روى عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا: والله أجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعل هذا قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" ولأن من لزمه قيام القراءة لزمه القراءة مع القدرة كالإمام والمنفرد وقال في القديم: لا يقرأ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: "هل قرأ معي أحد منكم؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله قال: إني أقول مالي أنازع القرآن" فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل: وإذا فرغ من الفاتحة أمن وهو سنة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن كان إماماً أمن وأمن المأموم معه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أمن الإمام فأمنوا فإن الملائكة تؤمن بتأمينه فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه1" فإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة جهر الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمن الإمام فأمنوا" ولو لم يجهر به لما علق تأمين

المأموم عليه ولأنه تابع للفاتحة فكان حكمه حكمها في الجهر كالسورة وأما المأموم فقد قال في الجديد: لا يجهر وقال في القديم: يجهر فمن أصحابنا من قال على قولين: أحدهما يجهر لما روى عطاء أن ابن الزبير كان يؤمن ويؤمنون وراءه حتى أن للمسجد للجة والثاني لا يجهر لأنه ذكر مسنون في الصلاة فلم يجهر به المأموم كالتكبيرات ومنهم من قال: إن كان المسجد صغيراً يبلغهم تأمين الإمام لم يجهر به لأنه لا يحتاج إلى الجهر به وإن كان كبيراً جهر لأنه يحتاج إلى الجهر للإبلاغ وحمل القولين على هذين الحالين فإن نسي الإمام التامين أمن المأموم وجهر به ليسمع الإمام فيأتي به.
فصل: فإن لم يحسن الفاتحة وأحسن غيرها قرأ سبع آيات وهل يعتبر أن يكون فيها بقدر حروف الفاتحة؟ فيه قولان: أحدهما لا يعتبر كما إذا فاته صوم يوم طويل لم يعتبر أن يكون القضاء في يوم بقدر ساعات الداء والثاني يعتبر وهو الأصح لأنه لما اعتبر عدد آي الفاتحة اعتبر قدر حروفها ويخالف الصوم فإنه لا يمكن اعتبار المقدار في الساعات إلا بمشقة فإن لم يحسن شيئاً من القرآن لزمه أن يأتي بذكر لما روى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزيني في الصلاة؟ فقال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" ولأنه ركن من أركان الصلاة فجاز أن ينتقل فيه عند العجز إلى بدل كالقيام وفي الذكر وجهان: قال أبو إسحاق رضي الله عنه: يأتي من الذكر بقدر حروف الفاتحة لأنه أقيم مقامها فاعتبر قدرها وقال أبو علي الطبري رضي الله عنه: يجب ما نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة كالتيمم لا تجب الزيادة فيه على ما ورد به النص والمذهب الأول وإن أحسن آية من الفاتحة وأحسن غيرها ففيه وجهان: أصحهما أنه يقرأ الآية ثم يقرأ ست آيات من غيرها لأنه إذا لم يحسن شيئاً منها انتقل إلى غيرها فإذا كان يحسن بعضها وجب أن ينتقل فيما لم يحسن إلى غيرها كما لو عدم بعض الماء والثاني يلزمه تكرار الآية لأنها أقرب إليها فإن لم يحسن شيئاً من القرآن ولا من الذكر قام بقدر سبع آيات وعليه أن يتعلم فإن اتسع الوقت ولم يفعل وصلى لزمه أن يعيد لأنه ترك القراءة مع القدرة فأشبه إذا تركها وهو يحسن فإن قرأ القرآن بالفارسية لم يجزه لأن القصد من القرآن اللفظ والنظم وذلك لا يوجد في غيره.

فصل: ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة وذلك سنة والمستحب أن يقرأ في الصبح بطول المفصل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بالواقعة فإن كان في يوم الجمعة استحب له أن يقرأ فيها ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ذلك ويقرأ في الأوليين من الظهر بنحو ما يقرأ في الصبح لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر ثلاثين آية قدر ألم تنزيل السجدة وحزرنا قيامه في الركعتين الأخيرتين على النصف من ذلك وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الأخيرتين من الظهر وحزرنا قيامه في الأخيرتين من العصر على النصف من ذلك" ويقرأ في الأوليين من العصر بأوساط المفصل لما رويناه من حديث أبي سعيد الخدري ويقرأ في الأوليين من العشاء الأخيرة بنحو ما يقرأ في العصر لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ في العشاء الأخيرة بسورة الجمعة والمنافقين ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل فإن خالف وقرأ غير ما ذكرناه جاز لما روى رجل من جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة:1] فإن كان مأموماً نظرت فإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة لم يزد على الفاتحة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم خلفي فلا تقرأوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وإن كان في صلاة يسر فيها بالقراءة أو في صلاة يجهر فيها إلا أنه في موضع لا

يسمع القراءة قرأ لأنه غير مأمور بالإنصات إلى غيره فهو كالإمام والمنفرد فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين فهل يقرأ السورة فيما زاد على الركعتين؟ فيه قولان: قال في القديم: لا يستحب لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة وكان يسمعنا الآية أحياناً وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية وكان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب في كل ركعة وقال في الأم: يستحب لما رويناه من حديث أبي سعيد الخدري رحمه الله ولأنها ركعة شرع فيها الفاتحة فشرع فيها السورة كالأوليين ولا يفضل الركعة الأولى على الثانية في القراءة وقال أبو الحسن الماسرجسي: يستحب أن تكون قراءته في الأولى من كل صلاة أطول لما رويناه من حديث أبي قتادة وظاهر قوله في الأم أنه لا يفضل لما رويناه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وحديث أبي قتادة يحتمل أن يكون أطال لأنه أحس بداخل.
فصل: ويستحب للإمام أن يجهر بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والأوليين من العشاء والدليل عليه نقل الخلف عن السلف ويستحب للمأموم أن يسر لأنه إذا جهر نازع الإمام في القراءة ولأنه مأمور بالإنصات إلى الإمام وإذا جهر لم يمكنه الإنصات ويستحب للمنفرد أن يجهر فيما يجهر فيه الإمام لأنه لا ينازع غيره ولا هو مأمور بالإنصات إلى غيره فهو كالإمام وإن كانت امرأة لم تجهر في موضع فيه رجال أجانب لأنه لا يؤمن أن يفتتن بها ويستحب الإسرار في الظهر والعصر والثالثة في المغرب والأخريين من العشاء الأخيرة لأنه نقل الخلف عن السلف وإن فاتته صلاة بالنهار فقضاها في الليل أسر لأنها صلاة نهار وإن فاتته بالليل فقضاها في النهار أسر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر" ويقال عن صلاة النهار عجماء ويحتمل عندي أن يجهر كما يسر فيما فاته من صلاة النهار فقضاها بالليل.
فصل: ثم يركع وهو فرض من فروض الصلاة لقوله عز وجل ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] والمستحب أن يكبر للركوع لما "روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم

كان إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم وحين يركع" ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ولأن الهوي إلى الركوع فعل فلا يخلو من ذكر كسائر الأفعال ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في التكبير لما ذكرناه من حديث ابن عمر في تكبيرة الإحرام ويجب أن ينحني إلى حد يبلغ راحتاه ركبتيه لأنه لا يسمى دونه راكعاً ويستحب أن يضع يديه على ركبتيه ويفرق أصابعه لما "روى أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك راحتيه على ركبتيه كالقابض عليهما وفرج بين أصابعه" ولا يطبق لما روي عن مصعب بن سعد رضي الله عنه قال: صليت إلى جنب سعد بن مالك فجعلت يدي بين ركبتي وبين فخذي وطبقتهما فضرب بيدي وقال اضرب بكفيك على ركبتيك وقال: يا بني إنا قد كنا نفعل هذا فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب والمستحب أن يمد ظهره وعنقه ولا يقنع رأسه ولا يصوبه لما روي أن أبا حميد الساعدي رضي الله عنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فركع واعتدل ولم يصوب رأسه ولم يقنعه والمستحب أن يجافي مرفقيه عن جنبيه لما روى أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فإن كانت امرأة لم تجاف بل تضم المرفقين إلى الجنبين لأن ذلك أستر لها ويجب أن يطمئن في الركوع لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" والمستحب أن يقول سبحان ربي العظيم ثلاثاً وذلك أدنى الكمال لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "إذا ركع أحدكم فقال سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقد تم ركوعه" وذلك أدناه والأفضل أن يضيف إليه "اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت

ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعصبي" لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال ذلك فإن ترك التسبيح لم تبطل صلاته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ولم يذكر التسبيح.
فصل: ثم يرفع رأسه ويستحب أن يقول سمع الله لمن حمده لما ذكرناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في الرفع لما ذكرناه من حديث ابن عمر رضي الله عنه في تكبيرة الإحرام فإن قال من حمد الله سمع الله له أجزأه لأنه أتى باللفظ والمعنى فإذا استوى قائماً استحب أن يقول "ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد حق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ذلك ويجب أن يطمئن قائماً لما روى رفاعة بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله عز وجل إلى أن قال ثم يركع حتى يطمئن راكعاً ثم ليقم حتى يطمئن قائماً ثم ليسجد حتى يطمئن ساجدا1". فصل: ثم يسجد وهو فرض لقوله عز وجل: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ "الحج: 77" ويستحب أن يبتدئ عند الهوي إلى السجود بالتكبير لما ذكرناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع والمستحب أن يضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا

نهض رفع يديه قبل ركبتيه فإن وضع قبل ركبتيه أجزاه لأنه ترك هيئة ويسجد على الجبهة والأنف واليدين والقدمين فأما السجود على الجبهة فهو واجب لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرا" قال في الأم: فإن وضع بعض الجبهة كرهت له وأجزأه لأنه سجد على الجبهة فإن سجد على حائل متصل به دون الجبهة لم يجزه لما روى خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا وأما السجود على الأنف فهو سنة لما روى أبو حميد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد ومكن جبهته وأنفه من الأرض وإن تركه أجزأه لما روى جابر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على الأنف وأما السجود على اليدين والركبتين والقدمين ففيه قولان: أشهرهما أنه لا يجب ولو وجب ذلك لوجب الإيماء بها إذا عجز كالجبهة والثاني يجب لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يسجد على سبعة أعضاء: يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته فإذا قلنا بهذا لم يجب كشف القدمين والركبتين لأن كشف الركبة يفضي إلى كشف العورة فتبطل صلاته والقدم قد يكون في الخف فكشفهما يبطل المسح والصلاة وأما اليد ففيها قولان المنصوص في الكتب أنه لا يجب كشفها لأنها لا تكشف إلا لحاجة فهي كالقدم وقال في السبق والرمي: قد قيل فيه قول آخر إنه يجب لحديث خباب بن الأرت رضي الله عنه ويستحب أن يجافي مرفقيه عن جنبيه لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه ويستحب أن يقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان

إذا سجد جخ ويروى جخاً والجخ الخاوي وإن كانت امرأة ضمت بعضها إلى بعض لأن ذلك أستر لها ويفرج بين رجليه لما روي أن أبا حميد رضي الله عنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان إذا سجد فرج بين رجليه ويوجه أصابعه تجاه القبلة وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتخ أصابع رجليه والفتخ تعويج الأصابع ويضم أصابع يديه ويضعها حذو منكبيه لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه ويرفع مرفقيه ويعتمد على راحتيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سجدت فضم كفيك وارفع مرفقيك ويجب أن يطمئن في السجود لحديث رفاعة بن مالك "ثم يسجد حتى يطمئن ساجداً" والمستحب أن يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثاً وذلك أدنى الكمال لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجد أحدكم فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً فقد تم سجوده" وذلك أدناه والأفضل أن يضيف إليه "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وأحسن صورته وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين" لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد قال ذلك فإن قال في سجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح

فهو حسن لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده قال الشافعي رحمة الله عليه ويجتهد في الدعاء رجاء الإجابة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء" ويكره أن يقرأ في الركوع والسجود لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما إني نهيت ان أقرأ راكعاً أو ساجداً أما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل وأما السجود فأكثروا فيه الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" فإن أراد أن يسجد فوقع على الأرض ثم انقلب فأصاب جبهته الأرض فإن نوى السجود حال الإنقلاب أجزأه كما لو غسل للتبرد والتنظيف ونوى رفع الحدث وإن لم ينو لم يجزه كما لو توضأ للتبرد ولم ينو رفع الحدث.
فصل: ثم يرفع رأسه ويكبر لما رويناه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع ثم يجلس مفترشاً فيفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى لما روي أن أبا حميد الساعدي رضي الله عنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى رجع كل عضو إلى موضعه ويكره الإقعاء في الجلوس وهو أن يضع أليته على عقبيه كأنه قاعد عليهما وقيل هو أن يجعل يديه في الأرض ويقعد على أطراف أصابعه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعى إقعاء القرد" ويجب أن يطمئن في جلوسه لقوله صل الله عليه وسلم للمسيء صلاته ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ويستحب أن يقول في جلوسه اللهم اغفر لي واجبرني وعافني وارزقني واهدني لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك بين السجدتين.
فصل: ثم يسجد سجدة أخرى ثم يرفع رأسه مكبراً لما رويناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع قال الشافعي رحمه الله: فإذا استوى قاعداً نهض وقال في الأم: يقوم من السجود فمن أصحابنا من قال المسألة على قولين: أحدهما لا يجلس لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجدة استوى قائماً بتكبيرة والثاني يجلس لما روى مالك بن الحويرث رضي الله

عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الركعة الأولى والثالثة لم ينهض حتى يستوي قاعداً وقال أبو إسحاق: إن كان ضعيفاً جلس لأنه يحتاج إلى الاستراحة وإن كان قوياً لم يجلس لأنه لا يحتاج إلى الاستراحة وحمل القولين على هذين الحالين فإذا قلنا يجلس جلس مفترشاً لما روى أبو حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم ثنى رجله فقعد عليها حتى رجع كل عضو إلى موضعه ثم نهض ويستحب أن يعتمد على يديه في القيام لما روى مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استوى قاعداً ثم قام واعتمد على الأرض بيديه قال الشافعي رحمه الله ولأن هذا أشبه بالتواضع وأعون للمصلي ويمد التكبير إلى أن يقوم حتى لا يخلو فعل من ذكر ولا يرفع اليد إلا في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع ولا يرفع اليدين بين السجدتين وقال أبو علي الطبري وأبو بكر ابن المنذر رحمهما الله تعالى: يستحب كلما قام إلى الصلاة من السجود ومن التشهد لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في القيام من السجود وروى أبو حميد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الركعتين يرفع يديه والمذهب الأول.
فصل: ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى إلا في النية ودعاء الاستفتاح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته "ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها" وأما النية ودعاء الاستفتاح فإن ذلك يراد للدخول في الصلاة والاستفتاح وذلك لا يوجد في غير الركعة الأولى.
فصل: وإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين جلس في الركعتين ليتشهد لنقل الخلف عن السلف عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سنة لما روى عبد الله بن بحينة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقام من اثنتين ولم يجلس فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد ذلك ثم سلم ولو كان واجباً لفعله ولم يقتصر على السجود والسنة أن يجلس في هذا التشهد مفترشاً لما روى أبو حميد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الأوليين جلس على قدمه اليسرى ونصب قدمه اليمنى والمستحب أن يبسط أصابع يده اليسرى على فخذه اليسرى وفي اليد اليمنى ثلاثة أقوال: أحدها يضعها على فخذه اليمنى مقبوضة الأصابع إلا المسبحة وهو المشهور لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة وروى ابن الزبير رضي الله عنه قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس افترش اليسرى ونصب اليمنى ووضع إبهامه عند الوسطى وأشار بالسبابة ووضع اليسرى على فخذه اليسرى وكيف يضع الإبهام؟ فيه وجهان: أحدهما يضعها تحت المسبحة على حرف راحته أسفل من المسبحة كأنه عاقد ثلاثاً وخمسين لحديث ابن عمر رضي الله عنه والثاني يضعها على حرف إصبعه الوسطى لحديث ابن الزبير رضي الله عنه والقول الثاني قاله في الإملاء يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويبسط المسبحة والإبهام لما روى أبو حميد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم والقول الثالث أنه يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم عقد من أصابعه الخنصر والتي تليها ثم حلق حلقة بأصبعه الوسطى على الإبهام ورفع السبابة ورأيته يشير إليها.
فصل: ويتشهد وأفضل التشهد أن يقول: التحيات المباركات الصوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة فيقول: "قولوا التحيات المباركات الصلوات الطيبات" وذكر نحو ما قلنا وحكى أبو علي الطبري رحمه الله تعالى عن بعض أصحابنا أن الأفضل أن يقول بسم الله وبالله التحيات لله لما روى جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف المذهب وذكر التسمية غير صحيح عند أصحاب الحديث وأقل ما يجزئ من ذلك خمس كلمات وهي التحيات لله سلام عليك أيها النبي صلى الله عليه وسلم ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله لأن هذا يأتي على معنى الجميع قال في الأم: فإن ترك الترتيب لم يضر لأن المقصود يحصل مع ترك الترتيب ويستحب إذا بلغ الشهادة أن يشير بالمسبحة لما رويناه من حديث ابن عمر وابن الزبير ووائل بن حجر رضي الله عنهم وهل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التشهد؟ فيه قولان: قال في القديم: لا يصلي لأنه لو شرع الصلاة عليه لشرع الصلاة على آله كالتشهد الخير وقال في الأم: يصلي عليه لأنه قعود شرع فيه التشهد فشرع فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالقعود في آخر الصلاة.
فصل: ثم يقوم إلى الركعة الثالثة معتمداً على الأرض بيديه لما رويناه من حديث

مالك بن الحويرث رضي الله عنه في الركعة الأولى ثم يصلي ما بقي من صلاته مثل الركعة الثانية إلا فيما قلناه من الجهر وقراءة السورة فإذا بلغ إلى آخر صلاته جلس للتشهد ويتشهد وهو فرض لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا التحيات لله1" والسنة في هذا القعود أن يكون متوركاً فيخرج رجله من جانب وركه الأيمن ويضع أليتيه على الأرض لما روى أبو حميد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على أليتيه وجعل بطن قدمه اليسرى تحت مأبض اليمنى ونصب قدمه اليمنى ولأن الجلوس في هذا التشهد يطول فكان التورك فيه أمكن والجلوس في التشهد الأول يقصر فكان الافتراش فيه أشبه ويتشهد على ما ذكرناه.
فصل: فإذا فرغ من التشهد صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وهو فرض في هذا الجلوس لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي والأفضل أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" روى كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك والواجب من ذلك أن يقول: اللهم صل على محمد وفي الصلاة على آله وجهان: أحدهما تجب لما روى أبو حميد رضي الله عنه قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك

على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد" والمذهب أنها لا تجب للإجماع.
فصل: ثم يدعو بما أحب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تشهد أحدكم فليتعوذ من أربع من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ثم يدعو لنفسه بما أحب1" فإن كان إماماً لم يطل الدعاء والأفضل أن يدعو بما روى علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول بين التشهد والتسليم اللهم "اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت به مني أعلم أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت".
فصل: فإن كانت الصلاة ركعة أو ركعتين جلس في آخرها متوركاً ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويدعو على ما وصفناه ويكره أن يقرأ في التشهد لأنه حالة من أحوال الصلاة لم تشرع فيها القراءة فكرهت فيها كالركوع والسجود.
فصل: ثم يسلم وهو فرض في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم2" ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب فيه النطق كالطرف الأول والسنة أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره والسلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله لما روى عبد الله رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن

يمينه السلام عليكم ورخمة الله وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده من ههنا ومن ههنا وقال في القديم: إن اتسع المسجد وكثر الناس سلم تسليمتين وإن صغر المسجد وقل الناس تسليمة واحدة لما روت عائشة رضي الله عنها الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه ولأن السلام للإعلام بالخروج من الصلاة وإذا كثر الناس كثر اللغط فيسلم اثنتين ليبلغ وإذا قل الناس كفاهم الإعلام بتسليمة واحدة والأول أصح لأن الحديث في تسليمه غير ثابت عند أهل النقل والواجب من ذلك تسليمة لأن الخروج يحصل بتسليمة فإن قال عليكم السلام أجزأه على المنصوص كما يجزئه في التشهد وإن قدم بعضه على بعض ومن أصحابنا من قال لا يجزئه حتى يأتي به مرتباً كما يقول في القراءة والمذهب الأول وينوي الإمام بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على من عن يمينه وعلى الحفظة وينوي بالثانية السلام على من على يساره وعلى الحفظة وينوي المأموم بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والتسليم على الإمام وعلى الحفظة وعلى المأمومين من ناحيته في صفه وورائه وقدامه وينوي بالثانية السلام على الحفظة وعلى المأمومين من ناحيته فإن كان الإمام قدامه نواه في أي التسليمتين شاء وينوي المنفرد بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة وبالثانية السلام على الحفظة والأصل فيه ما روى سمرة رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض وروى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين ويصلي قبل العصر أربعاً يفصل كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن معه من المؤمنين وإن نوى الخروج من الصلاة ولم ينو ما سواه جاز لأن التسليم على الحاضرين سنة وإن لم ينو الخروج من الصلاة ففيه وجهان: قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن القاص: لا يجزئه وهو ظاهر النص في البويطي لأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فلم يصح من غير نية كتكبيرة الإحرام وقال أبو حفص ابن الختن الوكيل وأبو عبد الله الجرجاني رحمهم الله: يجزيه لأن نية الصلاة قد أتت على جميع الأفعال والسلام من جملتها أو لأنه لو وجبت النية في السلام لوجب تعيينها كما قلنا في كبيرة الإحرام.
فصل: ويستحب لمن فرغ من الصلاة أن يذكر الله تعالى لما روي عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه كان يهلل في أثر كل صلاة يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه

وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ثم يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهذا في دبر كل صلاة وكتب المغيرة إلى معاوية رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد1". فصل: وإذا أراد أن ينصرف فإن كان خلفه نساء استحب أن يلبث حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قام النساء حين يقضي سلامه فيمكث يسيراً قبل أن يقوم قال الزهري رحمه الله: فيرى - والله أعلم - أن مكثه لينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال وإذا أراد أن ينصرف توجه في جهة حاجته لما روى الحسن رحمه الله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون في المسجد الجامع فمن كان بيته من قبل بني تميم انصرف عن يساره ومن كان بيته مما يلي بني سليم انصرف عن يمينه - يعني بالبصرة - وإن لم يكن له حاجة فالأولى أن ينصرف عن يمينه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء.
فصل: والسنة في صلاة الصبح أن يقنت في الركعة الثانية لما روى أنس بن مالك

رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ومحل القنوت بعد الرفع من الركوع لما روي أنه سئل أنس هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ قال: نعم قيل: قبل الركوع أو بعد الركوع؟ قال: بعد الركوع والسنة أن يقول "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت وتعاليت" لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر فقال: "قل اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره" وإن قنت بما روى عن عمر رضي الله عنه كان حسناً وهو ما روى أبو رافع قال: قنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح فسمعته يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق اللهم عذب كفار أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات

بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء لما روي من حديث الحسن رضي الله عنه في الوتر أنه قال تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي وسلم ويستحب للمأموم أن يؤمن على الدعاء لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يؤمن من خلفه ويستحب له أن يشاركه في الثناء لأنه لا يصلح التأمين على ذلك فكانت المشاركة أولى وأما رفع اليدين في القنوت فليس فيه نص والذي يقتضيه المذهب أنه لا يرفع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن: في الاستسقاء والاستنصار وعشية عرفة ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد وذكر القاضي أبو الطيب الطبري في بعض كتبه أنه لا يرفع اليد وحكى في التعليق أنه يرفع اليد والأول عندي أصح وأما غير الصبح من الفرائض فلا يقنت فيه غير حاجة فإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا في جمع الفرائض لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد كان إذا قال سمع الله لمن حمد قال ربنا لك الحمد وذكر الدعاء.
فصل: والفرض مما ذكرناه أربعة عشر: النية وتكبيرة الإحرام والقيام وقراءة الفاتحة الركوع حتى تتطمئن فيه والرفع من الركوع حتى تعتدل والسجود حتى تتطمئن فيه والجلوس بين السجدتين حتى تتطمئن والجلوس في آخر الصلاة والتشهد فيه والصلاة على رسول صلى الله عليه وسلم والتسليمة الأولى ونية الخروج وترتيب أفعالها على ما ذكرناه والسنن خمس وثلاثون: رفع اليدين في تكبير الإحرام والركوع والرفع من الركوع ووضع اليمين على الشمال والنظر إلى موضع السجود ودعاء الاستفتاح والتعوذ والتأمين وقراءة السورة بعد الفاتحة والجهر والإسرار والتكبيرات سوى تكبيرة

الإحرام والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع والتسبيح في الركوع والتسبيح في السجود ووضع اليد على الركبة في الركوع ومد الظهر والعنق فيه والبداية بالركبة ثم باليد في السجود ووضع الأنف في السجود ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود وإقلال البطن عن الفخذ في السجدتين والدعاء في الجلوس بين السجدتين وجلسة الاستراحة ووضع اليد على الأرض عند القيام والتورك في آخر الصلاة والإفتراش في آخر الجلسات ووضع اليد اليمنى على الفخذ مقبوضة والإشارة بالمسبحة ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة والتشهد الأول والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه والصلاة على آله في التشهد الأخير والدعاء في آخر الصلاة والقنوت في الصبح والتسليمة الثانية ونية السلام على الحاضرين.

باب صلاة التطوع

أفضل عبادات البدن الصلاة لما روى عبد الله بن عمرو بن عبد العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "استقيوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة1" ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ولأنه تجمع من القرب ما لا تجمع غيرها من الطهارة واستقبال القبلة والقراءة وذكر الله عز وجل والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنع فيها من كل ما يمنع منه في سائر العبادات وتزيد عليها بالامتناع من الكلام والمشي وسائر الأفعال وتطوعها

أفضل التطوع وتطوعها ضربان: ضرب تسن له الجماعة وضرب لا تسن له الجماعة فما سن له الجماعة فصلاة العيد والكسوف والاستسقاء وهذا الضرب أفضل مما لا تسن له الجماعة لأنها تشبه الفرائض في سنة الجماعة وأوكد ذلك صلاة العيد لأنها راتبة بوقت كالفرائض ثم صلاة الكسوف لأن القرآن دل عليها قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت 37] وليس ههنا صلاة تتعلق بالشمس والقمر إلا صلاة الكسوف ثم صلاة الإستسقاء ولهذه الصلواة أبواب نذكر فيها أحكامها إن شاء الله تعالى وبه الثقة وما لا تسن له الجماعة فضربان: راتبة بوقت وغير راتبة فأما الراتبة فمنها السنن الراتبة مع الفرائض وأدنى الكمال منها عشر ركعات غير الوتر وهي: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان بعد الصبح والأصل فيه ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب سجدتين وبعد العشاء سجدتين وحدثتني حفصة بنت عمر رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين إذا طلع الفجر والأكمل أن يصلي ثمانية عشر ركعة غير الوتر ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء لما ذكرناه من حديث ابن عمر رضي الله عنه وأربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها لما روت أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار2" وأربعاً قبل العصر لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن معهم من المؤمنين والسنة فيها وفي الأربع قبل الظهر وبعده أن يسلم من كل ركعتين لما رويناه من حديث علي كرم الله وجهه أنه كان يفصل بين كل ركعتين بالتسليم وما يفعل قبل هذه الفرائض من هذه السنن يدخل وقتها بدخول وقت الفرض ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض وما يفعل بعد الفرض يدخل وقتها بالفراغ من الفرض ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض لأنها تابعة للفرض فذهب وقتها بذهاب وقت الفرض ومن أصحابنا من قال يبقى وقت سنة الفجر إلى الزوال وهو ظاهر النص والأول أظهر.
فصل: وأما الوتر فهي سنة لما روى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال "الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل1" وأكثره إحدى عشر ركعة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشر ركعة يوتر منها بواحدة وأقله ركعة لما ذكرناه من حديث أبي أيوب رضي الله عنه وأدنى الكمال ثلاث ركعات يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:1] وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص:1] والمعوذتين لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذلك والسنة لمن أوتر بما زاد على ركعة أن يسلم من كل ركعتين لما روى ابن عمر رضي اله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر ولأنه يجهر في الثالثة ولو كانت موصولة بالركعتين لما جهر بها كالثالثة من المغرب ويجوز أن يجمعها بتسليمه لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسلم في ركعتي الوتر والسنة أن يقنت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: السنة إذا انتصف الشهر من رمضان أن تعلن الكفرة في الوتر بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ثم يقول: أللهم قاتل الكفرة وقال أبو عبد الله الزبيري: يقنت في جميع السنة لما روى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ويقنت قبل الركوع والمذهب الأول وحديث أبي بن كعب غير ثابت عند أهل النقل ومحل القنوت في الوتر بعد الرفع من الركوع ومن أصحابنا من قال محله في الوتر قبل الركوع لحديث أبي بن كعب والصحيح هو الأول لما ذكرت من حديث عمر رضي الله عنه ولأنه في الصبح يقنت بعد الركوع فكذلك في الوتر ووقت الوتر ما بين أن يصلي العشاء إلى طلوع الفجر الثاني لقوله عليه الصلاة والسلام "إن الله تعالى زادكم صلاة وهي الوتر فصلوها من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" فإن كان ممن لم تهجد فالأولى أن يؤخره حتى يصليه بعد التهجد وإن لم يكن له تهجد فالأولى أن يصليه بعد سنة العشاء لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من خاف أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل ثم ليرقد ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخر الليل1" 1رواه ابن ماجه في كتاب الإقامة باب 123.

وأوكد هذه السنن الراتبة مع الفرائض سنة الفجر والوتر لأنه ورد فيهما ما لم يرد في غيرهما وأيهما أفضل؟ فيه قولان: في الجديد الوتر أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم هي الوتر1" وقال عليه السلام "من لم يوتر فليس منا1" ولأنه مختلف في وجوبه وسنة الفجر مجمع على كونها سنة فكان الوتر أوكده وقال في القديم: سنة الفجر آكده لقوله صلى الله عليه وسلم "صلوها ولو طردتكم الخيل" ولأنها محصورة لا تحتمل الزيادة والنقصان فهي بالفرائض أشبه من الوتر.
فصل: ومن السنن الراتبة قيام رمضان وهو عشرون ركعة بعشر تسليمات والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة فيقول "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه2" والأفضل أن يصليها في جماعة نص عليه في البويطي لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه جمع الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه فصلى بهم التراويح ومن أصحابنا من قال فعلها منفرداً أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليالي فصلوها معه ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر والمذهب الأول وإنما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم لئلا تفرض عليهم وقد روي أنه قال "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها".
فصل: ومن السنن الراتبة صلاة الضحى وأفضلها ثماني ركعات لما روت أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ثماني ركعات وأقلها ركعتان لما 1رواه أبو داود في كتاب الوتر باب 2.
أحمد في مسنده "2/443" "5/243".

روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على كل سلامي من أحدكم صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يصليها من الضحى1" ووقتها إذا أشرقت الشمس إلى الزوال ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء في وقتها ففيه قولان: أحدهما لا يقضي لأنها صلاة نفل فلم تقض كصلاة الكسوف والاستسقاء والثاني يقضي لقوله صلى الله عليه وسلم "من نام عن صلاة أو سها فليصلها إذا ذكرها2" ولأنها صلاة راتبة في وقت فلم تسقط بفوات الوقت إلى غير بدل كالفرائض بخلاف الكسوف والاستسقاء لأنها غير راتبة وإنما تفعل لعارض وقد زال العارض.
فصل: وأما غير الراتبة وهي الصلوات التي يتطوع بها الإنسان في الليل والنهار وأفضلها التهجد لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصلوات بعد المفروضة صلاة الليل" ولأنها تفعل في وقت غفلة وتركهم للطاعات فكان أفضل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "ذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة" وآخر الليل أفضل من أوله لقوله عز وجل ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذريات:18-17] ولأن الصلاة بعد النوم أشق ولأن المصلين فيه أقل فكان أفضل وإن جزأ الليل ثلاثة أجزاء فالثلث الأوسط أفضل لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود عليه السلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه3" ولأن الطاعات في هذا الوقت أقل فكانت الصلاة فيه أفضل ويكره أن يقوم الليل كله لما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتصوم النهار؟ فقلت نعم قال: وتقوم الليل؟ قلت: نعم قال: لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وأفضل تطوع النهار ما كان في البيت لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة4" والسنة أن يسلم من كل

ركعتين لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "صلاة الليل مثنى مثنى1" فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة فإن جمع ركعات بتسليمة واحدة جاز لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ويوتر من ذلك بخمس يجلس في الركعة الأخيرة ويسلم وأنه أوتر بسبع وخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام وإن تطوع بركعة واحدة جاز لما روي أن عمر رضي الله عنه مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة فقال: إنما هي تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص.
فصل: ويستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس2" فإن دخل وقد حضرت الجماعة لم يصل التحية لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة3" ولأنه يحصل به التحية كما يحصل حق الدخول إلى الحرم بحجة الفرض.

باب سجود التلاوة

سجود التلاوة مشروع للقارئ لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بسجدة كبر وسجد وسجدنا معه فإن ترك القارئ سجد المستمع لأنه توجه عليهما فلا يتركه أحدهما بترك الآخر وأما من سمع القارئ وهو غير مستمع إليه قال الشافعي رحمه الله: لا أؤكد كما أؤكد على المستمع لما روى عن عمر وعمار بن الحصين رضي الله عنهما أنهما قالا: السجدة على من استمع وعن ابن عباس رضي الله عنهما: السجدة لمن جلس لها وهو سنة غير واجبة لما روي عن زيد بن ثابت قال: عرضت سورة النجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسجد منا أحد.
فصل: وسجدات التلاوة أربع عشرة سجدة في قوله الجديد: سجدة في آخر الأعراف عند قوله ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:206] وسجدة في الرعد عند قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد:15] وسجدة في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:50] وسجدة في بني إسرائيل عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الاسراء:109] وسجدة في مريم عند قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:58] وسجدتان في الحج إحداهما عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:18] والثانية عند قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:77] وسجدة في الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان:60] وسجدة في النمل عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:129] وسجدة في آلم تنزيل عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل:49] وسجدة في حم السجدة عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:38] وثلاث سجدات في المفصل إحداها في آخر النجم ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [لنجم:62] والثانية في إذا السماء انشقت عند قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:21] والثالثة في آخر إقرأ ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:19] والدليل عليه ما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: أقراني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتين وقال في القديم: سجود التلاوة إحدى عشرة سجدة فأسقط ثلاث سجدات المفصل لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
فصل: وأما سجدة ص فهي عند قوله عز وجل: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [صّ: 24] وليست من سجدات التلاوة وإنما هي سجدة شكر لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقرأ ص فلما مر بالسجود نشزنا للسجود فلما رآنا قال إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود فنزل وسجد وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "سجدها نبي الله داود توبة وسجدناها شكراً" فإن قرأها في الصلاة فسجد ففيه وجهان: أحدهما تبطل صلاته لأنها سجدة شكر فتبطل بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة والثاني لا تبطل لأنها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر سجدات التلاوة.
فصل: وحكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل يفتقر إلى الطهارة والستارة واستقبال القبلة لأنها صلاة في الحقيقة فإن كان في الصلاة سجد بتكبير ورفع بتكبير ولا يرفع يديه وإن كان السجود في آخر السورة فالمستحب أن يقوم ويقرأ من السورة بعدها شيئاً ثم يركع فإن قال ولم يقرأ شيئاً وركع جاز وإن قام من السجود إلى الركوع ولم يقم لم يجز لأنه لم يبتدئ الركوع من قيام وإن كان في غير الصلاة كبر لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بالسجدة كبر وسجد ويستحب أن يرفع يديه لأنها تكبيرة افتتاح فهي كتكبيرة الإحرام ثم يكبر تكبيرة أخرى للسجدة ولا يرفع اليد والمستحب أن يقول في سجوده ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" وإن "قال اللهم اكتب لي عندك بها أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وضع عني بها وزراً واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود عليه السلام" فهو حسن لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيت هذه الليلة فيما يرى النائم كاني أصلي خلف شجرة وكأني قرأت سجدة فسجدت فرأيت الشجرة كأنها سجدت لسجودي فسمعتها وهي ساجدة تقول اللهم اكتب لي عندك بها أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وضع عني بها وزراً واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود عليه السلام قال ابن عباس رضي الله عنهما: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن الشجرة فإن قال فيه مثل ما يقول في سجود الصلاة

جاز وهل يفتقر إلى السلام؟ فيه قولان: قال في البويطي: لا يسلم كما لا يسلم منه في الصلاة وروى المزني عنه أنه قال: يسلم لأنها صلاة تفتقر إلى الإحرام فافتقرت إلى السلام كسائر الصلوات وهل يفتقر إلى التشهد؟ المذهب أنه لا يتشهد لأنه لا قيام فيه فلم يكن فيه تشهد ومن أصحابنا من قال يتشهد لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فافتقر إلى التشهد كسجود الصلاة.
فصل: ويستحب لمن مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى ولمن مر بآية عذاب أن يستعيذ منه لما روى حذيفة رضي الله عنه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ البقرة فما مر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا استعاذ ويستحب للمأموم أن يتابع الإمام في سؤال الرحمة والاستعاذة من العذاب لأنه دعاء فساوى المأموم الإمام فيه كالتأمين ويستحب لمن تجددت عنده نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة أن يسجد شكراًً لله عز وجل لما روى أبو بكرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الشيء يسر به خر ساجداً شكراً لله تعالى وحكم سجود الشكر في الشروط والصفات حكم سجود التلاوة خارج الصلاة.

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها

إذا قطع شرطاً من شروطها كالطهارة والستارة وغيرهما بطلت صلاته فإن سبقه الحدث ففيه قولان: قال في الجديد: تبطل صلاته لأنه حدث يبطل الطهارة فأبطل الصلاة كحدث العمد وقال في القديم: لا تبطل صلاته بل ينصرف ويتوضأ ويبني على صلاته لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى ما لم يتكلم" ولأنه حدث حصل بغير اختياره فأشبه سلس البول فإن أخرج على هذا القول بقية الحدث لم تبطل صلاته لأن حكم البقية حكم الأول فإذا لم تبطل بالأول لم تبطل بالبقية ولأن به حاجة إلى إخراج البقية

ليكمل طهارته فإن وقعت عليه نجاسة يابسة فنحاها لم تبطل صلاته لأنها ملاقاة نجاسة هو معذور فيها فلم تقطع الصلاة كسلس البول وإن كشفت الريح الثوب عن العورة ثم رده لم تبطل صلاته لأنه معذور فيه فلم يقطع الصلاة كما لو غصب منه الثوب في الصلاة فإن ترك فرضاً من فروضها كالركوع والسجود وغيرهما بطلت صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي المسيء صلاته أعد صلاتك فإنك لم تصل وإن ترك القراءة ناسياً ففيه قولان وقد مضى في القراءة.
فصل: وإن تكلم في صلاته أو قهقه فيها أو شهق بالبكاء وهو ذاكر للصلاة عالم بالتحريم بطلت صلاته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء" وروي الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء فإن فعل ذلك وهو ناس أنه في الصلاة ولم يطل لم تبطل صلاته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أصدق ذو اليدين"؟ فقالوا: نعم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ثم سلم وإن فعل ذلك وهو جاهل بالتحريم ولم يطل لم تبطل صلاته لما روى عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله فحدقني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أماه ما لكم تنظرون إلي فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمي وما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه والله ما ضربني صلى الله عليه وسلم ولا كهرني ثم قال "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" وإن سبق لسانه من غير قصد إلى الكلام أو غلبه الضحك ولم يطل لم تبطل صلاته لأنه غير مفرط فهو كالناسي والجاهل وإن طال الكلام وهو ناس أو جاهل بالتحريم أو مغلوب ففيه وجهان: المنصوص في البويطي أن صلاته تبطل لأن كلام الناسي والجاهل والمسبوق كالعمل القليل ثم العمل القليل إذا كثر أبطل الصلاة وكذلك الكلام ومن

أصحابنا من قال: لا تبطل كأكل الناسي لا يبطل الصوم قل أو كثر فإن تنحنح أو تنفس أو نفخ أو بكى أو تبسم عامداً ولم يبن منه حرفان لم تبطل صلاته لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سجد جعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد في الركعة الثانية فلما قضى صلاته قال: فوالذي نفسي بيده لقد عرض على النار حتى إني لأطفئها خشية أن تغشاكم ولأن ما لم يتبين منه حرفان ليس بكلام فلا يبطل الصلاة فإن كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه لم تبطل صلاته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على أبي بن كعب رضي الله عنه وهو يصلي فلم يجبه فخفف الصلاة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما منعك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله: كنت أصلي قال: أفلم تجد فيما أوحي إلي استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم قال: بلى يا رسول الله لا أعود فإن رأى المصلي ضريراً يقع في بئر فأنذره بالقول ففيه وجهان: قال أبو إسحاق المروزي رحمه الله: لا تبطل صلاته لأنه واجب عليه فهو كإجابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابنا من قال: تبطل صلاته لأنه لا يجب عليه لأنه قد لا يقع في البئر وليس بشيء فإن كلمه إنسان وهو في الصلاة وأراد أن يعلمه أنه في الصلاة أو سها الإمام فأراد أن يعلمه بالسهو استحب له إن كان رجلاً أن يسبح وتصفق إن كانت امرأة فتضرب ظهر كفها الأيمن على بطن كفها الأيسر لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء" فإذا فعل ذلك للإعلام لم تبطل صلاته لأنه مأمور به فإن صفق الرجل وسبحت المرأة لم تبطل الصلاة لأنه ترك سنة فإن أراد الإذن لرجل في الدخول فقال ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:46] فإن قصد التلاوة والإعلام لم تبطل صلاته لأن قراءة القرآن لا تبطل الصلاة وإن لم يقصد القرآن بطلت صلاته لأنه من كلام الآدميين وإن شمت عاطساً بطلت صلاته لحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه ولأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي فهو كرد السلام وروى يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: لا تبطل الصلاة لأنه دعاء بالرحمة فهو كالدعاء لأبويه بالرحمة.

فصل: وإن كان أكل عامداً بطلت صلاته لأنه أبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال فلأن يبطل الصلاة أولى وإن كان أكل ناسياً لم تبطل كما لا يبطل الصوم.
فصل: وإن عمل في الصلاة عملاً ليس منها نظرت فإن كان من جنس أفعالها بأن ركع أو سجد في غير موضعها فإن كان عامداً بطلت صلاته لأنه متلاعب بالصلاة وإن كان ناسياً لم تبطل لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فسبحوا له وبنى على صلاته وإن قرأ فاتحة الكتاب مرتين عامداً فالمنصوص أنه لا تبطل صلاته لأنه تكرار ذكر فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين ومن أصحابنا من قال تبطل لأنه ركن زاده في الصلاة فهو كالركوع والسجود وإن عمل عملاً ليس من جنسها فإن كان قليلاً مثل أن دفع ماراً بين يديه أو ضرب حية أو عقرباً أو خلع نعليه أو أصلح رداءه أو حمل شيئاً أو سلم عليه رجل فرد عليه بالإشارة وما أشبه ذلك لم تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفع المار بين يديه وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة وخلع نعليه وحمل أمامه بنت أبي العاص في الصلاة فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وسلم عليه الأنصار فرد عليهم بالإشارة في الصلاة ولأن المصلي لا يخلوا من عمل قليل فلم تبطل صلاته بذلك وإن عمل عملاً كثيراً بأن مشى خطوات متتابعات أو ضرب ضربات متواليات بطلت صلاته لأن ذلك لا تدعو الحاجة إليه في الغالب وإن مشى خطوتين أو ضرب ضربتين ففيه وجهان: أحدهما لا تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه ووضعهما إلى جانبه وهذان فعلان متواليان والثاني تبطل لأنه عمل متكرر فهو كالثلاث وإن عمل عملاً كثيراً متفرقاً لم تبطل صلاته لحديث أمامة ابنة أبي العاص رضي الله عنها فإنه تكرر منه الحمل والوضع ولكنه لما تفرق لم يقطع الصلاة ولا فرق في العمل بين السهو والعمد لأنه فعل بخلاف الكلام فإنه قول والفعل أقوى من القول ولهذا ينفذ إحبال المجنون لكونه فعلاً ولا ينفذ إعتاقه لأنه قول.
فصل: ويكره أن يترك شيئاً من سنن الصلاة ويكره أن يلتفت في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الله تعالى مقبلاً على عبده في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت صرف الله عنه وجهه1" وإن كان لحاجة لم

يكره لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره ويكره أن يرفع بصره إلى السماء لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة حتى اشتد قوله في ذلك لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم1" ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ قال "ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي الجهم وأتوني بأنبجانيته" ويكره أن يصلي ويده على خاصرته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصراً ويكره أن يكف شعره وثوبه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يسجد على سبعة أعضاء ونهى أن يكف شعره وثوبه ويكره أن يمسح الحصا في الصلاة لما روى معيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تمسح الحصا وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلاً فواحدة تسوية الحصا" ويكره أن يعد الآي في الصلاة

لأنه يشتغل عن الخشوع فكان تركه أولى ويكره التثاؤب فيها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرد ما استطاع فإن أحدكم إذا قال هاها ضحك الشيطان منه" فإن بدره البصاق فإن كان في المسجد لم يبصق فيه بل يبصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض وإن كان في غير المسجد لم يبصق تلقاء وجهه ولا عن يمينه بل يبصق تحت قدمه اليسرى فإن بدره بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسجداً يوماً فرأى في قبلة المسجد نخامة فحتها بعرجون معه ثم قال: يحب أحدكم أن يبصق رجل في وجهه إذا صلى أحدكم فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه فإن الله تعالى تلقاء وجهه والملك عن يمينه وليبصق تحت قدمه اليسرى أو عن يساره فإن أصابته بادرة بصاق فليبصق في ثوبه ثم يقول به هكذا فعلمهم أن يفركوا بعضه ببعض فإن خالف وبصق في المسجد دفنه لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "البصاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه1" وبالله التوفيق.
1رواه النسائي في كتاب المساجد باب 30.
أحمد في مسنده "3/173".

فصول الكتاب · 52 فصل · 499 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي · 499 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن
كتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب السبق والرميكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب عتق أمهات الأولادكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتال أهل البغي
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل