كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ففيه وجهان: قال أبو إسحاق هو كالدين الحال على فقير أو مليء جاحد فيكون على قولين وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا تجب فيه الزكاة فإذا قبضه استقبل به الحول لأنه لا يستحقه ولو حلف أنه لا يستحقه كان باراً والأول أصح لأنه لو لم يستحقه لم ينفذ فيه إبراؤه وإن كان له مال غائب فإن كان مقدوراً على قبضه وجبت فيه الزكاة إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إليه وإن لم يقدر عليه فهو كالمغصوب وإن كان معه أجرة دار لم يستوف المستأجر منفعتها وحال عليها الحول وجبت فيه الزكاة لأنه يملكها ملكاً تاماً وفي وجوب الإخراج قولان قال في البويطي يجب لأنه يملكه ملكاً تاماً فأشبه مهر المرأة وقال في الأم لا يجب لأن ملكه قبل استيفاء المنفعة غير مستقر لأنه قد تنهدم الدار فتسقط الأجرة فلم تجب الزكاة فيه كدين الكتابة والأول أصح لأن هذا يبطل بالصداق قبل الدخول فإنه يجوز أن يسقط بالردة ويسقط نصفه بالطلاق ثم يجب إخراج زكاته.
فصل: ومن ملك مصوغاً من الذهب والفضة فإن كان معداً للقنية وجبت فيه الزكاة لأنه مرصد للنماء فهو كغير المصوغ وإن كان معداً للاستعمال نظرت فإن كان لاستعمال محرم كأواني الذهب والفضة وما يتخذه الرجل لنفسه من سوار أو طوق أو خاتم ذهب أو ما يحلى به المصحف أو يؤزر به المسجد أو يموه به السقف أو كان مكروهاً كالتضبيب القليل للزينة وجبت فيه الزكاة لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط كحلي النساء وما أعدلهن وخاتم الفضة للرجال ففيه قولان: أحدهما لا تجب فيه الزكاة لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس في الحلى زكاة" ولأنه معد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من الإبل والبقر والثاني تجب فيه الزكاة واستخار الله فيه الشافعي واختاره لما روي أن امرأة من اليمن جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها في يدها
مسكتان غليظتان من الذهب فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعطين زكاة هذا؟ فقالت لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ " فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ولرسوله ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير وفيما لطخ به اللجام وجهان: قال أبو الطيب بن سلمة أنه مباح كالذي حلى به المنطقة والسيف فيكون على قولين وقال أبو إسحاق لا يحل وهو المنصوص لأن هذا حلية للدابة بخلاف السيف والمنطقة فإن ذلك حلية للرجل في الحرب فحل وإن كان للمرأة حلي فانكسر بحيث لا يمكن لبسه فوجبت فيه الزكاة كما لو تفتت والثاني لا تجب لأنه للإصلاح واللبس أقرب وإن كان لها حلي معد للإجارة ففيه طريقان: أحدهما أنه تجب فيه الزكاة قولاً واحداً لأنه معد لطلب النماء فأشبه إذا اشتراه للتجارة والثاني أنه على قولين لأن النماء المقصود قد فقد لأن ما يحصل من الأجرة قليل فلم يؤثر في إيجاب الزكاة كأجرة العوامل من الإبل والبقر وإذا وجبت الزكاة في حلى تنقص قيمته بالكسر ملك الفقراء ربع العشر منه ويسلمه إليهم بتسليم مثله ليستقر ملكهم عليه كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر وقال أبو العباس: يخرج زكاته لأنه يشق تسليم بعضه والأول أظهر.
باب زكاة التجارة
تجب الزكاة في عروض التجارة لما روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته" ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية.
فصل: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: أحدهما أن يملكه بعقد يجب فيه العوض كالبيع والإجارة والنكاح والخلع والثاني أن ينوي عند العقد أنه يتملكه للتجارة
فأما إذا ملكه بإرث أو وصية أوهبة من غير شرط الثواب لم يصر للتجارة بالنية وإن ملكه بالبيع والإجارة ولم ينو عند العقد أنه للتجارة لم يصر للتجارة وقال الكرابيسي من أصحابنا: إذا ملك عرضاً ثم نوى به التجارة صار للتجارة كما إذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى القنية صار للقنية بالنية والمذهب الأول لأن ما لا يكون الزكاة من أصله لم يصر للزكاة بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى إسامتها ويفارق إذا نوى القنية بمال التجارة لأن القنية هي الإمساك بنية القنية وقد وجد الإمساك والنية والتجارة هي التصرف بنية التجارة وقد وجدت النية ولم يوجد التصرف فلم يصر للتجارة.
فصل: إذا اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه كنصاب السائمة والكرم والنخل نظرت فإن وجد فيه نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى كخمس من الإبل لا تساوي مائتي درهم أو أربع من الإبل تساوي مائتي درهم وجبت فيه زكاة ما وجد نصابه لأنه وجد سببها ولم يوجد ما يعارضه فوجبت وإن وجد نصابهما ففيه طريقان: قال أبو إسحاق: إن سبق حول التجارة بأن يكون عنده نصاب من الأثمان مدة ثم اشترى به نصاباً من السائمة وجبت زكاة التجارة فيه وإن سبق وجوب زكاة العين بأن اشترى نخلاً للتجارة فبدا فيها الصلاح قبل أن يحول حول التجارة وجبت زكاة العين لأن السابق منهما قد وجد سبب وجوب زكاته وليس هناك زكاة تعارضها فوجبت كما قلنا في ما وجد فيه نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى وإن وجد سببهما في وقت واحد مثل أن يشتري بما تجب فيه الزكاة نصاباً من السائمة للتجارة ففيه قولان: قال في القديم: تجب زكاة التجارة لأنها أنفع للمساكين لأنها تزداد القيمة فكان إيجابها أولى وقال في الجديد تجب زكاة العين لأنها أقوى لأنها مجمع عليها وزكاة التجارة مختلف في وجوبها ولأن نصاب العين يعرف قطعاً ونصاب التجارة يعرف بالظن فكانت زكاة العين أولى وقال القاضي أبو حامد في المسألة قولان: سواء اتفق حولهما أو سبق حول أحدهما والأول أصح فإن كان المشتري نخيلاً وقلنا بقوله القديم قوم النخيل والثمرة وأخرج الزكاة عن قيمتهما وإن قلنا بقوله الجديد لزمه عشر الثمرة وهل يقوم النخيل؟ فيه قولان: أحدهما لا يقوم لأن
المقصود هو الثمار وقد أخرجنا عنها العشر والثاني يقوم ويخرج الزكاة من قيمتها لأن العشر زكاة الثمار فأما الأصول فلم يخرج زكاتها فوجب أن تقوم وتخرج عنها الزكاة وإن اشترى عبداً للتجارة وجبت عليه فطرته لوقتها وزكاة التجارة لحولها لأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين فلم يمنع أحدهما الآخر كالجزاء والقيمة وحد الزنا والشرب وإن اشترى للتجارة عرضاً لا تجب فيه الزكاة لم يخل إما أن يشتري بعرض أو نقد فإن اشتراه بنقد نظرت فإن كان نصاباً جعل ابتداء الحول من حين ملك النصاب من النقد ويبني حول العرض الذي اشتراه عليه لأن النصاب هو الثمن وكان ظاهراً فصار في ثمن السلعة كامناً فبنى حوله عليه كما لو كان عيناً فأقرضه فصار ديناً وإن اشتراه بدون النصاب انعقد الحول عليه من حين الشراء سواء كانت قيمة العرض نصاباً أو أقل وقال أبو العباس: لا ينعقد الحول إلا أن يكون قيمته من أول الحول إلى آخره نصاباً كسائر الزكوات والمنصوص في الأم هو الأول لأن نصاب زكاة التجارة يتعلق بالقيمة وتقويم العرض في كل ساعة يشق فلم يعتبر إلا في حال الوجوب ويخالف سائر الزكوات فإن نصابها في عينها فلم يشق اعتباره في جميع الحول وإن اشتراه بعرض للقنية نظرت فإن كان من غير أموال الزكاة انعقد الحول عليه من يوم الشراء وإن اشتراه بنصاب من السائمة ففيه وجهان: قال أبو سعيد الاصطخري: يبني حول التجارة على حول السائمة لأن الشافعي رحمه الله قال في المختصر: ولو اشترى عرضاً للتجارة بدراهم أو دنانير أو بشيء تجب فيه الصدقة لم يقوم عليه حتى يحول الحول من يوم ملك ثمن العرض والدليل عليه أنه ملكه بما يجزي في الحول فبنى حوله على حوله كما لو اشتراه بنصاب من الأثمان وقال أكثر أصحابنا: لا يبني على حول السائمة وتأولوا قوله في المختصر والدليل عليه أن الزكاة تتعلق بقيمة العرض والماشية ليست بقيمة فلم يبن حوله على حولها ويخالف الأثمان لأنها قيمة وإنما كانت عيناً ظاهرة فخفيت كالعين إذا صارت ديناً.
فصل: إذا باع عرضاً للتجارة في أثناء الحول بعرض للتجارة لم ينقطع الحول لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة وقيمة الثاني وقيمة الأول واحدة وإنما انتقلت من سلعة إلى سلعة فلم ينقطع الحول كمائتي درهم من بيت إلى بيت وإن باع العرض بالدراهم أو الدنانير نظرت فإن باعه بقدر قيمته بنى حول الثمن على حول العرض كما يبني حول العرض على حول الثمن وإن باعه بزيادة مثل أن يشتري العرض بمائتين فباعه في أثناء الحول بثلثمائة ففيه طريقان: من أصحابنا من قال يزكي المائتين لحولها ويستأنف الحول
للزيادة قولاً واحداً وقال أبو إسحاق في الزيادة قولان: أحدهما يزكيها لحول الأصل لأنه نماء الأصل فزكى لحول الأصل كالسخال والثاني يستأنف الحول لأنها فائدة غير متولدة مما عنده فلا يزكي لحوله كما لو استفاد الزيادة بإرث أو هبة فإذا قلنا يستأنف الحول الزيادة ففي حولها وجهان: أحدهما من حين ينض لأنه لا يتحقق وجودها قبل أن ينض والثاني من حين يظهر وهو الأظهر لأنه قد ظهر فإذا نض علمنا أنه قد ملكه من ذلك الوقت وإن كان عنده نصاب من الدراهم فباعه بالدراهم أو الدنانير فإن فعل ذلك لغير تجارة انقطع الحول فيما باع واستقبل الحول فيما اشترى وإن فعله للتجارة كما يفعل الصيارف ففيه وجهان: أحدهما أنه ينقطع الحول لأنه مال تجب الزكاة في عينه فانقطع الحول فيه بالمبادلة كالماشية والثاني لا ينقطع الحول لأنه باع مال التجارة بمال للتجارة فلم ينقطع الحول كما لو باع عرضاً بعرض.
فصل: إذا حال الحول على عرض التجارة وجب تقويمه لإخراج الزكاة فإن اشتراه بنصاب من الأثمان قوم به لأنه فرع لما اشترى به فوجب التقويم به وإن اشتراه بعرض للقنية قوم بنقد البلد لأنه لا يمكن تقويمه بأصله فوجب تقويمه بنقد البلد فإن كان في البلد نقدان قوم بأكثرهما معاملة وإن كانا متساويين نظرت فإن كان بأحدهما يبلغ نصاباً وبالآخر لا يبلغ نصاباً قوم بما يبلغ به لأنه قد وجد نصاب تتعلق به الزكاة فوجب التقويم به وإن كان يبلغ بكل واحد منهما نصاباً ففيه أربعة أوجه: أحدها أنه يقوم بما شاء منهما وهو قول أبي إسحاق وهو الأظهر لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فخير بينهما والثاني يقوم بما هو أنفع للمساكين كما إذا اجتمع في النصاب فرضان أخذ ما هو أنفع للمساكين والثالث يقوم بالدراهم لأنها أكثر استعمالاً والرابع يقوم بنقد أقرب البلاد إليه لأن النقدين تساويا فجعلا كالمعدومين فإن قومه ثم باعه بزيادة على قيمته قبل إخراج الزكاة ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه زكاة تلك الزيادة لأنها زيادة حدثت بعد الوجوب فلم تلزمه زكاتها كالسخال الحادثة بعد الحول والثاني تلزمه لأن الزيادة حصلت في نفس القيمة التي تعلق بها الوجوب فهو بمنزلة الماشية إذا سمنت بعد الحول فإنه يلزمه إخراج فرض سمين وإن اشتراه بما دون النصاب من الأثمان ففيه وجهان: أحدهما يقوم بنقد البلد لأنه ملكه بما لا تجب فيه الزكاة فأشبه إذا ملكه بعرض للقنية والثاني أنه يقوم بالنقد الذي اشتراه به لأنه أصل يمكن أن يقوم به فيقوم به كما لو كان نصاباً فإن حال الحول على
العرض فقوم فلم يبلغ النصاب لم تجب فيه الزكاة فإن زادت قيمته بعد الحول بشهر فبلغت نصاباً ففيه وجهان: قال أبو إسحاق لا تجب الزكاة حتى يحول عليه الحول والثاني من حين حال الحول الأول لأن الحول يبتدأ من حين الشراء وقد تم الحول وهو ناقص عن النصاب فلم تتعلق به الزكاة وقال أبو علي ابن أبي هريرة: إذا بلغت قيمته نصاباً بعد شهر وجبت فيه الزكاة لأنه مضى عليه حول بعد الشراء بشهر وهو نصاب فوجبت فيه الزكاة.
فصل: إذا قوم العرض فقد قال في الأم تخرج الزكاة مما قوم به وقال في القديم فيه قولان: أحدهما يخرج ربع عشر قيمته والثاني يخرج ربع عشر العرض وقال في موضع آخر لا يخرج إلا العين أو الورق أو العرض فمن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يخرج مما قوم به لأن الوجوب تعلق به والثاني يخرج من العرض لأن الزكاة تجب لأجله والثالث يخير بينهما لأن الزكاة تتعلق بهما فخير بينهما وقال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما أنه يخرج مما قوم به والثاني أنه بالخيار وقال أبو علي ابن أبي هريرة: فيه قولان: أحدهما أنه يخرج مما قوم به والثاني يخرج العرض.
فصل: إذا دفع إلى رجل ألف درهم قراضاً على أن الربح بينهما نصفان فحال الحول وقد صارت ألفين بنيت على أن المضارب متى يملك الربح وفيه قولان: أحدهما يملكه بالمقاسمة والثاني يملكه بالظهور فإن قلنا بالأول كانت زكاة الجميع على رب المال فإن أخرجها من عين المال فمن أين تحسب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه تحسب من الربح لأنها من رأس المال فتحسب من الربح كأجرة النقال والوزان والكيال والثاني تحسب من رأس المال لأن الزكاة دين عليه في الذمة في أحد القولين فإذا قضاه من المال حسب من رأس المال كسائر الديون والثالث أنها تحسب من رأس المال والربح جميعاً لأن الزكاة تجب في رأس المال والربح فحسب المخرج منهما وإن قلنا إن العامل يملك حصته من الربح بالظهور وجب على رب المال زكاة ألف وخمسمائة وإخراجها على ما ذكرناه وتجب على العامل زكاة خمسمائة غير أنه لا يلزمه إخراجها لأنه لا يدري هل يسلم له أم لا فلم يلزمه إخراج زكاته كالمال الغائب فإن أخرج زكاته من غير المال جاز وإن أراد إخراجه من المال ففيه وجهان: أحدهما ليس له لأن الربح وقاية لرأس المال فلا يخرج منه الزكاة والثاني أن له ذلك لأنهما دخلا على حكم الإسلام ووجوب الزكاة.
باب زكاة المعدن والركاز
إذا استخرج حر مسلم من معدن في موات أوفي أرض يملكها نصاباً من الذهب أو الفضة وجب عليه الزكاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية وأخذ منه الزكاة فإن استخرجه مكاتب أو ذمي لم يجب عليه شيء لأنه زكاة والزكاة لا تجب على المكاتب والذمي وإن وجده في أرض مملوكة لغيره فهو لصاحب الأرض ويجب دفعه إليه فإذا أخذه مالكه وجب عليه زكاته وإن وجد شيئاً غير الذهب والفضة كالحديد والرصاص والفيروزج والبلور وغيرها لم تجب فيها الزكاة لأنها ليست من أموال الزكاة فلم يجب فيها حق المعدن وإن وجده دون النصاب لم تلزمه الزكاة لأنا بينا أن ذلك زكاة فلم تجب في غير النصاب ولأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالعشر وإن وجد النصاب في دفعات نظرت فإن لم ينقطع العمل ولا النيل ضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب وإن انقطع العمل لعذر كالاستراحة أو إصلاح الأداة ضم ما وجده بعد زوال العذر إلى ما وجده قبله فإن ترك العمل لغير عذر لم يضم ما وجده بعد الترك إلى ما وجده قبله وإن اتصل العمل وانقطع النيل ثم عاد ففيه قولان: قال في القديم لا يضم الثاني إلى الأول لأنه إذا لم يضم ما وجده بعد قطع العمل إلى ما وجده قبله فلأن لا يضم ما وجده بعد انقطاع النيل وهو المقصود أولى وقال في الجديد يضم لأن انقطاع النيل بغير اختياره وانقطاع العمل باختياره.
فصل: ويجب حق المعدن بالوجود ولا يعتبر فيه الحول في أظهر القولين لأن الحول يراد لتكامل النماء وبالوجود يصل إلى النماء فلو يعتبر فيه الحول كالعشر وقال في البويطي: لا يجب حتى يحول عليه الحول لأنه زكاة في مال تتكرر فيه الزكاة فاعتبر فيها الحول كسائر الزكوات.
فصل: وفي زكاته ثلاثة أقوال: أحدها يجب ربع العشر لأنا قد بينا أنه زكاة وزكاة الذهب والفضة ربع العشر والثاني يجب فيه الخمس لأنه مال تجب الزكاة فيه بالوجود
فتقدرت زكاته بالخمس كالركاز والثالث أنه إن أصابه من غير تعب وجب فيه الخمس وإن أصابه بتعب وجب فيه بربع العشر لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاختلف قدره باختلاف المؤن كزكاة الزرع ويجب إخراج الحق بعد التمييز كما قلنا في العشر إنه يجب بعد التصفية والتجفيف.
فصل: ويجب في الركاز الخمس لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الركاز الخمس1" ولأنه يصل إليه من غير تعب ولا مؤنة فاحتمل الخمس ولا يجب ذلك إلا على من تجب عليه الزكاة لأنه زكاة ولا تجب إلا فيما وجده في موات أو مملوك لا يعرف مالكه لأن الموات لا مالك له وما لا يعرف مالكه بمنزلة ما لا مالك له فأما إذا وجده في أرض يعرف مالكها فإن كان ذلك لحربي فهو غنيمة وإن كان لمسلم أو لمعاهد فهو لمالك الأرض فإن لم يدعه مالك الأرض فهو لمن انتقلت الأرض منه إليه ولا يجب إلا في مال جاهلي يعلم أن مثله لا يضرب في الإسلام لأن الظاهر أنه لم يملكه مسلم إلى أن وجده وإن كان من ضرب الإسلام كالدراهم الأحدية وما عليها اسم المسلمين فهو لقطة وإن كان يمكن أن يكون من مال المسلمين ويمكن أن يكون من مال الجاهلية بأن لا يكون عليه علامة أحد فالمنصوص أنه لقطة لأنه يحتمل الأمرين فغلب حكم الإسلام ومن أصحابنا من قال هو ركاز لأن الموضع الذي وجد فيه موات يشهد بأنه ركاز ويجب حق الركاز في الأثمان وفي غير الأثمان قولان: قال في القديم يجب في الجميع لأنه حق مقدر بالخمس فلم يختص بالأثمان كخمس الغنيمة وقال في الجديد لا يجب لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاختص بالأثمان كحق المعدن ولا يعتبر فيه الحول لأن الحول يعتبر لتكامل النماء وهذا لا يوجد الركاز وهل يعتبر فيه النصاب؟ فيه قولان: قال في القديم يخمس قليله وكثيره لأن ما خمس كثيره خمس قليله كالغنيمة وقال في الجديد لا يخمس ما دون النصاب لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر
فيه النصاب كحق المعدن فعلى هذا إذا وجد مائة درهم ثم وجد مائة أخرى لم يجب الخمس في واحد منهما وإن وجد دون النصاب وعنده نصاب من جنسه نظرت فإن وجد الركاز مع تمام الحول في النصاب الذي عنده ضمه إلى ما عنده وأخرج الخمس من الركاز وربع العشر من النصاب لأن الحول لا يعتبر في الركاز فيصير الركاز مع النصاب كالزيادة مع نصاب حال الحول عليهما وإن وجده بعد الحول على النصاب ضمه إليه لأن الحول قد حال على ما معه الركاز كالزيادة التي حال عليها الحول وإن وجده قبل الحول على النصاب لم يخمس لأن الركاز كبعض نصاب حال عليه الحول وإذا تم حول البعض ولم يتم حول الباقي لم تجب الزكاة فإذا تم حول النصاب أخرج زكاته وإذا تم حول الركاز من حين وجده أخرج عنه ربع العشر وسقط الخمس فأما إذا كان الذي معه أقل من النصاب فإن كان وجد الركاز قبل تمام الحول على ما معه لم يضم إليه بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب فإذا تم الحول أخرج الزكاة وإن وافق وجود الركاز حال حول الحول فالمنصوص في الأم أنه يضم إلى ما عنده فإذا بلغ النصاب أخرج من الركاز الخمس ومن الذي معه ربع العشر لأن الركاز لا يعتبر فيه حول فيجعل كالموجود معه في جميع الحول ومن أصحابنا من قال لا يضم بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب فإذا حال الحول أخرج عنهما ربع العشرة.
باب زكاة الفطر
زكاة الفطر واجبة لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من قمح أو صاعاً شعير على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين1" ولا يجب ذلك إلا على مسلم فأما الكافر فإنه إن كان أصلياً لم تجب عليه للخبر الوارد وإن كان مرتداً فعلى ما ذكرناه في أول الكتاب من الأقوال الثلاثة وأما المكاتب فالمذهب أنها لا تجب عليه لأنه لا يلزمه زكاة المال فلا يلزمه زكاة الفطر كالكافر ومن أصحابنا من قال يلزمه لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة ونفقته على نفسه فكذلك فطرته وهذا يبطل بالذمي فإن نفقته على نفسه ولا تلزمه الفطرة ولا تجب إلا
على من فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته وقت الوجوب ما يؤدي في الفطرة فإن لم يفضل عن نفقته شيء لم تلزمه لأنه غير قادر فإن فضل بعض ما يؤديه ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه لأنه عدم بعض ما يؤدي به الفرض فلم يلزمه كما لو وجبت عليه كفارة وهو يملك نصف رقبة والثاني تلزمه لأنه لو ملك نصف عبد لزمه نصف فطرته فإذا ملك نصف الفرض لزمه إخراجه في فطرته.
فصل: ومن وجبت عليه فطرته وجبت عليه فطرة من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم فاضلاً عن نفقته فتجب على الأب والأم وعلى أبيهما أمهما وإن علوا فطرة ولدهما وولد ولدهما وإن سفلوا وعلى الولد وولد الولد وإن سفلوا فطرة الأب والأم وأبيهما وأمهما وإن علوا إذا وجبت عليهم نفقتهم لما روى ابن عمر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون فإن كان للولد أو الوالد عبد يحتاج إليه للخدمة وجبت عليه فطرته لأنه تجب عليه نفقته وتجب على السيد فطرة عبده وأمته لحديث ابن عمر وإن كان له عبد أبق ففيه طريقان: أحدهما أنه تجب فطرته قولاً واحداً لأن فطرته تجب بحق الملك والملك لا يزول بالإباق ومنهم من قال فيه قولان كالزكاة في المال المغصوب وإن كان عبد بين نفسين وجبت الفطرة عليهما لأن نفقته عليهما وإن كان نصفه حراً ونصفه عبداً وجب على السيد نصف فطرته وعلى العبد نصف فطرته لأن النفقة عليهما نصفان فكذلك الفطرة وإن كان له مكاتب لم تجب عليه فطرته لأنه لا تجب عليه نفقته وروى أبو ثور عن الشافعي رحمه الله أنه قال: تجب فطرته لأنه باق على ملكه ويجب على الزوج فطرة زوجته إذا وجبت عليه نفقتها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ولأنه ملك يستحق به النفقة فجاز أن يستحق به الفطرة كمالك اليمين في العبد والأمة فإن كانت ممن تخدم ولها مملوك يخدمها وجبت عليه فطرته لأنه يجب عليه نفقته فلزمته فطرته فإن نشزت الزوجة لم يلزمه فطرتها لأنه لا يلزمه نفقتها ولا تجب عليه إلا فطرة مسلم فأما إذا كان المؤدي عنه كافراً لم تجب عليه فطرته لحديث ابن عمر على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين ولأن القصد من
الفطرة تطهير المؤدي عنه لأن المؤدي قد طهر نفسه بالفطرة والكافر لا يلحقه التطهير ولا تجب حتى تفضل الفطرة على نفقته ونفقتة من تلزمه نفقته لأن النفقة أهم فوجبت في البداية بها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول1" فإن فضل ما يؤدي عن فطرة بعضهم ففيه أربعة أوجه: أحدها أنه يبدأ بمن يبدأ بنفقته فإن فضل صاع آخر أخرجه عن نفسه فإن فضل صاعاً آخر أخرجه عن زوجته فإن فضل صاع آخر أخرجه عن ولده الصغير فإن فضل صاع آخر أخرجه عن أبيه فإن فضل صاع آخر أخرجه عن أمه فإن فضل صاع آخر أخرجه عن ولده الكبير لأنا بينا أن الفطرة تابعة للنفقة وترتيبهم للنفقة على ما ذكرناه فكذلك في الفطرة والثاني يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه لأنها تجب بحكم المعاوضة والثالث يبدأ بنفسه ثم بمن شاء والرابع أنه بالخيار في حقه وحق غيره لأن كل واحد منهم لو انفرد لزمته فطرته فإذا اجتمعوا تساووا ومن وجبت فطرته على غيره فهل يجب ذلك على المؤدي ابتداء أو يجب على المؤدي عنه ثم يتحمل المؤدي؟ فيه وجهان: أحدهما تجب على المؤدى ابتداء لأنها تجب في ماله والثاني تجب على المؤدي عنه لأنها تجب لتطهيره فإن تطوع المؤدي عنه وأخرج بغير إذن المؤدي ففيه وجهان: فإن قلنا إنها تجب على المؤدي ابتداء لم يجزه كما لو أخرج زكاة ماله عنه بغير إذنه وإن قلنا يتحمل جاز لأنه أخرج ما وجبت عليه وإن كان من يمونه مسلماً وهو كافر فعلى الوجهين فإن قلنا إنها تجب عليه ابتداء لم تجب لأنه إيجاب زكاة على كافر وإن قلنا إنه يتحمل وجب عليه لأن الفطرة وجبت على مسلم وإنما هو متحمل وإن كانت له زوجة موسرة وهو معسر فالمنصوص أنه لا يجب عليها وقال فيمن زوج أمته من معسر إن على المولى فطرتها فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وخرجها على قولين: أحدهما لا تجب لأنها زكاة تجب عليه مع القدرة فسقطت بالإعسار كفطرة نفسه والثاني تجب لأنه إذا كان معسراً جعل كالمعدوم ولو عدم الزوج وجبت فطرة الحرة على نفسها الأمة على مولاها وكذلك ههنا ومن أصحابنا من قال إن قلنا يتحمل وجب على الحرة وعلى مولى الأمة لأن الوجوب عليهما والزوج متحمل فإذا عجز عن التحمل بقي الوجوب في محله وإن قلنا تجب عليه ابتداء لم
تجب على الحرة لا على مولى الأمة لأنه لا حق عليهما وقال أبو إسحاق: تجب على مولى الأمة ولا تجب على الحرة لأن فطرتها على المولى لأن المولى عليه التبوئة التامة فإذا سلم كان متبرعاً فلا يسقط بذلك ما وجب عليه من الزكاة والحرة غير متبرعة بالتسليم لأنه يجب عليها تسليم نفسها وإن لم يقدر على فطرتها سقطت عنها الفطرة.
فصل: ومتى تجب الفطرة؟ فيه قولان: قال في القديم تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر لأنها قربة تتعلق بالعيد فلا يتقدم وقتها على يومه كالصلاة والأضحية وقال في الجديد تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر من رمضان والفطر من رمضان لا يكون إلا بعد غروب الشمس من ليلة العيد ولأن الفطر جعلت طهرة للصائم بدليل أن ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين وانقضاء الصوم بغروب الشمس فإن رزق ولداً أو تزوج امرأة أو اشترى عبداً ودخل عليه الوقت وهم عنده وجبت عليه فطرتهم وإن رزق الولد أو تزوج امرأة أو اشترى العبد بعد دخول الوقت أو ماتوا قبل دخول الوقت لم تجب فطرتهم وإن دخل وقت الوجوب وهم عنده ثم ماتوا قبل إمكان الأداء ففيه وجهان: أحدهما تسقط كما تسقط زكاة المال والثاني لا تسقط لأنها تجب في الذمة فلم تسقط بموت المرأة ككفارة الظهار ويجوز تقديم الفطرة من أول شهر رمضان لأنها تجب بسببين: صوم شهر رمضان والفطر منه فإذا وجد أحدهما جاز تقديمها على الآخر كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول ولا يجوز تقديمهما على شهر رمضان لأنه تقديم على السببين فهو كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب والمستحب أن تخرج قبل صلاة العيد لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن يؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ولا يجوز تأخيرها عن يومه لقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" فإن أخره حتى خرج اليوم أثم وعليه القضاء لأنه حق مال وجب عليه وتمكن من أدائه فلا يسقط عنه بفوات الوقت.
فصل: والواجب صاع بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير والصاع خمسة أرطال وثلث
لما روى عمرو بن حبيب القاضي قال: حججت مع أبي جعفر فلما قدم المدينة قال ائتوني بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعايره فوجده خمسة أرطال وثلثاً برطل أهل العراق.
فصل: وفي الحب الذي يخرجه ثلاثة أوجه: أحدها أنه يجوز من كل قوت لما روى أبو سعيد الخدري قال: كنا نخرج صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب ومعلوم أن ذلك كله لم يكن قوت أهل المدينة فدل على أنه مخير بين الجميع وقال أبو عبيد بن حرب: تجب من غالب قوته وهو ظاهر النص لأنه لما وجب أداء ما فضل عن قوته وجب أن تكون من قوته وقال أبو العباس وأبو إسحاق: تجب من غالب قوت البلد لأنه حق يجب في الذمة تعلق بالطعام فوجب من غالب قوت البلد كالطعام في الكفارة فإن عدل عن قوت البلد إلى قوت بلد آخر نظرت فإن كان الذي انتقل إليه أجود أجزأه وإن كان دونه لم يجزه فإن كان أهل البلد يقتاتون أجناساً مختلفة ليس بعضها بأغلب من بعض فالأفضل أن يخرج من أفضلها لقوله عز وجل ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:92] ومن أيها أخرج أجزأه وإن كان في موضع قوتهم الأقط ففيه طريقان: قال أبو إسحاق يجزئه قولاً واحداً لحديث أبي سعيد وقال القاضي أبو حامد فيه قولان: أظهرهما أنه يجزئه للخبر والثاني لا يجزئه لأنه لا تجب فيه الزكاة فأشبه اللحم فإذا قلنا يجزئه فأخرج اللبن أجزأه لأنه أكمل منه ولأنه يجيء منه الأقط وغيره وإن أخرج الجبن جاز لأنه مثله وإن أخرج المصل لم يجزه لأنه أنقص من الأقط لأنه لبن منزوع الزبد وإن كان في موضع لا قوت فيه أخرج من قوت أقرب البلاد إليه فإن كان بقربه بلدان متساويان في القوت أخرج من قوت أيهما شاء ولا يجوز في فطرة واحدة أن يخرج من جنسين لأن ما خير فيه بين جنسين لم يجز أن يخرج من كل واحد منهما بعضه ككفارة اليمين لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة فإن كان عبد بين نفسين في بلدين قوتهما مختلف ففيه ثلاثة أوجه: أحدها لا يجوز أن يخرج كل واحد منهما من قوته بل يخرجان من أدنى القوتين وقال أبو إسحاق يجوز أن يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته لأن كل واحد
منهما لم يبعض ما وجب عليه ومن أصحابنا من قال يعتبر فيه قوت العبد أو البلد الذي فيه العبد لأنها تجب لحقه فاعتبر فيه قوته أو قوت بلده كالحر في حق نفسه ولا يجوز إخراج حب مسوس لأن السوس أكل جوفه فيكون الصاع منه أقل من صاع ولا يجوز إحراج الدقيق وقال أبو القاسم الأنماطي: يجوز لأنه منصوص عليه في حديث أبي سعيد الخدري والمذهب أنه لا يجوز لأنه ناقص المنفعة عن الحب فلم يجز كالخبز وأما حديث أبي سعيد فقد قال أبو داود: روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه.
أحدهما لا يجزأه لأنه عجل الزكاة عن غير السخال فلا يجزئه عن زكاة السخال والثاني يجزئه لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال كانت زكاة الأمهات زكاة عن السخال وإن اشترى بمائتي درهم عرضاً للتجارة فأخرج عنها زكاة أربعمائة درهم ثم حال الحول والعرض يساوي أربعمائة أجزأه لأن الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول والدليل عليه أنه لو ملك سلعة تساوي مائة فحال الحول وهي تساوي مائتين وجبت فيه الزكاة وإن ملك مائة وعشرين شاة فعجل عنها شاة ثم نتجت شاة سخلة قبل الحول لزمته شاة أخرى وكذلك لو ملك مائتي شاة فأخرج شاتين ثم نتجت شاة سخلة أخرى قبل الحول لزمه شاة أخرى لأن المخرج كالباقي على ملكه ولهذا سقط به الفرض عند الحول فجعل كالباقي على ملكه في إيجاب الفرض.
فصل: إذا عجل زكاة ماله ثم هلك النصاب أو هلك بعضه قبل الحول خرج المدفوع عن أن يكون زكاة وهل يثبت له الرجوع فيما دفع؟ ينظر فيه فإن لم يبين أنها زكاة معجلة لم يجز له الرجوع فإن الظاهر أن ذلك زكاة واجبة أو صدقة تطوع وقد لزمت بالقبض فلم يملك الرجوع وإن بين أنها زكاة معجلة ثبت له الرجوع لأنه دفع عما يستقر في الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستقرار ثبت له الرجوع كما لو عجل أجرة دار ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة وإن كان الذي عجل هو السلطان أو المصدق من قبله ثبت له الرجوع بين أو لم يبين لأن السلطان لا يسترجعه لنفسه فلم يلحقه تهمة وإن عجل الزكاة عن نصاب ثم ذبح شاة أو أتلفها فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان أحدهما يرجع لأنه زال شرط الوجوب قبل الحول فثبت له الرجوع كما لو هلك بغير فعله والثاني لا يرجع لأنه مفرط وربما أتلف ليسترجع ما دفع فلم يجز له أن يرجع وإذا رجع فيما دفع وقد نقص في يد الفقير لم يلزمه ضمان ما نقص في أصح الوجهين لأنه نقص في ملكه فلم يلزمه ضمانه ومن أصحابنا من قال يلزمه لأن ما ضمن عينه إذا هلك ضمن نقصانه إذا نقص كالمغصوب فإن زاد المدفوع نظرت فإن كانت الزيادة لا تتميز كالسمن رجع فيه مع الزيادة لأن السمن يتبع الأصل في الرد كما نقول في الرد بالعيب وإن زادت زيادة تتميز كالولد واللبن لم يجب رد الزيادة لأنها زيادة حدثت في ملكه فلا يجب ردها مع الأصل كولد المبيعة في الرد بالعيب وإن هلك المدفوع في يد الفقير لزمته قيمته وفي القيمة وجهان: أحدهما يلزمه يوم التلف كالعارية والثاني يلزمه قيمته يوم الدفع لأن ما حصل فيه من زيادة حدثت في ملكه فلم يلزمه ضمانها.
فصل: وإن عجل الزكاة فدفعها إلى فقير فمات الفقير أو ارتد قبل الحول لم يجزه المدفوع عن الزكاة وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً فإن لم يبين عند الدفع أنها زكاة معجلة لم يرجع وإن بين رجع فإذا رجع فيما دفع نظرت فإن كان من الذهب أو الفضة وإذا ضمه إلى ما عنده بلغ النصاب وجبت فيه الزكاة لأنه قبل أن يموت الفقير كان كالباقي على حكم ملكه ولهذا لو عجله عن نصاب سقط به الفرض عند الحول فلو لم يكن كالباقي على حكم ملكه لم يسقط به الفرض وقد نقص المال عن النصاب ولما مات صار كالدين في ذمته والذهب والفضة إذا صارا ديناً لم ينقطع الحول فيه فضم إلى ما عنده وزكاه وإن كان الذي عجل شاة ففيه وجهان: أحدهما يضم إلى ما عنده كما يضم الذهب والفضة والثاني لا يضم لأنه لما مات صار كالدين والحيوان إذا كان دين لا تجب فيه الزكاة.
فصل: وإن عجل الزكاة ودفعها إلى فقير واستغنى قبل الحول نظرت فإن استغنى بما دفع إليه أجزأه لأنه دفع إليه ليستغني به فلا يجوز أن يكون غناه به مانعاً من الإجزاء ولأنه زال شرط الزكاة من جهة الزكاة فلا يمنع الإجزاء كما لو كان عنده نصاب فعجل عنه شاة فإن المال قد نقص عن النصاب ولم يمنع الإجزاء عن الزكاة وإن استغنى من غيره لم يجزه عن الزكاة وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً وهل يرجع على ما بيناه وإن دفع إلى فقير ثم استغنى ثم افتقر قبل الحول وحال الحول وهو فقير ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه كما لو عجل زكاة ماله ثم تلف ماله ثم استفاد غيره قبل الحول والثاني أنه يجزئه لأنه دفع إليه وهو فقير وحال الحول عليه وهو فقير.
فصل: وإن تسلف الوالي الزكاة وهلكت في يده نظرت فإن تسلف بغير مسألة ضمنها لأن الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فإذا قبض مالهم قبل محله بغير إذنهم وجب عليه الضمان كالوكيل إذا قبض مال موكله قبل محله بغير إذنه وإن تسلف بمسألة رب المال تلف من ضمان رب المال لأنه وكيل رب المال فكان الهلاك من ضمان الموكل كما لو وكل رجلاً في حمل شيء إلى موضع فهلك في يده وإن تسلف بمسألة الفقراء هلك من ضمانهم لأنه قبض بإذنهم فصار كالوكيل إذا قبض دين موكله بإذنه فهلك في يده وإن تسلف بمسألة الفقراء ورب المال ففيه وجهان: أحدهما أنه يتلف من ضمان رب المال لأن جنبته أقوى لأنه يملك المنع والدفع والثاني أنه ضمان الفقراء لأن
الضمان يجب على من له المنفعة ولهذا يجب ضمان العارية على المستعير والمنفعة ههنا للفقراء فكان الضمان عليهم.
فصل: فأما ما تجب الزكاة فيه من غير حول كالعشر وزكاة المعدن والركاز فلا يجوز فيه تعجيل الزكاة وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز تعجيل العشر والصحيح أنه لا يجوز لأن العشر يجب بسبب واحد وهو إدراك الثمرة وانعقاد الحب فإذا عجله قدمه على سببه فلم يجز كما لو قدم زكاة المال على النصاب.
باب تعجيل الصدقة
كل مال وجبت فيه الزكاة الحول والنصاب لم يجز تقديم زكاته قبل أن يملك النصاب لأنه لم يوجد سبب وجوبها فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع والدية قبل القتل وإن ملك النصاب جاز تقديم زكاته قبل الحول لما روى علي كرم الله وجهه أن العباس رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجعل زكاة ماله قبل محلها فرخص له في ذلك ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل محله كالدين المؤجل ودية الخطأ وفي تعجيل زكاة عامين وجهان: قال أبو إسحاق يجوز لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين ولأن ما جاز فيه تعجيل حق العام منه جاز تعجيل حق العامين كدية الخطأ ومن أصحابنا من قال لا يجوز لأنها زكاة لم ينعقد حولها فلم يجز تقديمها كالزكاة قبل أن يملك النصاب فإن ملك مائتي شاة فعجل عنها وعما يتولد من سخالها أربع شياه فتوالدت وصارت أربعمائة أجزأه زكاة المائتين وفي زكاة السخال وجهان: أحدهما لا يجوز لأنه تقديم زكاة على النصاب والثاني يجوز لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها فجعلت كالموجودة في تعجيل زكاتها وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وماتت الأمهات وبقيت السخال فهل يجزئه ما أخرج عن الأمهات عن زكاة السخال؟ فيه وجهان:
باب قسم الصدقات
يجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه وهي: الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه أو ليزك بقية ماله ويجوز أن يوكل من يفرق لأنه حق مال فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين ويجوز أن يدفع إلى الإمام لأنه نائب عن الفقر فجاز الدفع إليه كولي اليتيم وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها أن الأفضل أن يفرق بنفسه وهو ظاهر النص لأنه على ثقة من أدائه وليس على ثقة من أداء غيره والثاني أن الأفضل أن يدفع إلى الإمام عادلاً كان أو جائراً لما روي أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له وهو على أمواله بالطائف: كيف تصنع في صدقة مالي؟ قال: منها ما أتصدق به ومنها ما أدفع إلى السلطان فقال: وفيم أنت من ذلك قال: إنهم يشترون بها الأراضي ويتزوجون بها النساء فقال: إن كان عادلاً فالدفع إليه أفضل وإن كان جائراً فإن تفرقته بنفسه أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم "فمن سألها على وجهها فليعطها ومن سأل فوقها فلا يعطه1" ولأنه على ثقة من أدائه إلى العادل وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر لأنه ربما
يصرفه في شهواته وأما الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع والثمار والمعادن ففي زكاتها قولان: قال في القديم يجب دفعها إلى الإمام فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان لقوله عز وجل ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103] ولأنه مال للإمام فيه حق المطالبة فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية وقال في الجديد يجوز أن يفرقها بنفسه لأنها زكاة فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن.
فصل: ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه وفيهم من يبخل فوجب أن يبعث من يأخذ ولا يبعث إلا حراً عدلاً ثقة لأن هذا ولاية وأمانة والعبد والفاسق ليسا من أهل الأمانة والولاية ولا يبعث إلا فقيهاً لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها ولا يبعث هاشمياً أو مطالبياً ومن أصحابنا من قال يجوز لأن ما يأخذه على وجه العوض والمذهب الأول لما روي أن الفضل بن عباس رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوليه العمالة على الصدقة فلم يوله وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس1" وفي مواليهم وجهان: أحدهما لا يجوز لما روى أبو رافع قال: ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال: إتبعني تصب منها فقلت: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال: "إن موالي القوم من أنفسهم وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة2" والثاني أنه يجوز لأن الصدقة إنما حرمت على بني هاشم وبني المطلب للشرف بالنسب وهذا لا يوجد في مواليهم وهو بالخيار أن يستأجر العامل بأجرة معلومة ثم يعطيه ذلك من الزكاة وبين أن يبعثه من غير شرط ثم يعطيه أجرة المثل من الزكاة.
ويبعث لقبض ما سوى زكاة الزرع والثمار في المحرم لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في شهر المحرم: هذا شهر زكاتكم ولأنه أول السنة فكان البعث فيه أولى والمستحب للساعي أن يعد الماشية على أهلها على الماء إذا كانت الماشية ترد الماء وفي أفنيتهم إن لم ترد الماء لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وعند أفنيتهم" فإن أخبره صاحب المال بالعدد وهو ثقة عدل قبل منه وإن بذل له الزكاة أخذها ويستحب أن يدعو لقوله عز وجل ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] والمستحب أن يقول اللهم صل على آل فلان لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة ماله فقال له صلى الله عليه وسلم "اللهم صل على آل أبي أوفى" وبأي شيء دعا له جاز قال الشافعي: وأحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت وإن ترك الدعاء جاز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ولم يأمره بالدعاء وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض وعزره على المنع والغلول وقال في القديم: يأخذ منه الزكاة وشطر ماله وقد مضى توجيه القولين في أول الزكاة وإن وصل الساعي قبل وجوب الزكاة ورأى أن يتسلف فعل وإن لم يسلفه رب المال لم يجبره على ذلك لأنها لم تجب بعد فلا يجبر على أدائه وإن رأى أن يوكل من يقبض إذا حال الحول فعل وإن رأى أن يتركه حتى يأخذه مع زكاة القابل فعل وإن قال رب المال لم يحل الحول على المال فالقول قوله فإن رأى أن يحلفه حلفه احتياطاً وإن قال بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول أو قال أخرجت الزكاة عنه وقلنا إنه يجوز أن يفرق بنفسه ففيه وجهان: أحدهما يجب تحليفه لأنه
يدعى خلاف الظاهر فإن نكل عن اليمين أخذت منه الزكاة والثاني أنه يستحب تحليفه ولا تجب لأن الزكاة موضوعة على الرفق فلو أوجبنا اليمين خرجت عن باب الرفق ويبعث الساعي لزكاة الثمار والزروع في الوقت الذي يصادف فيه الإدراك ويبعث معه من يخرص الثمار فإن وصل قبل وقت الإدراك ورأى أن يخرص الثمار ويضمن رب المال زكاتها فعل وإن وصل وقد وجبت الزكاة وبذلها له أخذه ودعا له فإن كان الإمام أذن للساعي في تفرقتها فرقها وإن لم يأذن له حملها إلى الإمام والمستحب أن يسم الماشية التي يأخذها في الزكاة لما روى أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسم إبل الصدقة ولأن بالوسم تتميز عن غيره وإذا شردت ردت إلى موضعها ويستحب أن يسم التي يأخذها في زكاة الإبل والبقر في أفخاذها لأنه موضع صلب فيقل الألم بوسمه ويخف الشعر فيه فيظهر ويسم الغنم في أذنها ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة لله أو زكاة وفي ماشية الجزية جزيةً أو صغاراً لأن ذلك أسهل ما يمكن ولا يجوز للساعي وللإمام أن يتصرف فيما يحصل عنده من الفرائض حتى يوصلها إلى أهلها لأن الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز التصرف في مالهم بغير إذنهم فإن أخذ نصف شاة أو وقف عليه شيء من المواشي وخاف هلاكه أو خاف أن يؤخذ في الطريق جاز له بيعه لأنه موضع ضرورة وإن لم يبعث الإمام الساعي وجب على رب المال أن يفرق الزكاة بنفسه على المنصوص لأنه حق للفقراء والإمام نائب وإذا ترك النائب لم يترك من عليه أداءه ومن أصحابنا من قال: إن قلنا إن الأموال الظاهر يجب دفع زكاتها إلى الأمام لم يجز أن يفرق بنفسه لأنه مال توجه حق القبض فيه إلى الأمام فإذا لم يطلب الإمام لم يفرق كالخراج والجزية.
فصل: ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى1" ولأنها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة وفي وقت النية وجهان:
أحدهما يجب أن ينوي حال الدفع لأنه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة والثاني يجوز تقديم النية عليها لأنه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لأداء الوكيل فجاز تقديم النية عليها بخلاف الصلاة ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه لأن الصدقة قد تكون نفلاً فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه لأنه لو أطلق النية لكانت عن أحدهما فلم يضر تقييده بذلك فإن قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذا عن زكاته وإن لم يكن سالماً فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكاً أجزأه لأنه لو أطلق وكان الغائب هالكاً لكان هذا عن الحاضر وإن قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه لأنه لم يخلص النية للفرض ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد وإن كان له من يرثه فأخرج مالاً وقال إذا كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه لأنه لم يبن النية على أصل لأن الأصل بقاؤه وإن وكل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه لأن الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان: من أصحابنا من قال يجوز قولاً واحداً لأن الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل فتعين المدفوع للزكاة فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية ومن أصحابنا من قال يبني على جواز تقديم النية فإن قلنا يجوز أجزأه وإن قلنا لا يجوز لم يجزه وإن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان: أحدهما يجزئه وهو ظاهر النص لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية ومن أصحابنا من قال لا يجزئه وهو الأظهر لأن الإمام وكيل للفقراء ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم وتأول هذا القائل قول الشافعي رحمه الله من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهراً فإنه يجزئه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته.
فصل: ويجب صرف جميع الصدقات إلى ثمانية أصناف وهم: الفقراء والمساكين
والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل وقال المزني وأبو حفص الباب شامي: يصرف خمس الركاز إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة لأنه حق مقدر بالخمس فأشبه خمس الفيء والغنيمة وقال أبو سعيد الأصطخري: تصرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء لأنه قدر قليل فإذا قسم على ثمانية أصناف لم يقع إلى ما يدفع إلى كل واحد منهم موقعاً من الكفاية والمذهب الأول والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم فإن كان الذي يفرق كالزكاة هو الإمام قسمها على ثمانية أسهم: سهم للعامل وهو أول ما يبدأ به لأنه يأخذه على وجه العوض وغيره يأخذه على وجه المواساة فإن كان السهم قدر أجرته دفعه إليه وإن كان أكثر من أجرته رد الفضل على الأصناف وقسمه على سهامهم وإن كان أقل من أجرته تمم ومن أين يتمم؟ قال الشافعي: يتمم من سهم المصالح ولو قيل يتمم من حق سائر الأصناف لم يكن به بأس فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما يتمم من سهم سائر الأصناف لأنه يعمل لهم فكانت أجرته عليهم والثاني يتمم من سهم المصالح لأن الله تعالى جعل لكل صنف سهماً فلو قسمنا ذلك على الأصناف نقصنا حقهم وفضلنا العامل عليهم ومن أصحابنا
من قال: الإمام بالخيار إن شاء تمم من سهم المصالح وإن شاء تمم من سهامهم لأنه يشبه الحاكم لأنه يستوفي به حق الغير على وجه الأمانة ويشبه الوكيل فخير بين حقيهما ومنهم من قال: إن كان قد بدأ بنصيبه فوجده ينقص تمم من سهامهم وإن كان قد بدأ بسهام الأصناف فأعطاهم ثم وجد سهم العامل ينقص تممه من سهم المصالح لأنه يشق استرجاع ما دفع إليهم ومنهم من قال إن فضل عن قدر حاجة الأصناف شيء تمم من الفضل وإن لم يفضل عنهم شيء تمم من سهم المصالح والصحيح هو الطريق الأول ويعطي الحاشر والعريف من سهم العامل لأنهم من جملة العمال وفي أجرة الكيال وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة: على رب المال لأنها تجب للإيفاء والإيفاء حق على رب المال فكانت أجرته عليه وقال أبو إسحاق: تكون من الصدقة لأنا لو أوجبنا ذلك على رب المال زدنا على الفرض الذي وجب عليه في الزكاة.
فصل: وسهم للفقراء والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته فيدفع إليه ما تزول به حاجته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة أو بضاعة يتجر فيها حتى لو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له ويحسن التجارة فيها وجب أن يدفع إليه فإن عرف لرجل مال وادعى أنه افتقر لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه ثبت غناه فلا يقبل دعوى الفقر إلا بينة كما لو وجب عليه دين آدمي وعرف له مال فادعى الإعسار فإن كان قوياً فادعى أنه لا كسب له أعطي لما روى عبيد الله بن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة فصعد بصره إليهما وصوب ثم قال "أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيهما لغني ولا قوي مكتسب1" وهل يحلف؟ فيه وجهان أحدهما لا يحلف لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف الرجلين والثاني يحلف لأن الظاهر أنه يقدر على الكسب مع القوة
فصل: وسهم للمساكين والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعاً من كفايته إلا أنه لا يكفيه وقال أبو إسحاق: المسكين هو الذي لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته فأما الذي يجد ما يقع موقعاً من كفايته فهو الفقير والأول أظهر لأن الله تعالى بدأ بالفقراء والعرب لا تبدأ إلا بالأهم فالأهم فدل على أن الفقير أمس حاجة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً" وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر فدل على أن الفقر أشد.
فصل: ويدفع إلى المسكين تمام الكفاية فإن ادعى عيالاً لم يقبل إلا ببينة لأنه يدعي خلاف الظاهر.
فصل: وسهم للمؤلفة وهم ضربان: مسلمون وكفار فأما الكفار فضربان: ضرب يرجى خيره وضرب يخاف شره وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم وهل يعطون بعده؟ فيه قولان: أحدهما يعطون لأن المعنى الذي أعطاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يوجد بعده والثاني لا يعطون لأن الخلفاء رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعطوهم قال عمر رضي الله عنه: إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فإذا قلنا إنهم يعطون فإنهم لا يعطون من الزكاة لأن الزكاة لا حق فيها لكافر وإنما يعطون من سهم المصالح وأما المسلمون فهم أربعة أضرب: أحدها قوم لهم شرف فيعطون ليرغب نظراؤهم في الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لكل واحد منهم مائة من الإبل وهل يعطي هذان الفريقان بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيه قولان: أحدهما لا يعطون لأن الله تعالى أعز الإسلام فأغنى من التألف بالمال والثاني يعطون لأن المعنى الذي به أعطوا قد يوجد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومن أين يعطون؟ فيه قولان: أحدهما من الصدقات للآية والثاني من خمس الخمس لأن ذلك مصلحة فكان من سهم المصالح والضرب الثالث قوم يليهم قوم من الكفار إن أعطوا قاتلوهم والضرب الرابع قوم يليهم قوم من أهل الصدقات إن أعطوا جلبوا الصدقات وفي هذين الضربين أربعة أقوال: أحدها يعطون من سهم المصالح لأن ذلك مصلحة والثاني من سهم المؤلفة من الصدقات للآية والثالث من سهم الغزاة لأنهم يغزون والرابع وهو الصحيح أنهم يعطون من سهم الغزاة ومن سهم المؤلفة لأنهم جمعوا معنى الفريقين.
فصل: وسهم للرقاب وهم المكاتبون فإذا لم يكن مع المكاتب ما يؤدي في الكتابة
وقد حل عليه نجم أعطى ما يؤديه وإن كان معه ما يؤديه لم يعط لأنه غير محتاج إليه فإن لم يكن معه شيء ولا حل عليه نجم ففيه وجهان: أحدهما لا يعطى لأنه لا حاجة به إليه قبل حلول النجم والثاني يعطى لأنه يحل عليه النجم والأصل أنه ليس معه ما يؤدي فإن دفع إليه ثم أعتقه المولى أو أبرأه من المال أو عجز نفسه قبل أن يؤدي المال إلى المولى رجع عليه لأنه دفع إليه ليصرفه في دينه ولم يفعل فإن سلمه إلى المولى وبقيت عليه بقية فعجزه المولى ففيه وجهان: أحدهما لا يسترجع من المولى لأنه صرفه فيما عليه والثاني يسترجع لأنه إنما دفع إليه ذلك إقراراً على نفسه والثاني لا يقيل لأنه متهم لأنه ربما واطأه حتى يأخذ الزكاة.
فصل: وسهم للغارمين وهم ضربان: غرم لإصلاح ذات البين وضرب غرم لمصلحة نفسه فأما الأول فضربان: أحدهما من تحمل دية مقتول فيعطى مع الفقر والغنى لقوله صلى الله عليه وسلم "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة الغازي في سبيل الله أو العامل عليها أو الغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إليه1" والثاني من حمل مالاً في غير قتل لتسكين فتنة ففيه وجهان: أحدهما يعطى مع الغنى لأنه غرم لإصلاح ذات البين فأشبه إذا غرم دية مقتول والثاني لا يعطي مع الغنى لأنه مال حمله في غير قتل فأشبه إذا ضمر ثمناً في بيع وأما من غرم لمصلحة نفسه فإن كان قد أنفق في غير معصية دفع إليه مع الفقر وهل يعطى مع الغنى فيه قولان: قال في الأم: لا يعطى لأنه يأخذ لحاجته إلينا فلم يعط مع الغني كغير الغارم وقال في القديم والصدقات من الأم: يعطى لأنه غارم في غير معصية فأشبه إذا غرم لإصلاح ذات البين فإن غرم في معصية لم يعط مع الغنى وهل يعطى مع الفقر؟ ينظر فيه فإن كان مقيماً على المعصية لم يعط لأنه يستعين به على المعصية وإن تاب ففيه وجهان: أحدهما يعطى لأن المعصية قد زالت والثاني لا يعطى لأنه لا يؤمن أن يرجع إلى المعصية ولا يعطى الغارم إلا ما يقضي به الدين فإن أخذ ولم يقض به الدين أو أبرئ منه أو قضي عنه قبل تسليم المال استرجع منه وإن ادعى أنه غارم لم يقبل إلا ببينة فإن صدقه غريمه فعلى الوجهين كما ذكرنا في المكاتب إذا ادعى الكتابة وصدقة المولى.
فصل: وسهم في سبيل الله وهم الغزاة الذين إذا انشطوا غزوا فأما من كان مرتبا
في ديوان السلطان من جيوش المسلمين فإنهم لا يعطون من الصدقة بسهم الغزاة لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء ويعطى الغازي مع الفقر والغنى للخبر الذي ذكرناه في الغارم ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس إن كان فارساً وما يعطى السائس وحمولة تحمله إن كان راجلاً والمسافة مما يقصر فيها الصلاة فإن أخذ ولم يغز استرجع منه.
فصل: وسهم لابن السبيل وهو المسافر أو من ينشئ السفر وهو محتاج في سفره فإن كان سفره في طاعة أعطي ما يبلغ به مقصده وإن كان في معصية لم يعط لأن ذلك إعانة على معصية وإن كان سفره في مباح ففيه وجهان: أحدهما لا يعطى لأنه غير محتاج إلى هذا السفر والثاني يعطى لأن ما جعل رفقاً بالمسافر في طاعة الله جعل رفقاً بالمسافر في مباح كالفطر والقصر.
فصل: ويجب أن يسوى بين الأصناف في السهام ولا يفضل صنفاً على صنف لأن الله تعالى سوى بينهم والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن وأقل ما يجزى أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى أضاف إليهم بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة فإن دفع لاثنين ضمن نصيب الثالث وفي قدر الضمان قولان: أحدهما القدر المستحب وهو الثلث والثاني أقل جزء من السهم لأنه هذا القدر هو الواجب فلا يلزمه ضمان ما زاد وإن اجتمع في شخص واحد سببان ففيه ثلاثة طرق: من أصحابنا من قال لا يعطى بالسببين بل يقال له اختر أيهما شئت فنعطيك به ومنهم من قال إن كانا سببين متجانسين مثل أن يستحق بكل واحد منهما إلا بسبب واحد وإن كانا سببين مختلفين مثل أن يكون بأحدهما يستحق لحاجتنا إليه وبالآخر يستحق لحاجته إلينا أعطي بالسببين كما قلنا في الميراث إذا اجتمع في شخص واحد جهتا فرض لم يعط بهما وإن اجتمع فيه جهة فرض وجهة تعصيب أعطي بهما ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يعطى بالسببين لأن الله تعالى جعل للفقير سهماً وللغارم سهماً وهذا فقير غارم والثاني يعطى بسبب واحد لأنه شخص واحد فلا يأخذ سهمين كما لو انفرد بمعنى واحد.
فصل: وإن كان الذي يفرق الزكاة رب المال سقط سهم العامل لأنه لا عمل له فيقسم الصدقة على سبعة أصناف لكل صنف سهم على ما بيناه وإن كان في الأصناف
أقارب له لا تلزمه نفقتهم فالمستحب أن يخص الأقارب لما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الصدقة على المسلم صدقة وهي على ذي القرابة صدقة وصلة".
فصل: ويجب صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن نقل إلى الأصناف في بلد آخر ففيه قولان: أحدهما يجزئه لأنهم من أهل الصدقة فأشبه أصناف البلد الذي فيه المال والثاني لا يجزئه لأنه حق واجب لأصناف بلد ومن أصحابنا من قال القولان في جواز النقل ففي أحدهما يجوز وفي الثاني لا يجوز فأما إذا نقل فإنه يجزئه قولاً واحداً والأول هو الصحيح فإن كان له أربعون شاة عشرون في بلد وعشرون في بلد آخر قال الشافعي: إذا أخرج الشاة في أحد البلدين كرهت وأجزأه فمن أصحابنا من قال إنما أجاز ذلك على القول الذي يقول يجوز نقل الصدقة فأما على القول الآخر فلا يجوز حتى يخرج في كل بلد نصف شاة ومنهم من قال يجزئه ذلك قولاً واحداً لأن في إخراج نصف الشاة في كل بلد ضرراً في التشريك بينه وبين الفقراء والصحيح هو الأول لأنه قال كرهت وأجزأه فدل على أنه أحد القولين ولو كان قولاً واحداً لم يقل كرهت وفي الموضع الذي تنقل إليه طريقان: من أصحابنا من قال القولان فيه إذا نقل إلى مسافة تقصر فيها الصلاة فأما إذا نقل إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة فإنه يجوز قولاً واحداً لأن ذلك في حكم البلد بدليل أنه لا يجوز فيه القصر والفطر والمسح على الخفين ومنهم من قال القولان في الجميع وهو الأظهر وإن وجبت عليه الزكاة وهو من أهل الخيم الذين ينتجعون لطلب الماء والكلأ فإنه ينظر فيه فإن كانوا متفرقين كان موضع الصدقة من عند المال إلى حيث تقصر فيه الصلاة فإذا بلغ حداً تقصر فيه الصلاة لم يكن ذلك موضع
الصدقة وإن كان في حال مجتمعة ففيه وجهان: أحدهما أنه كالقسم قبله والثاني أن كل حلة كالبلد وإن وجبت الزكاة وليس في البلد الذي فيه المال أحد من الأصناف نقلها إلى أقرب البلاد إليه لأنهم أقرب إلى المال وإن وجد فيه بعض الأصناف فيدفع إلى من في بلد المال من الأصناف سهمهم وينقل الباقي إلى بقية الأصناف في غير بلد المال وهو الصحيح لأن استحقاق الأصناف أقوى لأنه ثبت بنص الكتاب واعتبار البلد ثبت بخير الواحد فقدم من ثبت حقه بنص الكتاب.
فصل: فإن قسم الصدقة على الأصناف فنقص نصيب بعضهم عن كفايتهم ونصيب الباقين على قدر كفايتهم دفع إلى كل واحد منهم ما قسم له ولا يدفع إلى من نقص سهمه عن كفايته من نصيب الباقين شيء لأن كل صنف منهم ملك سهمه فلا ينقص حقه لحاجة غيره وإن كان نصيب بعضهم ينقص عن كفايته ونصيب البعض يفضل عن كفايته فإن قلنا إن المغلب اعتبار البلد الذي فيه المال صرف ما فضل إلى بقية الأصناف في البلد وإن قلنا إن المغلب اعتبار الأصناف صرف الفاضل إلى ذلك الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد.
فصل: وإن وجبت عليه الفطرة وهو في بلد وماله فيه وجب إخراجها إلى الأصناف في البلد وإن مصرفها مصرف سائر الزكوات وإن كل ماله في بلد وهو في بلد آخر ففيه وجهان: أحدهما أن الاعتبار بالبلد الذي فيه المال والثاني أن الاعتبار بالبلد الذي هو فيه لأن الزكاة تتعلق بعينه فاعتبر الموضع الذي هو فيه كالمال في سائر الزكوات.
فصل: وإذا وجبت الزكاة لقوم معينين في بلد فلم يدفع إليهم حتى مات بعضهم انتقل حقه إلى ورثته لأنه تعين حقه في حال الحياة فانتقل بالموت إلى ورثته.
فصل: ولا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي لقوله صلى الله عليه وسلم "نحن أهل بيت لا تحل لنا الصدقة1" ولا يجوز دفعها إلى مطلبي لقوله صلى الله عليه وسلم "إن بني هاشم وبني المطلب شيء
واحد" وشبك بين أصابعه ولأنه حكم متعلق بذوي القربى فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي كاستحقاق الخمس وقال أبو سعيد الاصطخري: إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم والمذهب الأول لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس وفي مواليهم وجهان: أحدهما يدفع إليهم والثاني لا يدفع وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل.
فصل: ولا يجوز دفعها إلى كافر لقوله عليه الصلاة والسلام "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم".
فصل: ولا يجوز دفعها إلى غني من سهم الفقراء لقوله صلى الله عليه وسلم "لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب".
فصل: ولا يجوز دفعها إلى من يقدر على كفايته بالكسب للخبر ولأن غناه بالكسب كغناه بالمال.
فصل: ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم الفقراء لأن ذلك إنما جعل للحاجة ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة.
فصل: فإن دفع الإمام الزكاة إلى من ظاهره الفقر ثم بان أنه غني لم يجزه ذلك عن الفرض فإن كان باقياً استرجع منه ودفع إلى فقير وإن كان فائتاً أخذ للبدل وصرف إلى فقير فإن لم يكن للمدفوع إليه مال لم يجب على رب المال ضمانه لأنه قد سقط الفرض عنه بالدفع إلى الإمام ولا يجب على الإمام لأنه أمين غير مفرط فهو كالمال الذي يتلف في يد الوكيل وإن كان الذي دفع إليه رب المال فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة واجبة لم يكن له أن يرجع لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع فإذا ادعى الزكاة كان متهماً فلم يقبل قوله ويخالف الإمام فإن الظاهر من حاله أنه لا يدفع إلا الزكاة
فثبت له الرجوع وإن كان قد بين أنها زكاة رجع فيها إن كانت باقية وفي بدلها إن كانت فائتة فإن لم يكن له للمدفوع إليه مال فهل يضمن رب المال الزكاة؟ فيه قولان: أحدهما لا يضمن لأنه دفع إليه بالاجتهاد كالإمام والثاني يضمن لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض بيقين بأن يدفعها إلى الإمام فإذا فرط بنفسه فقد فرط فلزمه الضمان بخلاف الإمام وإن دفع الزكاة إلى رجل ظنه مسلماً وكان كافراً أو إلى رجل ظنه حراً فكان عبداً فالمذهب أن حكمه حكم ما لو دفع إلى رجل ظنه فقيراً فكان غنياً ومن أصحابنا من قال يجب الضمان ههنا قولاً واحداً لأن حال الكافر والعبد الكافر لا يخفى فكان مفرطاً في الدفع إليهما وحال الغني قد يخفى فلم يكن مفرطاً.
فصل: ومن وجبت عليه الزكاة وتمكن من أدائها فلم يفعل حتى مات وجب قضاء ذلك من تركته لأنه حق مال لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي فإن اجتمع مع الزكاة دين آدمي ولم يتسع المال للجميع ففيه ثلاثة أقوال: أحدها يقدم دين الآدمي لأنه مبناه على التشديد والتأكيد وحق الله تعالى مبني على التخفيف ولهذا لو وجب عليه قتل قصاص وقتل ردة فدم قتل القصاص والثاني تقدم الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحج "فدين الله عز وجل أحق أن يقضى" والثالث أنه يقسم بينهما لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء وبالله التوفيق.
باب صدقة التطوع
لا يجوز أن يتصدق بصدقة تطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقة عياله لما روى أبو هريرة رضي الله عنه "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عندي دينار قال: أنفقه على نفسك قال: عندي آخر قال أنفقه على ولدك قال: عندي آخر قال أنفقه على أهلك قال: عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال عندي آخر قال أنت أعلم به1" وقال صلى الله عليه وسلم "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت2" ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق لقوله صلى الله عليه وسلم "وليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من صاع بره وليتصدق من صاع تمره3" وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ أسقاه الله تعالى من الرحيق المختوم يوم القيامة ومن كسى مؤمناً عارياً كساه الله تعالى من خضر الجنة" ويستحب الإكثار منه في شهر رمضان لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان فإن كان ممن يصبر على الإضاقة استحب له التصدق بجميع ماله لما روى عمر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟ " فقلت: أبقيت لهم مثله وأتى أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك" فقال: أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء أبداً وإن كان ممن لا يصبر على الإضافة كره له ذلك لما روى جابر قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المغازي فأتاه من ركنه الأيسر فقال: يا رسول الله خذها صدقة فوالله ما أصبحت أملك مالاً غيرها فأعرض عنه ثم جاءه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ثم جاءه من بين يديه فقال له مثل ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "هاتها مغضباً فحذفه بها حذفة لو أصابه لأوجعه أو عقره ثم قال يأتي أحدكم بماله كله فيتصدق به ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى".
فصل: والأفضل أن يخص بالصدقة الأقارب لقوله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" وفعلها في السر أفضل لقوله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] ولما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلة الرحم تزيد
في العمر وصدقة السر تطفيء غضب الرب وصنائع المعروف تقي مصارع السوء1" وتحل صدقة التطوع للأغنياء ولبني هاشم ولبني المطلب لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنهما انه كان يشرب من سقايا بين مكة والمدينة فقيل له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة.