كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب الأضحية
الأضحية سنة لما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين قال أنس: وأنا أضحي بهما وليست بواجبة لما روي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يرى ذلك واجباً.
فصل: ويدخل وقتها إذا مضى بعد دخول وقت صلاة الأضحى قدر ركعتين وخطبتين فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة فقال: "من صلى صلاتنا هذه ونسك نسكنا فقد أصاب سنتنا ومن نسك قبل صلاتنا فذلك شاة لحم فليذبح مكانها1" واختلف أصحابنا في مقدار الصلاة فمنهم من اعتبر قدر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ركعتان يقرأ فيهما (ق - واقتربت الساعة) وقدر خطبتيه ومنهم من اعتبر قدر ركعتين خفيفتين وخطبتين خفيفتين ويبقى
وقتها إلى آخر أيام التشريق لما روى جيبر بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أيام التشريق أيام ذبح" فإن لم يضح حتى مضت أيام التشريق نظرت فإن كان ما يضحي تطوعاً لم يصح لأنه ليس بوقت لسنة الأضحية وإن كان نذر لزمه أن يضحي لأنه وجب عليه ذبحه فلم يسقط بفوات الوقت.
فصل: ومن دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي فالمستحب أن لا يحلق شعره ولا يقلم أظفاره حتى يضحي لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده ذبح يريد أن يذبحه فرأى هلال ذي الحجة فلا يمس من شعره ولا من أظافره شيء حتى يضحي" ولا يجب عليه ذلك لأنه ليس بمحرم فلا يحرم عليه حلق الشعر ولا تقليم الظفر.
فصل: ولا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقوله عز وجل: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:34] ولا يجزئ فيها إلا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والإبل والبقر لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعاً من الضأن1" وعن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذع من الضأن وعن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذع من الضأن وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا تضحوا بالجذع من المعز والإبل والبقر ويجوز فيها الذكر والأنثى لما روت أم كرز عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً2" وإذا جاز ذلك في العقيقة بالخبر دل على جوازه في الأضحية ولأن لحم الذكر أطيب ولحم الأنثى أرطب.
فصل: والبدنة أفضل من البقرة لأنها أعظم والبقرة أفضل من الشاة لأنها بسبع من الغنم والشاة أفضل من مشاركة سبعة في بدنة أو بقرة لأنه يتفرد بإراقة دم والضأن
أفضل من المعز لما روى عبادة ابن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير الأضحية الكبش الأقرن1" وقالت أم سلمة رضي الله عنها: لأن أضحي بالجذع من الضأن أحب إلي من أن أضحي بالمسنة من المعز ولأن لحم الضان أطيب والسمينة أفضل من غير السمينة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:32] قال: تعظيمها استسمانها واستحسانها وخطب علي رضي الله عنه قال ثنياً فصاعداً واستسمن فإن أكلت أكلت طيباً وإن أطعمت أطعمت طيباً والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين والأملح الأبيض وقال أبو هريرة: دم البيضاء في الأضحية أفضل من دم سوداوين وقال ابن عباس: تعظيمها استحسانها والبيض أحسن.
فصل: ولا يجزئ ما فيه عيب ينقص اللحم كالعوراء والعمياء والجرباء والعرجاء التي تعجز عن المشي في المرعى لما روى البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجزئ في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التي لا تنقى1" فنص على هذه الأربعة لأنها تنقص اللحم فدل على أن كل ما ينقص اللحم لا يجوز ويكره أن يضحي بالجلحاء وهي التي لم يخلق لها قرن وبالقصماء وهي التي انكسر غلاف قرنها وبالعضباء وهي التي انكسر قرنها وبالشرقاء 1رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب 31.
الترمذي في كتاب الأضاحي باب 17.
ابن ماجه في كتاب الأضاحي باب 4.
وهي التي انتقيت من الكي أذنها وبالخرقاء وهي التي تشق أذنها بالطول لأن ذلك كله يشينها وقد روينا عن ابن عباس رضي الله أن تعظيمها استحسانها فإن ضحى بما ذكرناه أجزأه لأن ما بها لا ينقص من لحمها فإن نذر أن يضحي بحيوان فيه عيب يمنع الأجزاء كالجرب وجب عليه ذبحه ولا يجزئه عن الأضحية فإن زال العيب قبل أن يذبح لم يجزه عن الأضحية لأنه أزال الملك فيها بالنذر وهي لا تجزئ فلم يتغير حكمها بما يحدث فيها كما لو أعتق في الكفارة عبداً أعمى ثم صار بعد العتق بصيراً.
فصل: والمستحب أن يضحي بنفسه لحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر ويجوز أن يستنيب غيره لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً رضي الله عنه فنحر ما غبر منها والمستحب أن لا يستنيب إلا مسلماً لأنه قربة فكان الأفضل أن لا يتولاها كافر ولأنه يخرج بذلك من الخلاف لأن عند مالك رحمه الله لا يجزئه ذبحه فإن استناب يهودياً أو نصرانياً جاز لأنه من أهل الذكاة ويستحب أن يكون عالماً لأنه أعرف بسنة الذبح والمستحب أنه إذا استناب غيره أن يشهد الذبح لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: "قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضحوا وطيبوا أنفسكم فإنه ما من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها وفرتها وصوفها حسنات في ميزانه يوم القيامة" ولأنها قربة لابد فيها من جهة فكانت القبلة فيها أولى ويستحب أن يسمي الله تعالى لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى وكبر والمستحب أن يقول اللهم تقبل مني لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليجعل أحدكم ذبيحته بينه وبين القبلة ثم يقول: من الله وإلى الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا ضحى قال: من الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل مني.
فصل: وإذا نحر الهدي أو الأضحية نظرت فإن كان تطوعاً فالمستحب أن يأكل منه لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلها في قدر فطبخت فأكل من
لحمها وشرب من مرقها ولا يجب ذلك لقوله عز وجل: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:36] فجعلها لنا وما هو للإنسان فهو مخير بين أكله وبين تركه وفي القدر الذي يستحب أكله قولان: قال في القديم: يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله عز وجل: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:28] فجعلها بين اثنين فدل على أنها بينهما نصفين وقال في الجديد: يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث لقوله عز وجل: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:36] وقال الحسن: القانع الذي يسألك والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك وقال مجاهد: القانع الجالس في بيته والمعتر الذي يسألك فجعلها بين ثلاثة فدل على أنها بينهم أثلاثاً وأما القدر الذي يجوز أن يؤكل ففيه وجهان: قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن القاص: يجوز أن يأكل الجميع لأنها ذبيحة يجوز أن يأكل منها فجاز أن يأكل جميعها كسائر الذبائح وقال عامة أصحابنا: يجب أن يبقى منها قدر ما يقع عليه اسم الصدقة لأن القصد منها القربة فإذا أكل الجميع لم تحصل القربة له فإن أكل الجميع لم يضمن على قول أبي العباس وابن القاص ويضمن على قول سائر أصحابنا وفي القدر الذي يضمن وجهان: أحدهما يضمن أقل ما يجزئ في الصدقة والثاني يضمن القدر المستحب وهو الثلث في أحد القولين والنصف في الآخر بناء على القولين فيمن فرق سهم الفقراء على اثنين وإن كان نذراً نظرت فإن كان قد عينه عما في ذمته لم تجز أن يأكل منه لأنه بدل عن واجب فلم يجز أن يأكل منه كالدم الذي يجب بترك الإحرام من الميقات وإن كان نذر مجازاة
كالنذر لشفاء المريض وقدوم الغائب لم يجز أن يأكل منه لأنه جزاء فلم يجز أن يأكل منه كجزاء الصيد فإن أكل شيئاً منه ضمنه وفي ضمانه ثلاثة أوجه: أحدها يلزمه قيمة ما أكل كما لو أكل منه أجنبي والثاني يلزمه مثله من اللحم لأنه لو أكل جميعه ضمنه بمثله فإذا أكل بعضه ضمنه بمثله والثالث يلزمه أن يشتري جزءاً من حيوان مثله ويشارك في ذبحه وإن كان نذراً مطلقاً ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه لا يجوز أن يأكل منه لأنه إراقة دم واجب فلا يجوز أن يأكل منه كدم الطيب واللباس والثاني يجوز لأن مطلق النذر يحمل على ما تقرر في المشرع والهدي والأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها فحمل النذر عليه والثالث أنه إن كان أضحية جاز أن يأكل منها لأن الأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها وإن كان هدياً لم يجز أن يأكل منه لأن أكثر الهدايا في الشرع لا يجوز الأكل منها فحمل النذر عليها.
فصل: ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية نذراً كان أو تطوعاً لما روي عن علي كرم الله وجهه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة فأقسم جلالها وجلودها وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئاً وقال: نحن نعطيه من عندنا ولو جاز أخذ العوض منه لجاز أن يعطي الجازر منها في أجرته ولأنه إنما أخرج ذلك قربة فلا يجوز أن يرجع إليه ما رخص فيه وهو الأكل.
فصل: ويجوز أن ينتفع بجلدها فيضع منه النعال والخفاف والفراء لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: دفت دافة من أهل البادية حضرة الأضحى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي" فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟ " قالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وتصدقوا وادخروا" فدل على أنه يجوز اتخاذ الأسقية منها.
فصل: ويجوز أن يشترك سبعة في بدنة وفي البقرة لما روى جابر رضي الله عنه
قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وإن اشترك جماعة في بدنة أو بقرة وبعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد القربة جاز لأن كل سبع منها قائم مقام الشاة فإن أرادوا القسمة وقلنا إن القسمة فرز النصيبين قسم بينهم وإن قلنا إن القسمة بيع لم تجز القسمة فيملك من يريد القربة نصيبه لثلاثة من الفقراء فيصيرون شركاء لمن يريد اللحم فإن شاءوا باعوا نصيبهم ممن يريد اللحم وإن شاءوا باعوا من أجنبي وقسموا الثمن وقال أبو العباس بن القاص: تجوز قولاً واحداً لأنه موضع ضرورة لأن بيعه لا يمكن وهذا خطأ لأنا بينا أنه يمكن البيع فلا ضرورة بهم إلى القسمة.
فصل: إذ نذر أضحية بعينها فالحكم فيها كالحكم في الهدي المنذور في ركوبها وولدها ولبنها وجز صوفها وتلفها وإتلافها وذبحها ونقصانها بالعيب وقد بينا ذلك في الهدي فأغنى عن الإعادة والله أعلم.
باب العقيقة
العقيقة سنة وهو ما يذبح عن المولود لما روى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين عليهما السلام ولا يجب ذلك لما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك له فليفعل1" فعلق على المحبة فدل على أنها لا تجب ولأنه إراقة دم من غير جناية ولا نذر فلم يجب كالأضحية والسنة أن يذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة لما روت أم كرز قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: "للغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" ولأنه إنما شرع للسرور بالمولود والسرور بالغلام أكثر فكان الذبح عنه أكثر وإن ذبح عن كل واحد منهما شاة جاز لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين عليهما السلام كبشاً كبشاً ولا يجزئ فيه ما دون الجذعة من الضأن ودون الثنية من المعز ولا يجزئ فيه إلا السليم من العيوب لأنه إراقة دم بالشرع فاعتبر فيه ما ذكرناه كالأضحية والمستحب أن يسمي الله تعالى ويقول اللهم
لك وإليك عقيقة فلان لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين وقال: "قولوا بسم الله اللهم لك وإليك عقيقة فلان" والمستحب أن يفصل أعضاءها ولا يكسر عظمها لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: السنة شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تطبخ جدولاً ولا يكسر عظم ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع ولأنه أول ذبيحة فاستحب أن لا يكسر عظم تفاؤلاً بسلامة أعضائه ويستحب أن يطبخ من لحمها طبيخاً حلواً تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه.
فصل: ويستحب أن يأكل منها ويهدي ويتصدق لحديث عائشة ولأنه إراقة دم مستحب فكان حكمها ما ذكرناه كالأضحية.
فصل: والسنة أن يكون ذلك في اليوم السابع لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين عليهما السلام يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى فإن قدمه على اليوم السابع أو أخره أجزأه لأنه فعل ذلك بعد وجود السبب والمستحب أن يحلق شعره بعد الذبح لحديث عائشة ويكره أن يترك على بعض رأسه الشعر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع في الرأس والمستحب أن يلطخ رأسه بالزعفران ويكره أن يلطخ بدم العقيقة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا مكان الدم خلوقاً.
فصل: ويستحب لمن ولد له ولد أن يسميه بعبد الله أو عبد الرحمن لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن1" ويكره أن يسمى نافعاً وبشاراً ونجيحاً ورباحاً أو أفلح وبركة لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسمين غلامك أفلح ولا نجيحاً ولا بشاراً ولا رباحاً فإنك إذا قلت أثم هو قالوا لا2" ويكره أن يسمي باسم قبيح فإن سمي باسم قبيح غيره لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية وقال أنت جميلة ويستحب لمن ولد له ولد أن يؤذن في أذنه لما روى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة عليهما السلام بالصلاة ويستحب أن يحنك المولود بالتمر لما روى أنس قال: ذهبت بعبد الله ابن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد فقال: هل معك تمر؟ قلت: نعم فناولته تمرات فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حب الأنصار التمر" وسماه عبد الله.
باب النذر
ويصح النذر من كل مسلم بالغ عاقل فأما الكافر فلا يصح نذره ومن أصحابنا من قال يصح نذره لما روي أن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك" والمذهب الأول لأنه سبب وضع
لإيجاب القربة فلم يصح من الكافر كالإحرام وأما الصبي والمجنون فلا يصح نذرهما لقوله صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" ولأنه إيجاب حق بالقول فلا يصح من الصبي والمجنون كضمان المال.
فصل: ولا يصح النذر إلا بالقول وهو أن يقول لله علي كذا فإن قال علي كذا ولم يقل لله صح لأن القربة لا تكون إلا لله تعالى فحمل الإطلاق عليه وقال في القديم: إذا أشعر بدنة أو قلدها ونوى أنها هدي أو أضحية صارت هدياً أو أضحية لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر بدنة وقلدها ولم ينقل أنه قال: إنها هدي وصارت هدياً وخرج أبو العباس وجهاً آخر أنه يصير هدياً أو أضحية بمجرد النية ومن أصحابنا من قال: إن ذبح ونوى صار هدياً أو أضحية والصحيح هو الأول لأنه إزالة ملك يصح بالقول فلم يصح بغير القول مع القدرة عليه كالوقف والعتق ولأنه لو كتب على دار أنها وقف أو على فرس أنها في سبيل الله لم تصر وقفاً فكذلك ههنا.
فصل: ويجب بالنذر جميع الطاعات المستحبة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه1" وأما المعاصي كالقتل والزنا وصوم يوم العيد وأيام الحيض والتصدق بما لا يملكه فلا يصح نذرها لما روى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم" ولا يلزمه بنذره كفارة وقال الربيع: إذا نذرت المرأة صوم أيام الحيض وجبت عليها كفارة يمين ولعله خرج ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: "كفارة النذر كفارة يمين2" والمذهب الأول والحديث متأول فأما المباحات كالأكل والشرب فلا تلزم بالنذر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل قائم في الشمس لا يستظل فسأل عنه فقيل هذا ابن اسرائيل نذر أن يقف ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال: "مروه فليقعد وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
فصل: فإن نذر طاعة نظرت فإن علق ذلك على إصابة خير أو دفع سوء فأصاب
الخير أو دفع السوء عنه لزمه الوفاء بالنذر لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ركبت في البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهراً فماتت قبل أن تصوم فأتت أختها أو أمها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصوم عنها فإن لم يعلقه على شيء بأن قال لله علي أن أصوم أو أصلي ففيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه وهو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه1" والثاني لا يلزمه وهو قول أبي إسحاق وأبي بكر الصيرفي لأنه التزام من غير عوض فلم يلزمه بالقول كالوصية والهبة وإن نذر طاعة في لجاج وغضب بأن قال إن كلمت فلاناً فعلي كذا فكلمه فهو بالخيار بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين لما روى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كفارة النذر كفارة يمين2" ولأنه يشبه من حيث إنه قصد المنع والتصديق ويشبه النذر من حيث إنه التزم قربة في ذمته فخير بين موجبهما ومن أصحابنا من قال: إن كانت القربة حجاً أو عمرة لزمه الوفاء به لأن ذلك يلزم بالدخول فيه بخلاف غيره والمذهب الأول لأن العتق أيضاً يلزم إتمامه بالتقويم ثم لا يلزمه.
فصل: إذا نذر أن يصدق بماله لزمه أن يتصدق بالجميع لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر نذراً أن يطيع الله فليطعه" فإن نذر أن يعتق رقبة ففيه وجهان: أحدهما يجزئه ما يقع عليه من الاسم اعتباراً بلفظه والثاني لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة لأن الرقبة التي يجب عتقها بالشرع ما تجب في الكفارة فحمل النذر عليه فإن نذر أن يعتق رقبة بعينها لزمه أن يعتقها ولا يزول ملكه عنها حتى يعتقها فإن أراد بيعها أو إبدالها بغيرها لم يجز لأنه تعين للقربة فلا يملك بيعه كالوقف وإن تلف أو أتلفه لم يلزمه بدله لأن الحق للعبد فسقط بموته فإن أتلفه أجنبي وجبت عليه القيمة للمولى ولا يلزمه صرفها في عبد آخر لما ذكرناه.
فصل: وإن نذر هدياً نظرت فإن سماه كالثوب والعبد والدار لزمه ما سماه وإن أطلق الهدي ففيه قولان: قال في الإملاء والقديم: يهدي ما شاء لأن اسم الهدي يقع عليه
ولهذا يقال أهديت له داراً وأهدى لي ثوباً وأن الجميع يسمى قرباناً ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" فإذا سمي قرباناً وجب أن يسمى هدياً وقال في الجديد: لا يجزئه إلا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والإبل والبقر لأن الهدي المعهود في الشرع ما ذكرناه فحمل مطلق النذر عليه وإن نذر بدنة أو بقرة أو شاة فإن قلنا بالقول الأول أجزأه من ذلك ما يقع عليه الاسم وإن قلنا بالقول الثاني لم يجزه إلا ما يجزئ في الأضحية وإن نذر شاة فأهدى بدنة أجزأه لأن البدنة بسبع من الغنم وهل يجب الجميع؟ فيه وجهان: أحدهما أن الجميع واجب لأنه مخير بين الشاة والبدنة فأيهما فعل كان واجباً كما تقول في العتق والإطعام في كفارة اليمين والثاني أن الواجب هو السبع لأن كل سبع منها بشاة فكان الواجب هو السبع وإن نذر بدنة وهو واجد للبدنة ففيه وجهان: أحدهما أنه مخير بين البدنة والبقرة والسبع من الغنم لأن كل واحد من الثلاثة قائم مقام الآخر والثاني أنه لا يجزئه غير البدنة لأنه عينها بالنذر وإن كان عادماً للبدنة انتقل إلى البقر فإن لم يجد بقرة انتقل إلى سبع من الغنم ومن أصحابنا من قال لا يجزئه غير البدنة فإن لم يجد ثبتت في ذمته إلى أن يجد لأنه التزم ذلك بالنذر والمذهب الأول لأنه فرض له بدل فانتقل عند العجز إلى بدله كالوضوء.
فصل: فإن نذر الهدي للحرم لزمه في الحرم وإن نذر لبلد آخر لزمه في البلد الذي سماه لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا المكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال: لصنم قالت لا قال: لوثن قالت: لا قال: أوفي بنذرك" فإن نذر لأفضل بلد لزمه بمكة لأنها أفضل البلاد والدليل عليه ما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته: "أي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: بلدنا هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا1" ولأن مسجدها أفضل المساجد فدل على أنها أفضل البلاد وإن أطلق النذر ففيه وجهان: أحدهما يجوز حيث
شاء لأن الاسم يقع عليه والثاني لا يجوز إلا في الحرم لأن الهدي المعهود في الشرع هو الهدي في الحرم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:95] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:33] فحمل مطلق النذر عليه فإن كان قد نذر الهدي لرتاج الكعبة أو عمارة مسجد لزمه صرفه فيما نذر فإن أطلق ففيه وجهان: أحدهما أن له أن يصرفه فيما شاء من وجوه القرب في ذلك البلد الذي نذر الهدي فيه لأن الاسم يقع عليه والثاني أنه يفرقه على مساكين البلد الذي نذر أن يهدي إليه لأن الهدي المعهود في الشرع ما يفرق على المساكين فحمل مطلق النذر عليه وإن كان ما نذره مما لا يمكن نقله كالدار باعه ونقل ثمنه إلى حيث نذر.
فصل: وإن نذر النحر في الحرم ففيه وجهان: أحدهما يلزمه النحر دون التفرقة لأنه نذر أحد مقصودي الهدي فلم يلزمه الآخر كما لو نذر التفرقة والثاني يلزمه النحر والتفرقة وهو الصحيح لأنه نحر الهدي في الحرم في عرف الشرع ما يتبعه التفرقة فحمل مطلق النذر عليه وإن نذر النحر في بلد غير الحرم ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأن النحر في غير الحرم ليس بقربة يلزمه بالنذر والثاني يلزمه النحر والتفرقة لأن النحر على وجه القربة لا يكون إلا للتفرقة فإذا نذر النحر تضمن التفرقة.
فصل: وإن نذر صلاة لزمه ركعتان في أظهر القولين لأن أقل صلاة واجبة في الشرع ركعتان فحمل النذر عليه وتلزمه ركعة في القول الآخر لأن الركعة صلاة في الشرع وهي الوتر فلزمه ذلك وإن نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى جاز له أن يصلي في غيره لأن ما سوى المساجد الثلاثة في الحرمة والفضيلة واحدة فلم يتعين بالنذر وإن نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه فعلها فيه لأنه يختص بالنسك والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره والدليل عليه ما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا" فلا يجوز أن يسقط ما نذره
بالصلاة في غيره وإن نذر الصلاة في مسجد المدينة أو المسجد الأقصى ففيه قولان: أحدهما يلزمه لأنه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه فأشبه المسجد الحرام والثاني لا يلزمه لأنه لا يجب قصده بالنسك فلا تتعين الصلاة فيه بالنذر كسائر المساجد فإن قلنا يلزمه فصلى في المسجد الحرام أجزأه عن النذر لأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل فسقط به فرض النذر وإن نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فصلى في مسجد المدينة أجزأه لما روى جابر رضي الله عنه أن رجلاً قال: "يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين فقال: صل ههنا فأعاد عليه فقال: صل ههنا ثم أعاد عليه فقال: شأنك" ولأن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في بيت المقدس فسقط به فرض النذر.
فصل: وإن نذر الصوم لزمه صوم يوم لأن أقل الصوم يوم وإن نذر صوم سنة بعينها لزمه صومها متتابعاً كما يلزمه صوم رمضان متتابعاً فإذا جاء رمضان صام عن رمضان لأنه مستحق بالشرع ولا يجوز أن يصوم فيه عن النذر ولا يلزمه قضاؤه عن النذر لأنه لم يدخل في النذر ويفطر في العيدين وأيام التشريق لأنه مستحق للفطر ولا يلزمه قضاؤها لأنه لم يتناولها النذر وإن كانت امرأة فحاضت فهل يلزمها القضاء؟ فيه قولان: أحدهما لا يلزمها لأنه مستحق للفطر فلا يلزمها قضاؤه كأيام العيد والثاني يلزمها لأن الزمان محل للصوم وإنما تفطر هي وحدها فإن أفطر فيه لغير عذر نظرت فإن لم يشترط فيه التتابع أثم ما بقي لأن التتابع فيه يجب على الصائم في رمضان وإن شرط التتابع لزمه أن يستأنف لأن التتابع لزمه بالشرط فبطل بالفطر كصوم الظهار وإن أفطر لمرض وقد شرط التتابع ففيه قولان أحدهما: ينقطع التتابع لأنه أفطر باختياره والثاني لا ينقطع لأنه أفطر بعذر فأشبه الفطر بالحيض فإن قلنا لا ينقطع التتابع فهل يجب القضاء فيه وجهان بناء على القولين في الحائض وقد بيناه وإن أفطر بالسفر فإن قلنا إنه ينقطع التتابع بالمرض فالسفر أولى وإن قلنا لا ينقطع بالمرض ففي السفر وجهان: أحدهما لا ينقطع لأنه أفطر بعذر فهو كالفطر بالمرض والثاني ينقطع لأن سببه باختياره بخلاف
المرض وإن نذر سنة غير معينة فإن لم يشترط التتابع جاز متتابعاً ومتفرقاً لأن الاسم يتناول الجميع فإن صام شهوراً بالأهلة وهي ناقصة أجزأه لأن الشهور في الشرع بالأهلة وإن صام سنة متتابعة لزمه قضاء رمضان وأيام العيد لأن الفرض في الذمة فانتقل فيما لم يسلم منه إلى البدل كالمسلم فيه إذا رد بالعيب ويخالف السنة المعينة فإن الفرض فيها يتعلق بمعين فلم ينتقل فيما لم يسلم إلى البدل كالسلعة المعينة إذا ردها العيب وأما إذا شرط فيها التتابع فإنه يلزمه صومها متتابعاً على ما ذكرناه.
فصل: وإن نذر أن يصوم في كل اثنين لم يلزمه قضاء أثانين رمضان لأنه يعلم أن رمضان لا بد فيه من الأثانين فلا يدخل في النذر فلم يجب قضاؤها وفيما يوافق منها أيام العيد قولان: أحدهما لا يجب وهو قول المزني قياساً على ما يوافق رمضان والثاني يجب لأنه نذر ما يجوز أن لا يوافق أيام العيد فإذا وافق لزمه القضاء وإن لزمه صوم الأثانين بالنذر ثم لزمه صوم شهرين متتابعين في كفارة بدأ بصوم الشهرين ثم يقضي صوم الأثانين لأنه إذا بدأ بصوم الشهرين يمكنه بعد الفراغ من الشهرين أن يقضي صوم الأثانين وإذا بدأ بصوم الأثانين لم يمكنه أن يقضي صوم الشهرين فكان الجمع بينهما أولى فإذا فرغ من صوم الشهرين لزمه قضاء صوم الأثانين لأنه لم يمكنه صيامها وإنما تركه لعارض فلزمه القضاء كما لو تركه لمرض وإن وجب عليه صوم الشهرين ثم نذر صوم الأثانين بدأ بصوم الشهرين ثم يقضي صوم الأثانين كما قلنا فيما تقدم ومن أصحابنا من قال لا يجب القضاء لأنه استحق صيامه عن الكفارة فلا يدخل في النذر والمذهب الأول أنه يلزمه لأنه كان يمكنه صومه عن النذر فإذا صامه عن غيره لزمه القضاء.
فصل: وإن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان ففيه قولان: أحدهما نذره لأنه يمكنه أن يتحرى اليوم الذي يقدم فيه فينوي صيامه من الليل فإذا قدم صار ما صامه قبل القدوم تطوعاً وما بعده فرضاً وذلك يجوز كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه والثاني لا يصح نذره لأنه لا يمكنه الوفاء بنذره لأنه إن قدم بالنهار فقد مضى جزء منه وهو فيه غير صائم وإن تحرى اليوم الذي يقدم فيه فنوى من الليل فقدم في أثناء النهار كان ما قبل القدوم تطوعاً وقد أوجب صوم جميعه بالنذر فإن قلنا إنه يصح نذره فقدم ليلاً لم يلزمه لأن الشرط أن يقدم نهاراً وذلك لم يوجد فإن قدم نهاراً وهو مفطر لزمه قضاؤه وإن قدم نهاراً وهو صائم عن تطوع لم يجزه عن النذر لأنه لم ينو من أوله وعليه أن يقضيه وإن عرف أنه يقدم غداً فنوى الصوم من الليل عن النذر صح عن النذر
ويكون أوله تطوعاً والباقي فرضاً فإن اجتمع في يوم نذران بأن قال إن قدم زيد فلله علي أن أصوم اليوم الذي يلي يوم مقدمه وإن قدم عمرو فلله علي أن أصوم أول خميس بعده فقدم زيد وعمرو يوم الأربعاء لزمه صوم يوم الخميس عن أول نذر نذره ثم يقضي عن الآخر.
فصل: وإن نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه فلان صح النذر فإن قدم ليلاً لم يلزمه شيء لأن الشرط لم يوجد وإن قدم نهاراً لزمه اعتكاف بقية النهار وفي قضاء ما فات وجهان: أحدهما يلزمه وهو اختيار المزني والثاني لا يلزمه وهو المذهب لأن ما مضى قبل القدوم لم يدخل في النذر فلا يلزمه قضاؤه وإن قدم وهو محبوس أو مريض فالمنصوص أنه يلزمه القضاء لأنه فرض وجد شرطه في حال المرض فبقي في الذمة كصوم رمضان وقال القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري: لا يلزمه لأن ما لا يقدر عليه لا يدخل في النذر كما لو نذرت المرأة صوم يوم بعينه فحاضت فيه.
فصل: وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه المشي إليه بحج أو عمرة لأنه لا قربة في المشي إليه إلا بنسك فحمل مطلق النذر عليه ومن أي موضع يلزمه المشي والإحرام؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يلزمه أن يحرم ويمشي من دويرة أهله لأن الأصل في الإحرام أن يكون من دويرة أهله وإنما أجيز تأخيره إلى الميقات رخصة فإذا أطلق النذر حمل الأصل وقال عامة أصحابنا: يلزمه الإحرام والمشي من الميقات لأن مطلق كلام الآدمي يحمل على المعهود في الشرع والمعهود هو من الميقات فحمل النذر عليه فإن كان معتمراً لزمه المشي إلى أن يفرغ وإن كان حاجاً لزمه المشي إلى أن يتحلل التحلل الثاني لأن بالتحلل الثاني يخرج من الإحرام فإن فاته لزمه القضاء ماشياً لأن فرض النذر يسقط بالقضاء فلزمه المشي فيه كالأداء وهل يلزمه أن يمشي في فائتة؟ فيه قولان: أحدهما يلزمه لأنه لزمه بحكم النذر فلزمه المشي فيه كما لو لم يفته والثاني لا يلزمه لأن فرض النذر لا يسقط به وإن نذر المشي فركب وهو قادر على المشي لزمه دم لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: "إن الله لغني عن نذر أختك لتركب ولتهد بدنة" ولأنه صار بالنذر نسكاً واجباً فوجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات وإن لم يقدر على المشي فله أن يركب لأنه إذا جاز أن يترك القيام الواجب في الصلاة للعجز جاز أن يترك المشي فإن ركب فهل يلزمه دم؟ فيه قولان: أحدهما لا يلزمه لأن حال
العجز لم يدخل في النذر والثاني يلزمه لأن ما وجب به الدم لم يسقط الدم فيه بالمرض كالطيب واللباس وإن نذر أن يركب إلى بيت الله الحرام فمشى لزمه دم لأنه ترفه بترك مؤنة الركوب وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لا حاجاً ولا معتمراً ففيه وجهان: أحدهما لا ينعقد نذره لأن المشي في غير نسك ليس بقربة فلم ينعقد كالمشي إلى غير البيت والثاني ينعقد نذره ويلزمه المشي بحج أو عمرة لأنه لما نذر المشي لزمه المشي بنسك ثم رام إسقاطه فلم يسقط وإن نذر المشي إلى بيت الله ولم يقل الحرام ولا نواه فالمذهب أنه يلزمه لأن البيت المطلق بيت الله الحرام فحمل مطلق النذر عليه ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لأن البيت يقع على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد فلا يجوز حمله على البيت الحرام فإن نذر المشي إلى بقعة من الحرم لزمه المشي بحج أو عمرة لأن قصده لا يجوز من غير إحرام فكان إيجابه إيجاباً للإحرام وإن نذر المشي إلى عرفات لم يلزمه لأنه يجوز قصده من غير إحرام فلم يكن في نذره المشي إليه أكثر من إيجاب مشي وذلك ليس بقربة فلم يلزمه وإن نذر المشي إلى مسجد غير المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لم يلزمه لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا1" وإن نذر المشي إلى المسجد الأقصى ومسجد المدينة ففيه قولان: قال في البويطي يلزمه لأنه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه فلزمه المشي إليه بالنذر كالمسجد الحرام وقال في الأم لا يلزمه لأنه مسجد لا يجب قصده بالنسك فلم يجب المشي إليه بالنذر كسائر المساجد.
فصل: وإن نذر أن يحج في هذه السنة نظرت فإن تمكن من أدائه فلم يحج صار ذلك ديناً في ذمته كما قلنا في حجة الإسلام وإن لم يتمكن من أدائه في هذه السنة سقط عنه فإن قدر بعد ذلك لم يجب لأن النذر اختص بتلك السنة فلم يجب في سنة أخرى إلى بنذر آخر.
باب الأطعمة
ما يؤكل شيأن: حيوان وغير حيوان فأما الحيوان فضربان: حيوان البر وحيوان
البحر فأما حيوان البر فضربان: طاهر ونجس فأما النجس فلا يحل أكله وهو الكلب والخنزير والدليل عليه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:3] وقوله عز وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [لأعراف:157] والكلب من الخبائث والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الكلب خبيث خبيث ثمنه" وأما الطاهر فضربنا طائر ودواب فأما الدواب فضربان دواب الإنس ودواب الوحش فأما دواب الإنس فإنه يحل منها الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة:1] وقوله عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:157] والأنعام من الطيبات لم يزل الناس يأكلونها ويبيعون لحومها في الجاهلية والإسلام ويحل أكل الخيل لما روى جابر رضي الله عنه قال: ذبحنا يوم حنين الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل ولا تحل البغال والحمير لحديث جابر رضي الله عنه ولا يحل السنور لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الهرة سبع" ولأنه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالأسد.
فصل:
وأما الوحش فإنه يحل منه الظباء والبقر لقوله عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:157] والظباء والبقر من الطيبات يصطاد ويؤكل ويحل الحمار الوحش للآية ولما روي أن أبا قتادة كان مع قوم محرمين وهو حلال فسنح لهم حمر وحش فحمل عليها أو قتادة فعقر منها أتاناً فأكلوا منها وقالوا نأكل من لحم صيد ونحن محرمون فحملوا ما بقي من لحمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا ما بقي من لحمها" ويحل أكل الضبع لقوله عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال الشافقي رحمه الله: ما زال
الناس يأكلون الضبف ويبيعونه بين الصفا والمروة وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الضبع صيد يؤكل وفيه كبش إذا أصابه المحرم.
فصل: ويحل أكل الأرنب لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ والأرنب من الطيبات ولما روى جابر أن غلاماً من قومه أصاب أرنباً فذبحها بمروة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن أكلها فأمره أن يأكلها ويحل اليربوع لقوله عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ واليربوع من الطيبات تصطاده العرب وتأكله وأوجب فيه عمر رضي الله عنه على المحرم إذا أصابه جفرة فدل على أنه صيد مأكول ويحل أكل الثعلب لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ والثعلب من الطيبات مستطاب يصطاد ولأنه لا يتقوى بنابه فأشبه الأرنب ويحل أكل ابن عرس والوبر لما ذكرناه في الثعلب ويحل أكل القنفذ لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن القنفذ فتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام:145] الآية ولأنه مستطاب لا يتقوى بنابه فحل أكله كالأرنب ويحل أكل الضب لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم: بيت ميمونة رضي الله عنها فوجد عندها ضباً محنوذاً فقدمت الضب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يده فقال خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم: ينظر فلم ينهه ولا يحل ما يتقوى بنابه ويعدو على
الناس وعلى البهائم كالأسد والفهد والذئب والنمر والدب لقوله عز وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157] وهذه السباع من الخبائث لأنها تأكل الجيف ولا تستطيبها العرب ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وأكل ذي مخلب من الطير وفي ابن آوى وجهان: أحدهما يحل لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب والثاني لا يحل لأنه مستخبث كريه الرائحة ولأنه من جنس الكلاب فلم يحل أكله وفي نسور الوحش وجهان: أحدهما لا يحل لأنه يصطاد بنابه فلم يحل كالأسد والفهد والثاني يحل لأنه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشي وأهلي يحرم الأهلي منه ويحل الوحشي منه كالحمار الوحشي ولا يحل أكل حشرات الأرض كالحيات والعقارب والفأر والخنافس والعظاء والصراصر والعناكب والوزغ وسام أبرص والجعلان والديدان وبنات وردان وحمار قبان لقوله عز وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ . فصل: وأما الطائر فأنه يحل منه النعامة لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:157] توقضت الصحابة فيها ببدنة فدل على أنها صيد مأكول ويحل الديك والدجاج والحمام والدراج والقبج والقطا والبط والكراكي والعصفور والقنابر لقوله تعالى:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ وهذه كلها مستطابة وروى أبو موسى الأشعري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم: يأكل لحم الدجاج وروى سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حباري.
ويحل أكل الجراد لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبع غزوات يأكل الجراد ونأكله ويحرم أكل الهدهد
والخطاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن قتلهما وما يؤكل لا ينهى عن قتله ويحرم ما يصطاد ويتقوى بالمخلب كالصقر والبازي لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ويحرم أكل الحدأة والغراب الأبقع لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والكلب العقور1" وما أمر بقتله لا يحل أكله قالت عائشة رضي الله عنها: إني لأعجب ممن يأكل الغراب قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قتله ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع وفي الغداف وغراب الزرع وجهان: أحدهما لا يحل للخبر والثاني يحل لأنه مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج ويحرم حشرات الطير كالنحل والزنبور والذباب لقوله عز وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157] وهذه من الخبائث.
فصل: وما سوى ذلك من الدواب والطير ينظر فيه فإن كان مما يستطيبه العرب حل أكله وإن كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله لقوله عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157] ويرجع في ذلك إلى العرب من أهل الريف والقرى
وذوي اليسار والغنى دون الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة فإن استطاب قوم شيئاً واستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الأكثر وإن اتفق في بلد العجم ما لا يعرفه العرب نظرت إلى ما يشبهه فإن كان حلالاً حل وإن كان حراماً حرم وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان: قال أبو إسحاق وأبو علي الطبري: يحل لقوله عز وجل: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام:145] وهذا ليس بواحد منها وقال ابن عباس رضي الله عنه: ما سكت عنه فهو عفو ومن أصحابنا من قال: لا يحل أكله لأن الأصل في الحيوان التحريم فإذا أشكل بقي على الأصل.
فصل: ولا يحل ما تولد بين مأكول وغير مأكول كالسبع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحوش وحمار الأهل لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل فغلب فيه الحظر كالبغل.
فصل: ويكره أكل الجلالة وهي التي أكلها العذرة من ناقة أو شاة أن بقرة أو ديك أو دجاجة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة ولا يحرم أكلها لأنه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها وهذا لا يوجب التحريم فإن أطعم الجلالة طعاماً طاهراً فطاب لحمها لم يكره لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: تعلف الجلالة علفاً طاهراً إن كانت ناقة أربعين يوماً وإن كانت شاة سبعة أيام وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام.
فصل: وأما حيوان البحر فإنه يحل منه السمك لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال1" ولا يحل أكل الضفدع لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع ولو حل أكله لم ينه عن قتله وفيما سوى ذلك وجهان: أحدهما يحل لما روى أبو هريرة
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: "اغتسلوا منه وتوضئوا به فإنه الطهور ماؤه الحل ميتته1" ولأنه حيوان لا يعيش إلا في الماء فحل أكله كالسمك والثاني أن ما أكل مثله في البر يحل أكله وما لا يؤكل مثله في البر لم يحل أكله اعتباراً بمثله.
فصل: وأما غير الحيوان فضربان: طاهر ونجس فأما النجس فلا يؤكل لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ والنجس خبيث وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تقع في السمن: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فأريقوه2" فلو حل أكله لم يأمر بإراقته وأما الطاهر فضربان: ضرب يضر وضرب لا يضر فما يضر لا يحل أكله كالسم والزجاج والتراب والحجر والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:29] وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195] وأكل هذه الأشياء تهلكه فوجب أن لا يحل وما لا يضر يحل أكله كالفواكه والحبوب والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:32] .
فصل: ومن اضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير فله أن يأكل منه ما يسد به الرمق لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:173] وهل يجب أكله في وجهان: أحدهما يجب لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا أنفسكم﴾ والثاني لا يجب وهو قول أبي إسحاق لأن له غرضاً في تركه وهو أن يجتنب ما حرم عليه وهل يجوز أن يشبع منه؟ فيه قولان: أحدهما لا يجوز وهو اختيار المزني لأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلا يجوز له أكل الميتة كما لو أراد أن يبتديء بالأكل وهو غير مضطر والثاني يحل لأن كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال وإن اضطر إلى طعام غيره وصاحبه غير مضطر إليه وجب عليه بذله لأن الامتناع من بذله إعانة على قتله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة
مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله1" وإن طلب منه ثمن المثل لزمه أن يشتريه منه ولا يجوز أن يأكل الميتة لأنه غير مضطر فإن طلب أكثر من ثمن المثل أو امتنع من بذله فله أن يقاتله عليه فإن لم يقدر على مقاتلته فاشترى منه بأكثر من ثمن المثل ففيه وجهان: أحدهما يلزمه لأنه ثمن في بيع صحيح والثاني لا يلزمه إلا ثمن المثل كالمكره على شرائه فلم يلزمه أكثر من ثمن المثل وإن وجد الميتة وطاعم الغير وصاحبه غائب ففيه وجهان: أحدهما أنه يأكل الطعام لأنه طاهر فكان أولى والثاني يأكل الميتة لأن أكل الميتة ثبت بالنص وطعام الغير ثبت بالاجتهاد فقدم أكل الميتة عليه ولأن المنع من أكل الميتة لحق الله سبحانه وتعالى والمنع من طعام الغير لحق الآدمي وحقوق الله تعالى مبنية على التسهيل وحقوق الآدمي مبنية على التشديد وإن وجد ميتة وصيداً وهو محرم ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: إذا قلنا إنه إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة أكل الميتة وترك الصيد لأنه إذا ذكاه صار ميتة ولزمه الجزاء وإن قلنا إنه لا يصير ميتة أكل الصيد لأنه طاهر ولأن تحريمه أخف لأنه يحرم عليه وحده والميتة محرمة عليه وعلى غيره ومن أصحابنا من قال: إن قلنا إنه يصير ميتة أكل الميتة وإن قلنا إنه لا يكون ميتة ففيه قولان: أحدهما يذبح الصيد ويأكله لأنه طاهر ولأن تحريمه أخف على ما ذكرناه والثاني أنه يأكل الميتة لأنه منصوص عليها والصيد مجتهد فيه وإن اضطر ووجد آدمياً ميتاً جاز له أكله لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت وإن وجد مرتداً أو من وجب قتله في الزنا جاز له أن يأكله لأن قتله مستحق وإن اضطر ولم يجد شيئاً فهل يجوز له أن يقطع شيئاً من بدنه ويأكله؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يجوز لأنه إحياء نفس بعضو فجاز كما يجوز أن يقطع عضواً إذا وقعت فيه الأكلة لإحياء نفسه ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه إذا قطع عضواً منه كان المخافة عليه أكثر وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول شرب البول لأن تحريم الخمر أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى وإن اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه لا يجوز أن يشرب لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم2" والثاني يجوز لأنه يدفع به الضرر عن نفسه فصار كما لو أكره على شربها والثالث أنه إن اضطر إلى شربها للعطش لم يجز لأنها تزيد في الإلهاب
والعطش وإن اضطر إليها للتداوي جاز.
فصل: وإن مر ببستان لغيره وهو غير مضطر لم يجز أن يأخذ منه شيئاً بغير إذن صاحبه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه".
فصل: ولا يحرم كسب الحجام لما روى أبو العالية أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن كسب الحجام فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه أجره ولو كان حراماً ما أعطاه ويكره للحر أن يكتسب بالحجامة وغيرها من الصنع الدنيئة كالكنس والذبح والدبغ لأنها مكاسب دنيئة فينزع الحر منها ولا يكره للعبد لأن العبد أدنى فلا يكره له وبالله التوفيق.
باب الصيد والذبائح
لا يحل شيء من الحيوان المأكول سوى السمك والجراد إلا بذكاة لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:3] ويحل السمك والجراد من غير ذكاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان السمك والجراد" لأن ذكاتهما لا تمكن في العادة فسقط اعتبارها.
فصل: والأفضل أن يكون المزكي مسلماً فإن ذبح مشرك نظرت فإن كان مرتداً أو وثنياً أو مجوسياً لم يحل لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:5] وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وإن كان يهودياً أو نصرانياً من العجم حل للآية وإن كان من نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب لم يحل لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب ولأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل منهم فصاروا كالمجوس لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل ذبائحهم.
والمستحب أن يكون المذكي رجلاً لأنه أقوى على الذبح من المرأة فإن كان امرأة جاز لما روى كعب بن مالك أن جارية له كسرت حجراً فذبحت به شاة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بأكلها ويستحب أن يكون بالغاً لأنه أقدر على الذبح فإن ذبح صبي حل لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من ذبح من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير وذكر اسم الله عليه حل ويكره ذكاة الأعمى لأنه ربما أخطأ المذبح فإن ذبح خل لأنه لم يفقد فيه إلا النظر وذلك لا يوجب التحريم ويكره ذكاة السكران والمجنون لأنه لا يأمن أن يخطئ المذبح فيقتل الحيوان فإن ذبح حل لأنه لم يفقد في ذبحهما إلا القصد والعلم وذلك لا يوجب التحريم كما لو ذبح شاة وهو يظن أنه يقطع حشيشاً.
فصل: والمستحب أن يذبح بسكين حادة لما روى شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته1" فإن ذبح بحجر محدد أو ليطة حل لما ذكرناه من حديث كعب بن مالك في المرأة التي كسرت حجراً فذبحت بها شاة ولما روي أن رافع بن خديج قال: يا رسول الله إنا نرجو أن نلقى العدو غداً وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأخبركم ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدي الحبشة2" وإن ذبح بسن أو ظفر لم يحل لحديث رافع بن خديج والمستحب أن تنحر الإبل معقولة من قيام لما روي
أن ابن عمر رضي الله عنه رأى رجلاً أضجع بدنة فقال قياماً سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وتذبح البقر والغنم مضجعة لما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده ووضع رجليه على صفاحهما وسمى وكبر والبقر كالغنم في الذبح فكان مثله في الاضجاع والمستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة لأنه لا بد لها من جهة فكانت جهة القبلة أولى والمستحب أن يسمي الله تعالى على الذبح لما روى عدي بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: "إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه1". فإن ترك التسمية لم يحرم لما روت عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً من الأعراب يأتونا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله تعالى عليه أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذكر اسم الله تعالى عليه وكل" والمستحب أن يقطع الحلقوم والمرئ والودجين لأنه أوحى وأروح للذبيحة فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمرئ أجزأه لأن الحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والروح لا تبقى مع قطعهما والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والشاء فإن خالف ونحر البقر والشاء وذبح الإبل أجزأه لأن الجميع موح من غير تعذيب ويكره أن يبين الرأس وأن يبالغ في الذبح إلى أن يبلغ النخاع وهو عرق يمتد من الدماغ ويستبطن الفقار إلى عجب الذنب لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن النخع ولأن فيه زيادة تعذيب فإن فعل ذلك لم يحرم لأن ذلك يوجد بعد حصول الذكاة وإن ذبحه من قفاه فإن بلغ السكين الحلقوم والمرئ وقد
بقيت فيه حياة مستقرة حل لأن الذكاة صادفته وهو حي وإن لم يبق فيه حياة مستقرة إلا حركة مذبوح لم يحل لأنه صار ميتاً قبل الذكاة فإن جرح السبع شاة فذبحها صاحبها وفيها حياة مستقرة حل وإن لم يبق فيها حياة مستقرة لم تحل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني: "فإن رد عليك كلبك غنمك وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذلك وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكله" والمستحب إذا ذبح أن لا يكسر عنقها ولا يسلخ جلدها قبل أن تبرد لما روي أن الفرافصة قال لعمر رضي الله عنه إنكم تأكلون طعاماً لا نأكله قال: وما ذاك يا أبا حسان؟ فقال: تعجلون الأنفس قبل أن تزهق فأمر عمر رضي الله عنه منادياً ينادي الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق.
فصل: ويجوز الصيد بالجوارح المعلمة كالكلب والفهد والبازي والصقر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] قال ابن عباس رضي الله عنه: هي الكلاب المعلمة والبازي وكل طائر يعلم الصيد.
فصل: والمعلم هو الذي إذا أرسله على الصيد طلبه فإذا أشره استشلى فإذا أخذ الصيد أمسكه وخلى بينه وبينه فإذا تكرر منه ذلك كان معلماً وحل له ما قتله.
فصل: وإن أرسل من تحل ذكاته جارحة معلمة على الصيد فقتله بظفره أو نابه أو بمنقاره حل أكله لما روى أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنت في أرض صيد فأرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله تعالى وكل" وأما إذا أرسله من لا تحل ذكاته فقتله لم يحل لأن الكلب آلى كالسكين والمذكي هو المرسل فإذا لم يكن من أهل
الذكاة لم يحل صيده فإن أرسل جارحة غير معلمة فقتل الصيد لم يحل لما روى أبو ثعلبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أرسلت كلبك الذي ليس بمعلم فما أدركت ذكاته فكل" وإن استرسل المعلم بنفسه فقتل الصيد لم يحل لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا أرسلت كلابك المعلمة فأمسكن عليك فكل1" قلت: وإن قتلن؟ قال "وإن قتلن" فشرط أن يرسل وإن أرسل فقتل الصيد بثقله ففيه قولان: أحدهما لا يحل لأنه آلة للصيد فإذا قتل بثقله لم يحل كالسلاح والثاني يحل لحديث عدي ولأنه لا يمكن تعليم الكلب الجرح وإنهار الدم فسقط اعتباره كالعقر في محل الذكاة وإن شارك كلبه في قتل الصيد كلب مجوسي أو كلب استرسل بنفسه لم يحل لأنه اجتمع في ذبحه ما يقتضي الحظر والإباحة فغلب الحظر كالمتولد بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل وإن وجد مع كلبه كلباً آخر لا يعرف حاله ولا يعلم القاتل منهما لم يحل لما روى عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسلت كلبي ووجدت مع كلبي كلباً آخر لا أدري أيهما أخذه فقال: لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ولأن الأصل فيه الحظر فإذا أشكل بقي على أصله وإن قتل الكلب الصيد وأكل منه ففيه قولان: أحدهما يحل لما روى أو ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك وإن أكل منه" والثاني لا يحل لما روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن إلا أن يأكل الكلب منه فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه2" وإن شرب من دمه لم يحرم قولاً واحداً لأن الدم لا منفعة له فيه ولا يمنع الكلب منه فلم يحرم وإن كانت الجارحة سن الطير فأكل من الصيد فهو كالكلب وفيه قولان وقال المزني أكل الطير لا يحرم وأكل الكلب يحرم لأن الطير لا يضرب على الأكل والكلب يضرب وهذا لا يصح لأنه يمكن أن يعلم الطير ترك الأكل كما يعلم الكلب وإن اختلفا في الضرب.
فصل: إذا أدخل الكلب نابه أو ظفره في الصيد نجس وهل يجب غسله؟ فيه وجهان: أحدهما يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب قياساً على غير الصيد والثاني لا يجب لأنا لو أوجبنا ذلك ألزمناه أن يغسل جميعه لأن الناب إذا لاقى جزءا من الدم نجس ذلك الجزء ونجس كل ما لاقاه إلى أن ينجس جميع بدنه وغسل جميعه يشق فسقط كدم البراغيث.
فصل: ويجوز الصيد بالرمي لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله إنا
نكون في أرض صيد فيصيب أحدنا بقوسه الصيد ويبعث كلبه المعلم فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما لا ندرك ذكاته فقال صلى الله عليه وسلم: "ما ردت عليك قوسك فكل وما أمسك كلبك المعلم فكل1" وإن رماه بمحدد كالسيف والنشاب والمروة المحددة وأصابه بحده فقتله لم يحل وإن رمي بما لا حد له كالبندق والدبوس أو بما له حد فأصابه بغير حده فقلته لم يحل لما روى عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض قال: "إذا أصبد بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ" وإن رماه بسهم لا يبلغ الصيد وأعانه الريح حتى بلغه فقتله حل أكله لأنه لا يمكن حفظ الرمي من الريح فعفى عنه وإن رمى بسهم فأصاب الأرض ثم ازدلف فأصاب الصيد فقتله ففيه وجهان بناء على القولين فيمن رمى إلى الغرض في المسابقة فوقع السهم دون الغرض ثم ازدلف وبلغ الغرض وإن رمى طائراً فوقع على الأرض فمات حل أكله لأنه لا يمكن حفظه من الوقوع على الأرض وإن وقع في ماء فمات أو على حائط أو جبل فتردى منه ومات لم يحل لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن وجدته ميتاً فكل إلا أن تجده قد وقع في الماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك2". فصل: وإن رمى صيداً أو أرسل عليه كلباً فعقره ولم يقتله نظرت فإن أدركه ولم يبق فيه حياة مستقرة بأن شق جوفه وخرجت الحشوة أو أصاب العقر مقتلاً فالمستحب أن يمر السكين على الحلق ليريحه وإن لم يفعل حتى مات حل لأن العقر قد ذبحه وإنما بقيت فيه حركة المذبوح وإن كانت فيه حياة مستقرة ولكن لم يبق من الزمان ما يتمكن فيه من ذبحه حل وإن بقي من الزمان ما يتمكن فيه من ذبحه فلم يذبحه أو لم يكن معه ما يذبح به فمات لم يحل لما روى أبو ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما رد عليك كلبك المكلب وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وكل وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل وإن رد عليك كلب غنمك فذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل وما ردت عليك يدك وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه
وإن لم تدرك ذكاته فكله1" وإن عقره الكلب أو السهم وغاب عنه ثم وجده ميتاً والعقر مما يجوز أن يموت منه ويجوز أن لا يموت منه فقد قال الشافعي رحمه الله: لا يحل إلا أن يكون خبر فلا رأى فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما يحل لما روى عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرمي الصيد فأطلبه فلا أجده إلا بعد ليلة قال: "إذا رأيت سهمك فيه ولم يأكل منه سبع فكل2" ولأن الظاهر أنه مات منه لأنه لم يعرف سبب سواه والثاني أنه لا يحل لما روى زياد بن أبي مريم قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رميت صيداً ثم تغيب فوجدته ميتاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هوام الأرض كثيرة" ولم يأمره بأكله ومنهم من قال يؤكل قولاً واحداً لأنه قال: لا يؤكل إذا لم يكن خبر وقد ثبت الخبر أنه أمر بأكله.
فصل: وإن نصب أحبولة وفيها حديدة فوقع فيها صيد فقتلته الحديدة لم يحل لأنه مات بغير فعل من جهة أحد فلم يحل.
فصل: وإن أرسل سهماً على صيد فأصاب غيره فقتله حل أكله لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبة ما رد عليك قوسك فكل ولأننه مات بفعله ولم يفقد إلا القصد وذلك لا يعتبر في الذكاة والدليل عليه أنه تصح ذكاة المجنون وإن لم يكن له قصد فإن أرسل كلباً على صيد فأصاب غيره فقتله نظرت فإن أصابه في الجهة التي أرسله فيها حل لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما رد عليك كلبك ولم درك ذكاته فكل3" وإن عدل إلى جهة أخرى فأصاب صيداً غيره ففيه وجهان: أحدهما لا يحل - وهو قول أبي إسحاق - لأن للكلب اختياراً فإذا عدل كان صيده باختياره فلم يحل كما لو استرسل بنفسه فأخذ الصيد ومن أصحابنا من قال يحل لأن الكلب لا يمكن منعه من العدول في طلب الصيد.
فصل: وإن أرسل كلباً وهو لا يرى صيداً فأصاب صيداً لم يحل لأنه أرله على غير صيد فلم يحل ما اصطاده كما لو حل باطله فاسترسل بنفسه واصطاد وإن أرسل
سهماً في الهواء وهو لا يرى صيداً سهماً في الهواء وهو لا يرى صيداً فأصاب صيداً ففيه وجهان: قال أبو إسحاق يحل لأنه قتله بفعله ولم يفقد إلا القصد إلى الذبح وذلك لا يعتبر كما لو قطع شيئاً وهو يظن أنه خشبة فكان حلق شاة ومن أصحابنا من قال لا يحل وهو الصحيح لأنه لم يقصد صيداً بعينه فأشبه إذا نصب أحبولة فيها حديدة فوقع فيها صيد فقتله وإن كان في يده سكين فوقعت على حلق شاة فقتلتها حل في قول أبي إسحاق لأنه حصل الذبح بفعله وعلى القول الآخر لا تحل لأنه لم يقصد.
فصل: وإن رأى صيداً فظنه حجراً أو حيواناً غير الصيد فرماه فقتله حل أكله لأنه قتله بفعل قصده وإنما جهل حقيقته والجهل بذلك لا يؤثر كما لو قطع شيئاً فظنه غير الحيوان فكان حلق شاة وإن أرسل على ذلك كلباً فقتله ففيه وجهان: أحدهما يحل كما يحل إذا رماه بسهم والثاني لا يحل لأنه أرسله على غير صيد فأشبه إذا أرسله على غير شيء.
فصل: وإن توحش أهلي أو ند بعير أو تردى في بر فلم يقدر على ذكاته في حلقه فذكاته حيث يصاب من بدنه لما روى رافع ابن خديج قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنماً وإبلاً فند منها بعير فرمى بسهم فحبسه الله به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا1" وقال ابن عباس رضي الله عنه: ما أعجزك من البائم فهو بمنزلة الصيد ولأنه تعذر ذكاته في الحلق فصار كالصيد وإن تأنس الصيد فذكاته ذكاة الأهلي كما أن الأهلي إذا توحش فذكاته ذكاة الوحشي وإن ذكى ما يؤكل لحمه ووجد في جوفه جنيناً ميتاً حل أكله لما روى أبو سعيد قال: قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين
أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه1" ولأن الجنين لا يمكن ذبحه فجعل ذكاة الأم ذكاة له وإن خرج الجنين حياً وتمكن من ذبحه لم يحل من غير ذبح وإن مات قبل أن يتمكن من ذكاته حل.
فصل: إذا أثبت صيداً بالرمي أو بالكلب فأزال امتناعه ملكه لأنه حبسه بفعله فملكه كما لو أمسكه بيده فإن رماه اثنان واحد بعد واحد فهو لمن أثبته منهما فإن ادعى كل واحد منهما أنه هو الذي سبقه وأزال امتناعه وأن الآخر رماه فقتله فعليه الضمان لم يحل أكله لأنهما اتفقا على أنه قتل بعد إمكان ذبحه فلم يحل ويتحالفان فإذا حلفا بريء كل واحد منهما مما يدعي الآخر وإن اتفقا على أن أحدهما هو السابق غير أن السابق ادعى أنه هو الذي أثته بسهمه وادعى الآخر أنه بقي على الامتناع إلى أن رماه هو فالقول قول الثاني لأن الأصل بقاؤه على الامتناع وإن كان الصيد مما يمتنع بالرجل والجناح كالقبج والقطا فرماه أحدهما فأصاب الرجل ثم رماه الآخر فأصاب الجناح ففيه وجهان: أحدهما أنه يكون بينهما لأنه زال الامتناع بفعلهما فتساويا والثاني أنه للثاني وهو الصحيح لأن الامتناع لم يزل إلا بفعل الثاني فوجب أن يكون له.
فصل: وإن رمى الصيد اثنان أحدهما بعد الآخر ولم يعلم بإصابه من منهما صار غير ممتنع فقد قال في المختصر: إنه يؤكل ويكون بينهما فحمل أبو إسحاق هذا على ظاهره فقال: يحل أكله لأن الأصل أنه بقي بعد عقر الأول على الامتناع إلى أن قتله الآخر فيحل ويكون بينهما لأن الظاهر أنهما مشتركان فيه بحكم اليد ومن أصحابنا من قال: إن بقي على الامتناع حتى رماه الآخر فقتله حل وكان للثاني وإن زال امتناعه بالأول فهو للأول ولا يحل بقتل الثاني لأنه صار مقدوراً عليه فيجب أن يتأول عليه إذا لم يمتنع الصيد حتى أدركه وذكاه فيحل واختلفا في السابق منهما فيكون بينهما.
فصل: فإن رمى رجل صيداً فأزال امتناعه ثم رماه الآخر نظرت فإن أصاب الحلقوم والمريء فقتله حل أكله لأنه قد صار ذكاته في الحلق واللبة وقد ذكاه في الحلق واللبة ويلزمه للأول ما بين قيمته مجروحاً ومذبوحاً كما لو ذبح له شاة مجروحة وإن
أصاب غير الحلق واللبة نظرت فإن وحاه لم يحل أكله لأنه قد صار ذكاته في الحلق واللبة فقتله بغير ذكاة فلم يحل ويجب عليه قيمته لصاحبه مجروحاً كما لو قتل له شاة مجروحة فإن لم يوجه وبقي مجروحاً ثم مات نظرت فإن مات قبل أن يدركه صاحبه أو بعد ما أدركه وقبل أن يتمكن من ذبحه وجب عليه قيمته مجروحاً لأنه مات من جنايته وإن أدركه وتمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يحل أكله لأنه ترك ذكاته في الحلق مع القدرة واختلف أصحابنا في ضمانه فقال أبو سعيد الإصطخري: تجب عليه قيمته مجروحاً لأنه لم يوجد من الأول أكثر من الرمي الذي ملك به وهو فعل مباح وترك ذبحه إلى أن مات وهذا لا يسقط الضمان كما لو جرح رجل شاة لرجل فترك صاحبها ذبحها حتى ماتت والمذهب أنه لا يجب عليه كمال القيمة لأنه مات بسببين محظورين: جناية الثاني وسراية جرح الأول فالسراية كالجناية في إيجاب الضمان فيصير كأنه مات من جناية اثنين وما هلك بجناية اثنين لا يجب علي أحدهما كمال القيمة وإذا قلنا بهذا قسم الضمان على الجانبين فما يخص الأول يسقط عن الثاني ويجب عليه الباقي ونبين ذلك في جنايتين مضمونتين ليعرف ما يجب على كل واحد منهما فما وجب على الأول منهما من قيمته أسقطناه عن الثاني فنقول: إذا كان لرجل صيد قيمته عشرة فجرحه رجل جراحة نقص من قيمته درهم ثم جرحه آخر فنقص درهم ثم مات ففيه لأصحابنا ستة طرق: أحدها - وهو قول المزني - إنه يجب على كل واحد منهما أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد الجنايتين بينهما نصفان فيجب على الأول درهم وعلى الثاني درهم ثم تجب قيمته بعد الجنايتين - وهو ثمانية - بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة فيحصل على كل واحد منهما خمسة لأن كل واحد منهما انفرد بجنايته فوجب عليه أرشها ثم هلك الصيد بجنايتهما فوجب عليهما قيمته والثاني - وهو قول أبي إسحاق إنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم الجناية ونصف أرش جنايته فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف وسقط عنه النصف لأن أرش الجناية يدخل في النفس وقد ضمن نصف النفس والجناية كانت على النصف الذي ضمنه وعلى النصف الذي ضمنه الآخر فما حصل على النصف الذي ضمنه يدخل في الضمان فيسقط وما حصل على النصف الذي ضمنه الآخر يلزم فيحصل عليه خمسة دراهم ونصف الآخر جنى وقيمته تسعة فيلزمه نصف قيمته أربعة ونصف وأرش جنايته درهم فيدخل نصفه في النصف الذي ضمنه ويبقى النصف لأجل النصف الذي ضمنه الأول فيجب عليه خمسة دراهم ثم يرجع الأول على الثاني بنصف الأرض الذي ضمنه وهو نصف درهم لأن هذا الأرش وجب بالجناية على
النصف الذي ضمنه الأول وقد ضمن الأول كمال قيمة النصف فرجع بأرش الجناية عليه كرجل غصب من رجل ثوباً فخرقه رجل ثم هلك الثوب وجاء صاحبه وضمن الغاصب كمال قيمة الثوب فإنه يرجع على الجاني بأرش الحرق فيحصل على الأول خمسة دراهم وعلى الثاني خمسة دراهم فهذا يوافق قول المزني في الحكم وإن خالفه في الطريق والثالث - وهو قول أبي الطيب بن سلمة - إنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال الجناية ونصف أرض جناية ويدخل النصف فيما ضمنه صاحبه كما قال أبو إسحاق إلا أنه قال لا يعود من الثاني إلى الأول شيء ثم ينظر لما حصل على كل واحد منهما ويضم بعضه إلى بعض وتقسم عليه العشرة فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف وعلى الثاني خمسة دراهم فذلك عشرة ونصف فتقسم العشرة على عشرة ونصف فما يخص خمسة ونصفاً يجب على الأول وما يخص خمساً يجب على الثاني والرابع ما قال بعض أصحابنا إنه يجب على الأول أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد ذلك بينهما نصفين ولا يجب على الثاني أرش جنايته فيجب على الأول درهم ثم تجب التسعة بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة دراهم ونصف فيحصل على الأول خمسة دراهم ونصف وعلى الثاني أربعة دراهم ونصف لأن الأول انفراد بالجناية فلزمه أرشها ثم اجتمع جناية الثاني وسراية الأول فحصل الموت منهما فكانت القيمة بينهما والخامس ما قال بعض أصحابنا إن الأرش في قيمة الصيد فيجب على الأول نصف قيمته حال الجناية وهو خمسة وعلى الثاني نصف قيمته حال الجناية وهو أربعة ونصف ويسقط نصف درهم قال: لأني لم أجد محلاً أوجبه فيه والسادس وهو قول أبي علي بن خيران وهو أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في القيمة فتضم قيمة الصيد عند جناية الأول إلى قيمة الصيد عند جناية الثاني فتكون تسعة عشر ثم تقسم العشرة على ذلك فيما يخص الطرق الأربعة لا يدخلون الأرش في بدل النفس وهذا لا يجوز لأن الأرش يدخل في بدل النفس وصاحب الطريق الخامس يوجب في صيد قيمته عشرة تسعة ونصفاً ويسقط من قيمته نصف درهم وهذا لا يجوز.
فصل: ومن ملك صيداً ثم خلاه ففيه وجهان: أحدهما يزول ملكه كما لو ملك عبداً ثم أعتقه والثاني لا يزول ملكه كما لو ملك بهيمة ثم سيبها وبالله التوفيق.