كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشيرازي، أبو إسحاق
- الكتاب
- المهذب في فقة الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
من غير فعل ويمكن أخذه من غير مشقة وأما الدار فإن قلنا إن الماء يملك ويحرم فيه الربا فلا يجوز بيع إحدى الدارين بالأخرى ويجوز بيع اللبن الحليب بعضه ببعض لأن عامة منافعه في هذه الحال فجاز بيع بعضه ببعض كالتمر بالتمر ويجوز بيع اللبن الحليب بالرائب وهو الذي فيه حموضة لأنه لبن خالص وإنما تغير فهو كتمر طيب بتمر غير طيب ويجوز بيع الرائب بالرائب كما يجوز بيع تمر متغير بتمر متغير ولا يجوز بيع اللبن بما يتخذ منه من الزبد والسمن لأن ذلك مستخرج منه فلا يجوز بيعه به كالشيرج بالسمسم ولا يجوز بيعه بالمخيض لأن المخيض لبن نزع منه الزبد والحليب لم ينزع منه الزبد فإذا بيع أحدهما بالآخر تفاضل اللبنان ولا يجوز بيعه بالشيراز واللبأ والجبن لأن أجزاءها قد انعقدت فلا يجوز بيعها باللبن كيلاً لأنهما يتفاضلان ولا يجوز بيعها وزناً لأن اللبن مكيل فلا يباع بجنسه وزناً وأما بيع ما يتخذ منه بعضه ببعض فإنه إن باع السمن بالسمن جاز لأنه لا يخالطه غيره قال الشافعي رحمه الله والوزن فيه أحوط وقال أبو إسحاق: يباع كيلاً لأن أصله الكيل فإن باع الزبد بالزبد ففيه وجهان: أحدهما يجوز كما يجوز بيع السمن بالسمن واللبن باللبن والثاني لا يجوز لأن الزبد فيه لبن فيكون بيع لبن وزبد بلبن وزبد وإن باع المخيض بالمخيض نظرت فإن لم يطرح فيه الماء جاز لأنه بيع لبن بلبن وإنما طرح فيه ماء للضرب لم يجز لتفاضل الماءين وتفاضل اللبنين وإن باع الجبن أو الأقط أو المصل أو اللبأ بعضه ببعض لم يجز لأن أجزاءها منعقدة ويختلف انعقادها ولأن فيها ما يخالطه الملح والأنفحة وذلك يمنع التماثل وأما بيع نوع منه بنوع آخر فإنه ينظر فيه فإن باع الزبد بالسمن لم يجز لأن السمن مستخرج من الزبد فلا يجوز بيعه بما استخرج منه كالشيرج بالسمسم وإن باع المخيض بالسمن فالمنصوص أنه يجوز لأن ليس في أحدهما شيء من الآخر قال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله: هما كالجنسين فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً بلا خلاف وإن باع الزبد بالمخيض فالمنصوص أنه يجوز وقال أبو إسحاق أنه لا يجوز لأن في الزبد شيئاً من المخيض فيكون بيع زبد ومخيض بمخيض وهذا لا يصح لأن الذي فيه من المخيض لا يظهر إلا بالتصفية
والنار فلم يكن له حكم وما سوى ذلك لا يجوز بيع نوع منه بنوع آخر لأنه يؤدي إلى التفاضل.
فصل: ولا يجوز بيع حيوان يؤكل لحمه بلحمه لما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يباع حي بميت" وروى ابن عباس رضي الله عنه أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني بها لحماً فقال أبو بكر: لا يصلح هذا ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز كبيع الشيرج بالسمسم وفي بيع اللحم بحيوان لا يؤكل قولان: أحدهما لا يجوز للخبر والثاني يجوز لأنه ليس فيه مثله فجاز بيعه به كاللحم بالثوب ويجوز بيع اللحم بجنسه إذا تناهى جفافه ونزع منه العظم لأنه يدخر على هذه الصفة فجاز بيع بعضه ببعض كالتمر وهل يجوز بيع بعضه ببعض قبل زرع العظم؟ فيه وجهان: قال أبو سعيد الإصطخري يجوز كما يجوز بيع التمر بالتمر وفيه النوى ومن أصحابنا من قال لا يجوز كما لا يجوز بيع العسل الذي فيه شمع بعضه ببعض ويخالف النوى في التمر فإن فيه مصلحة له وليس في ترك العظم في اللحم مصلحة له.
فصل: ولا يجوز بيع بيض الدجاج بدجاجة في جوفها بيض لأنه جنس فيه ربا بيع بما في مثله فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان.
باب بيع الأصول والثمار
إذا باع أرضاً وفيها بناء أو غراس نظرت فإن قال بعتك هذه الأرض بحقوقها دخل فيها البناء والغراس لأنه من حقوقها وإن لم يقل بحقوقها فقد قال في البيع يدخل وقال في الرهن لا يدخل واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق: فمنهم من قال لا يدخل في الجميع لأن الأرض ليست بعبارة عن الغراس والبناء وتأول قوله في البيع عليه إذا قال بحقوقها ومنهم من نقل جوابه في الرهن إلى البيع وجوابه في البيع إلى الرهن وجعلهما على قولين: أحدهما لا يدخل في الجميع لأن الأرض اسم للعرصة دون ما فيها من الغراس والبناء والثاني يدخل لأنه متصل بها فدخل فيها الغراس والبناء والرهن عقد ضعيف لا يزيل الملك فلم يدخل فيه الغراس والبناء فإن قال بعتك هذه القرية بحقوقها لم تدخل فيها المزارع لأن القرية اسم للأبنية دون المزارع وإن قال بعتك هذه الدار دخل بها ما اتصل بها من الرفوف المسمرة والجوابي والأجاجين المدفونة فيها للانتفاع بها
وإن كان فيها رحا مبينة دخل الحجر السفلاني في بيعها لأنه متصل بها وفي الفوقاني وجهان: أحدهما أنه يدخل وهو الصحيح لأنه ينصب هكذا فدخل فيه كالباب والثاني لا يدخل لأنه منفصل عن المبيع ويدخل الغلق المسمر في الباب وفي المفتاح وجهان أحدهما: يدخل فيه لأنه من مصلحته فلا ينفرد عنه والثاني لا يدخل لأنه منفصل فلم يدخل كالدلو والبكرة وإن كان في الدار شجرة فعلى الطرق الثلاثة التي ذكرناها في الأرض وأما الماء الذي في البئر فاختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: الماء غير مملوك لأنه لو كان مملوكاً لصاحب الدار لما جاز للمستأجرين شربه لأنه إتلاف عين فلا يستحق بالإجارة كثمرة النخل ولوجب أن لا يجوز للمشتري رد الدار بالعيب بعد شربه كما لا يجوز رد النخل بعد أكل ثمرته فعلى هذا لا يدخل في بيع الدار غير أن المشتري أحق به لثبوت يده على الدار وقال أبو علي بن أبي هريرة: هو مملوك لمالك الدار وهو المنصوص في القديم وفي كتاب حرملة لأنه من نماء الأرض فكان لمالك الأرض كالحشيش فإذا باع الدار فإن الماء الظاهر للبائع لايدخل في بيع الدار من غير شرط وما يظهر بعد العقد فهو للمشتري فعلى هذا لا يصح البيع حتى يشترط أن الظاهر من الماء للمشتري لأنه إذا لم يشترط اختلط ماء البائع بماء المشتري فينفسخ البيع وإن كان في الأرض معدن باطن كمعدن الذهب والفضة دخل في البيع لأنه من أجزاء الأرض وإن كان معدناً ظاهراً كالنفط والقار فهو كالماء المملوك في قول أبي علي بن أبي هريرة وغير مملوك في قول أبي إسحاق والحكم في دخوله في البيع على ما بيناه في الماء وإن باع أرضاً وفيها ركاز أو حجارة مدفونة لم تدخل في البيع لأنها ليست من أجزاء الأرض ولا هي متصلة بها فلم تدخل في بيعها.
فصل: وإن باع نخلاً وعليها طلع غير مؤبر دخل في بيع النخل وإن كان مؤبراً لم يدخل لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع1" فجعلها للبائع بشرط أن تكون مؤبرة فدل على
أنها إذا لم تكن مؤبرة فهي للمبتاع ولأن ثمرة النخل كالحمل لأنه نماء كامن لظهوره غاية كالحمل ثم الحمل الكامن يتبع الأصل في البيع والحمل الظاهر لا يتبع فكذلك الثمرة قال الشافعي رحمه الله: وما شقق في معنى ما أبر لأنه نماء ظاهر فهو كالمؤبر وإن باع فحالاً وعليها طلع لم يتشقق ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يدخل في بيع الأصل لأن جميع الطلع مقصود مأكول وهو ظاهر فلم يتبع الأصل كالتين والثاني أنه يدخل في بيع الأصل وهو الصحيح لأنه طلع لم يتشقق فدخل في بيع الأصل كطلع الإناث وما قاله الأول لا يصح لأن المقصود ما فيه وهو الكش الذي تلقح به الإناث وهو غير ظاهر فدخل في بيع الأصل كطلع الإناث.
فصل: وإن باع حائطاً أبر بعضه دون بعض جعل الجميع كالمؤبر فيكون الجميع للبائع لأنا لو قلنا إن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري أدى إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي فجعل مالم يؤبر تبعاً للمؤبر لأن الباطن يتبع الظاهر ولم نجعل ما أبر تابعاً لما لم يؤبر لأن الظاهر لا يتبع الباطن ولهذا جعلنا أساس الدار تابعاً لظاهرها في تصحيح البيع ولم نجعل ظاهرها تابعاً للباطن في إفساد البيع وقال أبو على بن خيران: إن كان نوعاً واحداً جعل غير المؤبر تابعاً للمؤبر وإن كان نوعين لم يجعل مالم يؤبر من أحد النوعين تابعاً للمؤبر من نوع آخر لأن النوع الواحد يتقارب ظهوره والنوعان يختلف ظهورهما والمذهب الأول لما ذكرناه من سوء المشاركة واختلاف الأيدي وذلك يوجد في النوعين كما يوجد في النوع الواحد وأما إذا كان له حائطان فأبر أحدهما دون الآخر وباعهما فإن المؤبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري ولا يتبع أحدهما الآخر لأن انفراد كل واحدة منهما بثمرة حائط لا يؤدي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي فاعتبر كل واحد منهما بنفسه وإن كان له حائط أطلع بعضه دون بعض فأبر المطلع ثم باع الحائط ثم أطلع الباقي ففيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة: ما أطلع في ملك المشتري لا يتبع المؤبر بل يكون للمشتري لأنه حادث في ملكه فلا يصير للبائع والثاني أنه يتبع المؤبر فيكون للبائع لأنه من ثمرة عامه فجعل تابعاً له كالطلع الظاهر في حال العقد فإن أبر
بعض الحائط دون بعض ثم أفرد الذي لم يؤبر بالبيع ففي طلعه وجهان: أحدهما أنه للبائع لأنا جعلناه في الحكم كالمؤبر بدليل أنه لو باع الجميع كان للبائع فصار كما لو أفرد بعض المؤبر بالبيع والثاني أنه للمشتري لأنه إنما جعل كالمؤبر إذا بيع معه فيصير تابعاً له فأما إذا أفرده فليس بتابع للمؤبر فتبع أصله.
فصل: قال الشافعي رحمه الله والكرسف إذا بيع أصله كالنخل وأراد به كرسف الحجاز فإنه شجر يحمل في كل سنة وتخرج ثمرته في كمام وتتشقق عنه كالنخل فإن باع وقد تشقق جوزه فهو للبائع وإن لم يتشقق فهو للمشتري وإن تشقق بعضه دون بعض جعل الجميع للبائع كالنخل وأما ما لا يحمل إلا سنة وهو قطن العراق وخراسان فهو كالزرع ويجيء حكمه إن شاء الله تعالى.
فصل: وإن باع شجراً غير النخل والكرسف لم يخل إما أن يقصد منه الورد أو الورق أو الثمرة فإن كان يقصد منه الورد فإن كان ورده يخرج في كمام ثم ينفتح منه كالورد فهو كالنخيل فإن كان في الكمام تبع الأصل في البيع كالطلع الذي لم يؤبر وإن كان خارجاً من الكمام لم يتبع الأصل كالطلع المؤبر وإن كان لا كمام له كالياسمين كان ماظهر منه للبائع وما لم يظهر للمشتري وإن كان مما يقصد منه الورق كالتوت ففيه وجهان: أحدهما أنه إن لم ينفتح فهو للمشتري وإن تفتح فهو للبائع لأن الورق من هذا كالثمر من سائر الأشجار والثاني أنه للمشتري تفتح أو لم يتفتح لأنه بمنزلة الأغصان من سائر الأشجار وليس كالثمر لأن ثمرة التوت ما يؤكل منه وإن كان مما يقصد منه الثمرة فهو على أربعة أضرب: أحدها ما تخرج ثمرته ظاهرة من غير كمام كالتين والعنب فما ظهر منه فهو للبائع لا يدخل في البيع من غير شرط وما يظهر بعد العقد فهو للمشتري لأن الظاهر منه كالطلع المؤبر والباطن منه كالطلع الذي لم يؤبر والثاني ما يخرج في كمام لا يزال عنه إلا عند الأكل كالرمان والموز فهو للبائع لأن كمامه من مصلحته فهو كأجزاء الثمرة والثالث ما يخرج وعليه قشرتان كالجوز واللوز والرانج فالمنصوص أنه كالرمان لا يدخل في بيع الأصل لأن قشره لا يتشقق عنه كما لا يتشقق قشر الرمان ومن أصحابنا من قال: هو كثمرة النخل الذي لم يؤبر لأنه لا يترك في القشر الأعلى كما
لا تترك الثمرة في الطلع والرابع ما يكون في نور يتناثر عنه النور كالتفاح والكمثري فاختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق والقاضي أبو حامد: هو كثمرة النخل إن تناثر عنه النور فهو للبائع وإن لم يتناثر عنه فهو للمشتري وهو ظاهر كتشقق الطلع عن الثمرة فكان في الحكم مثلها وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: هو للبائع وإن لم يتناثر النور عنها لأن الثمرة قد ظهرت بالخروج من الشجر واستتارها بالقشر الأبيض فكذلك هذه الثمرة للبائع مع استتارها بالنور.
فصل: وإن باع أرضاً وفيها نبات غير الشجر فإن كان مما له أصل يحمل مرة بعد أخرى كالرطبة والبنفسج والنرجس والنعنع والهندبا والبطيخ والقثاء دخل الأصل في البيع وما ظهر منه فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري كالأشجار وإن كان مالا يحمل إلا مرة كالحنطة والشعير لم يدخل في بيع لأصل لأنه لماء ظاهر لا يراد للبقاء فلم يدخل في بيع الأصل كالطلع المؤبر وفي بيع الأرض طريقان: من أصحابنا من قال فيه قولان لأنها في يد البائع إلى أن يحصد الزرع فكان في بيعها قولان كالأرض المستأجرة ومنهم من قال يصح بيع الأرض قولاً واحداً لأن المبيع في يد المشتري وإنما يدخل البائع للسقي أو الحصاد فجاز بيعه قولاً واحداً كالأمة المزوجة وإن باع أرضاً فيها بذر لم يدخل البذر لأنه مودع في الأرض فلم يدخل في بيعها كالركاز فإن باع الأرض مع البذر ففيه وجهان: أحدهما أنه يصح تبعاً للأرض والثاني لايصح وهو المذهب لأنه لا يجوز بيعه منفرداً فلم يجز بيعه مع الأرض.
فصل: إذا باع أصلاً وعليه ثمرة وعليه ثمرة للبائع لم يكلف قطع الثمرة إلى أوان الجداد فإن كان مما يقطع بسراً كالبسر الحيسواني والقرشي لم يكلف قطعه إلى أن يصير بسراً وإن كان مما لا يقطع إلا رطباً لم يكلف قطعه إلى أن يصير رطباً لأن نقل المبيع على حسب العادة ولهذا إذا اشترى بالليل متاعاً لم يكلف نقله حتى يصبح وإن اشتراه في المطر لم
يكلف نقله حتى يسكن المطر والعادة في قطع الثمار ما ذكرناه فلا يكلف القطع قبله.
فصل: فإن أصاب النخل عطش وخاف أن تشرب الثمرة الماء من أصل النخل فيهلك ففيه قولان: أحدهما لا يكلف البائع قطع الثمرة لأن المشتري دخل في العقد على أن يترك الثمار إلى الجداد فلزمه تركه والثاني أنه يكلف قطعه لأن المشتري إنما رضي بذلك إذا لم يضر به فإذا أضر به لم يلزمه تركه فإن احتاج أحدهما إلى سقي ماله ولم يكن على الآخر ضرر جاز له أن يسقيه لأنه إصلاح لما له من غير إضرار بأحد فجاز وإن كان على الآخر ضرر في السقي وتشاحا ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يفسخ العقد لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر في الأضرار فوجب أن يفسخ وقال أبو علي بن أبي هريرة يجبر الممتنع منهما لأنه حين دخل في العقد رضي بدخول الضرر عليه لأنه يعلم أنه لا بد من السقي ويجب أجرة السقي على من يسقي لأن منفعته تحصل له.
فصل: ولا يجوز بيع الثمار والزرع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ثمرة النخل حتى تزهى والسنبل والزرع حتى يبيض ويأمن العاهة ولأن المبيع إنما ينقل على حسب العادة ولهذا لو اشترى بالليل متاعاً لم يكلف نقله حتى يصبح والعادة في الثمار تركها إلى أوان الجداد فإذا باعها قبل بدو الصلاح لم يأمن أن يصيبها عاهة فتتلف وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز وإن باعها بشرط القطع جاز لأنه يأخذه قبل أن يتلف فيأمن الغرر وإن باع الثمرة مع الأصل والزرع مع الأرض قبل بدو الصلاح جاز لأن حكم الغرر مع الأصل كالغرر في الحمل يسقط حكمه إذا بيع مع الأصل وإن باع الثمرة ممن يملك الأصل أو الزرع ممن يملك الأرض ففيه وجهان: أحدهما يصح لأنه يحصل لمالك الأصل فجاز كما لو باعها مع الشجر والأرض والثاني لا يصح لأن أفرده بالبيع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع فأشبه إذا باعها من غير مالك الأصل وإن بدا صلاحها جاز بيعها بشرط القطع لحديث ابن عمر رضي الله عنه ولأنه إذا جاز بيعه بشرط القطع قبل بدو الصلاح فلأن يجوز بعد بدو الصلاح أولى ويجوز بيعها مطلقاً للخبر ولأنه أمن من العاهة فجاز بيعها مطلقاً كسائر الأموال ويجوز بيعها بشرط التبقية إلى الجداد للخبر ولأن إطلاق البيع يقتضي التبقية إلى أوان الجداد فإذا شرط التبقية فقد شرط ما يقتضيه الإطلاق فجاز.
فصل: وبدو الصلاح في الثمار أن يطيب أكلها فإن كان رطباً أن يحمر أو يصفر وإن كان عنباً أسود بأن يتموه وإن كان أبيض بأن يرق ويحلو وإن كان زرعاً بأن يشتد وإن كان بطيخاً بأن يبدو فيه النضج وإن كان قثاء أن يكبر بحيث يؤخذ ويؤكل والدليل عليه ما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم فإن وجد بدو الصلاح في بعض الجنس من حائط جاز بيع ذلك الجنس كله في ذلك الحائط لأنا لو قلنا لا يجوز إلا فيما بدا صلاحه فيه أدى إلى المشقة والضرر بسوء المشاركة ولا يجوز أن يبيع ما لم يبد فيه الصلاح من جنس آخر ولا ما لم يبد فيه الصلاح من ذلك الجنس من حائط آخر لأن المنع من ذلك لا يؤدي إلى الضرر بسوء المشاركة فإن بدا الصلاح في بعض الجنس في حائط فباع منه ما لم يبد فيه الصلاح مفرداً من غير شرط القطع ففيه وجهان: أحدهما يجوز لأنا جعلناه في حكم ما بدا فيه الصلاح فجاز إفراده بالبيع والثاني لا يجوز لأنه جعل في حكم ما بدا فيه الصلاح بيعاً لما بدا فيه الصلاح وما أجيز بيعه تبعاً لغيره لم يجز إفراده بالبيع كالحمل.
فصل: إذا ابتاع زرعاً أو ثمرة بعد بدو الصلاح لم يكلف قطعه قبل أوان الحصاد والجداد لأن العادة فيها تركها إلى الحصاد والجداد فلم يكلف نقله قبله كما نقول فيمن اشترى متاعاً بالليل إنه لا يكلف نقله إلا بالنهار فإذا احتاجت الثمرة أو الزرع إلى السقي لزم البائع ذلك لأنه يجب عليه تسليمها في حال الجداد والحصاد وذلك لا يحصل إلا بالسقي فلزمه.
فصل: وإذا اشترى ثمرة على الشجر فلم يأخذ حتى حدث ثمرة أخرى واختلطت ولم تتميز أو اشترى حنطة فلم يقبض حتى انثالت عليها حنطة أخرى ففيه قولان: أحدهما ينفسخ البيع وهو الصحيح لأنه تعذر التسليم المستحق بالعقد فإن البائع لا يلزمه تسليم ما اختلط به من ماله فإن رضي البائع بتسليم ماله لم يلزم المشتري قبوله وإذا تعذر تسليم المعقود عليه بطل العقد كما لو تلف المبيع والثاني لا ينفسخ لأن المبيع باق وإنما انضاف إليه زيادة فصار كما لو باع عبداً فسمن أو شجرة فكبرت فإن قلنا لا ينفسخ
قلنا للبائع إن سمحت بحقك أقر العقد وإن لم تسمح فسخ العقد وإن اشترى شجرة عليها حمل للبائع فلم يأخذه حتى حدث حمل للمشتري واختلطت ولم تتميز ففيه طريقان: قال أبو علي بن خيران وأبو علي الطبري لا ينفسخ العقد قولاً واحداً بل يقال إن سمح أحد كما بترك حقه من الثمرة أقر العقد لأن المبيع هو الشجر ولم يختلط الشجر بغيره وإنما اختلط ما عليها من الثمرة والثمرة غير مبيعة فلم ينفسخ البيع كما لو اشترى داراً وفيها طعام للبائع وطعام للمشتري فاختلط أحد الطعامين بالآخر فإن البيع لا ينفسخ في الدار وقال المزني وأكثر أصحابنا: إنها على قولين كالمسئلة قبلها لأن المقصود بالشجر هو الثمرة فكان اختلاطها كاختلاط المبيع وإن اشترى رطبة بشرط القطع فلم يقطع حتى زادت وطالت ففيه طريقان: أحدها أنه لا يبطل البيع قولاً واحداً بل يقال للبائع إن سمحت بحقك أقر العقد وإن لم تسمح فسخ العقد لأنه لم يختلط المبيع بغيره وإنما زاد المبيع في نفسه فصار كما لو اشترى عبداً صغيراً فكبر أو هزيلاً فسمن والثاني هو الصحيح أنه على قولين: أحدهما لا ينفسخ البيع والثاني ينفسخ ويخالف السمن والكبر في العبد فإن تلك الزيادة لا حكم لها ولهذا يجبر البائع على تسليم العبد مع السمن والكبر ولهذه الزيادة حكم ولهذا لا يجبر البائع على تسليمها فدل على الفرق بينهما.
فصل: وإن كان له شجرة تحمل حملين فباع أحد الحملين بعد بدو الصلاح وهو يعلم أنه يحدث الحمل الآخر ويختلط به ولا يتميز فالبيع باطل وقال الربيع فيه قول آخر إن البيع يصح ولعله أخذه من أحد القولين فيمن باع جزة من الرطبة فلم يأخذ حتى حدث شيء آخر أن البيع يصح في أحد القولين والصحيح هو الأول لأنه باع ما لا يقدر على تسليمه لأن العادة فيها الترك فإذا ترك اختلط به غيره فتعذر التسليم بخلاف الرطبة فإنه باعها بشرط القطع فلا يتعذر التسليم.
باب بيع المصراة والرد بالعيب
إذا اشترى ناقة أو شاة أو بقرة مصراة ولم يعلم أنها مصراة ثم علم أنها مصراة
فهو بالخيار بأن يمسك وبين أن يرد لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثاً إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر1" وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً2" واختلف أصحابنا في وقت الرد فمنهم من قال يتقدر الخيار بثلاثة أيام فإن علم بالتصرية فيما دون الثلاث كان له الخيار في بقية الثلاث للسنة ومنهم من قال: إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور فإن لم يرد سقط خياره لأنه خيار ثبت لنقص فكان على الفور كخيار الرد بالعيب.
فصل: فإن اختار رد المصراة رد بدل اللبن الذي أخذه واختلفت الرواية فيه فروى أبو هريرة صاعاً من تمر وروى ابن عمر مثل أو مثلي لبنها قمحاً واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس بن سريج: يرد في كل بلد من غالب قوته وحمل حديث أبو هريرة على من قوت بلده التمر وحديث ابن عمر على من قوت بلده القمح كما قال في زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير وأراد التمر لمن قوته التمر والشعير لمن قوته الشعير وقال أبو إسحاق: الواجب صاع من تمر لحديث أبو هريرة وتأول حديث ابن عمر عليه إذا كان مثل لبنها من القمح أكثر قيمة من صاع من التمر فتطوع به وإن كان قيمة الصاع بقيمة الشاة أو أكثر ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يجب عليه قيمة صاع بالحجاز لأنا لو أوجبنا صاعاً بقيمة الشاة حصل للبائع الشاة وبدلها فوجب قيمة الصاع بالحجاز لأنه هو الأصل ومن أصحابنا من يقول يلزمه الصاع وإن كان بقيمة الشاة أو أكثر ولا يؤدي إلى الجمع بين الشاة وبدلها لأن الصاع ليس ببدل عن الشاة وإنما هو بدل عن اللبن فجاز كما لو غصب عبداً فخصاه فإنه يرد العبد مع قيمته ولا يكون ذلك جمعاً بين العبد وقيمته لأن القيمة بدل عن العضو المتلف وإن كان ما حلب من اللبن باقياً فأراد رده ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا يجبر البائع على أخذه لأنه أصبح بالحلب ناقصاً لأنه يسرع إليه التغير فلا يجبر على أخذه ومن أصحابنا من قال يجبر لأن نقصانه حصل
لمعنى يستعلم به العيب فلم يمنع الرد ولأنه لو لم يجز رده لنقصانه بالحلب فلم يجز إفراد الشاة بالرد لأنه إفراد بعض المعقود عليه بالرد فلما جاز ذلك ههنا وإن لم يجز في سائر المواضع جاز رد اللبن ههنا مع نقصانه بالحلب وإن لم يجز في سائر المواضع.
فصل: وإن اشترى جارية مصراة ففيه أربعة أوجه: أحدها أنه يردها ويرد معها صاعاً لأنه يقصد لبنها فثبت بالتدليس له فيه الخيار والصاع كالشاة والثاني أنه يردها لأن لبنها يقصد لتربية الولد ولم يسلم له ذلك فثبت له الرد ولا يرد بدله لأنه لا يباع ولا يقصد بالعوض والثالث لا يردها لأن الجارية في العادة لا يقصد في العادة إلا عينها دون لبنها والرابع لا يردها ويرجع بالأرش لأنه لا يمكن ردها مع عوض اللبن لأنه ليس للبنها عوض مقصود ولا يمكن رده من غير عوض لأنه يؤدي إلى إسقاط حق البائع من لبنها من غير بدل ولا يمكن إجبار المبتاع على إمساكها بالثمن المسمى لأنه لم يبذل الثمن إلا ليسلم له ما دلس به من اللبن فوجب أن يرجع على البائع بالأرش كما لو وجد بالمبيع عيباً وحدث عنده عيب.
فصل: وإن اشترى أتاناً مصراة فإن قلنا بقول الإصطخري إن لبنها طاهر ردها ورد معها بدل اللبن كالشاة وإن قلنا بالمنصوص إنه نجس ففيه وجهان: أحدهما أنه يردها ولا يرد بدل اللبن لأنه لا قيمة له فلا يقابل ببدل والثاني يمسكها ويأخذ الأرض لأنه لا يمكن ردها مع البدل لأنه لا بدل له ولا ردها من غير بدل لما فيه من إسقاط حق البائع من لبنها ولا إمساكها بالثمن لأنه لم يبذل الثمن إلا لتسلم له الأتان مع اللبن ولم تسلم فوجب أن تمسك ويأخذ الأرش.
فصل: إذا ابتاع بشرط أن تحلب كل يوم خمسه أرطال ففيه وجهان بناء على القولين فيمن باع شاة شرط حملها: أحدهما لا يصح لأنه شرط مجهول فلم يصح والثاني أنه يصح لأنه يعلم بالعادة فصح شرطه فعلى هذا إذا لم تحلب المشروط فهو بالخيار بين الإمساك والرد.
فصل: إذا ابتاع جارية قد جعد شعرها ثم بان أنها سبطة الشعر أو سود شعرها ثم
بان بياض شعرها أو حمر وجهها ثم بان صفرة وجهها ثبت له الرد لأنه تدليس بما يختلف به الثمن فثبت به الخيار كالتصرية وإن سبط شعرها ثم بان أنها جعدة ففيه وجهان: أحدهما لا خيار له لأن الجعدة أكمل وأكثر ثمناً والثاني أنه يثبت له الخيار لأنه قد تكون السبطة أحب إليه وأحسن عنده وهذا لا يصح لأنه اعتبار به وإنما الاعتبار بما يزيد في الثمن والجعدة أكثر ثمناً من السبطة وإن ابتاع صبرة ثم بان أنها كانت على صخرة أو بان أن باطنها دون ظاهرها في الجودة ثبت له الرد لما ذكرناه من العلة في المسألة قبلها.
فصل: ومن ملك عيناً وعلم بها عيباً لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلم أخو المسلم فلا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً يعلم فيه عيباً إلا بينه له1" فإن علم غير المالك بالعيب لزمه أن يبين ذلك لمن يشتريه لما روى أبو سباع قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع فلما خرجت بها أدركنا عقبة بن عامر فقال هل بين لك ما فيها؟ قلت: وما فيها إنها لسمينة ظاهرة الصحة فقال: أردت بها سفراً أم أردت بها لحماً قلت: أردت عليها الحج قال: إن بخفها نقباً قال صاحبها: أصلحك الله ما تريد إلى هذا تفسد علي قال: أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لأحد يبيع شيئاً إلا بين ما فيه ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه" فإن باع ولم يبين العيب صح البيع لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح البيع في المصراة مع التدليس بالتصرية.
فصل: فإن لم يعلم بالعيب واشتراه ثم علم بالعيب فهو بالخيار بين أن يمسك وبين أن يرد لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له ذلك فثبت له الرجوع بالثمن كما قلنا في المصراة فإن ابتاع شيئاً ولا عيب به ثم حدث به عيب في ملكه نظرت فإن كان حدث قبل القبض ثبت له الرد لأن المبيع مضمون على البائع فثبت له الرد بما يحدث فيه من العيب كما قبل العقد وإن حدث العيب بعد القبض نظرت فإن لم يستند إلى سبب قبل القبض لم يثبت له الرد لأنه دخل المبيع في ضمانه فلم يرد بالعيب الحادث وإن استند إلى ما قبل القبض بأن كان عبداً فسرق أو قطع يداً قبل القبض فقطعت يده بعد القبض ففيه وجهان: أحدهما أنه يرد وهو على قول أبي أسحق لأنه قطع بسبب كان قبل
القبض فصار كما لو قطع قبل القبض والثاني أنه لا يرد وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لأن القطع وجد في يد المشتري فلم يردكما لو لم يستند إلى سبب قبله.
فصل: إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً لم يخل إما أن يكون المبيع باقياً على وجهه أو زاد أو نقص فإن كان باقياً على جهته وأراد الرد لم يؤخره فإن أخره من غير عذر سقط الخيار لأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فكان على الفور كخيار الشفعة فإن كان المبيع دابة فساقها ليردها فركبها في الطريق أو علفها أو سقاها لم يسقط حقه من الرد لأنه لم يرض بالعيب ولم يوجد منه أكثر من الركوب والعلف والسقي وذلك حق له إلى أن يرد فلم يمنع الرد وله أن يرد بغير رضى البائع ومن غير حضوره لأنه رفع عقد جعل إليه فلا يعتبر فيه رضى صاحبه ولا حضوره كالطلاق فإن اشترى ثوباً بجارية فوجد بالثوب عيباً فوطيء الجارية ففيه وجهان: أحدهما أنه ينفسخ البيع كما ينفسخ البيع في مدة خيار الشرط بالوطء والثاني لا ينفسخ لأن الملك قد استقر للمشتري فلا يجوز إلا بالقول فإن زال العيب قبل الرد ففيه وجهان: بناء على القولين في الأمة إذا أعتقت تحت عبد ثم أعتق العبد قبل أن تختار الأمة الفسخ: أحدهما يسقط الخيار لأن الخيار ثبت لدفع الضرر وقد زال الضرر والثاني لا يسقط لأن الخيار ثبت بوجود العيب فلا يسقط من غير رضاه وإن قال البائع أنا أزيل العيب مثل أن يبع أرضاً فيها حجارة مدفونة يضر تركها بالأرض فقال البائع: أنا أقلع ذلك في مدة لا أجرة لمثلها سقط حق المشتري من الرد لأن ضرر البيع يزول من غير إضرار وإن قال البائع أمسك المبيع أنا أعطيك أرش العيب لم يجبر المشتري على قبوله لأنه لم يرض إلا بمبيع سليم بجميع الثمن فلم يجبر على إمساك معيب ببعض الثمن وإن قال المشتري أعطني الأرش لأمسك المبيع لم يجبر البائع على دفع الأرش لأنه لم يبذل المبيع إلا بجميع الثمن فلم يجبر على تسليمه ببعض الثمن فإن تراضيا على دفع الأرش لأنه لم يبذل المبيع إلا بجميع الثمن فلم يجبر على تسليمه ببعض الثمن فإن تراضيا على دفع الأرش لإسقاط الخيار ففيه وجهان: أحدهما يجوز وهو قول أبي العباس لأن خيار الرد يجوز أن يسقط إلى المال وهو إذا حدث عند المشتري عيب فجاز إسقاطه إلى المال بالتراضي كالخيار في القصاص والثاني لا يجوز وهو المذهب لأنه خيار فسخ فلم يجز إسقاطه بمال كخيار الشرط وخيار الشفعة فإن تراضيا على ذلك وقلنا إنه لا يجوز فهل يسقط خياره؟ فيه وجهان: أحدهما أنه يسقط لأنه رضي بإمساك العين مع العيب والثاني لا يسقط وهو المذهب ولأنه رضي بإمساك العين مع العيب والثاني لا يسقط وهو المذهب ولأنه رضي بإسقاط الخيار بعوض ولم يسلم له العوض فبقي الخيار وإن أراد أن يرد بعضه لم يجز لأن على البائع
ضرراً في تبعيض الصفقة عليه فلم يجز من غير رضاه وإن اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً فهل له أن يفرده بالرد؟ فيه قولان: أحدهما لا يجوز لأنه تبعيض صفقة على البائع فلم يجز من غير رضاه والثاني يجوز لأن العيب اختص بأحدهما فمجاز أن يفرده بالرد وإن ابتاع اثنان عبداً فأراد أحدهما أن يمسك حصته وأراد الآخر أن يرد حصته جاز لأن البائع فرق الملك في الإيجاب لهما فجاز أن يرد عليه أحدهما دون الآخر كما لو باع منهما في صفقتين فإن مات من له الخيار انتقل إلى وارثه لأنه حق لازم يختص بالمبيع فانتقل بالموت إلى الوارث كحبس المبيع إلى أن يحضر الثمن فإن كان له وارثان فاختار أحدهما أن يرد نصيبه دون الآخر لم يجز لأنه تبعيض صفقة في الرد فلم يجز من غير رضا البائع كما لو أراد المشتري أن يرد بعض المبيع.
فصل: وإن وجد العيب وقد زاد المبيع نظرت فإن كانت الزيادة لا تتميز كالسمن واختار الرد مع الزيادة لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك فلا يجوز أن ترد دونها وإن كانت زيادة منفصلة كأكساب العبد فله أن يرد ويمسك الكسب لما روت عائشة رضي الله عنها أن رجلاً ابتاع غلاماً فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه فقال الرجل يا رسول الله قد استغل غلامي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان1" وإن كان المبيع بهيمة فحملت عنده وولدت أو شجرة فأثمرت عنده رد الأصل وأمسك الولد والثمرة لأنه نماء منفصل حدث في ملكه فجاز أن يمسكه ويرد الأصل كغلة البعد وإن كان المبيع جارية فحملت عنده وولدت ثم علم بالعيب ردها وأمسك الولد لما ذكرناه ومن أصحابنا من قال: لا يرد الأم بل يرجع بالأرش لأن التفريق بين الأم والولد فيما دون سبع سنين لا يجوز وهذا لا يصح لأن التفريق بينهما يجوز عند الضرورة ولهذا قال الشافعي رحمه الله في الجارية المرهونة إنها تباع دون الولد فإن اشتراها وهي حامل فولدت عنده فإن قلنا إن الحمل له حكم رد الجميع وإن قلنا لا حكم للحمل رد الأم دون الولد وإن كان المبيع جارية ثيباً فوطئها ثم علم بالعيب فله أن يردها لأنه انتفاع لا يتضمن نقصاً فلم يمنع الرد كالاستخدام وإن وجد العيب وقد نقص المبيع نظرت فإن كان النقص بمعنى لا يقف استعلام العيب على جنسه كوطء البكر وقطع الثوب وتزويج الأم لم يجز له الرد بالعيب لأنه أخذه من البائع
وبه عيب فلا يجوز رده وبه عيبان من غير رضاه وينتقل حقه إلى الأرش لأنه فات جزء من المبيع وتعذر الفسخ بالرد فوجب أن يرجع إلى بدل الجزء الفائت وهو الأرش فإن قال البائع أنا آخذ المبيع مع العيب الحادث لم يلزمه دفع الأرش لأنه لم يكن له غير الرد وإن قال المشتري أرده وأعطي معه أرش العيب الحادث في يده فإذا رضي به صار كأنه لم يحدث عنده عيب فلم يكن له غير الرد وإن قال المشتري أرده وأعطي معه أرش العيب الحادث عندي لم يلزم البائع قبوله كما إذا حدث العيب به عند البائع فقال: خذه وأنا أعطيك معه أرش العيب لم يلزم المشتري قبوله.
فصل: فإذا أراد الرجوع بالأرش قوم المبيع بلا عيب فيقال قيمته مئة ثم يقوم مع العيب فيقال قيمته تسعون فيعلم أنه قد نقص العشر من بدله فيرجع على البائع بعشر الثمن ولايرجع بما نقص من قيمته لأن الرش بدل عن الجزء الفائت ولو فات المبيع كله رجع على البائع بجميع الثمن فإذا فات قدر العشر منهرجع بعشر الثمن كالجزء لما ضمن جميعه بالدية ضمن الجزء منه بجزء من الدية ولأنا لو قلنا إنه يرجع بما نقص من قيمته أدى إلى أن يجتمع الثمن والمثمن للمشتري فإنه قد يشتري ما يساوي مائة بعشرة فإذا رجع بالعشرة رجع جميع الثمن إليه فيجتمع له الثمن والمثمن وهذا لا يجوز وإن اختلفت قيمة المبيع من حال العقد إلى حال القبض قوم بأقل القيمتين لأنه إن كانت قيمته وقت العقد أكثر ثم نقص كان ما نقص في يده مضموناً عليه وماكان نقصانه من ضمانه فلا يجوز أن يقوم على البائع وإن كان قيمته وقت العقد أكثر ثم نقص كان ما نقص في يده مضموناً عليه وما كان نقصانه من ضمانه فلا يجوز أن يقوم على البائع وإن كانت قيمته وقت العقد أقل ثم زادت في يده فإنها زيادة حدثت في ملك المشتري لا حق للبائع فيها فلا يجوز إدخالها في التقويم فإن كان المبيع إناء من فضة وزنه ألف وقيمته ألفان فكسره ثم علم به عيباً لم يجز له الرجوع بأرش العيب لأن ذلك رجوع بجزء من الثمن فيصير الأف بدون الألف وذلك لا يجوز فيفسخ البيع ويسترجع الثمن ثم يغرم أرش الكسر وحكى أبو القاسم الداركي وجهاً آخر أنه يرجع بالأرش لأن ما ظهر من الفضل بالرجوع بالأرش لا اعتبار به والدليل عليه أنه يجوز الرجوع بالأرش في غير هذا ولا يقال إن هذا لا يجوز لأنه يصير الثمن مجهولاً.
فصل: وإن وجد العيب وقد نقص المبيع بمعنى يقف استعلام العيب على جنسه بأن كان جوزاً أو بيضاً أو غير ذلك مما لا يقف على عيبه إلا بكسره فينظر فيه فإن كسره فوجده لا قيمة للباقي كالبيض المذر والرمان العفن فالبيع باطل لأن مالا قيمة له لا يصح
بيعه فيجب رد الثمن فإن كان له قيمة كبيض النعامة والبطيخ الحامض وما دود بعضه من المأكول نظرت فإن كسر منه قدراً لا يوفق على العيب بما دونه ففيه قولان: أحدهما أنه لا يرد وهو قول المزني لأنه نقص حدث في يد المشتري فمنع الرد كقطيع الثوب والثاني لا يمنع الرد لأنه معنى لا يوقف على العيب إلا به فلم يمنع الرد كنشر الثوب فإن قلنا لا يرد رجع بأرش العيب على ما ذكرناه وإن قلنا يرد فهل يلزمه أن يدفع معه أرش الكسر؟ فيه قولان: أحدهما يلزمه كما يلزمه بدل لبن الشاة المصراة والثاني لا يلزمه لأن الكسر الذي يتوصل به إلى معرفة العيب مستحق له فلا يلزمه لأجله أرش فإنا قلنا يلزمه الأرش قوم معيباً صحيحاً ومعيباً مكسوراً ثم يرجع عليه بما بين القيمتين لأنه لما رد انفسخ العقد فصار فيه كالمقبوض بالسوم والمقبوض بالسوم مضمون بالقيمة فضمن نقصانه بما نقص من القيمة ويخالف الأرش مع بقاء العقد لأن المبيع مع بقاء العقد مضمون بالثمن فضمن نقصانه بجزء من الثمن وإن كسر منه قدراً يمكنه الوقوف على العيب بأقل منه ففيه طريقان أحدهما: لا يجوز الرد قولاً واحداً لأنه نقص حدث بمعنى لا يحتاج إليه لمعرفة العيب فمنع الرد كقلع الثوب والثاني أنه على القولين لأنه يشق التمييز بين القدر الذي يحتاج إليه في معرفة العيب وبين ما زاد عليه فسوي بين القليل والكثير.
فصل: وإن لم يعلم بالعيب حتى أبق العبد لم يطالب بالأرش لأنه لم ييأس من الرد فإن رجع رده بالعيب وإن هلك أخذ عنه الأرش فإن لم يعلم بالعيب حتى باعه لم يجز له المطالبة بالأرش قال أبو إسحاق: العلة فيه أنه استدرك الظلامة فغبن كما غبن فزال عنه ضرر العيب وقال أكثر أصحابنا العلة فيه أنه ييأس من الرد لأنه قد يرجع إليه فيرد عليه فإن رد المشتري الثاني بالعيب على المشتري الأول رده على البائع لأنه أمكنه الرد ولم يستدرك الظلامة وإن حدث عند الثاني عيب فرجع على الأول بالأرش رجع هو على بائعه لأنه أيس من الرد ولم يستدرك الظلامة وإن تلف في يد الثاني وقلنا بتعليل أبي إسحاق لم يرجع لأنه استدرك الظلامة وإن قلنا بتعليل غيره رجع بالأرش لأنه قد أيس من الرد وإن رجع المبيع إليه ببيع أو هبة أو إرث لم يرد على تعليل أبي إسحاق لأنه استدرك الظلامة وعلى تعليل غيره يرد لأنه أمكنه الرد فإن لم يعلم بالعيب حتى وهبه من غيره فإن كان بعوض كالبيع وقد بيناه وإن وهبه بغير عوض لم يرجع بالأرش لأنه لم ييأس من الرد فإن رجع إليه ببيع أو هبة أو إرث فله الرد بلا خلاف لأنه أمكنه الرد ولم يستدرك الظلامة.
فصل: والعيب الذي يرد به المبيع ما يعده الناس عيباً فإن خفي منه شيء رجع فيه إلى أهل الخبر بذلك الجنس فإن اشترى عبداً فوجده أعمى أو أعرج أو أصم أو أخرس أو مجذوماً أو أبرص أو مريضاً أو أبخر أو مقطوعاً أو أقرع أو زانياً أو سارقاً أو آبقاً ثبت له الرد لأن هذه عاهات يقتضي مطلق العقد السلامة منها فلا يلزمه العقد مع وجودها وإن وجده يبول في الفراش فإن كان صغيراً لم يرد لأن بول الصغير معتاد فلا يعد عيباً وإن كان كبيراً رد لأن ذلك عاهة ونقص وإن وجده خصياً ثبت له الرد لأن العقد يقتضي سلامة الأعضاء وهذا ناقص وإن وجده غير مختون فإن كان صغيراً لم يثبت له الرد لأنه لا يعد ذلك نقصاً في الصغير لأنه لا يخاف عليه منه وإن كان كبيراً ثبت له الرد لأنه يعد نقصاً لأنه يخاف عليه منه وإن كانت جارية لم ترد صغيرة أو كبيرة لأن ختانها سليم لا يخاف عليها منه وإن اشترى جارية فوجدها مغنية لم ترد لأنه لا تنقص به العين ولا القيمة فلم يعد ذلك عيباً وإن وجدها ثيباً أو مسنة لم يثبت له الرد لأن الثيوبة والكبر ليس بنقص وإنما هو عدم فضيلة فإن وجد المملوك مرتداً أو وثنياً ثبت له الرد لأنه لا يقر على دينه وإن وجده كتابياً لم يثبت له الرد لأن كفره لا ينقص من عينه ولا من ثمنه وإن اشترى أمة فوجدها مزوجة أو عبداً فوجده مستأجراً ثبت له الرد لأن إطلاق البيع يقتضي سلامة المنافع للمشتري ولم يسلم له ذلك فثبت له الرد وإن اشترى شيئاً فتبين أنه غبن في ثمنه لم يثبت له الرد لما روي أن حبان بن منقذ كان يخدع في البيع فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا بعت فلا خلابة ولك الخيار ثلاثاً" ولم يثبت له خيار الغبن ولأن المبيع سليم ولم يوجد من جهة البائع تدليس وإنما فرط المشتري في ترك الاستظهار فلم يجز له الرد.
فصل: وإن اشترى عبداً بشرط أنه كاتب فوجده غير كاتب أو على أنه يحسن صنعة فوجده لا يحسن ثبت له الرد لأنه أنقص مما شرط فجاز له الرد وإن اشتراه على أنه فحل فوجده خصياً ثبت له الرد لأنه الخصي أنقص من الفحل في الخلقة والبطش والقوة وإن شرط أنه خصي فوجده فحلاً ثبت له الرد لأن الفحل دون الخصي في الثمن والدخول إلى الحرم وإن اشتراه على أنه لا يثبت له الرد لأن المسلم أفضل من الكافر وهذا لا يصح لأن المسلم أفضل في الدين إلا أن الكافر أكثر ثمناً لأنه يرغب فيه المسلم والكافر والمسلم لا يشتريه الكافر وإذا اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيباً ثبت له الرد لأن الثيب دون البكر وإن اشتراها على أنها ثيب فوجدها بكراً لم يثبت له الرد لأن البكر أفضل من الثيب ومن أصحابنا من قال: يثبت له الرد لأنه قد يكون ضعيفاً لا يطيق وطء البكر فكانت الثيب أحب إليه والمذهب الأول لأنه لا اعتبار بما عنده وإنما الاعتبار بما يزيد في الثمن والبكر أفضل من الثيب في الثمن وإن باعه حيواناً على أنه بغل فوجده حماراً أو على أنه حمار فوجده بغلاً ففيه وجهان: أحدهما أن البيع صحيح لأن العقد وقع على العين والعين موجودة فصح البيع وثبت له الرد لأنه لم يجده على ما شرط والثاني أن البيع باطل لأن العقد وقع على جنس فلا ينعقد في جنس آخر وإن اشترى ثوباً أو أرضاً على أنه عشرة أذرع فوجده تسعة فهو بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن وبين أن يرده لأنه دخل في العقد على أن تسلم له العشرة ولم تسلم له فثبت له الخيار كما لو وجد بالمبيع عيباً وإن وجده أحد عشر ذراعاً ففيه وجهان: أحدهما أن البائع بالخيار بين أن يفسخ العقد وبين أن يسلمه بالثمن ويجبر المشتري على قوله كما أجبرنا البائع إذا كان دون العشرة والثاني أن البيع باطل لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم ما زاد على عشرة ولا إجبار للمشتري على الرضا بما دون الثوب والساحة من الأرض لأنه لم يرض بالشركة والتبعيض فوجب أن يبطل العقد فإن اشترى صبرة على أنها مائة قفيز فوجدها دون المائة فهو بالخيار بين أن يفسخ لأنه لم يسلم له ما شرط وبين أن يأخذ الموجود بحصته من الثمن لأنه يمكن قسمة الثمن على الأجزاء لتساويها في القيمة ويخالف الثوب والأرض لأن أجزاءها مختلفة فلا يمكن قسمة الثمن على أجزائه لأنا لا نعلم كم قيمة الذراع لو كانت موجودة لنسقطها من الثمن وإن وجد الصبرة أكثر من مائة قفيز أخذ المائة بالثمن وترك الزيادة لأنه يمكن أخذ ما عقد عليه من إضرار.
فصل: وإن باع عبداً جانياً ففيه قولان: أحدهما أن البيع صحيح وهو اختيار المزني لأنه إن كانت الجناية عمداً فهو عبد تعلق برقبته قتل فصح بيعه كالعبد المرتد أو يخشى
هلاكه وترجى سلامته فجاز بيعه كالمريض وإن كان خطأً فلأنه عبد تعلق برقبته حق بغير اختياره فلا يمنع من بيعه والقول الثاني أن البيع باطل لأنه عبد تعلق برقبته آدمي فلا يصح بيعه كالمرهون وفي موضع القولين ثلاث طرق: أحدها أن القولين في العمد والخطأ لأن القصاص حق آدمي فهو كالمال ولأنه يسقط إلى مال بالعفو فهو كالمال والثاني أن القولين في جناية لا توجب القصاص فأما فيما توجب القصاص فلا تمنع البيع قولاً واحداً لأنه كالمرتد والثالث أن القولين فيما وجب القصاص فأما فيما يوجب لا مال فلا يجوز قولاً واحداً لأنه كالمرهون فإذا قلنا إن البيع صحيح في قتل العمد فقتل العبد في يد المشتري ففيه وجهان: قال أبو العباس وأبو علي بن أبي هريرة: إن علم المشتري بالجناية في حال العقد لم يرجع عليه بالأرش وإن لم يعلم رجع بأرش العيب لأنه تعلق القتل برقبته كالعيب لأنه ترجى سلامته ويرجه هلاكه فهو كالمريض وإذا اشترى المريض ومات وكان قد علم بمرضه لم يرجع بالأرش وإن لم يعلم رجع فكذلك ههنا فعلى هذا إذا لم يعلم بحاله وقتل قوم وهو جان وقوم غير جان فيرجع بما بينهم من الثمن وقال أبو إسحاق وجود القتل بمنزلة الاستحقاق وهو المنصوص فإذا قتل انفسخ البيع ورجع بالثمن على البائع علم بالجناية حال العقد أو لم يعلم لأنه أزيلت يده عن الرقبة بسبب كان في يد البائع فأشبه إذا استحق ويخالف المريض فإنه لم يمت بالمريض الذي في يد البائع وإنما مات بزيادة مرض حدث في يد المشتري فلم يرجع بجميع الثمن وإن اشترى عبداً مرتداً فقتل في يده ففيه وجهان: في قول أبي إسحاق ينفسخ البيع ويرجع بالثمن وعلى قول أبي العباس وأبي علي بن أبي هريرة إن كان قد علم بالردة لم يرجع بالأرش وإن لم يعلم رجع بالأرش ووجههما ما ذكرناه في الجاني عمداً وإن قتل العبد في المحاربة وانحتم قتله فقد ذكر الشيخ أبو حامد الاسفرايني رحمه الله في التعليق أن البيع باطل لأنه لا منفعة فيه لأنه مستحق القتل فلا يصح بيعه كالحشرات وقال شيخنا القاضي أبو الطيب يصح بيعه لأن فيه منفعة وهو أن يعتقه فصح بيعه كالزمن فعلى هذا إذا قتل في يد المشتري فحكمه حكم القاتل عمداً في غير المحاربة وقد بيناه.
فصل: إذا باع بشرط البراءة من العيب ففيه طريقان: أحدهما وهو قول أبي سعيد الأسطخري أن المسألة على ثلاثة أقوال: أحدهما أنه يبرأ من كل عيب لأنه عيب رضي به المشتري فبرئ منه البائع ما لو أوقفه عليه والثاني لا يبرأ من شيء من العيوب لأنه شرط يرتفق به أحد المبايعين فلم يصح مع الجهالة كالأجل المجهول والرهن المجهول والثالث أنه لا يبرأ إلا من عيب واحد وهو العيب الباطن في الحيوان الذي لا
يعلم به البائع لما روى سالم أن أباه باع غلاماً بثمانمائة بالبراءة من كل آفة فوجد الرجل به عيباً فخاصمه إلى عثمان رضي الله عنه فقال عثمان لابن عمر: احلف لقد بعته وما به من داء تعلمه فأبى ابن عمر أن يحلف وقبل الغلام فباعه بعد ذلك بألف وخمسمائة فدل على أنه يبرأ مما لا يعلم ولا يبرأ مما علمه قال الشافعي رحمه الله: ولأن الحيوان يفارق ما سواه لأنه يغتذي بالصحة والسقم وتحول طبائعه وقلما يبرأ من عيب يظهر أو يخفي فدعت الحاجة إلى التبرئ من العيب الباطن فيه لأنه لا سبيل إلى معرفته وتوقيف المشتري عليه وهذا المعنى لا يوجد في العيب الظاهر ولا في العيب الباطن في غير الحيوان فلم يجز التبري منه مع الجهالة والطريق الثاني أن المسألة على قول واحد وهو أنه يبرأ من عيب باطن في الحيوان لم يعلم به ولا يبرأ من غيره وتأول هذا القائل ما أشار إليه الشافعي من القولين الآخرين على أنه حكى ذلك عن غيره ولم يختره لنفسه فإن قلنا إن الشرط باطل فهل يبطل البيع فيه وجهان: أحدهما لا يبطل البيع ويرد المبيع لحديث عثمان رضي الله عنه فإنه أمضى البيع والثاني أنه يبطل البيع لأن هذا الشرط يقتضي جزءاً من الثمن تركه البائع لأجل الشرط فإذا سقط وجب أن يرد الجزء الذي تركه بسبب الشرط وذلك مجهول والمجهول إذا أضيف إلى معلوم صار الجميع مجهولاً فيصير الثمن مجهولاً ففسد العقد والله أعلم.
باب بيع المرابحة
من اشترى سلعة جاز له بيعها برأس المال وبأقل منه وبأكثر منه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" ويجوز أن يبيعها مرابحة وهو أن يبين رأس المال وقدر الربح بأن يقول ثمنها مائة وقد بعتكها برأس مالها وربح درهم في كل عشرة لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان لايرى بأساً بده يازده وده دواز ده ولأنه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال بعتك بمائة وعشرة ويجوز أن يبيعها مواضعة رأن يقول رأس مالها مائة وقد بعتك برأس مالها ووضع درهم من كل عشرة لأنه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال بعتك بمائة إلا عشرة ويجوز أن يبيع بعضه مرابحة فإن كان مما لا تختلف أجزاؤه كالطعام والعبد والواحد قسم الثمن على أجزائه وباع ما يريد بيعه منه بحصته وإن كان مما يختلف كالثوبين والعبدين قومهما وقسم الثمن عليهما على قدر
قيمتهما ثم باع ما شاء منهما بحصته من الثمن لأن الثمن ينقسم على المبيعين على قدر قيمتهما ولهذا لو اشترى سيفاً وشقصاً بألف قسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما ثم أخذ الشفيع الشقص بما يخصه من الثمن على قدر قيمته.
فصل: ولا يخبر بالثمن إلا بالذي لزم به البيع فإن اشترى بثمن ثم حط البائع عنه بعضه أو ألحق به زيادة نظرت فإن كان بعد لزوم العقد لم يلحق ذلك بالعقد ولم يحط في بيع المرابحة ما حط عنه ولا يخبر بالزيادة فيما زاد لأن البيع استقر بالثمن الأول فالحط والزيادة تبرع لا يقابله عوض فلم يتغير به الثمن وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد وجعل الثمن ماتقرر بعد الحط والزيادة وقال أبو علي الطبري: إن قلنا أن المبيع ينتقل بنفس العقد لم يلحق به لأن المبيع قد ملكه بالثمن الأول فلم يتغير بما بعده والمذهب الأول لأنه وإن كان قد انتقل المبيع إلا أن البيع لم يستقر فجاز أن يتغير الثمن بما يلحق به وإن اشترى ثوباً بعشرة وقصره بدرهم ورفاه بدرهم وطرزه بدرهم قال هو علي بثلاثة عشر وما أشبه ذلك ولا يقول اشتريت بثلاثة عشر ولا يقول ثمنه ثلاثة عشر لأن ذلك كذب وإن قال رأس مالي ثلاثة عشر ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز أن يقول لأن رأس المال هو الثمن والثمن عشرة والثاني يجوز لأن رأس المال ما وزن فيه وقد وزن فيه ثلاثة عشر وإن عمل فيه ذلك بيده قال اشتريته بعشرة وعملت فيه ما يساوي ثلاثة ولا يقول هو علي بثلاثة عشر لأن عمله لنفسه لا أجرة له ولا يتقوم عليه وإن اشترى عيناً بمائة ووجد بها عيباً وحدث عنده عيب آخر فرجع بالأرش وهو عشرة دراهم قال هي علي بتسعين أو تقوم علي بتسعين ولا يجوز أن يقول الثمن مائة لأن الرجوع بالأرش استرجاع جزء من الثمن فخرج عن أن يكون الثمن مائة ولا يقول اشتريتها بتسعين لأنه كذب وإن كان المبيع عبداً فجنى ففداه بأرش الجناية لم يضف ما فداه إلى الثمن لأن الفداء جعل لاستبقاء الملك فلم يضف إلى الثمن كعلف البهيمة وإن جنى عليه فأخذ الأرش ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يحط من الثمن قدر الأرش لأنه كما لا يضيق ما فدى به الجناية إلى الثمن لا يحط ما أخذ عن أرش الجناية عن الثمن والثاني أنه يحط لأنه عوض عن جزء تناوله البيع فحط من الثمن كأرش العيب وإن حدثت من العين فوائد في ملكه كالولد واللبن والثمرة لم يحط ذلك من الثمن لأن العقد لم يتناوله وإن أخذ ثمرة كانت موجودة عند العقد أو لبناً كان موجوداً حال العقد حط من الثمن لأن العقد تناوله وقابله قسط من الثمن فأسقط ما قابله وإن أخذ ولداً كان موجوداً حال العقد فإن قلنا إن الحمل له حكم فهو كاللبن والثمرة
وإن قلنا لا حكم له لم يحط من الثمن شيئاً وإن ابتاع بثمن مؤجل لم يخبر بثمن مطلق لأن الأجل يأخذ جزءاً من الثمن فإن باعه مرابحة ولم يخبره بالأجل ثم علم المشتري بذلك ثبت له الخيار بذلك لأنه دلس عليه بما يأخذ جزءاً من الثمن فثبت له الخيار كما لو باعه شيئاً وبع عيب ولم يعلمه بعيبه وإن اشترى شيئاً بعشرة وباعه بخمسة ثم اشتراه بعشرة أخبر بعشرة ولا يضم ما خسر فيه إلى الثمن ففإن اشترى بعشرة وباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة ثم أخبر بعشرة ولا يحط ما ربح من الثمن لأن الثمن ما ابتاع به في العقد الذي هو مالك به وذلك عشرة وإن اشترى بعشرة ثم واطأ غلامه فباع منه ثم اشتراه منه بعشرين ليخبر بما اشتراه من الغلام كره ما فعله لأنه لو صرح بذلك في العقد فسد العقد فإذا قصده كره فإن أخبر بالعشرين في بيع المرابحة جاز بيعه من الغلام كبيعه من الأجنبي في الصحة فجاز أن يخبر بما اشترى به منه فإن علم بذلك المشتري لم يثبت له الخيار لأن شراءه بعشرين صحيح.
فصل: إذا قال رأس المال مائة وقد بعتكه برأس المال وربح درهم في كل عشرة أو بربح ده يازده فالثمن مائة وعشرة وإن قال بعتك برأس المال ووضع ده يازده فالثمن أحد وتسعون درهماً إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم لأنه معناه بعتك بمائة على أن أضع درهماً من كل أحد عشر درهما فسقط تسعة وتسعين درهماً لأنها تسع مرات أحد عشر ويبقى من رأس المال درهم فيسقط منه جزء من أحد عشر جزءاً فيكون الباقي أحداً وتسعين درهماً إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم وإن قال: بعتك على وضع درهم من كل عشرة ففي الثمن وجهان: أحدهما أن الثمن أحد وتسعون درهماً إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله والثاني أن الثمن تسعون درهماً وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب الطبري رحمه الله وهو الصحيح لأن المائة عشرة مرات عشرة فإذا وضع من كل عشرة درهماً بقي تسعون.
فصل: إذا أخبر أن رأس المال مائة وباع على ربح درهم في كل عشرة ثم قال أخطأت أو قامت البينة أن الثمن كان تسعين فالبيع صحيح وحكى القاضي أبو حامد وجهاً آخر أن البيع باطل لأنه بان أن الثمن كان تسعين وأن ربحها تسعة هذا كان مجهولاً حال العقد فكان العقد باطلاً والمذهب الأول لأن البيع عقد على ثمن معلوم وإنما سقط بعضه بالتدليس وسقوط بعض الثمن لا يفسد البيع كسقوط بعض الثمن بالرجوع بأرش العيب وأما الثمن الذي يأخذه به ففيه قولان: أحدهما أنه مائة وعشرة لأن المسمى في
العقد مائة وعشرة فإذا بان تدليس من جهة البائع لم يسقط من الثمن شيء كما لو باعه شيئاً بثمن فوجد به عيباً والثاني أن الثمن تسعة وتسعون وهو الصحيح لأنه نقل ملك يعتبر فيه الثمن الأول فإذا أخبر بزيادة وجب حط الزيادة كالشفعة والتولية ويخالف العيب فإن هناك الثمن هو المسمى في العقد وههنا الثمن هو رأس المال وقدر الربح وقد بان أن رأس المال تسعون والربح تسعة فإن قلنا إن الثمن مائة وعشرة فهو بالخيار بين أن يمسك المبيع بالثمن وبين أن يفسخ لأنه دخل على أن يأخذ المبيع برأس المال وهذا أكثر من رأس المال فثبت له الخيار وإن قلنا إن الثمن تسعة وتسعون فهل يثبت له الخيار؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان: أحدهما أن له الخيار لأنه إن كان قد أخطأ في الخبر الأول لم يأمن أنيكون قد أخطأ في الثاني وأن لا ثمن غيره وإن كان قد خان في الأول فلا يأمن أن يكون قد خان في الثاني فثبت له الخيار والقول الثاني وهو الصحيح أنه لاخيار له لأن الخيار إنما يثبت لنقص وضرر وهذا زيادة ونفع لأنه دخل على أن الثمن مائة وعشرة وقد رجع إلى تسعة وتسعين فلا وجه للخيار ومنهم من قال إن ثبتت الخيانة بإقرار البائع لزم المشتري تسعة وتسعون ولا خيار له وإن ثبتت بالبينة فهل له الخيار أم لا فيه قولان لأنه إذا ثبتت بالإقرار دل على أمانته فلم يتهم في خيانة أخرى وإذا ثبتت بالبينة كان متهماً في خيانة أخرى فثبت له الخيار قال أصحابنا: القولان إذا كانت العين باقية فأما إذا تلفت العين فإنه يلزم البيع بتسعة وتسعين قولاً واحداً لأنا لو جوزنا له فسخ البيع مع تلف العين رفعنا الضرر عنه وألحقناه بالبائع والضرر لا يزال بالضرر ولهذا لو هلك المبيع عنده ثم علم به عيباً لم يملك الفسخ فإن قلنا لاخيار له وإن قلنا له الخيار فاختار البيع فهل يثبت للبائع الخيار؟ فيه وجهان: أحدهما يثبت له الخيار لأنه لم يرض إلا بالثمن المسمى وهو مائة وعشرة ولم يسلم له ذلك والثاني لاخيار له لأنه رضي برأس المال وربحه وقد حصل له ذلك.
فصل: وإن أخبر أن الثمن مائة وربحه عشرة ثم قال أخطأت والثمن مائة وعشرة لم يقبل قوله لأنه رجوع عن إقرار متعلق به حق آدمي فلم يقبل كما لو أقر له بدين وإن قال لي بينة على ذلك لم تسمع لأنه كذب بالإقرار السابق بينته فلم تقبل فإن قال أحلفوا لي المشتري أنه لا يعلم أن الثمن مائة وعشرة ففيه طريقان: أحدهما أنه إن قال ابتعته بنفسي لم يحلف المشتري لأن إقراره بكذبه وإن قال إبتاعه وكيل لي فظننت أنه ابتاع بمائة وقد بان لي أنه ابتاع بمائة وعشرة حلف لأنه الآن لا يكذبه إقراره والثاني أنه يبني على القولين في يمين المدعي مع نكول المدعي عليه فإن قلنا أنه كالبينة لم يعرض اليمين
لأنه إذا نكل حصلنا على بينة والبينة لا تسمع وإن قلنا أنه كالإقرار عرضنا اليمين لأنه إذا نكل حصلنا على الإقرار وإقراره مقبول.
باب النجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والتسعير والاحتكار
ويحرم النجش وهو أن يزيد في الثمن ليغر غيره والدليل عليه لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش ولأنه خديعة مكر فإن اغتر الرجل بمن ينجش فابتاع فالبيع صحيح لأن النهي لا يعود إلى البيع فلم يمنع صحته كالبيع في حال النداء فإن علم المبتاع بذلك نظرت فإن لم يكن للبائع فيه صنع لم يكن للمبتاع الخيار لأنه ليس من جهة البائع تدليس وإن كان النجش بمواطأة من البائع ففيه قولان: أحدهما أن له الخيار بين الإمساك والرد لأنه دلس عليه فثبت له الرد كما لو دلس عليع بعيب والثاني لا خيار له لأن المشتري فرط في ترك التأمل وترك التفويض إلى من يعرف ثمن المتاع.
فصل: ويحرم أن يبيع على بيع أخيه وهو أن يجيء إلى من اشترى شيئاً في مدة الخيار فيقول افسخ فإني أبيعك أجود منه بهذا الثمن أو أبيعك مثله بدون هذا الثمن لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبع الرجل على بيع أخيه1" ولأن في هذا إفساداً وإنجاشاً فلم يحل فإن قبل منه وفسخ البيع واشترى منه صح البيع لما ذكرناه في النجش.
فصل: ويحرم أن يدخل على سوم أخيه وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في بيع سلعة بثمن فيزيده ليبيع منه أو يجيء إلى المشتري فيعرض عليه مثل السلعة بدون ثمنها أو أجود منها بذلك الثمن لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب
الرجل على خطبة أخيه ولا يسم على سوم أخيه2" ولأن في هذا إفساداً وإنجاشاً فلم يحل فأما إذا جاء إليه فطلب منه متاعاً فلم ينعم له جاز لغيره أن يطلبه لأنه لم يدخل على سومه وإن طلبه منه فسكت ولم يظهر منه رد ولا إجابة ففيه قولان: أحدهما يحرم والثاني لا يحرم كالقولين في الخطبة على خطبة أخيه وأما إذا عرضت السلعة في النداء جاز لمن شاء أن يطلبها ويزيد في ثمنها لما روى أنس رضي الله عنه عن رجل من الأنصار أنه أصابه جهد شديد هو وأهل بيته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فقال: ما عندي شيء إذهب فأتني بما عندك فذهب فجاء بحلس وقدح فقال: يا رسول الله هذا الحلس والقدح فقال: "من يشتري هذا الحلس والقدح" فقال رجل أنا آخذهما بدرهم فقال: "من يزيد على درهم"؟ فسكت القوم قال: "من يزيد على درهم" فقال رجل أن آخذهما بدرهمين فقال: "هما لك" ثم قال بعد ثم قال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي دم موجع أو فقر مدقع أو غرم مفظع3" ولأن في النداء لا يقصد رجلاً بعينه فلا يؤدي إلى النجش والإفساد.
فصل: ويحرم أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم رجلاً ومعه متاع يريد بيعه ويحتاج الناس إليه في البلد فإذا باع اتسع وإذا لم يبع ضاق فيجيء إليه سمسار فيقول لا تبع
حتى أبيع لك قليلاً قليلاً وأزيد في ثمنها لما روى ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبع حاضر لباد1" قلت ما لا يبع حاضر لباد قال لا يكون له سمساراً وروى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" فإن خالف وباع له صح البيع لما ذكرناه في النجش فإن كان البلد كبيراً لا يضيق على أهله بترك البيع ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز للخبر والثاني يجوز لأن المنع لخوف الإضرار بالناس ولا ضرر ههنا.
فصل: ويحرم تلقي الركبان وهو أن يتلقى القافلة ويخبرهم بكساد ما معهم من متاع ليغبنهم لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تتلقى السلع حتى يهبط بها الأسواق ولأن هذا تدليس وغرر فلم يحل فإن خالف واشترى صح البيع لما ذكرناه في النجش فإن دخلوا البلد فبان لهم الغبن كان لهم الخيار لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تلقوا الجلب فمن تلقاها واشترى منهم فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق2" ولأنه غرهم ودلس عليهم فثبت لهم الخيار كما لو دلس عليهم بعيب وإن بان لهم أنه لم يغبنهم ففيه وجهان: أحدهما أن لهم الخيار للخبر والثاني لا خيار لهم لأنه ما غر ولا دلس وإن خرج إلى خارج البلد لحاجة غير التلقي فرأى القافلة فهل يجوز أن يبتاع منهم فيه وجهان: أحدهما يجوز لأنه لم يقصد التلقي والثاني لا يجوز لأن المنع من التلقي للبيع وهذا المعنى موجود وإن لم يقصد التلقي فلم يجز.
فصل: ولا يحل للسلطان التسعير لما روى أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس: يا رسول الله سعر لنا فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله هو القابض والباسط والرازق والمسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال1". فصل: ويحرم الاحتكار في الأقوات وهو أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه ومن أصحابنا من قال: يكره ولا يحرم وليس بشيء لما روى عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" وروى معمر العدوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ2" فدل على أنه حرام فأما إذا ابتاع في وقت الرخص أو جاءه من ضيعته طعام فأمسكه ليبيعه إذا غلا فلا يحرم ذلك لأنه في معنى الجالب وقد روى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون3" وروى أبو الزناد قال: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عنك أنك قلت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحتكر بالمدينة إلا خاطئ وأنت تحتكر! قال: ليس هذا الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالي بها فإما أن يأتي الشيء وقد اتضع فيشتريه ثم يضعه فإن احتاج الناس إليه أخرجه فذلك خير وأما غير الأقوات فيجوز إحتكاره لما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام فدل على أن غيره يجوز ولأنه لا ضرر في احتكار غير الأقوات فلم يمنع منه.
باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع
إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن ولم تكن بينة تحالفا لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن الناس أعطوا بدعاويهم لادعى الناس من الناس دماء ناس وأموالهم لكن اليمين على المدعى عليه1" فجعل اليمين على المدعى عليه والبائع مدعى عليه بيع بألف والمشتري مدعى عليه بيع بألفين فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمين لأن كل واحد منهما مدعى عليه ولا بينة فتحالفا كما لو ادعى رجل على رجل ديناراً وادعى الآخر على المدعى درهماً.
فصل: قال الشافعي رحمه الله في البيوع يبدأ بيمين البائع وقال في الصداق إذا اختلف الزوجان يبدأ بيمين الزوج كالمشتري وقال في الدعوى والبينات إن بدأ بالبائع خير المشتري وإن بدأ بالمشتري خير البائع وهذا يدل على أنه مخير بين أن يبدأ بالبائع وبين أن يبدأ بالمشتري فمن أصحابنا من قال فيها ثلاثة أقوال: أحدهما يبدأ بالمشتري لأن جنبته أقوى لأن المبيع على ملكه فكان بالبداية أولى والثاني يبدأ بمن شاء منهما لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في الدعوى فتساويا كما لو تداعيا شيئاً في يديهما والثالث أن يبدأ بالبائع وهو الصحيح لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار2" فبدأ بالبائع ثم خير المبتاع ولأن جنيته أقوى لأنه إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداية به أولى ومن أصحابنا من قال هي على قول واحد أنه يبدأ بالبائع ويخالف الزوج في الصداق لأن جنبته أقوى من جنبة الزوجة لأن البضع بعد التحالف على ملك الزوج فكان بالتقديم أولى وها هنا جنبة البائع أقوى لأن المبيع بعد التحالف على ملك موضع اجتهاد فقال إن حلف الحاكم البائع باجتهاده خير المشتري وإن حلف المشتري خير البائع.
فصل: ويجب أن يجمع كل واحد منهما في اليمين بين النفي والإثبات لأنه يدعي عقداً وينكر عقداً فوجب أن يحلف عليهما ويجب أن يقدم النفي على الإثبات.
وقال أبو
سعيد الإصطخري: يقدم الإثبات على النفي كما قدمنا الإثبات على النفي في اللعان والمذهب الأول لأن الأصل في اليمين أن يبدأ بالنفي وهي يمين المدعي عليه فوجب أن يبدأ ههنا أيضاً بالنفي ويخالف اللعان فإنه لا أصل له في البداية بالنفي وهل تجمع بين النفي والإثبات بيمين واحدة أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما يجمع بينهما بيمين واحدة وهو المنصوص في الأم لأنه أقرب إلى فصل القضاء فعلى هذا يحلف البائع إنه لم يبع بألف ولقد باع بألفين ويحلف المشتري ما إنه اشترى بألفين ولقد اشترى بألف فإن نكل المشتري قضى للبائع وإن حلف فقد تحالفا والثاني أن يفرد النفي بيمين والإثبات بيمين لأنه دعوى عقد وإنكار فافتقر إلى يمينين ولأنا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة حلفنا البائع على الإثبات قبل نكول المشتري عن يمين النفي وذلك لا يجوز فعلى هذا يحلف البائع أنه ما باع بألفين فإن نكل المشتري حلف البائع أنه باع بألفين وقضى له فإن حلف المشتري حلف البائع أنه باع بألفين ثم يحلف المشتري أنه ابتاع بألف فإن نكل قضى للبائع وإن حلف فقد تحالفا.
فصل: وإذا تحالفا وجب فسخ البيع لأنه لا يمكن إمضاء العقد مع التحالف وهل ينفسخ بنفس التحالف أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما أنه ينفسخ بنفس التحالف كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف ولأن بالتحالف صار الثمن مجهولاً والبيع لا يثبت مع جهالة العوض فوجب أن ينفسخ والثاني أنه لا ينفسخ إلا بالفسخ بعد التحالف وهو المنصوص لأن العقد في الباطن صحيح لأنه وقع على ثمن معلوم فلا ينفسخ بتحالفهما ولأن البينة أقوى من اليمين ثم لو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه لم ينفسخ البيع فلأن لا ينفسخ باليمين أولى وفي الذي يفسخه وجهان: أحدهما أنه يفسخه الحاكم لأنه مجتهد فيه فافتقر إلى الحاكم كفسخ النكاح بالعيب والثاني أنه ينفسخ بالمتعاقدين لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فصح من المتبايعين كالرد بالعيب.
فصل: وإذا فسخ أو انفسخ فهل ينفسخ ظاهراً وباطناً أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما ينفسخ ظاهراً وباطناً لأنه فسخ بالتحالف فوقع ظاهراً وباطناً كفسخ النكاح باللعان ولأنه فسخ بيع لاستدراك الظلامة فصح ظاهراً أو باطناً كالرد بالعيب والثاني أنه ينفسخ في الظاهر دون الباطن لأن سبب الفسخ هو الجهل بالثمن والثمن معلوم في الباطن مجهول في الظاهر فلما اختصت الجهالة بالظاهر دون الباطن اختص البطلان بالظاهر دون الباطن والثالث أنه إن كان البائع هو الظالم وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن لأنه يمكنه أن يصدق المشتري ويأخذ منه الثمن ويسلم إليه المبيع فإذا لم يفعل كان ممتنعاً من تسليم
المبيع بظلم فلم ينفسخ البيع وإن كان البائع مظلوماً انفسخ ظاهراً وباطناً لأنه تعذر عليه أخذ الثمن ووجد عين ماله فجاز له أن يفسخ ويأخذ عين ماله كما لو أفلس المشتري ووجد البائع عين ماله فإن قلنا إن الفسخ يقع في الظاهر والباطن عاد المبيع إلى ملك البائع وإلى تصرفه وإن قلنا إن الفسخ في الظاهر دون الباطن نظرت فإن كان البائع هو الظالم لم يجز له قبض المبيع والتصرف فيه بل يلزمه أن يأخذ ما أقر به المشتري من الثمن ويسلم المبيع إليه وإن كان مظلوماً لم يجز له التصرف في المبيع بالوطء والهبة لأنه على ملك المشتري ولكن يستحق البائع الثمن في ذمة المشتري ولا يقدر على أخذه منه فيبيع من المبيع بقدر حقه كما تقول فيمن له على رجل دين لا يقدر على أخذه منه ووجد شيئاً من ماله.
فصل: وإن اختلفا في الثمن بعد هلاك السلعة في يد المشتري تحالفا وفسخ البيع بينهما لأن التحالف يثبت لرفع الضرر واستدراك الظلامة وهذا المعنى موجود بعد هلاك السلعة فوجب أن يثبت التحالف فإذا تحالفا رجع بقيمته ومتى تعتبر قيمته فيه وجهان: أحدهما تجب قيمته يوم التلف والثاني تجب قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف وقد ذكرنا دليل الوجهين في هلاك السلعة في البيع الفاسد فإن زادت القيمة على ما ادعاه البائع من الثمن وجب ذلك وحكي عن أبي علي بن خيران أنه قال: ما زاد على الثمن لا يجب لأن البائع لا يدعيه فلم يجب كما لو أقر لرجل بما لا يدعيه والمذهب الأول لأنه بالفسخ سقط اعتبار السلعة فالقول قول المشتري لأنه غارم فكان القول قوله كالغاصب فإن تقايلا أو وجد بالمبيع عيباً فرده واختلفا في الثمن فقال البائع الثمن ألف وقال المشتري الثمن ألفان فالقول قول البائع لأن البيع قد انفسخ والمشتري مدع والبائع منكر فكان القول قوله.
فصل: وإن مات المتبايعان فاختلف ورثتهما تحالفوا لأنه يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في دعوى المال وإن كان البيع بين وكيلين واختلفا في الثمن ففيه وجهان: أحدهما يتحالفان لأنهما عاقدان فتحالفا كالمالكين والثاني لا يتحالفان لأن اليمين تعرض حتى يخاف الظالم منهما فيرجع والوكيل إذا أقر ثم رجع لم يقبل رجوعه فلا تثبت اليمين في حقه.
فصل: وإن اختلف المتبايعان في قدر المبيع تحالفا لما ذكرنا في الثمن وإن اختلفا في عين المبيع يأن قال البائع بعتك هذا العبد بألف وقال المشتري بل اشتريت هذه الجارية بألف ففيه وجهان: أحدهما يتحالفان لأن كل واحد منهما يدعي عقداً ينكره الآخر
فأشبه إذا اختلفا في قدر المبيع والثاني أنهما لايتحالفا بل يحلف البائع أنه ما باعه الجارية ويحلف المشتري أنه ما اشترى العبد وهو اختيار الشيخ أبي حامد الأسفرايني رحمه الله لأنهما اختلفا في أصل العقد في العبد والجارية فكان القول فيه قول من ينكر كما لوادعى أحدهما على الآخر عبد والآخر جارية من غير عقد فإن أقام البائع بينة أنه باعه العبد وجب على المشتري الثمن فإن كان العبد في يده أقر في يده وإن كان في يد البائع ففيه وجهان: أحدهما يجبر المشتري على قبضه لأن البينة قد شهدت له بالملك والثاني لا يجبر لأن البينة شهدت له بما لا يدعيه فلم يسلم إليه فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه.
فصل: وإن اختلفا في شرط الخيار أو الأجل أو الرهن أو في قدرها تحالفا لما ذكرناه في الثمن فإن اختلفا في شرط يفسد البيع ففيه وجهان بناءً على القولين في شرط الخيار في الكفالة: أحدهما أن القول قول من يدعي الصحة لأن الأصل عدم ما يفسد والثاني أن القول من يدعي الفساد لأن الأصل عدم العقد فكان القول قول من يدعي ذلك فإن اختلفا في الصرف بعد التفرق فقال أحدهما تفرقنا قبل القبض وقال الآخر تفرقنا بعد القبض ففيه وجهان: أحدهما أن القول قول من يدعي التفرق قبل القبض لأن الأصل عدم القبض والثاني أن القول قول من يدعي التفرق بعد القبض لأن الأصل صحة العقد وإن اختلفا بعد التفرق فقال أحدهما تفرقنا عن تراض وقال الآخر تفرقنا عن فسخ البيع ففيه وجهان: أحدهما أن القول قول من يدعي التراضي لأن الأصل عدم الفسخ وبقاء العقد والثاني أن القول قول من يدعي الفسخ لأن الأصل عدم اللزوم ومنع المشتري من التصرف فأما إذا اختلفنا في عيب المبيع ومثله يجوز أن يحدث فقال البائع عندك حدث العيب وقال المشتري بل حدث عندك فالقول قول البائع لأن الأصل عدم العيب فإن اختلفا في المردود بالعيب فقال المشتري هو المبيع وقال البائع الذي بعتك غير هذا فالقول قول البائع لأن الأصل سلامة المبيع وبقاء العقد فكان القول قوله فإن اشترى عبدين فتلف أحدهما ووجد بالآخر عيباً فرده وقلنا إنه يجوز أن يرد أحدهما واختلفا في قيمة التآلف ففيه قولان: أحدهما وهو الصحيح أن القول قول البائع لأنه ملك جميع الثمن فلا يزال ملكه إلا عن القدر الذي يقربه كالمشتري والشفيع إذا اختلفا في الثمن فإن القول قول المشتري لأنه ملك الشقص فلايزال إلا بما يقربه والثاني أن القول قول المشتري لأنه كالغارم فكان القول قوله فإن باعه عشرة أقفزة من صبرة وسلمها بالكيل فادعى المشتري أنها دون حقه ففيه قولان: أحدهما أن القول قول المشتري لأن
الأصل أنه لم يقبض جميعه والثاني أن القول قول البائع لأن العادة فيمن يقبض حقه بالكيل أن يستوفي جميعه فجعل القول قول البائع.
فصل: إذا باعه سلعة بثمن في الذمة ثم اختلفا فقال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن وقال المشتري لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه ثلاثة أقوال: أحدهما يجبر البائع على إحضار المبيع والمشتري على إحضار الثمن ثم يسلم إلى كل واحد منهما ما له دفعة واحدة لأن التسليم واجب على كل واحد منهما فإذا امتنعا أجبرا كما لو كان لأحدهما على الآخر دراهم وللآخر عليه دنانير والثاني لا يجبر واحد منهما بل يقال من يسلم منكما ما عليه أجبر الآخر على تسليم ما عليه لأن على كل واحد منهما حقاً في مقابلة حق له فإذا تمانعا لم يجبر واحد منهما كما لو نكل المدعي عليه فردت اليمين على المدعي فنكل والثالث أنه يجبر البائع على تسليم المبيع ثم يجبر المشتري وهو الصحيح لأن حق المشتري متعلق بعين وحق البائع في الذمة فقدم ما تعلق بعين كأرش الجناية مع غيرها من الديون ولأن البائع يتصرف في الثمن في الذمة فوجب أن يجبر البائع على التسليم ليتصرف المشتري في المبيع ومن أصحابنا من قال المسألة على قول واحد وهو أن يجبر البائع على تسليم المبيع كما ذكرناه وما سواه من الأقوال ذكره الشافعي عن غيره ولم يختره فعلى هذا ينظر فيه فإن كان المشتري موسراً نظرت فإن كان ماله حاضراً أجبر على تسليمه في الحال وإن كان في داره أو دكانه حجر عليه في المبيع وفي سائر أمواله إلى أن يدفع الثمن لأنه إذا لم يحجر عليه لم نأمن أن يتصرف فيه فيضر بالبائع وإن كان غائباً منه على مسافة يقصر فيها الصلاة فللبائع أن يفسخ البيع ويرجع إلى عين ماله لأن عليه ضرراً في تأخير الثمن فجاز له الرجوع إلى عين ماله كما لو أفلس المشتري وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ففيه وجهان: أحدهما ليس له أن يختار عين ماله لأنه في حكم الحاضر والثاني له أن يختار عين ماله لأنه يخاف عليه الهلاك فيما قرب كما يخاف عليه فيما بعد وإن كان المشتري معسراً ففيه وجهان: أحدهما تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها والمنصوص أنه يرجع إلى عين ماله لأنه تعذر الثمن بالإعسار فثبت له الرجوع إلى عين ماله كما لو أفلس بالثمن وإن كان الثمن معيناً ففيه قولان: أحدهما يجبران والثاني لا يجبر واحد
منهما ويقسط القول الثالث أنه يجبر البائع لأن الثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين والمنع من التصرف فيه قبل القبض.
فصل: وإن باع من رجل عيناً فأحضر المشتري نصف الثمن ففيه وجهان: أحدهما لا يجبر البائع على تسليم شيء من المبيع لأنه محبوس بدين فلا يسلم شيء منه بحضور بعد الدين كالرهن والثاني أنه يجبر على تسليم نصف المبيع لأن كل واحد منهما عوض عن الآخر وكل جزء من المبيع في مقابلة جزء من الثمن فإذا سلم بعض الثمن وجب تسليم ما في مقابلته ويخالف الرهن في الدين فإن الرهن ليس بعوض من الدين وإنما هو وثيقة به فجاز له حبسه إلى أن يستوفي جميع الدين وإن باع من اثنين عبداً بثمن فأحضر أحدهما نصف الثمن وجب تسليم حصته إليه لأنه أحضر جميع ما عليه من الثمن فوجب تسليم ما في مقابلته من المبيع كما لو اشترى عيناً وأحضر ثمنها والله أعلم.
فصل: إذا تلف المبيع في يد البائع قبل التسليم لم يخل إما أن يكون ثمرة أو غيرها فإن كان غير الثمرة نطرت فإن كان تلفه بآفة سماوية انفسخ البيع لأنه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع كما لو اصطرفا وتفرقا قبل القبض فإن كان المبيع عبداً فذهبت يده بآكلة فالمبتاع بالخيار بين أن يرد وبين أن يمسك فإن اختار الرد رجع بجميع الثمن وإن اختار الإمساك أمسك بجميع الثمن لأن الثمن لا ينقسم على الأعضاء فلم يسقط بتلفها شيء من الثمن وإن أتلفه أجنبي ففيه قولان: أحدهما أنه ينفسخ البيع لأنه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع كما لو تلف بآفة سماوية والثاني أن المشتري بالخيار بين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن وبين أن يقر البيع ويرجع عن الأجنبي بالقيمة لأن القيمة عوض عن المبيع فقامت مقامه في القبض فإن كان عبداً فقطع الأجنبي يده فهو بالخيار بين أن يفسخ ويرجع بالثمن وبين أن يجيزه ويرجع على الجاني بنصف قيمته فإن أتلفه البائع ففيه طريقان: قال أبو العباس فيه قولان كالأجنبي وقال أكثر أصحابنا ينفسخ قولاً واحداً لأنه لا يمكن الرجوع على البائع بالقيمة لأن المبيع مضمون عليه بالثمن فلا يجوز أن يكون مضموناً عليه بالقيمة بخلاف الأجنبي فإن المبيع غير مضمون عليه بالثمن فجاز أن يضمنه بالقيمة فإن كان عبداً فقطع البائع يده ففيه وجهان: قال أبو العباس المبتاع بالخيار إن شاء فسخ البيع ورجع بالثمن وإن شاء أجازه ورجع على البائع بنصف القيمة وقال أكثر أصحابنا هو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه ولا شيء له لأنه جزء من المبيع فلا يضمنه البائع بالقيمة قبل القبض كما لو
ذهب بآكلة فإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن لأن الإتلاف كالقبض ولهذا لو أعتقه جعل إعتاقه كالقبض فكذلك إذا أتلفه فإن كان عبداً فقطع يده لم يجز له أن يفسخ لأنه نقص بفعله إن اندمل ثم تلف في يد البائع رجع البائع على المشتري بأرش النقص فيقوم مع اليد ويقوم بلا يد ثم يرجع بما نقص من الثمن ولا يرجع بما نقص من القيمة لأن المبيع مضمون على المشتري بالثمن فلا يجوز أن يرجع عليه بما نقص من القيمة وإن كان المبيع ثمرة فإن كان على الأرض فهو كغيره من الثمار وقد بيناه وإن كانت على الشجر نظرت فإن تلفت قبل التخلية فهي كغير الثمرة إذا هلك قبل أن يقبض وقد بيناه فإن تلفت بعد التخلية ففيه قولان: أحدهما أنها تتلف من ضمان المشتري لأن التخلية قبض يتعلق به جواز التصرف فدخل في ضمانه كالنقل فيما ينقل والثاني أنها تتلف من ضمان البائع لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بعت من أخيك تمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق1" وروى جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح فإن قلنا بهذا فاختلفا في الهالك فقال البائع الثلث وقال المشتري النصف فالقول قول البائع لأن الأصل عدم الهلاك وإن بلغت الثمار وقت الجداد فلم ينقل حتى هلكت كان هلاكها من ضمان المشتري لأنه وجب عليه النقل فلم يلزم البائع ضمانها والله أعلم.
باب السلم
السلم جائز لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أجله الله في كتابه وأذن فيه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ . فصل: ولا يصلح السلم إلا من مطلق التصرف في المال لأنه عقد على مال فلا يصح إلا من جاز له التصرف كالبيع قال الشافعي رحمه الله: ويصح السلم من الأعمى قال المزني رحمه الله: أعلم من نطقه أنه أراد الأعمى الذي عرف الصفات قبل أن يعمى
قال أبو العباس: هذا الذي قال المزني حسن فأما الأكمه الذي لا يعرف الصفات فلا يصح سلمه لأنه يعقد على مجهول وبيع المجهول لا يصح وقال أبو إسحاق: يصح السلم من الأعمى وإن كان أكمه لأنه يعرف الصفات بالسماع.
فصل: وينعقد بلفظ السلف والسلم وفي لفظ البيع وجهان: من أصحابنا من قال: لا ينعقد السلم بلفظ البيع فإذا عقد بلفظ البيع كان بيعاً ولا يشترط فيه قبض العوض في المجلس لأن السلم غير البيع فلا ينعقد بلفظه ومنهم من قال ينعقد لأنه نوع بيع يقتضي القبض في المجلس فانعقد بلفظ البيع كالصرف.
فصل: ويثبت فيه خيار المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا" ولا يثبت فيه خيار الشرط لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمامه ولهذا لا يجوز أن يتفرقا قبل قبض العوض فلو أثبتنا فيه خيار الشرط أدى إلى أن يتفرقا قبل تمامه.
فصل: ويجوز مؤجلاً للآية ويجوز حالاً لأنه إذا جاز مؤجلاً فلأن يجوز حالاً وهو من الغرر أبعد أولى ويجوز في المعدوم إذا كان موجوداً عند المحل لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمرة السنتين والثلاث فقال: "أسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم1" فلو لم يجز السلم في المعدوم لنهاهم عن السلم في الثمار السنتين والثلاث ويجوز السلم في الموجود لأنه إذا جاز السلم في المعدوم فلأن يجوز في الموجود أولى لأنه أبعد من الغرر.
فصل: ويجوز السلم في كل مال يجوز بيعه وتضبط صفاته كالأثمان والحبوب والثمار والثياب والدواب والعبيد والجواري والأصواف والأشعار والأخشاب والأحجار والطين والفخار والحديد والرصاص والبللور والزجاج وغير ذلك من الأموال التي تباع وتضبط بالصفات والدليل عليه حديث ابن عباس في الثمار وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا نسلف ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا في الزيت والحنطة وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على