أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب السماع قَالَ الله

صفحات 336-375

وَفِي الصَّحِيح أَيْضا انه أَمر ان يبشر خَدِيجَة بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب وَعنهُ ص قَالَ إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صَوت عِنْد نعْمَة صَوت لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم خدود وشق جُيُوب وَدُعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة ثمَّ قَالَ ابو الْقَاسِم واستلذاذ الْقُلُوب واشتياقها إِلَى الْأَصْوَات الطّيبَة واسترواحها إِلَيْهَا مِمَّا لَا يُمكن جحوده فَإِن الطِّفْل يسكن إِلَى الصَّوْت الطّيب والجمل يقاسى تَعب السّير ومشقة الحمولة فيهون عَلَيْهِ بالحداء قَالَ الله تَعَالَى أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت [سُورَة الغاشية 17]

وَحكى إِسْمَاعِيل بن علية قَالَ كنت أمشى مَعَ الشَّافِعِي رَحمَه الله وَقت الهاجرة فجزنا بِموضع يَقُول فِيهِ أحد شَيْئا فَقَالَ مل بِنَا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ أيطربك هَذَا فَقلت لَا فَقَالَ مَالك حسن قلت قد كَانَ مستغنيا عَن أَن يستشهد على الامور الحسية بحكاية مكذوبة على الشَّافِعِي فَإِن إِسْمَاعِيل بن علية شيخ الشَّافِعِي لم يكن مِمَّن يمشي مَعَه وَلم يرو هَذَا عَن الشَّافِعِي بل الشَّافِعِي روى عَنهُ وَهُوَ من أجلاء شُيُوخ الشَّافِعِي وَابْنه ابراهيم بن إِسْمَاعِيل كَانَ متكلما تلميذا لعبد الرَّحْمَن بن كيسَان الْأَصَم أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وَكَانَ قد ذهب إِلَى مصر وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّافِعِي مناوأة حَتَّى كَانَ الشَّافِعِي يَقُول فِيهِ أَنا مُخَالف لِابْنِ علية فِي كل شئ حَتَّى فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَنِّي أَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الَّذِي كلم مُوسَى من وَرَاء الْحجاب وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الَّذِي خلق فِي الْهَوَاء كلَاما يسمعهُ مُوسَى وَهَذَا يذكر لَهُ أول رِسَالَة فِي أصُول الْفِقْه ويظن بعض النَّاس أَن ابْنه يشْتَبه

بِأَبِيهِ فَإِنَّهُ شيخ الشَّافِعِي وَأحمد وطبقتهما فَهَذِهِ الْحِكَايَة يعلم انها مفتراة من لَهُ أدنى معرفَة بِالنَّاسِ وَلَو صحت عَمَّن صحت عَنهُ لم يكن فِيهَا إِلَّا مَا هُوَ مدرك بالإحساس من ان الصَّوْت الطّيب لذيذ مطرب وَهَذَا يشْتَرك فِيهِ جَمِيع النَّاس لَيْسَ هَذَا من أُمُور الدّين حَتَّى يسْتَدلّ فِيهِ بالشافعي بل ذكر الشَّافِعِي فِي مثل هَذَا غض من منصبه مثل مَا ذكر ابْن طَاهِر عَن مَالك رَحمَه الله حِكَايَة مكذوبة وَأهل المواخر أعلم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة من أَئِمَّة الدّين وَلَو حكى مثل هَذَا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم النديم وَأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب الأغاني لَكَانَ أنسب من ان يحكيها عَن الشَّافِعِي ثمَّ يُقَال كَون الصَّوْت الْحسن فِيهِ لذه أَمر حسى لَكِن أَي شئ فِي هَذَا مِمَّا يدل على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من كَونه مُبَاحا اَوْ مَكْرُوها اَوْ محرما وَمن كَون الْغناء قربَة أَو طَاعَة بل مثل هَذَا ان يَقُول الْقَائِل استلذاذا بِالْوَطْءِ مِمَّا لَا يُمكن جحوده واستلذاذ النُّفُوس بِالْوَطْءِ مِمَّا لَا يُمكن جحوده واستلذاذها بِالْمُبَاشرَةِ للجميل من النِّسَاء وَالصبيان مِمَّا لَا يُمكن جحوده واستلذاذها بِالنّظرِ إِلَى الصُّور الجميلة مِمَّا لَا يُمكن جحوده

واستلذاذها بأنواع المطاعم والمشارب مِمَّا لَا يُمكن جحوده فَأَي دَلِيل فِي هَذَا لمن هداه الله على مَا يُحِبهُ ويرضاه أَو يبيحه ويجيزه وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذِه الْأَجْنَاس فِيهَا الْحَلَال وَالْحرَام وَالْمَعْرُوف وَالْمُنكر بل كَانَ الْمُنَاسب لطريقة الزّهْد فِي الشَّهَوَات وَاللَّذَّات وَمُخَالفَة الْهوى ان يسْتَدلّ بِكَوْن الشئ لذيذا مشتهى على كَونه مباينا لطريق الزّهْد والتصوف كَمَا قد يفعل كثير من الْمَشَايِخ يزهدون بذلك فِي جنس الشَّهَوَات وَاللَّذَّات وَهَذَا وَإِن لم يكن فِي نَفسه دَلِيلا صَحِيحا فَهُوَ اقْربْ إِلَى طَريقَة الزّهْد والتصوف من الِاسْتِدْلَال بِكَوْن الشئ لذيذا على كَونه طَرِيقا إِلَى الله وكل من الاستدلالين بَاطِل فَلَا يسْتَدلّ على كَونه مَحْمُودًا أَو مذموما أَو حَلَالا اَوْ حَرَامًا إِلَّا بالأدلة الشَّرْعِيَّة لَا بِكَوْنِهِ لذيذا فِي الطَّبْع أَو غير لذيذ وَلِهَذَا يُنكر على من يتَقرَّب إِلَى الله بترك جنس اللَّذَّات كَمَا قَالَ ص للَّذين قَالَ احدهم أما أَنا فأصوم لَا أفطر وَقَالَ الآخر أما أَنا فأقوم لَا أَنَام وَقَالَ الآخر أما أَنا فَلَا اتزوج النِّسَاء وَقَالَ الآخر أما أَنا فَلَا آكل اللَّحْم فَقَالَ النَّبِي ص

لكني أَصوم وَأفْطر وأقوم وأنام وأتزوج النِّسَاء وآكل اللَّحْم فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني وَقد أنزل الله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ [سُورَة الْمَائِدَة 87] ثمَّ إِن أَبَا الْقَاسِم وَطَائِفَة مَعَه تَارَة يمدحون التَّقَرُّب إِلَى الله بترك جنس الشَّهَوَات وَتارَة يجْعَلُونَ ذَلِك دَلِيلا على حسنه وَكَونه من القربا ت وَهَذَا بِحَسب وجد أحدهم وهواه لَا بِحَسب مَا أنزل الله وأوحاه وَمَا هُوَ الْحق وَالْعدْل وَمَا هُوَ الصّلاح والنافع فِي نفس الْأَمر وَالتَّحْقِيق أَن الْعَمَل لَا يمدح وَلَا يذم لمُجَرّد كَونه لَذَّة بل إِنَّمَا يمدح مَا كَانَ لله أطوع وَلِلْعَبْدِ أَنْفَع سَوَاء كَانَ فِيهِ لَذَّة أَو مشقة قرب لذيذ هُوَ طَاعَة وَمَنْفَعَة وَرب مشق هُوَ طَاعَة وَمَنْفَعَة وَرب لذيذ أَو مشق صَار مَنْهِيّا عَنهُ ثمَّ لَو اسْتدلَّ بِهَذَا على تَحْسِين الْقُرْآن بِهِ لَكَانَ مناسبا فَإِن الِاسْتِعَانَة بِجِنْس اللَّذَّات على جنس الطَّاعَات مِمَّا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة كَمَا يستعان بِالْأَكْلِ وَالشرب على الْعِبَادَات قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم

واشكروا لله [سُورَة الْبَقَرَة 172] وَقَالَ كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ 51] وَفِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لسعد إِنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغى بهَا وَجه الله إِلَّا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة حَتَّى اللُّقْمَة ترفعها إِلَى فِي امْرَأَتك وَقَالَ فِي بضع أحدكُم أَهله صَدَقَة وَكَذَلِكَ حَمده فِي النعم كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا فَلَو قَالَ إِن الله خلق فِينَا الشَّهَوَات وَاللَّذَّات لنستعين بهَا على كَمَال مصالحنا فخلق فِينَا شَهْوَة الْأكل واللذة بِهِ فَإِن ذَلِك فِي نَفسه نعْمَة وَبِه يحصل بَقَاء جسومنا فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ شَهْوَة النِّكَاح واللذة بِهِ هُوَ فِي نَفسه وربه يحصل بَقَاء النَّسْل فَإِذا استعين بِهَذِهِ القوى على

مَا أمرنَا كَانَ ذَلِك سَعَادَة لنا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكُنَّا من الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم نعْمَة مُطلقَة وَإِن استعملنا الشَّهَوَات فِيمَا حظره علينا بِأَكْل الْخَبَائِث فِي نَفسهَا أَو كسبها كالمظالم أَو بالإسراف فِيهَا أَو تعدينا أَزوَاجنَا أَو مَا ملكت أَيْمَاننَا كُنَّا ظالمين معتدين غير شاكرين لنعمته لَكَانَ هَذَا كلَاما حسنا وَالله قد خلق الصَّوْت الْحسن وَجعل النُّفُوس تحبه وتلتذ بِهِ فَإِذا استعنا بذلك فِي اسْتِمَاع مَا امرنا باستماعه وَهُوَ كِتَابه وَفِي تَحْسِين الصَّوْت بِهِ كَمَا أمرنَا بذلك حَيْثُ قَالَ زَينُوا الْقُرْآن باصواتكم وكما كَانَ يفعل أَصْحَابه بِحَضْرَتِهِ مثل أبي مُوسَى وَغَيره كُنَّا قد استعملنا النِّعْمَة فِي الطَّاعَة وَكَانَ هَذَا حسنا مَأْمُورا بِهِ كَمَا كَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لأبي مُوسَى يَا أَبَا مُوسَى ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يَسْتَمِعُون وَكَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد ص إِذا اجْتَمعُوا أمروا وَاحِدًا مِنْهُم أَن يقْرَأ وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُون فَهَذَا كَانَ استماعهم وَفِي مثل هَذَا السماع كَانُوا يستعملون الصَّوْت الْحسن ويجعلون التذاذهم بالصوت الْحسن عونا لَهُم على طَاعَة الله وعبادته باستماع كِتَابه فيثابون على هَذَا الالتذاذ إِذْ اللَّذَّة الْمَأْمُور بهَا الْمُسلم يُثَاب عَلَيْهَا كَمَا يُثَاب على أكله وشربه ونكاحه وكما يُثَاب على لذات

قلبه بِالْعلمِ وَالْإِيمَان فَإِنَّهَا أعظم اللَّذَّات وحلاوة ذَلِك أعظم الحلاوات وَنَفس التذاذه وَإِن كَانَ متولدا عَن سعته وَهُوَ فِي نَفسه ثَوَاب فالمسلم يُثَاب على عمله وَعمل مَا يتلود عَن عمله ويثاب عَمَّا يلتذ بِهِ من ذَلِك مِمَّا هُوَ أعظم لَذَّة مِنْهُ فَيكون متقلبا فِي نعْمَة ربه وفضله فَأَما أَن يسْتَدلّ بِمُجَرَّد استلذاذ الْإِنْسَان للصوت أَو ميل الطِّفْل إِلَيْهِ أَو استراحة الْبَهَائِم بِهِ على جَوَاز أَو اسْتِحْبَاب فِي الدّين فَهُوَ من أعظم الضلال وَهُوَ كثير فِيمَن يعبد الله بِغَيْر الْعلم الْمَشْرُوع وَمن الْمَعْلُوم أَن الاطفال والبهائم تستروح بِالْأَكْلِ وَالشرب فَهَل يسْتَدلّ بذلك على ان كل أكل وَشرب فَهُوَ حسن مَأْمُور بِهِ وأصل الْغَلَط فِي هَذِه الْحجَج الضعيفة أَنهم يجْعَلُونَ الْخَاص عَاما فِي الْأَدِلَّة المنصوصة وَفِي عُمُوم الْأَلْفَاظ المستنبطة فيجنحون إِلَى أَن الْأَلْفَاظ فِي الْكتاب وَالسّنة أَبَاحَتْ أَو حمدت نوعا من السماع يدرجون فِيهَا سَماع المكاء والتصدية أَو يجنحون إِلَى الْمعَانِي الَّتِي دلّت على الْإِبَاحَة أَو الِاسْتِحْبَاب فِي نوع من الْأَصْوَات وَالسَّمَاع يجْعَلُونَ ذَلِك متناولا لسَمَاع المكاء والتصدية وَهَذَا جمع بَين مَا فرق الله بَينه بِمَنْزِلَة قِيَاس الَّذين قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل

الرِّبَا وأصل هَذَا الْقيَاس الْمُشْركين الَّذين عدلوا بِاللَّه وَجعلُوا لله أندادا سووهم بِرَبّ الْعَالمين فِي عبادتها أَو اتخاذها آلِهَة وَكَذَلِكَ من عدل رَسُوله متنبئا كذابا كمسيلمة الْكذَّاب أَو عدل بكتابه وتلاوته واستماعه كلَاما آخر أَو قِرَاءَته أَو سَمَاعه أَو عدل بِمَا شَرعه من الدّين دينا آخرا شَرعه لَهُ شركاؤه فَهَذَا كُله من فعل الْمُشْركين وَإِن دخل فِي بعضه من الْمُؤمنِينَ قوم متأولون فَالنَّاس كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون [سُورَة يُوسُف 106] فالشرك فِي هَذِه الْأمة أخْفى من دَبِيب النَّمْل وَهَذَا مقَام يَنْبَغِي للْمُؤْمِنين التدبر فِيهِ فَإِنَّهُ مَا بدل دين الله فِي الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وَفِي هَذِه الْأمة إِلَّا بِمثل هَذَا الْقيَاس وَلِهَذَا قيل مَا عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بالمقاييس وأصل الشّرك أَن تعدل بِاللَّه تَعَالَى مخلوقاته فِي بعض مَا يسْتَحقّهُ وَحده فَإِنَّهُ لم يعدل أحد بِاللَّه شَيْئا من الْمَخْلُوقَات فِي جَمِيع الْأُمُور فَمن عبد غَيره أَو توكل عَلَيْهِ فَهُوَ مُشْرك بِهِ كمن عمد إِلَى كَلَام الله الَّذِي أنزلهُ وَأمر باستماعه فَعدل بِهِ سَماع بعض الاشعار وَقد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره

وروى أَيْضا عَنهُ مَا تقرب الْعباد إِلَى الله بشئ أحب إِلَيْهِ مِمَّا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن وَهَذَا مَحْفُوظ عَن خباب بن الْأَرَت أحد الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين السَّابِقين قَالَ يَا هَناه تقرب إِلَى الله بِمَا اسْتَطَعْت فَلَنْ يتَقرَّب إِلَيْهِ بشئ احب اليه من كَلَامه فَإِذا عدل بذلك مَا نزه الله عَنهُ وَرَسُوله بقوله تَعَالَى وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي

لَهُ [سُورَة يس 69] وَجعله قُرْآنًا للشَّيْطَان كَمَا فِي الحَدِيث فَمَا قرآني قَالَ الشّعْر كَانَ هَذَا عدل كَلَام الرَّحْمَن بِكَلَام الشَّيْطَان وَهَذَا قد جعل الشَّيْطَان عدلا للرحمن فَهُوَ من جنس الَّذين قَالَ الله فيهم فكبكبوا فِيهَا هم والغاوون وجنود ابليس أَجْمَعُونَ قَالُوا وهم فِيهَا يختصون تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين [سُورَة الشُّعَرَاء 94 98] وَالِاسْتِدْلَال بِكَوْن الصَّوْت الْحسن نعْمَة واستلذاذ النُّفُوس بِهِ على جَوَاز اسْتِعْمَاله فِي الْغناء أَو اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي بعض الصُّور مثل الِاسْتِدْلَال بِكَوْن الْجمال نعْمَة ومحبة النُّفُوس الصُّور الجميلة على جَوَاز اسْتِعْمَال الْجمال الَّذِي للصبيان فِي إمتاع النَّاس بِهِ مُشَاهدَة ومباشرة وَغير ذَلِك اَوْ اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي بعض الصُّور وَهَذَا أَيْضا قد وَقع فِيهِ طوائف من المتفلسفة والمتصوفة والعامة كَمَا وَقع فِي الصَّوْت أَكثر من هَؤُلَاءِ لَكِن الواقعون فِي الصُّور فيهم من لَهُ من الْعقل وَالدّين مَا لَيْسَ لهَؤُلَاء إِذْ لَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ رجل مَشْهُور بَين النَّاس شهرة عَامَّة بِخِلَاف أهل السماع وَلَكِن هم طرقوا لَهُم الطَّرِيق وذرعوا الذريعة حَتَّى آل الْأَمر بِكَثِير من النَّاس أَن قَالُوا وفعلوا فِي الصَّوْت نَظِير مَا قَالَه هَؤُلَاءِ وفعلوه فِي الصُّور يحتجون على جَوَاز النّظر إِلَيْهِ والمشاهدة بِمثل نَظِير

ص إِن الله جميل يحب الْجمال وينسون قَوْله إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ ويحتجون بِمَا فِي ذَلِك من رَاحَة النُّفُوس ولذاتها كَمَا يحْتَج هَؤُلَاءِ ويكرمون ذَا الصُّورَة على مَا يبذله من صورته وإشهادهم إِيَّاهَا كَمَا يكرم هَؤُلَاءِ ذَا الصَّوْت على مَا يبذله من صَوته وإسماعهم إِيَّاه بل كثيرا مَا يجمع فِي الشَّخْص الْوَاحِد بَين الصُّورَة وَالصَّوْت كَمَا يفعل فِي الْمُغَنِّيَات من الْقَيْنَات وَقد زين الشَّيْطَان لكثير من المتنسكة والعباد أَن محبَّة الصُّور الجميلة إِذا لم يكن بِفَاحِشَة فَإِنَّهَا محبَّة لله كَمَا زين لهَؤُلَاء أَن اسْتِمَاع هَذَا الْغناء لله ففيهم من يَقُول هَذَا اتِّفَاقًا وَفِيهِمْ من يظْهر أَنه يُحِبهُ لغير فَاحِشَة ويبطن محبَّة الْفَاحِشَة وَهُوَ الْغَالِب لَكِن مَا أظهروه من الرَّأْي الْفَاسِد وَهُوَ أَن يحب لله مَا لم يَأْمر الله

بمحبته هُوَ الَّذِي سلط الْمُنَافِق مِنْهُم على أَن يَجْعَل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الْكَبَائِر وَلَعَلَّ هَذِه الْبِدْعَة مِنْهُم اعظم من الْكَبِيرَة مَعَ الْإِقْرَار بِأَن ذَلِك ذَنْب عَظِيم وَالْخَوْف من الله من الْعقُوبَة فَإِن هَذَا غَايَته أَنه مُؤمن فَاسق قد جمع سَيِّئَة وَحسنه وَأُولَئِكَ مبتدعة ضلال حِين جعلُوا مَا نهى الله عَنهُ مِمَّا أَمر الله بِهِ وزين لَهُم سوء أَعْمَالهم فرأوه حسنا وبمثلهم يضل أُولَئِكَ حَتَّى لَا ينكروا الْمُنكر إِذا اعتقدوا أَن هَذَا يكون عبَادَة الله وَمن جعل مَا لم يَأْمر الله بمحبته محبوبا لله فقد شرع دينا لم يَأْذَن الله بِهِ وَهُوَ مبدأ الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله [سُورَة الْبَقَرَة 165] فَإِن محبَّة النُّفُوس الصُّورَة وَالصَّوْت قد تكون عَظِيمَة جدا فَإِذا جعل ذَلِك دينا وسمى لله صَار كالأنداد والطواغيت المحبوبة تدينا وَعبادَة كَمَا قَالَ تَعَالَى وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم [سُورَة الْبَقَرَة 93] وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم [سُورَة ص 6] بِخِلَاف من أحب الْمُحرمَات مُؤمنا بِأَنَّهَا من الْمُحرمَات فَإِن من احب الْخمر والغناء وَالْبَغي والمخنث مُؤمنا بِأَن الله يكره ذَلِك ويبغضه فَإِنَّهُ لَا يُحِبهُ محبَّة مَحْضَة بل عقله وإيمانه يبغض هَذَا الْفِعْل ويكرهه وَلَكِن قد غَلبه هَوَاهُ فَهَذَا قد يرحمه الله إِمَّا بتوبة إِذا قوى مَا فِي إيمَانه من بغض ذَلِك وكراهته حَتَّى دفع الْهوى وَإِمَّا بحسنات ماحية وَإِمَّا بمصائب مكفرة وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك

أما إِذا اعْتقد أَن هَذِه الْمحبَّة لله فإيمانه بِاللَّه يُقَوي هَذِه الْمحبَّة ويؤيدها وَلَيْسَ عِنْده إِيمَان يزعه عَنْهَا بل يجْتَمع فِيهَا دَاعِي الشَّرْع والطبع الْإِيمَان وَالْهدى وَذَلِكَ أعظم من شرب النَّصْرَانِي للخمر فَهَذَا لَا يَتُوب من هَذَا الذَّنب وَلَا يتَخَلَّص من وباله إِلَّا أَن يهديه الله فَتبين لَهُ أَن هَذِه الْمحبَّة لَيست محبَّة لله وَلَا أَمر الله بهَا بل كرهها وَنهى عَنْهَا وَإِلَّا فَلَو ترك أحدهم هَذِه الْمحبَّة لم يكن ذَلِك تَوْبَة فَإِنَّهُ يعْتَقد أَن جِنْسهَا دين بِحَيْثُ يرضى بذلك من غَيره ويأمره بِهِ ويقره عَلَيْهِ وَتَركه لَهَا كَتَرْكِ الْمُؤمن بعض التطوعات والعبادات وَلَيْسَ فِي دين الله محبَّة أحد لحسنه قطّ فَإِن مُجَرّد الْحسن لَا يثيب الله عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقب وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لمُجَرّد حسنه أفضل من غَيره من الانبياء لحسنه وَإِذا اسْتَوَى شخصان فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَكَانَ أَحدهمَا أحسن صُورَة وَأحسن صَوتا كَانَا عِنْد الله سَوَاء فَإِن اكرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم يعم صَاحب الصَّوْت الْحسن وَالصُّورَة الْحَسَنَة إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي طَاعَة الله دون مَعْصِيَته كَانَ أفضل من هَذَا الْوَجْه كصاحب المَال وَالسُّلْطَان إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي طَاعَة الله دون مَعْصِيَته فَإِنَّهُ بذلك الْوَجْه أفضل مِمَّن لم يشركهُ فِي تِلْكَ الطَّاعَة وَلم يمْتَحن بِمَا امتحن بِهِ حَتَّى خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى ثمَّ ذَلِك الْغَيْر إِن كَانَ لَهُ عمل صَالح آخر يُسَاوِيه بِهِ وَإِلَّا كَانَ الأول أفضل مُطلقًا

وَهَذَا عَام لجَمِيع الْأُمُور الَّتِي أنعم الله تَعَالَى بهَا على بني آدم وابتلاهم بهَا فَمن كَانَ فِيهَا شاكرا صَابِرًا كَانَ من أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ وَكَانَ مِمَّن امتحن بمحبة حَتَّى صَبر وشكر وَإِن لم يكن الْمُبْتَلى صَابِرًا شكُورًا بل ترك مَا أَمر الله بِهِ وَفعل مَا نهى الله عَنهُ كَانَ عَاصِيا أَو فَاسِقًا أَو كَافِرًا وَكَانَ من سلم من هَذِه المحنة خيرا مِنْهُ إِلَّا أَن يكون لَهُ ذنُوب أُخْرَى يكافيه بهَا وَإِن جمع بَين طَاعَة ومعصية فَإِن ترجحت طَاعَته كَانَ أرجح مِمَّن لم يكن لَهُ مثل ذَلِك وَإِن ترجحت مَعْصِيَته كَانَ السَّالِم من ذَلِك خيرا مِنْهُ فَإِن كَانَ لَهُ مَال يتَمَكَّن بِهِ فِي الْفَوَاحِش وَالظُّلم فَخَالف هَوَاهُ وأنفقه فِيمَا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله أحب الله ذَلِك مِنْهُ وأكرمه وأثابه وَمن كَانَ لَهُ صَوت حسن فَترك اسْتِعْمَاله فِي التخنيث والغناء واستعلمه فِي تَزْيِين كتاب الله والتغني بِهِ كَانَ بِهَذَا الْعَمَل الصَّالح وبترك الْعَمَل السئ أفضل مِمَّن لَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يُثَاب على تِلَاوَة كتاب الله فَيكون فِي عمله معنى الصَّلَاة وَمعنى الزَّكَاة وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أذن الله لشئ كأذنه لبني حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ وَقَالَ لله أَشد أذنا للرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته

وَمن كَانَ لَهُ صُورَة حَسَنَة فعف عَمَّا حرم الله تَعَالَى وَخَالف هَوَاهُ وجمل نَفسه بلباس التَّقْوَى الَّذِي قَالَ الله فِيهِ يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير [سُورَة الْأَعْرَاف 26] كَانَ هَذَا الْجمال يُحِبهُ الله وَكَانَ من هَذَا الْوَجْه أفضل مِمَّن لم يُؤْت مثل هَذَا الْجمال مَا لَا يكساه وَجه العَاصِي فَإِن كَانَت خلقته حَسَنَة ازدادت حسنا وَإِلَّا كَانَ عَلَيْهَا من النُّور وَالْجمال بحسبها وَأما أهل الْفُجُور فتعلو وُجُوههم ظلمَة الْمعْصِيَة حَتَّى يكسف الْجمال الْمَخْلُوق قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ إِن للحسنة لنورا فِي الْقلب وضياء فِي الْوَجْه وَقُوَّة فِي الْبدن وَزِيَادَة فِي الرزق ومحبة فِي قُلُوب الْخلق وَإِن للسيئة لظلمة فِي الْقلب وغبرة فِي الْوَجْه وضعفا فِي الْبدن ونقصا فِي الرزق وبغضة فِي قُلُوب الْخلق وَهَذَا يَوْم الْقِيَامَة يكمل حَتَّى يظْهر لكل اُحْدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ [سُورَة آل عمرَان 106 107] وَقَالَ تَعَالَى وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين [سُورَة الزمر 60]

وَقَالَ تَعَالَى وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة ووجوه يَوْمئِذٍ باسرة تظن أَن يفعل بهَا فاقرة [سُورَة الْقِيَامَة 22 25] وَقَالَ تَعَالَى وُجُوه يَوْمئِذٍ ضاحكة مستبشرة ووجوه يَوْمئِذٍ عَلَيْهَا غبرة ترهقها قترة اولئك هم الْكَفَرَة الفجرة [سُورَة عبس 38 42] وَقَالَ تَعَالَى وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نَارا حامية [سُورَة الغاشية 2 4] ووجوه يَوْمئِذٍ ناعمة لسعيها راضية [سُورَة الغاشية 89] وَقَالَ تَعَالَى وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ يشوى الْوُجُوه [سُورَة الْكَهْف 29] وَقَالَ تَعَالَى إِن الْأَبْرَار لفي نعيم على الأرائك ينظرُونَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم [سُورَة المطففين 22 24] وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تزَال الْمَسْأَلَة بأحدهم حَتَّى يجِئ يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعة لحم

وَقَالَ من سَأَلَ النَّاس وَله مَا يَكْفِيهِ جَاءَت مَسْأَلته خدوشا أَو كدوحا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أول زمرة تلج الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّذين يَلُونَهُمْ كأشد كَوْكَب فِي السَّمَاء إضاءة وَقَالَ يَوْم حنين شَاهَت الْوُجُوه لوجوه الْمُشْركين وأمثال هَذَا كثير مِمَّا فِيهِ وصف أهل السَّعَادَة بنهاية الْحسن وَالْجمال والبهاء وَأهل الشَّقَاء بنهاية السوء والقبح وَالْعَيْب وَقد قَالَ تَعَالَى فِي وصفههم فِي الدُّنْيَا مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بنيهم إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود [سُورَة الْفَتْح 29] فَهَذِهِ السيما فِي وُجُوه الْمُؤمنِينَ والسيما الْعَلامَة وَأَصلهَا من الوسم وَكَثِيرًا مَا يسْتَعْمل فِي الْحسن كَمَا

جَاءَ فِي صفة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسيم قسيم وَقَالَ الشَّاعِر... غُلَام رَمَاه الله بالْحسنِ يافعا لَهُ سيماء لَا تشق على الْبَصَر... وَقَالَ الله تَعَالَى فِي صفة الْمُنَافِقين وَلَو نشَاء لأرينا كهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ [سُورَة مُحَمَّد 30] فَجعل لِلْمُنَافِقين سِيمَا أَيْضا وَقَالَ وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات تعرف فِي وُجُوه الَّذين كفرُوا الْمُنكر [سُورَة الْحَج 72] فَهَذِهِ السيما وَهَذَا الْمُنكر قد يُوجد فِي وَجه من صورته المخلوقة وضيئة كَمَا يُوجد مثل ذَلِك فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَكِن بالنفاق قبح وَجهه فَلم يكن فِيهِ الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله وأساس ذَلِك النِّفَاق وَالْكذب وَلِهَذَا يُوصف الْكذَّاب بسواد الْوَجْه كَمَا يُوصف الصَّادِق ببياض

الْوَجْه كَمَا أخبر الله بذلك وَلِهَذَا روى عَن عمر بن الْخطاب أَنه أَمر بتعزيز شَاهد الزُّور بِأَن يسود وَجهه ويركب مقلوبا على الدَّابَّة فَإِن الْعقُوبَة من جنس الذَّنب فَلَمَّا اسود وَجهه بِالْكَذِبِ وقلب الحَدِيث سود وَجهه وقلب فِي ركُوبه وَهَذَا أَمر محسوس لمن لَهُ قلب فَإِن مَا فِي الْقلب من النُّور والظلمة وَالْخَيْر وَالشَّر يسرى كثيرا إِلَى الْوَجْه وَالْعين وهما أعظم الْأَشْيَاء ارتباطا بِالْقَلْبِ وَلِهَذَا يرْوى عَن عُثْمَان أَو غَيره أَنه قَالَ مَا أسر أحد بسريرة إِلَّا أبداها الله على صفحات وَجهه وفلتات لِسَانه وَالله قد أخبر فِي الْقُرْآن أَن ذَلِك قد يظْهر فِي الْوَجْه فَقَالَ وَلَو نشَاء لأريناكم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ [سُورَة مُحَمَّد 30] فَهَذَا تَحت الْمَشِيئَة ثمَّ قَالَ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل [سُورَة مُحَمَّد 30] فَهَذَا مقسم عَلَيْهِ مُحَقّق لَا شَرط فِيهِ وَذَلِكَ أَن ظُهُور مَا فِي قلب الْإِنْسَان على لِسَانه أعظم من ظُهُوره فِي وَجهه لكنه يَبْدُو فِي الْوَجْه بدوا خفِيا يُعلمهُ الله فَإِذا صَار خلقا ظهر لكثير من النَّاس وَقد يقوى السوَاد وَالْقِسْمَة حَتَّى يظْهر لجمهور النَّاس وَرُبمَا مسخ قردا أَو خنزيرا كَمَا فِي الْأُمَم قبلنَا وكما فِي هَذِه الْأمة أَيْضا وَهَذَا كالصوت المطرب إِذا كَانَ مُشْتَمِلًا على كذب وفجور فَإِنَّهُ مَوْصُوف بالقبح وَالسوء الْغَالِب على مَا فِيهِ من حلاوة الصَّوْت

فذو الصُّورَة الْحَسَنَة إِمَّا أَن يتَرَجَّح عِنْده الْعِفَّة والخلق الْحسن وَإِمَّا أَن يتَرَجَّح فِيهِ ضد ذَلِك وَإِمَّا أَن يتكافآ فَإِن ترجح فِيهِ الصّلاح كَانَ جماله بِحَسب ذَلِك وَكَانَ أجمل مِمَّن لم يمْتَحن تِلْكَ المحنة وَإِن ترجح فِيهِ الْفساد لم يكن جميلا بل قبيحا مذموما فَلَا يدْخل فِي قَوْله إِن الله جميل يحب الْجمال وَإِن تكافأ فِيهِ الْأَمْرَانِ كَانَ فِيهِ من الْجمال والقبح بِحَسب ذَلِك فَلَا يكون محبوبا وَلَا مبغضا والنبيصلى االله عَلَيْهِ وَسلم ص ذكر هَذِه الْكَلِمَة للْفرق بَين الْكبر الَّذِي يبغضه الله وَالْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فَقَالَ لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا وَنَعله حسنا أَفَمَن الْكبر ذَلِك فَقَالَ لَا إِن الله جميل يحب الْجمال الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس فَأخْبر أَن تَحْسِين الثَّوْب قد يكون من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله كَمَا قَالَ تَعَالَى خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد [سُورَة الْأَعْرَاف 31] فَلَا يكون حِينَئِذٍ من الْكبر

وَقد يرد أَنه لَيْسَ كل ثوب جميل وكل نعل جميل فَإِن الله يُحِبهُ فَإِن الله يبغض لِبَاس الْحَرِير وَيبغض الْإِسْرَاف وَالْخُيَلَاء فِي اللبَاس وَإِن كَانَ فِيهِ جمال فَإِذا كَانَ هَذَا فِي لبس الثِّيَاب الَّذِي هُوَ سَبَب هَذَا القَوْل فَكيف فِي غَيره وَتَفْسِير هَذَا قَوْله ص إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ فَعلم أَن مُجَرّد الْجمال الظَّاهِر فِي الصُّور وَالثيَاب لَا ينظر الله إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى الْقُلُوب والأعمال فَإِن كَانَ الظَّاهِر مزينا مُجملا بِحَال الْبَاطِن أحبه الله وَإِن كَانَ مقبحا مدنسا بقبح الْبَاطِن أبغضه الله فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يحب الْحسن الْجَمِيل وَيبغض السَّيئ الْفَاحِش وَأهل جمال الصُّورَة يبتلون بالفاحشة كثيرا وَاسْمهَا ضد الْجمال فَإِن الله سَمَّاهُ فَاحِشَة وسوءا وَفَسَادًا وخبيثا فَقَالَ تَعَالَى وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا [سُورَة الْإِسْرَاء 32] وَقَالَ وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن [سُورَة الْأَنْعَام 151] وَقَالَ أتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين [سُورَة الْأَعْرَاف 80]

وَقَالَ وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ وَمن قبل كَانُوا يعلمُونَ السَّيِّئَات [سُورَة هود 78] وَقَالَ ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث [سُورَة الْأَنْبِيَاء 74] وَقَالَ رب انصرني على الْقَوْم المفسدين [سُورَة العنكبوت 30] وَقَالَ وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرمين [سُورَة الْأَعْرَاف 84] والفاحش والخبيث ضد الطّيب والجميل فَإِذا كَانَ كَذَلِك أبغضه الله وَلم يُحِبهُ وَلم يكن مندرجا فِي الْجَمِيل وَنَظِير ذَلِك قَوْله ص إِن الله لَا يحب الْفُحْش وَلَا التَّفَحُّش وَقَوله إِن الله يبغض الْفَاحِش البذئ فَلَو أفحش

الرجل وبذأ بِصَوْتِهِ الْحسن كَانَ الله يبغض ذَلِك وَنفي المخنثين سنة من سنَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثابته عَنهُ فِي موضِعين فِي حق الزَّانِي والزانية اللَّذين لم يحصنا كَمَا قَالَ جلد مائَة وتغريب عَام وَفِي حق المخنث وَهُوَ إِخْرَاجه من بَين النَّاس وَذَلِكَ أَن الْفَاحِشَة لَا تقع إِلَّا مَعَ قدرَة ومكنة الْإِنْسَان لَا يطْلب ذَلِك إِلَّا إِذا طمع فِيهِ بِمَا يرَاهُ من أَسبَاب المكنة فَمن الْعقُوبَة على ذَلِك قطع أَسبَاب المكنة فَإِذا تغرب الرجل عَن أَهله وأعوانه وأنصاره الَّذِي يعاونون وينصرونه ذلت نَفسه وانقهرت فَكَانَ ذَلِك جَزَاء نكالا من الله من الْجلد وَلِأَنَّهُ مُفسد لأحوال من يساكنه فيبعد عَنْهُم وَكَذَلِكَ المخنث يفْسد أَحْوَال الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا فَلَا يسكن مَعَ وَاحِد من الصِّنْفَيْنِ وَقد كَانَ من سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسنة خلفائه التَّمْيِيز بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء والمتأهلين والعزاب فَكَانَ الْمَنْدُوب فِي الصَّلَاة أَن يكون الرِّجَال فِي مقدم الْمَسْجِد وَالنِّسَاء فِي مؤخره

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا وَقَالَ يَا معشر النِّسَاء لَا ترفعن رؤوسكن حَتَّى يرفع الرِّجَال رؤوسهم من ضيق الأزر وَكَانَ إِذا سلم لبث هنيهة هُوَ وَالرِّجَال لينصرف النِّسَاء أَولا لِئَلَّا يخْتَلط الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَذَلِكَ يَوْم الْعِيد كَانَ النِّسَاء يصلين فِي نَاحيَة فَكَانَ إِذا قضى الصَّلَاة خطب الرِّجَال ثمَّ ذهب فَخَطب النِّسَاء فوعظهن وحثهن على الصَّدَقَة كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح وَقد كَانَ عمر بن الْخطاب وَبَعْضهمْ يرفعهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قَالَ عَن أحد ابواب الْمَسْجِد أَظُنهُ الْبَاب الشَّرْقِي لَو تركنَا هَذَا الْبَاب للنِّسَاء فَمَا دخله عبد الله بن عمر حَتَّى مَاتَ وَفِي السّنَن عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ للنِّسَاء لَا تحققن

الطَّرِيق وامشين فِي حافته أَي لَا تمشين فِي حق الطَّرِيق وَهُوَ وَسطه وَقَالَ على عَلَيْهِ السَّلَام مَا يغار أحدكُم أَن يزاحم امْرَأَته العلوج بمنكبها يَعْنِي فِي السُّوق وَكَذَلِكَ لما قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة كَانَ العزاب ينزلون دَارا مَعْرُوفَة لَهُم متميزة عَن دور المتأهلين فَلَا ينزل العزب بَين المتأهلين وَهَذَا كُله لِأَن اخْتِلَاط أحد المصنفين بِالْآخرِ سَبَب الْفِتْنَة فالرجال إِذا اختلطوا بِالنسَاء كَانَ بِمَنْزِلَة اخْتِلَاط النَّار والحطب وَكَذَلِكَ العزب بَين الآهلين فِيهِ فتْنَة لعدم مَا يمنعهُ فَإِن الْفِتْنَة تكون لوُجُود الْمُقْتَضى وَعدم الْمَانِع فالمخنث الَّذِي لَيْسَ رجلا مَحْضا وَلَا هُوَ امْرَأَة مُحصنَة لَا يُمكن خلطه بِوَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِخْرَاجِهِ من بَين النَّاس وعَلى هَذَا المخنث من الصّبيان وَغَيرهم لَا يُمكن من معاشرة الرِّجَال وَلَا يَنْبَغِي أَن تعاشر الْمَرْأَة المتشبهة بِالرِّجَالِ النِّسَاء بل يفرق بَين بعض الذكران وَبَين بعض النِّسَاء إِذا خيفت الْفِتْنَة كَمَا قَالَ ص مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر وَفرقُوا بَينهم فِي

الْمضَاجِع وَقد نهى عَن مُبَاشرَة الرجل فِي ثوب وَاحِد وَعَن مُبَاشرَة الْمَرْأَة الْمَرْأَة فِي ثوب وَاحِد مَعَ ان الْقَوْم لم يَكُونُوا يعْرفُونَ التلوط وَلَا السحاق وَإِنَّمَا هُوَ من تَمام حفظ حُدُود الله كَمَا أَمر الله بذلك فِي كِتَابه وَقد روى أَن عمر بلغه أَن رجلا يجْتَمع إِلَيْهِ نفر من الصّبيان فَنهى عَن ذَلِك وأبلغ من ذَلِك أَنه نفى من شَبَّبَ بِهِ النِّسَاء وَهُوَ نصر بن حجاج لما سمع امْرَأَة شببت بِهِ وتشتهيه وَرَأى هَذَا سَبَب الْفِتْنَة فجز شعره لَعَلَّ سَبَب الْفِتْنَة يَزُول بذلك فَرَآهُ أحسن النَّاس وجنتين فَأرْسل بِهِ إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ إِنَّه بعث يطْلب الْقدوم إِلَى وَطنه وَيذكر الا ذَنْب لَهُ فَأبى عَلَيْهِ وَقَالَ أما وَأَنا حَيّ فَلَا وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة إِذا أمرت بالاحتجاب وَترك التبرج وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ من أَسبَاب الْفِتْنَة بهَا وَلها فَإِذا كَانَ فِي الرِّجَال من قد صَار فتْنَة للنِّسَاء أَمر أَيْضا بمباعدة سَبَب الْفِتْنَة إِمَّا بتغيير هَيئته وَإِمَّا بالانتقال عَن الْمَكَان الَّذِي تحصل بِهِ الْفِتْنَة فِيهِ لِأَنَّهُ بِهَذَا يحصن دينه ويحصن النِّسَاء دينهن

وَبِدُون ذَلِك مَعَ وجود الْمُقْتَضى مِنْهُ ومنهن لَا يُؤمن ذَلِك وَهَكَذَا يُؤمر من يفتن النِّسَاء من الصّبيان أَيْضا وَذَلِكَ أَنه إِذا احْتج إِلَى المباعدة الَّتِي تزيل الْفِتْنَة كَانَ تبعيد الْوَاحِد أيسر من تبعيد الْجَمَاعَة الرِّجَال أَو النِّسَاء إِذْ ذَاك غير مُمكن فتحفظ حُدُود الله ويجانب مَا يُوجب تعدِي الْحُدُود بِحَسب الْإِمْكَان وَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَن لَا رِيبَة فِيهِ وَلَا ذَنْب فَكيف بِمن يعرف بالريبة والذنب وَهَكَذَا الْمَرْأَة الَّتِي تعرف بريبة تفتن بهَا الرِّجَال تبعد عَن مَوَاضِع الريب بِحَسب الْإِمْكَان فَإِن دفع الضَّرَر عَن الدّين بِحَسب الْإِمْكَان وَاجِب فَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ السّنة فَكيف بِمن يكون فِي جمعه من أَسبَاب الْفِتْنَة مَا الله بِهِ عليم وَالرجل الَّذِي يتشبه بِالنسَاء فِي زيهن وَاسْتِعْمَال أَسمَاء الْجمال وَالْحسن والزينة وَنَحْو ذَلِك فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة والقبح والشين والدنس فِي الْأَعْمَال الْفَاسِدَة أَمر ظَاهر فِي الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام الْعلمَاء مثل اسْم الطّيب وَالطَّهَارَة والخبث والنجاسة وَمن ذَلِك مَا فِي حَدِيث أبي ذَر الْمَشْهُور وَقد رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من حِكْمَة آل دَاوُد حق على الْعَاقِل أَن يكون لَهُ سَاعَة يُنَاجِي فِيهَا ربه وَسَاعَة يُحَاسب فِيهَا نَفسه وَسَاعَة يكون فِيهَا مَعَ أَصْحَابه الَّذين يخبرونه عَن ذَات نَفسه

وَسَاعَة يَخْلُو فِيهَا بلذاته فِيمَا يحل ويجمل فَذكر الْحل وَالْجمال وَهَذَا يشْهد لقَوْل الْفُقَهَاء فِي الْعَدَالَة إِنَّهَا صَلَاح الدّين والمروءة قَالُوا والمروءة اسْتِعْمَال مَا يجمله ويزينه وتجنب مَا يدنسه ويشينه وَهَذَا يرجع إِلَى الْحسن والقبح فِي الْأَعْمَال وَأَن الْأَعْمَال وَأَن الْأَعْمَال تكون حَسَنَة وَتَكون قبيحة وَإِن كَانَ الْحسن هُوَ الملائم النافع والقبيح هُوَ الْمنَافِي فالشئ يكمل ويجمل وَيحسن بِمَا يُنَاسِبه ويلائمه وينفعه ويلتذ بِهِ كَمَا يفْسد ويقبح بِمَا يُنَافِيهِ ويضره ويتألم بِهِ والأعمال الصَّالِحَة هِيَ الَّتِي تناسب الْإِنْسَان والأعمال الْفَاسِدَة هِيَ الَّتِي تنافيه وَلِهَذَا لما قَالَ بعض الْأَعْرَاب إِن مدحي زين وذمي شين قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَاك الله فمدحه يزين عِنْده لِأَنَّهُ مدحه بِحَق وَدَمه يشينه لِأَنَّهُ حق وَهَذَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي يكون عَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه والقبح والشين الَّذِي يكون عَن الْأَعْمَال الْفَاسِدَة فِي الْقلب

يسري إِلَى الْوَجْه كَمَا تقدم ثمَّ إِن ذَلِك يقوى بِقُوَّة الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأعمال الْفَاسِدَة فَكلما كثر الْبر وَالتَّقوى قوى الْحسن وَالْجمال وَكلما قوى الْإِثْم والعدوان قوى الْقبْح والشين حَتَّى ينْسَخ ذَلِك مَا كَانَ للصورة من حسن وقبح فكم مِمَّن لم تكن صورته حَسَنَة وَلَكِن من الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَا عظم بِهِ جماله وبهاؤه حَتَّى ظهر ذَلِك على صورته وَلِهَذَا ظهر ذَلِك ظهورا بَينا عِنْد الْإِصْرَار على القبائح فِي آخر الْعُمر عِنْد قرب الْمَوْت فنرى وُجُوه أهل السّنة وَالطَّاعَة كلما كبروا ازْدَادَ حسنها وبهاؤها حَتَّى يكون أحدهم فِي كبره أحسن واجمل مِنْهُ فِي صغره ونجد وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَالْمَعْصِيَة كلما كبروا عظم قبحها وشينها حَتَّى لَا يَسْتَطِيع النّظر إِلَيْهَا من كَانَ منبهرا بهَا فِي حَال الصغر لجمال صورتهَا وَهَذَا ظَاهر لكل اُحْدُ فِيمَن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وَأهل الْمَظَالِم وَالْفَوَاحِش من التّرْك وَنَحْوهم فَإِن الرافضي كلما كبر قبح وَجهه وَعظم شينه حَتَّى يقوى شبهه بالخنزير وَرُبمَا مسخ خنزيرا وقردا كَمَا قد تَوَاتر ذَلِك عَنْهُم ونجد المردان من التّرْك وَنَحْوهم قد يكون أحدهم فِي صغره من أحسن النَّاس صُورَة ثمَّ إِن الَّذين يكثرون الْفَاحِشَة تجدهم فِي

الكبرأقبح النَّاس وُجُوهًا حَتَّى إِن الصِّنْف الَّذِي يكثر ذَلِك فيهم من التّرْك وَنَحْوهم يكون أحدهم أحسن النَّاس صُورَة فِي صغره وأقبح النَّاس صُورَة فِي كبره وَلَيْسَ سَبَب ذَلِك أمرا يعود إِلَى طبيعة الْجِسْم بل الْعَادة المستقيمة تناسب الْأَمر فِي ذَلِك بل سَببه مَا يغلب على احدهم من الْفَاحِشَة وَالظُّلم فَيكون مخنثا ولوطيا وظالما وعونا للظلمة فيكسوه ذَلِك قبح الْوَجْه وشينه وَمن هَذَا أَن الَّذين قوي فيهم الْعدوان مسخهم الله قردة وَخَنَازِير من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه سَيكون فِي هَذِه الْأمة أَيْضا من يمسخ قردة وَخَنَازِير فَإِن الْعُقُوبَات والمثوبات من جنس السَّيِّئَات والحسنات كَمَا قد بَين ذَلِك فِي غير مَوضِع وَلَا ريب أَن مَا لَيْسَ محبوبا لله من مسخوطاته وَغَيرهَا تزين فِي نفوس كثير من النَّاس حَتَّى يروها جميلَة وحسنة يَجدونَ فِيهَا من اللَّذَّات مَا يُؤَيّد ذَلِك وَإِن كَانَت اللَّذَّات متضمنة لآلام أعظم مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالله عِنْده حسن المآب﴾ [سُورَة آل عمرَان 14] وَقَالَ ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ [سُورَة فاطر 8]

وَقَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تبات [سُورَة غَافِر 37] وَقَالَ وَكَذَلِكَ زينا لكل أمة عَمَلهم ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الْأَنْعَام 108] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم﴾ [سُورَة الْأَنْفَال 48] وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ عَن الْمُؤمنِينَ ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾ [سُورَة الحجرات 7] فَهُوَ سُبْحَانَهُ يزين لكل عَامل عمله فيراه حسنا وَإِن كَانَ ذَلِك الْعَمَل سَيِّئًا فَإِنَّهُ لَوْلَا حسنا لم يَفْعَله إِذْ لَو رَآهُ سَيِّئًا لم يردهُ وَلم يختره إِذْ الْإِنْسَان مجبول على محبَّة الْحسن وبغض السئ فالحسن الْجَمِيل مَحْبُوب مُرَاد والسئ الْقَبِيح مَكْرُوه مبغض والأعيان وَالْأَفْعَال المبغضة من كل وَجه لَا تقصد بِحَال كَمَا ان المحبوبة من كل وَجه لَا تتْرك بِحَال وَلَكِن قد يكون الشئ محبوبا من وَجه مَكْرُوها من وَجه ويقبح من وَجه وَيحسن من وَجه وَلِهَذَا كَانَ الزَّانِي لَا يَزْنِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَالسَّارِق لَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن كَامِل الْإِيمَان فَإِنَّهُ لَو كَانَ اعْتِقَاده بقبح ذَلِك الْفِعْل اعتقادا تَاما

لم يَفْعَله بِحَال وَلِهَذَا كَانَ كل عَاص لله تَعَالَى جَاهِلا كَمَا قَالَ ذَلِك أَصْحَاب مُحَمَّد ص فَإِنَّهُ لَو كَانَ عَالما حق الْعلم بِمَا فعله لم يفعل الْقَبِيح وَلم يتْرك الْوَاجِب بل قد زين لكل أمة عَمَلهم لَكِن العَاصِي إِذا كَانَ مَعَه أصل الْإِيمَان فَإِنَّهُ لَا يزين لَهُ عمله من كل وَجه بل يستحسنه من وَجه ويغضه من وَجه وَلَكِن حِين فعله يغلب تَزْيِين الْفِعْل وَلذَلِك قَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ [سُورَة آل عمرَان 14] الْآيَة فَإِن هُنَا شَيْئَيْنِ حب الشَّهَوَات وَأَنه زين ذَلِك الْفُحْش وَحسن فَرَأَوْا تِلْكَ الْمحبَّة حَسَنَة فَلذَلِك اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْمحبَّة عِنْدهم وتمتعوا بِهَذِهِ المحبات فَإِذا رَأَوْا ذَلِك الْحبّ قبيحا لما يتبعهُ من الضَّرَر لم يسْتَقرّ ذَلِك فِي قُلُوبهم فَإِن رُؤْيَة ذَلِك الْحبّ حسنا يَدْعُو إِلَيْهِ قبيحا ينفر عَنهُ وَكَذَلِكَ ذكر فِي الْإِيمَان أَنه حببه إِلَى الْمُؤمنِينَ وزينه فِي قُلُوبهم حَتَّى رَأَوْهُ حسنا فَإِن الشئ إِذا حبب وزين لم يتْرك بِحَال

وَهنا أخبر سُبْحَانَهُ انه هُوَ الَّذِي حبب إِلَيْهِم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبهم وَفِي الشَّهَوَات قَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ [سُورَة آل عمرَان 14] وَلم يقل المزين بل ذكر الْعُمُوم وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ [سُورَة الْأَنْعَام 108] وكما حذف المزين هُنَاكَ قَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ [سُورَة آل عمرَان 14] فَجعل المزين نفس الْحبّ لَهَا لم يَجْعَل المزين هُوَ المحبوب كَمَا أخبر أَنه زين لكل أمة عَملهَا فَإِن المزين نفس الْحبّ لَهَا لم يَجْعَل المزين هُوَ المحبوب بل هُوَ حب الشَّهَوَات فَإِن المزين إِذا كَانَ نفس الْحبّ وَالْعَمَل لم ينْصَرف الْقلب عَن ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو كَانَ المزين هُوَ المحبوب فقد زين الشئ المحبوب وَلَكِن الْإِنْسَان لَا يُحِبهُ لما يقوم بِقَلْبِه من الْعلم بِحَالهِ والبغض فَفرق بَين التزيين الْمُتَّصِل بِالْقَلْبِ وتزيين الشئ الْمُنْفَصِل عَنهُ فِيهِ رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يجْعَلُونَ التزيين الْمُنْفَصِل وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا﴾ [سُورَة فاطر 8] وَهُوَ سُبْحَانَهُ امتن فِي الْإِيمَان بشيئين بِأَنَّهُ حببه إِلَيْنَا وزينه فِي قُلُوبنَا فالنعم تتمّ بهما بِالْعلمِ والمحبة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح من غير وَجه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه

لعن المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء وَفِي الصَّحِيح أَيْضا أَنه لعن المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتسشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَفِي الصَّحِيح أَنه أَمر بِنَفْي المخنثين وإخراجهم من الْبيُوت كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لعن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَفِي رِوَايَة لعن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المخنثين من الرِّجَال والمسترجلات من النِّسَاء وَقَالَ أخرجوهم من بُيُوتكُمْ فَاخْرُج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فُلَانَة وَأخرج عمر فلَانا فَإِذا كَانَ الرجل الَّذِي يتشبه بِالنسَاء فِي لباسهن وزيهن وزينتهن ملعونا قد لَعنه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكيف بِمن يتشبه بِهن فِي مُبَاشرَة الرِّجَال لَهُ فِيمَا يتمع الرِّجَال بِهِ بتمكينه من ذَلِك لغَرَض يَأْخُذهُ أَو لمحبته لذَلِك فَكلما كثرت مشابهته لَهُنَّ كَانَ أعظم للعنه وَكَانَ معلونا من وَجْهَيْن من جِهَة الْفَاحِشَة الْمُحرمَة فَإِنَّهُ يلعن على ذَلِك وَلَو كَانَ هُوَ الْفَاعِل وَمن جِهَة تخنثه لكَونه من جنس الْمَفْعُول بِهن

فَمن جعل شَيْئا من التخنث دينا أَو طلب ذَلِك من الصّبيان مثل تَحْسِين الصَّبِي صورته أَو لِبَاسه لأجل نظر الرِّجَال واستمتاعهم بذلك فِي سَماع وَغير سَماع أَلَيْسَ يكون مبدلا لدين الله من جنس الَّذِي إِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ وَإِذا كَانَت الْفَاحِشَة الْعَرَب الْمُشْركين كشف عوارتهم عِنْد الطّواف لِئَلَّا يطوفون فِي ثِيَاب عصوا الله فِيهَا فَكيف بِمَا هُوَ أعظم من ذَلِك والمخنث قد يكون مَقْصُوده معاشرة النِّسَاء ومباشرتهن وَقد يكون تخنثه بِمُبَاشَرَة الرِّجَال ونظرهم ومحبتهم وَقد يجمع الْأَمريْنِ وَفِي المتنسكين من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة خلق كثير وَهَؤُلَاء شَرّ مِمَّن يفعل هَذِه الْأُمُور على غير وَجه التدين فَإِن يُوجد فِي الْأُمَم الْجَاهِلِيَّة من التّرْك وَنَحْوهم من يتشبه فيهم من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَمن يتشبه من الرِّجَال بِالنسَاء خلق عَظِيم حَتَّى يكون لنسائهم من الإمرة وَالْملك وَالطَّاعَة والبروز للنَّاس وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص الرِّجَال مَا لَيْسَ لِنسَاء غَيرهم وَحَتَّى ان الْمَرْأَة تخْتَار لنَفسهَا من شَاءَت من ممالكيها وَغَيرهم لقهرها للزَّوْج وَحكمهَا وَيكون فِي كثير من صبيانهم من التخنث وتقريب الرِّجَال لَهُ وإكرامه لذَلِك أَمر عَظِيم حَتَّى قد يغار بعض صبيانهم من النِّسَاء وَحَتَّى يتخذهم الرِّجَال كالسراري لَكِن هم لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك تدينا فَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِك تدينا شَرّ مِنْهُم فَإِنَّهُم جعلُوا دينا والفاحشة حَسَنَة لَا لما فِي ذَلِك من ميل الطباع فَهَكَذَا من جعل

مُجَرّد الصَّوْت الَّذِي تحبه الطباع حسنا فِي الدّين فِيهِ شبه من هَؤُلَاءِ لَكِن فِي الْمُشْركين من هَذِه الْأمة من يتدين بذلك لأجل الشَّيَاطِين كَمَا يُوجد فِي الْمُشْركين من التّرْك التتار وساحرهم الطاغوت صَاحب الجبت الَّذِي تسميه التّرْك البوق وَهُوَ الَّذِي تستخفه الشَّيَاطِين وتخاطبه ويسألها عَمَّا يُرِيد وَيقرب لَهَا القرابين من الْغنم المنخنقة وَغير ذَلِك وَيضْرب لَهَا بِأَصْوَات الطبول وَنَحْو ذَلِك وَمن شَرطه أَن يكون مخنثا يُؤْتى كَمَا تُؤْتى الْمَرْأَة فَكلما كَانَت الْأَفْعَال أولى بِالتَّحْرِيمِ كَانَت أقرب إِلَى الشَّيَاطِين وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من أَن الْحسن الصُّورَة وَالصَّوْت وَسَائِر من أنعم الله عَلَيْهِ بِقُوَّة أَو بِجَمَال أَو نَحْو ذَلِك إِذا اتَّقى الله فِيهِ كَانَ أفضل مِمَّن لم يُؤْت مَا لم يمْتَحن فِيهِ فَإِن النعم محن فَإِن أهل الشَّهَوَات من النِّسَاء وَالرِّجَال يميلون إِلَى ذِي الصُّورَة الْحَسَنَة وَيُحِبُّونَهُ ويعشقونه ويرغبونه بأنواع الكرامات ويرهبونه عِنْد الِامْتِنَاع بأنواع المخوفات كَمَا جرى ليوسف عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيره وَكَذَلِكَ جماله يَدعُوهُ إِلَى أَن يطْلب مَا يهواه لِأَن جماله قد يكون أعظم من المَال المبذول فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ حسن الصَّوْت قد يدعى إِلَى أَعمال فِي المكروهات كَمَا أَن

المَال وَالسُّلْطَان يحصل بهما من المكنة مَا يدعى مَعَ ذَلِك إِلَى أَنْوَاع الْفَوَاحِش والمظال فَإِن الْإِنْسَان لَا تَأمره نَفسه بِالْفِعْلِ إِلَّا مَعَ نوع من الْقُدْرَة وَلَا يفعل بقدرته إِلَّا مَا يُريدهُ وشهوات الغي مستكنة فِي النُّفُوس فَإِذا حصلت الْقُدْرَة قَامَت المحنة فإمَّا شقى وَإِمَّا سعيد وَيَتُوب الله على من تَابَ فَأهل الامتحان إِمَّا أَن يرتفعوا وَإِمَّا أَن ينخفضوا وَأما تحرّك النُّفُوس عَن مُجَرّد الصَّوْت فَهَذَا أَيْضا محسوس فَإِنَّهُ يحركها تحريكا عَظِيما جدا بالتفريح والتحزين والإغضاب والتخويف وَنَحْو ذَلِك من الحركات النفسانية كَمَا أَن النُّفُوس تتحرك أَيْضا عَن الصُّور بالمحبة تَارَة وبالبغض أُخْرَى وتتحرك عَن الْأَطْعِمَة بالبغض تَارَة والنفرة أُخْرَى فَتحَرك الصّبيان والبهائم عَن الصَّوْت هُوَ من ذَلِك لَكِن كل مَا كَانَ أَضْعَف كَانَت الْحَرَكَة بِهِ أَشد فحركة النِّسَاء بِهِ أَشد من حَرَكَة الرِّجَال وحركة الصّبيان أَشد من حَرَكَة الْبَالِغين وحركة الْبَهَائِم أَشد من حَرَكَة الْآدَمِيّين فَهَذَا يدل على أَن قُوَّة التحرك عَن مُجَرّد الصَّوْت لقُوَّة ضعف الْعقل فَلَا يكون فِي ذَلِك حمد إِلَّا وَفِيه من الذَّم أَكثر من ذَلِك وَإِنَّمَا حَرَكَة الْعُقَلَاء عَن الصَّوْت الْمُشْتَمل على الْحُرُوف الْمُؤَلّفَة المتضمنة للمعاني المحبوبة وَهَذَا أكمل مَا يكون فِي اسْتِمَاع الْقُرْآن وَأما التحرك بِمُجَرَّد الصَّوْت فَهَذَا أَمر لم يَأْتِ الشَّرْع بالندب إِلَيْهِ وَلَا عقلاء النَّاس يأمرون بذلك بل يعدون ذَلِك من قلَّة الْعقل وَضعف

الرَّأْي كَالَّذي يفزع عَن مُجَرّد الْأَصْوَات المفزعة المرعبة وَعَن مُجَرّد الْأَصْوَات المغضبة قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أذن الله لشئ كأذنه لنَبِيّ يتغني بِالْقُرْآنِ وروى حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أذن الله لشئ مَا أذن الله لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ قَالَ وَقيل إِن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يستمع لقرَاءَته الْجِنّ وَالْإِنْس والوحش وَالطير إِذْ قَرَأَ الزبُور وَكَانَ يحمل من مَجْلِسه أَرْبَعمِائَة جَنَازَة مِمَّن قد مَاتَ مِمَّن سمعُوا قِرَاءَته وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لقد أعْطى مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد وَقَالَ

معَاذ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو علمت أَنَّك تسمع لحبرته لَك تحبيرا قلت هَذَا القَوْل لابي مُوسَى كَانَ لم يكن لِمعَاذ ومضمون هَذِه الْآثَار اسْتِحْبَاب تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ وَهَذَا مِمَّا لَا نزاع فِيهِ فالاستدلال بذلك على تَحْسِين بِالْغنَاءِ أفسد من قِيَاس الرِّبَا على البيع إِذْ هُوَ من بَاب تنظير الشّعْر بِالْقُرْآنِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين﴾ [سُورَة يس 69] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تنزلت بِهِ الشَّيَاطِين وَمَا يَنْبَغِي لَهُم وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُم عَن السّمع لمعزولون﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء 210 212] ﴿ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء 225226] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ [سُورَة الحافة 4142] وَهَذَا الْقيَاس مثل قِيَاس سَماع المكاء والتصدية الَّذِي ذمه الله فِي كِتَابه وَأخْبر أَنه صَلَاة الْمُشْركين على سَماع الْقُرْآن الَّذِي أَمر الله بِهِ فِي كِتَابه وَأخْبر أَنه سَماع النَّبِيين وَالْمُؤمنِينَ وَقِيَاس لأئمة الصَّلَاة كالخلفاء الرَّاشِدين وَسَائِر أَئِمَّة الْمُؤمنِينَ بالمخنثين المغاني الَّذين قد يسمون الْجد أَو القوالين

فصول الكتاب · 25 فصل · 469 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الاستقامة · 469 صفحة
مقدمة الكتابفصل الرأى الْمُحدث فِي الْأُصُول وَهُوَ الْكَلَام الْمُحدث وَفِي الْفُرُوع وَهُوَ الرأىفصل فِيمَا اخْتلف فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ من الْأَقْوَال والافعال فِي الْأُصُول وَالْفُرُوعفصل مُهِمّ عَظِيم الْقدر فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ أَن طوائف كَبِيرَة من أهلفصل وَكَذَلِكَ لفظ الْحَرَكَة أثْبته طوائف من أهل السّنة والْحَدِيث وَهُوَ الَّذِي ذكرهفصل وَقد اعْترف أَكثر أَئِمَّة أهل الْكَلَام والفلسفة من الْأَوَّلين والآخرين بِأَن
فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
فصل قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ ابْن عَطاء لما خلق الله الأحرف جعلهَا سرا فَلَمَّافصل فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جوَيْرِية أم الْمُؤمنِينَ لما خرج النَّبِي
فصل يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب السماع قَالَ الله
فصل فِي محبَّة الْجمال
فصل وَمن اسباب ذَلِك مَا وَقع من الاشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ
فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي
فصل فِي السكر واسبابه وَأَحْكَامهفصل وَمن أقوى الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للسكر سَماع الْأَصْوَات المريبة من وَجْهَيْن منفصل اذا تبين هَذَا فَاعْلَم ان اللَّذَّة وَالسُّرُور امْر مَطْلُوب بل هُوَ مَقْصُودفصل واذا كَانَت اللَّذَّة مَطْلُوبَة لنَفسهَا فَهِيَ انما تذم اذا اعقبت الما اعظمفصل فَإِذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وَهُوَ اللَّذَّة وعدمي وَهُوَ عدمفصل فَإِذا تبين أَن جنس عدم الْعقل وَالْفِقْه لَا يحمد بِحَال فِي الشَّرْع بلفصل فَهَكَذَا زَوَال الْعقل بالسكر هُوَ من نوع زَوَاله بالإغماء وَالْجُنُون وَنَحْوفصل فقد تبين ان اُحْدُ وصفي السكر مَنْفَعَة فِي الاصل وَالْوَصْف الاخر اثم كَمَافصل قَالَ الله تَعَالَى لما اهبط آدم وَمن مَعَه الى الارض
فصل فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
فصل واذا كَانَت جَمِيع الْحَسَنَات لَا بُد فِيهَا من شَيْئَيْنِ ان يُرَاد بهَافصل فِي الْإِكْرَاه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
جارٍ التحميل