الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر هُوَ الَّذِي انْزِلْ الله بِهِ
كتبه وارسل بِهِ رسله وَهُوَ من الدّين فان رِسَالَة الله اما اخبار واما انشاء فالاخبار عَن نَفسه عز وَجل وَعَن خلقه مثل التَّوْحِيد والقصص الَّذِي ينْدَرج فِيهِ الْوَعْد والوعيد والانشاء الامر وَالنَّهْي والاباحة وَهَذَا كَمَا ذكر فِي الحَدِيث ان قل هُوَ الله اُحْدُ سُورَة الاخلاص تعدل ثلث الْقُرْآن لتضمنها الثُّلُث الَّذِي هُوَ التَّوْحِيد لِأَن الْقُرْآن تَوْحِيد وامر وقصص وَقَوله سُبْحَانَهُ فِي صفة نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث سُورَة الاعراف 157 هُوَ لبَيَان كَمَال رسَالَته فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الَّذِي امْر الله على
لِسَانه بِكُل مَعْرُوف وَنهى عَن كل مُنكر واحل كل طيب وَحرم كل خَبِيث وَلِهَذَا روى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ انما بعثت لاتمم مَكَارِم الاخلاق وَقَالَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَنما مثلى وَمثل الانبياء كَمثل رجل بنى دَارا فأتمها وأكملها الا مَوضِع لبنة فَكَانَ النَّاس يطيفون بهَا ويعجبون من حسنها وَيَقُولُونَ
لَوْلَا مَوضِع اللبنة فَأَنا تِلْكَ اللبنة فبه أكمل الله الدّين المتضمن لِلْأَمْرِ بِكُل مَعْرُوف وَالنَّهْي عَن كل مُنكر واحلال كل طيب وَتَحْرِيم كل خَبِيث واما من كَانَ قبله من الرُّسُل فقد كَانَ يحرم على اممهم بعض الطَّيِّبَات كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات احلت لَهُم سُورَة النِّسَاء 160 وَرُبمَا لم يحرم عَلَيْهِم جَمِيع الْخَبَائِث كَمَا قَالَ تَعَالَى كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني اسرائيل الا مَا حرم اسرائيل على نَفسه من قبل ان تنزل التَّوْرَاة سُورَة آل عمرَان 93 وَتَحْرِيم الْخَبَائِث ينْدَرج فِي معنى النَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا ان احلال الطَّيِّبَات ينْدَرج فِي معنى الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لِأَن تَحْرِيم الطَّيِّبَات هُوَ مِمَّا نهى الله عَنهُ وَكَذَلِكَ
الْأَمر بِجَمِيعِ الْمَعْرُوف وَالنَّهْي عَن كل مُنكر مِمَّا لم يتم الا للرسول الَّذِي تمم الله بِهِ مَكَارِم الاخلاق المندرجة فِي الْمعرفَة وَقد قَالَ الله تَعَالَى الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا سُورَة الْمَائِدَة فقد اكمل الله لنا الدّين واتم علينا النِّعْمَة وَرَضي لنا الاسلام دينا وَكَذَلِكَ وصف الله الامة بِمَا وصف بِهِ نبيها حَيْثُ قَالَ كُنْتُم خير امة اخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه سُورَة آل عمرَان 110 وَقَالَ والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم اولياء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر سور التَّوْبَة 71 وَلِهَذَا قَالَ ابو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ كُنْتُم خير النَّاس
للنَّاس تأتون بهم فِي الاقياد والسلاسل حَتَّى تدخلوهم الْجنَّة فَبين الله سُبْحَانَهُ ان هَذِه الامة خير الامم للنَّاس فهم انفعهم لَهُم وأعظمهم أحسانا إِلَيْهِم لأَنهم كملوا أَمر النَّاس بِالْمَعْرُوفِ ونهيهم عَن الْمُنكر من جِهَة الصّفة وَالْقدر حَيْثُ امروا بِكُل مَعْرُوف ونهوا عَن كل مُنكر لكل اُحْدُ واقاموا ذَلِك بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل الله بِأَنْفسِهِم واموالهم وَهَذَا كَمَال النَّفْع لِلْخلقِ وَسَائِر الامم لم يأمروا كل اُحْدُ بِكُل مَعْرُوف وَلَا نهوا كل اُحْدُ عَن كل مُنكر وَلَا جاهدوا على ذَلِك بل مِنْهُم من لم يجاهدوا وَالَّذين جاهدوا كبنى اسرائيل فغاية جهادهم كَانَ لدفع عدوهم من ارضهم كَمَا يُقَاتل الصَّائِل الظَّالِم لَا لدَعْوَة الْمُجَاهدين الى الْهدى وَالْخَيْر وَلَا لأمرهم بِالْمَعْرُوفِ
ونهيهم عَن الْمُنكر كَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ياقوم ادخُلُوا الارض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم وَلَا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين قَالُوا يَا مُوسَى ان فِيهَا قوما جبارين وانا لن ندْخلهَا حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا فَإِن يخرجُوا مِنْهَا فَإنَّا داخلون الى قَوْله فَاذْهَبْ انت وَرَبك فَقَاتلا انا هَا هُنَا قَاعِدُونَ سُورَة الْمَائِدَة 2421 وكما قَالَ تَعَالَى الم تَرَ الى الملا من بني اسرائيل من بعد مُوسَى اذ قَالُوا لنَبِيّ لَهُم ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله قَالَ هَل عسيتم ان كتب عَلَيْكُم الْقِتَال الا تقاتلوا قَالُوا وَمَا لنا الا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله وَقد اخرجنا من دِيَارنَا وابنائنا سُورَة الْبَقَرَة 246 فعللوا الْقِتَال بِأَنَّهُم اخْرُجُوا من دِيَارهمْ وابنائهم وَمَعَ هَذَا كَانُوا ناكلين عَمَّا امروا بِهِ من ذَلِك وَلِهَذَا لم تحل الْغَنَائِم لَهُم وَلم يَكُونُوا يطؤون بِملك الْيَمين
وَمَعْلُوم ان اعظم الامم الْمُؤمنِينَ قبلنَا هم بَنو اسرائيل كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ خرج علينا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عرضت على البارحة الانبياء بأممهم فَجعل يمر النَّبِي وَمَعَهُ الرجل وَالنَّبِيّ مَعَه الرّجلَانِ وَالنَّبِيّ مَعَه الرَّهْط وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه اُحْدُ وَرَأَيْت سوادا كثيرا سد الْأُفق وَفِي رِوَايَة فَإِذا الطَّرِيق ممتلئة بِالرِّجَالِ فرجوت ان يكون امتي فَقلت هَذِه امتي فَقيل هَذَا مُوسَى فِي بني اسرئيل وَلَكِن انْظُر هَكَذَا وَهَكَذَا
فَرَأَيْت سوادا كثيرا قد سد الافق فَقيل هَؤُلَاءِ امتك وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ الْفَا يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب فَتفرق النَّاس وَلم يتَبَيَّن لَهُم فَتَذَاكَرَ اصحاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا اما نَحن فولدنا فِي الشّرك وَلَكنَّا امنا بِاللَّه وَرَسُوله وَلَكِن هَؤُلَاءِ أَبْنَاؤُنَا فَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ هم الَّذين لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عكاشة بن مُحصن فَقَالَ امنهم انا يَا رَسُول الله قَالَ نعم فَقَامَ اخر فَقَالَ امنهم انا فَقَالَ سَبَقَك بهَا عكاشة وَلِهَذَا كَانَ اجماع هَذِه الامة حجَّة لِأَن الله قد اخبر انهم
يأمرون بِكُل مَعْرُوف وَينْهَوْنَ عَن كل مُنكر فَلَو اتَّفقُوا على اباحة محرم اَوْ اسقاط وَاجِب اَوْ تَحْرِيم حَلَال اَوْ اخبار عَن الله اَوْ خلقه بباطل لكانوا متصفين بالامر بمنكر وَالنَّهْي عَن مَعْرُوف والامر بالمنكر وَالنَّهْي عَن الْمَعْرُوف لَيْسَ من الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح بل الاية تَقْتَضِي ان مَا لم تَأمر بِهِ الْأمة فَلَيْسَ من الْمَعْرُوف وَمَا لم تنه عَنهُ فَلَيْسَ من الْمُنكر واذا كَانَت امرة بِكُل مَعْرُوف ناهية عَن كل مُنكر فَكيف يجوز ان تَأمر كلهَا بمنكر اَوْ تنهي كلهَا عَن مَعْرُوف وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا اخبر بِأَنَّهَا تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر فقد اوجب ذَلِك على الْكِفَايَة مِنْهَا بقوله ولتكن مِنْكُم امة يدعونَ الى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون سُورَة آل عمرَان 104 واذا اخبر بِوُقُوع الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن المنكرمنها
لم يكن من شَرط ذَلِك ان يصل امْر لامر وَنهى الناهي مِنْهَا الى كل مُكَلّف فِي الْعَالم اذ لَيْسَ هَذَا من شَرط تَبْلِيغ الرسَالَة فَكيف يشْتَرط فِيمَا هُوَ من توابعها بل الشَّرْط ان يتَمَكَّن المكلفون من وُصُول ذَلِك اليهم ثمَّ اذا فرطوا فَلم يسعوا فِي وُصُوله اليهم مَعَ قيام فَاعله بِمَا يجب عَلَيْهِ كَانَ التَّفْرِيط مِنْهُم لَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يجب على كل اُحْدُ بِعَيْنِه بل هُوَ على الْكِفَايَة كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَلما كَانَ الْجِهَاد من تَمام ذَلِك كَانَ الْجِهَاد ايضا كَذَلِك فَإِذا لم يقم بِهِ من يقوم بواجبه اثم كل قَادر بِحَسب قدرته اذ هُوَ وَاجِب على كل انسان بِحَسب قدرته كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ اضعف الايمان
واذ كَانَ كَذَلِك فمعلوم ان الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر واتمامه بِالْجِهَادِ هُوَ من اعظم الْمَعْرُوف الَّذِي امرنا بِهِ وَمن النَّهْي عَن الْمُنكر اقامة الْحُدُود على من خرج من شَرِيعَة الله وَيجب على اولى الامر وهم عُلَمَاء كل طَائِفَة وامراؤها ومشايخها ان يقومُوا على عامتهم ويأمروهم بِالْمَعْرُوفِ وينهوهم عَن الْمُنكر فيأمرونهم بِمَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله مثل شرائع الاسلام وَهِي الصَّلَوَات الْخمس فِي مواقيتها وَكَذَلِكَ الصَّدقَات الْمَشْرُوعَة وَالصَّوْم الْمَشْرُوع وَحج الْبَيْت الْحَرَام وَمثل الايمان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الاخر والايمان بِالْقدرِ خَيره وشره وَمثل الاحسان وَهُوَ ان تبعد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فانه يراك وَمثل مَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله من الامور الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وَمثل اخلاص الدّين لله والتوكل على الله وان يكون الله وَرَسُوله احب اليه مِمَّا سواهُمَا والرجاء لرحمة الله والخشية من عَذَابه وَالصَّبْر لحكم الله وَالتَّسْلِيم لأمر الله وَمثل صدق الحَدِيث وَالْوَفَاء بالعهود واداء الامانات الى اهلها وبر الْوَالِدين وصلَة الارحام والتعاون على الْبر وَالتَّقوى والاحسان الى الْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والصاحب وَالزَّوْجَة
والمملوك وَالْعدْل فِي الْمقَال والفعال ثمَّ النّدب الى مَكَارِم الاخلاق مثل ان تصل من قَطعك وتعطى من حَرمك وَتَعْفُو عَن ظلمك وَمن الامر بِالْمَعْرُوفِ كَذَلِك الامر بالائتلاف والاجتماع وَالنَّهْي عَن الِاخْتِلَاف والفرقة وَغير ذَلِك واما الْمُنكر الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله فأعظمه الشّرك بِاللَّه وَهُوَ ان يَدْعُو مَعَ الله الها اخر كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب اَوْ كملك من الْمَلَائِكَة اَوْ نَبِي من الانبياء اَوْ رجل من الصَّالِحين اَوْ اُحْدُ من الْجِنّ اَوْ تماثيل هَؤُلَاءِ اَوْ قُبُورهم اَوْ غير ذَلِك مِمَّا يدعى من دون الله تَعَالَى اَوْ يستغاث بِهِ اَوْ يسْجد لَهُ فَكل هَذَا واشباهه من الشّرك الَّذِي حرمه الله على لِسَان جَمِيع رسله وَمن الْمُنكر كل مَا حرمه الله كَقَتل النَّفس بِغَيْر الْحق واكل اموال النَّاس بِالْبَاطِلِ بِالْغَصْبِ اَوْ بالربا اَوْ الميسر والبيوع والمعاملات الَّتِي نهى عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ قطيعة الرَّحِم وعقوق الْوَالِدين وتطفيف الْمِكْيَال وَالْمِيزَان والاثم وَالْبَغي وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات المبتدعة الَّتِي لم يشرعها الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغير ذَلِك والرفق سبييل الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
وَلِهَذَا قيل ليكن امرك بِالْمَعْرُوفِ بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر غير مُنكر واذا كَانَ الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر من اعظم الْوَاجِبَات اَوْ المستحبات فالواجبات والمستحبات لَا بُد ان تكون الْمصلحَة فِيهَا راجحة على الْمفْسدَة اذ بِهَذَا بعثت الرُّسُل وانزلت الْكتب وَالله لَا يحب الْفساد بل كل مَا امْر الله بِهِ فَهُوَ صَلَاح وَقد اثنى الله على الصّلاح والمصلحين وَالَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وذم الْفساد والمفسدين فِي غير مَوضِع فَحَيْثُ كَانَت مفْسدَة الامر وَالنَّهْي اعظم من مصْلحَته لم يكن مِمَّا امْر الله بِهِ وان كَانَ قد ترك وَاجِب وَفعل محرم إِذْ لمُؤْمِن عَلَيْهِ ان يتقى الله فِي عباد الله وَلَيْسَ عَلَيْهِ هدَاهُم وَهَذَا من معنى قَوْله تَعَالَى يَا
ايها الَّذين امنوا عَلَيْكُم انفسكم لَا يضركم من ضل اذا اهْتَدَيْتُمْ سُورَة الْمَائِدَة 105 والاهتداء انما يتم بأَدَاء الْوَاجِب فَإِذا قَامَ الْمُسلم بِمَا يجب عَلَيْهِ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا قَامَ بِغَيْرِهِ من الْوَاجِبَات لم يضرّهُ ضلال الضال وَذَلِكَ يكون تَارَة بِالْقَلْبِ وَتارَة بِاللِّسَانِ وَتارَة بِالْيَدِ فَأَما الْقلب فَيجب بِكُل حَال اذا لَا ضَرَر فِي فعله وَمن لم يَفْعَله فَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْمِن كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ ادنى اَوْ اضعف الايمان وَقَالَ لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الايمان حبه خَرْدَل وَقيل لِأَبْنِ مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ من ميت الاحياء فَقَالَ الَّذِي لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا وَهَذَا هُوَ
الْمفْتُون الْمَوْصُوف بِأَن قلبه كالكوز مجخيا فِي حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب عرض الْحَصِير الحَدِيث وَهنا يغلط فريقان من النَّاس فريق يتْرك مَا يجب من الامر وَالنَّهْي تَأْوِيلا لهَذِهِ الاية كَمَا قَالَ ابو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ فِي خطبَته ايها النَّاس انكم تقرأون هَذِه الاية عَلَيْكُم انفسكم لَا يضركم من ضل اذا اهْتَدَيْتُمْ سُورَة الْمَائِدَة 105 وانكم تضعونها فِي غير موضعهَا واني سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ان النَّاس اذا رَأَوْا الْمُنكر فَلم يغيروه اَوْ شكّ ان يعمهم الله بعقاب مِنْهُ
والفريق الثَّانِي من يُرِيد ان يَأْمر وَيُنْهِي اما بِلِسَانِهِ واما بِيَدِهِ مُطلقًا من غير فقه وَلَا حكم وَلَا صَبر وَلَا نظر فِي مَا يصلح من ذَلِك وَمَا لَا يصلح وَمَا يقدر عَلَيْهِ وَمَا لَا يقدر كَمَا فِي حَدِيث ابي ثَعْلَبه الْخُشَنِي سَأَلت عَنْهَا اي الاية رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ بل ائْتَمرُوا بالعروف وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر حَتَّى اذا رَأَيْت شحا مُطَاعًا وَهوى مُتبعا ودينا مُؤثرَة واعجاب كل ذِي رأى بِرَأْيهِ وَرَأَيْت امْرأ لَا يدان لَك بِهِ فَعَلَيْك بِنَفْسِك ودع عَنْك امْر الْعَوام فَإِن من ورائك ايام الصَّبْر الصَّبْر فِيهِنَّ مثل قبض على الْجَمْر لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ كَأَجر خمسين رجلا يعْملُونَ مثل عمله فَيَأْتِي بِالْأَمر وَالنَّهْي مُعْتَقدًا انه مُطِيع فِي
ذَلِك لله وَرَسُوله وَهُوَ مُعْتَد فِي حُدُوده كَمَا نصب كثير من اهل الْبدع والاهواء نَفسه لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي كالخوارج والمعتزلة والرافضة وَغَيرهم من غلط فِيمَا اتاه من الامر وَالنَّهْي وَالْجهَاد وَغير ذَلِك فَكَانَ فَسَاده اعظم من صَلَاحه وَلِهَذَا امْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصبرِ على جور الائمة وَنهى عَن قِتَالهمْ مَا اقاموا الصَّلَاة وَقَالَ ادوا اليهم حُقُوقهم وسلوا الله حقوقكم وَقد بسطنا القَوْل فِي ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَلِهَذَا كَانَ من اصول اهل السّنة وَالْجَمَاعَة لُزُوم الْجَمَاعَة وَترك قتال الائمة وَترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة واما اهل الاهواء
كالمعتزلة فيرون الْقِتَال للأئمة من اصول دينهم وَيجْعَل الْمُعْتَزلَة اصول دينهم خَمْسَة التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ سلب الصِّفَات وَالْعدْل الَّذِي هُوَ التَّكْذِيب بِالْقدرِ والمنزلة بَين المنزلتين وانفاذ الْوَعيد والامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر الَّذِي فِيهِ قتال الائمة وَقد تَكَلَّمت على قتال الائمة فِي غيرهذا الْموضع وجماع ذَلِك دَاخل فِي الْقَاعِدَة الْعَامَّة فِيمَا اذا تَعَارَضَت الْمصَالح والمفاسد والحسنات والسيئات اَوْ تزاحمت فانه يجب تَرْجِيح الرَّاجِح مِنْهَا فِيمَا اذا ازدحمت الْمصَالح والمفاسد وتعارضت الْمصَالح والمفاسد فَإِن الْأَمر والنهى وَإِن كَانَ متضمنا لتحصل مصلحَة وَدفع مفْسدَة فَينْظر فِي الْمعَارض لَهُ فَإِن كَانَ الَّذِي يفوت من الْمصَالح اَوْ يحصل من الْمَفَاسِد اكثر لم يكن مَأْمُورا بِهِ بل يكون محرما اذا كَانَت مفسدته اكثر من مصْلحَته
لَكِن اعْتِبَار مقادير الْمصَالح والمفاسد هُوَ بميزان الشَّرِيعَة فَمَتَى قدر الانسان على اتِّبَاع النُّصُوص لم يعدل عَنْهَا وَلَا اجْتهد رَأْيه لمعْرِفَة الاشباه والنظائر وَقل ان تعوز النُّصُوص من يكون خَبِيرا بهَا وبدلالتها على الاحكام وعَلى هَذَا اذا كَانَ الشَّخْص اوالطائفة جامعين بَين مَعْرُوف ومنكر بِحَيْثُ لَا يفرقون بَينهمَا بل اما ان يفعلوهما جَمِيعًا اَوْ يتركوهما جَمِيعًا لم يجز ان يؤمروا بِمَعْرُوف وَلَا ان ينهوا عَن مُنكر بل ينظر فَإِن كَانَ الْمَعْرُوف اكثر امْر بِهِ وان استلزم مَا هُوَ دونه من الْمُنكر وَلم ينْه عَن مُنكر يسْتَلْزم تَفْوِيت مَعْرُوف اعظم مِنْهُ بل يكون النَّهْي حِينَئِذٍ من بَاب الصد عَن سَبِيل الله وَالسَّعْي فِي زَوَال طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَزَوَال فعل الْحَسَنَات وان كَانَ الْمُنكر اغلب نهي عَنهُ وان استلزم فَوَات مَا هُوَ
دونه من الْمَعْرُوف وَيكون الامر بذلك الْمَعْرُوف المستلزم للْمُنكر الزَّائِد عَلَيْهِ امرا بمنكر وسعيا فِي مَعْصِيّة الله وَرَسُوله وان تكافأ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر المتلازمان لم يُؤمر بهما وَلم ينْه عَنْهُمَا فَتَارَة يصلح الامر وَتارَة يصلح النَّهْي وَتارَة لَا يصلح لَا امْر وَلَا نهي حَيْثُ كَانَ الْمُنكر وَالْمَعْرُوف متلازمين وَذَلِكَ فِي الامور الْمعينَة الْوَاقِعَة واما من جِهَة النَّوْع فَيُؤْمَر بِالْمَعْرُوفِ مُطلقًا وَينْهى عَن الْمُنكر مُطلقًا وَفِي الْفَاعِل الْوَاحِد والطائفة الْوَاحِدَة يُؤمر بمعروفها وَينْهى عَن منكرها ويحمد محمودها ويذم مذمومها بِحَيْثُ لَا يتَضَمَّن الامر بِمَعْرُوف فَوَات مَعْرُوف اكبر مِنْهُ اَوْ حُصُول مُنكر فَوْقه وَلَا يتَضَمَّن النَّهْي عَن الْمُنكر حُصُول مَا هُوَ انكر مِنْهُ اَوْ فَوَات مَعْرُوف ارجح مِنْهُ
واذا اشْتبهَ الْأَمر استثبت الْمُؤمن حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الْحق فَلَا يقدم على الطَّاعَة الا بِعلم وَنِيَّة واذا تَركهَا كَانَ عَاصِيا فَترك الامر الْوَاجِب مَعْصِيّة وَفعل مَا نهى عَنهُ من الامر مَعْصِيّة وَهَذَا بَاب وَاسع وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه وَمن هَذَا الْبَاب اقرار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعبد الله بن ابي وامثاله من ائمة النِّفَاق والفجور لما لَهُم من الاعوان فإزالة منكره بِنَوْع من عِقَابه مستلزمة ازاله مَعْرُوف اكبر من ذَلِك بغضب قومه وحميتهم وبنفور النَّاس اذا سمعُوا ان مُحَمَّدًا يقتل اصحابه وَلِهَذَا لما خطب النَّاس فِي قصَّة الْإِفْك بِمَا خاطبهم بِهِ
وَاعْتذر مِنْهُ وَقَالَ لَهُ سعد بن معَاذ قَوْله الَّذِي احسن فِيهِ حمى لَهُ سعد بن عبَادَة مَعَ حسن ايمانه وَصدقه وتعصب لكل مِنْهُم قبيله حَتَّى كَادَت تكون فتْنَة وَاصل هَذَا ان تكون محبَّة الانسان للمعروف وبغضه للْمُنكر وارادته لهَذَا وكراهته لهَذَا مُوَافقا لحب الله وبغضه وارادته وكراهته الشرعيتين وان يكون فعله للمحبوب وَدفعه للمكروه بِحَسب قوته وَقدرته فَإِن الله لَا يُكَلف نفسا الا وسعهَا وَقد قَالَ فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم سُورَة التغابن 16
فَأَما حب الْقلب وبغضه وارادته وكراهته فَيَنْبَغِي ان تكون كَامِلَة جازمة لَا يُوجب نقص ذَلِك الا نقص الايمان واما فعل الْبدن فَهُوَ بِحَسب قدرته وَمَتى كَانَت ارادة الْقلب وكراهته كَامِلَة تَامَّة وَفعل العَبْد مَعهَا بِحَسب قدرته فَإِنَّهُ يعْطى ثَوَاب الْفَاعِل الْكَامِل كَمَا قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع فَإِن من النَّاس من يكون حبه وبغضه وارادته وكراهته بِحَسب محبته نَفسه وبغضها لَا بِحَسب محبَّة الله وَرَسُوله وبغض الله وَرَسُوله وَهَذَا من نوع الْهوى فَإِن اتبعهُ الانسان فقد اتبع هَوَاهُ وَمن اضل مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله سُورَة الْقَصَص 50 فَإِن اصل الْهوى هُوَ محبَّة النَّفس وَيتبع ذَلِك بغضها والهوى نَفسه وَهُوَ الْحبّ والبغض الَّذِي فِي النَّفس لَا
يلام العَبْد عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك لَا يملكهُ وانما يلام على اتِّبَاعه كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا دَاوُد انا جعلناك خَليفَة فِي الارض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله سُورَة ص 26 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ سُورَة الْقَصَص 50 وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث منجيات خشيَة الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْقَصْد فِي الْفقر والغنى وَكلمَة الْحق فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَثَلَاث مهلكات شح مُطَاع وَهوى مُتبع واعجاب الْمَرْء بِنَفسِهِ وَالْحب والبغض يتبعهُ ذوق عِنْد وجود المحبوب والمبغض
وَوجد وارادة وَغير ذَلِك فَمن اتبع ذَلِك بِغَيْر امْر الله وَرَسُوله فَهُوَ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله بل قد يتمادى بِهِ الامر الى ان يتَّخذ الهه هَوَاهُ وَاتِّبَاع الاهواء فِي الديانَات اعظم من اتِّبَاع الاهواء فِي الشَّهَوَات فَإِن الاول حَال الَّذين كفرُوا من اهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ سُورَة الْقَصَص 50 وَقَالَ تَعَالَى ضرب لكم مثلا من انفسكم هَل لكم مِمَّا ملكت ايمانكم الاية الى قَوْله ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم بِغَيْر علم﴾ سُورَة الرّوم 28 29 وَقَالَ تَعَالَى وَقد فضل لكم مَا حرم عَلَيْكُم الا مَا
﴿اضطررتم إِلَيْهِ وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم﴾ سُورَة الانعام 119 الاية وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ سُورَة الْمَائِدَة 77 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا نصير﴾ سُورَة الْبَقَرَة 120 وَقَالَ تَعَالَى فِي الاية الاخرى ﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم من بعد مَا جَاءَك من الْعلم إِنَّك إِذا لمن الظَّالِمين﴾ سُورَة الْبَقَرَة 145 وَقَالَ ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم﴾ سُورَة الْمَائِدَة 49 وَلِهَذَا كَانَ من خرج عَن مُوجب الْكتاب وَالسّنة من المنسوبين الى الْعلمَاء والعباد يَجْعَل من اهل الاهواء كَمَا كَانَ
السّلف يسمونهم اهل الاهواء وَذَلِكَ ان كل من لم يتبع الْعلم فقد اتبع هَوَاهُ وَالْعلم بِالدّينِ لَا يكون الا بِهَدي الله الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع ﴿وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم﴾ سُورَة الانعام 119 وَقَالَ فِي مَوضِع اخر ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ سُورَة الْقَصَص 50 فَالْوَاجِب على العَبْد ان ينظر فِي نفس حبه وبغضه وَمِقْدَار حبه وبغضه هَل هُوَ مُوَافق لأمر الله وَرَسُوله وَهُوَ هدى الله الَّذِي انزله على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحَيْثُ يكون مَأْمُورا بذلك الْحبّ والبغض لَا يكون مُتَقَدما فِيهِ بَين يَدي الله وَرَسُوله فَإِنَّهُ قد قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ سُورَة الحجرات 1
وَمن احب اَوْ ابغض قبل ان يَأْمُرهُ الله وَرَسُوله فَفِيهِ نوع من التَّقَدُّم بَين يَدي الله وَرَسُوله وَمُجَرَّد الْحبّ والبغض هُوَ هوى لَكِن الْمحرم مِنْهُ اتِّبَاع حبه وبغضه بِغَيْر هدى من الله وَلِهَذَا قَالَ الله لنَبيه دَاوُد ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد﴾ سُورَة ص 21 فَأخْبر ان من اتبع هَوَاهُ اضله ذَلِك عَن سَبِيل الله وَهُوَ هداه الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله وَهُوَ السَّبِيل اليه وَتَحْقِيق ذَلِك ان الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر هُوَ من اوجب الاعمال وافضلها واحسنها وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ سُورَة الْملك 2 وَهُوَ كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض رَحمَه الله خلصه واصوبه فَإِن الْعَمَل اذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن
صَوَابا لم يقبل واذا كَانَ صواباه وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص ان يكون لله وَالصَّوَاب ان يكون على السّنة فَالْعَمَل الصَّالح لَا بُد ان يُرَاد بِهِ وَجه الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى لَا يقبل من الْعَمَل الا مَا اريد بِهِ وَجهه وَحده كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَقُول الله تَعَالَى انا اغنى الشُّرَكَاء عَن الشّرك من عمل عملا اشرك فِيهِ غَيْرِي فَأَنا مِنْهُ برِئ وَهُوَ كُله للَّذي اشرك وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ اصل الاسلام وَهُوَ دين الله الَّذِي بعث بِهِ جَمِيع رسله وَله خلق الْخلق وَهُوَ حَقه على عباده ان
يعبدوه وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَلَا بُد مَعَ ذَلِك ان يكون الْعَمَل صَالحا وَهُوَ مَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله وَهُوَ الطَّاعَة فَكل طَاعَة عمل صَالح وكل عمل صَالح طَاعَة وَهُوَ الْعَمَل الْمَشْرُوع الْمسنون اذ الْمَشْرُوع الْمسنون هُوَ الْمَأْمُور بِهِ امْر ايجاب اَوْ اسْتِحْبَاب وَهُوَ الْعَمَل الصَّالح وَهُوَ الْحسن وَهُوَ الْبر وَهُوَ الْخَيْر وضده الْمعْصِيَة وَالْعَمَل الْفَاسِد والسيئة والفجور وَالشَّر وَالظُّلم وَالْبَغي وَلما كَانَ الْعَمَل لَا بُد فِيهِ من شَيْئَيْنِ النِّيَّة وَالْحَرَكَة كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اصدق الاسماء حَارِث وَهَمَّام فَكل اُحْدُ حَارِث وَهَمَّام لَهُ عمل وَنِيَّة
لَكِن النِّيَّة المحمودة الَّتِي يتقبلها الله ويثيب عَلَيْهَا هِيَ ان يُرَاد الله وَحده بذلك الْعَمَل وَالْعَمَل الْمَحْمُود هُوَ الصَّالح وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَلِهَذَا كَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اجْعَل عملى كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا واذا كَانَ هَذَا حد كل عمل صَالح فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر يجب ان يكون كَذَلِك هَذَا فِي حق الامر الناهي بِنَفسِهِ وَلَا يكون عمله صَالحا ان لم يكن بِعلم وَفقه كَمَا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله بِغَيْر علم كَانَ مَا
يفْسد اكثر مِمَّا يصلح وكما فِي حَدِيث معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ الْعلم امام الْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه وَهَذَا ظَاهر فَإِن الْقَصْد وَالْعَمَل ان لم يكن بِعلم كَانَ جهلا وضلالا واتباعا للهوى كَمَا تقدم وَهَذَا هُوَ الْفرق بَين اهل الْجَاهِلِيَّة واهل الاسلام فَلَا بُد من الْعلم بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنكر والتمييز بَينهمَا وَلَا بُد من الْعلم بِحَال الْمَأْمُور وَحَال الْمنْهِي وَمن الصّلاح ان يَأْتِي بالامر وَالنَّهْي على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهُوَ اقْربْ الطّرق الى حُصُول الْمَقْصُود وَلَا بُد فِي ذَلِك من الرِّفْق كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا كَانَ الرِّفْق فِي شَيْء الا زانه وَلَا كَانَ العنف فِي شَيْء الا شانه وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان الله رَفِيق يحب الرِّفْق
فِي الامر كُله وَقَالَ ان الله رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطي على العنف وَلَا بُد ايضا ان يكون حَلِيمًا صبورا على الاذى فَلَا بُد ان يحصل لَهُ اذى فَإِن لم يحلم ويصبر كَانَ مَا يفْسد اكثر مِمَّا يصلح كَمَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ ﴿وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ سُورَة لُقْمَان 17 وَلِهَذَا امْر الله الرُّسُل وهم ائمة الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن
الْمُنكر بِالصبرِ كَقَوْلِه لخاتم الرُّسُل عَلَيْهِ السَّلَام بل ذَلِك مقرون بتبليغ الرسَالَة فَإِنَّهُ اول مَا ارسل انزلت عَلَيْهِ سُورَة ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ بعد ان انزلت عَلَيْهِ سُورَة اقْرَأ الَّتِي بِهِ نبئ فَقَالَ الله تَعَالَى يَا ايها المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر وَلَا تمنن تستكثر ولربك فاصبر سُورَة المدثر 1 7 فَافْتتحَ آيَات الارسال الى الْخلق بالامر بالانذار وختمها بالامر بِالصبرِ وَنَفس الانذار امْر بِالْمَعْرُوفِ وَنهي عَن الْمُنكر فَعلم انه يجب بعد ذَلِك الصَّبْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا﴾ سُورَة الطّور 48 وَقَالَ تَعَالَى ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ واهجرهم هجرا جميلا﴾ سُورَة المزمل 10 وَقَالَ ﴿فاصبر كَمَا صَبر أولُوا الْعَزْم من الرُّسُل﴾ سُورَة الاحقاف 35 وَقَالَ فاصبر لحكم
﴿رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ سُورَة الْقَلَم 48 وَقَالَ ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ سُورَة النَّحْل 127 وَقَالَ واصبر فَإِن الله لَا يضيع اخر الْمُحْسِنِينَ سُورَة هود 115 فَلَا بُد من هَذِه الثَّلَاثَة الْعلم والرفق وَالصَّبْر الْعلم قبل الْأَمر وَالنَّهْي والرفق مَعَه وَالصَّبْر بعده وان كَانَ كل من الثَّلَاثَة لَا بُد ان يكون مستصحبا فِي هَذِه الاحوال وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الاثر عَن بعض السّلف وَرَوَوْهُ مَرْفُوعا ذكره القَاضِي ابو يعلى فِي الْمُعْتَمد لَا يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر الا من كَانَ فَقِيها فِيمَا يَأْمر بِهِ فَقِيها فَمَا يُنْهِي عَنهُ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمر بِهِ رَفِيقًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمر بِهِ حَلِيمًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ وليعلم ان اشْتِرَاط هَذِه الْخِصَال فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مِمَّا يُوجب صعوبته على كثير من النُّفُوس فيظن انه بذلك يسْقط عَنهُ فيدعه وَذَلِكَ قد يضرّهُ اكثر مِمَّا يضرّهُ الامر بِدُونِ هَذِه الْخِصَال اَوْ اقل فَإِن ترك الامر الْوَاجِب مَعْصِيّة وَفعل مَا نهى عَنهُ فِي الامر مَعْصِيّة فالمنتقل من مَعْصِيّة الى
مَعْصِيّة اكبر مِنْهَا كالمستجير من الرمضاء بالنَّار والمنتقل من مَعْصِيّة الى مَعْصِيّة كالمتنقل من دين بَاطِل الى دين بَاطِل قد يكون الثَّانِي شرا من الاول وَقد يكون دونه وَقد يكونَانِ سَوَاء فَهَكَذَا تَجِد المقصر فِي الامر وَالنَّهْي والمعتدي فِيهِ قد يكون ذَنْب هَذَا اعظم وَقد يكون ذَنْب ذَاك اعظم وَقد يكونَانِ سَوَاء وَمن الْمَعْلُوم بِمَا ارانا الله من اياته فِي الافاق وَفِي انفسنا وَبِمَا شهد بِهِ فِي كِتَابه ان الْمعاصِي سَبَب المصائب فسيئات المصائب وَالْجَزَاء هِيَ من سيئات الاعمال وان الطَّاعَة سَبَب النِّعْمَة فإحسان العَبْد الْعَمَل سَبَب لاحسان الله قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ سُورَة الشورى 30 وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ سُورَة النِّسَاء 79 وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم﴾
سُورَة آل عمرَان 155 وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ سُورَة آل عمرَان 165 وَقَالَ ﴿أَو يوبقهن بِمَا كسبوا ويعف عَن كثير﴾ سُورَة الشورى 34 وَقَالَ ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم فَإِن الْإِنْسَان كفور﴾ سُورَة الشورى 48 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ سُورَة الانفال 33 وَقد اخبر الله سُبْحَانَهُ بِمَا عاقب بِهِ اهل السَّيِّئَات من الامم كقوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَقوم لوط واصحاب مَدين وَقوم فِرْعَوْن فِي الدُّنْيَا وَاخْبَرْ بِمَا سيعاقبهم بِهِ فِي الاخرة وَلِهَذَا قَالَ مُؤمن آل فِرْعَوْن يَا قوم اني اخاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الاحزاب مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد وَيَا قوم اني اخاف عَلَيْكُم يَوْم التناد يَوْم تولون مُدبرين مَا لكم من الله من عَاصِم وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد سُورَة غَافِر 30 33
وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِك الْعَذَاب ولعذاب الْآخِرَة أكبر﴾ سُورَة الْقَلَم 33 وَقَالَ ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة 101 وَقَالَ ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ سُورَة السَّجْدَة 21 وَقَالَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ سُورَة الدُّخان 10 الى قَوْله ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى إِنَّا منتقمون﴾ سُورَة الدُّخان 16 وَلِهَذَا يذكر الله فِي عَامَّة سور الانذار مَا عاقب بِهِ اهل السَّيِّئَات فِي الدُّنْيَا وَمَا اعده لَهُم فِي الاخرة وَقد يذكر فِي السُّورَة وعد الاخرة فَقَط اذ عَذَاب الاخرة اعظم وثوابها اعظم وَهِي دَار الْقَرار وانما يذكر مَا يذكرهُ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الدُّنْيَا تبعا كَقَوْلِه فِي قصَّة يُوسُف ﴿وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع أجر﴾
﴿الْمُحْسِنِينَ ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ سُورَة يُوسُف 56 57 وَقَالَ ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة﴾ سُورَة آل عمرَان 148 وَقَالَ وَالَّذين هَاجرُوا فِي الله من بعد مَا ظلمُوا لنبؤئنهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ولأجرة الاخرة اكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ الَّذين صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ سُورَة النَّحْل 41 42 وَقَالَ عَن ابراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ سُورَة العنكبوت 27 واما ذكره لعقوبة الدُّنْيَا والاخرة فَفِي مثل والنازعات غرقا والناشطات نشطا سُورَة النازعات 201 ثمَّ قَالَ يَوْم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة سُورَة النازعات فَذكر القيامه مُطلقًا ثمَّ قَالَ هَل اتاك حَدِيث مُوسَى اذ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى اذْهَبْ الى فِرْعَوْن انه طَغى سُورَة النازعات 15