أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلَاءً، قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ، وَيَتْرُكُ ابْنَيْنِ، وَيَتْرُكُ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَثَمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ الْهَالِكَ أَقَرَّ بِأَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى هَذَا النَّسَبِ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى مَا وَرِثَ فَيَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْل الْمَدِينَةِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا نُعْطِيهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدَيْهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، وَجَمَاعَةً مِنْ الْمَدَنِيِّينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ بِالْعِرَاقِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمِيرَاثِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنَّهُ لَقَوْلٌ يَصِحُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا زَعَمَ أَنَّ لَهُ حَقًّا فِي يَدَيْهِ، وَيَدَيْ أَخِيهِ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَبِيهِمَا، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَمَا يَرِثُ أَبَاهُمْ فَإِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْإِقْرَارِ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ، وَإِنَّمَا زَعَمْنَا أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالنَّسَبِ لَا بِدَيْنٍ وَلَا وَصِيَّةٍ، وَلَا شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ غَيْرِ النَّسَبِ زَعَمْنَا أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا، قُلْت لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ كَأَنَّك ذَهَبْت بِهِ إلَى أَنَّهُ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَهِيَ لِي عَلَيْك أَوْ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَك هَذَا الْعَبْدُ أَوْ الدَّارَ فَأَنْكَرْت، وَحَلَفْت لَمْ يَكُنْ لَك الْعَبْدُ، وَلَا الدَّارُ فَإِنِّي إنَّمَا أَقْرَرْت لَك بِعَبْدٍ أَوْ دَارٍ، وَفِي إقْرَارِي شَيْءٌ يَثْبُتُ عَلَيْك كَمَا يَثْبُتُ لَك فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْك مَا ادَّعَيْت لَمْ يَثْبُتْ لَك مَا أَقْرَرْت بِهِ قَالَ إنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقِيسُ النَّاسُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَدْخُلُ قُلْت وَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ بِهِ؟ قَالَ اخْتَرْنَا مَا قُلْت لِمَا سَمِعْته (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ أَحَدٍ بِنِسْبَةِ رَجُلٍ إلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخَ إنَّمَا يُقِرُّ عَلَى أَبِيهِ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ مِنْ حَقِّهِ مِنْ أَبِيهِ كَحَقِّهِ فَدَفَعَ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْوَرَثَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ مَعًا أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَى الْمَيِّتِ الَّذِي إنَّمَا يُلْحِقُ بِنَفْسِهِ فَيُكْتَفَى بِقَوْلِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ النَّسَبُ، وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، «وَقَوْلِ سَعْدٍ كَانَ أَخِي عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةَ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ لَك يَا ابْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»
[دَعْوَى الْأَعَاجِمِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ وَإِذَا ادَّعَى الْأَعَاجِمُ بِوِلَادَةِ الشِّرْكِ أُخُوَّةٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنْ كَانُوا جَاءُونَا مُسْلِمِينَ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ بِعِتْقٍ قَبِلْنَا دَعْوَاهُمْ كَمَا قَبِلْنَا دَعْوَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فَإِنْ كَانُوا مَسْبِيِّينَ عَلَيْهِمْ، وَرُقُّوا أَوْ عَتَقُوا فَيَثْبُتُ عَلَيْهِمْ وَلَاءٌ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَثْبُتُ عَلَى وِلَادٍ وَدَعْوَى مَعْرُوفَةٍ كَانَتْ قَبْلَ السَّبْيِ، وَهَكَذَا مَنْ قَلَّ مِنْهُمْ أَوْ كَثُرَ.
أَهْلَ حِصْنٍ كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ.
[الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتُ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ مَا كَانَ بِيَدِ مَالِكٍ مَنْ كَانَ الْمَالِكُ مِنْ شَيْءٍ يَمْلِكُ مَا كَانَ الْمَمْلُوكُ فَادَّعَاهُ مَنْ يَمْلِكُ بِحَالٍ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ جَاءَ بِهَا أَخَذَ مَا ادَّعَى، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا فَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي يَدَيْهِ الْيَمِينُ بِإِبْطَالِ دَعْوَاهُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ لِلْمُدَّعِي لَا نُعْطِيك بِنُكُولِهِ شَيْئًا دُونَ أَنْ تَحْلِفَ عَلَى دَعْوَاك مَعَ نُكُولِهِ فَإِنْ حَلَفْت أَعْطَيْنَاك دَعْوَاك، وَإِنْ أَبَيْت لَمْ نُعْطِك دَعْوَاك، وَسَوَاءٌ ادَّعَاهَا الْمُدَّعِي مِنْ قَبْلِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا خَرَجَتْ إلَيْهِ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ أَوْ بِاسْتِحْقَاقِ أَصْلٍ أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَصْلُ مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى الَّذِي الشَّيْءُ فِي
يَدَيْهِ يَدَّعِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ فَيُجْعَلُ الْمُدَّعِيَ الَّذِي نُكَلِّفُهُ الْبَيِّنَةَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي الشَّيْءُ فِي يَدَيْهِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ بِدَعْوَاهُ إلَّا قَوْلَهُ، وَهَكَذَا إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا أَوْ أَيَّ شَيْءٍ مَا كَانَ كُلِّفَ فِيهِ الْبَيِّنَةَ وَدَعْوَاهُ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ مِثْلُ دَعْوَاهُ شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدَيْ غَيْرِهِ قَالَ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ أَوْ أَيُّ شَيْءٍ مَا كَانَ لِرَجُلٍ فَادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ، وَأَنْكَرَ الرَّجُلُ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّهُ مُدَّعٍ فِي ذِمَّةِ الرَّجُلِ وَمَالِهِ شَيْئًا هُوَ لَهُ دُونَهُ، وَالرَّجُلُ يُنْكِرُهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ يَدَّعِي شِرَاءَ الدَّارِ، وَمَالِكُ الدَّارِ يَجْحَدُهُ كَانَ مِثْلَ هَذَا، وَعَلَى مُدَّعِي الشِّرَاءِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي شَيْئًا هُوَ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ دُونَهُ، وَلَا يَأْخُذُ بِدَعْوَاهُ دُونَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً، وَعَلَى الَّذِي يُنْكِرُ الْبَيْعَ الْيَمِينُ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا أَوْ غَصْبًا أَوْ شَيْئًا عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَعْوَاهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَضَاهُ إيَّاهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّعْوَى لَازِمَةٌ لَهُ، وَدَعْوَاهُ الْبَرَاءَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فَسَوَاءٌ عِنْدَهُ كَانَ دَعْوَاهُ الْبَرَاءَةَ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ أَوْ مَقْطُوعًا مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُعْلَمُ حَقُّهُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ فَوَصَلَ بِإِقْرَارِهِ دَعْوَاهُ الْمَخْرَجَ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ صَادِقًا كَاذِبًا فِي قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ قَطَعَ دَعْوَاهُ الْمَخْرَجَ مِنْ الْإِقْرَارِ فَلَمْ يَصِلْهَا بِهِ كَانَ مُدَّعِيًا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَكَانَ الْإِقْرَارُ لَهُ لَازِمًا، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الْآخَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حُجَّتُهُ أَنْ يَقُولَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ طَبَرِيَّةٌ أَوْ لَك عِنْدِي عَبْدٌ زِنْجِيٌّ، وَادَّعَى الرَّجُلُ عَلَيْهِ أَلْفًا وَازِنَةً أَوْ أَلْفًا مَثَاقِيلَ أَوْ عَبْدًا بَرْبَرِيًّا أَلَيْسَ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ وَسَوَاءٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ، وَيَزْعُمَ إلَى أَجَلٍ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الدَّيْنُ حَالٌ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ إلَى أَجَلٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ إذَا وَصَلَ دَعْوَاهُ بِإِقْرَارِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ عَبْدًا كَانَ أَوْ دَارًا أَوْ غَيْرَهُ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّهُ فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَيُكَلَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَحْلَفْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ فَأَيُّهُمَا حَلَفَ بَرِيءَ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ رَدَدْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وَدَعْوَاهُ النِّصْفَ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ كَدَعْوَاهُ الْكُلَّ لَيْسَ فِي يَدَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ خَارِجٌ مِنْ يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِهِ فَأَيُّهُمَا حَلَفَ بَرِيءَ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قَضَيْنَا عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا تَدَاعَى الرَّجُلَانِ الْبَيْعَ فَتَصَادَقَا عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك بِأَلْفَيْنِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت مِنْك بِأَلْفٍ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا تَحَالَفَا مَعًا فَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَالسِّلْعَةُ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْبَائِعِ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ رَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ الْمُشْتَرِي حَلَفَ الْبَائِعُ لَقَدْ بَاعَهُ بِاَلَّذِي قَالَ ثُمَّ لَزِمَتْهُ الْأَلْفَانِ فَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ ثُمَّ نَكَلَ الْمُشْتَرِي عَنْ الْيَمِينِ أَخَذَ الْبَائِعُ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ نُكُولُ الْمُشْتَرِي، وَيَمِينُ الْبَائِعِ عَلَى دَعْوَاهُ، وَهَكَذَا إنْ كَانَ النَّاكِلُ هُوَ الْبَائِعُ، وَالْحَالِفُ هُوَ الْمُشْتَرِي كَانَتْ بَيْعًا لَهُ بِالْأَلْفِ، وَلَوْ هَلَكَتْ السِّلْعَةُ تَرَادَّا قِيمَتَهَا إذَا حَلَفَا مَعًا، وَإِذَا كَانَتْ السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا يَتَصَادَقَانِ فِي أَنَّ السِّلْعَةَ مَبِيعَةٌ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ، فَإِذَا حَلَفَا تَرَادَّا، وَهُمَا يَتَصَادَقَانِ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ حَلَالًا فَلَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ مَا كَانَ مَرْدُودًا لَوْ وُجِدَ بِعَيْنِهِ فِي يَدَيْ مَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ فَفَاتَ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ إذَا كَانَ أَصْلُهُ مَضْمُونًا، وَلَوْ جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُشْتَرِي إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ كُنَّا قَدْ فَارَقْنَا السُّنَّةَ، وَمَعْنَى السُّنَّةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِرَاقُهُمَا، وَقَدْ صَارَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ إلَى أَنْ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ بِهِ، وَخَالَفَ
صَاحِبَهُ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ أَعْطَيْنَاهُ بِبَيِّنَتِهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً لَمْ أَقْبَلْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ نَكَحْتهَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَرِضَاهَا فَإِذَا قَالَ هَذَا، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ أَحَلَفْنَاهَا، فَإِنْ حَلَفَتْ لَمْ أَقْضِ لَهُ بِهَا، وَإِنْ نَكَلَتْ لَمْ أَقْضِ لَهُ بِهَا بِالنُّكُولِ حَتَّى يَحْلِفَ، فَإِذَا حَلَفَ قَضَيْتُ لَهُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأُحَلِّفُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَكُلِّ دَعْوَى، وَذَلِكَ أَنِّي وَجَدْتُ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى أَنْ يُحَلَّفَ الزَّوْجُ الْقَاذِفُ، وَتُحَلَّفَ الزَّوْجَةُ الْمَقْذُوفَةُ ثُمَّ دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ، وَقَدْ لَزِمَهُ لَوْلَا الْيَمِينُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنْ الْمَرْأَةِ بِالْيَمِينِ، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ فَالْحَدُّ قَتْلٌ، وَنَفْيُ الْوَلَدِ نَسَبٌ فَالْحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ يَمِينٌ فَوَجَدْتُ هَذَا الْحُكْمَ جَامِعًا لَأَنْ تَكُونَ الْأَيْمَانُ مُسْتَعْمَلَةً فِيمَا لَهَا فِيهِ حُكْمٌ، وَوَجَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَحْلِفُوا، وَيَسْتَحِقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ فَأَبَوْا الْأَيْمَانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ أَيْمَانَ يَهُودَ فَلَا أَعْرِفُ حُكْمًا فِي الدُّنْيَا أَعْظَمَ مِنْ حُكْمِ الْقَتْلِ، وَالْحَدِّ، وَالطَّلَاقِ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَيْمَانِ فِي الْأَمْوَالِ، وَوَجَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ مُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بَلْ الْأَخْبَارُ اللَّازِمَةُ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ وَجَحَدَ كُلِّفَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهَا أُحْلِفَ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ رَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَقُلْتُ لَهَا احْلِفِي فَإِنْ حَلَفَتْ أَلْزَمْته النِّكَاحَ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ ادَّعَاهُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ طَلَاقٍ، وَقَذْفٍ، وَمَالٍ، وَقِصَاصٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّعْوَى
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ امْرَأَتَهُ خَالَعَتْهُ بِعَبْدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ كُلِّفَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ جَاءَ بِهَا أَلْزَمْته الْخُلْعَ، وَأَلْزَمْتُهَا مَا اخْتَلَعَتْ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا أَحَلَفْتهَا فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا ادَّعَى، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ، وَكَانَ لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُقِرُّ بِطَلَاقٍ لَا يَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَةً، وَيَدَّعِي مَظْلَمَةٌ فِي الْمَالِ فَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ رَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ مَا ادَّعَى أَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ أُعْطِهِ بِدَعْوَاهُ شَيْئًا، وَلَا بِنُكُولِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ مَعَ نُكُولِهَا يَمِينُهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى مَالِكِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَالِكُهُ فَعَلَى الْعَبْدِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا أَنْفَذْتُ لَهُ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا أَحَلَفْت لَهُ مَوْلَاهُ فَإِنْ حَلَفَ أَبْطَلْت دَعْوَى الْعَبْدِ، وَإِنْ نَكَلَ الْمَوْلَى عَنْ الْيَمِينِ لَمْ أُثْبِتْ دَعْوَى الْعَبْدِ إلَّا بِأَنْ يَحْلِفَ الْعَبْدُ فَإِنْ حَلَفَ أُثْبِتُ دَعْوَاهُ فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ التَّدْبِيرَ فَهُوَ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يَبِيعُ الْمُدَبَّرَ هَكَذَا، وَفِي قَوْلِ مَنْ يَبِيعُ الْمُدَبَّرَ هَكَذَا إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ لَا يَصْنَعُ الْيَمِينُ شَيْئًا، وَقُلْ قَدْ رَجَعْت فِي التَّدْبِيرِ، وَيَكُونُ التَّدْبِيرُ مَرْدُودًا، وَلَوْ أَنَّ مَالِكَ الْعَبْدِ قَالَ قَدْ أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ الْمَالَ، وَادَّعَى الْعِتْقَ أَوْ أَنْكَرَ الْمَالَ وَالْعِتْقَ كَانَ الْمَالِكُ الْمُدَّعِيَ فَإِنْ أَقَامَ السَّيِّدُ الْبَيِّنَةَ أُخِذَ الْعَبْدُ بِالْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا أُحَلِّفُ لَهُ الْعَبْدَ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ مِنْ الْمَالِ، وَكَانَ حُرًّا فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْمَوْلَى يُقِرُّ بِعِتْقِهِ فِيهِمَا فَإِنْ نَكَلَ الْعَبْدُ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَحْلِفَ مَوْلَاهُ فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ نَكَلَ السَّيِّدُ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا مَالَ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْعِتْقُ مَاضٍ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ تَعَلَّقَ رَجُلٌ بِرَجُلٍ فَقَالَ أَنْتَ عَبْدٌ لِي، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَأَصْلُ النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَوْ يُقِرَّ بِرِقٍّ، وَكُلِّفَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَإِنْ جَاءَ بِهَا كَانَ الْعَبْدُ رَقِيقًا، وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ لَهُ بِالرِّقِّ كَانَ رَقِيقًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ أُحَلِّفُ لَهُ الْعَبْدَ فَإِنْ حَلَفَ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ الرِّقُّ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى رِقِّهِ فَيَكُونُ رَقِيقًا لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَكَذَا الْأَمَةُ مِثْلُ الْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهَكَذَا
كُلُّ مَا يُمْلَكُ إلَّا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ فَإِنَّ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَوْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ بِالْحُرِّيَّةِ فَأَقَرَّا بِالرِّقِّ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمَا الرِّقُّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ دَمًا أَوْ جِرَاحًا دُونَ الدَّمِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَسَوَاءٌ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا قُضِيَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَلَا بِمَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ فِي الدَّمِ دُونَ الْجِرَاحِ أُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ أُلْزِمْهُ بِالنُّكُولِ شَيْئًا حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ أَلْزَمْتُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَيْمَانُ الدِّمَاءِ مُخَالِفَةٌ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ الدَّمُ لَا يُبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا، وَمَا سِوَاهُ يُسْتَحَقُّ، وَيُبْرَأُ مِنْهُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ إلَّا اللِّعَانُ فَإِنَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَيْمَانٍ، وَالْخَامِسَةُ الْتِعَانُهُ، وَسَوَاءٌ النَّفْسُ، وَالْجُرْحُ فِي هَذَا يَقْبَلُهُ بِاَلَّذِي نَقَصَهُ بِهِ مِنْ نُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ، وَيَمِينِ صَاحِبِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي هَذَا فَزَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ ادَّعَى جُرْحًا أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْنِ أَوْ قَطَعَ يَدَيْنِ، وَمَا دُونَ النَّفْسِ أُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ اُقْتُصَّ مِنْهُ فَفَقَأَ عَيْنَيْهِ، وَقَطَعَ يَدَيْهِ، وَاقْتُصَّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَهَكَذَا كُلُّ دَعْوَى عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَزَعَمَ أَنَّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بَرِيءَ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الدَّعْوَى ثُمَّ عَادَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَقَضَهُ فِي النَّفْسِ فَقَالَ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ قَتْلَ النَّفْسِ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ اسْتَعْظَمْت أَنْ أَقْتُلَهُ، وَحَبَسْته حَتَّى يُقِرَّ فَأَقْتُلَهُ أَوْ يَحْلِفَ فَأُبْرِئَهُ قَالَ مِثْلُ هَذَا فِي الْمَرْأَةِ يَلْتَعِنُ زَوْجُهَا وَتَنْكُلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا خَالَفَ فِي هَذَا مَا زَعَمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نُحِقَّهُ، وَلَمْ نُبْطِلْهُ كَانَ يَنْبَغِي إذَا فَرَّقَ بَيْنَ النَّفْسِ، وَمَا دُونَهَا مِنْ الْجِرَاحِ أَنْ يَقُولَ لَا أَحْبِسُهُ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، وَلَا أَجْعَلُ عَلَيْهِ شَيْئًا إذَا كَانَ لَا يَرَى النُّكُولَ حُكْمًا، وَهُوَ عَلَى الِابْتِدَاءِ لَا يَحْبِسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ كَانَ لِلنُّكُولِ عِنْدَهُ حُكْمٌ فَقَدْ خَالَفَهُ لِأَنَّ النُّكُولَ عِنْدَهُ يَلْزَمُهُ مَا نَكَلَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنُّكُولِ حُكْمٌ فِي النَّفْسِ فَقَدْ ظَلَمَهُ بِحَبْسِهِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُحْبَسُ أَبَدًا بِدَعْوَى صَاحِبِهِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ، وَفَرَّ مِنْ قَوْلِهِ فَأَحْدَثَ قَوْلًا ثَانِيًا مُحَالًا كَقَوْلِ صَاحِبِهِ فَقَالَ مَا عَلَيْهِ حَبْسٌ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْسِلَ، وَاسْتَعْظَمَ الدَّمَ، وَلَكِنْ أَجْعَلُ عَلَيْهِ الدِّيَةَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دِيَةً فِي الْعَمْدِ، وَهُوَ لَا يَجْعَلُ فِي الْعَمْدِ دِيَةً أَبَدًا، وَخَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّهُ يُخَيِّرُ وَلِيَّ الدَّمِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ ثُمَّ يَقُولُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا فَأَخَذَ لِوَلِيِّ الدَّمِ مَا لَا يَدَّعِي، وَأَخَذَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا لَا يُقِرُّ بِهِ، وَأَحْدَثَ لَهُمَا مِنْ نَفْسِهِ حُكْمًا مُحَالًا لَا خَبَرًا، وَلَا قِيَاسًا، وَإِذَا كَانَ يَأْخُذُ دِمَاءَ النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ بِشَاهِدَيْنِ حَتَّى يَقْتُلَ النَّفْسَ، وَأَكْثَرُ مَا نَأْخُذُ بِهِ مُوضِحَةٌ مِنْ شَاهِدَيْنِ أَوْ إقْرَارٍ فَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الدَّمِ وَالْمُوضِحَةِ، وَمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ كَفَالَةً بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَجَحَدَ الْآخَرُ فَإِنَّ عَلَى الْمُدَّعِي الْكَفَالَةَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ سَقَطَ عَنْهُ غَيْرُ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مُدَّعِي الْكَفَالَةِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَكُرَاهُ بَيْتًا مِنْ دَارٍ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ، وَادَّعَى الْمُكْتَرِي أَنَّهُ اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا ذَلِكَ الشَّهْرَ بِعَشَرَةٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا الْيَمِينُ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ، وَيَتَحَالَفَانِ، وَيَتَرَادَّانِ، وَإِنْ كَانَ سَكَنَ الدَّارَ أَوْ بَيْتًا مِنْهَا فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا بِقَدْرِ مَا سَكَنَ، وَهَكَذَا لَوْ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ دَابَّةً إلَى مَكَّةَ بِعَشَرَةٍ، وَادَّعَى رَبُّ الدَّابَّةِ أَنَّهُ أَكْرَاهُ إيَّاهَا إلَى أَيْلَةَ بِعَشَرَةٍ كَانَ الْجَوَابُ
فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً، وَلَمْ يُقِمْ الْآخَرُ أَجَزْت بَيِّنَةَ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَدَاعَى الرَّجُلَانِ الدَّارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ هِيَ لِي فِي يَدَيْ، وَأَقَامَا مَعًا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً جَعَلْتهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ مِنْ قِبَلِ أَنَّا إنْ قَبِلْنَا الْبَيِّنَةَ قَبِلْنَا بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَأَلْغَيْنَاهَا عَمَّا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ فَأَسْقَطْنَاهَا، وَجَعَلْنَاهَا كَدَارٍ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّهَا فَيُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِهَا، وَنُحَلِّفُهُ إذَا أَلْغَيْنَا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ آخَرُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْهِ أَمْسِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي يَدَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَخَذَهُ هَذَا مِنْهُ أَوْ انْتَزَعَ مِنْهُ الْعَبْدَ أَوْ اغْتَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ غَلَبَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ فَاعْتَرَضَهُ هَذَا مِنْ الطَّرِيقِ فَذَهَبَ بِهِ أَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَبَقَ مِنْ هَذَا فَأَخَذَهُ هَذَا فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ جَائِزَةٌ، وَيُقْضَى لَهُ بِالْعَبْدِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَعَلَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْعَبْدِ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ مَا ادَّعَى، وَإِنْ نَكَلَ سَقَطَ دَعْوَاهُ، وَإِنَّمَا أُحَلِّفُهُ عَلَى مَا ادَّعَى صَاحِبُهُ.
(قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَيُتْرَكُ فِي يَدَيْهِ كَمَا كَانَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ، وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَالِ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ أَوْ بَعْضَهُ فَقَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ لَيْسَ هَذَا بِمِلْكٍ لِي، وَهُوَ مِلْكٌ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فُلَانٌ حَاضِرًا صَيَّرَ لَهُ، وَكَانَ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ فُلَانٌ غَائِبًا كَتَبَ إقْرَارَهُ لَهُ، وَقِيلَ لِهَذَا الْمُدَّعِي أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاك، وَلِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ ادْفَعْ عَنْهُ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ قُضِيَ لَهُ بِهِ عَلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ، وَكَتَبَ فِي الْقَضَاءِ إنِّي إنَّمَا قَبِلْتُ بَيِّنَةَ فُلَانٍ الْمُدَّعِي بَعْدَ إقْرَارِ فُلَانٍ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ فُلَانٌ الْمُقَرُّ لَهُ، وَلَا وَكِيلٌ لَهُ حَاضِرًا فَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ لِفُلَانٍ الْمُدَّعِي هَذِهِ الدَّارَ عَلَى مَا حَكَيْت فِي كِتَابِي، وَيَحْكِي شَهَادَةَ الشُّهُودِ، وَقَضَيْت لَهُ بِهَا عَلَى فُلَانٍ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَجَعَلْت فُلَانًا الْمُقَرَّ لَهُ بِهَا عَلَى حُجَّتِهِ يَسْتَأْنِفُهَا فَإِذَا حَضَرَ أَوْ وَكِيلٌ لَهُ اسْتَأْنَفَ الْحُكْمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْضِيِّ لَهُ، وَإِنْ أَقَامَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا أَوْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا فَمَنْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ سَمِعَ بَيِّنَتَهُ، وَقَضَى لَهُ، وَأُحَلِّفُهُ لِغَيْبَةِ صَاحِبِهِ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُهُ لَحَقٌّ، وَمَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَكَتَبَ لَهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ إنِّي سَمِعْتُ بَيِّنَتَهُ، وَيَمِينَهُ، وَفُلَانٌ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ لَهُ الدَّارَ غَائِبٌ لَمْ يَحْضُرْ، وَلَا وَكِيلٌ لَهُ فَإِذَا حَضَرَ جَعَلَهُ خَصْمًا، وَسَمِعَ بَيِّنَتَهُ إنْ كَانَتْ، وَأَعْلَمَهُ الْبَيِّنَةَ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ أَحَقَّ مِنْ حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ قَضَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ أَنْفَذَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ سَأَلَ الْمَحْكُومُ لَهُ الْأَوَّلُ الْقَاضِيَ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ كِتَابًا بِالْحُكْمِ الثَّانِي عِنْدَ حَضْرَةِ الْخَصْمِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ فَيَحْكِيَ مَا قَضَى بِهِ أَوَّلًا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَحْكِيَ أَنَّ فُلَانًا حَضَرَ، وَأَعَدْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَسَمِعْت مِنْ حُجَّتِهِ وَبَيِّنَتِهِ ثُمَّ يَحْكِيهَا ثُمَّ يَحْكِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ لَهُ فِيهَا شَيْئًا، وَأَنَّهُ أَنْفَذَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، وَقَطَعَ حُجَّتَهُ بِالْحُكْمِ الْآخَرِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَيْسَ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إمَّا لَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ بِدَيْنٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُقْضَى عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَرَى الْقَضَاءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَعْذَارِ، وَقَدْ كَتَبْنَا الْأَعْذَارَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا، وَسَوَاءٌ كَانَ إقْرَارُ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ آجَرَهَا إيَّاهُ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا لَهُ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا نِصْفَيْنِ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(قَالَ الرَّبِيعُ) حِفْظِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ بَاطِلَتَانِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ أَوْ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ فِي وَقْتٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ لَهُ فِي وَقْتٍ بَعْدَ الْغَصْبِ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِ الْغَصْبِ، وَلَا يَقْضِي لِصَاحِبِ الْإِقْرَارِ بِشَيْءٍ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيمَا غَصَبَ مِنْ هَذَا وَصَاحِبُ الْغَصْبِ هُوَ الْمُدَّعِي، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، وَأَمَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَهُمَا فِي يَدَيْ الْبَائِعِ فَقَالَ الْبَائِعُ إنَّمَا بِعْتُك الْعَبْدَ وَحْدَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيُتَفَاسَخَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الدَّعْوَى فِي الْمِيرَاثِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَادَّعَاهَا رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ مِنْ وَقْتِ كَذَا إلَى وَقْتِ كَذَا، وَأَنَّهُ وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ فِي وَقْتِ كَذَا حَتَّى يُحِيطَ الْعِلْمَ أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةٌ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَهَذَا مِثْلُ الشَّهَادَةِ عَلَى النِّتَاجِ فَمَنْ زَعَمَ فِي النِّتَاجِ أَنَّهُ يُبْطِلُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ بِالْإِحَاطَةِ، وَلَا نَعْرِفُهَا، وَيَجْعَلُ النِّتَاجَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ لِإِبْطَالِ الْبَيِّنَةِ أَبْطَلَ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَقَرَّ الدَّارَ فِي يَدَيْ صَاحِبِهَا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَحِقُّ الْبَيِّنَةُ الَّتِي مَعَهَا السَّبَبُ الْأَقْوَى فَيُجْعَلُ كَيْنُونَةَ النِّتَاجِ فِي يَدَيْ صَاحِبِهَا بِسَبَبٍ أَقْوَى فَفِي هَذَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ كَانَتْ لَهُ كُلُّهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ شَهِدَتْ عَلَى وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا أَوْ تَكُونَ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَتَانِ صَادِقَتَيْنِ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَتَانِ صَادِقَتَيْنِ فِيهِ مِمَّا لَيْسَ فِي يَدَيْ الْمُدَّعِيَيْنِ هَكَذَا، وَكُلُّ مَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةً فَكَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَسَوَاءٌ هَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ ادَّعَى، وَبِأَيِّ مِلْكٍ ادَّعَى الْمِيرَاثَ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ أَمَةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ أَبِي هَذَا، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا لِلْمُشْتَرِي، وَشَهَادَةُ الشِّرَاءِ تَنْقُضُ شَهَادَةَ الْمِيرَاثِ، وَهَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى صَدَقَةٍ مَقْبُوضَةٍ مِنْ الْمَيِّتِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْلٍ أَوْ بِعَطِيَّةٍ أَوْ عُمْرَى مِنْ قِبَلِ أَنَّ شُهُودَ الْمِيرَاثِ قَدْ يَكُونُونَ صَادِقِينَ عَلَى الظَّاهِرِ أَنْ يَعْلَمُوا الْمَيِّتَ مَالِكًا، وَلَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ فَيَسَعُهُمْ عَلَى هَذَا الشَّهَادَةُ، وَلَوْ تَوَقَّوْا فَشَهِدُوا أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى مَاتَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ عَلَى الْبَتِّ فَهِيَ عَلَى الْعِلْمِ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُخَالِفُونَ شُهُودَ الشِّرَاءِ، وَلَا الصَّدَقَةِ، وَشُهُودُ الشِّرَاءِ، وَالصَّدَقَةِ يَشْهَدُونَ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ أَخْرَجَهَا فِي حَيَاتِهِ إلَى هَذَا فَلَيْسَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا عَلِمَ هَؤُلَاءِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ بُسْتَانٌ أَوْ قَرْيَةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لِأَبِيهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي لَهُ، وَلَا تَنْفُذُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ تَرَكَهَا مِيرَاثًا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِجَدِّهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا فَأَقَامَ آخَرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّ أَبَ هَذَا الْمُدَّعِي تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أُمَّ هَذَا وَأَنَّ أُمَّهُ فُلَانَةَ مَاتَتْ، وَتَرَكَتْهَا مِيرَاثًا فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا لِابْنِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا حَيْثُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَهَذَا مِثْلُ خُرُوجِهِ مِنْهَا بِالْبَيْعِ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي مِلْكِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا مَعَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ جَائِزَةٌ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى أَنَّ
فُلَانًا مَاتَ، وَتَرَكَ فُلَانًا وَفُلَانًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا يَثْبُتُ نَسَبًا، وَشَهَادَتُهُنَّ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ مَحْضَةً، وَمَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْ الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ يُجِيزُهُ فَمَنْ أَجَازَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ لَيْسَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا يَشْهَدَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَهُمَا رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى رَجُلٍ وَرَجُلٍ، وَأَدَلُّ مِنْ هَذَا عَلَى امْرِئٍ كَأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَمْلُوكَ لِهَذَا الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ، وَشَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَمْلُوكَ بِعَيْنِهِ لِآخَرَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُونَا شَاهِدَيْ زُورٍ، وَإِنَّمَا أَدَّيَا قَوْلَ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ كَانَا شَاهِدَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ لَا أَقْبَلُ عَلَى رَجُلٍ إلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَعَلَى آخَرَ شَهَادَةَ آخَرَيْنِ غَيْرِهِمَا، وَمَنْ قَالَ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُقِيمُهُمَا مَقَامَ الشَّاهِدِ نَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ حُكْمِهِ فَهُوَ لَوْ شَهِدَ مَرَّتَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَرَّةً فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَا هُمَا عَلَى الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَرَّةً فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَنْ قَالَ هَذَا أَنَّهُمَا إنَّمَا كَانَا غَيْرَ مَجْرُوحَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ مُخْتَلِفِينَ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا عَلَى الْعِيَانِ، وَهُمَا لَا يَقُومَانِ إلَّا مَقَامَ مَنْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَتِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ اثْنَانِ إلَّا مَقَامَ وَاحِدٍ إذْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجُوزَ عَلَى الْوَاحِدِ إلَّا اثْنَانِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ إلَّا رَجُلَانِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ عَلَيْهَا بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلَا يَعْرِفُونَهُمْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُ الْوَرَثَةَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ أَوْلَادُ فُلَانٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ دَفَعَ الدَّارَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَفَ الدَّارَ أَبَدًا حَتَّى يَأْتُوا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمْ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْوَارِثِ كَفِيلٌ بِشَيْءٍ مِمَّا يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلَوْ أَخَذْته مِنْهُ أَخَذْته مِمَّنْ قَضَيْتُ لَهُ عَلَى آخَرَ بِدَارٍ أَوْ عَبْدٍ، وَأَخَذْته مِمَّنْ قَضَيْت لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ، وَمِمَّنْ حَكَمْت لَهُ بِحُكْمٍ مَا كَانَ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَادَّعَاهَا آخَرُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا مُنْذُ سَنَةٍ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَأَقَامَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا مُنْذُ سَنَةٍ فَإِنَّهَا لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَقْضِي بِهَا لِلْمُدَّعِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَقَرَّ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لِأَبِي الْمُدَّعِي، وَأَنَّ أَبَاهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدَيْهِ، وَهُوَ أَقْوَى سَبَبًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُهُ الْمُدَّعِيَ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ، وَلِأَخَوَيْهِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ، وَإِخْوَتُهُ كُلُّهُمْ غُيَّبٌ غَيْرَهُ فَإِنَّ الدَّارَ تَخْرُجُ مِنْ يَدَيْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَتَصِيرُ مِيرَاثًا، وَيَدْفَعُ إلَى الْحَاضِرِ مِنْ الْوَرَثَةِ حِصَّتَهُ فَإِنْ كَانَ لِلْغَائِبِ مِنْ الْوَرَثَةِ وُكَلَاءُ دَفَعَ إلَيْهِمْ حَقَّ مَنْ هُمْ وُكَلَاؤُهُ، وَإِلَّا وُقِفَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ مِنْ الدَّارِ، وَأُكْرِيَتْ لَهُمْ حَتَّى يَحْضُرُوا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
يُدْفَعُ إلَى الْحَاضِرِ حَقُّهُ، وَتُتْرَكُ بَقِيَّةُ الدَّارِ فِي يَدَيْ الَّذِي كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ وَرَثَةٍ، وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ غَائِبٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَى نَصِيبَ ذَلِكَ الْغَائِبِ فَمَنْ قَالَ لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَخَصْمُهُ غَائِبٌ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوَرَثَةِ بِخَصْمِهِ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مُقِرِّينَ بِنَصِيبِ الْغَائِبِ أَنَّهُ لَهُ، وَمَنْ قَضَى لِلْغَائِبِ قَضَى لِلْمُشْتَرِي بِبَيِّنَتِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَكَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَابْنِ أَخِيهِ فَادَّعَى الْعَمُّ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَادَّعَى ابْنُ الْأَخِ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ
(قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَابْنِ أَخِيهِ فَقَالَ الْعَمُّ هِيَ بَيْنَ، وَالِدِي، وَأَخِي نِصْفَانِ، وَأَقَرَّ ابْنُ الْأَخِ بِذَلِكَ، وَأَقَامَ الْعَمُّ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ فَوَرِثَهُ أَبُوهُ، وَابْنُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ هُوَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَأَقَامَ ابْنُ الْأَخِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْجَدَّ مَاتَ قَبْلَ أَخِيهِ، وَأَنَّهُ وَرِثَهُ ابْنَاهُ أَحَدُهُمَا أَبُو ابْنِ الْأَخِ، وَالْآخَرُ الْعَمُّ الْبَاقِي، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ هُوَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ تُلْغَى الْبَيِّنَةُ إذَا كَانَتْ لَا تَكُونُ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَ بَعْضُهَا بَعْضًا أَلْغَى هَذِهِ الْبَيِّنَةَ، وَجَعَلَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى مَا أَقَرَّا بِهَا لِلْمَيِّتَيْنِ، وَوَرَّثَ وَرَثَتَهُمَا الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ أَصْلَ الْمِلْكِ لِمَنْ أَقَرَّا لَهُ بِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ قُضِيَ لَهُ بِمَا شَهِدَ لَهُ شُهُودُهُ، وَأَلْغَى شُهُودَ صَاحِبِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ عَمَّا فِي يَدِهِ، وَيُلْغِيَهَا عَمَّا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ قَبِلَهَا ثُمَّ أَثْبَتَ النِّصْفَيْنِ عَلَى أَصْلِ مَا أَقَرَّا بِهِ، وَأَثْبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ وَوَرِثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ وَرِثَهُ كَانَ حَيًّا يَوْمَهُ هَذَا أَوْ مَيِّتًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَقْضِي فِي هَذِهِ بِنَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ، وَلَا تَرِثُ الْأَمْوَاتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَقْضِي بِنِصْفِ الدَّارِ لِابْنِ الْأَخِ، وَبِنِصْفِ الدَّارِ لِلْعَمِّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ، وَتَرَكَ أَخًا لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَعَرَفَهُ الْقَاضِي أَوْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شُهُودُهُ، وَلَا يَعْلَمُ الشُّهُودُ وَلَا الْقَاضِي أَنَّ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ عِلْمِ النَّسَبِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَخًا، وَلَا يَكُونُ وَارِثًا، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَخِ ابْنٌ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا ابْنُهُ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَقَفَ الْقَاضِي مَالَهُ وَتَلَوَّمَ بِهِ، وَسَأَلَ عَنْ الْبُلْدَانِ الَّتِي وَطِئَهَا هَلْ لَهُ فِيهَا وَلَدٌ فَإِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ الَّتِي لَوْ كَانَ لَهُ فِيهَا وَلَدٌ لَعَرَفَهُ، وَادَّعَى الِابْنُ أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ كُلَّهُ، وَلَا يَدْفَعُهُ إلَّا بِأَنْ يَأْخُذَ بِهِ ضَمِينًا بِعَدَدِ الْمَالِ، وَحِكَايَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ لَهُ إلَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فَإِذَا جَاءَ وَارِثٌ أَخَذَ الضُّمَنَاءَ بِإِدْخَالِ الْوَارِثِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ مَكَانُ الِابْنِ أَوْ مَعَهُ زَوْجَةٌ أَعْطَاهَا رُبُعَ الثَّمَنِ، وَلَا يُعْطِيهَا إيَّاهُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّ زَوْجَهَا مَاتَ، وَهِيَ لَهُ زَوْجَةٌ، وَلَا يَعْلَمُونَهُ فَارَقَهَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِابْنِ أَنَّ مِيرَاثَهَا مَحْدُودُ الْأَكْثَرِ مَحْدُودُ الْأَقَلِّ فَالْأَقَلُّ رُبُعُ الثَّمَنِ، وَالْأَكْثَرُ الرُّبُعُ، وَمِيرَاثُ الِابْنِ غَيْرُ مَحْدُودِ الْأَقَلِّ مَحْدُودُ الْأَكْثَرِ فَالْأَكْثَرُ الْكُلُّ، وَالْأَقَلُّ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ أَبَدًا إلَّا بِعَدَدِ الْوَرَثَةِ، وَقَدْ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ.
[بَابُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَارِيثِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ خَالَفَ الْأَحْرَارَ الْبَالِغِينَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] ، وَلَا رِضًا فِي أَحَدٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَمِنَّا الْمُسْلِمُونَ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ
رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَمَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ فَادَّعَى النَّصْرَانِيُّ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، وَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنْ لَا وَارِثَ لِلْمَيِّتِ غَيْرُهُمَا، وَلَمْ تَشْهَدْ عَلَى إسْلَامِهِ وَلَا كُفْرِهِ غَيْرُ الْكُفْرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ، وَمِيرَاثُهُ لِلنَّصْرَانِيِّ حَتَّى يُعْلَمَ لَهُ إسْلَامٌ، وَلَوْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ، وَأَقَامَ النَّصْرَانِيُّ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَنَّهُ أَبَاهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، وَالْمُسْلِمُ شَاهِدَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَالْمِيرَاثُ لِلنَّصْرَانِيِّ الَّذِي شَهِدَ لَهُ الْمُسْلِمَانِ، وَلَا شَهَادَةَ لِلنَّصْرَانِيَّيْنِ، وَلَوْ كَانَ الشُّهُودُ جَمِيعًا مُسْلِمِينَ صَلَّى عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبْطَلَ الْبَيِّنَةَ إذَا كَانَتْ لَا تَكُونُ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَ بَعْضُهَا بَعْضًا جَعَلَ الْمِيرَاثَ لِلنَّصْرَانِيِّ، وَأَقَرَّهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ رَأَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا أُقْرِعَ، وَرَجَعَ الْمِيرَاثُ لِلَّذِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَمَنْ رَأَى أَنْ يُقْسَمَ الشَّيْءُ إذَا تَكَافَّتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي هَذَا شَنَاعَةٌ وَقِسْمَةٌ بَيْنَهُمَا فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ مِنْ الْمِيرَاثِ إنَّمَا نُصَلِّي عَلَيْهِ بِالْإِشْكَالِ عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ كَمَا نُصَلِّي عَلَيْهِ لَوْ اخْتَلَطَ بِالْمُسْلِمِينَ مَوْتَى، وَلَمْ يُعْرَفْ عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ قَالَ الرَّبِيعُ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الشُّهُودَ إنْ كَانُوا جَمِيعًا مُسْلِمِينَ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، وَلَمْ نَعْلَمْ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ أَصْلَ دِينِهِ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ أَنَّ الْمَالَ كَانَ لِأَبِيهِمَا وَأَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ فَمَتَى قَسَمْنَاهُ بَيْنَهُمَا كُنَّا قَدْ وَرَّثْنَا كَافِرًا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمًا مِنْ كَافِرٍ فَلَمَّا أَحَاطَ الْعِلْمَ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَا يَكُونُ إلَّا لِوَاحِدٍ، وَلَا يُعْرَفُ الْوَاحِدُ وَقَفْنَاهُ أَبَدًا حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ مَالِكٌ يُقْسَمُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَأَقَرَّا جَمِيعًا أَنَّ أَبَاهُمَا مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا كُنْت مُسْلِمًا، وَكَانَ أَبِي مُسْلِمًا، وَقَالَ الْآخَرُ كُنْت أَنَا أَيْضًا مُسْلِمًا، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ وَقَالَ كُنْت أَنْتَ كَافِرًا، وَأَسْلَمْتُ أَنْتَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي، وَقَالَ هُوَ بَلْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي، وَأَقَرَّ أَنَّ أَخَاهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَى الْآخَرِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِأَخِيهِ أَعْتَقْت بَعْدَ مَوْتِ أَبِيك، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَعْتَقْت قَبْلَ مَوْتِ أَبِي أَنَا وَأَنْتَ جَمِيعًا فَقَالَ الْآخَرُ أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَعْتَقْت قَبْلَ مَوْتِ أَبِي، وَأَمَّا أَنْتَ فَأَعْتَقْت بَعْدَ مَوْتِ أَبِيك فَالْمِيرَاثُ لِلَّذِي يُجْمَعُ عَلَى عِتْقِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْبَيِّنَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَلِكَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ ذِمِّيٍّ فَادَّعَى مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَادَّعَى فِيهَا ذِمِّيٌّ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّ الدَّارَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَلَا يُقْضَى بِهَا لِمَنْ ادَّعَاهَا بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَيَحْلِفُ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ لِلَّذِي ادَّعَاهَا، وَمَنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَضَيْت لَهُ بِالدَّارِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ وَرَثَةٍ فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَيِّتِ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ زَوْجِي مُسْلِمٌ مَاتَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَالَ وَلَدُهُ، وَهُمْ كِبَارٌ كُفَّارٌ بَلْ مَاتَ أَبُونَا كَافِرًا، وَجَاءَ أَخُو الزَّوْجِ مُسْلِمًا، وَقَالَ بَلْ مَاتَ أَخِي مُسْلِمًا، وَادَّعَى الْمِيرَاثَ، وَالْمَرْأَةُ مُقِرَّةٌ بِأَنَّهُ أَخُوهُ، وَأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَعْرُوفًا بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَمِيرَاثُهُ مِيرَاثُ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَعْرُوفًا بِالْكُفْرِ كَانَ كَافِرًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا بِالْكُفْرِ كَانَ الْمِيرَاثُ مَوْقُوفًا حَتَّى يُعْرَفَ إسْلَامُهُ مِنْ كُفْرِهِ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ، وَلَهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ كُنْت أَمَةً فَأَعْتَقْتُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ ذِمِّيَّةً فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً، وَادَّعَتْ الْعِتْقَ وَالْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الزَّوْجُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، وَقَالُوا إنَّمَا كَانَ الْعِتْقُ وَالْإِسْلَامُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ الْبَيِّنَةُ إذَا عُرِفَتْ بِحَالٍ فَهِيَ مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى خِلَافِهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَالَ الْوَرَثَةُ كُنْتِ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً أَسْلَمْتِ أَوْ أَعْتَقْتِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَتْ لَمْ أَزَلِ مُسْلِمَةً حُرَّةً كَانَ الْقَوْلُ
قَوْلَهَا لِأَنَّهَا الْآنَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ أَوْ إقْرَارٌ مِنْهَا، وَهَكَذَا الْأَصْلُ فِي الْعِلْمِ كُلِّهِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِأَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي صِحَّتِهِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ قَالَتْ رَاجَعَنِي قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَقَالَ الْوَرَثَةُ لَمْ يُرَاجِعْك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهَا قَدْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا خَارِجَةٌ، وَادَّعَتْ الدُّخُولَ فِي مِلْكِهِ فَلَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَقَالَتْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتِي، وَقَالَ الْوَرَثَةُ قَدْ انْقَضَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا.
[بَابٌ لِلدَّعَوَيَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي وَقْتٍ قَبْلَ وَقْتِ صَاحِبِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ الرَّجُلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ فَهُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ، وَالْوَقْتُ الْأَوَّلُ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهمَا فَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحَالِ الَّتِي يَتَنَازَعَانِ فِيهَا فَإِذَا شَهِدَ لَهُمَا جَمِيعًا فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُمَا مَالِكَانِ لَمْ أَنْظُرْ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ وَحَدِيثِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ لِلْمُدَّعِي، وَلَا أَقْبَلُ مِنْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا كَانَتْ أَمَةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا فِي يَدَيْهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي يَدَيْهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا لَهُ فَإِنِّي أَقْضِي بِهَا لِلْمُدَّعِي، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ فَنَظَرَ الْحَاكِمُ فِي سِنِّ الدَّابَّةِ فَإِذَا هِيَ لِثَلَاثِ سِنِينَ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ بَيِّنَةَ الَّذِي أَقَامَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَادَّعَاهَا رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الَّذِي ادَّعَى مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَمْلِكُهَا فَإِنِّي أَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الشِّرَاءِ مِنْ قِبَلِ أَنِّي أَجْعَلُهَا مِلْكًا لَهُ فَأُخْرِجُهَا مِنْ يَدَيْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ فَإِذَا جَعَلْته مَالِكًا أَجَزْت عَلَيْهِ بَيْعَ مَا يَمْلِكُ، وَلَيْسَ فِي شَهَادَتِهِمْ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ مَا يُبْطِلُ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ بَاعَهَا بِثَمَنٍ مُسَمًّى، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ يَمْلِكُهَا فَإِنِّي أَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى قَبْضِ الدَّارِ أَجَزْتُ شَهَادَتَهُمْ، وَجَعَلْتُ لَهُ الشِّرَاءَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أُجِيزُ لَهُ شَهَادَتَهُمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَبَضَ الدَّارَ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الْقَبْضِ لَمْ أُجِزْ شَهَادَتَهُمْ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ أَرْضٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ فَأَقَامَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِثَمَنٍ مُسَمًّى، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى هَذَا حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَاعَهَا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَمْلِكُهَا فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا أَرْضُ هَذَا الْمُدَّعِي اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ مُسَمًّى، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ كَانَ هَذَا جَائِزًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ بَاعَهَا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَمْلِكُهَا أَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا أَرْضُ هَذَا الْمُدَّعِي اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ كَانَ هَذَا جَائِزًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رَجُلٍ، وَلَمْ يَقُولُوا أَنَّ الْبَالِغَ كَانَ يَمْلِكُهُ حِينَ بَاعَهُ لَمْ أُجِزْ شَهَادَتَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي، وَشَهِدُوا أَنَّهَا لِلْبَائِعِ بَاعَهَا مِنْ هَذَا، وَهُوَ يَمْلِكُهَا بِثَمَنٍ مُسَمًّى، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ يَمْلِكُهَا، وَقَبَضَهَا مِنْهُ أَجَزْت ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهَا، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الْقَبْضِ لَمْ
أَقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا قَبِلْت بِهِ شَهَادَتَهُمْ، وَقَضَيْتُ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَدِمَ الْبَائِعُ فَأَنْكَرَ جَعَلْتُهُ عَلَى حُجَّتِهِ فِيهِ، وَأَعَدْتُ عَلَيْهِ نُسْخَةَ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَطْرَدْته جُرْحَهُمْ كَمَا أَصْنَعُ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ فَهِيَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَقَامَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا لَهُ بِمِيرَاثٍ أَوْ شِرَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمِلْكِ أَوْ لَمْ يُقِمْهَا أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَقْتٍ أَوْ لَمْ يُقِمْهَا، وَسَوَاءٌ أَقَامَ الْأَجْنَبِيُّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ أَقْدَمَ مِنْ مِلْكِ هَذَا أَوْ أَحْدَثَ أَوْ مَعَهُ أَوْ لَمْ يُقِمْهَا إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الشُّهُودِ حِينَ يَشْهَدُونَ فَأَجْعَلُهَا لِلَّذِي هُوَ أَحَقُّ فِي تِلْكَ الْحَالِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كُلَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَالْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ كُلَّهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ أَقْبَلُ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَأَطْرَحُهَا عَمَّا فِي يَدِ غَيْرِهِ إذَا شَهِدَ شُهُودٌ لَهُ بِخِلَافِهَا.
(قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ) يُقْضَى بِهَا لِأَقْدَمْهُمَا مِلْكًا كُلِّهَا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) هِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَكَذَا لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ كُلَّهَا جَعَلْتُ مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ لَهُ، وَمَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ لِلْآخَرِ، وَهَكَذَا الْأَمَةُ، وَمَا سِوَاهَا.
[بَابُ الدَّعْوَى فِي الشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَلَمْ تُوَقِّتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ وَقْتًا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى شُهُودُهُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِهِ فَإِذَا اخْتَارَ الْبَيْعَ فَهُوَ جَائِزٌ لَهُمَا فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، وَاخْتَارَ الْآخَرُ الرَّدَّ فَلِلَّذِي اخْتَارَ نِصْفَهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ كُلُّهَا إذَا وَقَعَ الْخِيَارُ مِنْ الْحَاكِمِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ مَفْسُوخٌ بَعْدَ الْأَيْمَانِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَيُّهُمَا أَوَّلُ، وَيَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا الْأَوَّلِ فَمَنْ أَقَرَّ لَهُ الْمَالِكُ بِأَنَّهُ بَاعَهُ أَوَّلًا فَهُوَ لِلَّذِي بَاعَهُ أَوَّلًا، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْأَرْضُ أَوْ الدَّابَّةُ أَوْ الْأَمَةُ أَوْ الثَّوْبُ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهُ بِثَمَنٍ مُسَمًّى، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ بِثَمَنٍ مُسَمًّى، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالثَّوْبِ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلَانِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ثَوْبُهُ بَاعَهُ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ تَقُلْ الشُّهُودُ إنَّهُ ثَوْبُهُ قَالَ يَقْضِي بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ، وَلَوْ شَهِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى إقْرَارِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ قَضَى عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّ فُلَانًا آخَرَ وَهَبَهَا لَهُ، وَقَبَضَهَا مِنْهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَمْلِكُهَا، وَكَانَ مَعَهُمْ مَنْ يَدَّعِي مِيرَاثًا عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَادَّعَى آخَرُ صَدَقَةً مِنْ آخَرَ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قَالَ فَمَنْ قَضَى بِالْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ قُضِيَ بِهَا بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا، وَمَنْ قَالَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ قَضَى بِهَا لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَمَنْ قَالَ أُلْغِيهَا كُلَّهَا إذَا تَضَادَّتْ أَلْغَاهَا كُلَّهَا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) أُلْغِيهَا كُلَّهَا إذَا تَضَادَّتْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِذَا كَانَ الْكِرَاءُ بَدَا فَاسِدًا فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِ الدَّارِ فِيمَا سَكَنَ بِقَدْرِ مَا سَكَنَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَنَازَعَ الرَّجُلَانِ الْمَالَ فَأَنْظُرُ أَيُّهُمَا كَانَ أَقْوَى سَبَبًا فِيمَا يَتَنَازَعَانِ فِيهِ فَأَجْعَلُهُ لَهُ فَإِذَا اسْتَوَى سَبَبُهُمَا فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ الْآخَرِ، وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ فَإِذَا تَنَازَعَا الْمَالَ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الدَّعْوَى فَإِنْ كَانَ مَا يَتَنَازَعَانِ فِيهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَلِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ سَبَبٌ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ فِي يَدَيْهِ فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا لَمْ تَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَإِنْ أَقَامَ الَّذِي لَيْسَ فِي يَدَيْهِ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ قِيلَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ الَّتِي لَا تَجْرِ إلَى نَفْسِهَا بِشَهَادَتِهَا، وَلَا تُدْفَعُ عَنْهَا إذَا كَانَتْ لِلْمُدَّعِي أَقْوَى مِنْ كَيْنُونَةِ الشَّيْءِ فِي يَدِك مِنْ قِبَلِ أَنَّ كَيْنُونَتَهُ فِي يَدِك قَدْ تَكُونُ، وَأَنْتَ غَيْرُ مَالِكٍ فَهُوَ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِهِ عَلَى سَبَبِك فَإِنْ أَقَامَا مَعًا الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ قِيلَ قَدْ اسْتَوَيْتُمَا فِي الدَّعْوَى، وَاسْتَوَيْتُمَا فِي الْبَيِّنَةِ، وَلِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ سَبَبٌ بِكَيْنُونَتِهِ فِي يَدِهِ هُوَ أَقْوَى مِنْ سَبَبِك فَهُوَ لَهُ بِفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِهِ، وَهَذَا مُعْتَدِلٌ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ، وَفِيهِ سُنَّةٌ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَّةً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ نَتَجَهَا فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ» ، وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيت فِي النِّتَاجِ، وَفِيمَا لَا يَكُونُ إلَّا مَرَّةً، وَخَالَفَنَا بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ فِيمَا سِوَى النِّتَاجِ، وَفِيمَا يَكُونُ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ إذَا أَقَامَا عَلَيْهِ بَيِّنَةً كَانَ لِلَّذِي لَيْسَ هُوَ فِي يَدَيْهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْحُجَّةَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو خَصْمَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُدَّعِيًا فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَالْآخَرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَيَزْعُمُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ الَّذِي تُقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْ لَا شَيْءَ فِي يَدَيْهِ فَأَمَّا مَنْ فِي يَدَيْهِ مَا يَدَّعِي فَذَلِكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ لَا مُدَّعٍ، وَلَا نَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتُ مَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مِنْ صَاحِبِ الدَّابَّةِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَقَضَى لَهُ بِهَا، وَأَبْطَلَ بَيِّنَةَ الَّذِي لَيْسَ هِيَ فِي يَدَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك حُجَّةٌ إلَّا هُوَ أَمَا كُنْت مَحْجُوجًا عَلَى لِسَانِك أَوْ مَا كَانَ يَلْزَمُك فِي أَصْلِ قَوْلِك أَنْ لَا تَقْبَلَ بَيِّنَةَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ؟ فَإِنْ قَالَ إنَّهُ إنَّمَا قَضَى بِهَا لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ الْبَيِّنَتَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُمَا تَكَافَأَتَا.
قُلْنَا فَإِنْ قُلْته دَخَلَ عَلَيْك أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ حِينَ اسْتَوَتْ بَاطِلًا.
(قَالَ) : وَلَوْ أَقَامَ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ فِي يَدَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبْطَلْته، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ نِتَاجٍ أَبْطَلْتهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَكَافَأَتْ، وَلَزِمَكَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ تُحَلِّفَ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَمَنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَلَا أَقُولُ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ لَا تَكُونُ أَبَدًا إلَّا كَاذِبَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الدَّابَّةَ لَا تَنْتِجُ مَرَّتَيْنِ.
قُلْنَا فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَكَيْفَ أَبْطَلْت إحْدَاهُمَا، وَأَحْقَقْت الْأُخْرَى فَأَنْتَ لَا تَدْرِي لَعَلَّ الَّتِي أَبْطَلْت هِيَ الصَّادِقَةُ، وَاَلَّتِي أَحْقَقْت هِيَ الْكَاذِبَةُ فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ (قَالَ) : فَإِنْ قُلْتَ هَذَا لَزِمَنِي مَا قُلْت، وَلَكِنِّي أَسْأَلُكَ.
قُلْت بَعْدَ قَطْعِك الْجَوَابَ قَالَ أَسْأَلُك قُلْت: فَسَلْ قَالَ أَفَيُخَالِفُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ فِي النِّتَاجِ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟» قُلْنَا: لَا قَالَ فَمَنْ الْمُدَّعِي، وَمَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ قُلْت: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئًا لَهُ كَانَ بِيَدَيْهِ أَوْ بِيَدَيْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الدَّعْوَى مَعْقُولَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهَا
قَوْلُ الرَّجُلِ هَذَا لِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِبَلَهُ حَقًّا فِي يَدَيْهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ قَوْلِهِ لَا مَا ذَهَبْتَ إلَيْهِ.
(قَالَ) : فَمَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتَ؟ قُلْنَا مَا لَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَجْهَلُهُ مِنْ اللِّسَانِ (قَالَ) : فَمَا قَوْلُهُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» قُلْنَا السُّنَّةُ فِي النِّتَاجِ، وَإِجْمَاعُ النَّاسِ أَنَّ مَا ادَّعَى مِمَّا فِي يَدَيْهِ لَهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» يَعْنِي الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ إلَّا دَعْوَاهُ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا سَبَبَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ إلَّا قَوْلُهُ.
(قَالَ) : فَأَيْنَ هَذَا؟ قُلْنَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لِي فِي يَدَيْكَ مَالٌ مَا كَانَ أَوْ عَلَيْكَ حَقٌّ قُلْته أَوْ فَعَلْته فَقَالَ مَالِكٌ قَبْلِي، وَلَا عَلَيَّ حَقٌّ أَلَيْسَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْنَا فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ لِلْبَرَاءَةِ مِمَّا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، وَالْمَالُ فِي يَدَيْهِ هُوَ الَّذِي لَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا أَوْ يُكَلَّفُ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ بِدَعْوَاهُ الْبَيِّنَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ هَذَا حِينَ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِمَّا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، وَادَّعَى الشَّيْءَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَلَهُ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ يُكَلَّفُ بَيِّنَةً أَمَا كَانَ الْحَقُّ لَازِمًا لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا؟ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَيْسَ هُوَ الْمُدَّعِي؟ قُلْنَا فَإِذَا كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِبَرَاءَةِ مَنْ حَقٍّ دَفَعَهُ أَوْ بَطَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَجْهِ الدَّفْعِ أَتَقْبَلُهَا مِنْهُ؟ قَالَ نَعَمْ، وَأَجْعَلُهُ حِينَئِذٍ مُدَّعِيًا قُلْنَا فَهُوَ إذًا قَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مُدَّعِيًا مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ هَكَذَا زَعَمْت
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَدَاعَى الرَّجُلَانِ الشَّيْءَ، وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَأَقَامَا مَعًا عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ مِمَّا يُقْضَى بِمِثْلِهِ مِثْلَ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدَيْنِ فَأَقَامَ الْآخَرُ عَشَرَةً وَأَكْثَرَ فَسَوَاءٌ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِهَؤُلَاءِ كَمَا نَقْطَعُ بِهَؤُلَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْضُهُمْ أَرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْأَدْنَيَيْنِ إذَا كَانُوا عُدُولًا مِثْلَ مَا يُقْطَعُ بِالْأَعْلَيَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّا لَا نُنْقِصُ صَاحِبَ الْأَدْنَيَيْنِ لَوْ أَقَامَهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ عَمَّا يُعْطَى صَاحِبُ الْأَعْلَيَيْنِ لَوْ أَقَامَهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ؟ فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِهِمْ وَاحِدًا فَسَبَبُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْبَيِّنَتَيْنِ مُسْتَوٍ، وَقَالَ فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَجَمِيعِ الدَّوَابِّ الضَّوَارِي الْمُفْسِدَةِ لِلزَّرْعِ أَنَّهُ لَا حَدَّ، وَلَا نَفْيَ عَلَى بَهِيمَةٍ، وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي أَنَّهُ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا، وَقَضَى عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ بِحِفْظِهَا بِالنَّهَارِ، وَقَضَاؤُهُ عَلَيْهِمْ بِالْحِفْظِ لِأَمْوَالِهِمْ بِالنَّهَارِ إبْطَالٌ لِمَا أَصَابَتْ فِي النَّهَارِ، وَتَغْرِيمٌ لِمَا أَصَابَتْ فِي اللَّيْلِ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُبَاعُ عَلَى أَهْلِهَا، وَلَا تُنْفَى مِنْ بَلَدِهَا، وَلَا تُعْقَرُ، وَلَا يُعْدَى بِهَا مَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِشَيْءٍ مَا كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَوَصَلَ إقْرَارُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ مَعْنَى الْإِقْرَارِ بِصِفَةٍ لِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ أَجَلٍ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ سَوْدَاءُ أَوْ طَبَرِيَّةُ أَوْ يَزِيدِيَّةٌ أَوْ لَهُ عَلَيَّ عَبْدٌ مِنْ صِفَتِهِ أَوْ طَعَامٌ مِنْ صِفَتِهِ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ تَحِلُّ فِي سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ لِأَنِّي إذَا لَمْ أُثْبِتْ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلَّا بِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَجْعَلَ قَوْلًا وَاحِدًا أَبَدًا إلَّا حُكْمًا وَاحِدًا لَا حُكْمَيْنِ.
وَمَنْ قَالَ أَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي الدَّرَاهِمِ، وَأَجْعَلُ ذِكْرَهُ الْأَجَلَ دَعْوَى مِنْهُ لَا أَقْبَلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ إذَا أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَتْ نَقْدَ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ فَإِنْ وَصَلَ إقْرَارُهُ بِأَنْ يَقُولَ طَبَرِيَّةً جَعَلْتُهُ مُدَّعِيًا لِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ مِنْ وَزْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنْ أَعْيَانِهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِطَعَامٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ طَعَامٌ حَوْلِيٌّ جَعَلْت عَلَيْهِ طَعَامًا جَدِيدًا، وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ يَلْزَمُهُ أَلْفٌ، وَيَبْطُلُ الثُّنْيَا، وَلَزِمَهُ لَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً أَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ، وَيَبْطُلُ الثُّنْيَا فِي الْوَاحِدَةِ، وَلَزِمَهُ لَوْ قَالَ رَقِيقِي أَحْرَارٌ إلَّا وَاحِدًا أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا، وَيَبْطُلُ الثُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ سَكَتَ وَقَطَعَ
الْكَلَامَ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا عَنَيْت أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً أَلْزَمْنَاهُ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ، وَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ الثُّنْيَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْكَلَام، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ لَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَقَطْعِهِ إيَّاهُ جَعَلْنَاهُ لَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَبَعْدَ زَمَانٍ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ بِعْتنِيهِ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ سَلَفٍ، وَقَالَ إلَى أَجَلٍ فَسَوَاءٌ، وَهِيَ إلَى الْأَجَلِ إلَّا فِي السَّلَفِ فَإِنَّ السَّلَفَ حَالٌّ، الْوَدِيعَةُ حَالَّةٌ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَفَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ كَانَتْ حَالَّةً لَهُ مَتَى شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ السَّلَفَ لِأَنَّ السَّلَفَ عَارِيَّةٌ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا الْمُسَلِّفُ عِوَضًا فَلَا يَكُونُ لَهُ أَخْذُهَا قَبْلَ مَا شَرَطَ الْمُسَلِّفُ فِيهَا، وَهَكَذَا الْوَدِيعَةُ، وَجَمِيعُ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمَتَاعِ، وَغَيْرِهِ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ مَتَى شَاءَ، وَسَوَاءٌ غَرَّ الْمُعَارَ أَوْ الْمُسَلِّفَ مِنْ شَيْءٍ أَوْ لَمْ يَغُرَّهُ إلَّا أَنَّ الَّذِي يُحْسِنُ فِي هَذَا مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَأَنْ يَفِيَ لَهُ فَأَمَّا الْحُكْمُ فَيَأْخُذُهَا مَتَى شَاءَ، وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ فَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ السَّفَرَ، وَسَأَلَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يُحْبَسَ عَنْ سَفَرِهِ، وَقَالَ سَفَرُهُ بَعِيدٌ، وَالْأَجَلُ قَرِيبٌ أَوْ يُؤْخَذَ لَهُ كَفِيلٌ أَوْ رَهْنٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَقِيلَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَبْته حَيْثُ كَانَ أَوْ مَالَهُ فَقَضَى لَك فِيهِ مَنْ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، وَمَالُك حَيْثُ وَضَعْته، وَكَمَا وَضَعْته لَا يُحِيلُهُ عَمَّا تَرَاضَيْتُمَا بِهِ خَوْفُ مَا لَا يَدْرِي يَكُونُ أَوْ لَا أَنْتَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أَعْطَيْته إيَّاهُ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهِ فِيهِ إلَى الْأَجَلِ ثُمَّ نَجْعَلُ لَك عَلَيْهِ السَّبِيلَ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَسْنَا نُعْطِي بِالْخَوْفِ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَا أَعْطَيْته، وَلَا تَرْضَى ذِمَّتَهُ، وَنَأْخُذُ لَك مَعَ ذِمَّتِهِ رَهْنًا، وَجَمِيلًا بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بِعْته مَتَاعًا إلَى أَجَلٍ فَلَمْ تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَلِيءٍ جَبَرْنَاك عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، وَلَمْ نَفْسَخْ بَيْنَكُمَا الْبَيْعَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ فَيَكُونُ مُفْلِسًا لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُوسِرَ قَبْلَ الْأَجَلِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَرِضَاهَا أُحْلِفَتْ فَإِنْ حَلَفَتْ لَمْ أُثْبِتْ عَلَيْهَا النِّكَاحَ، وَإِنْ نَكَلَتْ رَدَدْنَا عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَثْبُتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِلنِّكَاحِ عَلَيْهِ لَمْ أُحَلِّفْهَا حَتَّى تَزْعُمَ أَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا بِرِضَاهَا، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَقْدَ نَقَصَ مِنْ ذَا لَمْ أُحَلِّفْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لَوْ عَقَدَا هَذَا نَاقِصًا فَسَخْت النِّكَاحَ فَلَا أُحَلِّفُهَا عَلَى أَمْرٍ لَوْ كَانَ فَسَخْته، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي جَمِيعِ هَذَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ سُئِلَ فَإِنْ قَالَ جَعَلْته حُرًّا إنْ أَدَّى إلَيَّ أَلْفًا قِيلَ لِلْعَبْدِ إنْ شِئْت فَأَدِّ إلَيْهِ أَلْفًا، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ شِئْت لَا تُؤَدِّي لَمْ يَكُنْ لَك حُرِّيَّةٌ فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عِتْقًا بَتَاتًا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ أَحْلَفْنَا السَّيِّدَ فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنْ حَلَفَ عَتَقَ، وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ أَعْتَقْته عِتْقَ بَتَاتٍ، وَضَمِنَ لِي بِالْعِتْقِ مِائَةَ دِينَارٍ أَثْبَتْنَا عَلَيْهِ الْعِتْقَ، وَجَعَلْنَاهُ مُدَّعِيًا فِي الْمِائَةِ إنَّمَا نَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَهُ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ الْعِتْقَ، وَأَنَّهُ جَعَلَهُ لِشَيْءٍ أَرَادَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ فِيهِ بِحُرِّيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِحُرِّيَّةٍ تَقَعُ فَإِنْ قَبِلَهَا الْعَبْدُ وَقَعَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لَمْ تَقَعْ كَمَا زَعَمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَوْ قَالَ بِعْته نَفْسَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ فَهُوَ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ ادَّعَى الْعِتْقَ، وَأَنْكَرَ الْأَلْفَ فَهُوَ حُرٌّ، وَالسَّيِّدُ مُدَّعٍ، وَعَلَى الْعَبْدِ الْيَمِينُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ بَاطِلٌ فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمِائَةَ عَتَقَ بِالصِّفَةِ إذَا كَانَ قَالَ لَهُ إنْ أَعْطَيْتنِي مِائَةً فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَمْ يَعْتِقْ بِسَبَبِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَبِيعٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كَاتَبْته عَلَى أَلْفٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تُصَيِّرُهُ رَقِيقًا، وَهُوَ
يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ بِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ، وَهُوَ لَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ الْعِتْقَ كَانَ حُرًّا، وَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ الْخِيَارَ فِي أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِهِ عِتْقٌ مَاضٍ لَمْ يُرَدَّ الْعِتْقُ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ بِعْتُك مِنْ رَجُلٍ وَأُعْتِقُك فَيَكُونُ حُرًّا، وَلَا يَكُونُ عَلَى الرَّجُلِ ثَمَنُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ، وَمَا زَعَمَ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِيهِ مُسْتَأْنَفًا بِشَيْءٍ يُؤَدِّيهِ الْعَبْدُ أَوْ يَفْعَلُهُ لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ إلَّا بِأَنْ يُوفِيَهُ الْعَبْدُ أَوْ يَفْعَلُهُ كَقَوْلِهِ لِلْعَبْدِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَعْطَيْتنِي دِرْهَمًا أَوْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إنْ مَسِسْت الْأَرْضَ أَوْ إنْ أَكَلْت هَذَا الطَّعَامَ فَإِنْ فَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا كَانَ حُرًّا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كَانَ رَقِيقًا، وَكَانَتْ الْمَشِيئَةُ فِيهِ إلَى الْعَبْدِ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَبِيعَهُ، وَيُبْطِلُ مَا جَعَلَهُ لَهُ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ إذَا فَعَلَ شَيْئًا فَكُلَّمَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْعِتْقِ، وَعَلَى أَصْلِ الْمِلْكِ، وَكُلُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ فِي الْكِتَابَةِ يَمْلِكُ مَالَهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ حُرًّا إلَى وَقْتِهِ فَالْمُكَاتَبُ زَائِلٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَنْ حُكْمِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ قَالَ لَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَوَقَّتَ وَقْتًا فَقَالَ إنْ فَعَلْته قَبْلَ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَ أَنْ نَفْتَرِقَ مِنْ الْمَجْلِسِ فَفَعَلَهُ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ السَّيِّدُ فِيهِ بَيْعًا أَوْ شَيْئًا يَقْطَعُ الْيَمِينَ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ حُرًّا، وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ فَمَتَى فَعَلَهُ الْعَبْدُ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ قَالَ لَا أَفْعَلُ ثُمَّ فَعَلَهُ كَانَ حُرًّا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَاتَ لِرَجُلٍ شَاةٌ أَوْ بَعِيرٌ أَوْ دَابَّةٌ فَاسْتَأْجَرَ مَنْ يَطْرَحُهَا بِجِلْدِهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ فَإِنْ تَرَاجَعَا قَبْلَ طَرْحِهَا فَسَخْنَاهَا، وَإِنْ طَرَحَهَا جَعَلْنَا لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَرَدَدْنَا الْجِلْدَ إنْ كَانَ أَخَذَهُ عَلَى مَالِك الدَّابَّةِ الْمَيِّتَةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ، وَمِنْ أَيْنَ تَفْسُدُ؟ قِيلَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ جِلْدَ الْمَيِّتَةِ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ مَا لَمْ يُدْبَغْ فَالْإِجَارَةُ لَا تَحِلُّ إلَّا بِمَا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَمِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جِلْدَ ذَكِيٍّ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَسْلُوخٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ، وَيُعَابُ فِي السَّلْخِ، وَيَخْرُجُ عَلَى غَيْرِ مَا يَعْرِفُ صَاحِبُهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَتْ الْأَمَةُ عَلَى سَيِّدِهَا أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ أُحَلِّفُ السَّيِّدَ لَهَا فَإِنْ حَلَفَ كَانَتْ رَقِيقًا، وَإِنْ نَكَلَ أُحْلِفَتْ فَإِنْ حَلَفَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ كَانَتْ رَقِيقًا لَهُ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ أَنَّهُ عَبْدُهُ أُحَلِّفُهُ لَهُ أَيْضًا مِثْلَ أُمِّ الْوَلَدِ سَوَاءً، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْك مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَهُوَ هَكَذَا قُلْت أَرَأَيْت بَيْعَ الْعَذِرَةِ الَّتِي يُزْبَلُ بِهَا الزَّرْعُ قَالَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَذِرَةِ وَلَا الرَّوْثِ وَلَا الْبَوْلِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّاسِ أَوْ مِنْ الْبَهَائِمِ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَنْجَاسِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ بِنَجَسٍ مَا كَانَ حَيًّا إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ فَهَذَانِ لَمَّا لَزِمَتْهُمَا النَّجَاسَةُ فِي الْحَيَاةِ لَمْ تَحِلَّ أَثْمَانُهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يُكْرِيهِ أَرْضَهُ أَنْ لَا يُعِيرُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدَعَ عَبْدَ اللَّهِ الْكَرَّاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا تُبَاعُ عِظَامُ الْمَيْتَةِ.
وَلَوْ أَوْقَدْتهَا تَحْتَ قِدْرٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا أَعْلَمُ تَحْرِيمًا لَأَنْ يُؤْكَلَ مَا فِي الْقِدْرِ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ إلَّا الْجِلْدَ إذَا دُبِغَ، وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِي الْجِلْدِ مَا جَازَ أَنْ يَسْتَمْتِع بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُولًا فِي الْجِلْدِ أَنَّ الدَّبَّاغَ يَقْلِبُهُ عَنْ حَالِهِ الَّتِي كَانَ بِهَا إلَى حَالٍ غَيْرِهَا فَيَصِيرُ يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ فَلَا يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَتَذْهَبُ عَنْهُ الرَّائِحَةُ، وَيُنَشِّفُ الدَّبَّاغُ فُضُولَهُ وَالْعَظْمُ وَالشَّعْرُ بِحَالِهِمَا لَا دِبَاغَ لَهُمَا يُغَيِّرُهُمَا، وَيَقْلِبُهُمَا كَمَا يَقْلِبُ الْجِلْدَ وَالصُّوفَ مِثْلَ الشَّعْرِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ وَجَبَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فِي قَطْعِ يَدٍ أَوْ جُرْحِ غَيْرِهِ أَوْ نَفْسٍ هُوَ وَلِيُّهَا فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْقِصَاصُ قَدْ صَالَحْتُك مِمَّا لِي عَلَيْك مِنْ الْقِصَاصِ عَلَى أَرْشِهِ، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَا صَالَحْتُك وَالْقِصَاصُ لَك فَإِنْ شِئْت فَخُذْهُ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ، قُلْنَا لِلْمُدَّعِي الصُّلْحَ أَنْتَ فِي أَصْلِ مَا كَانَ لَك كُنْت غَنِيًّا عَنْ الصُّلْحِ لِأَنَّ أَصْلَ مَا وَجَبَ لَك الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ تَقْتَصَّ وَبَيْنَ أَنْ تَأْخُذَ الْأَرْشَ مَكَانَك حَالًا فِي مَالِ
الْجَانِي، وَتَدَعَ الْقِصَاصَ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ لَك بِقَوْلِك صَالَحْتُك، وَلَكِنْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ الْقِصَاصُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا أَبْطَلَ الْقِصَاصُ عَنْ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ فِيهِ إذْ قَالَ قَدْ عَفَوْته عَلَى مَالٍ، وَأَنْكَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقِصَاصُ الْمَالَ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشَّيْءِ فِي يَدَيْ الرَّجُلِ فَسَأَلَ الْمُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْحَاكِمَ أَنْ يُحَلِّفَهُ لَهُ مَعَ بَيِّنَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إحْلَافُهُ مَعَ الْبَيِّنَةِ إذَا كَانَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ قَالَ قَدْ عَلِمَ غَيْرَ مَا شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ إلَى مَنْ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ قَدْ أَخْرَجَهُ إلَى مَنْ أَخْرَجَهُ إلَيَّ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تَكُونُ صَادِقَةً بِأَنَّهُ لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَيُخْرِجُهُ هُوَ بِلَا عِلْمِ الْبَيِّنَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ يَمِينًا مِنْ غَيْرِ جِهَةٍ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ لِرَجُلٍ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا، وَوَرِثَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّيَا فَيَقُولَانِ لَا نَعْلَمُهَا خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ.
وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِمَا، وَيَدَّعِي وَارِثًا بِغَيْرِ عِلْمِهِمَا غَيْرَ مَنْ سَمَّيَا فَإِنَّمَا أَجَزْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْبَتِّ، وَقَدْ يُمْكِنُ خِلَافُهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْبَتَّ فِيهَا هُوَ الْعِلْمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَذَا شَاهِدٌ أَبَدًا، وَلَا يَنْبَغِي فِي هَذَا غَيْرُ هَذَا، وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ الشَّهَادَاتُ أَلَا تَرَى أَنِّي قَبِلْت قَوْلَ الشَّاهِدِ إنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ دَارِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ يُخْرِجَهَا هُوَ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ يَكُونَ مَلَكَهَا عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ أَوْ غَصَبَهَا أَلَا تَرَى أَنِّي أُجِيزُ الْأَيْمَانَ عَلَى الْأَمْرِ قَدْ يُمْكِنُ غَيْرُهُ فِي الْقَسَامَةِ الَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا الْمُقْسِمُ، وَفِي الْحَقِّ يَكُونُ لِعَبْدِ الرَّجُلِ وَابْنِهِ، وَيُجِيزُهَا مَنْ خَالَفَنَا عَلَى الْبَتِّ فَيَحْلِفُ الرَّجُلُ لَقَدْ بَاعَ هَذَا الْعَبْدَ بَرِيئًا مِنْ الْإِبَاقِ، وَبَرِيئًا مِنْ الْعُيُوبِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبَقَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَيَكُونَ عِنْدَهُ هَذَا الْعَيْبُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَأَقْبَلُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْبَتِّ وَالْعِلْمِ مَعًا، وَمَعْنَى الْبَتِّ مَعْنَى الْعِلْمِ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ فِي الْبَتِّ إلَّا الْعِلْمُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُكْرِيَ دَارِهِ، وَيُؤَاجِرَ عَبْدَهُ يَوْمًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى أَنْ يُخْرِجَ رَقَبَةَ دَارِهِ، وَرَقَبَةَ عَبْدِهِ إلَى غَيْرِهِ بِعِوَضٍ، وَغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا أَنْ يُخْرِجَ إلَيْهِ مَنْفَعَتَهُمَا وَمَنْفَعَتُهَا أَقَلُّ مِنْ رِقَابِهِمَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِقَوْمٍ أَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ أَسْلَفَهُ مَالًا، وَأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ وَالِدَهُمْ أَوْ الرَّجُلُ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ لِلرَّجُلِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَوْمِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ لِلَّذِي أَسْلَفَهُ يَحْمَدُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَقْرَضَهُ، وَقَضَاهُ قَالَ الرَّبِيعُ لَمْ يَجِئْ بِالْجَوَابِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّارَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا عَلَى أَنَّ الدَّارَ إنْ احْتَاجَتْ إلَى مَرَمَّةٍ رَمَّهَا الْمُكْتَرِي مِنْ الْعِشْرِينَ الدِّينَارِ قَالَ أَكْرَهُ هَذَا الْكِرَاءَ مِنْ قِبَلِ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُكْتَرِي أَمِينَ نَفْسِهِ إنْ أَرَادَ الْمُكْرِي أَنْ يَرُمَّهَا، وَيَمْنَعَ الْمُكْتَرِي أَنْ يَرُمَّهَا كَانَ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ جَبَرْت الْمُكْرِي عَلَى أَنْ يَرُمَّهَا الْمُكْتَرِي كَانَ قَدْ يَرُمُّهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَمْ يُعْقَدْ لَهُ وَكَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ يَعْرِفُهُ بَعْدَ مَا كَانَ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهَا قَدْ تَحْتَاجُ إلَى مَرَمَّةٍ لَا يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ تَرْكُهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّارِ مَرَمَّةُ مَا يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ تَرْكُهُ فَإِنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى هَذَا فَسَخْنَاهُ قَبْلَ السَّكَنِ وَبَعْدَهُ، وَقَبْلَ النَّفَقَةِ وَبَعْدَهَا فَإِنْ أَنْفَقَ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ بَلَغَ الْعِشْرِينَ أَوْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ فَإِنْ كَانَ أَدْخَلَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا قِيلَ لَهُ اُنْقُضْهُ فَأَخْرِجْهُ إنْ شِئْت، وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِ الدَّارِ إذَا سَكَنَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ كَانَ أَصَحُّ لِلْبَيِّنَةِ أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا فَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِهَا، وَشَهِدُوا أَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ كَانَ يَمْلِكُهَا لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ قَضَيْنَا لِأَبِيهِ، وَلَا نَدْفَعُ إلَيْهِ مِيرَاثَهُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا تَرَكْنَا الدَّارَ فِي يَدَيْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يُوَكِّلَ أَوْ يَحْضُرَ فَيَنْظُرَ مَا يَقُولُ، فَإِنْ مَاتَ أَبُوهُ أَوْ كَانَ يَوْمَ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ مَيِّتًا كَلَّفْنَا ابْنَهُ
الْبَيِّنَةَ عَلَى عَدَدِ وَرَثَتِهِ ثُمَّ قَضَيْنَا بِهَا لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَإِنْ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَدِ وَرَثَتِهِ وَقَفْنَاهَا، وَعَرَفْنَا غَلَّتَهَا حَتَّى تَعْرِفَ وَرَثَتُهُ فَإِنْ ادَّعَوْهَا دَفَعْنَاهَا إلَيْهِمْ وَغَلَّتَهَا فَإِنْ ادَّعَاهَا بَعْضُهُمْ، وَكَذَّبَ بَعْضُهُمْ الشُّهُودَ رَدَدْنَا حِصَّةَ مَنْ أَكْذَبَ الشُّهُودَ مِنْ الدَّارِ وَالْغَلَّةِ، وَأَنْفَذْنَا حِصَّةَ مَنْ ادَّعَى
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ فَبِئْسَ مَا قَالَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ جَامِعًا يُصَلِّي فِيهِ انْبَغَى أَنْ يُعَزَّرَ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ حَدِّهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ بِفِرْيَةٍ، وَأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مَنْ لَهُ حَدُّ فِرْيَةٍ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ مَنْ رَمَانِي بِحَجَرٍ أَوْ شَتَمَنِي أَوْ أَعْطَانِي دِرْهَمًا أَوْ أَعَانَنِي فَهُوَ ابْنُ كَذَا وَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حَدٌّ، وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ فَعَلَ بِي مِنْ قَبْلِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ، وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَى الْعِتْقِ قَبْلَ الْمِلْكِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ أُصِيبَ رَجُلٌ بِرَمْيَةٍ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً فَقَالَ مَنْ رَمَانِي فَهُوَ ابْنُ كَذَا لِفِرْيَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا رَمَيْتُك صُدِّقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَرْشُ الشَّجَّةِ أَوْ الْقِصَاصُ فِيهَا إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ الْأَرْشُ إنْ كَانَ خَطَأً، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الَّذِي افْتَرَى عَلَيْهِ إنْ قَالَ الْمُفْتَرِي الْمَشْجُوجُ مَا قَصَدْت قَصْدَ هَذَا بِفِرْيَةٍ، وَلَا عَلِمْته رَمَانِي، وَإِذَا أَقَرَّ لِي بِأَنَّهُ شَجَّنِي فَأَنَا آخُذُ مِنْهُ أَرْشَ شَجَّتِي، وَإِنْ قَالَ قَدْ عَلِمْت حِينَ رَمَانِي أَنَّهُ رَمَانِي فَافْتَرَيْت عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِلْمِ لَمْ آخُذْ مِنْهُ حَقَّهُ فِي الشَّجَّةِ، وَلَا حَدَّ لَهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ لَا تَحُدُّهُ وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ بَعْدَمَا كَانَ الْفِعْلُ؟ قِيلَ إنَّ الْكَلَامَ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ الْقَذْفُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] فَكَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِجَلْدِهِ ثَمَانِينَ هُوَ مَنْ قَصَدَ قَصْدَ مُحْصَنَةٍ بِقَذْفٍ لَا مَنْ وَقَعَ قَذْفُهُ عَلَى مُحْصَنَةٍ بِحَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُحَدُّ مَنْ كَانَ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ الْقَذْفِ إذَا وَقَعَ الْقَذْفُ بِمِثْلِ مَا تَقَعُ بِهِ الْأَيْمَانُ فَقَالَ قَائِلٌ إنْ كَانَ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْكُوفَةِ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا السَّاعَةَ فَهُوَ ابْنُ كَذَا فَقَدِمَ تِلْكَ السَّاعَةَ رَجُلٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقَذْفَ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْكُوفَةِ، وَكَانَ الْقُدُومُ بَعْدَهُ، وَالْقُدُومُ لَا يَكُونُ إلَّا وَالْخُرُوجُ مُتَقَدِّمٌ لَهُ قَبْلَ الْكَلَامِ بِالْقَذْفِ، وَهَذَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَقْدَمَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَهُ بِقَذْفٍ، وَلَوْ كَانَ الْحَدُّ يَقَعُ بِمَا تَقَعُ بِهِ الْأَيْمَانُ كَانَ الرَّجُلُ لَوْ قَالَ: غُلَامِي حُرٌّ إنْ ضَرَبَنِي أَوْ إنْ أَطَاعَنِي أَوْ إنْ عَصَانِي فَفَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا كَانَ حُرًّا، وَلَوْ قَالَ مَنْ ضَرَبَنِي فَهُوَ ابْنُ كَذَا فَضَرَبَهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إلَّا مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَصَدَ قَصْدَ أَحَدٍ بِالْفِرْيَةِ أَوْ يَكُونُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ فِرْيَتُهُ بِحَالٍ كَمَا تَقَعُ الْأَيْمَانُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَا مُنْفَرِدَاتٍ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَنْ يَشْهَدْنَ عَلَى مَالٍ لَا غَيْرِهِ مَعَ رَجُلٍ أَوْ يَشْهَدْنَ عَلَى مَا يَغِيبُ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ مَعَ رَجُلٍ أَنَّهُمَا سَمِعَتَا فُلَانًا يُقِرُّ بِأَنَّ هَذَا ابْنُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُنَّ لِأَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِ مَالٌ إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَهُ ثُبُوتُ نَسَبٍ، وَلَيْسَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْأَنْسَابِ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ إلَّا حَيْثُ ذَكَرْت، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ النَّسَبُ لَمْ نُعْطِهِ الْمَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْ هَذَا الرَّجُلِ دَارُ أَبِيهِ مَاتَ حُرًّا مُسْلِمًا، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا غَيْرَ أَنَّا لَا نَعْرِفُ كَمْ عَدَدُ وَرَثَتِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ هَذَا أَحَدُهُمْ قَضَيْنَا بِهَا لِلْمَيِّتِ عَلَى الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ لِأَنَّا نَقْضِي لِلْمَيِّتِ بِمَحْضَرِ الْوَارِثِ الْوَاحِدِ، وَنَقِفُ حَقَّ الْغَيْبِ حَتَّى يَأْتُوا أَوْ يُوَكِّلُوا أَوْ يَمُوتُوا فَتَقُومَ وَرَثَتُهُمْ مَقَامَهُمْ، وَنَقِفُ هَذِهِ الدَّارَ وَنَسْتَغِلُّهَا، وَلَا نَقْضِي لِهَذَا الْحَاضِرِ مِنْهَا بِشَيْءٍ لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَحِصَّتُهُ مِنْهَا الْكُلُّ أَوْ النِّصْفُ
أَوْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ أَوْ أَقَلُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُعْطِيهِ شَيْئًا، وَنَحْنُ لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ لَهُ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَعْطَيْنَاهُ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَسَلَّمْنَا لَهُ حِصَّتَهُ مِنْ الْغَلَّةِ وَالدَّارِ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا، وَسَوَاءٌ طَالَ الزَّمَانُ فِي ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَفَرَأَيْت الرَّجُلَ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ الدَّيْنُ فَتَحْضُرُ غُرَمَاؤُهُ فَيَثْبُتُونَ عَلَى دُيُونِهِمْ، وَيَحْلِفُونَ، وَتَصِحُّ فِي دَيْنِهِ كَيْفَ تَقْضِي لِهَؤُلَاءِ، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي لَعَلَّ لَهُ غُرَمَاءَ لَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا لِهَؤُلَاءِ فَلَا يُصِيبُ هَؤُلَاءِ مِثْلَ مَا تَقْضِي لَهُمْ فَإِنْ جَاءَ غَيْرُهُمْ مِنْ غُرَمَائِهِ أَدْخَلْتهمْ عَلَيْهِمْ؟ قِيلَ لِافْتِرَاقِ الدَّيْنِ وَالْمِيرَاثِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَيْنَ افْتِرَاقُهُمَا؟ قِيلَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا يَجِبُ فِي الْحَيَاةِ مِثْلَ الَّذِي يَجِبُ فِي الْوَفَاةِ، وَلَا يَخْرُجُ ذُو الدَّيْنِ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا فِي الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ دَيْنَهُ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا فَدَفَعَ إلَى أَحَدِ غُرَمَائِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَهْلُ الدَّيْنِ أَحَقُّ بِمَالِ ذِي الدَّيْنِ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا مِنْهُ وَمِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ، وَالدَّيْنُ مُطْلَقٌ كُلُّهُ لَا بَعْضُهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْوَرَثَةُ لَيْسُوا يَسْتَحِقُّونَ، وَذُو الْمَالِ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنَّمَا نَقَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِمْ مَا كَانَ الْمَيِّتُ مَالِكًا الْفَضْلَ عَنْ الدَّيْنِ، وَأُدْخِلَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْوَصَايَا فَإِنْ وَجَدُوا فَضْلًا مَلَكُوا مَا وَجَدُوا بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ لَا بِشَيْءٍ كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لَهُمْ شَيْءٌ، وَلَمْ يَكُنْ آثِمًا بِأَنْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وَلَا مَتْبُوعًا كَمَا يَكُونُ مَتْبُوعًا بِالدَّيْنِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَانَ إنَّمَا فُرِضَ لَهُمْ شَيْءٌ لَا يُزَادُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهُ، إنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِمَّا وَجَدُوا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَصْلُ حَقٍّ يُعْطُونَ بِهِ إلَّا عَلَى مَا وَصَفْت لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ مَنْقُولًا إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا وَمِلْكُهُ مَعْرُوفٌ، وَإِنْ وَرَدَ هَذَا عَلَى الْحَاكِمِ كَشَفَهُ، وَكَتَبَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي انْتَوَى بِهِ الْمَيِّتُ، وَطَلَبَ لَهُ وَارِثًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَإِنَّمَا مَالُهُ مَوْقُوفٌ فندعوا الطَّالِبَ لِمِيرَاثِهِ بِثِقَةٍ كَمَنْ يَرْضَى هُوَ أَنْ يَقِفَ الْأَمْوَالَ عَلَى يَدَيْهِ فَإِذَا ضَمِنَ عَنْهُ مَا دُفِعَ إلَيْهِ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا ظُلْمًا لِغَائِبٍ إنْ جَاءَ، وَلَا حَبْسًا عَنْ حَاضِرٍ، وَإِذَا كَانَ الْمَالُ مَضْمُونًا عَلَى ثِقَةٍ كَانَ خَيْرًا لِلْغَائِبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً عِنْدَ ثِقَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ هَذِهِ الدَّارَ، وَأَنَّهُ لَا وَارِثَ لِأَبِيهِ غَيْرُهُ قَضَى لَهُ بِالدَّارِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ بِذَلِكَ كَفِيلٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الدَّعْوَى فِي الْبُيُوعِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا أَوْ شَيْئًا مَا كَانَ بَيْعًا حَرَامًا، وَقَبَضَ الْمُبْتَاعُ مَا اشْتَرَى فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ إلَّا عَلَى عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْعِوَضُ غَيْرَ جَائِزٍ كَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ رَدُّ مَا أَخَذَ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لِلْبَائِعِ الْعِوَضَ، وَلَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ أَمَانَةً، وَلَوْ بَاعَهُ عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْمُبْتَاعَ بِالْخِيَارِ فَقَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ فَمَاتَ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْبَيْعَ أَوْ يَمْضِيَ أَجَلُ الْخِيَارِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْقِيمَةَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَلْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ خِيَارٌ؟ قِيلَ كَانَ أَصْلُ الْبَيْعِ حَلَالًا لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي جَازَ عِتْقُهُ أَوْ كَانَتْ أَمَةً حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَوْ أَرَادَ بَيْعَهَا كَانَ لَهُ، وَكَانَ مَالِكًا صَحِيحَ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّ لَهُ إنْ شَاءَ رَدَّ الْمِلْكِ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ أَمَانَةً، وَلَا أَخَذَهُ إلَّا عَلَى أَنْ يُوفِيَ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ أَوْ يَرُدَّ إلَيْهِ عَبْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ عَلَى مُحَرَّمٍ مِنْ الْبُيُوعِ فَلَمَّا لَزِمَ الْآخِذَ لِلْعَبْدِ عَلَى الْمُحَرَّمِ أَنْ يَرُدَّ الْقِيمَةَ
لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْعَبْدَ أَمَانَةً وَلَا هِبَةً، وَلَمْ يُعْطِهِ إلَّا بِعِوَضٍ فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ كَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ رَدُّهُ إنْ كَانَ حَيًّا، وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا كَانَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْخِيَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ أَمَانَةً، وَلَا هِبَةً إلَّا بِعِوَضٍ يُسَلِّمُ لِلْبَائِعِ فَلَمَّا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ كَانَ عَلَى الْقَابِضِ لَهُ رَدُّهُ حَيًّا، وَرَدُّ قِيمَتِهِ مَيِّتًا، وَكَانَ يُرِيدُ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ وَالثَّمَنِ كَانَ حَلَالًا فَكَيْفَ يَبْطُلُ ثَمَنُ الْحَلَالِ، وَيَثْبُتُ ثَمَنُ الْحَرَامِ؟ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ أَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا مَعًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُسَلِّمْ قَطُّ عَبْدَهُ إلَّا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ أَوْ ثَمَنُهُ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا أَنْ نَجْعَلَ لَهُ الثَّمَنَ لَا الْقِيمَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ شَيْئًا فَلَمَّا كَانَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ لَازِمًا بِكُلِّ حَالٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا بِكُلِّ حَالٍ فَفَاتَ رَدَدْنَاهُ إلَى الْقِيمَةِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ زَوْجَةٌ، وَابْنٌ مِنْهَا، وَكَانَ لِزَوْجَتِهِ أَخٌ فَتَرَافَعُوا إلَى الْقَاضِي فَتَصَادَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ وَالِابْنَ قَدْ مَاتَا، وَتَدَاعَيَا فَقَالَ الْأَخُ مَاتَ الِابْنُ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَقَالَ الزَّوْجُ بَلْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَأَحْرَزَ ابْنِي مَعِي مِيرَاثَهَا ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَلَا حَقَّ لَك فِي مِيرَاثِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ الْآنَ قَائِمٌ، وَأُخْتُهُ مَيِّتَةٌ فَهُوَ وَارِثٌ، وَعَلَى الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ مَحْجُوبُ الْبَيِّنَةِ، وَلَا أَدْفَعُ الْيَقِينَ إلَّا بِيَقِينٍ فَإِنْ كَانَ ابْنُهَا تَرَكَ مَالًا فَقَالَ الْأَخُ آخُذُ حِصَّتِي مِنْ مَالِ أُخْتِي مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْ ابْنِهَا كَانَ الْأَخُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ هُوَ الْمُدَّعِي مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَخْذَ شَيْءٍ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ كَمَا قَالَ فَكَمَا لَمْ أَدْفَعْ أَنَّهُ وَارِثٌ لِأَنَّهُ يَقِينٌ بِظَنٍّ أَنَّ الِابْنَ حَجَبَهُ فَكَذَلِكَ لَمْ أُوَرِّثُهُ مِنْ الِابْنِ لِأَنَّ الْأَبَ يَقِينٌ، وَهُوَ ظَنٌّ، وَعَلَى الْأَبِ الْيَمِينُ، وَعَلَى الْأَخِ الْبَيِّنَةُ إذَا حَضَرَ أَخَوَانِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ فَتَصَادَقَا أَنَّ أَبَاهُمَا مَاتَ، وَتَرَكَ هَذِهِ الدَّارَ مِيرَاثًا، وَقَالَ الْمُسْلِمُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ مَاتَ نَصْرَانِيًّا سُئِلَا فَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ قَالَ الْمُسْلِمُ أَسْلَمَ بَعْدُ.
قِيلَ الْمَالُ لِلنَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ النَّاسَ عَلَى أَصْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنْ ثَبَتَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ، وَمَاتَ مُسْلِمًا كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ، وَإِنْ قَالَ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ لَمْ يَزَلْ نَصْرَانِيًّا وَقَفْنَا الْمَالَ أَبَدًا حَتَّى يُعْلَمَ أَوْ يَصْطَلِحَا فَإِذَا أَقَامَ النَّصْرَانِيُّ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَمَاتَ نَصْرَانِيًّا كَانَ الْمِيرَاثُ لَهُ دُونَ الْمُسْلِمِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْأَوَّلُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ بِهِ، وَهُوَ قَضَاءُ مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ أُحَلِّفُهُ، وَجُعِلَ لَهُ الْمِيرَاثُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَمَنْ حُجَّتُهُ مَا وَصَفْت، وَمَنْ حُجَّتُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُمَا فِي الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَاحِدٌ فَلَمَّا كُنْت لَا أَشُكُّ أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةٌ بِغَيْرِ عَيْنِهَا أَقْرَعْت خَبَرًا، وَقِيَاسًا عَلَى أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مَمْلُوكَيْنِ لَهُ فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَحُجَّتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ خَيْبَرَ ثُمَّ أَقْرَعَ، وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَوَجَدْته يُقْرِعُ حَيْثُ تَسْتَوِي الْحُجَجُ ثُمَّ يَجْعَلُ الْحَقَّ لِبَعْضٍ، وَيُزِيلُ حَقَّ بَعْضٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يُجْعَلَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا بَيِّنَةَ إلَّا حُجَّةُ صَاحِبِهِ، وَبَيِّنَتُهُ فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِيمَا يَتَدَاعَيَانِ سُوِّيَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَهُ قَسْمًا بَيْنَهُمَا، وَمِنْ حُجَّةِ هَذَا أَنْ يَحْتَجَّ بِعَوْلِ الْفَائِضِ فَيَقُولَ قَدْ أَجِدُ فِي الْفَرِيضَةِ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا فَأَضْرِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا قُسِمَ لَهُ فَأَكُونُ قَدْ أَوْفَيْته عَلَى أَصْلِ مَا جُعِلَ لَهُ، وَإِنْ دَخَلَ النَّقْصُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ دَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ بِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى مَنْ احْتَجَّ بِهَذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ نَقَلَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ الْمِلْكَ فَكُلُّ صَادِقٍ لَيْسَ مِنْهُمْ كَاذِبٌ بِحَالٍ.
وَالْمَشْهُودُ لَهُ بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ لِصَاحِبِهِ يُحِيطُ الْعِلْمَ بِأَنَّ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ كَاذِبَةٌ، وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِ الْمُسْتَحِقِّ بِالشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُسْتَحَقِّينَ بِهَا مُحِقًّا، وَالْآخَرُ مُبْطِلًا فَإِذَا خَرَجَ النِّصْفُ إلَى أَحَدِهِمَا أَحَاطَ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ قَدْ أَعْطَى نِصْفًا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، وَمَنَعَ نِصْفًا
مَنْ كَانَ لَهُ الْكُلُّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَنْ عَمَدَ أَنْ أَعْطَى أَحَدَهُمَا مَا لَيْسَ لَهُ، وَنَقَصَ أَحَدَهُمَا مِمَّا لَهُ فَإِنْ قَالَ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْك فِي الْقُرْعَةِ أَنْ تُعْطِيَ أَحَدَهُمَا الْكُلَّ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ لَهُ؟ قِيلَ فَأَنَا لَمْ أَقْصِدْ قَصْدَ أَنْ أُعْطِيَ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ إنَّمَا قَصَدْت قَصْدَ الِاجْتِهَادِ فِي أَنْ أُعْطِيَ الْحَقَّ مَنْ هُوَ لَهُ وَأَمْنَعَهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ كَمَا أَقْصِدُ قَصْدَ الِاجْتِهَادِ فِيمَا أَشْكَلَ مِنْ الرَّأْيِ فَأُعْطِيَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ الْحَقَّ كُلَّهُ، وَأَمْنَعَهُ الْآخَرَ عَلَى غَيْرِ إحَاطَةٍ مِنْ الصَّوَابِ، وَيَكُونُ الْخَطَأُ عَنِّي مَرْفُوعًا فِي الِاجْتِهَادِ، وَلَا أَكُونُ مُخْطِئًا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَجُوزُ لِي عَمْدُ الْبَاطِلِ بِكُلِّ حَالٍ إذَا كُنْت آتِيهِ، وَأَنَا أَعْرِفُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ، وَأَنَا فِيهِ وَاقِفٌ ثُمَّ قَالَ لَا نُعْطِي وَاحِدًا مِنْهُمَا شَيْئًا يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَا (قَالَ الرَّبِيعُ) هُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَصْوَبُهُمَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ بِدَارٍ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ نَحَلَهُ إيَّاهَا فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ، وَلَا الْمَوْهُوبَةُ لَهُ، وَلَا الْمَنْحُولُ فَهَذَا كُلُّهُ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ، وَلِمَالِكِ الدَّارِ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا وَالْوَاهِبِ وَالنَّاحِلِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعْطَى، وَلَا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا إلَّا بِقَوْلِ النَّاحِلِ وَقَبْضِ الْمَنْحُولِ بِأَمْرِ النَّاحِلِ، وَإِنْ مَاتَ الْمَنْحُولُ قَبْلَ الْقَبْضِ قِيلَ لِلنَّاحِلِ أَنْتَ أَحَقُّ بِمَالِك حَتَّى يَخْرُجَ مِنْك فَإِذَا مَاتَ الْمَنْحُولُ فَأَنْتَ عَلَى مِلْكِك، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَسْتَأْنِفَ فِيهِ عَطَاءً جَدِيدًا فَافْعَلْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَحْبِسَهُ فَاحْبِسْ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَعْطَى آدَمِيٌّ آدَمِيًّا عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ إلَّا مَا إذَا أَعْطَاهُ الْمَالِكُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَالِكِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ أَنْ يَحْبِسَهُ قَبَضَهُ الْمُعْطَى أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ أَوْ رَدَّهُ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا هَذَا؟ قِيلَ إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَلَوْ رَدَّ ذَلِكَ الْعَبْدُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ الشَّيْءَ وَجَعَلَهُ مُحَرَّمًا لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ خُرُوجًا لَا يَحِلُّ أَنْ يَعُودَ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُهُ فَلَمَّا كَانَ لَا يَمْلِكُهُ بِرَدِّ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَلَا شِرَاءَ، وَلَا مِيرَاثَ كَانَ مِنْ الْعَطَايَا الَّتِي قَطَعَ عَنْهَا الْمَالِكُ مِلْكَهُ قَطْعَ الْأَبَدِ؟ فَلَا يُحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا، وَسَوَاءٌ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَهُوَ لِلْمُحْبَسِ عَلَيْهِ، وَالْحَبْسُ يَتِمُّ بِالْكَلَامِ دُونَ الْقَبْضِ، وَقَدْ كَتَبْنَا هَذَا فِي كِتَابِ الْحَبْسِ وَبَيَّنَّاهُ
وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَقَبَضَهَا وَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ بِعَقْلٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ لَمْ يَقْضِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ الْجَارِيَةَ وَقِيمَةَ وَلَدِهَا حِينَ سَقَطَ، وَلَا يَبْطُلُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَتْ دِيَةٌ كَانَتْ لِأَبِيهِ قَبَضَهَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ، وَلَمَّا صَارَتْ لِأَبِيهِ، وَالْوَلَدُ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَهُوَ لِلْمُسْتَحِقِّ؟ قِيلَ لَهُ إنَّ الْوَلَدَ لَمَّا دَخَلَ فِي الْغُرُورِ زَايَلَ حُكْمَ الْجَارِيَةِ بِأَنَّهَا تُسْتَرَقُّ، وَلَا يُسْتَرَقُّ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الرِّقُّ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ إلَّا حُكْمَ حُرٍّ، وَإِنَّمَا يَرِثُ الْحُرَّ وَارِثُهُ، وَكَانَ سَبِيلُ رَبِّ الْجَارِيَةِ بِأَنَّ الْعِتْقَ كَانَ حُكْمَ وَلَدِهَا أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ كَمَا كَانَ يَأْخُذُ قِيمَةَ الْفَائِتِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَلَكَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَذَا قَدْ يَكُونُ غَيْرَ فَائِتٍ، وَأَنْتَ لَا تَرِقُّهُ قِيلَ لَمَّا كَانَ الْأَثَرُ بِمَا وَصَفْنَا، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقِيَاسِ أَنْ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْمِلْكُ قِيلَ حُكْمُهُمْ فِيهِ حُكْمُهُمْ فِي الْفَائِتِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَائِتٍ، وَإِنْ اقْتَصَّ الْأَبُ مِنْ قَاتِلِ الِابْنِ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَقَّ الْأَمَةُ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لِمُسْتَحِقِّ الْأَمَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ جَاءَ مُسْتَحِقُّ الْأَمَةِ قَبْلَ الْقِصَاصِ فَلِلْأَبِ أَنْ يَقْتَصَّ، وَيَرُدَّ الْقِيمَةَ، وَلَا سَبِيلَ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ إلَّا عَلَى قِيمَةِ الِابْنِ، وَلِأَبِي الِابْنِ السَّبِيلُ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ كَمَا لَهُ السَّبِيلُ فِي وَلَدِ الْحُرَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ بَطْنَ الْأَمَةِ الَّتِي غَرَّ بِهَا الْحُرَّ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَمَنْ قَالَ جَنِينُ الرَّجُلِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ كَجَنِينِ
الْحُرَّةِ فَلِأَبِيهِ فِيهِ غُرَّةٌ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَإِذَا جَاءَ السَّيِّدُ قِيلَ لَهُ لَك قِيمَةُ وَلَدِ أَمَتِك لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قِيلَ لَهُ تُقَوَّمُ أَمَتُك ثُمَّ نُعْطِيك عُشْرَ قِيمَتِهَا كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي جَنِينِهَا ضَامِنًا عَلَى أَبِيهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَتْ قِيمَةُ جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا قُوِّمَ بِأُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ الْغُرَّةِ؟ قِيلَ لَهُ، وَكَذَلِكَ يَغْرَمُ الْأَبُ قِيمَتَهُ إنْ شَاءَ رَبُّ الْأَمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ حَمَلَتْ مِنْ غَيْرِهِ فَضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا كَانَ لِرَبِّهَا عَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ عَلَى الْمَغْرُورِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَوْ مَاتَتْ فَشَاءَ رَبُّ الْأَمَةِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدَيْهِ إلَّا أَنَّ لِلْمَغْرُورِ الرُّجُوعَ عَلَى الْغَارِّ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْغُرْمِ بِسَبَبِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَكَذَا الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ مِثْلَ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْأَمَةَ فَتُسْتَحَقُّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ غَصَبَهُ عَبْدًا أَوْ صَارَ فِي يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمِلْكِ، وَالْعَبْدُ غَائِبٌ قَبِلَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الصِّفَةِ وَالِاسْمِ وَالْجِنْسِ، وَلَمْ يَقْضِ بِالْعَبْدِ حَتَّى يُحْضَرَ فَيُعِيدَ الْبَيِّنَةَ فَيَشْهَدُونَ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ فَيَقْضِي بِهِ، وَإِنَّمَا قُلْت تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ مُؤْنَةً تَسْقُطُ عَنْ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَحْضُرُ فَيُقِرُّ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي شَهِدُوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هَذَا الْعَبْدُ بِعَيْنِهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلَانِ الشَّيْءَ لَيْسَ فِي أَيْدِيهمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حَلَفَ لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِهَا، وَيَقْطَعُ حَقَّ صَاحِبِهِ مِنْهَا.
وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ بِالْقُرْعَةِ، وَيَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْكُوفِيُّونَ يَرْوُونَهَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَضَى بِهَا مَرْوَانُ، وَقَضَى بِهَا الْأَوْقَصُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا تَدَاعَاهُ رَجُلَانِ لَمْ يَكُنْ فِي يَدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهمَا قَسَمَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ بَيِّنَةً عَلَى رَجُلٍ بِأَرْضٍ فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، وَعَدَلَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَانَ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي الْحُكْمِ وَقَفَهَا، وَمَنَعَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَبِينَ لَهُ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا فَيَقْضِيَ لَهُ بِهَا، وَيَجْعَلَ الْغَلَّةَ تَبَعًا مِنْ يَوْمِ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْدِلْ الْبَيِّنَةُ، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهَا أَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لَمْ تَقْطَعْ بِمَا يَحِقُّ الْحُكْمُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ لَوْ عَدَلَتْ تَرَكَهَا فِي يَدَيْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ غَيْرَ مَوْقُوفَةٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِمَّا صَنَعَ فِيهَا، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا شَيْئًا فَإِنْ أَحْدَثَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلَانِ الزَّرْعَ فِي الْأَرْضِ لِلرَّجُلِ فَإِنْ زَعَمَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنَّ الزَّرْعَ زَرْعُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ زَعَمَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ لَهُ، وَقَالَ قَدْ أَذِنْت لَهُمَا أَنْ يَزْرَعَا مَعًا، وَلَا أَعْرِفُ أَيُّهُمَا زَرَعَ، وَلَيْسَ فِي يَدَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَإِنْ أَقَامَا مَعًا الْبَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ فِيهَا مِثْلُ الْقَوْلِ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَدَاعَيَانِ مَا لَيْسَ فِي أَيْدِيهمَا فَيُقِيمَانِ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً، وَأَقَامَ الْآخَرُ فَهُوَ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ ذَكَرَا مَعًا أَنَّهُ فِي أَيْدِيهمَا تَحَالَفَا، وَقَضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمَا بِالزَّرْعِ، وَلَيْسَ لَهُمَا فِيهِ خَصْمٌ، وَهُوَ فِي أَيْدِيهمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَمَةِ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وَالْآخَرُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَمَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ صَارَتْ لِلَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَارَتْ لِلَّذِي لَمْ تَلِدْ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، وَيَرْجِعُ عَلَى خَصْمِهِ بِقِيمَةِ وَلَدِهِ يَوْمَ وُلِدَ، وَعُقْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا غَيْرَ أَنَّ الْأَمَةَ هِيَ الَّتِي أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ الَّذِي لَمْ تَلِدْ مِنْهُ وُقِفَ عَنْهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَوُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يَحْضُرَ سَيِّدُهَا فَيَدَّعِيَ فَيَكُونَ خَصْمًا أَوْ يُكَذِّبَ الْبَيِّنَةَ فَلَا يَكُونَ خَصْمًا، وَتَكُونَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا
شَهِدَتْ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْقُرْعَةِ جَعَلَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَرَدَّ الَّذِي لَيْسَتْ بِيَدَيْهِ بِنِصْفِ عُقْرِهَا، وَنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا يَوْمَ سَقَطُوا، وَنِصْفِ قِيمَتِهَا، وَجَعَلَهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْآخَرِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ أَيْنَ جَعَلْت لَهَا الْعُقْرَ، وَالْوَاطِئُ لَمْ يَطَأْهَا عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ نِكَاحٍ؟ قِيلَ لَوْ كُنْت لَا أَجْعَلُ الْعُقْرَ إلَّا عَلَى وَاطِئٍ نَكَحَ نِكَاحًا صَحِيحًا أَوْ نِكَاحًا فَاسِدًا فَلَزِمَهُ قَبْلَ الْوَطْءِ أَنَّهُ نَاكِحٌ لِلَّتِي وَطِئَ زَعَمْت أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ نَكَحَا أُخْتَيْنِ فَأُخْطِئَ بِامْرَأَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَأَصَابَهَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُقْرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصِيبَيْنِ غَيْرُ نَاكِحٍ لِلَّتِي أَصَابَ نِكَاحًا صَحِيحًا، وَلَا نِكَاحًا فَاسِدًا فَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَهْرُ بِالْأَثَرِ اسْتَدْلَلْنَا بِالْأَثَرِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ حَيْثُ يَكُونُ الْحَدُّ عَنْهَا سَاقِطًا بِأَنْ لَا تَكُونَ زَانِيَةً، وَمِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى الرَّجُلُ يَغْصِبُ الْمَرْأَةَ فَيُصِيبُهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ لَهَا الْمَهْرُ، وَمَا قُلْت هَذَا أَنَّ فِيهِ أَثَرًا عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ، وَلَا إجْمَاعًا، وَلَكِنِّي وَجَدْت الْمَهْرَ إنَّمَا هُوَ لِلْمَرْأَةِ فَلَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بِهَذَا الْجِمَاعِ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ زَانِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ زَانِيًا جَعَلْت لَهَا الْمَهْرَ، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَفَ حَالًا مِنْ الْأُولَى لِأَنَّ الْأُولَى وَالْوَاطِئَ غَيْرُ زَانِيَيْنِ، وَوَاطِئُ الْمَغْصُوبَةِ زَانٍ فَلَمَّا حَكَمْت فِي الْمُخْطَأِ بِهَا وَالْمَغْصُوبَةِ هَذَا الْحُكْمَ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَانَتْ الْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ مُسْتَوِيَتَيْنِ حَيْثُمَا وَجَبَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ وَجَبَ لِلْأُخْرَى لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] لَمْ تَحِلَّ أَمَةٌ وَلَا حُرَّةٌ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِصَدَاقٍ فَإِذَا كَانَتَا مُجْتَمَعَتَيْنِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ ثُمَّ جَعَلْنَا الْخَطَأَ فِي الْحُرَّةِ، وَالِاغْتِصَابَ بِصَدَاقٍ كَمَا جَعَلْنَاهُ فِي الصَّحِيحِ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ قِيَاسٌ عَلَى مَا جَمَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَهُ فِي الْمَهْرِ.
[بَابُ دَعْوَى الْوَلَدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا تَدَاعَى الْحُرُّ وَالْعَبْدُ الْمُسْلِمَانِ، وَالذِّمِّيُّ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ مَوْلُودًا وُجِدَ لَقِيطًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِيمَا تَدَاعَوْا فِيهِ مِمَّا يَمْلِكُونَ فَتَرَاهُ الْقَافَةُ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِأَحَدِهِمْ فَهُوَ ابْنُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ، وَلَا لِلْمَوْلُودِ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْهُ بِحَالٍ أَبَدًا، وَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ أَوْ كَانَتْ فَلَمْ تَعْرِفْ لَمْ يَكُنْ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إلَى أَيِّهِمْ شَاءَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْقَطَعَتْ دَعْوَى الْآخَرِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَهُ، وَهُوَ حُرٌّ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ بِأَيِّهِمْ لَحِقَ لِأَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ حُرًّا إذَا غَابَ عَنَّا مَعْنَاهُ لِأَنَّ أَصْلَ النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمْ غَيْرُ أَحْرَارٍ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ هُوَ ابْنِي مِنْ أَمَةٍ نَكَحْتهَا لَمْ يَكُنْ بِهَذَا رَقِيقًا لِرَبِّ الْأَمَةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الْأُمَّةَ وَلَدَتْهُ، وَلَا يُجْعَلُ إقْرَارُ غَيْرِهِ لَازِمًا لَهُ، وَيَكْفِي الْقَائِفُ الْوَاحِدُ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ حُكْمٍ بِعِلْمٍ لَا مَوْضِعُ شَهَادَةٍ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ الشَّهَادَاتِ مَا أَجَزْنَا غَيْرَ اثْنَيْنِ، وَلَا أَجَزْنَا شَهَادَةَ اثْنَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى مَا لَمْ يَحْضُرَا، وَلَمْ يَرَيَا، وَلَكِنَّهُ كَاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ الْعَالِمِ يُنْفِذُهُ كَمَا يُنْفِذُ هَذَا، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى ثَانٍ، وَلَا يَقْبَلُ الْقَائِفَ الْوَاحِدَ حَتَّى يَكُونَ أَمِينًا، وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُ حَتَّى يَكُونُوا أُمَنَاءَ أَوْ بَعْضَهُمْ فَإِذَا أَحْضَرْنَا الْقَائِفَ وَالْمُتَدَاعِيَيْنِ لِلْوَلَدِ أَوْ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ إنْ كَانَ الْمُدَّعُونَ لَهُ مَوْتَى أَوْ كَانَ بَعْضُ الْمُدَّعِينَ لَهُ مَيِّتًا فَأَحْضَرْنَا ذَوِي رَحِمِهِ أَحْضَرْنَا احْتِيَاطًا أَقْرَبَ النَّاسِ نَسَبًا، وَشَبَهًا فِي الْخَلْقِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَلَدِ بِالْمُدَّعِينَ لَهُ ثُمَّ فَرَّقْنَا بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْهُمْ ثُمَّ أَمَرْنَا الْقَائِفَ يُلْحِقُهُ بِأَبِيهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِأَبِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ أُمٌّ أَحْضَرْنَا لَهَا نَسَبًا فِي الْقُرْبِ مِنْهَا كَمَا وَصَفْت ثُمَّ بَدَأْنَا فَأَمَرْنَا الْقَائِفَ أَنْ يُلْحِقَهُ بِأُمِّهِ لِأَنَّ لِلْقَائِفِ فِي الْأُمِّ مَعْنًى، وَلِكَيْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى صَوَابِهِ فِي
الْأَبِ إنْ أَصَابَ فِيهَا.
وَيَسْتَدِلُّ عَلَى غَيْرِهِ إنْ أَخْطَأَ فِيهَا فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْقَافَةِ فَقَالَ الْقَافَةُ بَاطِلٌ فَذَكَرْنَا لَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ، وَنَظَرَ إلَى أَقْدَامِ أُسَامَةَ، وَأَبِيهِ زَيْدٍ، وَقَدْ غَطَّيَا وُجُوهَهُمَا فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَحَكَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ مَسْرُورًا بِهِ» فَقَالَ لَيْسَ فِي هَذَا حُكْمٌ فَقُلْنَا إنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُكْمٌ فَإِنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَهُ، وَرَآهُ عِلْمًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا مَا سَرَّهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَنَهَاهُ أَنْ يَعُودَ لَهُ فَقَالَ إنَّك، وَإِنْ أَصَبْت فِي هَذَا فَقَدْ تُخْطِئُ فِي غَيْرِهِ قَالَ فَهَلْ فِي هَذَا غَيْرُهُ؟ قُلْنَا نَعَمْ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ شَكَّ فِي ابْنٍ لَهُ فَدَعَا الْقَافَةَ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا وَلَدًا فَدَعَا لَهُ عُمَرُ الْقَافَةَ فَقَالُوا قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَالِ أَيَّهُمَا شِئْت أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عُمَرَ مِثْلَ مَعْنَاهُ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ مَعْنَاهُ قَالَ فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِهَذَا، وَنَزْعُمُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ هُوَ ابْنُكُمَا تَرِثَانِهِ، وَيَرِثُكُمَا، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا قُلْت فَقَدْ رَوَيْت عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَعَا الْقَافَةَ فَزَعَمْت أَنَّك لَا تَدْعُو الْقَافَةَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْك فِي شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْنَا إلَّا أَنَّك رَوَيْت عَنْ عُمَرَ شَيْئًا فَخَالَفْته فِيهِ كَانَتْ عَلَيْك قَالَ قَدْ رَوَيْت عَنْهُ أَنَّهُ ابْنُهُمَا، وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَيْتُمْ قُلْنَا، وَأَنْتَ تُخَالِفُ أَيْضًا هَذَا قَالَ فَكَيْفَ لَمْ تَصِيرُوا إلَى الْقَوْلِ بِهِ؟ قُلْنَا هُوَ لَا يَثْبُتُ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّ إسْنَادَ حَدِيثِ هِشَامٍ مُتَّصِلٌ، وَالْمُتَّصِلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَك مِنْ الْمُنْقَطِعِ.
وَإِنَّمَا هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُرْوَةُ أَحْسَنُ مُرْسَلًا عَنْ عُمَرَ مِمَّنْ رَوَيْت عَنْهُ قَالَ فَأَنْتَ تُخَالِفُ عُمَرَ فِيمَا قَضَى بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْنَ اثْنَيْنِ قُلْت فَإِنَّك زَعَمْت أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى بِهِ إذْ كَانَ فِي أَيْدِيهمَا قَضَاءُ الْأَمْوَالِ قَالَ كَذَلِكَ قُلْت.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قُلْت فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ، وَالْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، وَالذِّمِّيَّ إذَا تَدَاعَوْا وَلَدًا جَعَلْته لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ لِلْإِسْلَامِ ثُمَّ زَعَمْت أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ إذَا تَدَاعَيَا وَلَدًا كَانَ لِلذِّمِّيِّ لِلْحُرِّيَّةِ فَزَعَمْت أَنَّك تَجْعَلُهُ مَرَّةً لِلْمُدَّعِي بِالْإِسْلَامِ، وَالْآخَرُ يَقْضِي بِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَتَجْعَلُهُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ دُونَ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ تَدَاعَوْا مَالًا جَعَلْته سَوَاءً بَيْنَهُمْ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَمْوَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حُكْمِ عُمَرَ فَقَدْ خَالَفْته بِمَا وَصَفْنَا (قَالَ) : فَإِنَّا إنَّمَا قُلْنَا هَذَا عَلَى النَّظَرِ لِلْمَوْلُودِ.
قُلْنَا، وَتَقُولُ قَوْلًا لَا قِيَاسًا، وَلَا خَبَرًا ثُمَّ تَقُولُهُ مُتَنَاقِضًا أَرَأَيْت لَوْ أَجَازُوا لَك أَنْ تَقُولَهُ عَلَى أَنْ تَنْظُرَ لِلْمَوْلُودِ فَحَيْثُ كَانَ خَيْرًا لَهُ أَلْحَقْته فَتَدَاعَاهُ خَلِيفَةٌ أَوْ أَشْرَفُ النَّاسِ نَسَبًا، وَأَكْثَرُهُمْ مَالًا، وَخَيْرُهُمْ دِينًا وَفِعَالًا، وَشَرُّ مَنْ رَأَيْت بِعَيْنِك نَفْسًا، وَنَسَبًا، وَعَقْلًا، وَدِينًا، وَمَالًا (قَالَ) : إذًا أَجْعَلُهُمْ فِيهِ سَوَاءً؟ قُلْنَا فَلَا نَسْمَعُ قَوْلَك قَضَيْت بِهِ عَلَى النَّظَرِ لَهُ مَعْنًى لِأَنَّك لَوْ كُنْت تُثْبِتُ عَلَى النَّظَرِ لَهُ أَلْحَقْته بِخَيْرِهِمَا لَهُ.
(قَالَ) : فَقَدْ يَصْلُحُ هَذَا، وَيَكْثُرُ مَالُهُ، وَيَفْسُدُ هَذَا، وَيَقِلُّ مَالُهُ قُلْنَا، وَكَذَلِكَ يَعْتِقُ الْعَبْدُ، وَيُسْلَمُ الذِّمِّيُّ حَتَّى يَكُونَا خَيْرًا مِنْ الَّذِي قَضَيْت لَهُ بِهِ (قَالَ) : فَأَيْنَ خَالَفْته فِيهِ فِي سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ؟ قُلْت زَعَمْت أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَقْضِي بِهِ لِلِاثْنَيْنِ بِالْأَثَرِ، وَثَلَاثَةٍ لِأَنَّ ثَلَاثَةً فِي مَعْنَى اثْنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَصَاعِدًا لَمْ أَقْضِ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَالَ) : فَهَذَا خَطَأٌ كُلُّهُ، وَقَدْ تَرَكْته.
قُلْنَا فَقُلْ مَا شِئْت: قَالَ فَازْعُمْ أَنَّ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ سَوَاءٌ فَأَقْضِي لَهُمْ بِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا كَمَا يُقْضَى بِالْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا فَمَا تَقُولُ إنْ مَاتَ الْمَوْلُودُ لِمِائَةِ قِيَام؟ قَالَ يَرِثُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ مِيرَاثِ أَبٍ لِأَنَّ كَذَلِكَ أُبُوَّتَهُمْ فِيهِ.
قُلْنَا فَمَا تَقُولُ إنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ
الْآبَاءِ؟ قَالَ فَيَرِثُهُ مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ قُلْت، وَكَيْفَ يَكْمُلُ لَهُ مِيرَاثُ ابْنٍ، وَإِنَّمَا لَهُ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ أُبُوَّتِهِ فَتُوَرِّثُهُ بِغَيْرِ الَّذِي يُوَرَّثُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا وَرَّثَ الْمُسْلِمُونَ الْأَبْنَاءَ مِنْ الْآبَاءِ كَمَا وَرَّثُوا الْآبَاءَ.
وَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ إذَا مَاتَ كَانَ ابْنُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَبًا ثُمَّ لَمْ تَرِثْهُ بَنَاتُ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ أَخًا، وَلَمْ يَرِثْهُ بَنُو الْمَيِّتِ بِأَنَّهُمْ أَخَوَاتُهُ فَكَيْفَ جَعَلْته أَبًا إلَى مُدَّةٍ، وَمُنْقَطِعَ الْأُبُوَّةِ بَعْدَ مُدَّةٍ؟ هَلْ رَأَيْت هَكَذَا مَخْلُوقًا قَطُّ؟ قَالَ اتَّبَعْت فِيهِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ هُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا.
قُلْنَا لَيْسَ هُوَ عَنْ عُمَرَ بِثَابِتٍ كَمَا وَصَفْت.
وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا كَانَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَك إذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ أَوْلَاهُمَا بِالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ.
وَالْقِيَاسُ وَالْمَعْقُولُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَك عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ابْنَ اثْنَيْنِ، وَلَا يَرِثُ اثْنَيْنِ بِالْأُبُوَّةِ وَعُمَرُ، وَلَوْ قَالَ مَا قُلْت هُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا فَقَطَعَ أُبُوَّةَ الْمَيِّتِ لَمْ يُوَرِّثْ الِابْنَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يَجِبُ بِالْمَوْتِ.
فَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ يَقْطَعُ أُبُوَّةَ الْمَيِّتِ كَانَتْ الْأُبُوَّةُ مُنْقَطِعَةً، وَلَا مِيرَاثَ، وَلَوْ وَرِثَهُ لَمْ يُوَرِّثْهُ إلَّا كَمَا كَانَ مَوْرُوثًا الْأَبُ مِنْ الِابْنِ.
جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءَ لَا كَامِلًا، وَقُلْت لَهُ، وَهَكَذَا كُلَّمَا مَاتَ مِنْ الْمِائَةِ وَاحِدٌ حَتَّى يَبْقَى أَبٌ وَاحِدٌ قَالَ نَعَمْ أَفَرَأَيْت لَوْ قَالَ هَذَا مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي عِلْمٍ قَطُّ فَزَعَمَ أَنَّ مَوْلُودًا مَرَّةً ابْنُ مِائَةٍ وَمَرَّةً ابْنُ وَاحِدٍ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمِائَةِ وَالْوَاحِدِ أَمَا تَقُولُ لَهُ مَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّك لَا تَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ تَقُولُ قَالَ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا أَنَّ الْقِيَاسَ مَا قُلْتُمْ، وَأَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِنَا، وَلَكِنَّا تَبِعْنَا فِيهِ الْأَثَرَ، وَلَيْسَ فِي الْأَثَرِ إلَّا الِانْقِيَادُ.
قُلْنَا فَالْأَثَرُ كَمَا قُلْنَا لِأَنَّك لَا تُخَالِفُنَا فِي أَنَّ الْمَوْصُولَ أَثْبَتُ مِنْ الْمُنْقَطِعِ، وَأَثَرُنَا فِيهِ مَوْصُولٌ.
وَلَوْ كَانَا مُنْقَطِعَيْنِ مَعًا كَانَ أَصْلُ قَوْلِك، وَقَوْلِنَا إنَّ الْحَدِيثَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا ذَهَبْنَا إلَى أَشْبَهِهِمَا بِالْقِيَاسِ.
وَقَدْ خَالَفْت عُمَرَ فِي حَدِيثِ نَفْسِك مِنْ حَيْثُ وَصَفْنَا مَعَ أَنَّك تُخَالِفُ عُمَرَ لِقَوْلِ نَفْسِك فِيمَا هُوَ أَلْزَمُ لَك أَنْ تَتَّبِعَهُ مِنْ هَذَا ثُمَّ عَدَدْت عَلَيْهِ أَشْيَاءَ يُخَالِفُ فِيهَا قَوْلَ عُمَرَ لِغَيْرِ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَإِنَّ لِي عَلَيْك مَسْأَلَةً فِيهَا قُلْت قَدْ فَرَغْنَا مِنْ الَّذِي عَلَيْنَا فَأَثْبَتْنَا لَك عَنْ عُمَرَ قَوْلِنَا، وَزَعَمْت أَنَّهُ الْقِيَاسُ قَالَ فَهَلْ لَك حُجَّةٌ غَيْرُهُ؟ قُلْنَا مَا ذَكَرْنَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
قَالَ فَقَدْ قِيلَ إنَّ مِنْ أَصْحَابِك مَنْ يَتَأَوَّلُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ.
قُلْت: نَعَمْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ أَبَوَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَاسْتَدَلَّ بِسِيَاقِ الْآيَةِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5] قَالَ فَتَحْتَمِلُ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا؟ قُلْنَا نَعَمْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَاهَا غَيْرُ هَذَا قَالَ فَلَكَ بِهِ حُجَّةٌ تَثْبُتُ قُلْنَا أَمَا حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَقُولَ هُوَ هَكَذَا غَيْرُ شَكٍّ فَلَا لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ يَلْزَمُ قَوْلُهُ.
وَلَكِنَّهُ إذَا كَانَ يَحْتَمِلُ، وَكَانَ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ أَنَّ الِابْنَ إذَا وَرِثَ مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ فَكَذَلِكَ يَرِثُهُ الْأَبُ مِيرَاثَ أَبٍ كَامِلٍ لَمْ يَسْتَقِمْ فِيهِ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَرَأَيْت إذَا دَعَوْت الْقَافَةَ لِوَلَدِ الْأَمَةِ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ بِشُبْهَةٍ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَتَدْعُو لَهَا الْقَافَةَ؟ قُلْت نَعَمْ فَإِنْ قَالَ، وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْنَا الْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَعَا الْقَافَةَ لِوَلَدِ امْرَأَةٍ لَيْسَ فِيهِ حُرَّةٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي إبِلِ أَهْلِهَا، وَهِيَ حُرَّةٌ لِأَنَّ الْحَرَائِرَ يَرْعَيْنَ عَلَى أَهْلِهِنَّ، وَتَكُونُ فِي إبِلِ أَهْلِهَا، وَهِيَ أَمَةٌ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا حَكَمَ بِالْقَافَةِ فِي ابْنِ أَمَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ فِي ابْنِ الْحُرَّةِ فَإِنْ قَالَ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْنَا إذَا مَيَّزْنَا بَيْنَ النَّسَبِ وَالْأَمْوَالِ فَجَعَلْنَا الْقَائِفَ شَاهِدًا أَوْ حَاكِمًا أَوْ فِي مَعْنَاهُمَا مَعًا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ابْنِ الْحُرَّةِ كَمَا يَشْهَدُ عَلَى ابْنِ الْأَمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي ابْنِ الْحُرَّةِ كَهُوَ فِي ابْنِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ بِوَطْءِ الْحَلَالِ، وَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَمَنْفِيٌّ بِوَطْءِ الزِّنَا.
أَفَرَأَيْت لَوْ لَمْ نَدْعُ الْقَافَةَ لِابْنِ الْحُرَّةِ فَوَطِئَهَا رَجُلَانِ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ لَمْ يُعْرَفْ أَيُّهُمَا وَطِئَهَا أَوَّلًا أَوْ لَيْسَ إنْ جَعَلْنَاهُ ابْنَهُمَا أَوْ نَفَيْنَاهُ عَنْهُمَا أَلَيْسَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مَا عِبْنَاهُ عَلَى غَيْرِنَا فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا؟ وَلَوْ عَلِمْنَا أَيُّهُمَا كَانَ، وَطِئَهَا أَوَّلًا فَجَعَلْنَاهُ لَهُ أَوْ لِلْآخَرِ مِنْ
الْوَاطِئَيْنِ دَخَلَ عَلَيْنَا أَنَّا نَقُولُهُ غَيْرَ قِيَاسٍ، وَلَا خَبَرٍ، وَإِذَا كَانَتْ حُجَّتُهُمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَمْ تَجْعَلْهُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَكِنَّا لَمْ نَحْكُمْ فِيهِ حُكْمَ الْأَمْوَالِ، وَلَا حُكْمَ الْأَنْسَابِ، وَافْتَعَلْنَا فِيهَا قَضَاءً مُتَنَاقِضًا لِأَنَّا إنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَ حُكْمِ الْأَمْوَالِ، وَحُكْمِ الْأَنْسَابِ بِالْقَافَةِ، وَإِذَا أَبْطَلْنَا الْقَافَةَ فِي مَوْضِعٍ كُنَّا قَدْ خَرَجْنَا مِنْ أَصْلِ مَذْهَبِنَا فِي الْقَافَةِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا الْتَقَطَ مُسْلِمٌ لَقِيطًا فَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ لِأَبَوَيْهِ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ نَصْرَانِيٌّ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ، وَجَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ لَيْسَ بِعِلْمٍ مِنَّا أَنَّهُ كَمَا قَالَ فَلَا نُغَيِّرُ الْإِسْلَامَ إذَا لَمْ نَعْلَمْ الْكُفْرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَقَامَ النَّصْرَانِيُّ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ، وَجَعَلْنَا دِينَهُ دَيْنَ أَبِيهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ هَذَا عِلْمٌ مِنَّا بِأَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَنَّ الْتِقَاطَ مَنْ الْتَقَطَهُ إنَّمَا هُوَ كَالضَّالَّةِ الَّتِي يَجِدُهَا الرَّجُلُ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَبُوهُ عَلَيْهِ بَعْدَ عَقْلِهِ الْإِسْلَامَ وَوَصْفِهِ إيَّاهُ جَعَلْنَاهُ ابْنَهُ، وَمَنَعْنَاهُ مِنْ أَنْ يَنْصُرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَتِمَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فَنُلْحِقَهُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَنَقْطَعَ عَنْهُ حُكْمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنْ بَلَغَ فَامْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ نَقْتُلُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَبَعْدَ وُجُوبِ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لِلنَّاسِ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْحُقُوقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ ابْنَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ أَقْتُلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَثْبُتَ عَلَى الرِّدَّةِ، وَلَوْ زَنَى قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ قَذَفَ لَمْ أَحُدَّهُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَالْإِقْرَارُ لِلنَّاسِ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَكِنِّي أَحْبِسُهُ وَأُخِيفُهُ رَجَاءَ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا الْتَقَطَ الْمَنْبُوذَ، وَمَعَهُ مَالٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْقَاضِي، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إنْ كَانَ الَّذِي الْتَقَطَهُ ثِقَةً لِمَالِهِ أَنْ يُوَلِّيَهُ إيَّاهُ، وَيَأْمُرَهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ لِمَالِهِ فَلْيَدْفَعْ مَالَهُ لِغَيْرِهِ، وَيَأْمُرْ ذَلِكَ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَيَنْبَغِي لِوَالِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَشَاءَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَأَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ دَيْنًا عَلَى الْمَنْبُوذِ إذَا بَلَغَ وَثَابَ لَهُ مَالٌ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الَّذِي الْتَقَطَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالنَّفَقَةِ، وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغٍ، وَيُسْرٍ، وَلَا قَبْلَهُ، وَسَوَاءً وَجَدَ الْمَالَ مَعَ اللَّقِيطِ أَوْ أَفَادَهُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا يَجُوزُ عَلَى الْوِلَادَةِ وَلَا شَيْءٍ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مِمَّا يَغِيبُ عَنْ الرِّجَالِ إلَّا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عُدُولٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ أَجَازَ الشَّهَادَةَ انْتَهَى بِأَقَلِّهَا إلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَأَقَامَ الثِّنْتَيْنِ مِنْ النِّسَاءِ مَقَامَ رَجُلٍ حَيْثُ أَجَازَهُمَا فَإِذَا أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا يَغِيبُ عَنْ الرِّجَالِ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُجِيزُوهَا إلَّا عَلَى أَصْلِ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الشَّهَادَاتِ فَيَجْعَلُونَ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ يَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَإِذَا فَعَلُوا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَرْبَعٌ.
وَهَكَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، وَمَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُنَا تَجُوزُ فِيهِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ مَوْضِعِ الْأَخْبَارِ كَمَا تَجُوزُ الْوَاحِدَةُ فِي الْخَبَرِ لَا أَنَّهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ مَوْضِعِ الشَّهَادَاتِ مَا جَازَ عَدَدٌ مِنْ النِّسَاءِ -، وَإِنْ كَثُرْنَ - عَلَى شَيْءٍ فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا فَبِأَيِّ شَيْءٍ احْتَجَّتْ إلَى خَبَرِ وَاحِدَةٍ أَبِشَهَادَةٍ أَوْ غَيْرِ شَهَادَةٍ؟ قَالَ بِشَهَادَةٍ عَلَى مَعْنَى الْأَخْبَارِ فَقِيلَ لَهُ، وَكَذَلِكَ شَاهِدَانِ، وَأَكْثَرُهُمَا شَاهِدَانِ عَلَى مَعْنَى الْأَخْبَارِ قَالَ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَاتُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا قِيلَ نَعَمْ، وَلَا رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إلَّا فِي خَاصٍّ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْحُدُودِ، وَلَا عَلَى الْقَتْلِ فَإِنْ كُنْت أَنْكَرْت أَنْ يَكُنَّ غَيْرَ تَوْأَمٍ إلَّا فِي مَوْضِعٍ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُك فِي رَجُلٍ، وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُمَا غَيْرُ تَامَّيْنِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُك فِي رَجُلَيْنِ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ تَامَّيْنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُك فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِخَبَرِهَا أَنَّهَا غَيْرُ تَامَّةٍ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ كُلُّهَا خَاصَّةً مَا لَمْ تَتِمُّ الشُّهُودُ أَرْبَعَةً فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا يَغِيبُ عَنْ الرِّجَالِ
خَاصَّةً لَمْ نَصْرِفْهَا إلَى قِيَاسٍ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا مِنْ الْعَدَدِ إلَّا أَرْبَعًا تَكُونُ كُلُّ ثِنْتَيْنِ مَكَانَ شَاهِدٍ؟ قَالَ فَإِنَّا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ، وَحْدَهَا قُلْت لَوْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صِرْنَا إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَكُمْ، وَلَا عِنْدَنَا عَنْهُ، وَهَذَا لَا مِنْ جِهَةِ مَا قُلْنَا مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ قَبُولِ خَبَرِ الْمَرْأَةِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ مَعْنًى
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ بَيْعًا مَا كَانَ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ أَوْ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا مَعًا أَوْ شَرَطَ الْمُبْتَاعُ أَوْ الْبَائِعُ خِيَارًا لِغَيْرِهِ، وَقَبَضَ الْمُبْتَاعُ السِّلْعَةَ فَهَلَكَتْ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ رِضَا الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا مَا بَلَغَتْ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ قَطُّ فِيهَا، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ رَدُّهَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ شَيْءٍ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَتَلِفَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ فَالْقِيمَةُ تَقُومُ فِي الْفَائِتِ مَقَامَ الْبَدَلِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقِيَاسِ وَالْأَثَرِ، وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ مَنْ ابْتَاعَ بَيْعًا، وَقَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَتَلِفَ فِي يَدَيْهِ فَهُوَ أَمِينٌ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ، وَإِلَى أَنَّ الثَّمَنَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِكَمَالِ الْبَيْعِ فَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ مَوْضِعِ الضَّمَانِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، وَيَقْبِضُهُ ثُمَّ يَتْلَفُ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ الْقِيمَةَ، وَقَدْ سَلَّطَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى الْقَبْضِ بِأَمْرٍ لَا يُوجِبُ لَهُ الثَّمَنَ، وَمِنْ حُكْمِهِ، وَحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ ثَمَنٍ أَبَدًا فَإِذَا زَعَمَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا أَبَدًا يَتَحَوَّلُ فَيَصِيرُ قِيمَةً إذَا فَاتَ مَا فِيهِ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ فَالْمَبِيعُ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ شِرَاءً حَلَالًا، وَيَشْتَرِطُ خِيَارَ يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ فَيَتْلَفُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا لِأَنَّ هَذَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ سَاعَةٌ أَوْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إنْفَاذَهُ نَفَذَ لِأَنَّ أَصْلَهُ حَلَالٌ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الْآبَادُ أَوْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ إنْفَاذَهُ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَالَ إنَّ الْبَائِعَ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَرْضَ أَنْ يُسَلِّمَ سِلْعَتَهُ إلَى الْمُشْتَرِي وَدِيعَةً فَتَكُونُ أَمَانَةً، وَمَا رَضِيَ إلَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الثَّمَنَ فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ عَلَى الْخِيَارِ مَا رَضِيَ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً، وَمَا رَضِيَ إلَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الثَّمَنَ فَكَيْفَ كَانَ فِي الْبَيْعِ الْحَرَامِ عِنْدَهُ ضَامِنًا لِلْقِيمَةِ إذْ لَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَمَانَةً، وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا فِي الْبَيْعِ الْحَلَالِ، وَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً، وَقَدْ رَوَى الْمَشْرِقِيُّونَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَامَ بِفَرَسٍ، وَأَخَذَهَا بِأَمْرِ صَاحِبِهَا فَشَارَ إلَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَى مَشْيِهَا فَكُسِرَتْ فَحَاكَمَ فِيهَا عُمَرُ صَاحِبَهَا إلَى رَجُلٍ فَحَكَمَ عَلَيْهِ أَنَّهَا ضَامِنَةٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهَا كَمَا أَخَذَهَا سَالِمَةً فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْهُ، وَأَنْفَذَ قَضَاءَهُ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ، وَاسْتَقْضَاهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مُسَاوَمَةٍ، وَلَا تَسْمِيَةِ ثَمَنٍ إلَّا أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْبَيْعِ فَرَأَى عُمَرُ، وَالْقَاضِي عَلَيْهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ، فَمَا سُمِّيَ لَهُ ثَمَنٌ، وَجُعِلَ فِيهِ الْخِيَارُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا مِنْ هَذَا، وَإِنْ أَصَابَ هَذَا الْمَضْمُونَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا نَقَصَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ، وَإِذَا كَانَ الِابْنُ فَقِيرًا بَالِغًا لَا يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ، وَيَخَافُ الْعَنَتَ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةَ أَبِيهِ كَمَا يَنْكِحُ أَمَةَ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ وَلَدَهُ مِنْ أَمَةِ أَبِيهِ أَحْرَارٌ فَلَا يَكُونُ لِأَبِيهِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ لِأَنَّهُمْ بَنُو وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا فَخَافَ الْعَنَتَ فَأَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةَ ابْنِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ وَجَبَرَ ابْنَهُ إذَا كَانَ وَاجِدًا عَلَى أَنْ يُعِفَّهُ بِإِنْكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ لِأَنَّ لِلْأَبِ إذَا بَلَغَ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا غَيْرَ مُغْنٍ لِنَفْسِهِ زَمِنًا أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ الِابْنُ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ مَلَكَ ابْنَتَهَا فَأَصَابَهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا، وَحُرِّمَتْ الْبِنْتُ لِأَنَّ هَذِهِ بِنْتُ امْرَأَةٍ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَتِلْكَ قَدْ صَارَتْ أُمَّ امْرَأَةٍ أَصَابَهَا، وَإِنْ وَلَدَتْ لَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ إصَابَتُهَا، وَيَحِلُّ لَهُ خِدْمَتُهَا، وَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ كَمِلْكِ أُمِّ الْوَلَدِ يَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، وَمَا أَفَادَتْ مِنْ مَالٍ كَمَا
يَأْخُذُ مَالَ مَمَالِيكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِأَبِيهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَلَمْ تَلِدْ فَالْأَمَةُ لِأَبِيهِ كَمَا هِيَ، وَعَلَيْهِ عُقْرُهَا لِأَبِيهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فِي الْأَمَةِ الَّتِي وَطِئَهَا الرَّجُلُ، وَوَلَدَتْ، وَحُرِّمَ فَرْجُهَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ وَطِئَ أُمَّهَا بِنِكَاحٍ أَعْتَقَهَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا لَا تَرِقُّ بَعْدَهُ بِحَالٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ بَيْعُهَا، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ فِيهَا الْمُتْعَةُ بِالْجِمَاعِ فَلَمَّا حُرِّمَ الْجِمَاعُ أَعْتَقَهَا عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَمَا تَقُولُ فِي أُمِّ وَلَدِ الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ فَرْجُهَا أَلَهُ شَيْءٌ مِنْهَا غَيْرُ الْجِمَاعِ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَيَأْخُذُ ثَمَنَهَا، وَيُجْنَى عَلَيْهَا فَيَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، وَتُفِيدُ مَالًا مِنْ أَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ فَيَأْخُذُ الْمَالَ، وَتَخْدُمُهُ قُلْت لَهُ أَسْمَعُ لَهُ فِيهَا مَعَانِيَ كَثِيرَةً غَيْرَ الْجِمَاعِ فَلِمَ أَبْطَلْتهَا، وَأَعْتَقْتهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ أَنْ يَعْتِقَ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ أَوْ تَعْتِقَ أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَهُوَ لَمْ يَمُتْ فَإِذَا كَانَ عُمَرُ إنَّمَا أَعْتَقَهُنَّ بَعْدَ مَوْتِ سَادَاتِهِنَّ فَعَجَّلْتهنَّ الْعِتْقَ فَقَدْ خَالَفْته، وَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ أَنْ لَا يَعْتِقَ إلَّا مَنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ فَأَعْتَقَتْهَا فَقَدْ خَالَفْته فَإِنْ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِامْرَأَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ فَرْجُهَا قِيلَ وَإِنْ كَانَتْ مِلْكَهُ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فِيهِ إنْ مَلَكَ أُمَّهُ وَبِنْتَه وَأُخْتَه مِنْ الرَّضَاعِ وَجَارِيَةً لَهَا زَوْجٌ أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهِنَّ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَقَدْ خَلَّيْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْوَةِ بِأَرْبَعٍ كُلُّهُنَّ حَرَامُ الْفَرْجِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ حَرَّمْتَهُ بِوَاحِدَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ إنَّمَا خَلَّيْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْوَةِ بِرَضَائِعِهِ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَهُنَّ قِيلَ فَمُحَرَّمٌ هُوَ لِجَارِيَتِهِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ؟ فَإِنْ قَالَ لَا قِيلَ فَقَدْ خَلَّيْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْجٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ فَإِنْ قَالَ فَلِمَ مَنَعْت الِابْنَ فَرْجَ جَارِيَتِهِ إذَا أَصَابَهَا أَبُوهُ، وَلَمْ تَجْعَلْ عَلَيْهِ إلَّا الْعُقْرَ، وَلَمْ تُقَوِّمْهَا عَلَى أَبِيهِ، وَقَدْ فَعَلَ فِيهَا فِعْلًا يُمْنَعُ بِهِ الِابْنُ مِنْ فَرْجِهَا؟ قِيلَ لَهُ إنَّ مَنْعَ الْفَرْجُ لَا ثَمَنَ لَهُ، وَالْجِنَايَةُ جِنَايَتَانِ جِنَايَةٌ لَهَا ثَمَنٌ، وَأُخْرَى لَا ثَمَنَ لَهَا فَلَمَّا كَانَ الْحَدُّ إذَا دُرِئَ كَانَ ثَمَّةَ فِي الْمَوْطُوءَةِ عُقْرٌ أَغْرَمْنَاهُ الْأَبَ، وَلَمْ نُسْقِطْ عَنْهُ شَيْئًا فَعَلَهُ لَهُ ثَمَنٌ، وَلَمَّا كَانَ تَحْرِيمُ الْفَرْجِ غَيْرَ مُعْتِقٍ لِلْأَمَةِ، وَلَا مُخْرِجٍ لَهَا مِنْ مِلْكِ الِابْنِ لَمْ يَكُنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا فَيَغْرَمُهُ فَإِنْ قَالَ فَمَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ مَا هُوَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَاهُ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ بِلَبَنِ الرَّجُلِ جَارِيَتَهُ لِتُحَرِّمَهَا عَلَيْهِ فَتَحْرُمُ الْجَارِيَةُ وَوَلَدُهَا، وَتَكُونُ مُسِيئَةً آثِمَةً بِمَا صَنَعَتْ، وَلَا يَكُونُ لِمَا صَنَعَتْ ثَمَنٌ نُغَرِّمُهَا إيَّاهُ، وَهِيَ لَوْ شَجَّتْهَا أَغْرَمْنَاهَا أَرْشَ شَجَّتِهَا فَإِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ يَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ عَامِدَةً، وَلَا تَغْرَمُ لِأَنَّهُ غَيْرُ إتْلَافٍ، وَلَا إخْرَاجٍ لِلْمُحَرَّمَةِ مِنْ الْمِلْكِ، وَلَا جِنَايَةٌ لَهَا أَرْشٌ فَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْأَبِ بَلْ هِيَ فِي الْأَبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا بَدَلًا لِأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ عُقْرٌ، وَهَذِهِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَأَصَابَهَا جَاهِلًا فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ تَعْتِقُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْجِهَا بِالنَّهْيِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدِهِ، وَلَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا حَلَالًا، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فَوَلَدَتْ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا أَتَى مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا، وَالثَّانِي لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا، وَإِنْ أَتَاهُ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ فِي شَيْءٍ لَهُ فِيهِ عَلَقٌ مُلِكَ بِحَالٍ، وَلَكِنَّهُ يُوجَعُ عُقُوبَةً مُنَكِّلَةً، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْجِهَا بِأَنْ يُنْهَى عَنْ وَطْئِهَا، وَلَا عُقْرَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعُقْرَ الَّذِي يَجِبُ بِالْوَطْءِ لَهُ، وَلَا يَغْرَمُ لِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهَا لَمْ يَغْرَمْ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَلَكَ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَةَ، وَوَطِئَهَا، وَهُوَ جَاهِلٌ أُعْلِمَ، وَنُهِيَ أَنْ يَعُودَ أَنْ يَمْلِكَ مُسْلِمَةً، وَبِيعَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ وَلَدَتْ بِذَلِكَ الْوَطْءِ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِأَنْ تُعْزَلَ عَنْهُ، وَيُؤْخَذَ بِنَفَقَتِهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ تَعْمَلَ لَهُ مُعْتَزِلَةً عَنْهُ مَا يَعْمَلُ مِثْلُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ، وَهَكَذَا أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ فِيهَا مِثْلُ الْقَوْلِ فِي الَّذِي وَطِئَ رَضِيعَتَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ حَدٌّ، وَفِي الْآخَرِ عُقُوبَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ إجَارَتَهَا مِنْ امْرَأَةٍ فِي عَمَلٍ تُطِيقُهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ أَخْذُ مَا أَفَادَتْهُ، وَأَخْذُ أَرْشِ جِنَايَةٍ إنْ جُنِيَ عَلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ فَقَالَ هِيَ حُرَّةٌ
حِينَ أَسْلَمَتْ، وَقَالَ عِلَّتِي فِي إعْتَاقِهَا عِلَّتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ فَرْجَهَا قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَالْأُخْرَى أَنْ لَا أُثْبِتَ لِمُشْرِكٍ عَلَى مُسْلِمٍ مِلْكًا فَقِيلَ لَهُ أَمَّا الْأُولَى فَمَا أَقْرَبُ تَرْكِهَا مِنْك فَقَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْت أَرَأَيْت أُمَّ وَلَدٍ لِرَجُلٍ وَطِئَهَا ابْنُهُ قَالَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ قُلْت أَفَتَعْتِقُهَا عَلَيْهِ، وَقَدْ حُرِّمَ فَرْجُهَا بِكُلِّ حَالٍ؟ قَالَ لَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ هُوَ وَطِئَ ابْنَتَهَا وَأُمَّهَا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَرْجُهَا بِكُلِّ حَالٍ عِنْدَك، وَلَمْ تَعْتِقْهَا عَلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَقَدْ تَرَكْت الْأَمْرَ الْأَوَّلَ فِي الْأُولَى أَنْ تَعْتِقَ مِنْ هَذِهِ قَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْنَا هَؤُلَاءِ لَا تَحِلُّ فُرُوجُهُنَّ عِنْدَك بِحَالٍ، وَأُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ قَدْ يَحِلُّ فَرْجُهَا لَوْ أَسْلَمَ السَّاعَةَ قَالَ فَدَعْ هَذَا قُلْت، وَالثَّانِي سَتَدَعُهُ قَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْت أَرَأَيْت مُدَبَّرَ النَّصْرَانِيِّ أَوْ مُدَبَّرَتَهُ، وَمُكَاتَبَتَهُ أَتَعْتِقُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَبِيعُهُمْ؟ قَالَ لَا نَعْتِقُ الْمُدَبَّرِينَ إلَّا بِالْمَوْتِ، وَلَا الْمُكَاتَبَ إلَّا بِالْأَدَاءِ قُلْنَا فَهَؤُلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقُوا لِمَنْ مَلَكَهُمْ؟ قَالَ النَّصْرَانِيُّ، وَلَكِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِمَوْتِهِ قُلْنَا فَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ مِلْكُهَا لِلنَّصْرَانِيِّ مُعَلَّقٌ بِمَوْتِهِ فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ، وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنٍ، وَلَا تَسْعَى فِيهِ، وَأَنْتَ تَسْتَسْعِي الْمُدَبَّرَ فِي دَيْنِ النَّصْرَانِيِّ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ فَهُوَ حُرٌّ، وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ؟ قُلْتُ يَدْخُلُ ذَلِكَ عَلَيْك فِي الْمُكَاتَبِ قَالَ أَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا أَقُولُهُ قُلْت أَرَأَيْت عَبْدًا نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ فَوَهَبَهُ النَّصْرَانِيُّ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ؟ قَالَ يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ قُلْنَا فَيَجُوزُ إلَّا، وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ ثَابِتُ الْمِلْكِ عَلَيْهِ؟ قَالَ لَا قُلْت أَوْ رَأَيْت لَوْ أَسْلَمَ بِمَوْضِعٍ لَا سُوقَ بِهِ أَتُمْهِلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ السُّوقَ فَيَبِيعَهُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ جَانٍ فَقَتَلَهُ أَوْ جَرَحَهُ كَانَ الْأَرْشُ لِلنَّصْرَانِيِّ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ كَمَا كَانَ يَكُونُ لِلْمَالِكِ الْمُسْلِمِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَقَدْ زَعَمْت أَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ فِي حَالَاتٍ قَالَ نَعَمْ، وَلَكِنِّي إذَا قَدَرْت عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ أَخْرَجْتُهُ قُلْت بِأَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ؟ قَالَ أَدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ قُلْنَا فَتَصْنَعُ ذَا بِأُمِّ الْوَلَدِ؟ قَالَ لَا أَجِدُ السَّبِيلَ إلَى بَيْعِهَا فَأَدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَنَهَا قُلْت فَلَمَّا لَمْ تَجِدْ السَّبِيلَ إلَى بَيْعِهَا كَانَ حُكْمُهَا غَيْرَ حُكْمِهِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَمَنْ قَالَ لَك أَعْتَقْتهَا بِلَا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مَكَانَهُ؟ قَالَ لَا، وَلَكِنْ عِوَضٌ عَلَيْهَا قُلْنَا فَهِيَ مُعْدَمَةٌ بِهِ أَفَكُنْت بَائِعًا عَبْدَهُ مِنْ مُعْدَمٍ؟ قَالَ لَا قُلْنَا فَكَيْفَ بِعْتهَا مِنْ نَفْسِهَا، وَهِيَ مُعْدَمَةٌ؟ قَالَ لِلْحُرِّيَّةِ قُلْنَا مِنْ قِبَلِهِ كَانَتْ أَوْ مِنْ قِبَلِهَا؟ فَإِنْ قُلْت مِنْ قِبَلِهِ قُلْنَا فَهِيَ حُرَّةٌ بِلَا سِعَايَةٍ قَالَ مَا أَعْتِقُهَا فَتَكُونُ حُرَّةً بِلَا سِعَايَةٍ، وَلَا أَعْتِقُ شَيْئًا مِنْهَا قُلْت فَحُرَّةٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا فَلِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَعْتِقَ نَفْسَهُ قَالَ فَحُرَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْإِسْلَامِ قُلْنَا فَقَدْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَلَمْ تَعْتِقْهُ، وَمَا دَرَيْت مِنْ أَيْنَ أَعْتَقْتهَا، وَلَا أَنْتَ إلَّا تَخَرَّصَتْ عَلَيْهَا، وَأَنْتَ تَعِيبُ الْحُكْمَ بِالتَّخَرُّصِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَقَالَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةُ الْغَاصِبِ الَّذِي وَطِئَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي مَسْأَلَةِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ فَخُذُوا جَوَابَهَا مِنْ هُنَالِكَ فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِيهَا ثَمَّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً، وَزَعَمَ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَدَخَلَ عَلَيْهَا الرَّجُلُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَقَبَتَهَا رَجُلٌ، وَقَدْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا فَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ قِيمَتُهُمْ وَجَارِيَتُهُ وَالْمَهْرُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّوْجِ إنْ شَاءَ، وَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ كُلَّهُ عَلَى الْغَارِّ لِأَنَّهُ لَزِمَ مِنْ قِبَلِهِ، وَأَصْلُ مَا رَدَدْنَا بِهِ الْمَغْرُورَ عَلَى الْغَارِّ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَأَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا فَرَدَّ الزَّوْجَ عَلَى مَا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ بِالْمَسِيسِ عَلَى الْغَارِّ، وَكَانَ مَوْجُودًا فِي قَوْلِهِ إنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغُرْمَ فِي الْمَهْرِ لَزِمَهُ بِغُرُورِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ غَارٍّ لَزِمَ الْمَغْرُورَ بِسَبَبِهِ غُرْمٌ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ يَعْرِفُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْجُنُونَ أَمْ لَمْ يَعْرِفْهُ لِأَنَّ كُلًّا غَارٌّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ؟
قِيلَ نَعَمْ، وَعَلَى أَبِيهَا أَرَأَيْت لَوْ كَانَ تَحْتَ ثِيَابِهَا نُكْتَةُ بَرَصٍ أَمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَبِيهَا، وَالْغَارُّ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ يَضْمَنْ لِلْمَغْرُورِ ثُمَّ بَيْنَ الْغَارِّ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ حُكْمٌ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى ابْنَ سَيِّدِهِ أَوْ أَبَاهُ أَوْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ إذَا مَلَكَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِيمَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَمْلِكَهُ لَا مَا لَا يَجُوزُ لَهُ مِلْكُهُ كَمَا يَكُونُ الرَّجُلُ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا فَيُضَارِبُهُ فَيَشْتَرِي ابْنَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ وَيَكُونَ الْمُضَارِبُ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ فِي ابْنِهِ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِمَالِهِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ مِلْكُهُ، وَهَذَا مَذْهَبٌ مُحْتَمَلٌ لِمَنْ قَالَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ حَلَالًا، وَأَنَّ مَا مَلَكَ الْعَبْدُ فَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِذَا مَلَكَ السَّيِّدُ ابْنَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَالْمُضَارِبِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ فِي الشِّرَاءِ حُقُوقًا.
مِنْهَا حَقٌّ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ إذَا كَانَ بَيْعًا حَلَالًا فَلَمَّا كَانَ هَذَا بَيْعًا حَلَالًا يَلْزَمُ الْعَبْدَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَ الْعَبْدَ أَبَدًا إلَّا وَالسَّيِّدُ مَالِكٌ فَيَعْتِقُ، وَالْمُضَارِبُ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فَلَا يَظْلِمُ الْمُشْتَرِيَ، وَيَكُونُ الْمُضَارِبُ مَالِكًا لِهَذَا الْعَبْدِ، وَلَيْسَ مِلْكُ الْمُضَارِبِ لِنَفْسِهِ مِثْلَ مِلْكِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَمِلْكُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ مِثْلُ مِلْكِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْعَبْدِ دَيْنٌ أَذِنَ لَهُ فِي مُدَايَنَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَا يَمْلِكُونَ عَلَى الْعَبْدِ مَالَهُ إلَّا بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ مِلْكِ الْعَبْدِ لَهُ فَلَمَّا كَانَ تَمَامُ مِلْكِ الْعَبْدِ وَاقِعًا عَلَى ابْنِ سَيِّدِهِ، وَالْعِتْقُ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِقَّ بِحَالٍ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ فِيهِ مِلْكُهُ تَمَّتْ حُرِّيَّتُهُ، وَلَا يَغْرَمُ الْأَبُ شَيْئًا قَلَّ وَلَا كَثُرَ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ إنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ نَقْصٌ مِنْ عِتْقِهِ فَاَلَّذِي دَخَلَ عَلَى الْأَبِ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ مُصَابًا بِمَالِهِ، وَغَارِمًا مِثْلَهُ، وَمَا أَتْلَفَ شَيْئًا فَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا أَتْلَفَ، وَلَا أَمَرَ بِشِرَائِهِ مِنْ مَالِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ مُنْتَزِعًا مِنْ الْعَبْدِ شَيْئًا يَكُونُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إنَّمَا أَخْطَأَ فِيهِ الْعَبْدُ أَوْ تَعَدَّى فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى السَّيِّدِ أَرَأَيْت لَوْ اسْتَهْلَكَ الْعَبْدُ جَمِيعَ مَا فِي يَدَيْهِ بِهِبَةٍ أَوْ بِدَرَكٍ أَوْ حَرْقِهِ أَوْ غَرَقِهِ أَيَرْجِعُ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ؟ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ فِي هَذَا فِعْلٌ، وَلَا أَمْرٌ إنَّمَا يَغْرَمُ النَّاسُ بِفِعْلِهِمْ، وَأَمْرِهِمْ فَأَمَّا بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ، وَلَا أَمْرِهِمْ فَلَا يَغْرَمُونَ إلَّا فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ مِنْ الدِّيَاتِ، وَمَا جَاءَ فِيهِ خَبَرٌ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فَاشْتَرَى ابْنَ مَوْلَاهُ فَلَيْسَ ثَمَّ شِرَاءٌ، وَلَا يَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ الْأَوَّلِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الْأَعَاجِمُ بِوِلَادِ الشِّرْكِ أُخُوَّةً بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنْ كَانُوا جَاءُونَا مُسْلِمِينَ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ بِعِتْقٍ قَبِلْنَا دَعْوَاهُمْ كَمَا قَبِلْنَا دَعْوَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، وَإِنْ كَانُوا مَسْبِيِّينَ أَوْ عَلَيْهِمْ رِقٌّ أُعْتِقُوا فَثَبَتَ عَلَيْهِمْ وَلَاءٌ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى وِلَادٍ أَوْ دَعْوَى مَعْرُوفَةٍ كَانَتْ قَبْلَ السَّبْيِ، وَهَكَذَا مَنْ قَلَّ مِنْهُمْ أَوْ كَثُرَ أَهْلَ حِصْنٍ كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلَانِ أَخَوَيْنِ فَمَاتَ أَبُوهُمَا فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِوَارِثٍ مَعَهُ، وَقَالَ هَذَا أَخِي ابْنُ أَبِي، وَدَفَعَهُ الْآخَرُ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ أَخْبَرَنِي أَنَّ قَوْلَ الْمَدَنِيِّينَ الَّذِي لَمْ نَزَلْ نَعْرِفُهُ، وَيَلْقَوْهُمْ بِهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ نَسَبٌ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ يَدَيْهِ شَيْئًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَحْسَبُهُمْ ذَهَبُوا فِيهِ إلَى أَنَّ الْأَخَ الْمُقَرَّ لَهُ لَمْ يُقِرَّ لِهَذَا الْأَخِ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ، وَلَا وَصِيَّةٍ، وَلَا بِحَقٍّ لَهُ فِي يَدَيْهِ، وَلَا مَالِ أَبِيهِ إلَّا بِأَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ فَيَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَرِثَهُ، وَأَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ وَجَمِيعُ حَقِّ الْإِخْوَةِ فَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الْإِقْرَارِ بِهِ بَاطِلًا لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ لَمْ يَجْعَلُوا لَهُ شَيْئًا كَمَا لَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَكَانَ هَذَا قَوْلًا صَحِيحًا ثُمَّ أَحْدَثُوا أَنْ لَا يُلْحِقُوا، وَأَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ مَا فِي يَدَيْ أَخِيهِ الْمُقَرِّ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَحْسَبُهُمْ ذَهَبُوا فِيهِ إلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّ لَهُ شَيْئًا فِي يَدَيْهِ، وَشَيْئًا فِي يَدَيْ أَخِيهِ فَأَجَازُوا إقْرَارَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَبْطَلُوا إقْرَارَهُ عَلَى أَخِيهِ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -
فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا يُقَاسِمُ الْأَخَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ نِصْفَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُ أَنْ قَالَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ، وَهُوَ سَوَاءٌ فِي مَالِ أَبِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَلَا مِيرَاثَ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ أَحَدٍ نَسَبَهُ رَجُلٌ إلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخَ إنَّمَا يُقِرُّ عَلَى أَبِيهِ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ مِنْ حَقِّهِ فِي أَبِيهِ كَحَقِّهِ فَدَفَعَ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبٌ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْوَرَثَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ مَعًا أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَى الْمَيِّتِ الَّذِي إنَّمَا يُلْحِقُ بِنَفْسِهِ فَيُكْتَفَى بِقَوْلِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ النَّسَبُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ أَجَزْت أَنْ يُقِرَّ ابْنُ الرَّجُلِ إذَا كَانَ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ بِالْأَخِ فَتُلْحِقُهُ بِالْأَبِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ عَلَى غَيْرِهِ؟ قِيلَ لَهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِأَمْرٍ لَا يَدْخُلُ ضَرَرُهُ عَلَى مَيِّتٍ إنَّمَا يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِيمَا يُنْتَقَصُ مِنْ شَرِكَتِهِ فِي مِيرَاثِ الْأَبِ وَوَجَدْته إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا بِوِرَاثَةِ أَبِيهِ الْقَائِمِ بِكُلِّ حَقٍّ لِأَبِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَعْفُو دَمَهُ فَيَجُوزُ عَفْوُهُ كَمَا لَوْ عَفَا أَبُوهُ جُرْحَ نَفْسِهِ جَازَ عَفْوُهُ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُومُ بِالْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ أَبَاهُ كَمَا كَانَ أَبُوهُ قَائِمًا بِالْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ؟ أَلَا تَرَى أَنْ لَوْ كَانَتْ لِأَبِيهِ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِحَدٍّ أَوْ مَالٍ أَوْ قِصَاصٍ أَخَذَ لَهُ بِهَا، وَأَخَذَ لِلِابْنِ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ أَكْذَبَهَا الِابْنُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَالْأَبُ مُدَّعٍ لَهَا أَبْطَلْنَاهَا لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَامَ مَقَامَهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ فِي هَذَا خَبَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا نَعَمْ الْخَبَرُ الَّذِي النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
فَإِنْ قَالَ مَا هُوَ؟ قِيلَ «اخْتَصَمَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَقَالَ سَعْدٌ قَدْ كَانَ أَخِي عُتْبَةُ عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُفِيضَهُ إلَيَّ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَأَلْحَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَعْوَةِ الْأَخِ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ» فَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ، وَأَنَّهَا قَدْ ادَّعَتْ مِنْهُ مَا ادَّعَى أَخُوهَا فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ.
[الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ]
الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» قَالَ عَمْرٌو فِي الْأَمْوَالِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ سَمَّاهُ، وَلَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُ اسْمِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ وَجَدْنَا فِي كُتُبِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ»
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَجَدْنَا فِي كُتُبِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَشْهَدُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ أَنْ يَقْضِيَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
(قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسُهَيْلٍ فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي، وَهُوَ ثِقَةٌ أَنِّي حَدَّثْته إيَّاهُ، وَلَا أَحْفَظُهُ.
(قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) وَكَانَ أَصَابَ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَذْهَبَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ، وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثِهِ، وَكَانَ سُهَيْلٌ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ.
أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ»
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ»
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي «جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يَسْأَلُ أَبِي وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جِدَارِ الْقَبْرِ لِيَقُومَ أَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ قَالَ نَعَمْ، وَقَضَى بِهَا عَلَيَّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» قَالَ مُسْلِمٌ قَالَ جَعْفَرٌ فِي الدَّيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الشَّهَادَةِ فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ أُحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَامِلٌ لَهُ عَلَى الْكُوفَةِ أَنْ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْكُوفَةِ أَنْ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنَّهَا السُّنَّةُ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كُبَرَائِهِمْ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى بِهَا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كُرَيْمَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَيْمُونٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ خَاصَمْت إلَى الشَّعْبِيِّ فِي مُوضِحَةٍ فَشَهِدَ الْقَائِسُ أَنَّهَا مُوضِحَةٌ فَقَالَ الشَّاجُّ لِلشَّعْبِيِّ أَتَقْبَلُ عَلَيَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ قَدْ شَهِدَ الْقَائِسُ أَنَّهَا مُوضِحَةٌ، وَيَحْلِفُ الْمَشْجُوجُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ فَقَضَى الشَّعْبِيُّ فِيهَا، وَذَكَرَ هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقْضُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سُئِلَا أَيُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ فَقَالَا نَعَمْ (قَالَ) : وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَذَكَرَ إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (قَالَ) : وَذَكَرَ هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ خَاصَمْت إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فَقَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ كَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُخْبِرُهُ أَنِّي لَمْ أَجِدْ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ إلَّا بِالْمَدِينَةِ قَالَ فَكَتَبَ إلَيَّ أَنْ اقْضِ بِهَا فَإِنَّهَا السُّنَّةُ، وَذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ قَضَى زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى فَقَضَى بِشَهَادَتِي وَحْدِي، وَشُعْبَةَ عَنْ أَبِي قَيْسٍ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ شُرَيْحًا أَجَازَ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ.
[مَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْأَمْوَالِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَحْوِيلُ مِلْكِ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ غَيْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَقْضِيُّ لَهُ يَمْلِكُ الْمَالَ الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي تُمْلَكُ بِهَا الْأَمْوَالُ فَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى قُضِيَ بِهِ عَلَى مَعْنَى مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلٌ بِشَاهِدٍ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْ فُلَانٍ دَارُهُ غَصَبَهَا إيَّاهُ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا، وَأَخَذَ مِنْهُ ثَمَنَهَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَتَخْرُجُ الدَّارُ مِنْ يَدَيْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ فَتَحُولُ إلَى مِلْكِ الْمَشْهُودِ الْحَالِفِ لَهُ فَيَمْلِكُهَا كَمَا كَانَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مَالِكًا لَهَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِمَّا يُمْلَكُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَى بِشَاهِدٍ عَلَى عَبْدٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ أُحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَقُضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَلْفًا فَيَمْلِكُهَا عَلَيْهِ كَمَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لَهَا مَالِكًا قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ
(قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَرَقَ لَهُ مَتَاعًا قِيمَتُهُ كَذَا وَكَذَا أَوْ قَتَلَ عَبْدًا قِيمَتُهُ كَذَا أَوْ جَرَحَهُ هُوَ فِي بَدَنِهِ جِرَاحَةَ خَطَأٍ حَلَفَ فِي هَذَا كُلِّهِ مَعَ شَاهِدِهِ، وَقُضِيَ لَهُ بِثَمَنِ الْمَتَاعِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ قُضِيَ عَلَيْهِ مَا كَانَ هُوَ مَالِكًا لَهُ إمَّا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَإِمَّا فِي الظَّاهِرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهُ أَسْلَفَهُ مِائَةَ دِينَارٍ فِي طَعَامٍ مَوْصُوفٍ أَوْ بُرٍّ مَوْصُوفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَحَلَفْتَهُ مَعَ الشَّاهِدِ، وَأَلْزَمْتُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ، وَجَعَلْت ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ الَّذِي سَمَّى.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ جَارِيَةً أَوْ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَلَزِمَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ أَوْ الْجَارِيَةُ بَيْعًا بِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهُ بَاعَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِجَارِيَةٍ أُخْرَى أَوْ بِدَارٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيْعُ، وَهَذَا كُلُّهُ تَحْوِيلُ مِلْكٍ إلَى مَالِكٍ
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ عَلَى رَجُلٍ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ يَسْوَى مَالًا أَوْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ حِرْزٍ لَا يَسْوَى رُبُعَ دِينَارٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَغَرِمَ السَّارِقُ قِيمَةَ السَّرِقَةِ إنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً، وَلَمْ يُقْطَعْ السَّارِقُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ حَقٌّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ ثَمَنِ بَيْعٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ فَأَقَامَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ شَاهِدًا أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ صَاحِبُهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ أَوْ صَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ قَبَضَهُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَبَرِيءَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهَذَا تَحْوِيلُ مَا كَانَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْبَرَاءَةِ مُلِكَ عَلَيْهِ إلَى مِلْكِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَضَى عَلَى عَاقِلَةِ رَجُلٍ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ فَأَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ أَبْرَأَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَقَفْنَا الشَّاهِدَ.
فَإِنْ قَالَ أَبْرَأَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَأَبْرَأَ أَصْحَابَهُ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِمْ بِهَا أَحَلَفْنَاهُمْ وَأَبْرَأْنَاهُمْ فَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَحْلِفْ بَعْضٌ بَرِيءَ مَنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَبْرَأْ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلَيْنِ فَأَقَامَا شَاهِدًا فَشَهِدَ لَهُمَا بِالْبَرَاءَةِ فِيهَا فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَحْلِفْ الْآخَرُ فَيَبْرَأُ
الَّذِي حَلَفَ، وَلَا يَبْرَأُ الَّذِي لَمْ يَحْلِفْ: وَتَحْلِفُ عَاقِلَتُهُ، وَلَا يَحْلِفُ مَعَهَا لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا يَعْقِلُ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَهُمْ شَيْئًا.
وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ أَبْرَأَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ وَقَفْته أَيْضًا فَقُلْت قَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُك أَبْرَأَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ مِنْ أَرْشِهَا فَإِنْ كُنْت هَذَا تُرِيدُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهَا، وَإِنْ تَثْبُتُ الشَّهَادَةُ عَلَى إبْرَاءِ الْعَاقِلَةِ حَلَفُوا وَبَرِئُوا، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِمْ لَزِمَهُمْ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهَدْ لَهُمْ بِالْبَرَاءَةِ.
وَلَوْ بَاعَهُ عَبْدًا مَعِيبًا فَأَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهُ تَبَرَّأَ إلَيْهِ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ شَاهِدًا أَنَّهُ أَبْرَأَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ مِنْ الْعَيْبِ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَبَرِيءَ.
وَلَا احْتَاجَ مَعَ هَذَا إلَى وَقْفِهِ كَمَا أَحْتَاجُ إلَى وَقْفِهِ فِي الْجِنَايَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِهِ عَيْبٌ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا يَكُونُ لَهُ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِمَّا يَلْزَمُ فِي الْعَيْبِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ أَخْذِ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ بَرِيءَ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ إلَّا الْمَشْهُودُ لَهُ خَاصَّةً فَيَحْلِفُ فِيهِ وَيَبْرَأُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بَيِّنَةً بِحَقٍّ فَأَتَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ أَقَرَّ بِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُهُ عَلَى فُلَانٍ بَاطِلٌ أُحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَأُبْرِئَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَالٍ فَيَأْتِيَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ فَيَشْهَدَ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَبْرَأَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ
(قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ شَاهِدًا فِي حَيَاتِهِ أَنَّ لَهُ حَقًّا عَلَى فُلَانٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ.
أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا فَأَقَامَ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ شَاهِدًا بِأَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ حَقًّا فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي كُلِّ مَا مَلَكُوا عَنْهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَقَلَ مِلْكَ الْمَوْتَى بِالْمَوَارِيثِ إلَى الْأَحْيَاءِ فَجَعَلَهُمْ يَمْلِكُونَ مَا كَانَ لِلْأَحْيَاءِ يَمْلِكُونَ مَا مَلَّكَهُمْ بِقَدْرِ مَا فُرِضَ لَهُمْ فَهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَنْ وَرِثُوهُ بِقَدْرِ مَا وَرِثُوا (قَالَ) : فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ يَحْلِفُ الْوَارِثُ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَشَهِدَ شَاهِدُهُ بِحَقٍّ فَيَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ بِالْعِيَانِ وَالسَّمَاعِ وَالرُّؤْيَةِ فَإِذَا سَمِعَ مِمَّنْ يُصَدَّقُ أَنَّ لِأَبِيهِ حَقًّا عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلِمَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ كَانَ ذَلِكَ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَكَانَ كَأَبِيهِ لَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ عَلَى حَقٍّ كَانَ عَنْهُ غَائِبًا أَوْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ لَهُ دَابَّةً غَائِبَةً أَوْ عَبْدًا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَأَخَذَ حَقَّهُ، وَلَوْ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا عَلَى مَا عَايَنَ أَوْ سَمِعَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِعَيْنِهِ ضَاقَ هَذَا عَلَيْهِ (قَالَ) : وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَحْلِفُونَ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْحَقِّ الْغَائِبِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ عَلِمَ أَنَّ حَقَّهُ حَقٌّ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ الرُّؤْيَةِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الْخَبَرِ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ شُهِدَ لَهُ بِحَقٍّ بِأَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَلَوْ ضَاقَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إلَّا عَلَى مَا عَايَنَ ضَاقَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْحَقَّ بِشَاهِدٍ إلَّا فِيمَا عَايَنَ حَتَّى لَوْ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ وَرَّثَهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ ضَاقَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَايِنْ أَبَاهُ وَمَا تَرَكَ وَلَا عَدَّدَ وَرَثَتَهُ، وَلَا هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ وَصَايَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَالِغًا، وَمَاتَ أَبُوهُ غَائِبًا فَشَهِدَ لَهُ عَلَى تَرِكَةٍ لَهُ غَائِبَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَاهُ يَمْلِكُهَا، وَلَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا فَإِنْ مَاتَ مَيِّتٌ، وَتَرَكَ ابْنًا بَالِغًا، وَابْنًا صَغِيرًا، وَزَوْجَةً يَحْلِفُ الْبَالِغُ، وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ نِصْفُ الْمَالِ بَعْدَ ثُمُنِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَخَذَتْ الثُّمُنَ وَوَقَفَتْ لِلصَّبِيِّ حَقَّهُ مِنْ الْمَالِ وَذَلِكَ النِّصْفُ بَعْدَ الثُّمُنِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَحْلِفَ أَوْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْيَمِينِ فَيَبْطُلَ حَقُّهُ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَتَقُومَ وَرَثَتُهُ فِيمَا وَرِثُوا عَنْهُ مَقَامَهُ فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ بَالِغِينَ فِيهِمْ غُيَّبٌ أَخَذَ الْحَاضِرُ الْحَالِفُ حَقَّهُ، وَوُقِفَتْ حُقُوقُ الْغُيَّبِ حَتَّى يَحْضُرُوا فَيَحْلِفُوا، وَيَسْتَحِقُّوا أَوْ يَأْبَوْا فَتَبْطُلَ حُقُوقُهُمْ أَوْ يَمُوتُوا قَبْلَ ذَلِكَ فَتَقُومَ وَرَثَتُهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ مَقَامَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ أَخْرَسُ، وَكَانَ يَفْقَهُ الْإِشَارَةَ بِالْيَمِينِ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَا حَتَّى يُفْهَمَ عَنْهُ أَنَّهُ حَلَفَ ثُمَّ يُعْطَى حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ، وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ أَوْ كَانَ مَعْتُوهًا أَوْ ذَاهِبَ الْعَقْلِ وُقِفَ لَهُ حَقُّهُ حَتَّى يَعْقِلَ فَيَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فَتَقُومَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ
فَيَحْلِفُونَ، وَيَسْتَحِقُّونَ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَتْرُكَ وَارِثَيْنِ فَيَحْلِفَ أَحَدُهُمَا فَيَسْتَحِقَّ الْآخَرُ حَقَّهُ بِيَمِينِ أَخِيهِ لِأَنَّ كُلًّا إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِيمَا وَرِثَ عَنْهُ، وَالْحَقُّ وَإِنْ كَانَ عَنْ الْمَيِّتِ وَرِثَ فَلَمْ يَحِقَّ إلَّا لِلْأَحْيَاءِ بِسَبَبِ الْمَيِّتِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ مِنْ الْأَحْيَاءِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مَقَامَ الَّذِي لَهُ أَصْلُ الْحَقِّ فِي نِصْفِ مَالِهِ فَيَسْتَحِقَّ بِيَمِينِ غَيْرِهِ النِّصْفَ الْآخَرَ كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا بِهَا، وَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ، وَهِيَ الَّتِي تُمْلَكُ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ بِيَمِينِهِ شَيْئًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَصَاحِبُ الْحَقِّ مَنْ مَلَكَهُ كُلَّهُ لَا مَنْ مَلَكَ بَعْضَهُ، وَبَقِيَ الْبَعْضُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلْوَرَثَةِ، وَصِيٌّ فَأَقَامَ شَاهِدًا بِحَقٍّ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَحْلِفْ الْوَصِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَتُوقَفُ حُقُوقُهُمْ فَكُلَّمَا بَلَغَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ حَلَفَ، وَأَخَذَ حَقَّهُ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَقَدْ أَقَامَ فِي حَيَاتِهِ شَاهِدًا لَهُ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ أَوْ أَقَامَهُ، وَصِيُّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ أَحَدُ وَرَثَتِهِ، وَلَهُ غُرَمَاءُ فَقِيلَ لِوَرَثَتِهِ احْلِفُوا، وَاسْتَحِقُّوا فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا بَطَلَ حَقُّهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ قَضَى لِمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا بِحَقٍّ لَهُ عَلَى الْآخَرِ بِيَمِينِهِ، وَأَخَذَ حَقَّهُ فَإِنَّمَا أَعْطَى بِالْيَمِينِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِأَصْلِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ أَنْ يُقَالَ لَقَدْ شَهِدَ الشَّاهِدُ بِحَقٍّ، وَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ لِي عَلَى فُلَانٍ، وَمَا بَرِيءَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جَعَلْت لِلْوَارِثِ الْيَمِينَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَقَلَ مِلْكَ الْمَيِّتِ إلَى الْوَارِثِ فَجَعَلَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، وَلَا يُخَالِفُهُ بِقَدْرِ مَا فَرَضَ لَهُ وَجَعَلَهُ مَالِكًا مَا كَانَ الْمَيِّتُ مَالِكًا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَلَوْ وَرِثَ عَبْدًا زَمِنًا أَلْزَمْتُهُ مِلْكَهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ مِلْكَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ هُوَ مِنْ مِلْكِهِ قَالَ، وَلَيْسَ الْغَرِيمُ وَلَا الْمُوصَى لَهُ مِنْ مَعْنَى الْوَارِثِ بِسَبِيلٍ لَا هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ أَصْلُ الْحَقِّ فَيَكُونُونَ الْمَقْضِيَّ لَهُمْ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَلَا الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ فَيَكُونُونَ فِي مَعْنَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَالْغُرَمَاءُ، وَالْمُوصَى لَهُمْ، وَإِنْ اسْتَحَقُّوا مَالَ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ مِنْ وَجْهٍ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهِمْ مَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ مِنْ نَفَقَةِ عَبِيدِهِ الزَّمْنَى قَالَ، وَلَوْ مَاتَ صَاحِبُ الْحَقِّ فَجَاءَ وَارِثُهُ بِشَاهِدٍ، وَقَالَ أَنَا أَحْلِفُ، وَقَالَ غَرِيمُ الْمَيِّتِ الْمَالُ لِي دُونَ الْوَارِثِ، وَأَنَا أَحْلِفُ حَلَفَ الْوَارِثُ، وَأَخَذَ الْغَرِيمُ الْمَالَ دُونَهُ كَمَا كَانَ أَخَذَ لَهُ دُونَ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَارِثِ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَالِ إذَا مَلَكَهُ الْوَارِثُ عَنْ الْمَوْرُوثِ فَالْغَرِيمُ أَحَقُّ بِهِ كَمَا يَكُونُ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَاَلَّذِي يَحِقُّ بِهِ وَلَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَغَيْرِهَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَفِيمَا وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ فَرْقِ مَا بَيْنَ الْغَرِيمِ وَالْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثِ وَصَاحِبِ أَصْلِ الْحَقِّ قَالَ وَمِمَّا يُثْبِتُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْغَرِيمَ إنَّمَا حَقُّهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ جُمْلَةً لَا فِي مَالِهِ الَّذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ سِوَى مَالِهِ الَّذِي يُقَالُ لِلْغَرِيمِ احْلِفْ عَلَيْهِ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْمَالِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْغَرِيمُ فَجَاءَ غَرِيمٌ غَيْرُهُ فَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْيَمِينِ فَإِنْ حَلَفَ الْآخَرُ، وَأَخَذَ جَمِيعَ الدَّيْنِ فَقَدْ أَعْطَى بِيَمِينِهِ الْحَقَّ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ النِّصْفُ، وَلَيْسَ هَكَذَا الرَّجُلَانِ يَكُونُ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إذَا نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ، وَأَخَذَ الْحَالِفُ حَقَّهُ.
قَالَ وَلَوْ أَقَامَ وَرَثَةُ رَجُلٍ شَاهِدًا عَلَى حَقٍّ لَهُ، وَلَهُ غُرَمَاءُ، وَوَصَايَا قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: احْلِفُوا، وَاسْتَحِقُّوا فَإِذَا فَعَلُوا فَالْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْهُمْ وَأَهْلُ الْوَصَايَا يُشْرِكُونَهُمْ فِي مَالِهِ بِالثُّلُثِ، وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا أَبْطَلْنَا حِصَّةَ أَهْلِ الْوَصَايَا.
[الِامْتِنَاعُ مِنْ الْيَمِينِ وَكَيْفَ الْيَمِينُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ كَانَتْ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى حَقٍّ مَعَ شَاهِدٍ قِيلَ لَهُ إنْ حَلَفْتَ اسْتَحْقَقْتَ، وَإِنْ امْتَنَعْت مِنْ الْيَمِينِ سَأَلْنَاك لِمَ تَمْتَنِعُ؟ فَإِنْ قُلْت لِآتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ تَرَكْنَاك حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ فَتَأْخُذَ حَقَّك بِلَا يَمِينٍ أَوْ لَا تَأْتِيَ بِهِ فَنَقُولَ احْلِفْ، وَخُذْ حَقَّك، وَإِنْ امْتَنَعْت بِغَيْرِ أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدٍ أَوْ تَنْظُرَ فِي كِتَابٍ لَك أَوْ لِاسْتِثْبَاتٍ أَبْطَلْنَا حَقَّك فِي الْيَمِينِ، وَإِنْ طَلَبْت الْيَمِينَ بَعْدَهَا لَمْ نُعْطِكهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى بِإِبْطَالِهَا، وَإِنْ جِئْت بِشَاهِدٍ آخَرَ أَعْطَيْنَاك بِهِ لِأَنَّا إنَّمَا أَبْطَلْنَا حَقَّك فِي الْيَمِينِ لَا فِي الشَّاهِدِ الْآخَرِ، وَلَا الْأَوَّلِ قَالَ فَإِنْ قَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُعَامَلَةٌ أَوْ قَدْ حَضَرَنِي، وَإِيَّاهُ مَنْ أَثِقُ بِهِ فَأَسْأَلُهُ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ، وَلَمْ أَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ أَبَى أَبْطَلْتُ حَقَّهُ فِي الْيَمِينِ فَمَتَى طَلَبَ الْيَمِينَ بَعْدُ لَمْ أُعْطِهَا إيَّاهُ لِأَنِّي قَدْ أَبْطَلْتهَا، وَمَتَى جَاءَ بِشَاهِدٍ آخَرَ أَعْطَيْته بِهِمَا لِأَنِّي لَمْ أُبْطِلْ الشَّاهِدَ إنَّمَا أَبْطَلْت الْحَقَّ فِي الْيَمِينِ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهَا أَوْ دَمًا أَوْ جِرَاحَةَ عَمْدٍ فِيهَا قَوَدٌ مَا كَانَتْ أَوْ حَدًّا أَوْ طَلَاقًا حَلَفَ الْحَالِفُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ فَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَفِي مَسْجِدِهَا أَوْ بِبَلَدٍ فَفِي مَسْجِدِهِ، وَأُحِبُّ لَوْ حَلَفَ بَعْدَ الْعَصْرِ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ حُكَّامِ الْآفَاقِ مَنْ يَسْتَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ، وَذَلِكَ عِنْدِي حَسَنٌ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ قِيمَتِهَا أَوْ كَانَتْ جِرَاحَةَ خَطَأٍ أَرْشُهَا أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ أُحْلِفَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَجْلِسِ الْحُكَّامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَوْقِيتُ عِشْرِينَ دِينَارًا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَكِّيِّينَ وَحُكَّامِهِمْ
فَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ حَلَفَ " بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَيْك، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، وَيَصِفُهُ لَحَقٌّ كَمَا شَهِدَ بِهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَثَابِتٌ لِي عَلَيْك مَا قَبَضْته مِنْك، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا اقْتَضَاهُ لِي مُقْتَضٍ بِأَمْرِي، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا بِغَيْرِ أَمْرِي فَوَصَلَ إلَيَّ وَلَا أَبْرَأْتُك مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا أَحَلْتنِي بِهِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أَحَلْتُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا بَرِئْتُ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَا صِرْتُ إلَى مَا يُبَرِّئُك مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَى يَوْمِ حَلَفْتُ يَمِينِي هَذِهِ فَإِنْ كَانَ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ شَيْءٍ حَلَفَ بِمَا وَصَفْت فَإِذَا انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ مَا اقْتَضَيْته، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا اقْتَضَاهُ لِي مُقْتَضٍ بِأَمْرِي، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا اقْتَضَاهُ لِي مُقْتَضٍ بِأَمْرِي، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا وَصَلَ إلَيَّ، وَلَا إلَى غَيْرِي بِأَمْرِي، وَلَا كَانَ مِنِّي فِيهِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا يَكُونُ لَك بِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ ثُمَّ تُنْسَقُ الْيَمِينُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى دَارٍ لَهُ فِي يَدَيْهِ أَوْ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ حَلَفَ كَمَا وَصَفْت.
وَقَالَ " إنَّ الدَّارَ الَّتِي كَذَا، وَيَحُدُّهَا لَدَارِي مَا بِعْتُكهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا وَهَبْتهَا لَك، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا تَصَدَّقْت بِهَا عَلَيْك، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا عَلَى غَيْرِك مِمَّنْ صَيَّرَهَا إلَيْك مِنِّي، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِلْكِي مَا خَرَجَتْ مِنِّي، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أُخْرِجُهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا إلَيْك " وَإِنَّمَا أَحَلَفْتَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِ الْمُحَلَّفِ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْرِجُهَا إلَى غَيْرِهِ فَيَخْرُجُ ذَلِكَ إلَى الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ذِمِّيًّا أُحْلِفَ " بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ الْيَمِينُ بِهِ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَلَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَلَا يَحْلِفُ بِمَا يَعْظُمُ إذَا جَهِلْنَاهُ، وَيَحْضُرُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ مَنْ يَتَوَقَّى هُوَ مَحْضَرَهُ إنْ كَانَ حَانِثًا لِيَكُونَ أَشَدَّ لِتَحَفُّظِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِمَيِّتٍ فَوَرِثَهُ
الْحَالِفُ حَلَفَ كَمَا وَصَفْت عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَقَّ ثَابِتٌ لِفُلَانٍ عَلَيْك مَا اقْتَضَيْته مِنْك ثُمَّ يُنْسَقُ الْيَمِينُ كَمَا وَصَفْت، وَلَا عَلِمْت فُلَانًا الْمَيِّتَ اقْتَضَاهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ مِنْك، وَلَا أَبْرَأَك مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَقَدْ مَاتَ، وَأَنَّهُ لَثَابِتٌ عَلَيْك إلَى يَوْمِ حَلَفْت بِيَمِينِي هَذِهِ.
قَالَ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ لِرَجُلٍ يَأْخُذُ بِهَا أَوْ عَلَى رَجُلٍ يَبْرَأُ بِهَا فَبَدَأَ فَحَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْحَاكِمُ أَعَادَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ حَتَّى تَكُونَ يَمِينُهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْحُكْمِ بِهَا.
[بَابُ مَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَمَا يُقْضَى]
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ الْمَالَ، فَأَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ عَلَى حَقِّهِ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ الِامْرَأَتَيْنِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟ فَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ إذَا كُنَّ لَا يُجَزْنَ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَّا مَعَ الرِّجَالِ إلَّا فِيمَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ فَهَاتَانِ امْرَأَتَانِ لَيْسَ مَعَهُمَا رَجُلٌ يَشْهَدُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَعَهُمَا رَجُلٌ يَحْلِفُ فَالْحَالِفُ غَيْرُ شَاهِدٍ.
فَإِنْ قَالَ: فَقَدْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ.
قِيلَ: يُعْطَى بِهَا بِالسُّنَّةِ لَيْسَ أَنَّهُ شَاهِدٌ وَالرَّجُلُ لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَحْلِفْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ قَالَ امْرَأَتَانِ تَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ؟ قِيلَ: إذَا كَانَتَا مَعَ رَجُلٍ وَلَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لِرَجُلٍ بِحَقٍّ أَخَذَهُ كَمَا يَأْخُذُهُ بِشَاهِدَيْنِ وَشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا أَحْسِبُ أَحَدًا يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةَ رَجُلٍ أَقَامَتْ شَاهِدًا أَنَّهُ طَلَّقَهَا لَمْ تَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهَا وَقِيلَ: ائْتِ بِشَاهِدٍ آخَرَ وَإِلَّا أَحَلَفْنَاهُ مَا طَلَّقَك، وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدًا عَلَى أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً بِوَلِيٍّ وَرِضَاهَا وَشُهُودٍ وَمَهْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةَ الْمَرْأَةِ كَمَا يَمْلِكُ الْأَمْوَالَ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مِنْهَا بِالنِّكَاحِ شَيْءٌ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ قَبْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهَا مَا كَانَ الزَّوْجُ يَمْلِكُ مِنْهَا فَتَقُومُ فِي نَفْسِهَا مَقَامَ الزَّوْجِ فِيهَا فِي كُلِّ أَمْرِهِ، أَوْ فِي بَعْضِهِ وَالزَّوْجُ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا مِلْكَ الْمَالِ فَهُمَا خَارِجَانِ مِنْ مَعْنَى مَنْ حَكَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا حَكَمَ بِهَا لِمَنْ يَمْلِكُ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ مِلْكًا يَكُونُ لَهُ فِيهِ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ، أَوْ سُلْطَانُ رِقٍّ، أَوْ مِلْكٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِمَّا قَدْ مَلَكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَمِمَّا يَمْلِكُ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ هَكَذَا الزَّوْجُ، وَالْمَرْأَةُ إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَيْهَا سُلْطَانُ إبَاحَةِ شَيْءٍ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَوْ أَقَامَ عَبْدٌ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ مَا كَانَ سَيِّدُهُ مَالِكَهُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ لَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِإِنْسَانٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَمَّا عَلَى نَفْسِهِ فَلَا فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ فِي نَفْسِهِ مِثْلَ الْعَبْدِ يُعْتَقُ، وَالْمَرْأَةِ تَطْلُقُ، وَالْحَدِّ يَثْبُتُ، أَوْ يَبْطُلُ فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ يَمِينٌ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ فِيمَا يَمْلِكُ بِهِ الْحَالِفُ مَعَ شَاهِدِهِ شَيْئًا كَانَ بِيَدِهِ غَيْرُهُ مِمَّا قَدْ يُمْلَكُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَاَلَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ مَالٌ، وَالْمَالُ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَغَيْرُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْآخَرِ فَالْعَبْدُ الَّذِي يَطْلُبُ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالْيَمِينِ عَلَى عِتْقِهِ كَانَ إنَّمَا يُقْضَى لَهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا وَنَفْسُهُ لَيْسَتْ كَغَيْرِهِ فَكَانَ هَذَا خَارِجًا مِنْ مَعْنَى مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَتَى رَجُلٌ بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ أَنَّ رَجُلًا أَشْهَدَهُ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ حَقًّا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِشَاهِدٍ آخَرَ فَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ لَقَدْ شَهِدَ لِي لَمْ يُحَلَّفْ؛ لِأَنَّ حَلِفَهُ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ لَيْسَ أَنْ
يَحْلِفَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى أَنْ يُثْبِتَ شَهَادَةَ شَاهِدِهِ وَلَيْسَ الْيَمِينُ عَلَى هَذَا بِالْيَمِينِ عَلَى الْمَالِ بِمِلْكٍ.
وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدًا أَنَّ فُلَانًا، أَوْصَى إلَيْهِ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْوَصِيَّةِ وَلَا بِالْوَكَالَةِ شَيْئًا وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا، أَوْدَعَهُ دَارِهِ، أَوْ أَرْضَهُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ بِالزِّنَا لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْحَدِّ شَيْئًا إنَّمَا الْحَدُّ أَلَمٌ عَلَى الْمَحْدُودِ لَا شَيْءَ يَمْلِكُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ جَرَحَهُ جِرَاحَةً عَمْدًا فِي مِثْلِهَا قَوَدٌ، أَوْ قَتَلَ ابْنًا لَهُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهَا الْمَالُ دُونَ التَّخْيِيرِ فِي الْمَالِ، أَوْ الْقِصَاصِ فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهَا فَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَمْلِكُهُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَالْمَالُ يَمْلِكُهُ؟ قِيلَ: أَجَلْ وَلَكِنْ لَيْسَ يَمْلِكُهُ إلَّا بِأَنْ يَمْلِكَ الْقِصَاصَ مَعَهُ لَا أَنَّ الْمَالَ إذَا حَلَفَ كَانَ لَهُ دُونَ الْقِصَاصِ وَلَا الْقِصَاصَ دُونَ الْمَالِ فَلَمَّا كَانَ إنَّمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَكَانَ الْمَالُ لَا يُمْلَكُ دُونَ الْقِصَاصِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْقِصَاصِ وَهُوَ لَا يُمْلَكُ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ مَتَاعًا مِنْ حِرْزٍ يَسْوَى أَكْثَرَ مِمَّا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ كَانَ مُخَالِفًا لَأَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَغْرَمُ السَّارِقُ مَا ذَهَبَ لَهُ بِهِ وَلَا يُقْطَعُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا، وَالْقِصَاصِ؟ قِيلَ لَهُ: فِي السَّرِقَةِ شَيْئَانِ.
أَحَدُهُمَا: شَيْءٌ يَجِبُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَالْآخَرُ شَيْءٌ يَجِبُ لِلْآدَمِيِّينَ وَهُوَ الْغُرْمُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ غَيْرُ حُكْمِ صَاحِبِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى هَذَا؟ قِيلَ: قَدْ يَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْهُ وَلَا يَسْقُطُ الْغُرْمُ وَيَسْقُطُ الْغُرْمُ وَلَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ.
فَإِنْ قَالَ وَأَيْنَ؟ قِيلَ: يَسْرِقُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُقْطَعُ وَيَغْرَمُ وَيَخْتَلِسُ وَيَنْتَهِبُ فَيَكُونُ بِهَذَا سَارِقًا فَلَا يُقْطَعُ وَيَغْرَمُ وَيَكُونُ لَهُ شُبْهَةٌ فِي السَّرِقَةِ فَلَا يُقْطَعُ وَيَغْرَمُ، وَيَسْرِقُ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ مَنْزِلِهِمَا الَّذِي يَسْكُنَانِهِ فَلَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَيَغْرَمُ فَإِنْ قَالَ وَأَيْنَ يَسْقُطُ الْغُرْمُ عَنْهُ وَيُقْطَعُ؟ قِيلَ يَسْرِقُ السَّرِقَةَ فَيَهَبُهَا لَهُ الْمَسْرُوقُ، أَوْ يُبَرِّئُهُ مِنْ ضَمَانِهَا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ غُرْمٌ وَيُقْطَعُ فَلَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْهُ إنْ سَقَطَ عَنْهُ غُرْمُ مَا سَرَقَ وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ حُكْمَ الْغُرْمِ غَيْرُ حُكْمِ الْقَطْعِ وَأَنَّ عَلَى السَّارِقِ حُكْمَيْنِ قَدْ يَزُولُ أَحَدُهُمَا وَيَثْبُتُ الْآخَرُ وَلَيْسَ هَكَذَا حُكْمُ الْجِرَاحِ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا أَبَدًا مَالٌ إلَّا وَمَعَهُ قِصَاصٌ، أَوْ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْقَوَدِ، وَالْعَقْلِ، فَأَيُّهُمَا اخْتَارَ سَقَطَ الْآخَرُ وَإِنْ اخْتَارَ الْقَوَدَ، ثُمَّ عَفَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ وَإِنْ اخْتَارَ الْعَقْلَ، ثُمَّ أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِصَاصٌ فَهَذَانِ حُكْمَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ مِنْ صَاحِبِهِ فَلَا يُشْبِهَانِ الْحُكْمَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا بَدَلًا مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا إنْ بَطَلَ صَاحِبُهُ وَيُشْبِهُ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّرِقَةِ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلٌ بِشَاهِدٍ عَلَى أَنَّهُ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كُنْت غَصَبْت فُلَانًا هَذَا الْعَبْدَ وَيَشْهَدُ أَنَّهُ غَصَبَهُ فَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْعَبْدِ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَأْخُذُ الْعَبْدَ وَلَا تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَنَّهُ حَنِثَ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ آخَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّاهِدَ مَعَ الْيَمِينِ إنَّمَا جَازَ عَلَى الْغَصْبِ دُونَ الطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ لَيْسَ بِالْغَصْبِ إنَّمَا هِيَ يَمِينٌ يَحْلِفُ بِهَا وَحُكْمُ الْأَيْمَانِ غَيْرُ حُكْمِ الْأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الطَّلَاقِ غَيْرُ حُكْمِ الْأَمْوَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهَا بِحَالٍ مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ يَقْتُلَ ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا، أَوْ يَقْتُلَ ابْنَ نَفْسِهِ، أَوْ تَكُونَ جِرَاحَةً لَا قَوَدَ فِيهَا مِثْلَ الْجَائِفَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ وَمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَهَذَا كُلُّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ قُبِلَتْ فِيهِ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ فَقُضِيَ لَهُ بِهِ كُلِّهِ مَا كَانَ عَمْدًا مِنْهُ فَفِي مَالِ الْجَانِي وَمَا كَانَ خَطَأً فَعَلَى الْعَاقِلَةِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ رَجُلًا
رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ، فَأَصَابَ بَعْضَ جَسَدِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، فَأَصَابَ آخَرَ فَقَتَلَهُ، أَوْ جَرَحَهُ
فَالرَّمْيَةُ الْأُولَى عَمْدٌ، وَالْمُصَابُ الثَّانِي خَطَأٌ فَإِنْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ الْأُولَى لَا قِصَاصَ فِيهَا فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ وَيَحْلِفَانِ مَعَ شَاهِدِهِمَا وَيُقْضَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْأَرْشِ الْأُولَى فِي مَالِ الرَّامِي وَالثَّانِيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ الْأُولَى يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ فِي نَفْسٍ كَانَتْ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ الْقَسَامَةُ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ، ثُمَّ الْقَوْلُ فِي الرَّمْيَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَكُونُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي هَذَا، وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْخَطَإِ لَا يَثْبُتُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بِثُبُوتِهِ لِصَاحِبِ الْعَمْدِ فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجِنَايَةُ وَاحِدَةً فِيهَا عَمْدٌ فِيهِ قِصَاصٌ لَمْ يَجُزْ فِي الْقِصَاصِ إلَّا شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ فِيهِ شَيْئًا.
، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّاهِدَ يَبْطُلُ لِصَاحِبِ الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يُقَسِّمَ مَعَهُ، أَوْلِيَاؤُهُ وَيَثْبُتَ لِصَاحِبِ الْخَطَإِ بِالْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - وَبِهِ نَأْخُذُ وَهِيَ فِي مِثْلِ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْغَصْبِ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْغَصْبِ
وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةٍ وَابْنِهَا شَاهِدًا أَنَّهُمَا لَهُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَأَخَذَ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ وَابْنَهَا لَهُ وُلِدَ مِنْهُ حَلَفَ أَيْضًا وَقُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَتْ وَابْنُهَا لَهُ، وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَشَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَيَمِينِهِ
(قَالَ) : وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدٌ بِأَنَّ أَبَاهُ تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَلَيْهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً مَوْقُوفَةً حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَكَانَتْ الدَّارُ صَدَقَةً عَلَيْهِ كَمَا شَهِدَ شَاهِدُهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ أَبَاهُ تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَلَيْهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً مَوْقُوفَةً وَعَلَى أَخَوَيْنِ لَهُ مَوْقُوفَةً فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِهِمْ، أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ حَلَفُوا وَثَبَتَتْ حُقُوقُهُمْ، فَمَنْ حَلَفَ ثَبَتَ حَقُّهُ لَهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا بَالُ الرَّجُلِ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ أَبَاهُ وَقَفَ عَلَيْهِ دَارًا وَعَلَى أَخَوَيْنِ لَهُ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ بَعْدَهُمْ أَحَلَفْته وَأَثْبَتَ حَقَّهُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَإِنْ حَلَفَ أَخَوَاهُ ثَبَتَ حَقُّهُمَا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُمَا بِثُبُوتِ حَقِّهِ قِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّا أَخْرَجْنَا الدَّارَ مِنْ مِلْكِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ بِيَمِينِ مَنْ شَهِدَ لَهُ فَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ لِثَلَاثَةٍ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ حَقِّ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ حَقِّ صَاحِبِهِ فَإِذَا حَلَفُوا مَعًا فَأُخْرِجَتْ الدَّارُ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا مَنْ حَلَفَ فَكَانَتْ بِكَمَالِهَا لِمَنْ حَلَفَ حَيَاتَهُ فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ فِيهَا لَهُمْ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ وَقَفَتْ عَلَيْهِ إذَا مَاتُوا يَقُومُ مَقَامَ الْوَارِثِ لَهُمْ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَحَلَفَ قُضِيَ لَهُ بِهَا فَإِنْ مَاتَ كَانَتْ لِوَارِثِهِ بَعْدَهُ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى فِيهَا بِيَمِينِ الَّذِي أَقَامَ الشَّاهِدُ لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ مَوْرُوثَةٌ عَنْ الَّذِي حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَإِنْ حَلَفَ أَخُوهُ فَهِيَ عَلَيْهِمَا مَعَهُ، ثُمَّ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَإِنْ أَبَى أَخَوَاهُ أَنْ يَحْلِفَا فَنَصِيبُهُ مِنْهَا وَهُوَ الثُّلُثُ صَدَقَةٌ كَمَا شَهِدَ شَاهِدُهُ، ثُمَّ نَصِيبُهُ بَعْدُ مِنْهَا عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أَبُوهُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَبَعْدَ أَخَوَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ الَّذِينَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ نَحْنُ نَحْلِفُ عَلَى مَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ الِاثْنَانِ فَلَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ مَالِكُونَ حِينَ كَانُوا إذَا حَلَفُوا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِمْ الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ مِلْكَهُ إذَا مَاتَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنَّمَا قُلْنَا يَمْلِكُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ، وَالْآثَارَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مِلْكٌ صَحِيحٌ إذَا أَخْرَجَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْ مِلْكِهِ أَرْضَهُ صَدَقَةً عَلَى أَقْوَامٍ بِعَيْنِهِمْ، ثُمَّ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ فَمَلَكَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ مَا مَلَّكَهُمْ الْمُتَصَدِّقُ كَمَا مَلَّكَهُمُوهُ فَهَذَا مِلْكٌ صَحِيحٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا قَضَيْنَا بِأَنَّ مِلْكَ الْمُتَصَدِّقِ يَتَحَوَّلُ إلَى مِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ كَمَا مَلَّكَهُمْ فَهَذَا تَحْوِيلُ مِلْكِ مَالٍ إلَى مَالِكٍ يَنْتَفِعُ بِهِ انْتِفَاع