الأم للشافعيصفحات 250-27
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ُ الْغَصْبِ

صفحات 250-27

وَمَا أَشْبَهَهُ فَسَوَاءٌ مَا ظَهَرَ مِنْهَا هَلَاكُهُ وَمَا خَفِيَ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَصْبِ وَالْمُسْتَسْلِفُ جَنَيَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَجْنِيَا أَوْ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ مِثْلُ الْوَدِيعَةِ فَسَوَاءٌ مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ وَمَا خَفِيَ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُسْتَوْدِعِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْعَارِيَّةِ فَقَالَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا إلَّا مَا تَعَدَّى فِيهِ فَسُئِلَ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ؟ فَزَعَمَ أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ: وَقَالَ مَا حُجَّتُكُمْ فِي تَضْمِينِهَا؟ قُلْنَا «اسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَفْوَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ» . قَالَ أَفَرَأَيْت إذَا قُلْنَا فَإِنْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ الضَّمَانَ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لَمْ يَضْمَنْ؟ قُلْنَا فَأَنْتَ إذًا تَتْرُكُ قَوْلَك.
قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْنَا: أَلَيْسَ قَوْلُك أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ؟ قَالَ بَلَى.
قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اشْتَرَطَ الْمُسْتَوْدِعُ أَنَّهُ ضَامِنٌ أَوْ الْمُضَارِبُ؟ قَالَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا.
قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي الْمُسْتَسْلِفِ إذَا اشْتَرَطَ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ؟ قَالَ لَا شَرْطَ لَهُ وَيَكُونُ ضَامِنًا.
قُلْنَا: وَيَرُدُّ الْأَمَانَةَ إلَى أَصْلِهَا وَالْمَضْمُونَ إلَى أَصْلِهِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فِيهِمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَقُولَ فِي الْعَارِيَّةِ وَبِذَلِكَ شَرَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، وَلَا يَشْتَرِطُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ إلَّا مَا يَلْزَمُ.
قَالَ: فَلِمَ شَرَطَ؟ قُلْنَا لِجَهَالَةِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا لَا يَعْرِفُ الْحُكْمَ، وَلَوْ عَرَفَهُ مَا ضَرَّ الشَّرْطُ إذَا كَانَ أَصْلُ الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِلَا شَرْطٍ كَمَا لَا يَضُرُّ شَرْطُ الْعُهْدَةِ وَخَلَاصُ عَقْدِك فِي الْبَيْعِ.
وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ كَانَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةُ وَالْخَلَاصُ أَوْ الرَّدُّ قَبْلُ فَهَلْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ؟ قُلْنَا فِي هَذَا كِفَايَةٌ وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ وَكَانَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَعِيرٍ اُسْتُعِيرَ فَتَلِفَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَكْرَيْتهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَرَكِبْتهَا بِكَذَا وَقَالَ الرَّاكِبُ رَكِبْتهَا عَارِيَّةً مِنْك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ، وَلَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ، وَلَوْ قَالَ أَعَرْتنِيهَا وَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ غَصَبْتنِيهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَعِيرِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدِعُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَ فَإِنْ خَالَفَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الضَّمَانِ أَبَدًا إلَّا بِدَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَى رَبِّهَا، وَلَوْ رَدَّهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ لَهَا كَانَ أَمِينًا فَخَرَجَ مِنْ حَدِّ الْأَمَانَةِ فَلَمْ يُجَدِّدْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ اسْتِئْمَانًا لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَيْهِ.

[الْغَصْبُ]

ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا شَقَّ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَوْبًا شَقًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يَأْخُذُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ طُولًا وَعَرْضًا، أَوْ كَسَرَ لَهُ مَتَاعًا فَرَضَّهُ أَوْ كَسَرَهُ كَسْرًا صَغِيرًا أَوْ جَنَى لَهُ عَلَى مَمْلُوكٍ فَأَعْمَاهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَيُقَوَّمُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ غَيْرُ الرَّقِيقِ صَحِيحًا وَمَكْسُورًا وَصَحِيحًا وَمَجْرُوحًا قَدْ بَرَأَ مِنْ جُرْحِهِ ثُمَّ يُعْطَى مَالِكُ الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَكْسُورًا وَمَجْرُوحًا فَيَكُونُ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ نَفْعُهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ بِالْجِنَايَةِ شَيْئًا جَنَى عَلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَا يَمْلِكُ رَجُلٌ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ إلَّا فِي الْمِيرَاثِ فَأَمَّا مَنْ جَنَى عَلَيْهِ مِنْ الْعَبِيدِ فَيُقَوَّمُونَ صِحَاحًا قَبْلَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الْجِنَايَةِ فَيُعْطَوْنَ أَرْشَهَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ صَحِيحًا كَمَا يُعْطَى الْحُرُّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتِهِ بَالِغًا مِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيَمًا كَمَا يَأْخُذُ الْحُرُّ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وَقَالَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا الْمِيرَاثَ فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - نَقَلَ مِلْكَ الْأَحْيَاءِ إذَا مَاتُوا إلَى مَنْ وَرَّثَهُمْ إيَّاهُ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ أُوصِيَ لَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ أَوْ مَلَكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مِلْكُ الْمَالِكِ الْمُسْلِمِ مِنْ يَدَيْهِ إلَّا بِإِخْرَاجِهِ إيَّاهُ هُوَ نَفْسُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ عِتْقٍ أَوْ دَيْنٍ لَزِمَهُ فَيُبَاعُ فِي مَالِهِ، وَكُلُّ هَذَا فِعْلُهُ لَا فِعْلُ غَيْرِهِ قَالَ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حَرَّمَ أَنْ تَكُونَ أَمْوَالُ النَّاسِ مَمْلُوكَةً إلَّا بِبَيْعٍ عَنْ تَرَاضٍ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ فِيمَا وَصَفْت مَا وَصَفْت فَمِنْ أَيْنَ غَلِطَ أَحَدٌ فِي أَنْ يَجْنِيَ عَلَى مَمْلُوكِي فَيَمْلِكُهُ بِالْجِنَايَةِ وَآخُذُ أَنَا قِيمَتَهُ وَهُوَ قَبْلَ الْجِنَايَةِ لَوْ أَعْطَانِي فِيهِ أَضْعَافَ ثَمَنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَوْ وَهَبْته لَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِاَلَّذِي يَجُوزُ وَيَحِلُّ مِنْ الْهِبَةِ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيَّ بِاَلَّذِي يَحِلُّ مِنْ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ أَشَاءَ فَكَيْفَ مَلَكَهُ حِينَ عَصَى اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ فَأُخْرِجُ مِنْ يَدَيْ مِلْكِي بِمَعْصِيَةِ غَيْرِي لِلَّهِ وَأُلْزِمُ غَيْرِي مَا لَا يَرْضَى مِلْكَهُ إنْ كَانَ أَصَابَهُ خَطَأً وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تُوجِبُ لِي شَيْئًا وَاخْتَرْتُ حَبْسَ عَبْدِي سَقَطَ الْوَاجِبُ لِي وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تُخَالِفُ حُكْمَ مَا سِوَى مَا وَجَبَ لِي وَلِي حَبْسُ عَبْدِي، وَأَخْذُ أَرْشِهِ وَمَتَاعِي، وَأَخْذُ مَا نَقَصَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مُفْسِدًا لَهُ فَزَادَ الْجَانِي مَعْصِيَةً لِلَّهِ وَزِيدَ عَلَيَّ فِي مَالِي مَا يَكُونُ مُفْسِدًا لَهُ سَقَطَ حَقِّي حِينَ عَظُمَ وَثَبَتَ حِينَ صَغُرَ وَمَلَكَ حِينَ عَصَى وَكَبُرَتْ مَعْصِيَتُهُ، وَلَا يَمْلِكُ حِينَ عَصَى فَصَغُرَتْ مَعْصِيَتُهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدِلَّ أَحَدٌ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ لِأَصْلِ حُكْمِ اللَّهِ.
وَمَا لَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِينَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِمْ مَا كَانُوا أَحْيَاءَ حَتَّى يُخْرِجُوا هُمْ الْمِلْكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَحْكِيَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ ثُمَّ شِدَّةِ تَنَاقُضِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ.
قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ جَارِيَةً تَسْوَى مِائَةً فَزَادَتْ فِي يَدَيْهِ بِتَعْلِيمٍ

مِنْهُ وَسِنٍّ وَاغْتِذَاءٍ مِنْ مَالِهِ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ نَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ أَخَذَهَا وَتِسْعَمِائَةٍ مَعَهَا كَمَا يَكُونُ لَوْ غَصَبَهُ إيَّاهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَأَدْرَكَهَا وَهِيَ تُسَاوِي مِائَةً أَخَذَهَا وَمَا نَقَصَهَا وَهِيَ تِسْعُمِائَةٍ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهَا الْغَاصِبُ أَوْ وَهَبَهَا أَوْ قَتَلَهَا أَوْ اسْتَهْلَكَهَا فَلَمْ تُدْرَكْ بِعَيْنِهَا كَانَتْ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً مُنْذُ غُصِبَتْ إلَى أَنْ هَلَكَتْ وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ رَبَّ الْجَارِيَةِ يُخَيَّرُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ الْغَاصِبُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ سِلْعَتِهِ أَوْ قِيمَتُهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً قَطُّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ: لَيْسَ لَهُ إلَّا جَارِيَتُهُ وَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ وَبَيْعُ الْغَاصِبِ مَرْدُودٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ غَصَبَهَا بِثَمَنِ مِائَةٍ وَكَانَ لَهَا ضَامِنًا وَهِيَ تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ زَادَتْ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا، وَهِيَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ نَقَصَتْ ضَمَّنْتُهُ قِيمَتَهَا فِي حَالِ زِيَادَتِهَا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، وَلَا ضَامِنًا، وَلَا عَاصِيًا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ لَمْ يَزَلْ غَاصِبًا ضَامِنًا عَاصِيًا مِنْ يَوْمِ غَصَبَ إلَى أَنْ فَاتَتْ أَوْ رَدَّهَا نَاقِصَةً فَلَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ الْأُولَى بِأَوْجَبَ مِنْهُ فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ، وَلَا فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ بِأَوْجَبَ مِنْهُ فِي الْحَالِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّهَا أَنْ يَكُونَ رَادًّا لَهَا، وَهُوَ فِي كُلِّهَا ضَامِنٌ عَاصٍ فَلَمَّا كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَغْصِبَهَا قِيمَةَ مِائَةٍ فَيُدْرِكَهَا قِيمَةَ أَلْفٍ فَيَأْخُذَهَا وَيُدْرِكَهَا، وَلَهَا عِشْرُونَ وَلَدًا فَيَأْخُذَهَا وَأَوْلَادَهَا، كَانَ الْحُكْمُ فِي زِيَادَتِهَا فِي بَدَنِهَا وَوَلَدِهَا كَالْحُكْمِ فِي بَدَنِهَا حِينَ غَصَبَهَا يَمْلِكُ مِنْهَا زَائِدَةً بِنَفْسِهَا وَوَلَدِهَا مَا مَلَكَ مِنْهَا نَاقِصَةً حِينَ غَصَبَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهَا وَوَلَدَهَا أَوْ تَمُوتَ هِيَ وَوَلَدُهَا فِي يَدَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَمَا وَصَفْت يَمْلِكُ وَلَدَهَا كَمَا يَمْلِكُهَا لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ فِي أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ رَجُلٌ جَارِيَةً فَمَاتَتْ فِي يَدَيْهِ مَوْتًا أَوْ قَتَلَهَا قَتْلًا ضَمِنَهَا فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا كَذَلِكَ.
قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ جَارِيَةً فَبَاعَهَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالْمَغْصُوبُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ جَارِيَتِهِ فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ غَصَبَهَا إلَى أَنْ مَاتَتْ فَإِنْ ضَمَّنَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمَغْصُوبِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا قِيمَتُهَا إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ أَوْ يُضَمِّنُ الْمَغْصُوبُ الْمُشْتَرِيَ فَإِنْ ضَمَّنَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَةِ جَارِيَةِ الْمَغْصُوبِ لِأَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا إلَى أَنْ مَاتَتْ فِي يَدِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ مَا ضَمَّنَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي وَبِفَضْلٍ مِمَّنْ إنْ كَانَ قَبَضَهُ مِنْهُ عَلَى قِيمَتِهَا حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ فِي حَالٍ إلَّا قِيمَتُهَا.
قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ الْمَغْصُوبُ إجَازَةَ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا مُلِكَتْ مِلْكًا فَاسِدًا، وَلَا يَجُوزُ الْمِلْكُ الْفَاسِدُ إلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَتْ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لِلْمَغْصُوبِ قِيمَتُهَا، وَلَوْ وَلَدَتْ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي أَوْلَادًا فَمَاتَ بَعْضُهُمْ وَعَاشَ بَعْضُهُمْ خُيِّرَ الْمَغْصُوبُ فِي أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ وَقَدْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَمَهْرِهَا وَقِيمَةِ أَوْلَادِهَا يَوْمَ سَقَطُوا أَحْيَاءً، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَنْ سَقَطَ مِنْهُمْ مَيِّتًا، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ مَا ضَمَّنَهُ الْمَغْصُوبُ لَا قِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَمَهْرِهَا فَقَطْ.
وَلَوْ وُجِدَتْ الْجَارِيَةُ حَيَّةً أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ رَقِيقًا لَهُ وَصَدَاقَهَا، وَلَا يَأْخُذُ وَلَدَهَا، قَالَ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ أَصَابَهَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلَادًا فَعَاشَ بَعْضُهُمْ وَمَاتَ بَعْضٌ أَخَذَ الْمَغْصُوبُ الْجَارِيَةَ وَقِيمَةَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانُوا قِيمَةً وَالْأَحْيَاءَ فَاسْتَرَقَّهُمْ، وَلَيْسَ الْغَاصِبُ فِي هَذَا كَالْمُشْتَرِي.
الْمُشْتَرِي مَغْرُورٌ، وَالْغَاصِبُ لَمْ يَغُرَّهُ إلَّا نَفْسَهُ وَكَانَ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ لَمْ يَدَّعِ الشُّبْهَةَ الْحَدُّ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : فَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَطَاعَتْ الْغَاصِبَ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ زَانٍ بِهَا فَلَا مَهْرَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَهْرُ بَغْيٍ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَهْرِ الْبَغْيِ وَإِنْ كَانَتْ تَظُنُّ هِيَ

أَنَّ الْوَطْءَ حَلَالٌ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً عَلَى نَفْسِهَا فَلِصَاحِبِهَا الْمَهْرُ وَهُوَ زَانٍ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَرَأَيْت الْمَغْصُوبَ إذَا اخْتَارَ إجَازَةَ الْبَيْعِ لِمَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: الْبَيْعُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِرِضَا الْمَالِكِ وَالْمُشْتَرِي أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ كَانَ رَضِيَ بِالْبَيْعِ فَلِلْمَغْصُوبِ جَارِيَتُهُ كَمَا كَانَتْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَيْعٌ، وَأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْبَيْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا حُكْمَ الشُّبْهَةِ، وَأَنَّ الشُّبْهَةَ لَمْ تُغَيِّرْ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ فَإِذَا كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَخْذُ الْجَارِيَةِ، وَلَمْ يَنْفَعْ الْبَيْعُ الْمُشْتَرِيَ فَهِيَ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ لِلْمَغْصُوبِ وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ لَهُ حَبْسُهَا، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَاعَهَا غَاصِبٌ غَيْرُ مُوَكَّلٍ اُسْتُرِقَّ وَلَدُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُشْتَرِي إجَازَةُ الْبَيْعِ إلَّا بِأَنْ يُحْدِثَ الْمُشْتَرِي رِضًا بِالْبَيْعِ فَيَكُونُ بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِأَنْ يَقُولَ إنَّ رَبَّ الْجَارِيَةِ لَوْ كَانَ أَذِنَ بِبَيْعِهَا لَزِمَ الْبَيْعُ فَإِذَا أَذِنَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلِمَ لَا يَلْزَمُ؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: إذْنُهُ قَبْلَ الْبَيْعِ إذَا بِيعَتْ بِقَطْعِ خِيَارِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ رَدُّ الْجَارِيَةِ وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِمَنْ اشْتَرَاهَا، وَلَوْ أَوْلَدَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَحَلَالٌ لِلْمُشْتَرِي الْإِصَابَةُ وَالْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْعِتْقُ فَإِذَا بِيعَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ رَدُّ الْبَيْعِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ إلَّا وَالسِّلْعَةُ لَمْ تُمْلَكْ وَحَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ الْبَيْعُ وَحَرَامٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الْإِصَابَةُ لَوْ عَلِمَ وَيُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ فَإِذَا بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَلَا عِتْقُهُ فَالْحُكْمُ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الْبَيْعِ كَالْبَائِعِ الْمَالِكِ، وَأَنَّ الْإِذْنَ بَعْدَ الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ تَجْدِيدُ بَيْعٍ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ الْمُجَدَّدُ إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ بَاعَ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ أَوْ زَوَّجَ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ لَمْ يَجُزْ أَبَدًا إلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ أَلْزَمْتَ الْمُشْتَرِيَ الْمَهْرَ وَوَطْؤُهُ فِي الظَّاهِرِ كَانَ عِنْدَهُ حَلَالًا وَكَيْفَ رَدَدْتَهُ بِالْمَهْرِ وَهُوَ الْوَاطِئُ؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: أَمَّا إلْزَامُنَا إيَّاهُ الْمَهْرَ فَلِمَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْجِمَاعِ إذَا كَانَ بِشُبْهَةٍ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ فِي الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَهْرٌ كَانَ هَذَا جِمَاعًا يُدْرَأُ بِهِ الْحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِلشُّبْهَةِ، فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّمَا جَامَعَ مَا يَمْلِكُ عِنْدَ نَفْسِهِ قُلْنَا فَتِلْكَ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَرَأْنَا بِهَا الْحَدَّ، وَلَمْ نَحْكُمْ لَهُ فِيهَا بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّا نَرُدُّهَا رَقِيقًا وَنَجْعَلُ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ إذَا كَانُوا بِالْجِمَاعِ الَّذِي أَرَاهُ لَهُ مُبَاحًا فَأَلْزَمْنَاهُ قِيمَتَهُمْ كَانَ الْجِمَاعُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَازِمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فَإِذَا ضَمَّنَاهُ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُمْ بِسَبَبِ الْجِمَاعِ كَانَ الْجِمَاعُ أَوْلَى أَنْ نُضَمِّنَهُ إيَّاهُ وَتَضْمِينُ الْجِمَاعِ هُوَ تَضْمِينُ الصَّدَاقِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ أَلْزَمْته قِيمَةَ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكْهُمْ السَّيِّدُ إلَّا مَوْتَى؟ قِيلَ لَهُ لَمَّا كَانَ السَّيِّدُ يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ، وَكَانَ مَا وَلَدَتْ مَمْلُوكًا يَمْلِكُهَا إذَا وُطِئَتْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَكَانَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُمْ حِينَ وُلِدُوا فَلَمْ يَرُدَّهُمْ حَتَّى مَاتُوا ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ كَمَا يَضْمَنُ قِيمَةَ أُمِّهِمْ لَوْ مَاتَتْ، وَلَمَّا كَانَ الْمُشْتَرِي وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ كَانَ سُلْطَانُ الْمَغْصُوبِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَقُومُ مَقَامَهُمْ حِينَ وُلِدُوا فَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُ قِيمَتُهُمْ فَسَوَاءٌ مَاتُوا أَوْ عَاشُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَاشُوا لَمْ يُسْتَرَقُّوا.
قَالَ: وَإِذَا اغْتَصَبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ الْغَصْبِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجَهَالَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجَارِيَةُ وَالْعُقْرُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ، وَقَالَ: كُنْت أَرَانِي لَهَا ضَامِنًا، وَأَرَى هَذَا مَحَلَّ عُذْرٍ لَمْ يُحَدَّ وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْجَارِيَةُ وَالْعُقْرُ.
قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ فَبَاعَهَا فَسَوَاءٌ بَاعَهَا فِي الْمَوْسِمِ أَوْ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ تَحْتَ سِرْدَابٍ حَقُّ الْمَغْصُوبِ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ سَوَاءٌ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَجْنَبِيٌّ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي أَوْ الْغَاصِبِ جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهَا أَوْ بَعْضِهَا فَأَخَذَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا الْمَغْصُوبُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ يَدَيْ مَنْ أَخَذَهَا إذَا كَانَتْ نَفْسًا أَوْ تَضْمِينِهِ قِيمَتَهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَإِنْ كَانَتْ جُرْحًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ أَرْشِ الْجُرْحِ مِنْ الْجَانِي وَالْجَارِيَةِ مِنْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْ تَضْمِينِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مَا نَقَصَهَا الْجُرْحُ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَتَلَهَا أَوْ جَرَحَهَا فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَتَلَهَا فَلِمَالِكِهَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَتَلَهَا أَوْ قِيمَتُهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهَا ضَامِنًا.

قَالَ

وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ ثَوْبًا فَبَاعَهُ الْغَاصِبُ مِنْ رَجُلٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ الْمَغْصُوبُ أَخَذَهُ، وَكَانَ لَهُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ، وَبَيْنَ قِيمَتِهِ الَّتِي نَقَصَهُ إيَّاهَا اللُّبْسُ كَانَ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ عَشْرَةً فَنَقَصَهُ اللُّبْسُ خَمْسَةً فَيَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةً وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِينِ اللَّابِسِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْغَاصِبِ فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى اللَّابِسِ.

وَهَكَذَا إنْ غَصَبَ دَابَّةً فَرُكِبَتْ حَتَّى أُنْضِيَتْ كَانَتْ لَهُ دَابَّتُهُ وَمَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِهَا حِينَ غَصَبَهَا، وَلَسْت أَنْظُرُ فِي الْقِيمَةِ إلَى تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ بَدَنِ الْمَغْصُوبِ.

فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ رَجُلًا عَبْدًا صَحِيحًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَمَرِضَ فَاسْتَحَقَّهُ وَقِيمَتُهُ مَرِيضًا خَمْسُونَ أَخَذَ عَبْدَهُ وَخَمْسِينَ، وَلَوْ كَانَ الرَّقِيقُ يَوْمَ أَخَذَهُ أَغْلَى مِنْهُمْ يَوْمَ غَصَبَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهُ صَبِيًّا مَوْلُودًا قِيمَتُهُ دِينَارٌ يَوْمَ غَصَبَهُ فَشَبَّ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَشُلَّ أَوْ اعْوَرَّ وَغَلَا الرَّقِيقُ أَوْ لَمْ يَغْلُ فَكَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتَحَقَّهُ عِشْرِينَ دِينَارًا أَخَذَهُ وَقَوَّمْنَاهُ صَحِيحًا، وَأَشَلَّ أَوْ أَعْوَرَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا، وَأَشَلَّ أَوْ أَعْوَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ صَحِيحًا فَمَا حَدَثَ بِهِ مِنْ عَيْبٍ يُنْقِصُهُ فِي بَدَنِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ.

وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَهُ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ عَشَرَةٌ فَلَبِسَهُ حَتَّى أَخْلَقَ وَغَلَتْ الثِّيَابُ فَصَارَ يُسَاوِي عِشْرِينَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَيُقَوَّمُ الثَّوْبُ جَدِيدًا وَخَلَقًا ثُمَّ أُعْطِيَ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ جَدِيدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ ثُمَّ رَدَّهُ جَدِيدًا قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ لِرُخْصِ الثِّيَابِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ رَدَّهُ كَمَا أَخَذَهُ فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِأَنْ يَقُولَ قَدْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ فَالْقِيمَةُ لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً أَبَدًا إلَّا لِفَائِتٍ وَالثَّوْبُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا بِحَالِهِ غَيْرَ فَائِتٍ وَإِنَّمَا تَصِيرُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ بِالْفَوْتِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ غَصَبَ كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ أَخْذُ ثَوْبِهِ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَلَا عَلَيْهِ أَخْذُ ثَوْبِهِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سَوَاءً أَوْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ فَأَصَابَهَا عَيْبٌ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ بِجِنَايَةِ أَحَدٍ فَسَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ أَصَابَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُشْتَرِي يَسْلُكُ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي مِنْ السَّمَاءِ مَا سَلَكَ بِهَا فِي الْعُيُوبِ الَّتِي يَجْنِي عَلَيْهَا الْآدَمِيُّونَ.
قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ جَارِيَةً فَبَاعَهَا مِنْ آخَرَ فَحَدَثَ بِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ ثُمَّ جَاءَ الْمَغْصُوبُ فَاسْتَحَقَّهَا أَخَذَهَا وَكَانَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ مِنْ الْغَاصِبِ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ وَلِرَبِّ الْجَارِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ الْحَادِثُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ وَبِثَمَنِهَا الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ مَا اشْتَرَى وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ بِجِنَايَةِ آدَمِيٍّ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ دَابَّةً فَاسْتَغَلَّهَا أَوْ لَمْ يَسْتَغِلَّهَا وَلِمِثْلِهَا غَلَّةٌ أَوْ دَارًا فَسَكَنَهَا أَوْ أَكْرَاهَا أَوْ لَمْ يَسْكُنْهَا، وَلَمْ يُكْرِهَا وَلِمِثْلِهَا كِرَاءٌ أَوْ شَيْئًا مَا كَانَ مِمَّا لَهُ غَلَّةٌ اسْتَغَلَّهُ أَوْ لَمْ يَسْتَغِلَّهُ انْتَفَعَ بِهِ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهِ مِنْ حِينِ أَخَذَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ أَكْرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهِ فَالْمَغْصُوبُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءُ مَالِهِ أَوْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مِثْلِهِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ غَلَّةٌ بِضَمَانٍ إلَّا لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَضَى بِهَا لِلْمَالِكِ الَّذِي كَانَ أَخَذَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ وَاَلَّذِي كَانَ إنْ مَاتَ الْمُغِلُّ مَاتَ مِنْ مَالِهِ.
وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحْبِسَ الْمُغِلَّ حَبَسَهُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ رَدَّهُ، فَأَمَّا الْغَاصِبُ فَهُوَ ضِدُّ الْمُشْتَرِي.
الْغَاصِبُ أَخَذَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ حَبْسُ مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَوْ تَلِفَ الْمُغَلُّ كَانَ الْغَاصِبُ لَهُ ضَامِنًا حَتَّى يُؤَدِّيَ قِيمَتَهُ إلَى الَّذِي غَصَبَهُ إيَّاهُ، وَلَا يُطْرَحُ الضَّمَانُ لَهُ لَوْ تَلِفَ قِيمَةُ الْغَلَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يُتْلِفَ.
وَلَا يَجُوزُ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ أَوْ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَوْ حَبَسَ فَالْغَلَّةُ وَالسَّكَنُ لَهُ بِالضَّمَانِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْت فَأَمَّا أَنْ يَزْعُمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ غَلَّةً أَوْ سَكَنَ رَدَّ الْغَلَّةَ وَقِيمَةَ السُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَهَذَا

خَارِجٌ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ لَا هُوَ جَعَلَ ذَلِكَ لَهُ بِالضَّمَانِ، وَلَا هُوَ جَعَلَ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ إذَا كَانَ الْمَالِكُ مَغْصُوبًا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا كِرَاءَ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ كِرَاءَهُ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا عَلَى الَّذِي سَكَنَ إذَا اسْتَحَقَّ الدَّارَ رَبُّهَا كِرَاءُ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ لَهُ خِيَارٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْكِرَاءَ الَّذِي أَكْرَاهَا بِهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ مَفْسُوخٌ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اغْتَصَبَهُ أَرْضًا فَغَرَسَهَا نَخْلًا أَوْ أُصُولًا أَوْ بَنَى فِيهَا بِنَاءً أَوْ شَقَّ فِيهَا أَنْهَارًا كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِ الْأَرْضِ بِالْحَالِ الَّذِي اغْتَصَبَهُ إيَّاهَا وَكَانَ عَلَى الْبَانِي وَالْغَارِسِ أَنْ يَقْلَعَ بِنَاءَهُ وَغَرْسَهُ فَإِذَا قَلَعَهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَ الْقَلْعُ الْأَرْضَ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِ الْأَرْضَ بِحَالِهَا حِينَ أَخَذَهَا وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ بِمَا نَقَصَهَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ فِيهَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ فِيهَا عِرْقًا ظَالِمًا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، وَلَا يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَمْلِكَ مَالَ الْغَاصِبِ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ إيَّاهُ كَانَ مَا يَقْلَعُ الْغَاصِبُ مِنْهُ يَنْفَعُهُ أَوْ لَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْعُ قَلِيلِ مَالِهِ كَمَا لَهُ مَنْعُ كَثِيرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا كَانَ لَهُ دَفْنُهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ الدَّفْنُ وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهُ دَارًا فَزَوَّقَهَا كَانَ لَهُ قَلْعُ التَّزْوِيقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهُ قَلْعُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَقَلَ عَنْهَا تُرَابًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا نَقَلَ عَنْهَا حَتَّى يُوَفِّيَهُ إيَّاهَا بِالْحَالِ الَّتِي غَصَبَهُ إيَّاهَا عَلَيْهَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَغْصُوبُ كَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَغْصُوبِ أَنْ يُبْطِلَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
فَإِنْ تَأَوَّلَ رَجُلٌ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ لَا يَحْتَمِلُ لِرَجُلٍ شَيْئًا إلَّا احْتَمَلَ عَلَيْهِ خِلَافَهُ، وَوَجْهُهُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ: أَنْ لَا ضَرَرَ فِي أَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَالِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا ضِرَارَ فِي أَنْ يَمْنَعَ رَجُلٌ مِنْ مَالِهِ ضَرَرًا وَلِكُلٍّ مَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ أَحْدَثَ لِلنَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ حُكْمًا عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ، وَأَمْنَعَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَرَأَيْت رَجُلًا لَهُ بَيْتٌ يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي دَارِ رَجُلٍ لَهُ مَقْدِرَةٌ أَعْطَاهُ بِهِ مَا شَاءَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقِيمَةُ الْبَيْتِ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ، وَأَعْطَاهُ مَكَانَهُ دَارًا مَعَ الْمَالِ أَوْ رَقِيقًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى النَّظَرِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا الْكَثِيرَ بِهَذَا الْقَلِيلِ؟ أَوْ رَأَيْت رَجُلًا لَهُ قِطْعَةُ أَرْضٍ بَيْنَ أَرَاضِي رَجُلٍ لَا تُسَاوِي الْقِطْعَةَ دِرْهَمًا فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهَا مَمَرًّا بِمَا شَاءَ مِنْ الدُّنْيَا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَا لَا يَنْفَعُهُ بِمَا فِيهِ غِنَاهُ؟ أَوْ رَأَيْت رَجُلًا صِنَاعَتُهُ الْخِيَاطَةُ فَحَلَفَ رَجُلٌ أَنْ لَا يَسْتَخِيطَ غَيْرَهُ وَمَنَعَهُ هُوَ أَنْ يَخِيطَ لَهُ فَأَعْطَاهُ عَلَى مَا الْإِجَارَةُ فِيهِ دِرْهَمٌ مِائَةَ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ أَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَخِيطَ لَهُ؟ . أَوْ رَأَيْت رَجُلًا عِنْدَهُ أَمَةٌ عَمْيَاءُ لَا تَنْفَعُهُ أَعْطَاهُ بِهَا ابْنٌ لَهَا بَيْتَ مَالٍ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا؟ فَإِنْ قَالَ لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى النَّظَرِ لَهُ.
قُلْنَا: وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ إنَّمَا فَعَلْت هَذَا إضْرَارًا بِنَفْسِي وَإِضْرَارًا لِلطَّالِبِ إلَيَّ حَتَّى أَكُونَ جَمَعْت الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ قَالَ، وَإِنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ وَضَارَّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا فَعَلَ فِي مَالِهِ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ حَافِرُ الْبِئْرِ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ وَالْمُزَوِّقُ جِدَارَ الرَّجُلِ وَنَاقِلُ التُّرَابِ إلَى أَرْضِ الرَّجُلِ إنَّمَا فَعَلَ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَمَنَعَ مَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ مَالِهِ.
فَإِنْ كَانَ فِي رَدِّ التُّرَابِ وَدَفْنِ الْبِئْرِ مَا يَشْغَلُ الْأَرْضَ عَنْ رَبِّهَا حَتَّى يَمْنَعَهُ مَنْفَعَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، قِيلَ لِلَّذِي يُرِيدُ رَدَّ التُّرَابِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ تَرُدَّهُ وَيَكُونَ عَلَيْك كِرَاءُ الْأَرْضِ بِقَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي حَبَسْتهَا عَنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَدَعَهُ، وَقِيلَ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي الْبِئْرِ لَك الْخِيَارُ فِي أَنْ تَأْخُذَ حَافِرَ الْبِئْرِ بِدَفْنِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَا شَيْءَ لَك عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوْضِعِهَا مَنْفَعَةٌ حَتَّى تَكُونَ مَدْفُونَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَوْضِعِهَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً مَنْفَعَةٌ فِيمَا بُيِّنَ أَنَّ حُكْمَنَا لَك بِهَا إلَى أَنْ يَدْفِنَهَا فَيَكُونَ لَك أَجْرُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ عَنْك شَيْئًا مِنْ أَرْضِك.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ نَقَلَ مِنْ أَرْضِ الْمَغْصُوبِ تُرَابًا كَانَ مَنْفَعَةً لِلْأَرْضِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا أُخِذَ بِرَدِّهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ مِثْلِهِ بِحَالٍ أَبَدًا قُوِّمَتْ الْأَرْضُ وَعَلَيْهَا ذَلِكَ التُّرَابُ، وَقُوِّمَتْ بِحَالِهَا حِينَ أَخَذَهَا

ثُمَّ ضَمِنَ الْغَاصِبُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِحَالٍ وَإِنْ عَظُمَتْ فِيهِ الْمُؤْنَةُ كُلِّفَهُ.

قَالَ: وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ دَابَّةِ رَجُلٍ أَوْ رِجْلَهَا أَوْ جَرَحَهَا جُرْحًا مَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، قُوِّمَتْ الدَّابَّةُ مَجْرُوحَةً أَوْ مَقْطُوعَةً، ثُمَّ ضَمِنَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَالَ أَحَدٍ بِجِنَايَةٍ أَبَدًا.
قَالَ: وَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ رَجُلًا غَصَبَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَاهِدًا أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ شَاهِدًا أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهَا وَشَاهِدًا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِغَصْبِهِ إيَّاهَا أَوْ شَاهِدًا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِغَصْبِهَا وَآخَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغَصْبِهَا فَكُلُّ هَذَا مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ غَصْبَ يَوْمِ الْخَمِيسِ غَيْرُ غَصْبِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَفِعْلُ الْغَصْبِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ وَالْإِقْرَارُ يَوْمَ الْخَمِيسِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيُقَالُ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ احْلِفْ مَعَ أَيِّ شَاهِدَيْك شِئْت وَاسْتَحِقَّ الْجَارِيَةَ فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّهَا.

قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَرْضًا كَانَتْ بِيَدِ رَجُلٍ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا أَرْضُهُ فَأَقَامَ شَاهِدًا فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهَا أَرْضُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكٍ أَوْ وَرِثَهَا مِنْ مَالِكٍ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ مَالِكٌ أَوْ كَانَتْ مَوَاتًا فَأَحْيَاهَا فَوَصَفَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ الَّذِي يَصِحُّ، وَأَقَامَ شَاهِدًا غَيْرَهُ أَنَّهَا حِيزَةٌ لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهَا حِيزَةٌ شَهَادَةً، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا عَدَدٌ عُدُولٌ إذَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَيْزَهُ يَحْتَمِلُ مَا يَجُوزُ بِالْمِلْكِ وَمَا يَجُوزُ بِالْعَارِيَّةِ وَالْكِرَاءِ وَيَحْتَمِلُ مَا يَلِي أَرْضَهُ وَمَا يَلِي مَسْكَنَهُ وَيَحْتَمِلُ بِعَطِيَّةِ أَهْلِهَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي أَوْلَى بِالظَّاهِرِ مِنْ الْآخَرِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً أَبَدًا حَتَّى يَزِيدُوا فِيهَا مَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَيَسْتَحِقَّ.
قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْمِلْكِ وَشَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ الثَّانِي بِأَنَّهُ كَانَ يَحُوزُهَا وُقِفَ فَإِنْ قَالَ بِحَوْزِهَا بِمِلْكٍ فَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَإِنْ قَالَ يَحُوزُهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ وَيَسْتَحِقُّ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَبَاعَهَا مِنْ آخَرَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّ الْجَارِيَةِ وَالْجَارِيَةُ قَائِمَةٌ أَخَذَ الْجَارِيَةَ وَشَيْئًا إنْ كَانَ نَقَصَهَا وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا، فَتَعَدَّى فَضَاعَتْ فِي تَعَدِّيهِ فَضَمَّنَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ الْمَغْصُوبُ أَوْ الْمُكْرَى قِيمَةَ دَابَّتِهِ ثُمَّ ظَفِرَ بِالدَّابَّةِ بَعْدُ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَخَذَ الْبَدَلَ مِنْهَا وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيْعِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ظَهَرَ عَلَى الدَّابَّةِ رَدَدْت عَلَيْهِ الدَّابَّةَ وَرَدَّ مَا قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا إنْ كَانَتْ دَابَّتُهُ بِحَالِهَا يَوْمَ غَصَبَهَا أَوْ تَعَدَّى بِهَا أَوْ خَيْرِهَا حَالًا فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً قَبَضَهَا وَمَا نَقَصَتْ وَرَدَّ الْفَضْلَ عَنْ نُقْصَانِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْبُيُوعَ إنَّمَا الْبُيُوعُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ فَسَلَّمَ لَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ سِلْعَتَهُ، وَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدَيْهِ إلَيْهِ رَاضِيًا بِإِخْرَاجِهَا، وَالْمُشْتَرِي غَيْرُ عَاصٍ فِي أَخْذِهَا وَالْمُتَعَدِّي عَاصٍ فِي التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ، وَرَبُّ الدَّابَّةِ غَيْرُ بَائِعٍ لَهُ دَابَّتَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّابَّةَ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا فَلَمَّا كَانَ إنَّمَا أَخَذَ الْقِيمَةَ عَلَى أَنَّ دَابَّتَهُ فَائِتَةٌ ثُمَّ وَجَدَ الدَّابَّةَ كَانَ الْفَوْتُ قَدْ بَطَلَ وَكَانَتْ الدَّابَّةُ مَوْجُودَةً، وَلَوْ كَانَ هَذَا بَيْعًا مَا جَازَ أَنْ تُبَاعَ دَابَّتُهُ غَائِبَةً، وَلَوْ جَازَ فَهَلَكَتْ الدَّابَّةُ كَانَ لِلْغَاصِبِ وَالْمُتَعَدِّي أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ، وَلَوْ وُجِدَتْ مَعِيبَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: فَهِيَ لَا تُشْبِهُ الْبُيُوعَ، وَلَكِنَّهَا تُشْبِهُ الْجِنَايَاتِ.
قِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَنَى عَلَى عَيْنِ رَجُلٍ فَابْيَضَّتْ فَحُكِمَ لَهُ بِأَرْشِهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ فَقَائِلُ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرُدُّهُ بِالْأَرْشِ وَيَرُدُّهُ، وَلَوْ حُكِمَ لَهُ فِي سِنٍّ قُلِعَتْ مِنْ صَبِيٍّ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ نَبَتَتْ رَجَعَ بِالْأَرْشِ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ شَبَّهَهَا بِالْجِنَايَاتِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْقَوْلِ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهَا لَا تُشْبِهُ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَاتِ مَا فَاتَ فَلَمْ يَعُدْ فَهَذِهِ قَدْ عَادَتْ فَصَارَتْ غَيْرَ فَائِتَةٍ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَاغْتَصَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا فَتَعَدَّى عَلَيْهَا فَضَاعَتْ ثُمَّ اصْطَلَحَا مِنْ ثَمَنِهَا عَلَى

شَيْءٍ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى مَا لَزِمَ الْغَاصِبَ مِمَّا اسْتَهْلَكَ فَلَمَّا كَانَ مَالُهُ غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ كَانَ الصُّلْحُ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مَا عَلِمَا أَوْ عَلِمَ رَبُّ الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ لَهُ أَنَا اشْتَرِيهَا مِنْك وَهِيَ فِي يَدَيْ قَدْ عَرَفْتهَا فَبَاعَهُ إيَّاهَا بِشَيْءٍ قَدْ عَرَفَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فَإِنْ جَاءَ الْغَاصِبُ بِالدَّابَّةِ مَعِيبَةً عَيْبًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَآهُ، وَأَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ لَهُ بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمَغْصُوبِ الْبَائِعِ، أَوْ يَكُونُ الْعَيْبُ مِمَّا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَيَكُونُ لَهُ رَدُّ الدَّابَّةِ، وَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مَا نَقَصَهَا عَلَى الْغَاصِبِ فَإِنْ قَالَ الْمُتَعَدِّي بِالْغَصْبِ أَوْ فِي الْكِرَاءِ: إنَّ الدَّابَّةَ ضَاعَتْ فَأَنَا أَدْفَعُ إلَيْك قِيمَتَهَا فَقِيلَ ذَلِكَ مِنْهُ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ.
فَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ هَذَا بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ فَلَا تُجِيزُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْتَى أَوْ يُقَالُ هَذَا بَدَلٌ إنْ كَانَتْ ضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ فَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ لَزِمَهُ إذَا عَلِمَ بِأَنَّ الدَّابَّةَ لَمْ تَضِعْ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَخْذُهَا وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مَا كَانَ يَلْزَمُ لَهُ لَوْ كَانَتْ ضَائِعَةً فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ ضَائِعَةً كَانَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ أَوْ يَقُولُ قَائِلٌ قَوْلًا ثَالِثًا فَيَقُولُ: لَمَّا رَضِيَ بِقَوْلِهِ وَتَرَكَ اسْتِحْلَافَهُ كَمَا كَانَ الْحَاكِمُ مُسْتَحْلِفَهُ لَوْ ضَاعَتْ فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى حَالٍ فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إنْ كَانَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَإِنَّمَا كَذَبَ لِيَأْخُذَهَا فَلِلْمُشْتَرِي أَخْذُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ وَجَدَهَا فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي انْعَقَدَ إنْ كَانَ جَائِزًا بِكُلِّ حَالٍ جَازَ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا مَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً مُنْتَقَضًا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَالَيْنِ فَمَا بَالُهَا تُرَدُّ فِي إحْدَاهُمَا، وَلَا تُرَدُّ فِي الْأُخْرَى؟ . وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَهُوَ مَرْدُودٌ بِكُلِّ حَالٍ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا جَائِزَ، وَلَا فَاسِدَ، وَلَا جَائِزَ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ فِي آخَرَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ أَوْ الْعَبْدَ وَقَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ لِرَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ عَبْدُهُ غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَمَتُهُ غَصَبَهَا مِنْهُ قُلْنَا لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالْغَصْبِ إنْ أَقَمْتَ بَيِّنَةً عَلَى الْغَصْبِ دَفَعْنَا إلَيْك أَيَّهمَا أَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَنَقَضْنَا الْبَيْعَ، وَإِنْ لَمْ تُقِمْ بَيِّنَةً فَإِقْرَارُ الْبَائِعِ لَك إثْبَاتُ حَقٍّ لَك عَلَى نَفْسِهِ، وَإِبْطَالُ حَقٍّ لِغَيْرِك قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ لَك، وَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ وَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَضْمَنُ لَك قِيمَةَ أَيِّهِمَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ أَوْ يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ فَيَرُدَّهُ بِخِيَارِهِ فِي الْعَيْبِ وَخِيَارِهِ فِي الشَّرْطِ فَإِذَا رَدَّهُ كَانَ عَلَى الْمُقِرِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْك، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ غَاصِبٌ رَدَّهُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ شَاءَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اغْتَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَلَّكَ الْمُغْتَصِبُ الْبَائِعَ ذَلِكَ الْعَبْدَ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بِشِرَاءٍ صَحِيحٍ أَوْ وَجْهِ مِلْكٍ مَا كَانَ ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّمَا ادَّعَيْت مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك مَا أَمْلِكُ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ الْبَيْعُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تَشْهَدُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِلْبَائِعِ لَا عَلَيْهِ فَتَشْهَدُ لَهُ بِمَا يَرْجِعُ بِهِ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ مَشْهُودًا لَهُ لَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ أُكَذِّبُهُمْ فَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِي الْحُكْمِ لِإِكْذَابِهِ بَيِّنَتَهُ، وَيَنْبَغِي فِي الْوَرَعِ أَنْ يُجَدِّدَا بَيْعًا أَوْ يَرُدَّهُ الْمُشْتَرِي.
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ شَهِدَتْ فَكَانَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ.
قَالَ: وَإِنْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَصْبٍ وَكَانَ الْمَغْصُوبُ أَوْ وَرَثَتُهُ قِيَامًا رُدَّ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فَاسِدًا وَيُرَدُّ إلَى الْمَغْصُوبِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَصَدَّقَ الْغَاصِبُ وَالْمُشْتَرِي الْمُدَّعِيَ أَنَّهُ غَصَبَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعِتْقِ وَمَضَى الْعِتْقُ وَرَدَدْنَا الْمَغْصُوبَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فِي أَكْثَرِ مَا كَانَ قِيمَةً

وَإِنْ أَحَبَّ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ فَإِنْ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ الْبَائِعِ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُعْتِقَ يُقِرُّ أَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ ثُمَّ جَاءَ الْمَغْصُوبُ فَأَرَادَ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ جَائِزًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ مُحَرَّمًا فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ إجَازَةُ الْمُحَرَّمِ، وَيَكُونُ لَهُ تَجْدِيدُ بَيْعٍ حَلَالٍ هُوَ غَيْرُ الْحَرَامِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ امْرَأً بَاعَ جَارِيَةً لَهُ وَشَرَطَ نَفْسُهُ فِيهَا الْخِيَارَ أَمَا كَانَ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إمْضَاءَهُ فَيُلْزِمُ الْمُشْتَرِيَ بِأَنَّ لَهُ الْخِيَارَ دُونَ الْبَائِعِ؟ قِيلَ بَلَى فَإِنْ قَالَ فَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟ . قِيلَ: هَذِهِ بَاعَهَا مَالِكُهَا بَيْعًا حَلَالًا وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى شَرْطِهِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَاصٍ لِلَّهِ، وَلَا الْبَائِعُ وَالْغَاصِبُ وَالْمُشْتَرِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ عَاصِيَانِ لِلَّهِ، وَهَذَا بَائِعٌ مَا لَيْسَ لَهُ وَهَذَا مُشْتَرٍ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فَلَا يُقَاسَ الْحَرَامُ عَلَى الْحَلَالِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ رَبِّ الْجَارِيَةِ جَارِيَتَهُ لَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا شَرَطَهُ؟ أَفَيَكُونُ لِمُشْتَرِي الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهَا أَوْ رَدِّهَا؟ فَإِنْ قَالَ لَا قِيلَ: وَلَوْ شَرَطَ الْغَاصِبُ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ؟ فَإِنْ قَالَ لَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ قِيلَ: وَلَكِنَّ الَّذِي يَمْلِكُهَا لَوْ شَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ جَازَ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ أَفَلَا تَرَى أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَكَيْفَ يُقَاسُ أَحَدُ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْآخَرِ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَأَقَرَّ الْغَاصِبُ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ جَارِيَةً وَقَالَ: ثَمَنُهَا عَشَرَةٌ.
وَقَالَ الْمَغْصُوبُ: ثَمَنُهَا مِائَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تَقُومُ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ التَّقْوِيمَ عَلَى الصِّفَةِ لَا يُضْبَطُ قَدْ تَكُونُ الْجَارِيَتَانِ بِصِفَةٍ، وَلَوْنٍ وَسِنٍّ وَبَيْنَهُمَا كَثِيرٌ فِي الْقِيمَةِ بِشَيْءٍ يَكُونُ فِي الرُّوحِ وَالْعَقْلِ وَاللِّسَانِ فَلَا يُضْبَطُ إلَّا بِالْمُعَايَنَةِ فَيُقَالُ لِرَبِّ الْجَارِيَةِ: إنْ رَضِيتَ وَإِلَّا فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أُخِذَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا أُحَلِّفُ لَهُ الْغَاصِبَ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ جَارِيَةً فَهَلَكَتْ الْجَارِيَةُ فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يُثْبِتْ الشَّاهِدَانِ عَلَى قِيمَتِهَا كَانَ الْقَوْلُ فِي قِيمَتِهَا قَوْلَ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ وَصَفَهَا الشَّاهِدَانِ بِصِفَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً عُلِمَ أَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِمَّا قَالَ الْغَاصِبُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ دَاءٌ أَوْ غَائِلَةٌ تَخْفَى يَصِيرُ بِهَا ثَمَنُهَا إلَى مَا قَالَ الْغَاصِبُ فَإِذَا أَمْكَنَ مَا قَالَ الْغَاصِبُ بِحَالٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا قَوْلُ مَنْ يَغْرَمُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ خِلَافُ مَا أَقَرَّ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّا نَجْعَلُ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ الْقَوْلَ قَوْلَهُ؟ فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ غَصَبَنِي أَوْ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَمْ نُلْزِمْهُ شَيْئًا لَمْ يُقِرَّ بِهِ فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ كَانَ الْأَقَلُّ أَوْلَى أَنْ نُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِيهِ، وَلَا تَجُوزُ الْقِيمَةُ عَلَى مَا لَا يَرَى، وَذَلِكَ أَنَّا نُدْرِكُ مَا وَصَفْت مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَارِيَتَيْنِ تَكُونَانِ فِي صِفَةٍ وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ ثَمَنًا مِنْ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلَا تَكُونُ الْقِيَمُ إلَّا عَلَى مَا عُويِنَ.
أَوَلَا تَرَى أَنَّ فِيمَا عُويِنَ لَا نُوَلِّي الْقِيمَةَ فِيهِ إلَّا أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يُقَوِّمُونَهُ فِيهِ؟ ، وَلَا تَجُوزُ لَهُمْ الْقِيمَةُ حَتَّى يَكْشِفُوا عَنْ الْغَائِلَةِ وَالْأَدْوَاءِ ثُمَّ يَقِيسُوهُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ يَكُونُ أَكْثَرُ مَا عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ تَآخِي قَدْرَ الْقِيمَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ التَّقْوِيمُ عَلَى الْمَغِيبِ.
فَإِنْ قَالَ: صِفَتُهُ كَذَا، وَلَا أَعْرِفُ قِيمَتَهُ قُلْنَا لِرَبِّ الثَّوْبِ ادَّعِ فِي قِيمَتِهِ مَا شِئْت فَإِذَا فَعَلَ قُلْنَا لِلْغَاصِبِ قَدْ ادَّعَى مَا تَسْمَعُ فَإِنْ عَرَفْته فَأَدِّهِ إلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ فَأَقِرَّ بِمَا شِئْت نُحَلِّفُك عَلَيْهِ وَتَدْفَعُهُ إلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ لَا أَحْلِفُ قُلْنَا فَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ فَيَحْلِفَ عَلَيْك وَيَسْتَحِقَّ مَا ادَّعَى إنْ ثَبَتَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْيَمِينِ فَإِنْ حَلَفَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ هَذَا لَهُ فَقَدْ جَاءَ بِمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ امْتَنَعَ أَحْلَفْنَا الْمُدَّعِيَ ثُمَّ أَلْزَمْنَاهُ جَمِيعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَرَادَ الْيَمِينَ بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعِي لَمْ نُعْطِهِ إيَّاهَا فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى

أَقَلَّ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي أَعْطَيْنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْلَى مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا حَبًّا أَوْ تَمْرًا أَوْ أُدْمًا فَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ بِحَالٍ مِنْ الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مَا كَانَ قِيمَةً قَطُّ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَصْلًا فَأَثْمَرَ أَوْ غَنَمًا فَتَوَالَدَتْ، وَأَصَابَ مِنْ صُوفِهَا، وَأَلْبَانِهَا كَانَ لِرَبِّ الْأَصْلِ وَالْغَنَمِ وَكُلِّ مَاشِيَةٍ أَنْ يَأْخُذَ مَاشِيَتَهُ، وَأَصْلَهُ مِنْ الْغَاصِبِ إنْ كَانَ بِحَالِهِ حِينَ غَصَبَهُ أَوْ خَيْرًا، وَإِنْ نَقَصَ أَخَذَهُ وَالنُّقْصَانَ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَتْلَفَ مِنْ الثَّمَرَةِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِثْلَهَا إنْ كَانَ لَهَا مِثْلٌ أَوْ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ، وَقِيمَةَ مَا أَتْلَفَ مِنْ نِتَاجِ الْمَاشِيَةِ وَمِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْ لَبَنِهَا أَوْ قِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَمِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْ صُوفِهَا وَشَعْرِهَا إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَإِلَّا قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَعْلَفَهَا أَوْ هَنَّأَهَا وَهِيَ جُرْبٌ أَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا مِنْ حِفْظِهَا أَوْ سَقَى الْأَصْلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصْلُ مَا يُحْدِثُ الْغَاصِبُ فِيمَا اغْتَصَبَ شَيْئَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ تُمَيَّزُ وَعَيْنٌ مَوْجُودَةٌ لَا تُمَيَّزُ.
وَالثَّانِي: أَثَرٌ لَا عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ.
فَأَمَّا الْأَثَرُ: الَّذِي لَيْسَ بِعَيْنٍ مَوْجُودَةٍ فَمِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَاشِيَةِ يَغْصِبُهَا صِغَارًا وَالرَّقِيقُ يَغْصِبُهُمْ صِغَارًا بِهِمْ مَرَضٌ فَيُدَاوِيهِمْ وَتَعْظُمُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُمْ وَقَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ أَضْعَافَ أَثْمَانِهِمْ، وَإِنَّمَا مَالُهُ فِي أَثَرٍ عَلَيْهِمْ لَا عَيْنٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ فِي الدَّوَابِّ وَالْأَعْبُدِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَلُحَ بِهِ الْجَسَدُ لَا شَيْءٌ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ مَعَ الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ؟ وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَغْسِلُهُ وَيُكْمِدُهُ وَكَذَلِكَ الطِّينُ يَغْصِبُهُ فَيَبُلُّهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ لَبَنًا فَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ أَثَرٌ لَيْسَ بِعَيْنٍ مِنْ مَالِهِ وُجِدَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ تَتَمَيَّزُ فَيُعْطَاهُ، وَلَا عَيْنٍ تَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ، وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ وَالْعَيْنُ الْمَوْجُودَةُ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ أَنْ يَغْصِبَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ الَّذِي قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَيَصْبُغُهُ بِزَعْفَرَانٍ فَيَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ خَمْسَةٌ فَيُقَالُ لِلْغَاصِبِ: إنْ شِئْت أَنْ تَسْتَخْرِجَ الزَّعْفَرَانَ عَلَى أَنَّك ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ مِنْ الثَّوْبِ وَإِنْ شِئْت فَأَنْتَ شَرِيكٌ فِي الثَّوْبِ لَك ثُلُثُهُ وَلِصَاحِبِ الثَّوْبِ ثُلُثَاهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَهَكَذَا كُلُّ صَبْغٍ كَانَ قَائِمًا فَزَادَ فِيهِ، وَإِنْ صَبَغَهُ بِصَبْغٍ يَزِيدُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الصَّبْغَ فَإِنَّمَا يُقَوَّمُ الثَّوْبُ فَإِنْ كَانَ الصَّبْغُ زَائِدًا فِي قِيمَتِهِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَهَكَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ زَائِدٍ فِي قِيمَتِهِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ لَك هَهُنَا مَالٌ زَادَ فِي مَالِ الرَّجُلِ فَتَكُونُ شَرِيكًا لَهُ بِهِ فَإِنْ شِئْت فَاسْتَخْرِجْ الصَّبْغَ عَلَى أَنَّك ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ الثَّوْبَ وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الصَّبْغُ مِمَّا يُنْقِصُ الثَّوْبَ قِيلَ لَهُ أَنْتَ أَضْرَرْت بِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَأَدْخَلْت عَلَيْهِ النَّقْصَ فَإِنْ شِئْت فَاسْتَخْرِجْ صَبْغَك وَتَضْمَنُ مَا نَقَصَ الثَّوْبَ وَإِنْ شِئْت فَلَا شَيْءَ لَك فِي صَبْغِك وَتَضْمَنُ مَا نَقَصَ الثَّوْبَ بِكُلِّ حَالٍ قَالَ وَمِنْ الشَّيْءِ الَّذِي يَخْلِطُهُ الْغَاصِبُ بِمَا اغْتَصَبَ فَلَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ أَنْ يَغْصِبَهُ مِكْيَالَ زَيْتٍ فَيَصُبَّهُ فِي زَيْتٍ مِثْلِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ فَيُقَالُ لِلْغَاصِبِ إنْ شِئْت أَعْطَيْته مِكْيَالَ زَيْتٍ مِثْلَ زَيْتِهِ وَإِنْ شِئْت أَخَذَ مِنْ هَذَا الزَّيْتِ مِكْيَالًا ثُمَّ كَانَ غَيْرَ مُزْدَادٍ إذَا كَانَ زَيْتُك مِثْلَ زَيْتِهِ، وَكُنْت تَارِكًا لِلْفَضْلِ إذَا كَانَ زَيْتُك أَكْثَرَ مِنْ زَيْتِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَقِصٍ فَإِنْ كَانَ صَبَّ ذَلِكَ الْمِكْيَالَ فِي زَيْتٍ شَرٍّ مِنْ زَيْتِهِ ضَمِنَ الْغَاصِبُ لَهُ مِثْلَ زَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْتَقَصَ زَيْتَهُ بِتَصْيِيرِهِ فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ صَبَّ زَيْتَهُ فِي بَانٍ أَوْ شَيْرَقٍ أَوْ دُهْنٍ طَيِّبٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ ضَمِنَ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ الزَّيْتُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِكْيَالًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمِكْيَالُ مِنْهُ خَيْرًا مِنْ الزَّيْتِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ غَيْرُ الزَّيْتِ، وَلَوْ كَانَ صَبَّهُ فِي مَاءٍ إنْ خَلَّصَهُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ زَيْتًا لَا مَاءَ فِيهِ وَتَكُونَ مُخَالَطَةُ الْمَاءِ غَيْرَ نَاقِصَةٍ لَهُ كَانَ لَازِمًا لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَقْبَلَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالَطَةُ الْمَاءِ نَاقِصَةً لَهُ فِي الْعَاجِلِ وَالْمُتَعَقِّبِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِكْيَالًا مِثْلَهُ مَكَانَهُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَيُعْطِيهِ هَذَا الزَّيْتَ بِعَيْنِهِ وَإِنْ نَقَصَهُ الْمَاءُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَقْصِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اغْتَصَبَ زَيْتًا فَأَغْلَاهُ عَلَى النَّارِ فَنَقَصَ

كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَمَا نَقَصَ مَكِيلَتَهُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّارُ تُنْقِصُهُ شَيْئًا فِي الْقِيمَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ نُقْصَانَهُ، وَإِنْ لَمْ تُنْقِصْهُ شَيْئًا فِي الْقِيمَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَلَوْ اغْتَصَبَهُ حِنْطَةً جَدِيدَةً خَلَطَهَا بِرَدِيئَةٍ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي الزَّيْتِ يَغْرَمُ لَهُ مِثْلَهَا بِمِثْلِ كَيْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمَيِّزَهَا حَتَّى تَكُونَ مَعْرُوفَةً وَإِنْ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ أَجْوَدَ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي الزَّيْتِ.
قَالَ: وَلَوْ خَلَطَهَا بِشَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ حَبٍّ غَيْرِ الْحِنْطَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِتَمْيِيزِهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ بِعَيْنِهَا بِمِثْلِ كَيْلِهَا، وَإِنْ نَقَصَ كَيْلَهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ.
قَالَ: وَلَوْ اغْتَصَبَهُ حِنْطَةً جَيِّدَةً فَأَصَابَهَا عِنْدَهُ مَاءٌ أَوْ عَفَنٌ أَوْ أَكَلَةٌ أَوْ دَخَلَهَا نَقْصٌ فِي عَيْنِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَقِيمَةُ مَا نَقَصَهَا تُقَوَّمُ بِالْحَالِ الَّتِي غَصَبَهَا وَالْحَالِ الَّتِي دَفَعَهَا بِهَا ثُمَّ يَغْرَمُ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ قَالَ، وَلَوْ غَصَبَهُ دَقِيقًا فَخَلَطَهُ بِدَقِيقٍ أَجْوَدَ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَرْدَأَ كَانَ كَمَا وَصَفْنَا فِي الزَّيْتِ.
قَالَ وَإِنْ غَصَبَهُ زَعْفَرَانًا وَثَوْبًا فَصَبَغَ الثَّوْبَ بِالزَّعْفَرَانِ كَانَ رَبُّ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ مَصْبُوغًا؛ لِأَنَّهُ زَعْفَرَانُهُ وَثَوْبُهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ يُقَوَّمُ ثَوْبُهُ أَبْيَضَ وَزَعْفَرَانُهُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ قُوِّمَ ثَوْبُهُ مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ضَمَّنَهُ خَمْسَةً؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ النَّقْصَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ غَصَبَهُ سَمْنًا وَعَسَلًا وَدَقِيقًا فَعَصَدَهُ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَهُ مَعْصُودًا، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي الْحَطَبِ وَالْقِدْرِ وَالْعَمَلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا لَهُ فِيهِ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ أَوْ يُقَوَّمُ لَهُ الْعَسَلُ مُنْفَرِدًا وَالسَّمْنُ وَالدَّقِيقُ مُنْفَرِدِينَ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ عَشَرَةً، وَهُوَ مَعْصُودٌ قِيمَتُهُ سَبْعَةٌ غَرِمَ لَهُ ثَلَاثَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ النَّقْصَ.
وَلَوْ غَصَبَهُ دَابَّةً وَشَعِيرًا فَعَلَفَ الدَّابَّةَ الشَّعِيرَ رَدَّ الدَّابَّةَ وَالشَّعِيرَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لَهُ، وَلَيْسَ فِي الدَّابَّةِ عَيْنٌ مِنْ الشَّعِيرِ يَأْخُذُهُ إنَّمَا فِيهَا مِنْهُ أَثَرٌ.

قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ وَالْمَغْصُوبُ لَا يَعْلَمُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالْإِطْعَامِ، وَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ يَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامُهُ فَأَكَلَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ سُلْطَانَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى أَخْذِ طَعَامِهِ فَقَدْ أَخَذَهُ.
قَالَ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمَغْصُوبُ: أَكَلْته، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامِي وَقَالَ الْغَاصِبُ: أَكَلْته، وَأَنْتَ تَعْلَمُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ يَخْفَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْؤُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَصَ عَمَلُهُ فِيهِ شَيْئًا فَيَرْجِعُ بِمَا نَقَصَهُ الْعَمَلُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ غَصَبَهُ ذَهَبَا فَحَمَلَ عَلَيْهِ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ فِضَّةً أَخَذَ بِتَمْيِيزِهِ بِالنَّارِ وَإِنْ نَقَصَتْ النَّارُ ذَهَبَهُ شَيْئًا ضَمِنَ مَا نَقَصَتْ النَّارُ وَزْنَ ذَهَبِهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ ذَهَبَهُ ثُمَّ نَظَرْنَا فَإِنْ كَانَتْ النَّارُ نَقَصَتْ مِنْ ذَهَبِهِ شَيْئًا فِي الْقِيمَةِ ضَمِنَ لَهُ مَا نَقَصَتْهُ النَّارُ فِي الْقِيمَةِ.
وَقَالَ: وَلَوْ سَبَكَهُ مَعَ ذَهَبٍ مِثْلِهِ أَوْ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ كَانَ هَذَا مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الزَّيْتِ.
قَالَ: وَلَوْ اغْتَصَبَهُ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ قَضِيبًا ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهِ قَضِيبًا مِنْ ذَهَبٍ غَيْرِهِ أَوْ قَضِيبًا مِنْ نُحَاسٍ أَوْ فِضَّةٍ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ قَضِيبَهُ إنْ كَانَ بِمِثْلِ الْوَزْنِ الَّذِي غَصَبَهُ بِهِ ثُمَّ نَظَرَ إلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِلَيْهِ فِي الْحَالِ الَّتِي غَصَبَهُ إيَّاهُ فِيهَا مَعًا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ حِينَ رَدَّهُ أَقَلَّ مِنْهَا حِينَ غَصَبَهُ ضَمِنَ لَهُ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ أَخَذَ ذَهَبَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا لِلْغَاصِبِ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ عَمَلٍ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ.

قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ شَاةً فَأَنْزَى عَلَيْهَا تَيْسًا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ كَانَتْ الشَّاةُ وَالْوَلَدُ لِلْمَغْصُوبِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَسْبِ التَّيْسِ مِنْ قِبَلِ شَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ثَمَنُ عَسْبِ الْفَحْلِ.
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَقَرَّهُ فِيهَا فَانْقَلَبَ الَّذِي أَقَرَّ إلَى غَيْرِهِ وَاَلَّذِي انْقَلَبَ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُمْلَكُ إنَّمَا يَمْلِكُهُ رَبُّ الشَّاةِ.

قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ نَقْرَةَ ذَهَبٍ فَضَرَبَهَا دَنَانِيرَ كَانَ لِرَبِّ النَّقْرَةِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ إنْ كَانَتْ بِمِثْلِ وَزْنِ النَّقْرَةِ، وَكَانَتْ بِمِثْلِ قِيمَةِ النَّقْرَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَةِ عَمَلِهِ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ وَإِنْ كَانَتْ يَنْقُصُ وَزْنُهَا أَخَذَ الدَّنَانِيرَ وَمَا نَقَصَ الْوَزْنَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا تَنْقُصُ مَعَ ذَلِكَ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ وَمَا نَقَصَ الْوَزْنَ وَمَا

نَقَصَ الْقِيمَةَ.
قَالَ: وَإِنْ غَصَبَهُ خَشَبَةً فَشَقَّهَا أَلْوَاحًا أَخَذَ رَبُّ الْخَشَبَةِ الْأَلْوَاحَ فَإِنْ كَانَتْ الْأَلْوَاحُ مِثْلَ قِيمَةِ الْخَشَبَةِ أَوْ أَكْثَرَ أَخَذَهَا، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَةِ قِيمَةِ الْأَلْوَاحِ عَلَى الْخَشَبَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَالَهُ فِيهَا أَثَرٌ لَا عَيْنٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَلْوَاحُ أَقَلَّ قِيمَةً مِنْ الْخَشَبَةِ أَخَذَهَا وَفَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُ عَمِلَ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ أَبْوَابًا، وَلَمْ يُدْخِلْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ كَانَ هَكَذَا، وَلَوْ أَدْخَلَ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ حَدِيدًا أَوْ خَشَبًا غَيْرَهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَيِّزَ مَالَهُ مِنْ مَالِ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ يَدْفَعَ إلَى الْمَغْصُوبِ مَالَهُ وَمَا نَقَصَ مَالَهُ إذَا مَيَّزَ مِنْهَا خَشَبَهُ وَحَدِيدَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدَعَ لَهُ ذَلِكَ مُتَطَوِّعًا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ لَوْحًا مِنْهَا فِي سَفِينَةٍ أَوْ بَنَى عَلَى لَوْحٍ مِنْهَا جِدَارًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِقَلْعِ ذَلِكَ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَى صَاحِبِهِ وَمَا نَقَصَهُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْخَيْطُ يَخِيطُ بِهِ الثَّوْبَ وَغَيْرَهُ فَإِنْ غَصَبَهُ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ إنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَنْزِعَ خَيْطَهُ مِنْ إنْسَانٍ، وَلَا حَيَوَانٍ حَيٍّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا فَرَّقَ بَيْنَ الْخَيْطِ يُخَاطُ بِهِ الثَّوْبُ وَفِي إخْرَاجِهِ إفْسَادٌ لِلثَّوْبِ وَفِي إخْرَاجِ اللَّوْحِ إفْسَادٌ لِلْبِنَاءِ وَالسَّفِينَةِ وَفِي إخْرَاجِ الْخَيْطِ مِنْ الْجُرْحِ إفْسَادٌ لِلْجُرْحِ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ أَحَدَهُمَا يَخْرُجُ مَعَ الْفَسَادِ وَالْآخَرَ لَا يَخْرُجُ مَعَ الْفَسَادِ؟ . قِيلَ لَهُ إنَّ هَدْمَ الْجِدَارِ وَقَلْعَ اللَّوْحِ مِنْ السَّفِينَةِ وَنَقْضَ الْخِيَاطَةِ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ عَلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا رُوحٌ تَتْلَفُ، وَلَا تَأْلَم؛ فَلَمَّا كَانَ مُبَاحًا لِمَالِكِهَا كَانَ مُبَاحًا لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَاسْتِخْرَاجُ الْخَيْطِ مِنْ الْجُرْحِ تَلَفٌ لِلْمَجْرُوحِ، وَأَلَمٌ عَلَيْهِ وَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يُتْلِفَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يُتْلِفَهُ إلَّا بِمَا أَذِنَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ، وَلَا يُؤْخَذُ الْحَقُّ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِمَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنْ كَانَ الْخَيْطُ فِي حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ فَلَا يُنْزَعُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» وَإِنْ كَانَ فِي حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ نُزِعَ الْخَيْطُ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ لَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا وَيَأْكُلَهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُعْسِرًا وَقَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صَبْغًا ثُمَّ قَالَ أَنَا أَغْسِلُهُ حَتَّى أُخْرِجَ صَبْغِي مِنْهُ لَمْ نُمَكِّنْهُ أَنْ يَغْسِلَهُ فَيُنْقِصَ عَلَيَّ ثَوْبِي وَهُوَ مُعْسِرٌ بِذَلِكَ.

قَالَ: وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً تَكُونُ نَفْسًا أَوْ أَقَلَّ حَمَّلْتُهَا عَاقِلَةَ الْحُرِّ، إنْ كَانَتْ خَطَأً وَقَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ ضَمَّنْتَ الْعَاقِلَةَ جِنَايَةَ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ؟ قِيلَ لَهُ لَمَّا كَانَتْ الْعَاقِلَةُ تَعْقِلُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِنَايَةَ الْحُرِّ عَلَى الْحُرِّ فِي النَّفْسِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِنَايَةَ الْحُرِّ عَلَى الْجَنِينِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ نَفْسٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا جَنَى الْحُرُّ مِنْ جِنَايَةِ خَطَأٍ كَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَعَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي جِنَايَةِ الْحُرِّ خَطَأً مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ فِي جِنَايَةِ الْحُرِّ الْعَمْدِ، وَفِيمَا اسْتَهْلَكَ الْحُرُّ مِنْ عُرُوضِ الْآدَمِيِّينَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ لَمْ تَجْعَلْ الْعَبْدَ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا فِيهِ قِيمَتُهُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْعُرُوضِ؟ قِيلَ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ وَدِيَةً مُسَلَّمَةً إلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّينَ دُونَ الْعُرُوضِ وَالْبَهَائِمِ.
وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ عَلَى قَاتِلِ الْعَبْدِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ كَمَا هِيَ عَلَى قَاتِلِ الْحُرِّ، وَلَا أَنَّ الرَّقَبَةَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ خَاصَّةً فَلَمَّا كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَانَتْ فِي الْعَبْدِ دِيَةٌ كَمَا كَانَتْ فِيهِ رَقَبَةٌ وَكَانَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْآيَةِ وَجُمْلَةِ السُّنَّةِ وَجُمْلَةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي أَنَّ فِيهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَدِيَتُهُ لَيْسَتْ كَدِيَةِ الْحُرِّ؟ قِيلَ وَالدِّيَاتُ مُبَيَّنَةُ الْفَرْضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمُبَيَّنَةُ الْعَدَدِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وَفِي الْآثَارِ فَإِنَّمَا يُسْتَدْرَكُ عَدَدُهَا خَبَرًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَعْقِلُ دِيَةَ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ وَدِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، وَهُمْ عِنْدَنَا مُخَالِفُونَ الْمُسْلِمَ؟ فَكَذَلِكَ تَعْقِلُ دِيَةَ الْعَبْدِ وَهِيَ قِيمَتُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ هَذَا؟ قِيلَ نَعَمْ بَيْنَ الْعَبِيدِ عِنْدَ الْعَامَّةِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَعِنْدَنَا فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ لَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَى الْعَبِيدِ فَرَائِضُ اللَّهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الْحَلَالِ وَفِيهِمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْبَهَائِمِ.
فَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَبْدًا عَلَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ لَمْ تَعْقِلْ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ، وَلَا سَيِّدُهُ وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي عُنُقِهِ دُونَ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ يُبَاعُ فِيهَا فَيُدْفَعُ إلَى وَلِيِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دِيَتُهُ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ الدِّيَةَ بَطَلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي عُنُقِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ أَنْ يَضْمَنَ سَيِّدُهُ عَنْهُ وَالْعَاقِلَةُ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا حِكْمَةٌ بِالْجَانِي لَا بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ثَمَنَ الْعَبْدِ إذَا قَتَلَ الْحُرَّ فَلَمَّا كَانَتْ لَا تَضْمَنُ ذَلِكَ عَنْهُ وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءً فِي عُنُقِهِ كَانَتْ كَذَلِكَ جِنَايَةُ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ سَوَاءً عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَانَ الْحُرُّ يَعْقِلُ عَنْهَا كَمَا تَعْقِلُ عَنْهُ.

قَالَ: وَإِذَا اسْتَعَارَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ إلَى مَوْضِعٍ فَتَعَدَّى بِهَا إلَى غَيْرِهِ فَعَطِبَتْ فِي التَّعَدِّي أَوْ بَعْدَ مَا رَدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعَارَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى مَالِكِهَا فَهُوَ لَهَا ضَامِنٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ الضَّمَانِ إلَّا بِأَنْ يُوصِلَهَا إلَى مَالِكِهَا سَالِمَةً وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ مِنْ حَيْثُ تَعَدَّى بِهَا مَعَ الضَّمَانِ.
قَالَ: وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ مِنْ مِصْرَ إلَى أَيْلَةَ فَتَعَدَّى بِهَا إلَى مَكَّةَ فَمَاتَتْ بِمَكَّةَ وَقَدْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْ رَبِّهَا ثَمَنَ عَشَرَةٍ فَنَقَصَتْ فِي الرُّكُوبِ حَتَّى صَارَتْ بأيلة ثَمَنَ خَمْسَةٍ ثُمَّ سَارَ بِهَا عَنْ أَيْلَةَ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَدَّى بِهَا مِنْهُ فَيَأْخُذُ كِرَاءَهَا إلَى أَيْلَةَ الَّذِي أَكْرَاهَا بِهِ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهَا مِنْ أَيْلَةَ خَمْسَةً وَيَأْخُذُ فِيمَا رَكِبَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى مَكَّةَ كِرَاءَ مِثْلِهَا لَا عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.

قَالَ: وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ طَعَامًا فَأَكَلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَتَّى أَبْلَاهُ وَذَهَبَ؛ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ عَلَى الْوَاهِبِ فَالْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْوَاهِبَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ إتْلَافِ مَالِهِ فَإِنْ أَخَذَهُ بِمِثْلِ طَعَامِهِ أَوْ قِيمَةِ ثَوْبِهِ فَلَا شَيْءَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا كَانَتْ هِبَتُهُ إيَّاهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَيَأْخُذُ الْمَوْهُوبَ لَهُ بِمِثْلِ طَعَامِهِ وَقِيمَةِ ثَوْبِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لَهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنْ يَرْجِعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ، وَقِيلَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ عِوَضًا فَيَرْجِعُ بِعِوَضِهِ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ غَرَّهُ مِنْ أَمْرٍ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ.
قَالَ: وَإِذَا اسْتَعَارَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ثَوْبًا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ فَلَبِسَهُ فَأَخْلَقَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ آخَرُ أَخَذَهُ وَقِيمَةَ مَا نَقَصَهُ اللُّبْسُ مِنْ يَوْمِ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ اللَّابِسِ أَوْ مِنْ الْآخِذِ لِثَوْبِهِ.
فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ اللَّابِسِ، وَكَانَ النَّقْصُ كُلُّهُ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى مَنْ أَعَارَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ النَّقْصَ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ مَالِهِ بِشَيْءٍ فَيَرْجِعُ بِهِ، وَإِنْ ضَمِنَهُ الْمُعِيرُ غَيْرُ اللَّابِسِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ، قَالَ: لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى اللُّبْسِ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشْرِقِيِّينَ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْحِجَازِيِّينَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْآثَارِ وَبِهِ نَأْخُذُ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا غَيْرَ أَنَّ مَكَانَ الْعَارِيَّةِ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ تَكَارَى الثَّوْبَ كَانَ

الْجَوَابُ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْأُولَى إلَّا أَنَّ الْمُسْتَكْرِي إذَا ضَمِنَ شَيْئًا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُكْرِي؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ مِنْ شَيْءٍ أَخَذَ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَإِنَّمَا لَبِسَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ بِعِوَضٍ وَيَكُونُ لِرَبِّ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ إجَارَةِ ثَوْبِهِ.

قَالَ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ قَبْلَ الرَّجُلِ دَعْوَى فَسَأَلَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحْلَفَهُ لَهُ الْقَاضِي، ثُمَّ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُدَّعِي فَإِنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَخَذَ لَهُ بِهَا وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَوْلَى مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي الْمُسْتَحْلِفِ حُضُورًا بِالْبَلَدِ أَوْ غُيَّبًا عَنْهُ فَلَا يَعْدُو هَذَا وَاحِدًا مِنْ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ بَرِئَ بِكُلِّ حَالٍ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَقُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يَكُونُ بَرِيئًا مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بِهَا، وَلَيْسَ لِقُرْبِ الشُّهُودِ وَبُعْدِهِمْ مَعْنًى، وَلَكِنَّ الشُّهُودَ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا اكْتَفَى فِيهِ بِالْيَمِينِ الْأُولَى، وَلَمْ تَعُدْ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
وَإِنَّمَا أَحَلَفْنَاهُ أَوَّلًا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَزُولُ هَذَا الْحُكْمُ وَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ مَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي مَا شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ.

قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ قَمْحًا فَطَحَنَهُ دَقِيقًا نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّقِيقِ مِثْلَ قِيمَةِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقِصْهُ شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّقِيقِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْحِنْطَةِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي الطَّحْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ.

[مَسْأَلَةُ الْمُسْتَكْرَهَةِ]

ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِهُ الْمَرْأَةَ أَوْ الْأَمَةَ يُصِيبُهَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقَ مِثْلِهَا، وَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا عُقُوبَةَ، وَعَلَى الْمُسْتَكْرِهِ حَدُّ الرَّجْمِ إنْ كَانَ ثَيِّبًا وَالْجَلْدُ وَالنَّفْيُ إنْ كَانَ بِكْرًا.
وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَلَا عُقُوبَةَ وَعَلَى الْمُسْتَكْرِهِ الْحَدُّ، وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالصَّدَاقُ مَعًا، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ فِيهِ مِنْ الْآثَارِ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ قَضَى فِي امْرَأَةٍ اسْتَكْرَهَهَا رَجُلٌ بِصَدَاقِهَا عَلَى الَّذِي اسْتَكْرَهَهَا، وَقَالَ الَّذِي احْتَجَّ بِهَذَا: إنَّ مَرْوَانَ رَجُلٌ قَدْ أَدْرَكَ عَامَّةَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ لَهُ عِلْمٌ وَمُشَاوَرَةٌ فِي الْعِلْمِ وَقَضَى بِهَذَا بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ فَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ قَضَاءَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ امْرَأَةً بِزِنًا فَأَرَادَ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ تَحَامَلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُفْضِيَهَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَصَارَتْ جِنَايَةً يَغْرَمُهَا فِي مَالِهِ وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ زَانِيًا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ أَنْ يُفْضِيَهَا، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ بِالْإِفْضَاءِ مِنْ الزِّنَا، وَلَمْ يَزْدَدْ بِالْإِفْضَاءِ إلَّا ذَنْبًا.

(قَالَ الرَّبِيعُ) : الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلًا إلَى أَجَلٍ فَمَاتَ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ فَاتَ الَّذِي حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلًا، وَلَمْ يُسَمِّ أَجَلًا فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ أَوْ فَاتَ الَّذِي حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ بِهِ أَنَّهُ حَانِثٌ.

[كِتَابُ الشُّفْعَةِ]

"

كِتَابُ الشُّفْعَةِ " (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ مَعْقُودَةً عَلَى الثَّوَابِ فَهُوَ كَمَا قَالَ إذَا أُثِيبَ مِنْهَا ثَوَابًا قِيلَ لِصَاحِبِ الشُّفْعَةِ إنْ شِئْت فَخُذْهَا بِمِثْلِ الثَّوَابِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ لَا مِثْلَ لَهُ، وَإِنْ شِئْت فَاتْرُكْ، وَإِذَا كَانَتْ الْهِبَةُ عَلَى غَيْرِ ثَوَابٍ فَأُثِيبَ الْوَاهِبُ فَلَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيمَا وُهِبَ إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا بِيعَ وَالْمُثِيبُ مُتَطَوِّعٌ بِالثَّوَابِ فَمَا بِيعَ، أَوْ وُهِبَ عَلَى ثَوَابٍ فَهُوَ مِثْلُ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ أَنْ يُثَابَ فَهُوَ عِوَضٌ مِنْ الْهِبَةِ مَجْهُولٌ فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَهُوَ بِالْبَيْعِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يُعْطَهُ إلَّا بِالْعِوَضِ وَهَكَذَا هَذَا لَمْ يُعْطَهُ إلَّا بِالْعِوَضِ وَالْعِوَضُ مَجْهُولٌ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْمَجْهُولِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَإِنَّ هَذَا كَالْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا، أَوْ حُرًّا عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَكُلُّ مَا مَلَكَ بِهِ مِمَّا فِيهِ عِوَضٌ فَلِلشَّفِيعِ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِالْعِوَضِ، وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا فِيهِ شُفْعَةٌ إلَى أَجَلٍ فَطَلَبَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ قِيلَ لَهُ: إنْ شِئْت فَتَطَوَّعْ بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَتَعَجَّلْ الشُّفْعَةَ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ ثُمَّ خُذْ بِالشُّفْعَةِ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَرْضَى بِأَمَانَةِ رَجُلٍ فَيَتَحَوَّلَ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَمْلَأَ مِنْهُ، قَالَ: وَلَا يَقْطَعُ الشُّفْعَةَ عَنْ الْغَائِبِ طُولُ الْغَيْبَةِ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهَا عَنْهُ أَنْ يَعْلَمَ فَيَتْرُكَ الشُّفْعَةَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَخْذُهَا فِيهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِوَكِيلِهِ.
قَالَ: وَلَوْ مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ ثَلَاثَةً مِنْ الْوَلَدِ ثُمَّ وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ رَجُلَانِ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلُودُ لَهُ وَدَارُهُمْ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ فَبِيعَ مِنْ الْمَيِّتِ حَقُّ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ فَأَرَادَ أَخُوهُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ دُونَ عُمُومَتِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ لَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ أَصْلُ سَهْمِهِمْ هَذَا فِيهَا وَاحِدٌ، فَلَمَّا كَانَ إذَا قُسِمَ أَصْلُ الْمَالِ كَانَ هَذَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الْأَصْلِ دُونَ عُمُومَتِهِمَا فَأَعْطَيْته الشُّفْعَةَ بِأَنَّ لَهُ شِرْكًا دُونَ شِرْكِهِمْ، وَهَذَا قَوْلٌ لَهُ وَجْهٌ وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ أَنَا إذَا ابْتَدَأْت الْقَسْمَ جَعَلْت لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمًا.
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ سَهْمِ صَاحِبِهِ فَهُمْ جَمِيعًا شُرَكَاءُ شَرِكَةً وَاحِدَةً فَهُمْ شَرْعٌ فِي الشُّفْعَةِ، وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ فِي الْقِيَاسِ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا وَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ فَأَرَادَ شُرَكَاؤُهُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَصَاحِبَ السُّدُسِ يَأْخُذُ سَهْمًا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ مِنْ الدَّارِ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَجْعَلُ الشُّفْعَةَ بِالْمِلْكِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِلْكًا مِنْ صَاحِبِهِ انْبَغَى بِقَدْرِ كَثْرَةِ مِلْكِهِ، وَلِهَذَا وَجْهٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُمَا فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَقُولُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ شُفْعَةً مِنْ الدَّارِ فَيُبَاعُ نِصْفُهَا، أَوْ مَا خَلَا حَقَّهُ مِنْهَا فَيُرِيدُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَيُقَالُ لَهُ خُذْ الْكُلَّ، أَوْ دَعْ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ قَلِيلِ الْمَالِ فِي الشُّفْعَةِ حُكْمَ كَثِيرِهِ كَانَ الشَّرِيكَانِ إذَا اجْتَمَعَا فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءً؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمِلْكِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ.

[مَا لَا يَقَعُ فِيهِ شُفْعَةٌ]

(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ عُثْمَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا بَيَاضٌ يَحْتَمِلُ مَقْسَمٍ أَوْ تَكُونَ وَاسِعَةً مُحْتَمِلَةً لَأَنْ تُقْسَمَ فَتَكُونَ بِئْرَيْنِ وَيَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَيْنٌ، أَوْ تَكُونَ الْبِئْرُ بَيْضَاءَ فَيَكُونَ فِيهَا شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْقَسْمَ قَالَ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي لَا تُمْلَكُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا بِهَا.
وَأَمَّا عَرْصَةُ الدَّارِ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ مُحْتَمِلَةٌ؛ لَأَنْ تَكُونَ مَقْسُومَةً وَلِلْقَوْمِ طَرِيقٌ إلَى مَنَازِلِهِمْ، فَإِذَا بِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ شِقْصًا فِي دَارٍ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ وَالْمُبْتَاعَ فَلَا شُفْعَةَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ عَقْدٌ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِرِضَاهُ وَجُعِلَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَفِيهَا الشُّفْعَةُ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيهَا حَتَّى يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي، أَوْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الَّذِي كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فَيَتِمُّ لَهُ الْبَيْعُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا أَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ مُنِعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْخِيَارِ الَّذِي كَانَ لَهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ دَارٌ فَاسْتَغَلَّهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ رَجَعَ الْمُسْتَحِقُّ، عَلَى الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ وَالْأَرْضُ بِجَمِيعِ الْغَلَّةِ مِنْ يَوْمِ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ وَثُبُوتُهُ يَوْمَ شَهِدَ شُهُودُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ، لَا يَوْمَ يُقْضَى لَهُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ الْيَوْمَ إلَّا مَا ثَبَتَ يَوْمَ شَهِدَ شُهُودُهُ، وَإِنَّمَا تُمْلَكُ الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ فِي الْمِلْكِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ فِي الْمِلْكِ حَدَثَتْ مِنْ شَيْءٍ الْمَالِكُ كَانَ يَمْلِكُهُ لَا غَيْرُهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ شِقْصًا لِغَيْرِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الثَّمَنَ بِنِسْيَانٍ أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا تَثَبَّتَ الثَّمَنَ، وَلَا شُفْعَةَ إلَى أَنْ يُقِيمَ الْمُسْتَشْفِعُ بَيِّنَةً فَيُؤْخَذَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ وَسَوَاءٌ قَدْ تَمَّ الشِّرَاءُ وَحَدِيثُهُ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ قَدْ يَكُونُ فِي الدَّهْرِ الطَّوِيلِ، وَالنِّسْيَانَ قَدْ يَكُونُ فِي الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ حِصَّةٌ فِي دَارٍ فَمَاتَ شَرِيكُهُ، وَهُوَ غَائِبٌ فَبَاعَ وَرَثَتُهُ قَبْلَ الْقَسْمِ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ الْقَسْمَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيكًا لَهُمْ غَيْرَ مُقَاسِمٍ

[بَابُ الْقِرَاضِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا فَأَدْخَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ غُلَامَهُ وَشَرَطَ الرِّبْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَارِضِ وَغُلَامِ رَبِّ الْمَالِ فَكُلُّ مَا مَلَكَ غُلَامُهُ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ لَا مِلْكٌ لِغُلَامِهِ إنَّمَا مِلْكُ الْعَبْدِ شَيْءٌ يُضَافُ إلَيْهِ لَا مِلْكٌ صَحِيحٌ فَهُوَ كَرَجُلٍ شَرَطَ لَهُ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ وَلِلْمُقَارِضِ ثُلُثَهُ.

[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْقِرَاضِ فِي الْعُرُوضِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: خِلَافَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْبُيُوعِ مَا يَجُوزُ إذَا تَفَاوَتَ أَمَدُهُ وَتَفَاحَشَ، وَإِنْ تَقَارَبَ رَدُّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كُلُّ قِرَاضٍ كَانَ فِي أَصْلِهِ فَاسِدًا فَلِلْمُقَارِضِ الْعَامِلِ فِيهِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلِرَبِّ الْمَالِ الْمَالُ وَرِبْحُهُ؛ لِأَنَّا إذَا أَفْسَدْنَا الْقِرَاضَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ إجَارَةَ قِرَاضٍ وَالْقِرَاضُ

غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْإِجَارَةِ إلَّا بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ»

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْبُيُوعُ وَجْهَانِ: حَلَالٌ لَا يُرَدُّ، وَحَرَامٌ يُرَدُّ.
وَسَوَاءٌ تَفَاحَشَ رَدُّهُ، أَوْ تَبَاعَدَ وَالتَّحْرِيمُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خَبَرٌ لَازِمٌ، وَالْآخَرُ: قِيَاسٌ.
وَكُلُّ مَا قِسْنَاهُ حَلَالًا حَكَمْنَا لَهُ حُكْمَ الْحَلَالِ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ وَكُلُّ مَا قِسْنَاهُ حَرَامًا حَكَمْنَا لَهُ حُكْمَ الْحَرَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَرُدَّ شَيْئًا حَرَّمْنَاهُ قِيَاسًا مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ يَوْمِهِ، وَلَا نَرُدَّهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ الْحَرَامُ لَا يَكُونُ حَلَالًا بِطُولِ السِّنِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حَرَامًا وَحَلَالًا بِالْعَقْدِ.

[الشَّرْطُ فِي الْقِرَاضِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ أَنْ أُقَارِضَك بِالشَّيْءِ جُزَافًا لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَعْرِفُهُ فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَحُزْ أَنْ أُقَارِضَك إلَى مُدَّةٍ مِنْ الْمُدَدِ.
وَذَلِكَ أَنِّي لَوْ دَفَعْت إلَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ

بِهَا سَنَةً فَبِعْت بِهَا وَاشْتَرَيْت فِي شَهْرٍ بَيْعًا فَرَبِحَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْت بِهَا كُنْت قَدْ اشْتَرَيْت بِمَالِي وَمَالِك غَيْرَ مُفَرِّقٍ، وَلَعَلِّي لَا أَرْضَى بِشَرِكَتِك فِيهِ وَاشْتَرَيْت بِرَأْسِ مَالٍ لِي لَا أَعْرِفُهُ لَعَلِّي لَوْ نَضَّ لِي لَمْ آمَنْك عَلَيْهِ، أَوْ لَا أُرِيدُ أَنْ يَغِيبَ عَنِّي كُلَّهُ فَيَجْمَعَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاضُ مَجْهُولًا عِنْدِي؛ لِأَنِّي لَمْ أَعْرِفْ كَمْ رَأْسُ مَالِي وَنَحْنُ لَمْ نُجِزْهُ بِجُزَافٍ وَيَجْمَعَ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الْجُزَافِ أَنِّي قَدْ رَضِيت بِالْجُزَافِ، وَلَمْ أَرْضَ بِأَنْ أُقَارِضَك بِهَذَا الَّذِي لَمْ أَعْرِفْهُ.

وَفِي بَابِ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ الْهِبَةَ وَقَبَضَهَا دَارًا، أَوْ أَرْضًا ثُمَّ عَوَّضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا عِوَضًا وَقَبَضَ الْوَاهِبُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا تَكُونُ فِيهِ شُفْعَةٌ وَبِهِ يَأْخُذُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ بِقِيمَةِ الْعِوَضِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْوَاهِبُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْعِوَضِ فِي قَوْلِهِمَا جَمِيعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَقَبَضَهُ ثُمَّ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ شَيْئًا فَقَبَضَهُ الْوَاهِبُ سُئِلَ الْوَاهِبُ فَإِنْ قَالَ: وَهَبْتهَا لِلثَّوَابِ كَانَ فِيهَا شُفْعَةٌ، وَإِنْ قَالَ وَهَبْتهَا لِغَيْرِ ثَوَابٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ وَكَانَتْ الْمُكَافَأَةُ كَابْتِدَاءِ الْهِبَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لِلْوَاهِبِ الثَّوَابُ إذَا قَالَ أَرَدْته، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا ثَوَابَ لِلْوَاهِبِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْهِبَةِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ وَهَبَهُ، وَلَا الثَّوَابُ مِنْهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إذَا وَهَبَ وَاشْتَرَطَ الثَّوَابَ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا، وَإِذَا وَهَبَ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ وَهَبَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

[السَّلَفُ فِي الْقِرَاضِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا وَأَبْضَعَ مِنْهُ بِضَاعَةً فَإِنْ كَانَ عَقَدَ الْقِرَاضَ عَلَى أَنَّهُ يَحْمِلُ لَهُ الْبِضَاعَةَ فَالْقِرَاضُ فَاسِدٌ يُفْسَخُ إنْ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَا تَقَارَضَا، وَلَمْ يَشْرِطَا مِنْ هَذَا شَيْئًا ثُمَّ حَمَلَ الْمُقَارِضُ لَهُ بِضَاعَةً فَالْقِرَاضُ جَائِزٌ، وَلَا يُفْسَخُ بِحَالٍ غَيْرَ أَنَّا نَأْمُرُهُمَا فِي الْفُتْيَا أَنْ لَا يَفْعَلَا هَذَا عَلَى عَادَةٍ، وَلَا لِعِلَّةٍ مِمَّا اُعْتُلَّ بِهِ، وَلَوْ عَادَا لِمَا ذَكَرْنَا كَرِهْنَاهُ لَهُمَا، وَلَمْ نُفْسِدْ بِهِ الْقِرَاضَ، وَلَا نُفْسِدُ الْعَقْدَ الَّذِي يَحِلُّ بِشَيْءٍ تَطَوُّعًا بِهِ، وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةُ الْعُقْدَةِ، وَلَا نُطْرِ إنَّمَا تَفْسُدُ بِمَا عُقِدَتْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا حَدَثَ بَعْدَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :

أَكْرَهُ مِنْهُ مَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ يَسْأَلَ صَاحِبَ الْمَالِ أَنْ يُسْلِفَهُ إيَّاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا كَرِهْته مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ الْمُقَارِضُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْمُسْلِفُ كَمْ أَسْلَفَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ.
الْمُحَاسَبَةُ فِي الْقِرَاضِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إلَّا قَوْلَهُ يُحْضِرُ الْمَالَ حَتَّى يُحَاسِبَهُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ صَادِقًا فَلَا يَضُرُّهُ يُحْضِرُ الْمَالَ، أَوْ لَا يُحْضِرُهُ.

[مَسْأَلَةُ الْبِضَاعَةِ]

(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ إذَا أَبْضَعَ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ بِبِضَاعَةٍ وَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهَا شَيْئًا فَإِنْ هَلَكَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ وَضَعَ فِيهَا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرْكَهُ، فَإِنْ وَجَدَ فِي يَدِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ، أَوْ السِّلْعَةَ الَّتِي مُلِكَتْ بِمَالِهِ، فَإِنْ هَلَكَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ إلَّا رَأْسَ الْمَالِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَمْلِكَهَا فَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهِ أَنْ يَمْلِكَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ - أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى فَاشْتَرَى شَيْئًا بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ فَرَبِحَ فِيهِ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ اشْتَرَى بِمَالٍ لَا بِعَيْنِهِ ثُمَّ نَقَدَ الْمَالَ فَهُوَ مُتَّحِدٌ بِالنَّقْدِ، وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْخَسْرَانُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْمَالِ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ فَنَقَدَهُ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ إنْ وَجَدَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فَصَاحِبُ الْمَالِ مُخَيَّرٌ إنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ مِنْ الدَّافِعِ، وَهُوَ الْمُقَارِضُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ مِنْ الَّذِي تَلِفَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ الْبَائِعُ.

[الْمُسَاقَاةُ]

ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ «إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي» أَنْ يَخْرُصَ النَّخْلَ كَأَنَّهُ خَرَصَهَا مِائَةَ وَسْقٍ وَعَشَرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ إذَا صَارَتْ تَمْرًا نَقَصَتْ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ فَصَحَّتْ مِنْهَا مِائَةُ وَسْقٍ تَمْرًا فَيَقُولُ إنْ شِئْتُمْ دَفَعْت إلَيْكُمْ النِّصْفَ الَّذِي لَيْسَ لَكُمْ الَّذِي أَنَا قَيِّمٌ بِحَقِّ أَهْلِهِ عَلَى أَنْ تَضْمَنُوا لِي خَمْسِينَ وَسْقًا تَمْرًا مِنْ تَمْرٍ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ وَلَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوهَا وَتَبِيعُوهَا رُطَبًا كَيْفَ شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي أَكُونُ هَكَذَا فِي نَصِيبِكُمْ فَأُسْلِمُ وَتُسْلِمُونَ إلَيَّ

أَنْصِبَاءَكُمْ وَأَضْمَنُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَكِيلَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْبَيَاضُ بَيْنَ أَضْعَافِ النَّخْلِ جَازَ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ كَمَا يَجُوزُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا عَنْ النَّخْلِ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ لَمْ تَجُزْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَلَمْ تَصِحَّ إلَّا أَنْ يَكْتَرِيَ كِرَاءً، وَسَوَاءٌ قَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ، وَلَا حَدَّ فِيهِ إلَّا مَا وَصَفْت وَلَيْسَ لِلْمُسَاقِي فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ إلَّا بِإِذْنِ مَالِك النَّخْلِ، وَإِنْ زَرَعَهَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَهُوَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ دَخَلَ عَلَى الْإِجَارَةِ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ وَيَحْفَظَ بِأَنَّ لَهُ شَيْئًا مِنْ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ التَّمْرِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ الْمُؤْنَةِ شَيْئًا غَيْرَ عَمَلِ يَدَيْهِ وَتَكُونَ أُجْرَتُهُ شَيْئًا مِنْ الثِّمَارِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِي الْمُسَاقَاةِ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا وَرَضِيَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى هَذَا قَالَ وَكُلُّ مَا كَانَ مُسْتَزَادًا فِي الثَّمَرَةَ مِنْ إصْلَاحٍ لِلْمَارِّ وَطَرِيقِ الْمَاءِ وَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَإِبَارِ النَّخْلِ وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الَّذِي يَضُرُّ بِالنَّخْلِ أَوْ يُنْشِفُ عَنْهُ الْمَاءَ حَتَّى يَضُرَّ بِثَمَرَتِهَا شَرَطَهُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ.
وَأَمَّا سَدُّ الْحِظَارِ فَلَيْسَ فِيهِ مُسْتَزَادٌ لِإِصْلَاحٍ فِي الثَّمَرَةِ، وَلَا يَصْلُحُ شَرْطُهُ عَلَى الْمُسَاقِي فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ أَصْلَحَ لِلنَّخْلِ أَنْ يُسَدَّ الْحِظَارُ فَكَذَلِكَ أَصْلَحُ لَهَا أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا حِظَارٌ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ لَا يُجِيزُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَلَيْسَ هَذَا الْإِصْلَاحُ مِنْ الِاسْتِزَادَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّخْلِ إنَّمَا هُوَ دَفْعُ الدَّاخِلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ فِيهِمَا بِالْخَرْصِ وَسَاقَى عَلَى النَّخْلِ وَثَمَرُهَا مُجْتَمِعٌ لَا حَائِلَ دُونَهُ وَلَيْسَ هَكَذَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَرِ كُلِّهِ دُونَهُ حَائِلٌ، وَهُوَ مُتَفَرِّقٌ غَيْرُ مُجْتَمِعٍ، وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ غَيْرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَهِيَ فِي الزَّرْعِ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ تَجُوزَ، وَلَوْ جَازَتْ إذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ جَازَتْ إذَا عَجَزَ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَنْ زَرْعِهَا أَنْ يُزَارِعَ فِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا.
وَقَالَ: إذَا أَجَزْنَا الْمُسَاقَاةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ ثَمَرًا بِتَرَاضِي رَبِّ الْمَالِ وَالْمُسَاقِي فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، وَقَدْ تُخْطِئُ الثَّمَرَةُ فَيَبْطُلُ عَمَلُ الْعَامِلِ وَتَكْثُرُ فَيَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ أَضْعَافًا كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ إذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَظَهَرَ أَجْوَزُ.
قَالَ: وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسَاقَاةَ فَأَجَزْنَاهَا بِإِجَازَتِهِ وَحَرَّمَ كِرَاءَ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَحَرَّمْنَاهَا بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنْ كَانَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّهُ إنَّمَا لِلْعَامِلِ فِي كُلٍّ بَعْضُ مَا يُخْرِجُ النَّخْلُ، أَوْ الْأَرْضُ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي سُنَّتِهِ إلَّا اتِّبَاعُهَا، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ النَّخْلَ شَيْءٌ قَائِمٌ مَعْرُوفٌ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْهُ أَنَّهُ يُثْمِرُ وَمِلْكُ النَّخْلِ لِصَاحِبِهِ وَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا قَائِمًا إنَّمَا يَحْدُثُ فِيهَا شَيْءٌ بَعْدُ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ الْمُضَارَبَةَ فِي الْمَالِ يَدْفَعُهُ رَبُّهُ فَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ بَعْضُ الْفَضْلِ، وَالنَّخْلُ أَبْيَنُ وَأَقْرَبُ مِنْ الْأَمَانِ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَكُلٌّ قَدْ يُخْطِئُ وَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَلَمْ يُجِزْ الْمُسْلِمُونَ أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ إلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَدَلَّتْ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أَنَّ الْإِجَارَاتِ إنَّمَا هِيَ شَيْءٌ لَمْ يُعْلَمْ إنَّمَا هُوَ عَمَلٌ يَحْدُثُ لَمْ يَكُنْ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ.
قَالَ:، وَإِذَا سَاقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَ فَكَانَ فِيهِ بَيَاضٌ لَا يُوصَلُ إلَى عَمَلِهِ إلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ فَكَانَ لَا يُوصَلُ إلَى سَقْيِهِ إلَّا بِشُرْبِ النَّخْلِ الْمَاءَ وَكَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ يَدْخُلُ فَيَسْقِي وَيَدْخُلُ عَلَى النَّخْلِ جَازَ أَنْ يُسَاقِي عَلَيْهِ مَعَ النَّخْل لَا مُنْفَرِدًا وَحْده، وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَفَعَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ النِّصْفَ مِنْ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ النِّصْفُ فَكَانَ الزَّرْعُ كَمَا وَصَفْت بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّخْلِ لَمْ يَجُزْ فَأَمَّا إذَا

انْفَرَدَ فَكَانَ بَيَاضًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى النَّخْلِ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يَحِلُّ فِيهِ إلَّا الْإِجَارَةُ.

[الشَّرْطُ فِي الرَّقِيقِ وَالْمُسَاقَاةِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ، وَالْمُسَاقُونَ عُمَّالُهَا» لَا عَامِلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا غَيْرُهُمْ، وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ لِلْمُسَاقِي أَنْ يُسَاقِيَ نَخْلًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ عُمَّالُ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ رَضِيَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ رَقِيقًا لَيْسُوا فِي الْحَائِطِ يَعْمَلُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ مَنْ فِيهِ وَعَمَلَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ سَوَاءٌ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ عَلَى الدَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ الْعَمَلُ كُلُّهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَائِطِ أَحَدٌ مِنْ رَقِيقِهِ وَجَوَازُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَشْبَهِ الْأُمُورِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى مَا تَشَارَطَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهِمْ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلْمُسَاقِي بِغَيْرِ أُجْرَةٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الْمُزَارَعَةُ]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَجُوزَ الْمُعَامَلَةُ فِي النَّخْلِ عَلَى الشَّيْءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَذَلِكَ اتِّبَاعٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ الْأَصْلَ مَوْجُودٌ يَدْفَعُهُ مَالِكُهُ إلَى مَنْ عَامَلَهُ عَلَيْهِ أَصْلًا يَتَمَيَّزُ لِيَكُونَ لِلْعَامِلِ بِعَمَلِهِ الْمُصْلِحِ لِلنَّخْلِ بَعْضُ الثَّمَرَةِ وَلِرَبِّ الْمَالِ بَعْضُهَا، وَإِنَّمَا أَجَزْنَا الْمُقَارَضَةَ قِيَاسًا عَلَى الْمُعَامَلَةِ عَلَى النَّخْلِ وَوَجَدْنَا رَبَّ الْمَالِ يَدْفَعُ مَالَهُ إلَى الْمُقَارِضِ يَعْمَلُ فِيهِ الْمُقَارِضُ فَيَكُونُ لَهُ بِعَمَلِهِ بَعْضُ الْفَضْلِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَالِ الْمُقَارَضَةِ لَوْلَا الْقِيَاسُ عَلَى السُّنَّةِ وَالْخَبَرِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِإِجَازَتِهَا أَوْلَى أَنْ لَا تَجُوزَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ عَلَى النَّخْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ فِي الْمَالِ فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْفَضْلُ فِيهِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا وَأَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ قَلَّمَا يَتَخَلَّفُ وَقَلَّمَا يَخْتَلِفُ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ تَقَارَبَ اخْتِلَافُهَا، وَإِنْ كَانَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّهُمَا مَغِيبَانِ مَعًا يَكْثُرُ الْفَضْلُ فِيهِمَا وَيَقِلُّ وَيَخْتَلِفُ.
وَتَدُلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا الرُّبُعِ، وَلَا جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَزَارِعَ يَقْبِضُ الْأَرْضَ بَيْضَاءَ لَا أَصْلَ فِيهَا، وَلَا زَرْعَ ثُمَّ يَسْتَحْدِثُ فِيهَا زَرْعًا وَالزَّرْعُ لَيْسَ بِأَصْلٍ وَاَلَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْمُزَارَعَةِ الْإِجَارَةُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ شَيْئًا إلَّا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ يَعْلَمَانِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمُسْتَأْجَرُ لِمَا وَصَفْت مِنْ السُّنَّةِ وَخِلَافُهَا لِلْأَصْلِ وَالْمَالُ يُدْفَعُ، وَهَذَا إذَا كَانَ النَّخْلُ مُنْفَرِدًا وَالْأَرْضُ لِلزَّرْعِ مُنْفَرِدَةً.
وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ كَمَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْمَنَازِلِ وَإِجَارَةُ الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ، وَإِذَا كَانَ النَّخْلُ مُنْفَرِدًا فَعَامَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَشَرَطَ أَنْ يَزْرَعَ مَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّخْلِ عَلَى الْمُعَامَلَةِ وَكَانَ مَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّخْلِ لَا يُسْقَى إلَّا مِنْ مَاءِ النَّخْلِ، وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ يُوصَلُ إلَى النَّخْلِ كَانَ هَذَا جَائِزًا وَكَانَ فِي حُكْمِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَمَنَافِعِهَا مِنْ الْجَرِيدِ وَالْكَرَانِيفِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مُنْفَرِدًا عَنْ النَّخْلِ لَهُ طَرِيقٌ يُؤْتَى مِنْهَا، أَوْ مَاءٌ يُشْرَبُ مَتَى شَرِبَهُ لَا يَكُونُ

شِرْبُهُ رَيًّا لِلنَّخْلِ، وَلَا شِرْبُ النَّخْلِ رَيًّا لَهُ لَمْ تَحِلَّ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ وَجَازَتْ إجَارَتُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُزَارَعَةِ لَا حُكْمِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَسَوَاءٌ قَلَّ الْبَيَاضُ فِي ذَلِكَ، أَوْ كَثُرَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت، وَهَذَا مُزَارِعُهُ؟ قِيلَ: كَانَتْ خَيْبَرُ نَخْلًا وَكَانَ الزَّرْعُ فِيهَا كَمَا وَصَفْت فَعَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ وَنَهَى فِي الزَّرْعِ الْمُنْفَرِدِ عَنْ الْمُعَامَلَةِ فَقُلْنَا فِي ذَلِكَ اتِّبَاعًا وَأَجَزْنَا مَا أَجَازَ وَرَدَدْنَا مَا رَدَّ وَفَرَّقْنَا بِفَرْقِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَيْنَهُمَا وَمَا بِهِ يَفْتَرِقَانِ مِنْ الِافْتِرَاقِ، أَوْ بِمَا وَصَفْت فَلَا يَحِلُّ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ سِنِينَ بِذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
(أَخْبَرَنَا) ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ» (أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ (أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ مَعْلُومَةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَكَ الرَّجُلَانِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَمِنْ عِنْدِهِمَا مَعًا الْبَذْرُ وَمِنْ عِنْدِهِمَا مَعًا الْبَقَرُ أَوْ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ تَعَامَلَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَا، أَوْ يَزْرَعَ أَحَدُهُمَا فَمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا لِلْآخَرِ فَلَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ فِي هَذَا إلَّا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ أَنْ يَبْذُرَا مَعًا وَيَمُونَانِ الزَّرْعَ مَعًا بِالْبَقَرِ وَغَيْرِهِ مُؤْنَةً وَاحِدَةً وَيَكُونَ رَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعًا بِالْأَرْضِ لِرَبِّ الزَّرْعِ، فَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الزَّارِعُ يَحْفَظُ أَوْ يَمُونُ بِقَدْرِهِ مَا سَلَّمَ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ فَيَكُونُ الْبَقَرُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ الْآلَةُ، أَوْ الْحِفْظُ، أَوْ مَا يَكُونُ صَلَاحًا مِنْ صَلَاحِ الزَّرْعِ فَالْمُعَامَلَةُ عَلَى هَذَا فَاسِدَةٌ فَإِنْ تَرَافَعَاهَا قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَا فُسِخَتْ، وَإِنْ تَرَافَعَاهَا بَعْدَمَا يَعْمَلَانِ فُسِخَتْ وَسُلِّمَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلَّذِي لَهُ الْبَذْرُ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ كِرَاءُ مِثْلِهَا، وَإِذَا كَانَ الْبَقَرُ مِنْ الْعَامِلِ، أَوْ الْحِفْظُ، أَوْ الْإِصْلَاحُ لِلزَّرْعِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الْبَذْرِ شَيْءٌ أَعْطَيْنَاهُ مِنْ الطَّعَامِ حِصَّتَهُ وَرَجَعَ الْحَافِظُ وَصَاحِبُ الْبَقَرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُ حِصَّتَهُ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ قِيمَةِ عَمَلِ الْبَقَرِ وَالْحِفْظِ وَمَا أَصْلَحَ بِهِ الزَّرْعَ فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَتَعَامَلَا مِنْ هَذَا عَلَى أَمْرٍ يَجُوزُ لَهُمَا تَعَامَلَا عَلَى مَا وَصَفْت أَوَّلًا، وَإِنْ أَرَادَا أَنْ يُحْدِثَا غَيْرَهُ تَكَارَى رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ رَبِّ الْبَقَرِ بَقَرَهُ وَآلَتَهُ وَحِرَاثَهُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً بِأَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ نِصْفَ الْأَرْضِ، أَوْ أَكْثَرَ يَزْرَعُهَا وَقْتًا مَعْلُومًا فَتَكُونَ الْإِجَارَةُ فِي الْبَقَرِ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ مَعْلُومُهُ كَمَا لَوْ اُبْتُدِئَتْ إجَارَتُهَا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَيَكُونَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَرْضِ بِكِرَاءٍ صَحِيحٍ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ كِرَاءَهُ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنْ شَاءَا أَنْ يَزْرَعَا وَيَكُونَ عَلَيْهِمَا مُؤْنَةُ صَلَاحِ الزَّرْعِ مُسْتَوِيَيْنِ فِيهَا حَتَّى يَقْسِمَا الزَّرْعَ كَانَ هَذَا جَائِزًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَرَعَ أَرْضًا لَهُ زَرْعُهَا وَيَبْذُرُ لَهُ فِيهَا مَا أَخْرَجَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَضْلًا عَنْ بَذْرِهِ، وَلَا فَضْلًا فِي الْحِفْظِ فَتَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ قَدْ انْعَقَدَتْ عَلَى مَا يَحِلُّ مِنْ الْمَعْلُومِ وَمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْمَجْهُولِ فَيَكُونُ فَاسِدًا.
قَالَ: وَلَا بَأْسَ لَوْ كَانَ كِرَاءُ الْأَرْضِ عِشْرِينَ دِينَارًا وَكِرَاءُ الْبَقَرِ دِينَارًا أَوْ مِائَةَ دِينَارٍ فَتَرَاضَيَا بِهَذَا كَمَا لَا يَكُونُ بَأْسٌ بِأَنْ أُكْرِيكَ بَقَرِي وَقِيمَةُ كِرَائِهَا مِائَةُ دِينَارٍ بِأَنْ يُخَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضٍ أَزْرَعُهَا سَنَةً قِيمَةُ كِرَائِهَا دِينَارٌ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعٌ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّغَابُنِ فِي الْبُيُوعِ، وَلَا فِي الْإِجَارَاتِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الْبَقَرَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَالْأَرْضَ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ كَانَ كِرَاءُ الْأَرْضِ كَكِرَاءِ الْبَقَرِ، أَوْ أَقَلَّ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا فَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ حَتَّى يَكُونَ عَقْدُهَا عَلَى اسْتِئْجَارِ الْبَقَرِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً وَعَمَلًا مَعْلُومًا بِأَرْضٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَرْثَ يَخْتَلِفُ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَيَجُودُ وَيَسُوءُ، وَلَا يَصْلُحُ إلَّا بِمِثْلِ مَا تَصْلُحُ بِهِ الْإِجَارَاتُ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَإِذَا زَرَعَا عَلَى هَذَا وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا فَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَيَرْجِعُ

صَاحِبُ الْبَقَرِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مَا أَصَابَهَا مِنْ الْعَمَلِ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ بِحِصَّةِ كِرَاءِ مَا زَرَعَ مِنْ أَرْضِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ الزَّرْعُ، أَوْ عُلَّ، أَوْ احْتَرَقَ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ الشَّيْءُ

[الْإِجَارَةُ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ]

ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ وَوَكِيلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ الْإِمَامُ الْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ أَرْضَ الْفَيْءِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَعَامٍ مَوْصُوفٍ يَقْبِضُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا أَجَرَهَا بِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَجَلًا مَعْلُومًا وَأَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ وَالْإِجَارَةُ فِي هَذَا مُخَالِفَةٌ لِمَا سِوَاهَا غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ إذَا اكْتَرَيْت أَرْضًا بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِثْلُهُ مِنْ مِثْلِهَا أَنْ يَقْبِضَ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ لَمْ أُفْسِدْ الْكِرَاءَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ وَهَذِهِ صِفَةٌ بِلَا عَيْنٍ، فَقَدْ لَا تُخْرِجُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَقَدْ تُخْرِجُهَا وَيَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الصِّفَةَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ بِصِفَةٍ فَلَا بَأْسَ مِنْ أَيْنَ أَعْطَاهُ، وَهَذَا خِلَافُ الْمُزَارَعَةِ الْمُزَارَعَةُ أَنْ تُكْرِيَ الْأَرْضَ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ثُلُثٌ أَوْ رُبُعٌ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، وَقَدْ يَخْرُجُ ذَلِكَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا فَاسِدًا وَصَحِيحًا وَهَذَا فَاسِدٌ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
قَالَ: وَإِذَا تَقَبَّلَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ مِنْ الرَّجُلِ سِنِينَ ثُمَّ أَعَارَهَا رَجُلًا، أَوْ أَكْرَاهَا إيَّاهُ فَزَرَعَ فِيهَا الرَّجُلُ فَالْعُشْرُ عَلَى الزَّارِعِ وَالْقَبَالَةُ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَهَكَذَا أَرْضُ الْخَرَاجِ إذَا تَقَبَّلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْوَالِي فَقَبَالَتهَا عَلَيْهِ فَإِنْ زَرَعَهَا غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ بِعَارِيَّةٍ، أَوْ كِرَاءٍ فَالْعَشْرُ عَلَى الزَّرَّاعِ وَالْقَبَالَةُ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَقَبِّلُ زَرَعَهَا كَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ الْقَبَالَةُ وَالْعُشْرُ فِي الزَّرْعِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَزَرَعَ أَرْضَ الْخَرَاجِ فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُ صُلْحٍ فَزَرَعَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُشْرٌ فِي زَرْعِهَا؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ زَكَاةٌ، وَلَا زَكَاةَ إلَّا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا أَعْرِفُ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فِي أَرْضِ السَّوَادِ بِالْعِرَاقِ مِنْ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا وَأَنَّ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا فِيهَا فَإِنْ كَانَتْ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ، فَلَوْ عَطَّلَهَا رَبُّهَا، أَوْ هَرَبَ أُخِذَ مِنْهُ خَرَاجُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ صُلْحُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَيَكُونَ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ، أَوْ مُتَقَبِّلُهَا، أَوْ وَالِي الْأَرْضِ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا أَنَّ الزَّارِعَ لَهَا لَهُ زَرْعُهُ مُسْلِمًا لَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الزَّارِعِ، وَقَدْ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، فَإِذَا ضَمِنَ عَنْهُ مَا لَا يَعْرِفُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ فَإِنْ أُدْرِكَتْ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ أُدْرِكَتْ بَعْدَمَا يَزْرَعُ فَلَهُ زَرْعُهُ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِ الْأَرْضِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً بِالْأَغْلَبِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي تَكَارَاهَا بِهِ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِمَّا أَكْرَاهُ بِهِ، أَوْ أَكْثَرَ قَالَ، وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ عَنْوَةً فَتَقَبَّلَهَا رَجُلٌ فَعَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهَا وَأَدَاءِ خَرَاجِهَا قِيلَ لَهُ إنْ أَدَّيْت خَرَاجَهَا تُرِكَتْ فِي يَدَيْك، وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّهِ فُسِخَتْ عَنْك وَكُنْت مُفْلِسًا وُجِدَ عَيْنُ الْمَالِ عِنْدَهُ وَدُفِعَتْ إلَى مَنْ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا.
قَالَ: وَلِلْعَامِلِ عَلَى الْعُشْرِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا صَدَقَةٌ فَلَهُ بِقَدْرِ أَجْرِ مِثْلِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ عَلَى أَيِّهِمَا عَمِلَ.
قَالَ: وَإِذَا فُتِحَتْ الْأَرْضُ عَنْوَةً فَجَمِيعُ مَا كَانَ عَامِرًا فِيهَا لِلَّذِينَ فَتَحُوهَا وَأَهْلِ الْخُمُسِ فَإِنْ

تَرَكُوا حُقُوقَهُمْ مِنْهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ لَهُمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ مَوَاتًا فَهُوَ لِمَنْ أَحْيَاهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ، وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِمَنْ فَتَحَ عَلَيْهِ فَيُمْلَكُ بِمِلْكِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ لَهُ» ، وَلَا يُتْرَكُ ذِمِّيٌّ يُحْيِيهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ لِمَنْ أَحْيَاهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكُونُ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَمْلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِلْكٌ لِمَنْ أَحْيَاهُ مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانَ فَتْحُهَا صُلْحًا فَهُوَ عَلَى مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ.

[كِرَاءُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ]

ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْعُرُوضِ وَقَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَكْثَرُ وَرَافِعٌ لَمْ يُخَالِفْهُ فِي أَنَّ الْكِرَاءَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ لَا بَأْسَ بِهِ إنَّمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيُ عَنْ كِرَائِهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالتَّمْرِ وَبِكُلِّ ثَمَرَةٍ يَحِلُّ بَيْعُهَا إلَّا أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكْرِيَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ: إنْ زُرِعَتْ حِنْطَةً كَرِهْت كِرَاءَهَا بِالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى أَنْ يَكُونَ كِرَاؤُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كِرَاؤُهَا بِالْحِنْطَةِ، وَإِنْ كَانَتْ إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ لَا يَلْزَمُهُ إذَا جَاءَ بِهَا عَلَى صِفَةِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَوْ جَاءَتْ الْأَرْضُ بِحِنْطَةٍ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَ صِفَتِهِ، وَإِذَا تَعَجَّلَ الْمُكْرِي الْأَرْضَ كِرَاءَهَا مِنْ الْحِنْطَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
قَالَ: وَلَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْمَوْزِ، وَلَا الْقَصَبِ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُمَا إلَى أَجَلٍ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُمَا إلَّا أَنْ يَرَيَا الْقَصَبَ جِزَةً وَالْمَوْزَ بِجَنَاهُ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُبَاعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَبِيعَهُمَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَا بِصِفَةٍ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا بِصِفَةٍ، وَلَا غَيْرِ صِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا كَرِهْنَا وَأَزْيَدَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ قَطُّ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَارَى الرَّجُلُ الْأَرْضَ لِلزَّرْعِ بِحِنْطَةٍ، أَوْ ذُرَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، أَوْ لَا تُنْبِتُهُ مِمَّا يَأْكُلُهُ بَنُو آدَمَ، أَوْ لَا يَأْكُلُونَهُ مِمَّا تَجُوزُ بِهِ إجَازَةُ الْعَبْدِ وَالدَّارِ إذَا قَبَضَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ دَفْعِ الْأَرْضِ، أَوْ مَعَ دَفْعِهَا كُلُّ مَا جَازَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالرَّقِيقِ جَازَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي الْأَرْضِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُزَارَعَةِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ» فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ فَأَمَّا مَا أَحَاطَ الْعِلْمُ أَنِّي قَدْ قَبَضْته وَدَفَعْت الْأَرْضَ إلَى صَاحِبِهَا فَلَيْسَ فِي مَعْنَى مَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ إنَّمَا مَعْنَى مَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ بِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ الْأَشْيَاءَ وَيَكُونُ أَلْفًا مِنْ الطَّعَامِ وَيَكُونُ إذَا كَانَ جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا غَيْرَ مَوْصُوفٍ، وَهَذَا يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إذَا كَانَ إجَارَةً مِنْ وَجْهِ أَنَّهُ مَجْهُولُ الْكَيْلِ وَالْإِجَارَةُ لَا تَحِلُّ بِهَذَا وَمِنْ وَجْهِ أَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ، وَلَوْ كَانَ مَعْرُوفَ الْكَيْلِ، وَهُوَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ لَمْ تَحِلَّ الْإِجَارَةُ بِهَذَا فَأَمَّا مَا فَارَقَ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَوْ شَرَطَ الْإِجَارَةَ إلَى أَجَلٍ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا أَجَلًا، وَلَمْ يَتَقَابَضَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ طَعَامٍ لَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، أَوْ هُوَ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ غَيْرَ الطَّعَامِ، أَوْ عَرْضٌ أَوْ ذَهَبٌ، أَوْ فِضَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ إذَا قَبَضَ الْأَرْضَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْإِجَارَةَ كَانَتْ إلَى أَجَلٍ، أَوْ غَيْرِ أَجَلٍ، وَإِنْ

شَرَطَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ مَكِيلٍ مِمَّا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ كَرِهْته احْتِيَاطًا، وَلَوْ وَقَعَ الْأَجْرُ بِهَذَا وَكَانَ طَعَامًا مَوْصُوفًا مَا أَفْسَدْته مِنْ قِبَلِ أَنَّ الطَّعَامَ مَكِيلٌ مَعْلُومُ الْكَيْلِ مَوْصُوفٌ مَعْلُومُ الصِّفَةِ وَأَنَّهُ لَازِمٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا، أَوْ لَمْ تُخْرِجْهُ، وَقَدْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ طَعَامًا بِغَيْرِ صِفَتِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أَنْ يَدْفَعَهُ وَيَدْفَعَهُ بِالصِّفَةِ فَعَلَى هَذَا الْبَابِ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الْأَرْضَ ذَاتَ الْمَاءِ مِنْ الْعَيْنِ، أَوْ النَّهْرِ نِيلٍ، أَوْ غَيْرِ نِيلٍ، أَوْ الْغِيلِ، أَوْ الْآبَارِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا غَلَّةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَزَرَعَهَا إحْدَى الْغَلَّتَيْنِ وَالْمَاءُ قَائِمٌ ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ فَذَهَبَ قَبْلَ الْغَلَّةِ الثَّانِيَةِ فَأَرَادَ رَدَّ الْأَرْضِ بِذَهَابِ الْمَاءِ فَذَلِكَ لَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِصَّةِ مَا زَرَعَ إنْ كَانَتْ حِصَّةُ الزَّرْعِ الَّذِي حَصَدَ الثُّلُثَ، أَوْ النِّصْفَ، أَوْ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ أَدَّى إلَى ذَلِكَ وَسَقَطَتْ عَنْهُ حِصَّةُ الزَّرْعِ الثَّانِي الَّذِي انْقَطَعَ الْمَاءُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَهَذَا مِثْلُ الدَّارِ يَكْتَرِيهَا فَيَسْكُنُهَا بَعْضَ السَّنَةِ ثُمَّ تَنْهَدِمُ فِي آخِرِهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ حِصَّةُ مَا سَكَنَ وَتَبْطُلُ عَنْهُ حِصَّةُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَكَنِهِ فَالْمَاءُ إذَا كَانَ لَا صَلَاحَ لِلزَّرْعِ إلَّا بِهِ كَالْبِنَاءِ الَّذِي لَا صَلَاحَ لِلْمَسْكَنِ إلَّا بِهِ، وَإِذَا تَكَارَى مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ السَّنَةَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مَا شَاءَ فَزَرَعَهَا وَانْقَضَتْ السَّنَةُ، وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يُحْصَدَ فَإِنْ كَانَتْ السَّنَةُ قَدْ يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَزْرَعَ زَرْعًا يُحْصَدُ قَبْلَهَا فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ وَلَيْسَ لِرَبِّ الزَّرْعِ أَنْ يُثَبِّتَ زَرْعَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ تَرْكَهُ قَرُبَ ذَلِكَ، أَوْ بَعُدَ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا صِنْفًا مِنْ الزَّرْعِ يُسْتَحْصَدُ، أَوْ يَسْتَقْصِلَ قَبْلَ السَّنَةِ فَأَخَّرَهُ إلَى وَقْتٍ مِنْ السَّنَةِ وَانْقَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ تَكَارَاهَا مُدَّةً هِيَ أَقَلُّ مِنْ سَنَةٍ، وَشَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا شَيْئًا بِعَيْنِهِ وَيَتْرُكَهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ فَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُسْتَحْصَدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَكَارَاهَا إلَيْهَا فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنِّي أَثْبَتُّ بَيْنَهُمَا شَرْطَهُمَا، وَلَوْ أُثْبِتَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُبْقِيَ زَرْعَهُ فِيهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمُدَّةِ أُبْطِلُ شَرْطُ رَبِّ الزَّرْعِ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ، وَإِنْ أُثْبِتَ لَهُ زَرْعُهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ أَبْطَلْت شَرْطَ رَبِّ الْأَرْضِ فَكَانَ هَذَا كِرَاءً فَاسِدًا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ مِثْلِ أَرْضِهِ إذَا زَرَعَ وَعَلَيْهِ تَرْكُ الزَّرْعِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ، وَإِنْ تَرَافَعَا قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ فَسُخْت الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا وَاَلَّتِي إنَّمَا تُسْقَى بِنَطْفِ السَّمَاءِ، أَوْ السَّيْلِ إنْ حَدَثَ فَلَا يَصْلُحُ كِرَاؤُهَا إلَّا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهُ إيَّاهَا أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا يَصْنَعُ بِهَا الْمُكْتَرِي مَا شَاءَ فِي سَنَةٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْنِي، وَلَا يَغْرِسُ فِيهَا، وَإِذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا الْكِرَاءِ صَحَّ، فَإِذَا جَاءَهُ مَاءٌ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ مَطَرٍ فَزَرَعَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَزْرَعْ، أَوْ لَمْ يَأْتِهِ مَاءٌ فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ شَرْطُهُ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَقَدْ يُمْكِنُهُ زَرْعُهَا عَثَرِيًّا بِلَا مَاءٍ، أَوْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مَاءً مِنْ مَوْضِعٍ فَأَكْرَاهُ إيَّاهَا أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا إنْ شَاءَ، أَوْ يَفْعَلَ بِهَا مَا شَاءَ صَحَّ الْكِرَاءُ وَلَزِمَهُ زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ، وَإِنْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا لَا تُزْرَعُ إلَّا بِمَطَرٍ، أَوْ سَيْلٍ يَحْدُثُ فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ فِي هَذَا كُلِّهِ فَإِنْ زَرَعَهَا فَلَهُ مَا زَرَعَ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهَا.
(وَقَالَ الرَّبِيعُ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ أَفْسَدْت الْكِرَاءَ فِي هَذَا؟ قِيلَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ لَا يَجِيءُ الْمَاءُ عَلَيْهَا فَيَبْطُلُ الْكِرَاءُ، وَقَدْ يَجِيءُ فَيَتِمُّ الْكِرَاءُ.
فَلَمَّا كَانَ مَرَّةً يَتِمُّ وَمَرَّةً لَا يَتِمُّ بَطَلَ الْكِرَاءُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الْأَرْضَ ذَاتَ النَّهْرِ مِثْلَ النِّيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَعْلُو الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا زَرْعًا هُوَ مَعْرُوفٌ أَنَّ ذَلِكَ الزَّرْعَ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِأَنْ يَرْوِيَهَا النِّيلُ لَا يَتْرُكُهَا، وَلَا تَشْرَبُ غَيْرَهُ كَرِهْت هَذَا الْكِرَاءَ وَفَسَخْته إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْضَاءَ ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَعْلُوَ الْمَاءُ الْأَرْضَ عُلُوًّا يَكُونُ رَيًّا لَهَا، أَوْ يَصْلُحُ بِهِ الزَّرْعُ بِحَالٍ، فَإِذَا تُكُورِيَتْ رَيًّا بَعْدَ نُضُوبِ الْمَاءِ فَالْكِرَاءُ صَحِيحٌ لَازِمٌ لِلْمُكْتَرِي زَرَعَ، أَوْ لَمْ يَزْرَعْ قَلَّ مَا يَخْرُجُ

مِنْ الزَّرْعِ، أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ تَكَارَاهَا وَالْمَاءُ قَائِمٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَنْحَسِرُ لَا مَحَالَةَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الزَّرْعُ فَالْكِرَاءُ فِيهِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْحَسِرُ، وَلَا يَنْحَسِرُ كَرِهْت الْكِرَاءَ إلَّا بَعْدَ انْحِسَارِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ أَجَزْت كِرَاءَهُ أَوْ بَيْعَهُ أَجَزْت النَّقْدَ فِيهِ، وَإِنْ تَكَارَى الرَّجُلُ لِلزَّرْعِ فَزَرَعَهَا أَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا حَتَّى جَاءَ عَلَيْهَا النِّيلُ، أَوْ زَادَ، أَوْ أَصَابَهَا شَيْءٌ يُذْهِبُ الْأَرْضَ انْتَقَضَ الْكِرَاءُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ يَوْمِ تَلِفَتْ الْأَرْضُ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْأَرْضِ تَلِفَ وَبَعْضٌ لَمْ يَتْلَفْ، وَلَمْ يَزْرَعْ فَرَبُّ الزَّرْعِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَسْلَمْ لَهُ كُلَّهَا، وَإِنْ كَانَ زَرَعَ أُبْطِلُ عَنْهُ مَا تَلِفَ وَلَزِمَتْهُ حِصَّةُ مَا زَرَعَ مِنْ الْكِرَاءِ وَهَكَذَا كِرَاءُ الدُّورِ وَأَثْمَانُ الْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ إذَا جَمَعَتْ الصَّفْقَةُ مِنْهُ مِائَةَ صَاعٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَتَلِفَ خَمْسُونَ صَاعًا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ كُلُّهُ كَمَا اشْتَرَى

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ الْأَرْضَ مِنْ الرَّجُلِ بِالْكِرَاءِ الصَّحِيحِ ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقٌ مَنَعَهُ الزَّرْعَ، أَوْ ذَهَبَ بِهَا سَيْلٌ أَوْ غَصَبَهَا فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ مِنْ يَوْمِ أَصَابَهَا ذَلِكَ وَهِيَ مِثْلُ الدَّارِ يَكْتَرِيهَا سَنَةً وَيَقْبِضُهَا فَتُهْدَمُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، أَوْ آخِرِهَا وَالْعَبْدُ يَسْتَأْجِرُهُ السَّنَةَ فَيَمُوتُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ آخِرِهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا سَكَنَ وَاسْتَخْدَمَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا بَقِيَ، وَإِنْ أَكْرَاهُ أَرْضًا بَيْضَاءَ يَصْنَعُ فِيهَا مَا شَاءَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اكْتَرَاهَا لِلزَّرْعِ ثُمَّ انْحَسَرَ الْمَاءُ عَنْهَا فِي أَيَّامٍ لَا يُدْرِكُ فِيهَا زَرْعًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ، أَوْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْتَقَصَ مِمَّا اكْتَرَى، وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا لِلزَّرْعِ وَكِرَاؤُهَا لِلزَّرْعِ أَبْيَنُ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ مَرَّ بِهَا مَاءٌ فَأَفْسَدَ زَرْعَهُ، أَوْ أَصَابَهُ حَرِيقٌ، أَوْ ضَرِيبٌ أَوْ جَرَادٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِحَةٌ عَلَى الزَّرْعِ لَا عَلَى الْأَرْضِ فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُجَدِّدَ زَرْعًا جَدَّدَهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَهَذَا شَيْءٌ أُصِيبَ بِهِ فِي زَرْعِهِ لَمْ تُصَبْ بِهِ الْأَرْضُ فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، وَهَذَا مُفَارِقٌ لِلْجَائِحَةِ فِي الثَّمَرَةِ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ فَتُصِيبُهَا الْجَائِحَةُ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ جِدَادُهَا، وَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ ثُمَّ انْبَغَى أَنْ لَا يَضَعَهَا هَهُنَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا كَانَتَا جَائِحَتَيْنِ فَمَا بَالُ إحْدَاهُمَا تُوضَعُ وَالْأُخْرَى لَا تُوضَعُ، فَإِنَّ مَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ الْأُولَى فَإِنَّمَا يَضَعُهَا بِالْخَبَرِ، وَبِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا فِي شِرَاءِ الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَتَرَكَهَا حَتَّى تُجَدَّ فَإِنَّمَا يُنْزِلُهَا بِمَنْزِلَةِ الْكِرَاءِ الَّذِي يَقْبِضُ بِهِ الدَّارَ ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ أَشْهُرٌ ثُمَّ تَتْلَفُ الدَّارُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْكِرَاءُ مِنْ يَوْمِ تَلِفَتْ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي اكْتَرَى وَاشْتَرَى تَلِفَتْ وَكَانَ الشِّرَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إنَّمَا يَتِمُّ بِسَلَامَتِهِ إلَى أَنْ يُجَدَّ وَالْمُكْتَرِي الْأَرْضَ لَمْ يَشْتَرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ زَرْعًا إنَّمَا اكْتَرَى أَرْضًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا فَلَمْ يَزْرَعْهَا حَتَّى تَمْضِيَ السَّنَةُ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَهَا بِشَيْءٍ يُقِيمُ تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى لَوْ مَرَّ بِهِ سَيْلٌ لَمْ يَنْزِعْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؟ ، وَلَوْ تَكَارَاهَا حَتَّى إذَا اسْتَحْصَدَتْ فَأَصَابَ الْأَرْضَ حَرِيقٌ فَاحْتَرَقَ الزَّرْعُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَتْلَفْ شَيْءٌ كَانَ أَعْطَاهُ إيَّاهُ إنَّمَا تَلِفَ شَيْءٌ يَضَعُهُ الزَّارِعُ مِنْ مَالِهِ كَمَا لَوْ تَكَارَى مِنْهُ دَارًا لِلْبُرِّ فَاحْتَرَقَ الْبُرُّ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَبَقِيَتْ الدَّارُ سَالِمَةً لَمْ يُنْتَقَصْ سَكَنُهَا كَانَ الْكِرَاءُ لَهُ لَازِمًا، وَلَمْ يَكُنْ احْتِرَاقُ الْمَتَاعِ مِنْ مَعْنَى الدَّارِ بِسَبِيلٍ.
وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ سَنَةً مُسَمَّاةً أَوْ سَنَتَهُ هَذِهِ فَزَرَعَهَا وَحَصَدَ وَبَقِيَ مِنْ سَنَتِهِ هَذِهِ شَهْرٌ، أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى تَكْمُلَ سَنَتُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْكِرَاءِ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْمُكْتَرِي جَمِيعَ السَّنَةِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ أَرْضَ الْمَطَرِ، أَوْ أَرْضَ السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَنَافِعُ مِنْ زَرْعٍ وَعَثَرِيٍّ وَسَيْلٍ وَمَطَرٍ، وَلَا يُؤَيِّسُ مِنْ الْمَطَرِ عَلَى حَالٍ وَلِمَنَافِعَ سِوَى هَذَا لَا يَمْنَعُهَا الْمُكْتَرِي، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ

الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا قَمْحًا فَأَرَادَ أَنْ يَزْرَعَهَا شَعِيرًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ سِوَى الْقَمْحِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَهُ لَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ إضْرَارًا أَكْثَرَ مِنْ إضْرَارِ مَا شَرَطَ أَنَّهُ يُزْرَعُ بِبَقَاءِ عُرُوقِهِ فِي الْأَرْضِ، أَوْ إفْسَادِهِ الْأَرْضَ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ فَلَهُ زَرْعُهَا مَا أَرَادَ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا يَكْتَرِي مِنْهُ الدَّارَ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا فَيَسْكُنَهَا مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَرَادَ زَرْعَهَا يُنْقِصُهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِ مَا اشْتَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ زَرْعُهَا فَإِنْ زَرَعَهَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْكِرَاءَ الَّذِي سَمَّى لَهُ وَمَا نَقَصَ زَرْعُهُ الْأَرْضَ عَمَّا يُنْقِصُهَا الزَّرْعُ الَّذِي شَرَطَ لَهُ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ كِرَاءَ مِثْلِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الزَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِيهِ الزَّرْعُ كَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَطْعُ زَرْعِهِ إنْ شَاءَ وَيَزْرَعُهَا الْمُكْتَرِي مِثْلَ الزَّرْعِ الَّذِي شَرَطَ لَهُ، أَوْ مَا لَا يَضُرُّ أَكْثَرَ مِنْ إضْرَارِهِ.
وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْبَعِيرَ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ قُرْطًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلِ حَدِيدٍ، أَوْ تَكَارَى لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ حَدِيدًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ قُرْطًا بِوَزْنِهِ فَتَلِفَ الْبَعِيرُ فَهُوَ ضَامِنٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَدِيدَ يُسْتَجْمَعُ عَلَى ظَهْرِهِ اسْتِجْمَاعًا لَا يَسْتَجْمِعُهُ الْقُرْطُ فَبِهَذِهِ يَتْلَفُ وَأَنَّ الْقُرْطَ يَنْتَشِرُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ انْتِشَارًا لَا مَرَّ الْحَدِيدُ فَيَعُمُّهُ فَيَتْلَفُ وَأَصْلُ هَذَا أَنْ يُنْظَرَ إذَا اكْتَرَى مِنْهُ بَعِيرًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ وَزْنًا مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَزْنَهُ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ يُخَالِفُ الشَّيْءَ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يَحْمِلَهُ حَتَّى يَكُونَ أَضَرَّ بِالْبَعِيرِ مِنْهُ فَتَلِفَ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَكُونُ أَضَرَّ بِهِ مِنْهُ وَكَانَ مِثْلَهُ، أَوْ أَحْرَى أَنْ لَا يَتْلَفَ الْبَعِيرُ فَحَمَلَهُ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ.
وَكَذَلِكَ إنْ تَكَارَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا غَيْرَهُ مِثْلَهُ فِي الْخِفَّةِ، أَوْ أَخَفَّ مِنْهُ فَهَكَذَا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ أَثْقَلَ مِنْهُ فَتَلِفَ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ أَعْنَفَ رُكُوبًا مِنْهُ، وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْخِفَّةِ فَانْظُرْ إلَى الْعُنْفِ فَإِنْ كَانَ الْعُنْفُ شَيْئًا لَيْسَ كَرُكُوبِ النَّاسِ وَكَانَ مُتْلِفًا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ كَرُكُوبِ النَّاسِ لَمْ يَضْمَنْ وَذَلِكَ أَنَّ أَرْكَبَ النَّاسَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِرُكُوبٍ، وَلَا يُوقَفُ لِلرُّكُوبِ عَلَى حَدٍّ إلَّا أَنَّهُ إذَا فَعَلَ فِي الرُّكُوبِ مَا يَكُونُ خَارِجًا بِهِ مِنْ رُكُوبِ الْعَامَّةِ وَمُتْلِفًا فَتُلْفِ الدَّابَّةَ ضَمِنَ.
وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ بِحَالٍ، فَإِنْ أَرَادَ الْغِرَاسَ فَالْغِرَاسُ غَيْرُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهَا بَقَاءً لَا يَبْقَاهُ الزَّرْعُ وَيَفْسُدُ مِنْهَا مَا لَا يَفْسُدُ الزَّرْعُ فَإِنْ تَكَارَاهَا مُطْلَقَةً عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا يَزْرَعُ فِيهَا، أَوْ يَغْرِسُ كَرِهْت الْكِرَاءَ وَفَسَخْته، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا السَّكَنُ شَيْءٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهَذَا شَيْءٌ عَلَى وَجْهِهَا وَبَطْنِهَا، فَإِذَا تَكَارَاهَا عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا وَيَزْرَعَ مَا شَاءَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ، وَإِذَا انْقَضَتْ يَرْعَى لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُ غِرَاسِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْهَا قَائِمًا عَلَى أُصُولِهِ وَبِثَمَرِهِ إنْ كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ وَلِرَبِّ الْغِرَاسِ إنْ شَاءَ أَنْ يَقْلَعَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ إذَا قَلَعَهُ مَا نَقَصَ الْأَرْضَ وَالْغِرَاسُ كَالْبِنَاءِ إذَا كَانَ بِإِذْنِ مَالِك الْأَرْضِ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ الْبِنَاءَ حَتَّى يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ قَائِمًا فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُخْرِجُهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ يَزْرَعُهَا، وَفِيهَا نَخْلُهُ أَوْ مِائَةُ نَخْلَةٍ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ، وَقَدْ رَأَى مَا اسْتَأْجَرَ مِنْهُ مِنْ الْبَيَاضِ زَرَعَ فِي الْبَيَاضِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ قَلِيلٌ، وَلَا كَثِيرٌ وَكَانَ ثَمَرُ النَّخْلِ لِرَبِّ النَّخْلِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ لَهُ ثَمَرَ نَخْلِهِ يَسْوَى دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا انْعَقَدَتْ عَقْدَةً وَاحِدَةً عَلَى حَلَالٍ وَمُحَرَّمٍ فَالْحَلَالُ الْكِرَاءُ وَالْحَرَامُ ثَمَرُ النَّخْلَةِ إذَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا يَبْدُو صَلَاحُهُ فَلَا

بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَتْ النَّخْلَةُ بِعَيْنِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَثُرَ الْكِرَاءُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ الدَّارِ وَقَلَّتْ الثَّمَرَةُ، أَوْ كَثُرَتْ، أَوْ قَلَّ الْكِرَاءُ كَمَا كَانَ لَا يَحِلُّ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَكَانَ هَذَا فِيهَا مُحَرَّمًا كَمَا هُوَ فِي أَلْفِ نَخْلَةٍ، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى بَيْعِهِ قَبْلَ يَبْدُو صَلَاحُهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ كَثِيرًا يَحْرُمُ قَلِيلًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ النَّخْلَةُ صِنْوَانَا وَاحِدًا فِي الْأَرْضِ أَوْ مُجْتَمِعَةً فِي نَاحِيَةٍ، أَوْ مُتَفَرِّقَةً

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الدَّارَ، أَوْ الْأَرْضَ إلَى سَنَةٍ كِرَاءً فَاسِدًا فَلَمْ يَزْرَعْ الْأَرْضَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، وَلَمْ يَسْكُنْ الدَّارَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهَا عِنْدَ الْكِرَاءِ وَمَضَتْ السَّنَةُ لَزِمَهُ كِرَاءُ مِثْلِهَا كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ إنْ انْتَفَعَ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكِرَاءَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَبَضَهُ وَسَلِمَتْ لَهُ مَنْفَعَتُهُ فَتَرَكَ حَقَّهُ فِيهَا فَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ حَقَّ رَبِّ الدَّارِ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الْكِرَاءُ الْفَاسِدُ إذَا انْتَفَعَ بِهِ الْمُكْتَرِي يُرَدُّ إلَى كِرَاءِ مِثْلِهِ كَانَ حُكْمُ كِرَاءِ مِثْلِهِ فِي الْفَاسِدِ كَحُكْمِ الْكِرَاءِ الصَّحِيحِ، وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّارَ سَنَةً فَقَبَضَهَا الْمُكْتَرِي ثُمَّ غَصَبَهُ إيَّاهَا مَنْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، أَوْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَقْوَى عَلَيْهِ سُلْطَانٌ فَسَوَاءٌ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَرَادَ الْمُكْتَرِي أَنْ يَكُونَ خَصْمًا لِلْغَاصِبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَصْمًا إلَّا بِوَكَالَةٍ مِنْ رَبِّ الدَّارِ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُصُومَةَ لِلْغَاصِبِ إنَّمَا تَكُونُ فِي رَقَبَةِ الدَّارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا فِي الدَّارِ إلَّا رَبُّ الدَّارِ، أَوْ وَكِيلٌ لِرَبِّ الدَّارِ وَالْكِرَاءُ لَا يُسَلَّمُ لِلْمُكْتَرِي إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْمُكْرِي مَالِكًا لِلدَّارِ وَالْمُكْتَرِي لَمْ يَكْتَرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَصْمًا لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ، أَرَأَيْت لَوْ خَاصَمَهُ فِيهَا سَنَةً فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَتَجْعَلُ عَلَى الْمُكْتَرِي كِرَاءً، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ أَمْ تَجْعَلُ لِلْمُخَاصِمِ إجَارَةً عَلَى رَبِّ الدَّارِ فِي عَمَلِهِ، وَلَمْ يُوَكِّلْهُ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ أَقَرَّ رَبُّ الدَّارِ بِأَنَّهُ كَانَ غَصَبَهَا مِنْ الْغَاصِبِ، أَلَا يَبْطُلُ الْكِرَاءُ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ أَقَرَّ الْمُتَكَارِي أَنَّ رَبَّ الدَّارِ غَصَبَهَا مِنْ الْغَاصِبِ أَيُقْضَى عَلَى رَبِّ الدَّارِ أَنَّهُ غَاصِبٌ بِإِقْرَارِ غَيْرِ مَالِكٍ، وَلَا وَكِيلٍ؟ فَهَلْ يَعْدُو الْمُكْتَرِي إذَا قَبَضَ الدَّارَ ثُمَّ غُصِبَتْ أَنْ يَكُونَ الْغَصْبُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ، وَلَمْ تَسْلَمْ لِلْمُكْتَرِي الْمَنْفَعَةُ بِلَا مُؤْنَةٍ عَلَيْهِ كَمَا اكْتَرَى؟ فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَسَوَاءٌ غَصَبَهَا مَنْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، أَوْ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَسْلَمْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ أَوْ يَكُونُ الْغَصْبُ عَلَى الْمُكْتَرِي دُونَ رَبِّ الدَّارِ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْئًا أُصِيبَ بِهِ الْمُكْتَرِي كَمَا يُصَابُ مَالُهُ فَيُلْزِمُهُ الْكِرَاءُ غَصْبَهَا إيَّاهُ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، أَوْ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ.
وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْعَبْدَ وَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْهُ وَافْتَرَقَا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ الْبَائِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُمَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ الْعَبْدُ فَالْعَبْدُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ لَا مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ حَدَثَ بِالْعَبْدِ عَيْبٌ كَانَ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْبِضَ الْعَبْدَ أَوْ يَرُدَّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ كَانَ الثَّمَنُ دَارًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ ذَهَبًا بِأَعْيَانِهَا، أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ فَتَلِفَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْعَبْدَ مِمَّا وَصَفْنَا فِي يَدَيْ مُشْتَرِي الْعَبْدِ كَانَ الْبَيْعُ مُنْتَقَضًا وَكَانَ مِنْ مَالِ مَالِكِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ هَلَكَ هَذَا الْعَبْدُ، وَهَذَا الْعَرَضُ ثُمَّ لَمْ يُحْدِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَوْلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ إيَّاهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ لِلْمُبْتَاعِ؟ فَقِيلَ لَهُ بِالْأَمْرِ الْبَيِّنِ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ مِلْكٌ لِرَجُلٍ مَضْمُونًا عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ حَقٍّ لَزِمَهُ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَرْشُ جِنَايَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ غَصْبٍ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ مَا كَانَ فَأَحْضَرَهُ لِيَدْفَعَ إلَى مَالِكِهِ حَقَّهُ فِيهِ عَرَضًا بِعَيْنِهِ أَوْ غَيْرِ عَيْنِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَبْرَأْ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ وَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْهُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَا بَعْدَ إحْضَارِهِ إيَّاهُ فِي مَكَان وَاحِدٍ يَوْمًا وَاحِدًا، أَوْ سَنَةً، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحَوْلِ بِغَيْرِ الدَّفْعِ لَا يُخْرِجُ مَنْ عَلَيْهِ

الدَّفْعُ إلَّا بِالدَّفْعِ فَكَانَ أَكْثَرُ مَا عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يُسَلِّمَ هَذَا مَا بَاعَ، وَهَذَا مَا اشْتَرَى بِهِ فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلَا لَمْ يَخْرُجَا مِنْ ضَمَانٍ بِحَالٍ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً نَكَحَ امْرَأَةً وَاسْتَخْزَنَهَا مَالَهُ، وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَبْضِ صَدَاقِهَا، وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ وَاجِدًا لَهُ وَغَيْرَ حَائِلٍ دُونَهُ وَأَنْ تَكُونَ وَاجِدَةً لَهُ غَيْرَ مَحُولٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً أَحْضَرَ مَسَاكِينَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ لَهُمْ فِي مَالِهِ دَرَاهِمَ أَخْرَجَهَا بِأَعْيَانِهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَلَمْ يَقْبِضُوهَا، وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ تَلِفَتْ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَطَهَّرَ لِلصَّلَاةِ وَقَامَ يُرِيدُهَا، وَلَا يُصَلِّيهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ فَرْضِهَا حَتَّى يُصَلِّيَهَا.
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ دَمٍ، أَوْ جُرْحٍ فَأَحْضَرَ الَّذِي لَهُ الْقِصَاصُ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، أَوْ خَلَّى الْحَاكِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَمْ يَقْتَصَّ، وَلَمْ يَعْفُ لَمْ يَخْرُجْ هَذَا مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ لَا يَخْرُجْ أَحَدُهُمَا مِمَّا قِبَلَهُ إلَّا بِأَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ، أَوْ يَعْفُوَهُ الَّذِي هُوَ لَهُ وَهَكَذَا أَصْلُ فَرْضِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي جَمِيعِ مَا فَرَضَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فَجَعَلَ التَّسَلُّمَ الدَّفْعَ لَا الْوُجُودَ وَتَرَكَ الْحَوْلَ وَالدَّفْعَ وَقَالَ فِي الْيَتَامَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] وَقَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26] فَفَرَضَ عَلَى كُلِّ مَنْ صَارَ إلَيْهِ حَقٌّ لِمُسْلِمٍ، أَوْ حَقٌّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيَهُ وَأَدَاؤُهُ دَفْعُهُ لَا تَرْكُ الْحَوْلِ دُونَهُ سَوَاءٌ دَعَاهُ إلَى قَبْضِهِ، أَوْ لَمْ يَدْعُهُ مَا لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ فَيَبْرَأُ مِنْهُ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ يَقْبِضُهُ مِنْهُ فِي مَقَامِهِ، أَوْ غَيْرِ مَقَامِهِ ثُمَّ يُودِعُهُ إيَّاهُ، وَإِذَا قَبَضَهُ ثُمَّ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فَضَمَانُهُ مِنْ مَالِكِهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) يُرِيدُ الْقَابِضَ لَهُ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ، أَوْ الدَّارَ كِرَاءً صَحِيحًا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ تَمَّ قَبْضُ الْمُكْتَرِي مَا اكْتَرَى فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ فَيَدْفَعُهُ حِينَ يَقْبِضُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ إلَى أَجَلٍ فَيَكُونُ إلَى أَجَلِهِ فَإِنْ سَلَّمَ لَهُ مَا اكْتَرَى، فَقَدْ اسْتَوْفَى، وَإِنْ تَلِفَ رَجَعَ بِمَا قَبَضَ مِنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ كُلِّهِ فِيمَا لَمْ يَسْتَوْفِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَدْفَعُ إلَيْهِ الْكِرَاءَ كُلَّهُ وَلَعَلَّ الدَّارَ أَنْ تَتْلَفَ، أَوْ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى؟ قِيلَ: لَا أَعْلَمُ يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا مِنْ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ الَّتِي مَلَكَ مَنْفَعَتَهَا مَدْفُوعَةً إلَيْهِ فَيَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ الْمُدَّةَ الَّتِي شُرِطَتْ لَهُ وَأَوْلَى النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَائِحَةَ مَوْضُوعَةٌ، وَقَدْ دَفَعَ الْبَائِعُ الثَّمَرَةَ إلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْطَعَهَا كُلَّهَا قَطَعَهَا فَلَمَّا كَانَ الْمُشْتَرِي إذَا تَرَكَهَا إلَى أَوَانٍ يَرْجُو أَنْ تَكُونَ خَيْرًا لَهُ فَتَلِفَ رَجَعَ بِحِصَّةِ مَا تَلِفَ كَانَ فِي الدَّارِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِ مَنْفَعَتِهَا إلَّا فِي مُدَّةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا أَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ الثَّمَنَ لِلْمُكْرِي حَالًّا كَمَا يَجْعَلُهُ لِلثَّمَرَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ إلَى أَجَلٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَنْ قَالَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَكِّيِّينَ فَإِنْ قَالَ فَمَا حُجَّتُك عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ الْمَشْرِقِيِّينَ إذَا تَشَارَطَا فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَشَارَطَا فَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الْكِرَاءِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ كِرَاءَ يَوْمِهِ قِيلَ لَهُ: مَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ فِي أَصْلِ قَوْلِهِ أَنْ يُجِيزَ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ إذَا لَمْ يَقُلْ كَمَا قُلْنَا: إنَّ الْكِرَاءَ يُلْزِمُ بِدَفْعِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي هَذَا أَبَدًا دَفْعُ غَيْرِهِ، وَقَالَ: الْمَنْفَعَةُ تَأْتِي يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فَلَا أَجْعَلُ دَفْعَ الدَّارِ يَكُونُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الْمَنْفَعَةِ، قِيلَ: فَالْمَنْفَعَةُ دَيْنٌ لَمْ يَأْتِ وَالْمَالُ دَيْنٌ لَمْ يَأْتِ، وَهَذَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ أَرْضَ نِيلٍ أَوْ غَيْرَهَا، أَوْ أَرْضَ مَطَرٍ

(قَالَ) : وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ مِنْ الذِّمِّيِّ أَرْضَ عُشْرٍ، أَوْ خَرَاجٍ فَعَلَيْهِ فِيمَا أَخْرَجَتْ مِنْ الزَّرْعِ الصَّدَقَةُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا؟ قِيلَ لِمَا أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّدَقَةَ مِنْ

قَوْم كَانُوا يَمْلِكُونَ أَرْضَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَذِهِ أَرْضٌ مَنْ زَرَعَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّمَا زَرَعَ مَا لَا يَمْلِكُ مِنْ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ أَصْلُهُ فَيْئًا، أَوْ غَنِيمَةً، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ قَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] وَخَاطَبَهُمْ بِأَنْ قَالَ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] فَلَمَّا كَانَ الزَّرْعُ مَالًا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالْحَصَادُ حَصَادَ مُسْلِمٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا كَانَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْأَرْضِ، فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ تُوَضِّحُهُ غَيْرَ هَذَا؟ قِيلَ: نَعَمْ الرَّجُلُ يَتَكَارَى مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ أَوْ يَمْنَحُهُ إيَّاهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي زَرْعِهَا الصَّدَقَةُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ زَرَعَ أَرْضَ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ: فَهَذِهِ لِمَالِكٍ مَعْرُوفٍ، قِيلَ: فَكَذَلِكَ يَتَكَارَى فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِصِفَتِهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي زَرْعِهَا الصَّدَقَةُ.
فَإِنْ قَالَ: هَذَا هَكَذَا، وَلَكِنَّ أَصْلَ هَذِهِ لِمُسْلِمٍ، أَوْ لِمُسْلِمَيْنِ وَأَصْلَ تِلْكَ لِمُشْرِكٍ قِيلَ لَوْ كَانَتْ لِمُشْرِكٍ مَا حَلَّ لَنَا إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَنْوَةً، أَوْ صُلْحًا كَانَتْ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيَكُونُ عَلَيْنَا فِيهَا الصَّدَقَةُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْنَا فِيمَا وَرِثْنَا مِنْ آبَائِنَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمْ قَدْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ فَصَارَ لَنَا، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهِيَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مَعْرُوفِينَ، قِيلَ هِيَ لِقَوْمٍ مَعْرُوفِينَ بِالصِّفَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ أَعْيَانُهُمْ كَمَا تَكُونُ الْأَرْضُ الْمَوْقُوفَةُ لِقَوْمٍ مَوْصُوفِينَ، فَإِنْ قَالَ: فَالْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْهَا، قِيلَ: لَوْلَا أَنَّ الْخَرَاجَ كِرَاءٌ كَكِرَاءِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ لِلرَّجُلِ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ خَرَاجًا وَعَلَى الْآخِذِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا خَرَاجًا، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا هُوَ كِرَاءٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكْتَرِي الْأَرْضَ بِالشَّيْءِ الْكَثِيرِ فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا لَهُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ مِنْ صَدَقَتِهَا شَيْءٌ لِمَا أَدَّى مِنْ كِرَائِهَا

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا فَتَصَادَقَا عَلَى الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ تَالِفًا تَحَالَفَا بِبَلْعِهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ، وَإِذَا كَانَ قَائِمًا وَهُمَا يَتَصَادَقَانِ فِي الْبَيْعِ وَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ رُدَّ الْعَبْدُ بِعَيْنِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ عَلَى إنْسَانٍ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ فَفَاتَ رَدُّهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ إذَا فَاتَتْ الْعَيْنُ فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَمَا أَخْرَجَ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ؟ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ فِي الْمَعْنَى إلَّا بِخَبَرٍ يُلْزِمُ وَهَكَذَا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إذَا اخْتَلَفَا قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يَزْرَعَ تَحَالَفَا بِبَلْعِهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الزَّرْعِ وَالسَّكَنِ تَحَالَفَا بِبَلْعِهِ قِيمَةَ الْكِرَاءِ، وَإِنْ سَكَنَ بَعْضًا رَدَّ قِيمَةَ مَا سَكَنَ وَفَسَخَ الْكِرَاءَ فِيمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَإِنْ تَكَارَى أَرْضًا لِزَرْعٍ فَزَرَعَهَا وَبَقِيَ لَهُ سَنَةٌ، أَوْ أَكْثَرُ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا فِيمَا بَقِيَ وَرَدَّ كِرَاءَ مِثْلِهَا فِيمَا زَرَعَ.
قَالَ: وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ بِعَشْرَةٍ تَصَادَقَا عَلَى الْكِرَاءِ وَمَبْلَغِهِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ فَقَالَ الْمُكْتَرِي اكْتَرَيْتهَا إلَى الْمَدِينَةِ بِعَشْرَةٍ وَقَالَ الْمُكْرِي اكْتَرَيْتهَا بِعَشْرَةٍ إلَى أَيْلَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ الدَّابَّةَ تَحَالَفَا بِبَلْعِهِ، وَإِنْ كَانَ رَكِبَهَا تَحَالَفَا وَكَانَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ كِرَاءُ مِثْلِهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبَهَا إلَيْهِ وَفَسَخَ الْكِرَاءَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَهَذَا مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِنَا فِي الْبُيُوعِ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا فَغَرِقَتْ كُلُّهَا قَبْلَ الزَّرْعِ رَجَعَ بِالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَسْلَمْ لَهُ وَهِيَ مِثْلُ الدَّارِ تَنْهَدِمُ قَبْلَ السُّكْنَى فَإِنْ غَرِقَ بَعْضُهَا فَهَذَا نَقْصٌ دَخَلَ عَلَيْهِ فِيمَا اكْتَرَى وَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ حَبْسِهَا بِالْكِرَاءِ أَوْ رَدِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا اكْتَرَى كَمَا اكْتَرَى كَمَا يَكُونُ لَهُ فِي الدَّارِ لَوْ انْهَدَمَ بَعْضُهَا أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ كَأَنْ انْهَدَمَ نِصْفُهَا فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ فِي نِصْفِهَا الْبَاقِيَ بِنِصْفِ الْكِرَاءِ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَضِيَ

بِالنَّقْصِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ وَيَفْسَخَ الْكِرَاءَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ بَعْضُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ وَالْأَرْضِ لَيْسَ مِثْلَ مَا ذَهَبَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مِائَةَ إرْدَبٍّ طَعَامًا فَلَمْ يَسْتَوْفِهَا حَتَّى تَلِفَ نِصْفُهَا فِي يَدَيْ الْبَائِعِ كَانَ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ (قَالَ الرَّبِيعُ) الطَّعَامُ عِنْدِي خِلَافُ الدَّارِ يَنْهَدِمُ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالدَّارُ لَا يَكُونُ بَعْضُهَا مِثْلَ بَعْضٍ سَوَاءً مِثْلَ الطَّعَامِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصْلُ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْبَيْعَةِ، فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى شَيْءٍ يَتَبَعَّضُ وَيَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ فَتَلِفَ بَعْضُهُ قُلْت فِيهِ هَكَذَا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى شَيْءٍ لَا يَتَبَعَّضُ مِثْلُ عَبْدٍ اشْتَرَيْته فَلَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ كُنْت فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَك فَتَقْبِضَهُ غَيْرَ مَعِيبٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ؟ قِيلَ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ يَتَبَعَّضُ مِنْ الْعَيْبِ، وَلَا الْعَيْبُ يَتَبَعَّضُ مِنْ الْعَبْدِ، فَقَدْ يَكُونُ الْمَسْكَنُ مُتَبَعِّضًا مِنْ الْمَسْكَنِ مِنْ الدَّارِ وَالْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْأَرْضَ عَشْرَ سِنِينَ بِمِائَةِ دِينَارٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُسَمِّيَ لِكُلِّ سَنَةٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ أَرْضَهُ، أَوْ دَارِهِ فَقَالَ: أَكْتَرِيهَا مِنْك كُلَّ سَنَةٍ بِدِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَمْ يُسَمِّ السَّنَةَ الَّتِي يَكْتَرِيهَا، وَلَا السَّنَةَ الَّتِي يَنْقَطِعُ إلَيْهَا الْكِرَاءُ فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى أَمْرٍ يَعْرِفُهُ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي.
كَمَا لَا تَجُوزُ الْبُيُوعُ إلَّا عَلَى مَا يُعْرَفُ، وَهَذَا كَلَامٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ فِيهِ يَنْقَضِي إلَى مِائَةِ سَنَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَنَةً وَيُحْتَمَلُ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ فَكَانَ هَذَا كِرَاءً مَجْهُولًا يَفْسَخُهُ قَبْلَ السُّكْنَى.
فَإِنْ فَاتَ فِيهِ السُّكْنَى جَعَلْنَا فِيهِ عَلَى الْمُكْتَرِي أَجْرَ مِثْلِهِ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ بِهِ الْكِرَاءُ، أَوْ أَقَلَّ: إذَا أَبْطَلْنَا أَصْلَ الْعَقْدِ فِيهِ وَصَيَّرْنَاهُ قِيمَةً لَمْ نَجْعَلْ الْبَاطِلَ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِّ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا زَرَعَ الرَّجُلُ أَرْضَ رَجُلٍ فَادَّعَى أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ أَكْرَاهُ، أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا وَجَحَدَ رَبُّ الْأَرْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ وَيُقْلِعُ الزَّارِعُ فِي زَرْعِهِ وَعَلَى الزَّارِعِ كِرَاءُ مِثْلِ أَرْضِهِ إلَى يَوْمِ يُقْلِعُ زَرْعَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي إبَّانِ الزَّرْعِ، أَوْ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ إذَا كَانَ زَارِعُ الْأَرْضِ الْمُدَّعِي لِلْكِرَاءِ حَبَسَهَا عَنْ مَالِكِهَا فَإِنَّمَا أَحْكُمُ عَلَيْهِ حُكْمَ الْغَاصِبِ، وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِغَيْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ إخْرَاجَهُ مِنْهَا إلَى أَنْ يَحْصُدَهُ فَالْكِرَاءُ مَفْسُوخٌ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ الْمُكْتَرِي يَرَى الْأَرْضَ لَا حَائِلَ دُونَهَا مِنْ الزَّرْعِ وَيَقْبِضُهَا لَا حَائِلَ دُونَهَا مِنْ الزَّارِعِينَ لِأَنَّا نَجْعَلُهُ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لِرَجُلٍ عَيْنًا لَا يَقْدِرُ الْمُبْتَاعُ عَلَى قَبْضِهَا حِينَ تَجِبُ لَهُ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ، وَلَا أَنْ نَجْعَلَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَالْمُكْتَرِي الثَّمَنَ وَلَعَلَّ الْمُكْتَرَى أَنْ يَتْلَفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقُولَ لَهُ الثَّمَنُ دَيْنٌ إلَى أَنْ يَقْبِضَ فَذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَكْتَرِيَهُمَا وَيَقْبِضَهُمَا، وَلَكِنْ يَكْتَرِي الْأَرْضَ وَالدَّارَ وَيَقْبِضُهُمَا مَكَانَهُمَا لَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا وَمَتَى حَدَثَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَادِثٌ يَمْنَعُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ رَجَعَ الْمُكْتَرِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ مِنْ يَوْمِ حَدَثَ الْحَادِثُ، وَهَكَذَا الْعَبْدُ وَجَمِيعُ الْإِجَارَاتِ وَلَيْسَ هَذَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ إنَّمَا الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْعُقْدَةُ عَلَى إيجَابِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ غَيْرَ مَعْلُومٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لِلْمَبِيعِ حِصَّتَهُ مِنْ السَّلَفِ فِي أَصْلِ ثَمَنِهِ لَا تُعْرَفُ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ مَا جَازَ لَك أَنْ تَشْتَرِيَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ جَازَ لَك أَنْ تَكْتَرِيَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالْكِرَاءُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَكُلُّ مَا لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَشْتَرِيَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَكْتَرِيَهُ عَلَى

الِانْفِرَادِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا بَيْضَاءَ لِيَزْرَعَهَا شَجَرًا قَائِمًا عَلَى أَنَّ لَهُ الشَّجَرُ وَأَرْضُهُ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثُمَّ بَالَغَ، أَوْ غَضَّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَانَ هَذَا كِرَاءً جَائِزًا كَمَا يَكُونُ بَيْعًا جَائِزًا (قَالَ الرَّبِيعُ) يُرِيدُ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ الشَّجَرَ وَأَرْضَ الشَّجَرِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَكَارَى الْأَرْضَ بِالثَّمَرَةِ دُونَ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ حَلَّ بَيْعُهَا جَازَ الْكِرَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا لَمْ يَحِلَّ الْكِرَاءُ بِهَا.
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] فَكَانَتْ الْآيَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ عَلَى إحْلَالِ الْبَيْعِ كُلِّهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ دَلَالَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْهَلُوا مَعْنَى مَا أَرَادَ اللَّهُ، تَخُصُّ تَحْرِيمَ بَيْعٍ دُونَ بَيْعٍ فَنَصِيرُ إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْنَى مَا أَرَادَ اللَّهُ خَاصًّا وَعَامًّا وَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْرِيمِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّفَاضُلُ فِي النَّقْدِ، وَالْآخَرُ: النَّسِيئَةُ كُلُّهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَلِكَ الْفِضَّةُ، وَكَذَلِكَ أَصْنَافٌ مِنْ الطَّعَامِ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ فَحُرِّمَ فِي هَذَا كُلِّهِ مَعْنَيَانِ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَأَبَاحَ التَّفَاضُلَ فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَحَرَّمَ فِيهِ كُلِّهِ النَّسِيئَةَ فَقُلْنَا: الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ هَكَذَا؛ لِأَنَّ نَصَّهُ فِي الْخَبَرِ وَقُلْنَا كُلُّ مَا كَانَ مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا هَكَذَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا نَصَّ فِي الْخَبَرِ، وَمَا سِوَى هَذَا فَعَلَى أَصْلِ الْآيَتَيْنِ مِنْ إحْلَالِ اللَّهِ، الْبَيْعَ حَلَالٌ كُلُّهُ بِالتَّفَاضُلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً فَكَانَتْ لَنَا بِهَذَا دَلَائِلُ مَعَ وَصْفِنَا، مِنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَاعَ عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ» وَأَجَازَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذَا الْخَبَرُ مَا جَازَ فِيهِ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْ قَوْلٍ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ الشَّيْئَانِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَعَيْنًا بِعَيْنٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ كَمَا يَكُونُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً كَمَا يَكُونُ الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ وَالتَّمْرُ بِالْحِنْطَةِ.
ثُمَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ يَدًا بِيَدٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ رِحْلَتُهُمَا وَنَجَابَتُهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ يَدًا بِيَدٍ كَانَتْ النَّسِيئَةُ أَوْلَى أَنْ لَا تَجُوزَ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَخْتَلِفَانِ فِي الرِّحْلَةِ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ قَدْ يَخْتَلِفُ فِي الْحَلَاوَةِ وَالْجَوْدَةِ حَتَّى يَكُونَ الْمُدُّ مِنْ الْبَرْنِيِّ خَيْرًا مِنْ الْمُدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلٌ بِمِثْلٍ وَيَدًا بِيَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَمْرَانِ يُجْمَعَانِ مَعًا عَلَى صَاحِبِهِمَا فِي الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ، وَكَذَلِكَ الْبَعِيرَانِ جِنْسٌ يَجْتَمِعَانِ عَلَى صَاحِبِهِمَا فِي الصَّدَقَةِ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ مِنْهُ مَا يَكُونُ الْمِثْقَالُ ثَمَنَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا لِجَوْدَتِهِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْمِثْقَالُ بِشَيْءٍ أَقَلَّ مِنْهُ بِكَثِيرٍ لِتَفَاضُلِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ تَفَاضَلَا أَنْ يُبَاعَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَيُجْمَعَانِ عَلَى صَاحِبِهِمَا فِي الصَّدَقَةِ، فَإِمَّا أَنْ تَجْرِيَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ كَمَا قُلْنَا وَبِالدَّلَائِلِ الَّتِي وَصَفْنَا، وَبِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يُسَلَّمَانِ فِيمَا سِوَاهُمَا بِخِلَافِ مَا سِوَاهُمَا فِيهِمَا، فَأَمَّا أَنْ يَتَحَكَّمَ الْمُتَحَكِّمُ فَيَقُولُ مَرَّةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِنْسِ لَا يَجُوزُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ قِيَاسًا عَلَى هَذَا.
ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى لَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا فَإِنْ كَانَ هَذَا جَائِزًا لِأَحَدٍ جَازَ لِكُلِّ امْرِئٍ أَنْ يَقُولَ مَا خَطَر عَلَى قَلْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يَعْدُو أَنْ يُوَافِقَ أَثَرًا، أَوْ يُخَالِفَهُ، أَوْ قِيَاسًا أَوْ يُخَالِفَهُ، فَإِذَا جَازَ لِأَحَدٍ الْأَخْذُ بِالْأَثَرِ وَتَرْكُهُ وَالْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ وَتَرْكُهُ لَمْ يَكُنْ هَا هُنَا مَعْنًى إلَّا أَنْ يَقُولَ امْرُؤٌ بِمَا شَاءَ، وَهَذَا مُحَرَّمٌ عَلَى النَّاسِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْإِجَارَةُ كَمَا وَصَفْت بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْتَأْجِرَ الْعَبْدَ سَنَةً بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَتُعَجِّلَ الدَّنَانِيرَ، أَوْ تَكُونَ إلَى سَنَةٍ، أَوْ سَنَتَيْنِ، أَوْ عَشْرِ سِنِينَ فَلَا

بَأْسَ إنْ كَانَتْ عَلَيْك خَمْسَةُ دَنَانِيرَ حَالَّةً أَنْ تُؤَاجِرَ بِهَا عَبْدًا لَك مِنْ رَبِّ الدَّنَانِيرِ إذَا قَبَضَ الْعَبْدَ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ دَيْنًا بِدَيْنٍ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ نَقْدًا غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَهُ يَسْتَوْفِي الْإِجَارَةَ فِي مُدَّةٍ تَأْتِي، وَلَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ هَكَذَا مَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِدَيْنٍ أَبَدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَلَا عُرِفَتْ لَهَا وَجْهًا تَجُوزُ فِيهِ وَذَلِكَ أَنِّي إنْ قُلْت لَا تَجِبُ الْإِجَارَةُ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ مَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُنْعَقِدَةً وَالْمَنْفَعَةُ دَيْنٌ فَكَانَ هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ.
وَلَوْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ أَسْتَأْجِرَ مِنْك عَبْدَك بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ شَهْرًا، فَإِذَا مَضَى الشَّهْرُ دَفَعْت إلَيْك الْعَشَرَةَ كَانَتْ الْعَشَرَةُ دَيْنًا وَكَانَتْ الْمَنْفَعَةُ دَيْنًا فَكَانَ هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَلَوْ قُلْت أَدْفَع إلَيْك عَشْرَةً وَأَقْبِضُ الْعَبْدَ يَخْدُمُنِي شَهْرًا كَانَ هَذَا سَلَفًا فِي شَيْءٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ وَسَلَفًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَانَ هَذَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا إبْطَالُ الْإِجَارَاتِ، وَقَدْ أَجَازَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَجَازَتْهَا السُّنَّةُ وَأَجَازَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ كَتَبْنَا تَثْبِيتَ إجَازَتِهَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ، وَلَوْلَا أَنَّ مَا قُلْت كَمَا قُلْت إنْ دَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ دَارٍ وَعَبْدٍ إلَى الْمُسْتَأْجَرِ دَفَعَ الْعَيْنَ الَّتِي فِيهَا الْمَنْفَعَةُ فَيَحِلُّ فِي الْإِجَارَةِ النَّقْدُ وَالتَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْدٌ بِنَقْدٍ وَنَقْدٌ بِدَيْنٍ مَا جَازَتْ الْإِجَارَاتُ بِحَالٍ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهِيَ لَا يُقْدَرُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِيهَا إلَّا فِي مُدَّةٍ تَأْتِي قُلْنَا قَدْ عَقَلْنَا أَنَّ الْإِجَارَاتِ مُنْذُ كَانَتْ هَكَذَا، فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّعَامِ يُبْتَاعُ كَيْلًا فَتُشْرَعُ فِي كَيْلِهِ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ ثَانِيًا أَبَدًا إلَّا بَعْدَ بَادِئٍ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُك فِيهِ غَيْرُ هَذَا، وَكَذَلِكَ السُّكْنَى وَالْخِدْمَةُ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا أَبَدًا غَيْرُ هَذَا فَأَمَّا مَنْ قَالَ مِمَّنْ أَجَازَ الْإِجَارَاتِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَبْدَ شَهْرًا بِدِينَارٍ، أَوْ شَهْرَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِي عَلَيْك دِينَارٌ فَأَسْتَأْجِرُهُ مِنْك بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ فَاَلَّذِي أَجَازَ هُوَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ دَيْنًا لَا شَكَّ وَاَلَّذِي أَبْطَلَ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجِيزَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِي أَنْ يَكُونَ لِي عَلَيْك دِينَارٌ فَآخُذُ بِهِ مِنْك دَرَاهِمَ وَيَكُونُ كَيْنُونَتُهُ عَلَيْك كَقَبْضِك إيَّاهُ مِنْ يَدِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَك دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ مُؤَجَّلٍ وَيَزْعُمُ هُنَا فِي الصَّرْفِ أَنَّهُ نَقْدٌ وَيَزْعُمُ فِي الْإِجَارَةِ أَنَّهُ دَيْنٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ أَنَّهُ نَقْدٌ فِيهِمَا جَمِيعًا، أَوْ دَيْنٌ فِيهِمَا جَمِيعًا فَإِنْ جَازَ هَذَا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ نَقْدًا حَيْثُ جَعَلَهُ دَيْنًا وَدَيْنًا حَيْثُ جَعَلَهُ نَقْدًا

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْبُيُوعُ الصَّحِيحَةُ صِنْفَانِ بَيْعُ عَيْنٍ يَرَاهَا الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ، وَبَيْعُ صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْبَائِعِ، وَبَيْعٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الرَّجُلُ يَبِيعُ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا غَائِبَةً عَنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْبَائِعِ إنْ سَلِمَتْ السِّلْعَةُ حَتَّى يَرَاهَا الْمُشْتَرِي كَانَ فِيهَا بِالْخِيَارِ بَاعَهُ إيَّاهَا عَلَى صِفَةٍ وَكَانَتْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي بَاعَهُ إيَّاهَا أَوْ مُخَالِفَةً لِتِلْكَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ مَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يَتِمُّ الْبَيْعُ فِي هَذَا حَتَّى يَرَى الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ فَيَرْضَاهَا وَيَتَفَرَّقَانِ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي رَآهَا فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ الْبَيْعُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فِي سِلْعَةٍ حَاضِرَةٍ اشْتَرَاهَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ عَنْ تَرَاضٍ فَيَلْزَمُهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ هَذِهِ السِّلْعَةُ بِعَيْنِهَا إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ قَرِيبٍ، وَلَا بَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالْأَجَلِ وَيَجُوزُ فِيمَا حَلَّ لِصَاحِبِهِ وَأَخَذَهُ مُشْتَرِيه وَلَزِمَهُ بِكُلِّ وَجْهٍ.
فَأَمَّا بَيْعٌ لَمْ يَلْزَمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَى أَجَلٍ وَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ بَيْعٌ، وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَرْضَهُ؟ فَإِنْ تَطَوَّعَ فَنَقَدَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ رَضِيَ كَانَ نَقْدُ الثَّمَنِ، وَإِنْ سَخِطَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا بَأْسٌ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَلَا أَنْ أُسَلِّفَك فِي الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ فَآخُذَ مِنْك بَعْدَ مَجِيءِ الْأَجَلِ بَعْضَ طَعَامٍ وَبَعْضَ رَأْسِ مَالٍ فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ هَذَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، أَوْ مَا كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمَا، أَوْ مَعْنَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ بِسَبِيلٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْقُولًا لَا شَكَّ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ إذَا كَانَ إنَّمَا نَهَى

عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ فَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يُجْمَعَا وَنَهْيُهُ أَنْ يُجْمَعَا مَعْقُولٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَثْمَانَ لَا تَحِلُّ إلَّا مَعْلُومَةً، فَإِذَا اشْتَرَيْت شَيْئًا بِعَشْرَةٍ عَلَى أَنْ أُسَلِّفَك عَشْرَةً أَوْ تُسَلِّفَنِي عَشْرَةً فَهَذَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْهُمَا مَعْلُومَ السَّلَفِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْمُسْتَسْلِفِ فَلَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ أَوْ لَا تَرَى بِأَنْ لَا بَأْسَ بِأَنْ أَبِيعَك عَلَى حِدَةٍ وَأُسَلِّفَك عَلَى حِدَةٍ إنَّمَا النَّهْيُ أَنْ يَكُونَا بِالشَّرْطِ مَجْمُوعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ، فَأَمَّا إذَا أَعْطَيْتُك عَشْرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى مِائَةِ فِرْقٍ إلَى أَجَلٍ فَحَلَّتْ فَإِنَّمَا لِي عَلَيْك الْمِائَةُ فَإِنْ أَخَذْتهَا كُلَّهَا فَهِيَ مَالِي، وَإِنْ أَخَذْت بَعْضَهَا فَهِيَ مَالِي وَأُقِيلُك فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ عَقْدِ الْبَيْعِ فَيَحْرُمُ بِهِ الْبَيْعُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ أُقِيلَك مِنْهَا كُلِّهَا فَيَكُونُ هَذَا إحْدَاثُ إقَالَةٍ لَمْ تَكُنْ عَلَيَّ جَازَ هَذَا فِي بَعْضِهَا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْبَيْعُ بَيْعَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَحَدُهُمَا بَيْعُ عَيْنٍ يَرَاهَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عِنْدَ تَبَايُعِهِمَا وَبَيْعٌ مَضْمُونٌ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ وَكَيْلٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْبَضُ فِيهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يُجِيزُ بَيْعَ السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا غَائِبَةً بِصِفَةٍ ثُمَّ قَالَ لَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ فَلَا يَكُونُ يَتِمُّ الْبَيْعُ فِيهَا فَلَمَّا كَانَتْ مَرَّةً تَسْلَمُ فَيَتِمُّ الْبَيْعُ وَمَرَّةً تَعْطَبُ فَلَا يَتِمُّ الْبَيْعُ كَانَ هَذَا مَفْسُوخًا.

[كِرَاءُ الدَّوَابِّ]

ِّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَإِذَا تَكَارَى رَجُلٌ دَابَّةً مِنْ مَكَّةَ إلَى مَرٍّ فَرَكِبَهَا إلَى الْمَدِينَةِ فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ الَّذِي تَرَاضَيَا عَلَيْهِ إلَى مَرٍّ.
فَإِنْ سَلِمَتْ الدَّابَّةُ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا إلَى الْمَدِينَةِ، وَإِنْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ إلَى مَرٍّ وَقِيمَةُ الدَّابَّةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِعَيْبٍ دَخَلَهَا مِنْ رُكُوبِهِ فَأَثَّرَ فِيهَا مِثْلَ الدَّبْرِ وَالْعَوَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ رَدَّهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ مَا نَقَصَهَا كَمَا يَأْخُذُ قِيمَتَهَا لَوْ هَلَكَتْ، وَإِذَا رَجَعَتْ إلَى صَاحِبِهَا أَخَذَ مَا نَقَصَهَا وَكِرَاءَ مِثْلِهَا إلَى حَيْثُ تَعَدَّى، وَإِذَا هَلَكَتْ الدَّابَّةُ فَلَمْ يَتَعَدَّ الْمُكْتَرِي الْبَلَدَ الَّذِي تَكَارَاهَا إلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا أَنْ يَرْكَبَهَا رُكُوبًا لَا تَرْكَبُهُ الدَّوَابُّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ ذَاهِبًا وَجَائِيًا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي الذَّهَابِ نِصْفُ الْكِرَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الذَّهَابُ وَالْجِيئَةُ يَخْتَلِفَانِ فَيُقْسَمُ الْكِرَاءُ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهِمَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاخْتِلَافِهِمَا، وَلَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا بَعْدَمَا بَلَغَتْ الْمَكَانَ الَّذِي تَكَارَهَا إلَيْهِ مِيلًا، أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ رَدَّهَا فَعَطِبَتْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اكْتَرَاهَا إلَيْهِ ضَمِنَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الضَّمَانِ الَّذِي تَعَدَّى إلَّا بِأَدَائِهَا سَالِمَةً إلَى رَبِّهَا.

[الْإِجَارَاتُ]

ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ قَائِلٌ لَيْسَ كِرَاءُ الْبُيُوتِ، وَلَا الْأَرْضِينَ، وَلَا الظَّهْرِ يُلَازِمُ، وَلَا جَائِزٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَالتَّمْلِيكُ بَيْعٌ وَلَمَّا رَأَيْنَا الْبُيُوعَ تَقَعُ عَلَى أَعْيَانِ حَاضِرَةٍ تُرَى وَأَعْيَانٍ غَائِبَةٍ مَوْصُوفَةٍ مَضْمُونَةٍ، وَالْكِرَاءُ لَيْسَ بِعَيْنٍ حَاضِرٍ، وَلَا غَائِبٍ يُرَى أَبَدًا وَرَأَيْنَا مَنْ أَجَازَهُمَا، قَالَ إذَا انْهَدَمَ الْمَنْزِلُ، أَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ انْتَقَضَ الْكِرَاءُ وَالْإِجَارَةُ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا التَّمْلِيكُ مَا انْقَطَعَ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ إلَى مَنْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ، وَهُوَ إذَا مَلَكَ مُسْتَأْجِرُهُ مَنْفَعَتَهُ فَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ هَكَذَا مِلْكُ الْعَبْدِ لِمَالِكِهِ، وَمَنْفَعَتُهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ مَجْهُولَةٌ أَيْضًا مُخْتَلِفَةٌ بِقَدْرِ نَشَاطِهِ وَبَذْلِهِ وَكَسَلِهِ وَضَعْفِهِ

وَكَذَلِكَ الرُّكُوبُ مُخْتَلِفٌ فَفِيهَا أُمُورٌ تُفْسِدُهَا وَهِيَ عِنْدَنَا بَيْعٌ وَالْبُيُوعُ مَا وَصَفْنَا، وَمَنْ أَجَازَهَا، فَقَدْ يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ وَيُخَالِفُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ فِي أَنَّهَا تَمْلِيكٌ وَلَيْسَتْ مُحَاطًا بِهَا، فَإِنْ قَالَ أُشَبِّهُهَا بِالْبَيْعِ فَلْيَحْكُمْ لَهَا بِحُكْمِهِ، وَإِنْ قَالَ هِيَ بَيْعٌ، فَقَدْ أَجَازَ فِيهَا مَا لَا يُجِيزُهُ فِي الْبَيْعِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْقَوْلُ جَهْلٌ مِمَّنْ قَالَهُ وَالْإِجَارَاتُ أُصُولٌ فِي أَنْفُسِهَا بُيُوعٌ عَلَى وَجْهِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فَأَجَازَ الْإِجَارَةَ عَلَى الرَّضَاعِ وَالرَّضَاعُ يَخْتَلِفُ لِكَثْرَةِ رَضَاعِ الْمَوْلُودِ وَقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَقِلَّتِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إلَّا هَذَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَازَتْ عَلَيْهِ جَازَتْ عَلَى مِثْلِهِ وَمَا هُوَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ أَبَيْنَ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِجَارَةَ فِي كِتَابِهِ وَعَمِلَ بِهَا بَعْضُ أَنْبِيَائِهِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ - قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 26 - 27] الْآيَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ آجَرَ نَفْسَهُ حِجَجًا مُسَمَّاةً مَلَّكَهُ بِهَا بِضْعَ امْرَأَةٍ، فَدَلَّ عَلَى تَجْوِيزِ الْإِجَارَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا عَلَى الْحِجَجِ إنْ كَانَ عَلَى الْحِجَجِ اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى غَيْرِ حِجَجٍ فَهُوَ تَجْوِيزُ الْإِجَارَةِ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَدْ قِيلَ: اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَضَتْ بِهَا السُّنَّةُ وَعَمِلَ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا عَلِمْنَاهُ فِي إجَارَتِهَا وَعَوَامُّ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَنْظَلَةَ مِنْ قَيْسٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ قَالَ أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَرَافِعٌ سَمِعَ النَّهْيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ، وَإِنَّمَا حَكَى رَافِعٌ النَّهْيَ عَنْ كِرَائِهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ تُكْرَى، وَقَدْ يَكُونُ سَالِمٌ سَمِعَ عَنْ رَافِعٍ بِالْخَبَرِ جُمْلَةً فَرَأَى أَنَّهُ حَدَثَ بِهِ عَنْ الْكِرَاءِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَمْ يَرَ بِالْكِرَاءِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بَأْسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ غَيْرُ مَالِكٍ عَنْ رَافِعٍ أَنَّهُ عَلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا (أَخْبَرَنَا) مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ شَبِيهًا بِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى هَلَكَ قَالَ ابْنُهُ: فَمَا كُنْت أَرَاهَا إلَّا أَنَّهَا لَهُ مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ بِيَدِهِ حَتَّى ذَكَرَهَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْإِجَارَاتُ صِنْفٌ مِنْ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ الْبُيُوعَ كُلَّهَا إنَّمَا هِيَ تَمْلِيكٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ يَمْلِكُ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي فِي الْعَبْدِ وَالْبَيْتِ وَالدَّابَّةِ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي اشْتَرَطَ حَتَّى يَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي مَلَكَ مِنْ مَالِكِهَا وَيَمْلِكُ بِهَا مَالِكٌ الدَّابَّةَ وَالْبَيْتَ الْعِوَضَ الَّذِي أَخَذَهُ عَنْهَا، وَهَذَا الْبَيْعُ نَفْسُهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ تُخَالِفُ الْبُيُوعُ فِي أَنَّهَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ عَيْنٍ إلَى مُدَّةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَهِيَ مَنْفَعَةٌ مَعْقُولَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ فَهِيَ كَالْعَيْنِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْبُيُوعُ قَدْ تَجْتَمِعُ فِي مَعْنَى أَنَّهَا مِلْكٌ وَتَخْتَلِفُ فِي أَحْكَامِهَا، وَلَا يَمْنَعُهَا اخْتِلَافُهَا فِي عَامَّةِ أَحْكَامِهَا وَأَنَّهُ يَضِيقُ فِي بَعْضِهَا الْأَمْرُ وَيَتَّسِعُ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا بُيُوعًا يُحَلِّلُهَا مَا يُحَلِّلُ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهَا مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ بَعْدُ فِي مَعَانٍ أُخَرُ فَلَا يَبْطُلُ صِنْفٌ مِنْهَا خَالَفَ صِنْفًا فِي بَعْضِ أَمْرِهِ بِخِلَافِهِ صَاحِبَهُ، وَإِنْ كَانَا قَدْ يَتَّفِقَانِ فِي مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَلَفَا فِيهِ فَالْبُيُوعُ لَا تَحِلُّ إلَّا

بِرِضًا مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَعِنْدَنَا لَا تَجِبُ إلَّا بِأَنْ يَتَفَرَّقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مِنْ مَقَامِهِمَا، أَوْ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَخْتَارُ إجَازَةَ الْبَيْعِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ الْبُيُوعُ فَيَكُونُ مِنْهَا الْمُتَصَارِفَانِ لَا يَحِلُّ لَهُمَا أَنْ يَتَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ، وَإِنْ تَفَاضَلَتْ الذَّهَبُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ ثُمَّ يَكُونَانِ إنْ تَصَارَفَا ذَهَبًا بِوَرِقٍ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ تَفَرَّقَ الْمُتَصَارِفَانِ الْأَوَّلَانِ، أَوْ هَذَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا انْتَقَضَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ الْمُتَبَايِعَانِ السِّلْعَةَ سِوَى الصَّرْفِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ بِالنَّقْدِ وَيَقْبِضُ الثَّوْبَ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَّا بَعْدَ حِينٍ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَيَكُونُ السَّلَفُ فِي الشَّيْءِ الْمَضْمُونِ إلَى أَجَلٍ يُعَجِّلُ الثَّمَنَ وَيَكُونُ الْمُشْتَرَى غَيْرَ حَالٍّ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا وَيُضَيَّقُ فِيمَا كَانَ يَكُونُ غَيْرَ هَذَا مِنْ الْبُيُوعِ الَّتِي جَازَتْ فِي هَذَا مَعَ اخْتِلَافِ الْبُيُوعِ فِي غَيْرِ هَذَا وَكُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ جُمْلَةً اسْمُ الْبَيْعِ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا فَحُكْمُهُمَا فِي هَذَا وَاحِدٌ وَفِي سِوَاهُ مُخْتَلِفٌ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَبْضُ الْإِجَارَاتِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُ الثَّمَنِ كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الثَّمَنِ إذَا دُفِعَتْ السِّلْعَةُ الْمُشْتَرَاةُ بِعَيْنِهَا أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْءَ الَّذِي فِيهِ الْمَنْفَعَةُ إنْ كَانَ عَبْدًا اُسْتُؤْجِرَ دَفَعَ الْعَبْدَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيرًا دَفَعَ الْبَعِيرَ، وَإِنْ كَانَ مَسْكَنًا دَفَعَ الْمَسْكَنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي فِيهِ كَمَالُ الشَّرْطِ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي اشْتَرَطَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ دَفْعٌ إلَّا هَكَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا دَفْعُ مَا لَا يُعْرَفُ فَهَذَا مِنْ عِلَّةِ أَهْلِ الْجَهَالَةِ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الْإِجَارَاتِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَنْفَعَةُ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ قَائِمَةٍ إلَى مُدَّةٍ كَدَفْعِ الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ غَيْرَ عَيْنٍ تُرَى فَهِيَ مَعْقُولَةٌ مِنْ عَيْنٍ وَلَيْسَ دَفْعُ الْمَنْفَعَةِ بِدَفْعِ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ الْمَنْفَعَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ غَيْرَ عَيْنٍ تُرَى حِينَ دُفِعَتْ فَأَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ الْبَيْعُ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَيْنٍ، وَإِذَا صَحَّ أَنْ يَمْلِكَهَا مِنْ السِّلْعَةِ وَالْمَسْكَنِ وَهِيَ غَيْرُ عَيْنٍ، وَلَا مَضْمُونَةٍ فَلَمْ تَفْسُدْ كَمَا زَعَمَ مَنْ أَفْسَدَهَا؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَيْنٍ فَهِيَ كَالْعَيْنِ بِأَنَّهَا مِنْ عَيْنٍ، فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ انْتَفَعُوا بِهِ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ وَأَجَازَهُ الْمُسْلِمُونَ لَهُ فَدَفَعَهُ إذَا دَفَعَ كَمَا لَا يُسْتَطَاعُ غَيْرُهُ أَوْلَى أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الدَّفْعِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالدَّفْعُ أَخَفُّ مِنْ مِلْكِ الْعُقْدَةِ؛ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ تَفْسُدُ فَيَبْطُلُ الدَّفْعُ وَالدَّفْعُ يَفْسُدُ، وَلَا تَفْسُدُ الْعُقْدَةُ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ مَعْرُوفًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ مِنْ عَيْنٍ فَيَصِحُّ وَيَلْزَمُ كَمَا يَصِحُّ مِلْكُ الْأَعْيَانِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الدَّفْعُ لِلْعَيْنِ الَّتِي فِيهَا الْمَنْفَعَةُ يَقُومُ مَقَامَ دَفْعِ الْأَعْيَانِ إذَا دُفِعَتْ الْعَيْنُ الَّتِي فِيهَا الْمَنْفَعَةُ فَهُوَ كَدَفْعِ الْعَيْنِ إذَا كَانَ هَذَا الدَّفْعُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ فِيهَا غَيْرُهُ أَبَدًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ قَوْلَنَا فِي إجَازَةِ الْإِجَارَاتِ بَعْضُ النَّاسِ وَشَدَّدَهَا وَاحْتَجَّ فِيهَا بِالْآثَارِ وَزَعَمَ أَنَّ مَا احْتَجَجْنَا بِهِ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا فِي رَدِّهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ لِمَا ثَبَتَ مِنْهَا فَقَالَ فِيهَا أَقَاوِيلَ كَأَنَّهُ عَمَدَ نَقْضَ بَعْضِ مَا ثَبَتَ مِنْهَا وَتَوْهِينَ مَا شُدِّدَ فَقَالَ: الْإِجَارَاتُ جَائِزَةٌ، وَقَالَ: إذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا، أَوْ مَنْزِلًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَجَّرَ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا اُخْتُدِمَ الْعَبْدُ، أَوْ سَكَنَ الْمَسْكَنَ كَأَنَّهُ تَكَارَى بَيْتًا بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ فَمَا لَمْ يَسْكُن لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ إذَا سَكَنَ يَوْمًا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ثُمَّ هَكَذَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ " الْخَبَرُ وَإِجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ بِإِجَازَةِ الْإِجَارَةِ ثَابِتٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَك وَالْإِجَارَةُ مِلْكٌ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْمَنْفَعَةِ وَمِنْ الْمُؤَجَّرِ لِلْعِوَضِ الَّذِي بِالْمَنْفَعَةِ وَالْبُيُوعُ إنَّمَا هِيَ تَحْوِيلُ الْمِلْكِ مِنْ شَيْءٍ لِمُلْكِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ لَيْسَتْ الْإِجَارَةُ بِبَيْعٍ قُلْنَا وَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهَا لَيْسَتْ بِبَيْعٍ وَهِيَ تَمْلِيكُ شَيْءٍ بِتَمْلِيكِ غَيْرِهِ؟ قَالَ، أَلَا تَرَى

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأم للشافعي · 390 صفحة
المقدمة
َ وَقْتُ الْعَصْرِ
بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ،
وَقْتِ الْجُمُعَةِ
ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
فدية الجراد
ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ
[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .
ُ الْغَصْبِ
ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
ْ الصَّدَقَةُ
مَا جَاءَ فِي نِكَاح إمَاء الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِر أَهْل الْكتاب وَإِمَائِهِمْ
ُ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي تَحِيضُعدة الْحُرَّة مِنْ أَهْل الْكتاب عِنْد الْمُسْلِم وَالْكِتَابِيّ
َالْإِحْدَادُ
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ
َجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ
اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ وَالْفَارِسَيْنِ
َدَعْوَى الْأَعَاجِمِ
ِ بَابُ الدِّيَاتِ
َمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ
جارٍ التحميل