الأم للشافعيصفحات 363-14
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ بَابُ الدِّيَاتِ

صفحات 363-14

فَكَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ فِي الْمُقَاتِلَةِ فَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِإِجَازَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ أُحُدٍ وَمَا أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فِي سَفَرٍ مِنْ أَسْفَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّ أَسْمَاءَ وَلَدَتْهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَثَبَتَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْفُتْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ غَزْوَهُمْ وَمُقَامَهُمْ فِيهِ كَانَ أَقَلَّ مُدَّةٍ مِنْ أَنْ يَتَفَرَّغُوا لِلنِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْحُجَّةُ فِي هَذَا مِثْلُ الْحُجَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلُ فِي النِّسَاءِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ يُرْضَخُ لِلْغِلْمَانِ وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ لِلنِّسَاءِ وَيُرْضَخُ.

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُسْلِمُ ثُمَّ يَلْحَقُ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمٍ إلَّا أَنْ يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ قِتَالًا فَيُقَاتِلَ مَعَهُمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الشِّرْكِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوا غَنَائِمَهُمْ فَحَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إسْهَامُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَكِّرْ فِي قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَفْتَى فِي جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَدَدًا لِلْجَيْشِ الَّذِي فِيهَا أَنَّهُمْ لَا يُشْرَكُونَ فِي الْمَغَانِمِ وَقَالَ فِي هَذَا أَشْرِكْهُ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَمَا غَنِمُوا وَالْجَيْشُ الْمُسْلِمُونَ الْمَدَدُ الَّذِينَ شَدَّدُوا ظُهُورَهُمْ وَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفِهِمْ وَكَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَعَوْنًا لَا يُشْرِكُونَهُمْ وَيُشْرِكُ الَّذِي قَاتَلَهُمْ وَدَفَعَهُمْ عَنْ الْغَنِيمَةِ بِجَهْدِهِ وَقُوَّتِهِ حَتَّى أَعَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَسْلَمَ فَأَخَذَ نَصِيبَهُ.
سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَشَدَّ هَذَا الْحُكْمَ وَالْقَوْلَ وَمَا نَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِمِثْلِ هَذَا وَبَلَغَنَا أَنَّ رَهْطًا أَسْلَمُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَسْهَمَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَعْلُومٌ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْغَزَوَاتِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ إنَّمَا الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ إنَّمَا الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ يَثْبُتُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَحْضُرُنِي حِفْظُهُ فَمَنْ شَهِدَ قِتَالًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُشْرِكًا فَأَسْلَمَ أَوْ عَبْدًا فَأُعْتِقَ وَجَاءَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ شَرِكَ فِي الْغَنِيمَةِ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَإِنْ لَمْ تُحْرَزْ الْغَنَائِمُ لَمْ يَشْرَكْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَشْرَكَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِتَالَ وَيَكُونُ رِدْءًا لِأَهْلِ الْقِتَالِ غَازِيًا مَعَهُمْ جَازَ أَنْ يُسْهَمَ لِمَنْ قَارَبَ بِلَادَ الْعَدُوِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ مَجْمُوعُونَ عَلَى الْغَوْثِ لِمَنْ دَخَلَ بِلَادَ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي التَّاجِرِ يَكُونُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَيَكُونُ فِيهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ أَسْلَمَ فَيَلْحَقَانِ جَمِيعًا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَمَا يُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُمَا إذْ لَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ قِتَالًا بَعْدَ لِحَاقِهِمَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُسْهَمُ لَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَيْفَ يُسْهَمُ لِهَذَيْنِ وَلَا يُسْهَمُ لِلْجُنْدِ الَّذِينَ هُمْ رِدْءٌ لَهُمْ وَمَعُونَةٌ؟ مَا أَشَدَّ اخْتِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ؟ ، وَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِهَؤُلَاءِ وَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِي التَّاجِرِ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ يَلْتَقِيَانِ بِالْمُسْلِمِينَ لَا يُسْهَمُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَلْقَيَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا فَيَشْتَرِكَانِ فِيمَا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِنَا الْأَوَّلِ وَكَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي حَنِيفَةَ إذَا قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَهُ فِي الْمَدَدِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَدَدِ خِلَافَهُ فَزَعَمَ أَنَّ الْمَدَدَ يُشْرِكُونَ الْجَيْشَ مَا لَمْ يَخْرُجْ بِالْغَنِيمَةِ مِنْ بِلَادِ الْحَرْبِ فَإِنْ قَالَ عَلَى أُولَئِكَ عَنَاءٌ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَيْنِ فَقَدْ يَنْبَعِثُونَ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِسَاعَةٍ وَلَا يَجْعَلُ لَهُمْ شَيْئًا فَلَوْ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِالْعَنَاءِ جَعَلَهُ مَا لَمْ تُقْسَمْ الْغَنِيمَةُ وَلَوْ جَعَلَهُ بِشُهُودِ

الْوَقْعَةِ كَمَا جَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِينَ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَّا بِشُهُودِ الْوَقْعَةِ فَهَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ.

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ وَيَأْخُذُ سَلَبَهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَهُ إيَّاهُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَضَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَتَلَ عِلْجًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَعَمِلَتْ بِهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ إلَى الْيَوْمِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ إذَا نَفَلَ الْإِمَامُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ جَائِزٌ وَهَذَا النَّفَلُ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُنَفِّلْ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَلَا يُنَفَّلُ أَحَدٌ دُونَ أَحَدٍ وَالْغَنِيمَةُ كُلُّهَا بَيْنَ جَمِيعِ الْجُنْدِ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمَقَاسِمُ وَهَذَا أَوْضَحُ وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَشُكَّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْقَوْلُ فِيهَا مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَقُولُ قَوْلَهُ.
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَا مُخَالِفَ لَهُ عَلِمْته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ لِأَنَّهُ وَجَدَ سَلَبَ قَتِيلٍ أَبِي قَتَادَةَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ يَدَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ هَذَا قَبْلَ الْحَرْبِ إنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَالسَّلَبُ لِمَنْ قَتَلَ مُقْبِلًا فِي الْحَرْبِ مُبَارِزًا أَوْ غَيْرَ مُبَارِزٍ قَالَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ وَهَذَا حُكْمٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُكْمُ مَنْ سَنَّهُ بَعْدَهُ قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَقَدْ قَالَهُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يُسَمَّى بِشْرَ بْنَ عَلْقَمَةَ قَالَ بَادَرْت رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَبَلَغَ سَلَبُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَنَفَّلَنِيهِ سَعْدٌ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ الْعَلَفَ فَيَفْضُلُ مَعَهُ شَيْءٌ بَعْدَمَا يَخْرُجُ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ لَمْ تُقَسَّمْ أَعَادَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قُسِّمَتْ بَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَخْرُجُونَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ بِفَضْلِ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَقْدَمُونَ بِهِ عَلَى أَهْلِيهِمْ وَبِالْقَدِيدِ وَيُهْدِي بَعْضٌ إلَى بَعْضٍ لَا يُنْكِرُهُ إمَامٌ وَلَا يَعِيبُهُ عَالِمٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَاعَ شَيْئًا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ الْغَنَائِمَ أَلْقَى ثَمَنَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَبَا عَمْرٍو مَا أَشَدَّ اخْتِلَافَ قَوْلِك تُشَدِّدُ فِيمَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ إذَا كَانَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَتَنْهَى عَنْ السِّلَاحِ إلَّا فِي مَعْمَعَةِ الْقِتَالِ وَتُرَخِّصُ فِي أَنْ يَخْرُجَ بِالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُهْدِيهِ إلَى صَاحِبِهِ هَذَا مُخْتَلِفٌ فَكَيْفَ ضَاقَ الْأَوَّلُ مَعَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ وَاتَّسَعَ هَذَا لَهُمْ وَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَالْقَلِيلُ مِنْ هَذَا وَالْكَثِيرُ مَكْرُوهٌ يُنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ؟ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ وَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِ بَعِيرٍ إلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ بِكُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: هَبْ هَذَا إلَيَّ أَخِيطُ بَرْذَعَةَ بَعِيرٍ لِي أَدْبَرَ فَقَالَ أَمَّا نَصِيبِي مِنْهُ فَهُوَ لَك فَقَالَ إذَا بَلَغْت هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا.
وَقَدْ بَلَغَنَا نَحْوٌ مِنْ هَذَا مِنْ الْآثَارِ وَالسُّنَّةِ الْمَحْفُوظَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَكَيْفَ يُرَخِّصُ أَبُو عَمْرٍو فِي الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ يُنْتَفَعُ بِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يُضَيِّقُ أَبُو عَمْرٍو فِي السِّلَاحِ وَيُوَسِّعُ فِي الطَّعَامِ فَإِنَّ أَبَا عَمْرٍو لَمْ يَأْخُذْ الْفَرْقَ بَيْنَ السِّلَاحِ وَالطَّعَامِ مِنْ رَأْيِهِ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ السُّنَّةِ وَمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ جَوَازِ الطَّعَامِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ أَنْ يَأْكُلَهُ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ قَدَرَ عَلَى سِلَاحٍ وَكُرَاعٍ غِنًى عَنْهُ أَنْ يَرْكَبَ وَلَا يَتَسَلَّحَ السِّلَاحَ وَبِكُلِّ هَذَيْنِ مَضَتْ السُّنَّةُ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الَّذِي قَالَ

الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِفَضْلِ الطَّعَامِ لِلْقِيَاسِ إذَا كَانَ يَأْخُذُ الطَّعَامَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ فَيَكُونُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْجَيْشِ فَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ إنَّمَا فَضَلَ مِنْ شَيْءٍ قَدْ كَانَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْهُ إلَّا أَدَاؤُهُ إلَى الْمَغْنَمِ لِأَنَّهُ لِلْجَيْشِ كُلِّهِمْ وَلِأَهْلِ الْخُمُسِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ التَّصَدُّقُ بِهِ لِأَنَّهُ تَصَدُّقٌ بِمَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ لَا أَجِدُ أَهْلَ الْجَيْشِ وَوَجَدَ أَمِيرَ الْجَيْشِ أَوْ الْخَلِيفَةَ أَدَّاهُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى الْجَارِيَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُقْرُ وَالْجَارِيَةُ وَوَلَدُهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَكَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ عَلَيْهِ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَمَهْرُ قِيمَةٍ عَدْلٍ وَيُلْحِقُونَهَا وَوَلَدَهَا بِهِ لِمَكَانِهِ الَّذِي لَهُ فِيهَا مِنْ الشِّرْكِ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ عَلَى مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَفِيهَا الْعُقْرُ.
بَلَغَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي جَارِيَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ.
أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ إنْ يُخْطِئْ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ فَإِذَا وَجَدْتُمْ لِمُسْلِمٍ مَخْرَجًا فَادْرَءُوا عَنْهُ الْحَدَّ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَبَلَغَنَا نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ زَانِيًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ إنْ كَانَ مُحْصَنًا وَالْجَلْدُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ وَلَا يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ لِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَالْعَاهِرُ الزَّانِي وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الزَّانِي أَبَدًا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَهُوَ زَانٍ أَرَأَيْت رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ وَأَمْضَى عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْحَدَّ أَيَكُونُ عَلَيْهِ مَهْرٌ وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ؟ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَجَمَ غَيْرَ وَاحِدٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالسَّلَفِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحُدُودَ عَلَى الزُّنَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَضَى مَعَ ذَلِكَ بِمَهْرٍ وَلَا أَثْبَتَ مِنْهُ نَسَبَ الْوَلَدِ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالصَّدَاقُ، الصَّدَاقُ دَرْءُ الْحَدِّ وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فِي الْمَرْأَةِ يُؤْتَى بِهَا وَقَدْ فَجَرَتْ فَتَقُولُ جُعْت فَأَعْطَانِي وَتَقُولُ الْأُخْرَى عَطِشْت فَسَقَانِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَقُولُ هَذَا وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي وَطِئَ الْجَارِيَةَ لَهُ نَصِيبٌ فِيهَا فَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ أَرَأَيْت الَّذِي وَطِئَ الْجَارِيَةَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ لَوْ أَعْتَقَ جَمِيعَ السَّبْيِ أَكَانَ يَجُوزُ عِتْقُهُ فِيهِمْ وَلَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ يَجُوزُ فِي جَمَاعَتِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ حَيْثُ جَعَلَ غَنِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ مَوْلًى لِرَجُلٍ وَاحِدٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَبَا يُوسُفَ احْتَجَّ بِحَرْفٍ مِنْ هَذَا إلَّا عَلَيْهِ زَعَمَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَقَعَ بِالْجَارِيَةِ مِنْ السَّبْيِ لَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ نَسَبٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَهْرٌ لِأَنَّهُ زِنًا وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاقِعَ عَلَى الْجَارِيَةِ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى الْجَارِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرِ عَلَيْهِ الْعُقْرُ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَنَحْنُ وَهُوَ نُلْحِقُ الْوَلَدَ بِهِ فَلَوْ قَاسَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَاقِعَ عَلَى الْجَارِيَةِ مِنْ الْجَيْشِ عَلَى الْوَاقِعِ عَلَى الْجَارِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ لَحِقَ النَّسَبَ وَجَعَلَ عَلَيْهِ الْمَهْرَ وَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ، وَإِنْ جَعَلَهُ زَانِيًا كَمَا قَالَ لَزِمَهُ أَنْ يَحُدَّهُ إنْ كَانَ ثَيِّبًا حَدَّ الزِّنَا بِالرَّجْمِ، وَحَدَّهُ حَدَّ الْبِكْرِ إنْ كَانَ بِكْرًا فَجَعَلَهُ زَانِيًا غَيْرَ زَانٍ وَقِيَاسًا عَلَى شَيْءٍ وَخَالَفَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَاسَهَا عَلَيْهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ ذَهَبَ فِي أَدْنَى الْحَدَّيْنِ إلَى شَيْءٍ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مَوْلَاةٍ لِحَاطِبٍ زَنَتْ فَاسْتَهَلَّتْ بِالزِّنَا فَرَأَى أَنَّهَا تَجْهَلُهُ وَهِيَ ثَيِّبٌ فَضَرَبَهَا مِائَةً وَهِيَ ثَيِّبٌ وَمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ الْجَيْشِ

لَوْ أَعْتَقَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ أَيْضًا لَا يَقُولُ فِي عِتْقِ الرَّجُلِ مِنْ الْجَيْشِ قَوْلًا مُسْتَقِيمًا فَزَعَمَ أَنَّ الْجَيْشَ إذَا أَحْرَزُوا الْغَنِيمَةَ فَأَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ الْجَيْشِ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِمْ شِرْكٌ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ وَيَقُولُ فَإِنْ قُسِّمُوا بَيْنَ أَهْلِ كُلِّ رَايَةٍ فَأَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الرَّايَةِ جَازَ الْعِتْقُ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فَجَعَلَهُ مَرَّةً شَرِيكًا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَأُخْرَى شَرِيكًا لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ.

[فِي الْمَرْأَةِ تُسْبَى ثُمَّ يُسْبَى زَوْجُهَا]

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَرْأَةِ إذَا سُبِيَتْ ثُمَّ سُبِيَ زَوْجُهَا بَعْدَهَا بِيَوْمٍ وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا كَانَا فِي الْمَقَاسِمِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ فَشَاءَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا جَمَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ زَوَّجَهَا لِغَيْرِهِ بَعْدَمَا يَسْتَبْرِئُهَا بِحَيْضَةٍ عَلَى ذَلِكَ مَضَى الْمُسْلِمُونَ وَنَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّمَا بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا وَأَزْوَاجُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وأحرزوهم دُونَ أَزْوَاجِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى مِنْ الْفَيْءِ حَتَّى يَضَعْنَ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ حَيْضَةٍ» وَأَمَّا الْمَرْأَةُ سُبِيَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا وَصَارَا مَمْلُوكَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الْغَنِيمَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَكَيْفَ يَجْمَعُ الْمَوْلَى بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَ فِي قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ فَهُوَ إذَا كَانَ صَحِيحًا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَحَدًا غَيْرَهُ وَلَا يَطَؤُهَا هُوَ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ قَدْ انْتَقَضَ فَلَيْسَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَقْبَلٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «سَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْيَ أَوْطَاسٍ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَأَسَرَ مِنْ رِجَالِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَقَسَّمَ السَّبْيَ وَأَمَرَ أَنْ لَا تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ ذَاتِ زَوْجٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا هَلْ سُبِيَ زَوْجٌ مَعَ امْرَأَتِهِ وَلَا غَيْرُهُ وَقَالَ وَإِذَا اُسْتُؤْمِنَّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَاسْتُبْرِئَتْ أَرْحَامُهُنَّ بِحَيْضَةٍ» فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَصْيِيرَهُنَّ إمَاءً بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ قَطْعٌ لِلْعِصْمَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ وَلَيْسَ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ بِأَكْثَرَ مِنْ اسْتِئْمَانِهِنَّ بَعْدَ حُرِّيَّتِهِنَّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَبُو يُوسُفَ قَدْ خَالَفَ الْخَبَرَ وَالْمَعْقُولَ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ بَلْ انْتَظِرْ بِاَلَّتِي سُبِيَتْ أَنْ يَخْلُوَ رَحِمُهَا فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا مُسْلِمًا وَأَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْبَ مَعَهَا كَانَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِلَّا حَلَّتْ وَلَا أَنْتَظِرُ بِاَلَّتِي سُبِيَ مَعَهَا زَوْجُهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءَ ثُمَّ أُصِيبُهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا قَدْ أُرِقَّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَحَالُ حُكْمِهِ كَمَا حَالُ حُكْمِهَا أَمَا كَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَبِي يُوسُفَ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا فَأُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُخْرِجَ الْآخَرُ بَعْدَهُ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَدْ اسْتَرَدَّهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ «كَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُهَاجِرِينَ نِسْوَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ الْعِدَّةُ فَرَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِمْ» قَالَ أَبُو يُوسُفَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ هَذَا يَنْقُضُ قَوْلَ الْأَوَّلِ زَعَمَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا إلَى زَوْجِهَا وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ وَإِنْ شَاءَ وَطِئَهَا وَهِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدُ.
وَزَعَمَ أَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى زَوْجِهَا وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ اسْتَحَلَّ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَقَعَ السِّبَاءُ وَأُخْرِجَ بِهِنَّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ فِي السَّبَايَا أَنْ لَا تُوطَأَ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ كَانَ أَزْوَاجُهُنَّ أَحَقَّ بِهِنَّ فِيهَا إنْ جَاءُوا وَلَمْ يَأْمُرْ بِوَطْئِهِنَّ فِي عِدَّةٍ وَالْعِدَّةُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ

عِدَّةٌ وَلَا حَقَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ فِيهِنَّ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَبْرِئُونَهُنَّ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَأْبَقُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَدْرَكَهُ سَيِّدُهُ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ قِيمَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَسَرُوهُ فَأَصَابَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ أَصَابَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ أَبَقَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُسْلِمٌ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ رَدَّهُ إلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَإِنْ أَبَقَ وَهُوَ كَافِرٌ خَرَجَ مِنْ سَيِّدِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ وَأَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَلَوْ كَانَ أُخِذَ أَسِيرًا لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ وَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَمْ يَرْجِعْ هَذَا الْعَبْدُ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَمْ تَكُنْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَحُوزَ الْمُشْرِكُونَ الْعَبْدَ إلَيْهِمْ كَمَا يَحُوزُونَ الْعَبْدَ الَّذِي اشْتَرَوْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الصَّلْبِ فَلَمْ تَمْضِ بِهَذَا سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا نَعْلَمُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنَّمَا الصَّلْبُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ.
قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَبْدٍ وَبَعِيرٍ أَحْرَزَهُمَا الْعَدُوُّ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَاحِبِهِمَا إنْ أَصَبْتهمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُمَا لَك» قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي عَبْدٍ أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ فَظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَوَّلُهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ لُقَطَاؤُهُمْ» قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ وَشِبْهِهِ.
وَقَوْلُهُ وَيَرُدُّ مُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ فَهَذَا عِنْدَنَا فِي الْجَيْشِ إذَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ رَدَّ الْجَيْشُ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْقُعَّدِ فِيهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الَّذِي يَأْسِرُهُ الْعَدُوُّ وَقَدْ أَحْرَزُوهُ وَمَلَكُوهُ فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فَالْقَوْلُ فِيهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا أَبَقَ إلَيْهِمْ فَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَلَا تَرَى أَنَّ عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ لَوْ حَارَبُوا الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْحَقُوا بِالْعَدُوِّ فَقَاتَلُوا وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْإِسْلَامِ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُمْ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَى مَوَالِيهِمْ فَأَمَّا الصَّلْبُ فَلَيْسَ يَدْخُلُ فِيمَا هَهُنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ إنْ أَبَقَ إلَى الْعَدُوِّ؛ وَالْعَبْدِ يُحْرِزُهُ الْعَدُوُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَهُمَا لِسَيِّدِهِمَا إذَا ظَفِرَ بِهِمَا وَحَالُهُمْ قَبْلُ يُقَسَّمَانِ وَحَالُهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا قَبْلَ الْقَسْمِ أَخَذَهُمَا بَعْدَهُ وَقَدْ قَالَ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِثَمَنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرَ إلَّا بِثَمَنٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ السَّبْيُ رِجَالًا وَنِسَاءً وَأُخْرِجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُبَاعُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَتَقَوَّوْا.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَرَوْنَ بِبَيْعِ السَّبَايَا بَأْسًا وَكَانُوا يَكْرَهُونَ بَيْعَ الرِّجَالِ إلَّا أَنْ يُفَادَى بِهِمْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَلَا صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ لِأَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَكْرَهُ أَنْ يُرَدُّوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْ الصِّبْيَانِ صَبِيٌّ لَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ وَلَا أَحَدُهُمَا صَلَّيْت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَفِي دَارِهِمْ وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَقَدْ صَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَأَكْرَهُ أَنْ يُرَدُّوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَرَأَيْت تَاجِرًا مُسْلِمًا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِرَقِيقٍ لِلْمُسْلِمِينَ كُفَّارٍ أَوْ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِ أَهْلِ الذِّمَّةِ رِجَالًا وَنِسَاءً أَكُنْت تَدَعُهُ وَذَلِكَ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَكَثَّرُونَ وَتَعْمُرُ بِلَادُهُمْ أَلَا تَرَى أَنِّي لَا أَتْرُكُ تَاجِرًا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ السِّلَاحِ وَالْحَدِيدِ وَشَيْءٍ مِنْ الْكُرَاعِ مِمَّا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي الْقِتَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ صَارُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُمْ فِي مُلْكِهِمْ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَنُوا وَلَا يُصْنَعُ

بِهِمْ مَا يُقَرِّبُ إلَى الْفِتْنَةِ وَأَمَّا مُفَادَاةُ الْمُسْلِمِ بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانُهُمْ مَعَهُمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا بَأْسَ فِي الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ بِأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ أَوْ يُفَادِيَ بِهِمْ وَيُؤْخَذَ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يُخْلُوا وَاَلَّذِي قَالَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ هَذَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُسَارَى يَوْمِ بَدْرٍ فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَخَذَ الْفِدْيَةَ مِنْ بَعْضِهِمْ وَمَنَّ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ أَسَرَ بَعْدَهُمْ بِدَهْرٍ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُشْرِكٌ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ وَمَنَّ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ الْمُشْرِكِينَ وَوَهَبَ الزُّبَيْرَ بْنَ بَاطَا لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ لِيَمُنَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَ الزُّبَيْرُ أَنْ يَقْتُلَهُ وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ فَبَعَثَ بِثُلُثٍ إلَى نَجْدٍ وَثُلُثٍ إلَى تِهَامَةَ وَثُلُثٍ قِبَلَ الشَّامِ فَبِيعُوا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَفَدَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ.
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَى رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا الصِّبْيَانُ إذَا صَارُوا إلَيْنَا لَيْسَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَحَدُ وَالِدَيْهِ فَلَا نَبِيعُهُمْ مِنْهُمْ وَلَا يُفَادَى بِهِمْ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ مَا كَانُوا مَعَهُمْ فَإِذَا تَحَوَّلُوا إلَيْنَا وَلَا وَالِدَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَالِكِهِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَقْوَى بِهِمْ أَهْلُ الْحَرْبِ فَقَدْ يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ إلَيْهِ فَيَمُنُّ عَلَى غَيْرِهِمْ بِهِمْ وَهَذَا مِمَّا يَحِلُّ لَنَا أَرَأَيْت صِلَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْمَالِ وَإِطْعَامَهُمْ الطَّعَامَ أَلَيْسَ بِأَقْوَى لَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحَالَاتِ مِنْ بَيْعِ عَبْدٍ أَوْ عَبْدَيْنِ مِنْهُمْ وَقَدْ «أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ إنَّ أُمِّي أَتَتْنِي وَهِيَ رَاغِبَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ» وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَكَسَا ذَا قَرَابَةٍ لَهُ بِمَكَّةَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] مَعَ مَا وَصَفْت مِنْ بَيْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُشْرِكِينَ سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَمَّا الْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِي بَيْعِهِمَا وَهُوَ لَا يُجِيزُ أَنْ نَبِيعَهُمَا.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ أَسْرَى فَأَخْرَجُوهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا وَصَارُوا فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ اثْنَانِ قَدْ كُنَّا أَمَّنَّاهُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذُوا أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هُمْ مُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَانُهُمْ جَائِزٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَعْقِدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» وَلَمْ يَقُلْ إنْ جَاءَ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ لَهُمْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَانٍ وَوُجُوهٌ لَا يُبْصِرُهَا إلَّا مَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَنَا يَعْقِدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوَّلُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ الْقَوْمُ يَغْزُونَ قَوْمًا فَيَلْتَقُونَ فَيُؤَمِّنُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ يُصَالِحُهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا «أَمَّنَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ وَأَجَازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَأَمَّا غَنِيمَةً أَحْرَزَهَا الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَدْ كُنْت أَمَّنْتهمْ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَأَيْت إنْ كَانَ إذَا غَزَا فَاسِقًا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَى قَوْلِهِ أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَقَالَتْ ذَلِكَ تُصَدَّقُ أَرَأَيْت إنْ قَالَ ذَلِكَ عَبْدٌ أَوْصَى أَرَأَيْت إنْ قَالَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ اسْتَعَانَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِي حَرْبِهِمْ لَهُ فِيهِمْ أَقْرِبَاءُ أَيُصَدَّقُ أَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَهُ فِيهِمْ قَرَابَاتٌ أَيُصَدَّقُ فَلَيْسَ يُصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَلْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ

يَعْقِدُ لَهُمْ أَدْنَاهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا مُفَسَّرًا هَكَذَا قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَالِفًا لِهَذَا عَنْ الثِّقَةِ «ادَّعَى رَجُلٌ وَهُوَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَرَى عَلَيْهِ الْفِدَاءُ وَأُخِذَ مَا كَانَ مَعَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَلَمْ يَحْسُبْ لَهُ مِنْ الْفِدَاءِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْ أَمْرِك فَكَانَ عَلَيْنَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : حَالُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مُخَالَفَةُ حَالِهِمْ بَعْدَمَا يَمْلِكُونَهُمْ فَإِذَا قَالَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ امْرَأَةٌ قَدْ أَمَّنْتهمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ تُخْرِجُهُمْ مِنْ أَيْدِي مَالِكِيهِمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَكِنْ إنْ قَامَ شَاهِدَانِ فَشَهِدَا أَنَّ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَّنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا أَسْرَى فَهُمْ آمِنُونَ أَحْرَارٌ وَإِذَا أَبْطَلْنَا شَهَادَةَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ فَحَقُّهُ مِنْهُمْ بَاطِلٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ وَقَدْ زَعَمَ أَنْ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[حَالُ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ وَفِيهِمْ أَطْفَالُهُمْ]

ْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا حَصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَدُوَّهُمْ فَقَامَ الْعَدُوُّ عَلَى سُورِهِمْ مَعَهُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ يَتَتَرَّسُونَ بِهِمْ قَالَ يَرْمُونَهُمْ بِالنَّبْلِ وَالْمَنْجَنِيقِ يَعْمِدُونَ بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرْبِ وَلَا يَتَعَمَّدُونَ بِذَلِكَ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَكُفُّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ رَمْيِهِمْ فَإِنْ بَرَزَ أَحَدٌ مِنْهُمْ رَمَوْهُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: 25] حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ فَكَيْفَ يَرْمِي الْمُسْلِمُونَ مَنْ لَا يَرَوْنَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَأَوَّلَ الْأَوْزَاعِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي غَيْرٍ وَلَوْ كَانَ يَحْرُمُ رَمْيُ الْمُشْرِكِينَ وَقِتَالُهُمْ إذَا كَانَ مَعَهُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ لَحَرُمَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْهُمْ إذَا كَانَ مَعَهُمْ أَطْفَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالصِّبْيَانِ وَقَدْ حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الطَّائِفِ وَأَهْلَ خَيْبَرَ وَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ وَأَجْلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فِيمَا بَلَغَنَا أَشَدَّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَبَلَغَنَا أَنَّهُ نَصَبَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ الْمَنْجَنِيقَ فَلَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْكَفُّ عَنْ الْمُشْرِكِينَ إذَا كَانَ فِي مَيْدَانِهِمْ الْأَطْفَالُ لَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ لَمْ يُقَاتَلُوا لِأَنَّ مَدَائِنَهُمْ وَحُصُونَهُمْ لَا تَخْلُو مِنْ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ الْفَانِي وَالصَّغِيرِ وَالْأَسِيرِ وَالتَّاجِرِ وَهَذَا مِنْ أَمْرِ الطَّائِفِ وَغَيْرِهَا مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسِيرَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُصُونِ الْأَعَاجِمِ قَبْلَنَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَفَّ عَنْ حِصْنٍ بِرَمْيٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْقُوَّةِ لِمَكَانِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَلِمَكَانِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَّا مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِمْ الْأَطْفَالُ وَالنِّسَاءُ وَالرُّهْبَانُ وَمَنْ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارَيْنِ فِي نَعَمِهِمْ.
وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يَبِيتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ» يَعْنِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الدَّارَ مُبَاحَةٌ لِأَنَّهَا دَارُ شِرْكٍ وَقِتَالُ الْمُشْرِكِينَ مُبَاحٌ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الدَّمُ بِالْإِيمَانِ كَانَ الْمُؤْمِنُ فِي دَارِ حَرْبٍ أَوْ دَارِ إسْلَامٍ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ إذَا قُتِلَ الْكَفَّارَةَ وَتُمْنَعُ الدَّارُ مِنْ الْغَارَةِ إذَا كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ أَوْ دَارَ أَمَانٍ بِعَقْدٍ يَعْقِدُ عَقْدَهُ الْمُسْلِمُونَ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهَا، وَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ قَصْدَ مَنْ حَلَّ دَمُهُ بِغَيْرِ غَارَةٍ عَلَى الدَّارِ فَلَمَّا كَانَ الْأَطْفَالُ وَالنِّسَاءُ وَإِنْ نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ لَا مَمْنُوعِي الدِّمَاءِ بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا إسْلَامِ آبَائِهِمْ وَلَا مَمْنُوعِي الدِّمَاءِ بِأَنَّ الدَّارَ مَمْنُوعَةٌ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا نَهَى عَنْ قَصْدِ قَتْلِهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ إذَا

عُرِفَ مَكَانُهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ فَإِغَارَتُهُ وَأَمْرُهُ بِالْغَارَةِ وَمَنْ أَغَارَ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَنْ يُصِيبَ وَقَوْلُهُ هُمْ مِنْهُمْ يَعْنِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمْ أَيْ أَنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوا بِالْإِسْلَامِ وَلَا الدَّارِ وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا عَلِمْته أَنَّ مَنْ أَصَابَهُمْ فِي الْغَارَةِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَحَرَامُ الدَّمِ حَيْثُ كَانَ وَمَنْ أَصَابَهُ أَثِمَ بِإِصَابَتِهِ إنْ عَمَدَهُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إنْ عَرَفَهُ فَعَمَدَ إلَى إصَابَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ إنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَأَصَابَهُ وَسَبَبُ تَحْرِيمِ دَمِ الْمُسْلِمِ غَيْرُ تَحْرِيمِ دَمِ الْكَافِرِ الصَّغِيرِ وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُمَا مُنِعَا مِنْ الْقَتْلِ بِمَا شَاءَ اللَّهُ وَاَلَّذِي نَرَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مُنِعَا لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَا فَيَصِيرَا رَقِيقَيْنِ أَنْفَعُ مِنْ قَتْلِهِمَا لِأَنَّهُ لَا نِكَايَةَ لَهُمَا فَيُقْتَلَانِ لِلنِّكَايَةِ فَإِرْقَاقُهُمَا أَمْثَلُ مِنْ قَتْلِهِمَا، وَاَلَّذِي تَأَوَّلَ الْأَوْزَاعِيُّ يَحْتَمِلُ مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَفُّهُ عَنْهُمْ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ أَنَّهُ أَسْلَمَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ طَائِعِينَ وَاَلَّذِي قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَبُّ إلَيْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِنَا ضَرُورَةٌ إلَى قِتَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ وَإِذَا كُنَّا فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا نُقَاتِلَ أَهْلَ حِصْنٍ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ كَانَ تَرْكُهُمْ إذَا كَانَ فِيهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَوْسَعَ وَأَقْرَبَ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَأْثَمِ فِي إصَابَةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ وَلَكِنْ لَوْ اُضْطُرِرْنَا إلَى أَنْ نَخَافَهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا إنْ كَفَفْنَا عَنْ حَرْبِهِمْ قَاتَلْنَاهُمْ وَلَمْ نَعْمَدْ قَتْلَ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصَبْنَاهُ كَفَّرْنَا وَمَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الضَّرُورَةُ فَتَرْكُ قِتَالِهِمْ أَقْرَبُ مِنْ السَّلَامَةِ وَأَحَبُّ إلَيَّ.

[مَا جَاءَ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ مَعَ مَوْلَاهُ]

ُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْعَبْدُ يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ جَازَ أَمَانُهُ وَإِلَّا فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَمَانُهُ جَائِزٌ أَجَازَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يَنْظُرْ كَانَ يُقَاتِلُ أَمْ لَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْعَبْدِ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لِعَبْدٍ أَمَانٌ وَلَا شَهَادَةٌ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ يَجُوزُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِعْلُهُ لَا يَجُوزُ عَلَى نَفْسِهِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَبْدًا كَافِرًا وَمَوْلَاهُ مُسْلِمٌ هَلْ يَجُوزُ أَمَانُهُ أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَبْدًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَأَسْلَمَ ثُمَّ أَمَّنَ أَهْلَ الْحَرْبِ جَمِيعًا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَبْدًا مُسْلِمًا وَمَوْلَاهُ ذِمِّيٌّ فَأَمَّنَ أَهْلَ الْحَرْبِ هَلْ يَجُوزُ أَمَانُهُ ذَلِكَ؟ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كُنَّا مُحَاصِرِي حِصْنِ قَوْمٍ فَعَمَدَ عَبْدٌ لِبَعْضِهِمْ فَرَمَى بِسَهْمٍ فِيهِ أَمَانٌ فَأَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَهَذَا عِنْدَنَا مُقَاتِلٌ عَلَى ذَلِكَ يَقَعُ الْحَدِيثُ وَفِي النَّفْسِ مِنْ إجَازَتِهِ أَمَانَهُ إنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَا فِيهَا لَوْلَا هَذَا الْأَثَرُ مَا كَانَ لَهُ عِنْدَنَا أَمَانٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ أَلَا تَرَى الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَهُوَ عِنْدَنَا فِي الدِّيَةِ إنَّمَا هُمْ سَوَاءٌ وَدِيَةُ الْعَبْدِ لَيْسَتْ دِيَةَ الْحُرِّ وَرُبَّمَا كَانَتْ دِيَتُهُ لَا تَبْلُغُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَحْرَارِ وَلَا تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ مَعَ دِمَاءِ الْأَحْرَارِ وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَبَوْا سَبْيًا فَأَمَّنَ صَبِيٌّ مِنْهُمْ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَهْلَ الشِّرْكِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَسْتَقِيمُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْقَوْلُ مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ مَعْنَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُثْبِتُ إبْطَالَ أَمَانِ الْعَبْدِ وَلَا إجَازَتِهِ أَرَأَيْت حُجَّتَهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» أَلَيْسَ الْعَبْدُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ أَدْنَى الْمُؤْمِنِينَ أَوْ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ وَلَمْ يَسْأَلْ يُقَاتِلُ أَوْ لَا يُقَاتِلُ أَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا

أَجَازَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ رَأَيْت حُجَّتَهُ بِأَنَّ دَمَهُ لَا يُكَافِئُ دَمَهُ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَنَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مُكَافَأَةَ الدَّمِ بِالدِّيَةِ فَالْعَبْدُ الَّذِي يُقَاتِلُ هُوَ عِنْدَهُ قَدْ يَبْلُغُ هُوَ بِدِيَتِهِ دِيَةَ حُرٍّ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمِ وَيَجْعَلُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَ الْأَمَانُ يَجُوزُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَالْعَبْدُ يُقَاتِلُ خَارِجًا مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ يُجِيزُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَالْعَبْدُ لَا يُقَاتِلُ دَاخِلًا فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ يُجِيزُهُ عَلَى الْقِتَالِ فَهُوَ يُجِيزُ أَمَانَ الْمَرْأَةِ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ وَأَمَانُ الرَّجُلِ الْمَرِيضِ وَالْجَبَانِ وَهُوَ لَا يُقَاتِلُ وَمَا عَلِمْته بِذَلِكَ يَحْتَجُّ إلَّا لِلْأَوْزَاعِيِّ عَلَى نَفْسِهِ وَصَاحِبِهِ حَتَّى سَكَتَ وَإِنْ كَانَ يُجِيزُ الْأَمَانَ عَلَى الدِّيَاتِ انْبَغَى أَنْ لَا يُجِيزَ أَمَانَ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ دِيَتَهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَالْعَبْدُ لَا يُقَاتِلُ يَكُونُ أَكْثَرَ دِيَةً عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا مِنْ الْحُرَّةِ أَضْعَافًا فَإِنْ قَالَ هَذَا لِلْمَرْأَةِ دِيَةٌ فَكَذَلِكَ ثَمَنُ الْعَبْدِ لِلْعَبْدِ دِيَةٌ فَإِنْ أَرَادَ مُسَاوَاتَهُمَا بِثَمَنِ الْحُرِّ فَالْعَبْدُ يُقَاتِلُ يَسْوَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا عِنْدَهُ جَائِزُ الْأَمَانِ وَالْعَبْدُ لَا يُقَاتِلُ ثَمَنَ عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً غَيْرُ جَائِزَةٍ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ عَنْ الْمَرْأَةِ.

[وَطْءُ السَّبَايَا بِالْمِلْكِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ قَالَ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ فَأَصَابَ رَجُلٌ جَارِيَةً لَا يَطَؤُهَا مَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَهَذَا حَلَالٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَطِئُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَصَابُوا مِنْ السَّبَايَا فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَبْلَ أَنْ يَقْفِلُوا وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ سَرِيَّةً مَا أَصَابَتْ وَلَا يُنَفِّلَ سِوَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ مَا أَعْظَمَ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِهِ هَذَا حَلَالٌ مِنْ اللَّهِ أَدْرَكْت مَشَايِخَنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ فِي الْفُتْيَا أَنْ يَقُولُوا هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ إلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيِّنًا بِلَا تَفْسِيرٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّائِبِ عَنْ رَبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ إيَّاكُمْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ إنَّ اللَّهَ أَحَلَّ هَذَا أَوْ رَضِيَهُ فَيَقُولَ اللَّهُ لَهُ لَمْ أُحِلَّ هَذَا وَلَمْ أَرْضَهُ، وَيَقُولَ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَيَقُولَ اللَّهُ كَذَبْت لَمْ أُحَرِّمْ هَذَا وَلَمْ أَنَّهُ عَنْهُ.
وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَفْتَوْا بِشَيْءٍ أَوْ نَهَوْا عَنْهُ قَالُوا هَذَا مَكْرُوهٌ وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ فَأَمَّا نَقُولُ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فَمَا أَعْظَمَ هَذَا.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ مِنْ الْوَطْءِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ خَصْلَةٍ يُكْرَهُ أَنْ يَطَأَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَطَأَ مِنْ السَّبْيِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُوطَأَ السَّبْيُ مِنْ الْفَيْءِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَّلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سَيْفَ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْخُمُسِ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرَأَيْت رَجُلًا أَغَارَ وَحْدَهُ فَأَرَقَّ جَارِيَةً أَيُرَخَّصُ لَهُ فِي وَطْئِهَا قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُحْرِزْهَا؟ فَكَذَلِكَ الْبَابُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا النَّفَلُ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْخُمُسِ فَقَدْ نَقَضَهُ بِمَا رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبْعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ هَذَا بَعْدَ الْخُمُسِ وَصَدَقَ وَقَدْ بَلَغَنَا هَذَا وَلَيْسَ فِيهِ الْخُمُسُ فَأَمَّا النَّفَلُ قَبْلَ الْخُمُسِ فَقَدْ «نَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنِيمَةَ بَدْرٍ فِيمَا بَلَغَنَا قَبْلَ أَنْ تُخَمَّسَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَسَّمَ الْإِمَامُ الْفَيْءَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَفَعَ إلَى رَجُلٍ فِي سَهْمِهِ جَارِيَةً فَاسْتَبْرَأَهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا وَبِلَادُ الْحَرْبِ لَا تُحَرِّمُ الْحَلَالَ مِنْ الْفُرُوجِ الْمَنْكُوحَةِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَقَدْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةِ الْمُرَيْسِيعِ بِامْرَأَةٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ مِنْ

نِسَائِهِ وَالْغَزْوُ بِالنِّسَاءِ أَوَّلًا لَوْ كَانَ فِيهِ مَكْرُوهٌ بِأَنْ يُخَافَ عَلَى الْمُسْلِمَاتِ أَنْ يُؤْتَى بِهِنَّ بِلَادَ الْحَرْبِ فَيُسْبَيْنَ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ رَجُلٍ أَصَارَ جَارِيَةً فِي مِلْكِهِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ يَغْلِبُونَ عَلَيْهَا فَيُسْتَرَقَّ وَلَدٌ إنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَيْسَ هَذَا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ الْمُسْلِمَاتِ وَمَنْ كَانَ مِنْ سِبَائِهِمْ وَمَا نِسَاؤُهُمْ إلَّا كَهُمْ فَإِذَا غَزَوْا أَهْلَ قُوَّةٍ بِجَيْشٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْزُوا بِالنِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ الْغَارَةُ الَّتِي إنَّمَا يُغِيرُ فِيهَا الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فَيَغْنَمُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ إنَّمَا يَنَالُونَ غِرَّةً وَيَنْحُبُونَ رَكْضًا كَرِهْت الْغَزْوَ بِالنِّسَاءِ فِي هَذَا الْحَالِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ النَّفَلِ فَإِنَّ الْخُمُسَ فِي كُلِّ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ إلَّا السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ فِي الْإِقْبَالِ الَّذِي جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَتَلَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ بَدْرٍ فَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَنْفَالُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ بَدْرٍ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ وَلِمَنْ سُمِّيَ مَعَهُ الْخُمُسَ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَوْجَفَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ بِالْحُضُورِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.

[بَيْعُ السَّبْيِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ يَتَبَايَعُونَ السَّبَايَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ حَتَّى قُتِلَ الْوَلِيدُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ يُؤْخَذُ فِي الْحُكْمِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَقُولَ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى هَذَا فَأَكْثَرُ مَا لَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي مِمَّا لَوْ فَسَّرْته لَك لَعَرَفْته وَأَبْصَرْته عَلَيْهِ الْعَامَّةُ مِمَّا قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا بِالسُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ السَّلَفِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِنْ قَوْمٍ فُقَهَاءٍ، وَإِذَا كَانَ وَطْؤُهَا مَكْرُوهًا فَكَذَلِكَ بَيْعُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِزْهَا بَعْدُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْوَالَ خَيْبَرَ بِخَيْبَرَ وَجَمِيعُ مَالِهَا دَارُ شِرْكٍ وَهُمْ غطفان وَدَفَعَهَا إلَى يَهُودَ، وَهُمْ لَهُ صُلْحُ مُعَامَلَةٍ بِالنِّصْفِ لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهَا بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْفُسُهُمْ بِهِ وَقَسَّمَ سَبْيَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَمَا حَوْلَهُ دَارُ كُفْرٍ وَوَطِئَ الْمُسْلِمُونَ» وَلَسْنَا نَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَفَلَ مِنْ غَزَاةٍ حَتَّى يُقَسِّمَ السَّبْيَ فَإِذَا قَسَّمَ السَّبْيَ فَلَا بَأْسَ بِابْتِيَاعِهِ وَإِصَابَتِهِ وَالِابْتِيَاعُ أَخَفُّ مِنْ الْقَسْمِ وَلَا يَحْرُمُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ بَيْعُ رَقِيقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرِهِ.

[الرَّجُلُ يَغْنَمُ وَحْدَهُ]

ُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ الْمِصْرِ فَأَغَارَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَمَا أَصَابَا بِهَا فَهُوَ لَهُمَا وَلَا يُخَمَّسُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا خَرَجَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمَا وَحَرَمَهُمَا وَإِنْ شَاءَ خَمَّسَ مَا أَصَابَا ثُمَّ قَسَّمَهُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ كَانَ هَرَبَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانُوا أُسَارَى فِي أَرْضِ الْحَرْبِ بِطَائِفَةٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَنَفَّلَهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا خَرَجُوا بِهِ بَعْدَ الْخُمُسِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَنَّ السُّنَّةَ

جَاءَتْ بِذَلِكَ وَهُوَ مَعَ الْجُنْدِ وَالْجَيْشِ إنَّمَا قَوِيَ عَلَى قَتْلِهِ بِهِمْ، وَهَذَا الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جُنْدٌ وَلَا جَيْشٌ إنَّمَا هُوَ لِصٌّ أَغَارَ يُخَمَّسُ مَا أَصَابَ فَالْأَوَّلُ أَحْرَى أَنْ يُخَمَّسَ وَكَيْفَ يُخَمَّسُ فَيْئًا مَعَ هَذَا وَلَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] وَقَالَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7] فَجَعَلَ الْفَيْءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِهَؤُلَاءِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ وَحْدَهُ حَتَّى أَصَابَ فَهُوَ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ شَرِيكٌ وَلَا خُمُسٌ وَقَدْ خَالَفَ قَوْلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَؤُلَاءِ أَسْرَى أَرَأَيْت قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ فَأَغَارُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ انْفَلَتُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَخَرَجُوا بِغَنِيمَةٍ فَهَلْ يَسْلَمُ ذَلِكَ لَهُمْ؟ أَرَأَيْت إنْ خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَطِبُونَ أَوْ يَتَصَيَّدُونَ أَوْ لِعَلَفٍ أَوْ لِحَاجَةٍ فَأَسَرَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ انْفَلَتُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ بِغَنِيمَةٍ هَلْ تَسْلَمُ لَهُمْ؟ وَإِنْ ظَفِرُوا بِتِلْكَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْسِرَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ هَلْ تَسْلَمُ لَهُمْ؟ فَإِنْ قَالَ بِهِ فَقَدْ نَقَضَ قَوْلَهُ وَإِنْ قَالَ لَا فَقَدْ خَالَفَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَرِيَّةً وَحْدَهُمَا» وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ فَإِذَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْوَاحِدَ يَتَسَرَّى وَحْدَهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ الْعَدَدِ لِيُصِيبَ مِنْ الْعَدُوِّ غِرَّةً بِالْحِيلَةِ أَوْ يَعْطَبَ فَيَعْطَبَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ بِأَنَّ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْخُمُسُ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلْمُوجِفِينَ فَسَوَاءٌ قَلِيلُ الْمُوجِفَيْنِ وَكَثِيرُهُمْ لَهُمْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَا أَوْجَفُوا عَلَيْهِ وَالسَّلَبُ لِمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَالْخُمُسُ بَعْدَهُ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ وَلَكِنَّا نَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ الْقَلِيلُ إلَى الْكَثِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَسَبِيلُ مَا أَوْجَفُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَسَبِيلِ مَا أَوْجَفُوا عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَلَوْ زَعَمْنَا أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ فِي مَعْنَى السَّارِقِ زَعَمْنَا أَنَّ جُيُوشًا لَوْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَتْ سُرَّاقًا وَأَنَّ أَهْلَ حِصْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ جَاءَهُمْ الْعَدُوُّ فَحَارَبُوهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانُوا سُرَّاقًا وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِسُرَّاقٍ بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمُؤَدُّونَ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّفِيرِ وَالْجِهَادِ، وَالْمُتَنَاوِلُونَ نَافِلَةَ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ فَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] وَحُكْمُ اللَّهِ فِي أَنَّ مَا لَا يوجفون عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ سُمِّيَ مَعَهُ فَإِنَّمَا أُولَئِكَ قَوْمٌ قَاتَلُوا بِالْمَدِينَةِ بَنِي النَّضِيرِ فَقَاتَلُوهُمْ بَيْنَ بُيُوتِهِمْ لَا يوجفون بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَمْ يُكَلِّفُوا مُؤْنَةً وَلَمْ يُفْتَتَحُوا عَنْوَةً وَإِنَّمَا صَالَحُوا وَكَانَ الْخُمُسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ وَالْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ الَّتِي تَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَوْ أَوْجَفُوا الْخَيْلَ وَالرِّكَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصًا يَضُمُّهَا حَيْثُ يَضَعُ مَالَهُ ثُمَّ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُومُ بَعْدَهُ مُقَامَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَتْ حُجَّةُ أَبِي يُوسُفَ فِي اللَّذَيْنِ دَخَلَا سَارِقَيْنِ أَنَّهُمَا لَمْ يُوجِفَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ يُخَمَّسُ مَا أَصَابَا وَتَكُونُ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لَهُمَا لِأَنَّهُمَا مُوجِفَانِ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُوجِفَيْنِ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ هَذَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الَّذِينَ زَعَمَ أَنَّهُمْ ذُكِرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سُورَةِ الْحَشْرِ فَمَا قَالَ بِمَا تَأَوَّلَ وَلَا بِكِتَابٍ فِي الْخُمُسِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَثْبَته فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ تَصِيرُ مِنْ مُشْرِكٍ أَوْجَفَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يُوجِفْ.

[فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ الْعَسْكَرِ فَيُصِيبَانِ جَارِيَةً فيتبايعانها]

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا خَرَجَ رَجُلَانِ مُتَطَوِّعَانِ مِنْ عَسْكَرٍ فَأَصَابَا جَارِيَةً وَالْعَسْكَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا حِصَّةَ الْآخَرِ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَإِنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَهُ «وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ غَدَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفِيَّةُ إلَى جَانِبِهِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ فِي بِنْتِ حُيَيٍّ مِنْ بَيْعٍ؟ فَقَالَ إنَّهَا قَدْ أَصْبَحَتْ كَنَّتَكُمْ فَاسْتَدَارَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى وَلَّوْا ظُهُورَهُمْ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ فَظَهَرَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَرَى عَلَيْهَا حُكْمُهُ وَعَامَلَهُمْ عَلَى الْأَمْوَالِ فَلَيْسَ بِشَبِيهِ خَيْبَرَ مَا يَذْكُرُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَا يَعْنِي بِهِ وَقَدْ نَقَضَ قَوْلُهُ فِي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ حَيْثُ زَعَمَ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ وَيُؤْخَذُ مَا مَعَهُمْ ثُمَّ زَعَمَ هَهُنَا أَنَّهُ جَائِزٌ فِي الرَّجُلَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَدْ وَصَفْنَا أَمْرَ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا فِي الْوَطْءِ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَ هَذَا وَلَيْسَ هَذَا كَمَا قَالَا وَهُوَ أَنَّ اللَّذَيْنِ أَصَابَا الْجَارِيَةَ لَيْسَتْ لَهُمَا الْخُمُسُ فِيهَا لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَسُورَةِ الْحَشْرِ وَلَهُمَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا فَيُقَاسِمُهُمَا الْإِمَامُ بِالْقِيمَةِ وَالْبَيْعِ كَمَا يَفْعَلُ الشُّرَكَاءُ ثُمَّ يَكُونُ وَطْؤُهَا لِمَنْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا فِي بِلَادِ الْحَرْبِ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا.

[إقَامَة الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا غَزَا الْجُنْدُ أَرْضَ الْحَرْبِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي عَسْكَرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامَ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَيُقِيمَ الْحُدُودَ فِي عَسْكَرِهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَنْ أُمِّرَ عَلَى جَيْشٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ أَقَامَ الْحُدُودَ فِي عَسْكَرِهِ غَيْرَ الْقَطْعِ حَتَّى يَقْفُلَ مِنْ الدَّرْبِ فَإِذَا قَفَلَ قَطَعَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَلَمْ يُقِمْ الْحُدُودَ غَيْرَ الْقَطْعِ وَمَا لِلْقَطْعِ مِنْ بَيْنِ الْحُدُودِ إذَا خَرَجَ مِنْ الدَّرْبِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ وِلَايَتُهُ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِيرِ مِصْرٍ وَلَا مَدِينَةٍ إنَّمَا كَانَ أَمِيرَ الْجُنْدِ فِي غَزْوِهِمْ فَلَمَّا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ عَنْهُمْ.
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ أَهْلُهَا بِالْعَدُوِّ وَالْحُدُودُ فِي هَذَا كُلِّهِ سَوَاءٌ.
حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَإِلَى عُمَّالِهِ أَنْ لَا يُقِيمُوا حَدًّا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى أَرْضِ الْمُصَالَحَةِ وَكَيْفَ يُقِيمُ أَمِيرُ سَرِيَّةٍ حَدًّا وَلَيْسَ هُوَ بِقَاضٍ وَلَا أَمِيرٍ يَجُوزُ حُكْمُهُ أَوَرَأَيْت الْقُوَّادَ الَّذِينَ عَلَى الْخُيُولِ أَوْ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ يُقِيمُونَ الْحُدُودَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ هُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُقِيمُ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْحُدُودَ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْأَرْضِ إذَا وُلِّيَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُوَلَّ فَعَلَى الشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى الْحَدِّ أَنْ يَأْتُوا بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إلَى الْإِمَامِ وَإِلَى ذَلِكَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ أَوْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ الْحُدُودِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الزَّانِي الثَّيِّبِ الرَّجْمَ وَحَدَّ اللَّهُ الْقَاذِفَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً لَمْ يَسْتَثْنِ مَنْ كَانَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي بِلَادِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَضَعْ عَنْ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِهِ وَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بِبِلَادِ الْكُفْرِ مَا هُوَ إلَّا

مَا قُلْنَا فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلتَّنْزِيلِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ مِمَّا يَعْقِلُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَلَالَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَلَالٌ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ وَالْحَرَامَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ حَرَامٌ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ فَمَنْ أَصَابَ حَرَامًا فَقَدْ حَدَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُ وَلَا تَضَعُ عَنْهُ بِلَادُ الْكُفْرِ شَيْئًا أَوْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إنَّ الْحُدُودَ بِالْأَمْصَارِ وَإِلَى عُمَّالِ الْأَمْصَارِ فَمَنْ أَصَابَ حَدًّا بِبَادِيَةٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَالْحَدُّ سَاقِطٌ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَعْلَمْ مُسْلِمًا يَقُولُهُ وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي الْمِصْرِ وَلَا وَالِيَ لِلْمِصْرِ يَوْمَ يُصِيبُ الْحَدَّ كَانَ لِلْوَالِي الَّذِي يَلِي بَعْدَمَا أَصَابَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ فَكَذَلِكَ عَامِلُ الْجَيْشِ إنْ وُلِّيَ الْحَدَّ أَقَامَهُ وَإِنْ لَمْ يُوَلَّ الْحَدَّ فَأَوَّلُ مَنْ يَلِيهِ يُقِيمُهُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْحُكْمِ وَالْقَطْعِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْقَطْعِ سَوَاءٌ فَأَمَّا قَوْلُهُ يَلْحَقُ بِالْمُشْرِكِينَ فَإِنْ لَحِقَ بِهِمْ فَهُوَ أَشْقَى لَهُ وَمَنْ تَرَكَ الْحَدَّ خَوْفَ أَنْ يَلْحَقَ الْمَحْدُودُ بِبِلَادِ الْمُشْرِكِينَ تَرَكَهُ فِي سَوَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ وَمَسَالِحِهِمْ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِبِلَادِ الْحَرْبِ مِثْلَ طَرَسُوسَ وَالْحَرْبِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُنْكَرٌ غَيْرُ ثَابِتٍ وَهُوَ يَعِيبُ أَنْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثٍ غَيْرِ ثَابِتٍ وَيَقُولُ حَدَّثَنَا شَيْخٌ وَمَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ يَقُولُ مَكْحُولٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.

[مَا عَجَزَ الْجَيْشُ عَنْ حَمْلِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ غَنَمٍ فَعَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِ ذَبَحُوا الْغَنَمَ وَحَرَقُوا الْمَتَاعَ وَحَرَقُوا لُحُومَ الْغَنَمِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الشِّرْكِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ نَهَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُعْقَرَ بَهِيمَةٌ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَأَخَذَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجَمَاعَتُهُمْ حَتَّى إنْ كَانَ عُلَمَاؤُهُمْ لَيَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ ذَبْحَ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ لِيَأْكُلَ طَائِفَةً مِنْهَا وَيَدَعَ سَائِرَهَا.
وَبَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَحْلًا ذَهَبَ رُبُعُ أَجْرِهِ وَمَنْ عَقَرَ جَوَادًا ذَهَبَ رُبُعُ أَجْرِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَوْلُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ قَالَ اللَّهُ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5] وَاللِّينَةُ فِيمَا بَلَغَنَا النَّخْلَةُ وَكُلُّ مَا قُطِعَ مِنْ شَجَرِهِمْ وَحُرِّقَ مِنْ نَخْلِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ فَهُوَ مِنْ الْعَوْنِ عَلَيْهِمْ وَالْقُوَّةِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] وَإِنَّمَا كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَرِّقُوا النَّخْلَ وَالشَّجَرَ لِأَنَّ الصَّائِفَةَ كَانَتْ تَغْزُو كُلَّ عَامٍ فَيَتَقَوَّوْنَ بِذَلِكَ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَلَوْ حَرَّقُوا ذَلِكَ خَافُوا أَنْ لَا تَحْمِلَهُمْ الْبِلَادُ وَاَلَّذِي فِي تَخْرِيبِ ذَلِكَ مِنْ خِزْيِ الْعَدُوِّ وَنِكَايَتِهِمْ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَبْلَغُ مَا يَتَقَوَّى بِهِ الْجُنْدُ فِي الْقِتَالِ حَدَّثَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حِينَ حَاصَرَ الطَّائِفَ أَمَرَ بِكَرْمٍ لِبَنِي الْأَسْوَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يُقْطَعَ حَتَّى طَلَبَ بَنُو الْأَسْوَدِ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَطْلُبُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ وَلَا يَقْلَعَهَا فَكَفَّ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَّا كُلُّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ لِلْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَرِّقَهُ الْمُسْلِمُونَ وَيُخَرِّبُوهُ بِكُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُعَذَّبًا إنَّمَا الْمُعَذَّبُ مَا يَأْلَمُ بِالْعَذَابِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ قَدْ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهَا وَقَطَعَ مِنْ أَعْنَابِ الطَّائِفِ وَهِيَ آخِرُ غَزَاةٍ غَزَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ فِيهَا حَرْبًا وَأَمَّا ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهَا قِيَاسٌ عَلَى مَا لَا رُوحَ فِيهِ فَلْيَقُلْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَرِّقُوهَا كَمَا لَهُمْ أَنْ يُحَرِّقُوا النَّخْلَ وَالْبُيُوتَ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ ذَبَحُوا مَا يُذْبَحُ مِنْهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا أَحَلَّ ذَبْحَهَا لِلْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَأْكُولَةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ صُهَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهَا حُوسِبَ بِهَا قِيلَ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا فَيَرْمِيَ بِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَصْبُورَةِ عَنْ أَكْلِهَا

فَقَدْ أَحَلَّ إمَاتَةَ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتُلَ مَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لِضَرَرِهِ وَمَا كَانَ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ لِلْأَكْلِ مِنْهُ وَحَرَّمَ أَنْ تُعَذَّبَ الَّتِي لَا تَضُرُّ لِغَيْرِ مَنْفَعَةِ الْأَكْلِ فَإِذَا ذَبَحْنَا غَنَمَ الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَصِلُ فِيهِ إلَى أَكْلِ لُحُومِهَا فِيهِ فَهُوَ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِلُحُومِهَا وَجُلُودِهَا فَلَمْ نَشُكَّ فِي أَنْ يَتَقَوَّى بِهَا الْمُشْرِكُونَ حِينَ ذَبَحْنَاهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَطْعًا لِقُوتِهِمْ فَإِنْ قَالَ فَفِي ذَبْحِهَا قَطْعٌ لِلْمَنْفَعَةِ لَهُمْ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ قِيلَ قَدْ تَنْقَطِعُ الْمَنْفَعَةُ عَنْهُمْ بِأَبْنَائِهِمْ لَوْ ذَبَحْنَاهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَالرُّهْبَانُ لَوْ ذَبَحْنَاهُمْ فَلَيْسَ كُلُّ مَا قَطَعَ الْمَنْفَعَةَ وَبَلَغَ غَيْظَهُمْ حَلَّ لَنَا فَمَا حَلَّ لَنَا مِنْهُ فَعَلْنَاهُ وَمَا حَرُمَ عَلَيْنَا تَرَكْنَاهُ وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ أَنَّهُ يَحِلُّ أَوْ يَحْرُمُ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا كَانَ يَحِلُّ لَنَا لَوْ أَطْعَمْنَاهُمْ مِنْ طَعَامِنَا فَلَيْسَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا لَوْ تَرَكْنَا أَشْيَاءَ لَهُمْ إذَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى حَمْلِهَا كَمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْنَا أَنْ نَتْرُكَ مَسَاكِنَهُمْ أَوْ نَخِيلَهُمْ لَا نُحَرِّقُهَا فَإِذَا كَانَ مُبَاحًا أَنْ نَتْرُكَ هَذَا لَهُمْ وَكُنَّا مَمْنُوعِينَ أَنْ نَقْتُلَ ذَا الرُّوحِ الْمَأْكُولِ إلَّا لِلْمَنْفَعَةِ بِالْأَكْلِ كَانَ الْأَوْلَى بِنَا أَنْ نَتْرُكَهُ إذَا كَانَ ذَبْحُهُ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ.

[قَطْعُ أَشْجَارِ الْعَدُوِّ]

ِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا بَأْسَ بِقَطْعِ شَجَرِ الْمُشْرِكِينَ وَنَخِيلِهِمْ وَتَحْرِيقِ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 5] وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَعَمِلَ بِهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا وَهُمْ مُحَاصِرُو بَنِي قُرَيْظَةَ إذَا غَلَبُوا عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِهِمْ أَحْرَقُوهَا فَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ يَخْرُجُونَ فَيَنْقُضُونَهَا وَيَأْخُذُونَ حِجَارَتَهَا لِيَرْمُوا بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَقَطَعَ الْمُسْلِمُونَ نَخْلًا مِنْ نَخْلِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: 2] وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: 5] قَالَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى طُلَيْحَةَ وَبَنِي تَمِيمٍ قَالَ أَيَّ وَادٍ أَوْ دَارٍ غَشِيتَهَا فَأَمْسِكْ عَنْهَا إنْ سَمِعْتَ أَذَانًا حَتَّى تَسْأَلَهُمْ مَا يُرِيدُونَ وَمَا يَنْقِمُونَ وَأَيَّ دَارٍ غَشَيْتَهَا فَلَمْ تَسْمَعْ مِنْهَا أَذَانًا فَشُنَّ عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ وَاقْتُلْ وَحَرِّقْ وَلَا نَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَهَى عَنْ ذَلِكَ بِالشَّامِ إلَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَظْهَرُونَ عَلَيْهَا وَيَبْقَى ذَلِكَ لَهُمْ فَنَهَى عَنْهُ لِذَلِكَ فِيمَا نَرَى لَا أَنَّ تَخْرِيبَ ذَلِكَ وَتَحْرِيقَهُ لَا يَحِلُّ وَلَكِنْ مِنْ مِثْلِ هَذَا تَوْجِيهٌ.
حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنَّهُ قِيلَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إنَّ الرُّومَ يَأْخُذُونَ مَا حَسَرَ مِنْ خَيْلِنَا فيستلقحونها وَيُقَاتِلُونَ عَلَيْهَا أَفَنَعْقِرُ مَا حَسَرَ مِنْ خَيْلِنَا؟ قَالَ لَيْسُوا بِأَهْلٍ أَنْ يَنْقُصُوا مِنْكُمْ إنَّمَا هُمْ غَدًا رِقَّكُمْ وَأَهْلُ ذِمَّتِكُمْ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا الْكَرَاهِيَةُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَشُكُّونَ فِي الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ الْأَمْرَ فِي أَيْدِيهِمْ لِمَا رَأَوْا مِنْ الْفَتْحِ فَأَمَّا إذَا اشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ وَامْتَنَعُوا فَإِنَّا نَأْمُرُ بِحَسِيرِ الْخَيْلِ أَنْ يُذْبَحَ ثُمَّ يُحَرَّقُ لَحْمُهُ بِالنَّارِ حَتَّى لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا يَتَقَوَّوْنَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَأَكْرَهُ أَنْ نُعَذِّبَهُ أَوْ نَعْقِرَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُقَطَّعُ النَّخْلُ وَيُحَرَّقُ وَكُلُّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا وَلَعَلَّ أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يَكُفُّوا عَنْ أَنْ يَقْطَعُوا شَجَرًا مُثْمِرًا إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْبِرُ أَنَّ بِلَادَ الشَّامِ تُفْتَحُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا كَانَ مُبَاحًا لَهُ أَنْ يَقْطَعَ وَيَتْرُكَ اخْتَارَ التَّرْكَ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ فَلَمَّا أَسْرَعَ فِي النَّخْلِ قِيلَ لَهُ قَدْ وَعَدَكهَا اللَّهُ فَلَوْ اسْتَبْقَيْتهَا لِنَفْسِك فَكَفَّ الْقَطْعَ» اسْتِبْقَاءً لَا أَنَّ الْقَطْعَ مُحَرَّمٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ تَرَكَ فِي بَنِي النَّضِيرِ قِيلَ ثُمَّ قَطَعَ بِالطَّائِفِ وَهِيَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَآخَرُ غَزَاةٍ لَقِيَ فِيهَا قِتَالًا.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْحَرَسِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا كَانَ الْحَرَسُ يَحْرُسُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَدْخُلَهَا الْعَدُوِّ فَكَانَ فِي الْحَرَسِ مَنْ يَكْتَفِي بِهِ فَالصَّلَاةُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بَلَغَنَا أَنَّ حَارِسَ الْحَرَسِ يُصْبِحُ وَقَدْ أَوْجَبَ فِي مَا لَمْ يَمْضِ فِي هَذَا الْمُصَلَّى مِثْلَ هَذَا الْفَضْلِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى حَرَسٍ فَالْحَرْسُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ فِي الْحَرَسِ مَنْ يَكْفِيهِ وَيُسْتَغْنَى بِهِ فَالصَّلَاةُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْرُسُ أَيْضًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَغْفُلَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَيَجْمَعُ أَجْرَهُمَا أَفْضَلُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ وَادِيًا فَقَالَ مَنْ يَحْرُسُنَا فِي هَذَا الْوَادِي اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ رَجُلَانِ نَحْنُ فَأَتَيَا رَأْسَ الْوَادِي وَهُمَا مُهَاجِرِيٌّ وَأَنْصَارِيٌّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إلَيْك؟ فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا أَوَّلَهُ وَالْآخَرُ آخِرَهُ فَنَامَ أَحَدُهُمَا وَقَامَ الْحَارِسُ يُصَلِّي» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إنْ كَانَ الْمُصَلِّي وِجَاهَ النَّاحِيَةِ الَّتِي لَا يَأْتِي الْعَدُوُّ إلَّا مِنْهَا وَكَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَشْغَلُ طَرْفَهُ وَلَا سَمْعَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الشَّخْصِ وَسَمَاعِ الْحِسِّ فَالصَّلَاةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُصَلٍّ حَارِسٌ وَزَائِدٌ أَنْ يَمْتَنِعَ بِالصَّلَاةِ مِنْ النُّعَاسِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ تَشْغَلُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ حَتَّى يُخَافَ تَضْيِيعُهُ فَالْحِرَاسَةُ أَحَبُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرَسُ جَمَاعَةً فَيُصَلِّي بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَالصَّلَاةُ أَعْجَبُ إلَى إذَا بَقِيَ مِنْ الْحَرَسِ مَنْ يَكْفِي وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً أَنْ يُصَلِّيَ بَعْضُهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّ ثَمَّ مَنْ يَكْفِيهِ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَالْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَالْحِرَاسَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ تَمْنَعُهُ مِنْ الْحِرَاسَةِ.

[خَرَاجُ الْأَرْضِ]

ِ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الرَّجُلُ الْجِزْيَةَ عَلَى خَرَاجِ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ لَا إنَّمَا الصَّغَارُ خَرَاجُ الْأَعْنَاقِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ يَدُلُّ طَائِعًا فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ الْمُرْتَدُّ عَلَى عَقِبَيْهِ وَأَجْمَعَتْ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَلِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَلِشُرَيْحٍ أَرْضُ خَرَاجٍ.
حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ فَقَالَ عُمَرُ أَكُلَّ أَصْحَابِهَا أَرْضَيْتَ؟ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ فِيهَا مِثْلُ صَاحِبِهَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ دَهَاقِينَ السَّوَادِ مِنْ عُظَمَائِهِمْ أَسْلَمُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَفَرَضَ عُمَرُ عَلَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي زَمَانِهِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَخْرَجَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَرْضِهِمْ وَكَيْفَ الْحُكْمُ فِي أَرْضِ هَؤُلَاءِ؟ أَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُمْ أَمْ لِغَيْرِهِمْ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَّا الصَّغَارُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ فَجِزْيَةُ الرَّقَبَةِ الَّتِي يُحْقَنُ بِهَا الدَّمُ وَهَذِهِ لَا تَكُونُ عَلَى مُسْلِمٍ وَأَمَّا خَرَاجُ الْأَرْضِ فَلَا يَبِينُ أَنَّهُ صَغَارٌ مِنْ قِبَلِ أَنْ لَا يُحْقَنَ بِهِ الدَّمُ، الدَّمُ مَحْقُونٌ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَكِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَقَدْ اتَّخَذَ أَرْضَ الْخَرَاجِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالدِّينِ وَكَرِهَهُ قَوْمٌ احْتِيَاطًا.

[شِرَاءُ أَرْضِ الْجِزْيَةِ]

ِ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يَشْتَرِي أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ هُوَ جَائِزٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ تَزَلْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ وَيَكْتُبُونَ فِيهِ وَيَكْرَهُهُ عُلَمَاؤُهُمْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَدْ أَجَبْتُكَ فِي هَذَا.

[الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]

ِ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ خَرَجُوا مُسْتَأْمَنِينَ لِلتِّجَارَةِ فَزَنَى بَعْضُهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ سَرَقَ هَلْ يُحَدُّ؟ قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَالِحْ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ ذِمَّةٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَرَأَيْت إنْ كَانَ رَسُولًا لِمَلَكِهِمْ فَزَنَى أَتَرْجُمُهُ؟ أَرَأَيْت إنْ زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ مُسْتَأْمَنَةٍ أَتَرْجُمُهَا؟ أَرَأَيْت إنْ لَمْ أَرْجُمْهُمَا حَتَّى عَادَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَا بِأَمَانٍ ثَانِيَةً أُمْضِي عَلَيْهِمَا ذَلِكَ الْحَدَّ أَرَأَيْت إنْ سُبِيَا أَيُمْضِي عَلَيْهِمَا حَدَّ الْحُرِّ أَمْ حَدَّ الْعَبْدِ وَهُمَا رَقِيقٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَخْرُجَا ثَانِيَةً فَأَسْلَمَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ وَأَسْلَمَاهُمَا أَوْ صَارَا ذِمَّةً أَيُؤْخَذَانِ؟ وَإِنْ أُخِذُوا بِذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجُوا إلَيْنَا أَنُقِيمُ عَلَيْهِمْ الْحَدَّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا خَرَجَ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَصَابُوا حُدُودًا فَالْحُدُودُ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ فَمَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ فَيَكُونُ لَهُمْ عَفْوُهُ وَإِكْذَابُ شُهُودٍ شَهِدُوا لَهُمْ بِهِ فَهُوَ مُعَطَّلٌ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِمُسْلِمٍ إنَّمَا هُوَ لِلَّهِ وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ لَمْ تُؤْمَنُوا.
عَلَى هَذَا فَإِنْ كَفَفْتُمْ وَإِلَّا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ الْأَمَانَ وَأَلْحَقْنَاكُمْ بِمَأْمَنِكُمْ فَإِنْ فَعَلُوا أَلْحَقُوهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ وَنَقَضُوا الْأَمَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا أَمَّنَهُمْ أَنْ لَا يُؤَمِّنَهُمْ حَتَّى يَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ إنْ أَصَابُوا حَدًّا أَقَامَهُ عَلَيْهِمْ وَمَا كَانَ مِنْ حَدٍّ لِلْآدَمِيِّينَ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا قَتَلْنَاهُمْ؟ فَإِذَا كُنَّا مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَنْ نُقَيِّدَ مِنْهُمْ حَدَّ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لِلْآدَمِيِّينَ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ كُلَّ مَا كَانَ دُونَهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِثْلُ الْقِصَاصِ فِي الشَّجَّةِ وَأَرْشِهَا وَمِثْلُ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ.
وَالْقَوْلُ فِي السَّرِقَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقْطَعُوا وَيَغْرَمُوا مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَعَ مَالَ الْمُسْلِمِ بِالْقَطْعِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ غَرَّمُوا مَنْ اسْتَهْلَكَ مَالًا غَيْرَ السَّرِقَةِ وَهَذَا مَالٌ مُسْتَهْلَكٌ فَغَرَّمْنَاهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَغْرَمَ الْمَالَ وَلَا يُقْطَعُ لِأَنَّ الْمَالَ لِلْآدَمِيِّينَ وَالْقَطْعُ لِلَّهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ حُدُودِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ؟ قِيلَ أَرَأَيْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ الْمُحَارِبَ وَذَكَرَ حَدَّهُ ثُمَّ قَالَ ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصَابَ لِرَجُلٍ دَمًا أَوْ مَالًا ثُمَّ تَابَ أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ.

[بَيْعُ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَبَاعَهُمْ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ

لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ بِرِضًا مِنْهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الرِّبَا عَلَيْهِ حَرَامٌ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَضَعَ مِنْ رِبَا أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ أَوَّلُ رِبًا وَضَعَهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ الْمُسْلِمُ أَكْلَ الرِّبَا فِي قَوْمٍ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؟ وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُ يُبَايِعُ الْكَافِرَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَوْلُ مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَحِلُّ هَذَا وَلَا يَجُوزُ وَقَدْ بَلَغَتْنَا الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الرِّبَا وَإِنَّمَا أَحَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ حَدَّثَنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا رِبَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَقَابَضُوا ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَبْطَلَهُ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا تَقَابَضُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْقَوْلُ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْحُجَّةُ كَمَا احْتَجَّ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو يُوسُفَ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.

[فِي أُمِّ وَلَدِ الْحَرْبِيِّ تُسْلِمُ وَتَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أُمِّ وَلَدٍ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ أَنَّهَا تُزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَيُّ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ إلَى اللَّهِ بِدِينِهَا فَحَالُهَا كَحَالِ الْمُهَاجِرَاتِ لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مِثْلُهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ لَا ثَلَاثَ حِيَضٍ.

[الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَخَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَتْ بِحُبْلَى أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَوْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بَلَغَنَا أَنَّ الْمُهَاجِرَاتِ قَدِمْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجُهُنَّ بِمَكَّةَ مُشْرِكُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَأَدْرَكَ امْرَأَتَهُ فِي عِدَّتِهَا رَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ الْعِدَّةُ وَعَلَى الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْعِدَّةُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ لَا يَتَزَوَّجْنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَدُهُنَّ وَلَا سَبِيلَ لِأَزْوَاجِهِنَّ وَلَا لِلْمَوَالِي عَلَيْهِنَّ آخِرَ الْأَبَدِ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَدَّ زَيْنَبَ إلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّبَايَا يُوطَأْنَ إذَا اسْتُبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» فَقَالَ السَّبَاءُ وَالْإِسْلَامُ سَوَاءٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ عَبْدَيْنِ خَرَجَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الطَّائِفِ فَأَعْتَقَهُمَا» . وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا «أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ خَاصَمُوا فِي عَبِيدٍ خَرَجُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا خَرَجَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمَةً وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ

عِدَّتُهَا كَعِدَّةِ الطَّلَاقِ فَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا مُسْلِمًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ زَوْجُهَا قَبْلَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مُسْلِمَةً كَانَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَدْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَحِلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ حَتَّى يُسْلِمَ الْآخَرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً وَالزَّوْجُ الْمُسْلِمُ فَيَكُونَا عَلَى النِّكَاحِ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالنِّكَاحِ كِتَابِيَّةً، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الدَّارَ فِي هَذَا وَغَيْرَ الدَّارِ سَوَاءٌ؟ قِيلَ «أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَرٍّ وَهِيَ دَارُ خُزَاعَةَ وَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ وَامْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ كَافِرَةٌ مُقِيمَةٌ بِمَكَّةَ وَهِيَ دَارُ كُفْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَتْ هِنْدٌ فِي الْعِدَّةِ فَأَقَرَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النِّكَاحِ» وَأَسْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ وَصَارَتْ مَكَّةُ دَارَ إسْلَامٍ «وَأَسْلَمَتْ امْرَأَةُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَهُمَا مُقِيمَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهَرَبَ زَوْجَاهُمَا إلَى نَاحِيَةِ الْبَحْرَيْنِ بِالْيَمَنِ يَجُوزُ وَهِيَ دَارُ كُفْرٍ ثُمَّ رَجَعَا فَأَسْلَمَا وَأَزْوَاجُهُمَا فِي الْعِدَّةِ فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ» وَلَا أَنْ يَكُونَ يَرْوِي حَدِيثًا يُخَالِفُ بَعْضَهُ وَإِذَا خَرَجَتْ أُمُّ وَلَدِ الْحَرْبِيِّ مُسْلِمَةً لَمْ تُنْكَحْ حَتَّى يَنْقَضِيَ اسْتِبْرَاؤُهَا وَهِيَ حَيْضَةٌ لَا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَأُمُّ الْوَلَدِ مُخَالِفَةٌ لِلزَّوْجَةِ أُمُّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ فَقَدْ عَتَقَتْ «أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الطَّائِفِ خَرَجُوا مُسْلِمِينَ وَسَأَلَ سَادَاتُهُمْ بَعْدَمَا أَسْلَمُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ» وَلَمْ يَرُدَّهُمْ وَلَمْ يُعَوِّضْهُمْ مِنْهُمْ.
غَيْرَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ خَرَجَ إلَيْنَا مِنْ عَبْدٍ فَهُوَ حُرٌّ» فَقَالَ إذَا قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَعْتَقَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَقُلْ أَجْعَلُهُمْ عَلَى الرِّقِّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَعْتِقُونَ قَالَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ وَبِهَذَا الْقَوْلِ نَقُولُ إذَا خَرَجَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَوْ سَبَقَتْ سَيِّدَهَا الْحُرَّةُ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رِقِّ حَالِ الْمَسْبِيَّةِ اُسْتُؤْمِيَتْ وَاسْتِرْقَاقُهَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ انْفِسَاخِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَتُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبْيِ هَوَازِنَ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ ذَاتِ زَوْجٍ وَلَا غَيْرِهَا أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الْأَمَةَ تَخْرُجُ مَمْلُوكَةً فَتَصِيرَ حُرَّةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ هَذِهِ تُسْتَرَقُّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَتِلْكَ تَعْتِقُ بَعْدَ الرِّقِّ.

[الْحَرْبِيَّةُ تُسْلِمُ فَتُزَوَّجُ وَهِيَ حَامِلٌ]

ٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ حَامِلًا فَتَزَوَّجَتْ فَنِكَاحُهَا فَاسِدٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ذَلِكَ فِي السَّبَايَا فَأَمَّا الْمُسْلِمَاتُ فَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ أَحَقُّ بِهِنَّ إذَا أَسْلَمُوا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ تَزَوُّجَهُنَّ فَاسِدٌ وَإِنَّمَا قَاسَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا عَلَى السَّبَايَا عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى مِنْ الْفَيْءِ حَتَّى يَضَعْنَ» قَالَ فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمَاتُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا لَمْ تُوطَأْ بِالْمِلْكِ حَتَّى تَضَعَ وَإِنْ خَرَجَتْ مُسْلِمَةً فَنُكِحَتْ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ وَإِذَا خَرَجَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا كَانَتْ الْعِدَّةُ وَهَذِهِ مُعْتَدَّةٌ وَهَذِهِ مِثْلُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.

[فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ]

ٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ تَزَوَّجَ خَمْسَ نِسْوَةٍ فِي عُقْدَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ هُوَ وَهُنَّ جَمِيعًا وَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ: إنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ أَيَّتَهنَّ شَاءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَمَا قَالَ وَقَدْ بَلَغَنَا مِنْ هَذَا مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ عِنْدَنَا شَاذٌّ وَالشَّاذُّ مِنْ الْحَدِيثِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُحِلَّ إلَّا نِكَاحَ الْأَرْبَعِ فَمَا كَانَ مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَحَرَامٌ مِنْ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ فَالْخَامِسَةُ وَنِكَاحُ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَرَامٌ فَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا تَزَوَّجَ أُمًّا وَابْنَتَهَا أَكُنْتُ أَدَعُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ أَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عُقْدَةِ النِّكَاحِ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَكُنْت أَدَعُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَقَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَالْبِنْتِ أَوْ بِالْأُخْتَيْنِ فَكَذَلِكَ الْخَمْسُ فِي عُقْدَةٍ وَلَوْ كُنَّ فِي عَقْدٍ مُتَفَرِّقَاتٍ جَازَ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ وَفَارَقَ الْآخِرَةَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ نُثْبِتُ الْأَرْبَعَ الْأُوَلَ وَنُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَامِسَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ أَحْسَبُهُ ابْنَ عُلَيَّةَ فَإِنْ لَا يَكُنْ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ «نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ وَاحِدَةً فَعَمِدْتُ إلَى عَجُوزٍ أَقْدَمِهِنَّ عَاقِرٍ عِنْدِي مُنْذُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ سَنَةً فَطَلَّقْتهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ لِي قَائِلٌ كَلِّمْنَا عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَأَعْفِنَا مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيِّ قُلْتُ مَا ذَاكَ فَأَفْعَلَ؟ قَالَ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ الْأَوَائِلَ وَفَارِقْ الْأَوَاخِرَ قُلْتُ وَتَجِدُهُ فِي الْحَدِيثِ أَوْ تَجِدُ عَلَيْهِ دَلَالَةً مِنْهُ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ يَحْتَمِلُهُ قُلْت وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ أَرْبَعًا إنْ كُنَّ شَبَابًا وَفَارِقْ الْعَجَائِزَ أَوْ أَمْسِكْ الْعَجَائِزَ وَفَارِقْ الشَّبَابَ قَالَ قَلَّ كُلُّ كَلَامٍ إلَّا وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ قُلْنَا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِخِلَافِ مَا قُلْتُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ كُنْت قَدْ أَخْطَأْت أَصْلَ قَوْلِك قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت فِي النِّكَاحُ شَيْئَانِ عُقْدَةٌ وَتَمَامٌ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّك تَنْظُرُ فِي الْعُقْدَةِ وَتَنْظُرُ فِي التَّمَامِ فَتَقُولُ أَنْظُرُ كُلَّ نِكَاحٍ مَضَى فِي الشِّرْكِ فَإِنْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَجَزْتُهُ فَأُجِيزُهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ أُجِزْهُ فَأَرُدُّهُ تَرَكْتُ أَصْلَ قَوْلِك قَالَ فَأَنَا أَقُولُهُ وَلَا أَدَعُ أَصْلَ قَوْلِي قُلْت أَفَرَأَيْتَ غَيْلَانَ أَلَيْسَ بِوَثَنِيٍّ وَنِسَاؤُهُ وَثَنِيَّاتٌ وَشُهُودُهُ وَثَنِيُّونَ؟ قَالَ أَجَلْ قُلْت فَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ فَتَزَوَّجَ بِشُهُودٍ وَثَنِيِّينَ أَوْ وَلِيٍّ وَثَنِيٍّ أَيَجُوزُ نِكَاحُهُ؟ قَالَ لَا قُلْت فَأَحْسَنُ حَالِهِ فِي النِّكَاحِ حَالٌ لَوْ ابْتَدَأَ فِيهَا النِّكَاحَ فِي الْإِسْلَامِ رَدَدْته مَعَ أَنَّا نُرْوَى أَنَّهُمْ قَدْ يَنْكِحُونَ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَفِي الْعِدَّةِ وَمَا جَازَ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَمَّا مَا قُلْت إنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَنَفْسَخُهُ كُلُّهُ وَنُكَلِّفُهُ بِأَنْ يَبْتَدِئَ النِّكَاحَ فِي الْإِسْلَامِ وَإِمَّا أَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى الْعُقْدَةِ وَتَجْعَلَهُ مَعْفُوًّا لَهُمْ كَمَا عُفِيَ لَهُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالدِّمَاءِ وَالتِّبَاعَاتِ وَتَنْظُرَ إلَى مَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ الْأَزْوَاجِ فَإِنْ كُنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ أَمَرْته بِفِرَاقِ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ وَإِنْ كُنَّ أُخْتَيْنِ أَمَرْته بِفِرَاقِ إحْدَاهُمَا لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتِ مَحَارِمَ فَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ فَتَكُونُ قَدْ عَفَوْت الْعُقْدَةَ وَنَظَرْت إلَى مَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ مِنْهُنَّ فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَقْرَرْته مَعَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ رَدَدْته كَمَا حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيمَا أَدْرَكَ مِنْ الْمُحَرَّمِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281] وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

بِحُكْمِ اللَّهِ كُلَّ رِبًا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يُقْبَضْ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا قَبَضَ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَرُدَّهُ وَهَكَذَا حَكَمَ فِي الْأَزْوَاجِ عَفَا الْعُقْدَةَ وَنَظَرَ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَمْلُوكًا بِالْعُقْدَةِ فَمَا أُحِلَّ فِيهِ مِنْ الْعَدَدِ أَقَرَّهُ وَمَا حُرِّمَ مِنْ الْعَدَدِ نَهَى عَنْهُ.

[فِي الْمُسْلِمِ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَيَشْتَرِي دَارًا أَوْ غَيْرَهَا]

سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا أَوْ رَقِيقًا ثِيَابًا فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قَالَ أَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ فَهِيَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا الرَّقِيقُ وَالْمَتَاعُ فَهُوَ لِلرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ «فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَنْوَةً فَخَلَّى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَرْضِهِمْ وَدُورِهِمْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَجْعَلْهَا فَيْئًا» قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَفَا عَنْ مَكَّةَ وَأَهْلِهَا وَقَالَ مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» وَنَهَى عَنْ الْقَتْلِ إلَّا نَفَرًا قَدْ سَمَّاهُمْ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدًا فَيَقْتُلَ وَقَالَ لَهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟ قَالُوا خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ» وَلَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا مِنْ مَتَاعِهِمْ فَيْئًا وَقَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِي هَذَا كَغَيْرِهِ فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ وَتَفَهَّمْ فِيمَا أَتَاك عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ لِذَلِكَ وُجُوهًا وَمَعَانِيَ فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَتَاعُ وَالثِّيَابُ وَالرَّقِيقُ لِلَّذِي اشْتَرَى وَالدُّورُ وَالْأَرْضُونَ فَيْءٌ لِأَنَّ الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ لَا تُحَوَّلُ وَلَا يَحُوزُهَا الْمُسْلِمُ وَالْمَتَاعُ وَالثِّيَابُ تُحْرَزُ وَتُحَوَّلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْقَوْلُ مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ فِي الْحَجَّةِ بِمَكَّةَ وَلَا أَبُو يُوسُفَ شَيْئًا لَمْ يَدْخُلْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْوَةً وَإِنَّمَا دَخَلَهَا سِلْمًا وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ أَمَانٌ وَاَلَّذِينَ قَاتَلُوا وَأَذِنَ فِي قَتْلِهِمْ هُمْ أَبْعَاضُ قَتَلَةِ خُزَاعَةَ وَلَيْسَ لَهُمْ بِمَكَّةَ دُورٌ وَلَا مَالٌ إنَّمَا هُمْ قَوْمٌ هَرَبُوا إلَيْهَا فَأَيَّ شَيْءٍ يَغْنَمُ مِمَّنْ لَا مَالَ لَهُ؟ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ فَلَمْ يُعْقَدْ لَهُمْ الْأَمَانُ وَادَّعَى خَالِدٌ أَنَّهُمْ بَدَءُوهُ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرُوا لَهُمْ حِمَى شَيْءٍ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ صَارَ إلَى قَبُولِ الْأَمَانِ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ وَدُخُولِ دَارِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَغْلَقَ دَارِهِ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ» فَمَالُ مَنْ يَغْنَمُ مَالُ مَنْ لَهُ أَمَانٌ وَلَا غَنِيمَةَ عَلَى مَالِ هَذَا وَمَا يَقْتَدِي فِيمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِمَا صَنَعَ أَرَأَيْت حِينَ قُلْنَا نَحْنُ وَهُوَ فِي رِجَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمَأْمُورِ بِهِ إنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ أَوْ يُفَادِيَ بِهِمْ أَوْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ أَوْ يَسْتَرِقَّهُمْ أَلَيْسَ إنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارَ فِيهِمْ بِهَذِهِ السِّيرَةِ كُلِّهَا أَفَرَأَيْت إنْ عَارَضَنَا أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا عَارَضَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ لَيْسَ لِإِمَامٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَلِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا مَا لَيْسَ لِلنَّاسِ أَوْ قَالَ فِي كُلِّ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إعْطَاءِ السَّلَبِ وَقَسْمِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لَيْسَ هَذَا لِلْإِمَامِ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُعَلِّمَ بَيَّنَ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَمَا فَعَلَ فَهُوَ الْحَقُّ وَعَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَهُ فَكَذَلِكَ هِيَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَنْوَةً فَتَرَكَ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ قُلْنَا فِيمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ عَنْوَةً لَنَا أَنْ نَتْرُكَ لَهُ مَالَهُ كَمَا لَنَا فِي الْأُسَارَى أَنْ نَحْكُمَ فِيهِمْ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً كَمَا حَكَمَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ خَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَشْيَاءَ قِيلَ كُلُّهَا مُبَيَّنَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِيهِمَا مَعًا وَلَوْ جَازَ إذْ كَانَ مَخْصُوصًا بِشَيْءٍ فَيُبَيِّنُهُ اللَّهُ ثُمَّ

رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقَالَ فِي شَيْءٍ لَمْ يُبَيِّنْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهُ خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ النَّاسِ لَعَلَّ هَذَا مِنْ الْخَاصِّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ ذَلِكَ فِي كُلِّ حُكْمِهِ فَخَرَجَتْ أَحْكَامُهُ مِنْ أَيْدِينَا وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ هَذَا لِأَحَدٍ حَتَّى يُبَيِّنَ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَاصٌّ وَقَدْ أَسْلَمَ ابْنَا سَعْيَة القرظيان مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَائِمٌ عَلَيْهِمْ قَدْ حَصَرَهُمْ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمَا دُورَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا مِنْ النَّخْلِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا وَاَلَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَغْنَمَ مَالَ الْمُسْلِمِ وَقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ بِدِينِهِ؟ وَكَيْفَ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَغْنَمَ مَالَهُ بِكَيْنُونَتِهِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ جَازَ أَنْ يَغْنَمَ كُلَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِهِ وَفِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَرَقِيقِهِ أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لَا تَغْنَمْ دُورَهُ وَلَا أَرَضُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْوِيلِهِمَا بِحَالٍ فَتَرْكُهُ إيَّاهَا لَيْسَ بِرِضًا بِأَنْ يُقِرَّهَا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ إلَّا بِالضَّرُورَةِ وَيَغْنَمَ كُلَّ مَالٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ لِأَنَّ تَرْكَهُ ذَلِكَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ الَّذِينَ هُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رِضًا مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ هَلْ هِيَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَعَ بِالْإِسْلَامِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا فَحَيْثُ كَانُوا فَحُرْمَةُ الْإِسْلَامِ لَهُمْ ثَابِتَةٌ فِي تَحْرِيمِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَوْ جَازَ هَذَا عِنْدَنَا جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ الْمُسْلِمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ حَوْلِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَّقَ بِالْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ.

[اكْتِسَابُ الْمُرْتَدِّ الْمَالَ فِي رِدَّتِهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمُرْتَدِّ عَنْ الْإِسْلَامِ إذَا اكْتَسَبَ مَالًا فِي رِدَّتِهِ ثُمَّ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ فَقَالَ مَا اكْتَسَبَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ دَمَهُ حَلَالٌ فَحَلَّ مَالُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَالُ الْمُرْتَدِّ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي اُكْتُسِبَ فِي الرِّدَّةِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا هَذَا فِيمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُمَا سَوَاءٌ مَا اكْتَسَبَ الْمُرْتَدُّ فِي الرِّدَّةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فَيْئًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : كُلُّ مَا اكْتَسَبَ الْمُرْتَدُّ فِي رِدَّتِهِ أَوْ كَانَ لَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ سَوَاءٌ وَهُوَ فَيْءٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنَعَ الدِّمَاءَ بِالْإِسْلَامِ وَمَنَعَ الْأَمْوَالَ بِاَلَّذِي مَنَعَ بِهِ الدِّمَاءَ فَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ يُبَاحَ دَمُهُ بِالْكُفْرِ كَمَا كَانَ يَكُونُ مُبَاحًا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ يُبَاحُ مَعَهُ مَالُهُ وَكَانَ أَهْوَنَ مِنْ دَمِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا تَبَعًا لِدَمِهِ فَلَمَّا هَتَكْت حُرْمَةَ الدَّمِ كَانَتْ حُرْمَةُ الْمَالِ أَهْتَكَ وَأَيْسَرَ مِنْ الدَّمِ وَلَيْسَ قَتْلُنَا إيَّاهُ عَلَى الرِّدَّةِ كَقَتْلِنَا إيَّاهُ عَلَى الزِّنَا وَلَا الْقَتْلُ وَلَا الْمُحَارَبَةُ تِلْكَ حُدُودٌ لَسْنَا نُخْرِجُهُ بِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ فِيهَا وَارِثٌ مَوْرُوثٌ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَهَا وَلَيْسَ هَكَذَا الْمُرْتَدُّ: الْمُرْتَدُّ يَعُودُ دَمُهُ مُبَاحًا بِالْقَوْلِ بِالشِّرْكِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ مَا الْحُجَّةُ لَكُمْ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ وَرَثَتَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قُلْنَا أَمَّا الْحُفَّاظُ مِنْكُمْ فَلَا يَرْوُونَ إلَّا قَتْلَهُ وَلَا يَرْوُونَ فِي مِيرَاثِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ لِأَنَّا وَإِيَّاكُمْ نَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَفَيَعْدُو

الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا؟ قَالَ بَلْ كَافِرٌ قُلْنَا فَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَرِثَ مُسْلِمٌ كَافِرًا وَلَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا قَالَ فَإِنْ قُلْت لَا يَذْهَبُ مِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَقُولُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَقُولُ إنَّمَا عَنَى بِهِ بَعْضَ الْكَافِرِينَ دُونَ بَعْضٍ قُلْنَا فَيُعَارِضُك غَيْرُك بِمَا هُوَ أَقْوَى عَلَيْك فِي الْحُجَّةِ مِنْ هَذَا فَيَقُولُ إنَّ عَلِيًّا قَدْ أَخْبَرَ بِحَدِيثِ الْأَشْجَعِيِّينَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ فَاتَّهَمَهُ وَرَدَّهُ وَقَالَ بِخِلَافِهِ وَقَالَ مَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَمَا قُلْت لَوْ ثَبَتَ وَزَعَمْت أَنَّ عَمَّارًا حَدَّثَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْجُنُبَ أَنْ يَتَيَمَّمَ» فَرَدَّهُ عَلَيْهِ عُمَرُ وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يَتَيَمَّمَ الْجُنُبُ هُوَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَتَأَوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيهِ الْقُرْآنَ فَزَعَمْت أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ كَانَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ رَدَّهُ وَهُوَ كَمَا قُلْت فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ بِمِثْلِ هَذَا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» وَأَنْتَ لَا تَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ وَرَّثَ مُسْلِمًا مِنْ ذِمِّيٍّ فَقَالَ نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا كَمَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا، أَفَرَأَيْت إنْ قَالَ قَائِلٌ بِهَذَا وَقَالَ لَا يَذْهَبُ عَلَى مُعَاذٍ شَيْءٌ حَفِظَهُ أُسَامَةُ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا مُشْرِكِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَلَا يَكُونُ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ مِنْك؟ أَوْ رَأَيْت إذْ زَعَمْتَ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ مُخَالِفٌ فِي الْمِيرَاثِ حُكْمَ الْمُشْرِكِ غَيْرُهُ لِمَ لَمْ تُوَرِّثْهُ هُوَ مِنْ وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تُوَرِّثُهُمْ مِنْهُ فَتَكُونُ قَدْ قُلْتَ قَوْلًا وَاحِدًا أَخْرَجْتَهُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ؟ فَمَا قُلْت فِيهِ بِمَا رَوَيْت عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ وَإِذَا وَرِثَ عَقَلْنَا أَنَّهُ يُوَرِّثُهُ وَلَا بِمَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَدْرَكْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ غَيْرَ مَا ادَّعَيْت فِي الْمُرْتَدِّ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْمَمْلُوكِينَ وَإِنَّمَا وَرَّثُوا فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَنْ يُوَرَّثُونَ مِنْهُ وَلَمْ يَتَحَكَّمُوا فَيُوَرِّثُونَ مِنْ رَجُلٍ وَلَا يُوَرِّثُونَهُ.

[ذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ]

ِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَتِهِ لَا يُتْرَكُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُسْلِمَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ أَكَلُوا مَا وَجَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ وَدِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِهِمْ وَطَعَامِهِمْ كُلِّهِ فَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَيْسَ يُشْبِهُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي هَذَا وَإِنْ وَالَاهُمْ أَلَا تَرَى أَنِّي أَقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ جَمِيعًا وَمِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ الْجِزْيَةَ وَلَا أَقْبَلُ مِنْ الْمُرْتَدِّ الْجِزْيَةَ وَالسُّنَّةُ فِي الْمُرْتَدِّ مُخَالِفَةً لِلسُّنَّةِ فِي الْمُشْرِكِينَ وَالْحُكْمُ فِيهِ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ فِيهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً لَوْ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَتَزَوَّجَهَا مُسْلِمٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا نَصْرَانِيٌّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا وَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيَّةً جَازَ ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُنَاكَحَتِهِمْ فِكْرَهُ نِكَاحَ نِسَائِهِمْ وَقَالَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَالْمُرْتَدُّ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ.

[الْعَبْدُ يَسْرِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ]

ِ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْعَبْدِ يَسْرِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَسَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ أَيُقْطَعُ؟ قَالَ: لَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُقْطَعُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ وَلِأَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ أَعْتَقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ وَلَهُ فِيهِمْ نَصِيبٌ كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ رَقِيقًا سَرَقُوا مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَبْدًا مِنْ الْجَيْشِ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَقَالَ مَالُ اللَّهِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ» . حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ النَّابِغَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ مِغْفَرًا مِنْ الْمَغْنَمِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَائِنَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَغْنَمِ، فَقَدْ حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضَخَ لِلْعَبِيدِ فِي الْمَغْنَمِ وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُمْ بِسَهْمٍ» . حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ «عَنْ الْعَبْدِ الَّذِي أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ يَسْأَلُهُ قَالَ فَقَالَ لِي تَقَلَّدْ هَذَا السَّيْفَ فَتَقَلَّدْتُهُ فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَحْرَارِ بِالسُّهْمَانِ وَرَضَخَ لِلْعَبِيدِ فَإِذَا سَرَقَ أَحَدٌ حَضَرَ الْمَغْنَمَ شَيْئًا لَمْ أَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ.

[الرَّجُلُ يَسْرِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِأَبِيهِ فِيهَا سَهْمٌ]

ٌ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الرَّجُلِ يَسْرِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ فِي ذَلِكَ الْجُنْدِ أَوْ أَخُوهُ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ امْرَأَةٌ سَرَقَتْ مِنْ ذَلِكَ وَزَوْجُهَا فِي الْجُنْدِ فَقَالَ لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُقْطَعُونَ وَلَا يَبْطُلُ الْحَدُّ عَنْهُمْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْطَعُونَ وَهَؤُلَاءِ وَالْعَبِيدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ أَرَأَيْت رَجُلًا يَسْرِقُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ امْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا هَلْ يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ لَيْسَ يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» فَكَيْفَ يُقْطَعُ هَذَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إنْ كَانَ السَّارِقُ مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِدَ الْمَغْنَمَ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ وَلَا يُقْطَعُ الرَّجُلُ وَلَا أَبُوهُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهِ فَأَمَّا الْمَرْأَةُ يَحْضُرُ زَوْجُهَا الْغَنِيمَةَ أَوْ الْأَخُ وَغَيْرُهُ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ سُرَّاقٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَوْ سَرَقَ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا لَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَيْهِ قَطَعْتُهُ.

[الصَّبِيُّ يُسْبَى ثُمَّ يَمُوتُ]

ُ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الصَّبِيِّ يُسْبَى وَأَبُوهُ كَافِرٌ وَقَعَا فِي سَهْمِ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى دِينِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَوْلَاهُ أَوْلَى مِنْ أَبِيهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ وَخَرَجَ أَبُوهُ مُسْتَأْمَنًا لَكَانَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا لَمْ يُسْبَ مَعَهُ أَبُوهُ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ أَبِيهِ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ وَهُوَ يَنْقُضُ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ السَّبْيُ وَيُرَدَّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ هَذَا

فَالْقَوْلُ فِي هَذَا مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى دِينِهِ حَتَّى يُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ مُسْلِمٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : «سَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَرَارِيَّهُمْ فَبَاعَهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاشْتَرَى أَبُو الشَّحْمِ الْيَهُودِيُّ أَهْلَ بَيْتٍ عَجُوزٍ وَوَلَدِهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا بَقِيَ مِنْ السَّبَايَا أَثْلَاثًا ثُلُثًا إلَى تِهَامَةَ وَثُلُثًا إلَى نَجْدٍ وَثُلُثًا إلَى طَرِيقِ الشَّامِ فَبِيعُوا بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالْإِبِلِ وَالْمَالِ وَفِيهِمْ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ» وَقَدْ يَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَطْفَالِ مَعَهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَطْفَالِ مَنْ لَا أُمَّ لَهُ فَإِذَا سُبُوا مَعَ أُمَّهَاتِهِمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكَذَلِكَ لَوْ سُبُوا مَعَ آبَائِهِمْ وَلَوْ مَاتَ أُمَّهَاتُهُمْ وَآبَاؤُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا فَيَصِفُوا الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى دِينِ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ إذَا كَانَ السَّبَاءُ مَعًا وَلَنَا بَيْعُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ أُمَّهَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ ثَابِتٌ عَلَيْهِمْ إذَا تَرَكْنَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ كَمَا حَكَمْنَا بِهِ وَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ إذَا لَزِمَهُمْ حُكْمُ الشِّرْكِ كَانَ لَنَا بَيْعُهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ الْبَوَالِغُ قَدْ «اسْتَوْهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَارِيَةً بَالِغَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَفَدَى بِهَا رَجُلَيْنِ» .

[الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تُسْبَيَانِ هَلْ يَطَؤُهُمَا سَيِّدُهُمَا إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ]

ٍ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمُدَبَّرَةِ أَسَرَهَا الْعَدُوُّ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَدَخَلَ سَيِّدُهُمَا بِأَمَانٍ فَقَالَ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهُمَا إنْ لَقِيَهُمَا لِأَنَّهُمَا لَهُ وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَحُوزُوهُمَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ فَرْجًا يَطَؤُهُ الْمَوْلَى سِرًّا وَالزَّوْجُ الْكَافِرُ عَلَانِيَةً وَلَوْ لَقِيَهَا وَلَيْسَ لَهَا زَوْجٌ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يُخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَيَخْرُجَ بِهَا وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ مِنْهَا كَانُوا أَمْلَكَ بِهِ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ هَذَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَرِهَ أَنْ يَطَأَ أُمَّ الْوَلَدِ الَّتِي لَا شَأْنَ لَهُ فِي مِلْكِهَا كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْرَهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَوْ مُدَبَّرَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ مُقَامٍ وَكُرِهَ لَهُ الْمُقَامُ فِيهَا وَكُرِهَ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا نَسْلٌ عَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ فِي مُنَاكَحَتِهِمْ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ لَيْسَ يَمْلِكُهُمَا الْعَدُوُّ وَكَانَ يَقُولُ إنْ وَطِئَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ وَطِئَ مَا يَمْلِكُ وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ هُنَالِكَ يَطَؤُهَا أَنَّ لِمَوْلَاهَا أَنْ يَطَأَهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : زَعَمَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِوَطْءِ السَّبْيِ بِبِلَادِ الْعَدُوِّ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَدْ وَطِئَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ «وَعَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَفِيَّةَ بِالصَّهْبَاءِ» وَهِيَ غَيْرُ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ وَالسَّبْيُ قَدْ جَرَى عَلَيْهِمْ الرِّقُّ وَانْقَطَعَتْ الْعِصَمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ يَمْلِكُهُمْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ وَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ وَهِيَ زَوْجَةٌ لِغَيْرِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَكْرَهَ هَذَا فِي أَصْلِ قَوْلِهِ مِنْ الْأَوْزَاعِيِّ مِنْ قِبَلِ مَعْنَيَيْنِ أَحَدِهِمَا مَا يَزْعُمُ أَنَّ شَاهِدَيْنِ لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِزُورٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْكِحَهَا حَلَالًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لِغَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُنْسَبَ فِي تَنَاقُضِ الْقَوْلِ فِي هَذَا مِنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ أُمَّ وَلَدِهِ وَأَمَتَهُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ يَمْلِكُ الْعَدُوُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ ظَفِرُوا بِشَيْءٍ أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ وَحَضَرَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقَسْمِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ

أَوْجَفُوا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ مَلَكُوهُ مِلْكًا تَامًّا مَا كَانَ إلَّا لِمَنْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ كَمَا يَكُونُ سَائِرُ مِلْكِهِمْ غَيْرَ أَنَّا نُحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا شَرِكَهُ فِي بُضْعِ جَارِيَتِهِ غَيْرُهُ أَنْ يَتَوَقَّى وَطَأْهَا لِلْوَلَدِ.

[الرَّجُلُ يَشْتَرِي أَمَتَهُ بَعْدَمَا يُحْرِزُهَا الْعَدُوُّ]

ُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَطَؤُهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَطَؤُهَا وَكَانَ يَنْهَى عَنْ هَذَا أَشَدَّ النَّهْيِ وَيَقُولُ قَدْ أَحْرَزَهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَلَوْ أَعْتَقُوهَا جَازَ عِتْقُهُمْ فَكَيْفَ يَطَؤُهَا مَوْلَاهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ يَمْلِكُونَ الْأَمَةَ وَلَا يَمْلِكُونَ أُمَّ الْوَلَدِ وَلَا الْمُدَبَّرَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ أَمَتَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَمَا يُحْرِزُونَهَا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا كَمَا لَا يَطَؤُهَا لَوْ نُكِحَتْ نِكَاحًا فَاسِدًا وَأُصِيبَتْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ وَقَدْ صَارَتْ إلَى مَنْ كَانَ يَسْتَحِلُّهَا وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَلَيْسَ يَمْلِكُ الْعَدُوُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِلْكًا صَحِيحًا لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ يُوجِفُ عَلَى مَا أَحْرَزُوا الْمُسْلِمُونَ فَيَمْلِكُونَهُ مِلْكًا يَصِحُّ عَنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَأْتِي صَاحِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمُوجِفِينَ عَلَيْهِ وَكَيْفَ يَمْلِكُ الْعَدُوُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِدِينِهِ وَخَوَّلَهُمْ عَدُوَّهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَهُمْ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مَتَى قَدَرُوا عَلَيْهَا؟ أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَمْلِكُونَهُ مَتَى قَدَرُوا عَلَيْهِ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِمْ؟ هَذَا مُحَالٌ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيَّ مَنْ أَمْلِكُهُ مَتَى قَدَرْت عَلَيْهِ وَلَوْ أَعْتَقُوا جَمِيعَ مَا أَحْرَزُوا مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ عِتْقٌ وَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعِتْقُ فِيمَا غَصَبَ فَالْمُشْرِكُ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» فَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ يَجُوزُ لَهُ مِلْكُهُ فَهُوَ لَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى هَذَا؟ قِيلَ أَرَأَيْتَ لَوْ اسْتَرَقُّوا أَحْرَارًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ أَيَكُونُونَ لَهُمْ فَإِنْ قَالَ لَا قِيلَ فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى خِلَافِك الْحَدِيثُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا فَإِنْ قَالَ مَا هَذَا الَّذِي يَجُوزُ لَهُمْ مِلْكُهُ؟ قِيلَ مِثْلُ مَا كَانَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ مِلْكُهُ.
فَإِنْ قَالَ فَأَيْنَ ذَلِكَ؟ قِيلَ مِثْلُ سَبْيِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ وَأَخْذِهِمْ لِأَمْوَالِهِمْ فَذَلِكَ لَهُمْ جَائِزٌ حَلَالٌ فَإِنْ سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ ثُمَّ أَسْلَمَ السَّابِي الْآخِذُ فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ رَقَبَةً وَمَالًا غَيْرَ مَمْنُوعٍ وَأَمَّا مَالُ الْمُسْلِمِينَ فَمَا مَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُهُ فَالْمُشْرِكُ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ.

[الْحَرْبِيُّ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ بِهَا مَالٌ]

ٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ بِهَا مَالٌ ثُمَّ يَظْهَرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ إنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَرَقِيقِهِ وَمَتَاعِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ فَهُوَ فَيْءٌ وَامْرَأَتُهُ إذَا كَانَتْ كَافِرَةً فَإِذَا كَانَتْ حُبْلَى فَمَا فِي بَطْنِهَا فَيْءٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَتْ مَكَّةُ دَارَ حَرْبٍ ظَهَرَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ وَفِيهَا رِجَالٌ مُسْلِمُونَ فَلَمْ يَقْبِضْ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارًا وَلَا أَرْضًا وَلَا امْرَأَةً وَأَمَّنَ النَّاسَ وَعَفَا عَنْهُمْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ نَقَضَ الْأَوْزَاعِيُّ حُجَّتَهُ هَذِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَأَمَّنَهُمْ الْكَافِرَ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنَ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ غَنِيمَةٌ وَلَا فَيْءٌ فَهَذِهِ لَا تُشْبِهُ الدَّارَ الَّتِي تَكُونَ فَيْئًا يَقْتَسِمُهَا الْمُسْلِمُونَ بِمَا فِيهَا.
    (قَالَ الشَّافِعِيّ) الَّذِي قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَمَا قَالَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا فِي احْتِجَاجِهِ بِمَكَّةَ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ هَذِهِ فَتَرَكْنَا تَكْرِيرَهَا وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي هَذَا «أَنَّ ابْنَيْ سَعْيَةَ القرظيين خَرَجَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَسْلَمَا فَأَحْرَزَ لَهُمَا إسْلَامُهُمَا دِمَاءَهُمَا وَجَمِيعَ أَمْوَالِهِمَا مِنْ النَّخْلِ وَالدُّورِ» وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِزَ لَهُمْ الْإِسْلَامُ الدِّمَاءَ وَلَمْ يُؤْسَرُوا وَلَمْ يُحْرِزْ لَهُمْ الْأَمْوَالَ؟ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِزَ لَهُمْ بَعْضَ الْأَمْوَالِ دُونَ بَعْضٍ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا خَبَرٌ أَمَا كَانَ الْقِيَاسُ إذَا صَارَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ إنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِيمَا يُحْرِزُ لَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ دَمِهِ وَمَالِهِ أَوْ يُقَالَ يَكُونُ غَيْرَ مُحْرِزٍ لَهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ تَحْوِيلَهُ أَمَّا مَا يَسْتَطِيعُ تَحْوِيلَهُ مِنْ ثِيَابِهِ وَمَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ فَلَا، لِأَنَّ تَرْكَهُ إيَّاهُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ الْمُبَاحَةِ رِضًا مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا إذْ أَمْكَنَهُ تَحْوِيلُهُ فَلَمْ يُحَوِّلْهُ أَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ يُحْرَزُ لَهُ جَمِيعُ مَالِهِ إلَّا مَا لَا يَسْتَطِيعُ تَحْوِيلَهُ؟ هَذَا الْقَوْلُ خَارِجٌ مِنْ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ وَالسُّنَّةِ.

[الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]

ِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَخْرُجُ مُسْتَأْمَنًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُسْلِمُ فِيهَا ثُمَّ يَظْهَرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ الَّتِي فِيهَا أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ هُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُتْرَكُ لَهُ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ كَمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ حِينَ ظَهَرَ عَلَى مَكَّةَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الشِّرْكِ مِمَّنْ أَهْلُهُ بِمَكَّةَ أَمْوَالَهُمْ وَعِيَالَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ جَمِيعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : هَذِهِ مِثْلُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَلْ خُرُوجُ الْمُسْلِمِ الَّذِي كَانَ مُشْرِكًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى أَنْ يُحْرِزَ لَهُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِيَالَهُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مِنْ وَلَدِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ لِلْأَوَّلِ بَعْضُ مَالِهِ وَلَا يُتْرَكُ لِهَذَا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ حَالًا مِنْهُ بَعْضُ مَالِهِ؟ بَلْ جَمِيعُ مَالِهِ كُلِّهِ لَهُ وَكُلُّ مَوْلُودٍ لَهُ لَمْ يَبْلُغْ مَتْرُوكٌ لَهُ وَكُلُّ بَالِغٍ مِنْ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ يُسْبَى لِأَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ لَا حُكْمُهُ وَمَنْ أَحْرَزَ لَهُ الْإِسْلَامُ دَمَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ أَحْرَزَ لَهُ الْإِسْلَامُ مَالَهُ، وَمَالُهُ أَصْغَرُ قَدْرًا مِنْ دَمِهِ وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا مِثْلُ الْحُجَّةِ فِي الْأُولَى وَقَدْ أَصَابَ الْأَوْزَاعِيُّ فِيهَا وَحُجَّتُهُ بِمَكَّةَ وَأَهْلِهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ لَيْسَتْ مَكَّةُ مِنْ هَذَا بِسَبِيلٍ لَا فِي هَذِهِ وَلَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ كَالَ هَذَا الرَّجُلُ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ لَهُ وَلَدُهُ الصِّغَارُ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ عَلَى دِينِهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَهُوَ فَيْءٌ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ حَالُ هَذَا كَحَالِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرُدُّ إلَيْهِ أَهْلُهُ وَمَالُهُ كَمَا رَدَّهُ لِأُولَئِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ فَرَغْنَا مِنْ الْقَوْلِ فِي هَذَا وَالْقَوْلُ فِيهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْقَوْلُ فِيهِ مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحُجَّةُ فِيهِ مِثْلَ الْحُجَّةِ فِي الْأَوَّلَيْنِ.

[الْمُسْتَأْمَنُ يُسْلِمُ وَيَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ اسْتَوْدَعَ مَالَهُ]

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ كَانَ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَاسْتَوْدَعَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ فَيْئًا أَيْضًا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِصُنْعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَقَالَ أَحَقُّ مَنْ اُقْتُدِيَ بِهِ وَتُمُسِّكَ بِسُنَّتِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ شُرَيْحٌ إنَّ السُّنَّةَ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ هَذَا فَاتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا أَخَذْتُمْ بِالْأَثَرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ يُشْبِهُ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُشْبِهُ الْحُكْمُ فِي الْأَعَاجِمِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ الْحُكْمَ فِي الْعَرَبِ أَلَا تَرَى أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ وَأَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْأَعَاجِمِ وَأَنَّ إمَامًا لَوْ ظَهَرَ عَلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الرُّومِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ حَتَّى تَصِيرَ فَيْئًا أَوْ غَنِيمَةً فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْتِكَ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا يَصْرِفَهَا عَنْ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا يُخَمِّسُهَا وَيُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ وَأَنَّ السُّنَّةَ هَكَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ عَلَى وَلَيْسَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَالَ فِي مَكَّةَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي» وَقَدْ سَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْيَ هَوَازِنَ وَسَبَى يَوْمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَيَوْمَ خَيْبَرَ فِي غَزَوَاتٍ مِنْ غَزَوَاتِهِ ظَهَرَ عَلَى أَهْلِهَا وَسَبَى وَلَمْ يَصْنَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا صَنَعَ فِي مَكَّةَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا صَنَعَ فِي مَكَّةَ مَا جَازَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَسْبِيَ أَحَدًا أَبَدًا وَلَا كَانَتْ غَنِيمَةٌ وَلَا فَيْءٌ وَلَكِنَّ الْأَمْرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَّةَ عَلَى غَيْرِ مَا عَلَيْهِ الْمَقَاسِمُ وَالْمَغَانِمُ فَتَفَهَّمْ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَغْنَمْ مِنْ مَكَّةَ غَنِيمَةً مِنْ كَافِرٍ وَلَا مُسْلِمٍ وَلَا سَبَى مِنْهَا لَا مِنْ عِيَالِ مُسْلِمٍ وَلَا مِنْ عِيَالِ كَافِرٍ وَعَفَا عَنْهُمْ جَمِيعًا وَقَدْ جَاءَتْهُ هَوَازِنُ فَكَانَتْ سُنَّتُهُ مَا أَخْبَرْتُ بِهِ وَفَدَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَمَسَّكَ بِحَقِّهِ مِنْ السَّبْيِ كُلُّ رَأْسٍ بِسِتَّةِ فَرَائِضَ فَكَانَ الْقَوْلُ فِي هَذَا غَيْرَ الْقَوْلِ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ حَقٌّ كَمَا صَنَعَ لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ فِي مِثْلِ هَذَا مَا لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَدْ كَثُرَ التَّرَدُّدُ فِي مَكَّةَ وَالْأَمْرُ فِيهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَا مَعًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا وَلَمْ تَخْتَلِفْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ وَلَا يُسْتَنَّ إلَّا بِمَا عُلِمَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يُسْتَنَّ إلَّا مَا بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ خَالِصًا دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيَّنَهُ هُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مَنْ بَعْدَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ الْحُكْمُ فِي الْعَرَبِ غَيْرُ الْحُكْمِ فِي الْعَجَمِ فَقَدْ ادَّعَى أَنَّ مَكَّةَ دَارُ حَرْبٍ وَهِيَ دَارُ مَحْرَمٍ فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ فِيهَا خِلَافَ حُكْمِهِ فِي الْعَرَبِ وَهَوَازِنَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَلَمْ يَحْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ بِشَيْءٍ اخْتَلَفَ وَلَكِنَّهُ سَبَى مَنْ ظَفِرَ بِهِ عَنْوَةً وَغَنِمَهُ مِنْ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ وَلَمْ يَسْبِ عَرَبِيًّا وَلَا عَجَمِيًّا تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ الظَّفَرَ بِهِ وَلَا قَبْلَ أَمَانِهِ وَتَرَكَ قِتَالِهِ وَأَهْلُ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْأَمَانُ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ بِهَا فَيُؤْخَذُ إنَّمَا هُمْ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا لَجَئُوا إلَيْهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الْعَرَبِ فَنَحْنُ كُنَّا عَلَى هَذَا أَحْرَصَ لَوْلَا أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَالَ فَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَقُولَ إلَّا الْحَقَّ «وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرٍ الْغَسَّانِيِّ» وَيَرْوُونَ أَنَّهُ صَالَحَ رِجَالًا مِنْ الْعَرَبِ عَلَى الْجِزْيَةِ فَأَمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمِنْ بَعْدِهِ الْخُلَفَاءُ إلَى الْيَوْمِ فَقَدْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَتَنُوخِ

وَهَرَاةَ وَخَلِيطٍ مِنْ خَلِيطِ الْعَرَبِ وَهُمْ إلَى السَّاعَةِ مُقِيمُونَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَضَعَّفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ وَذَلِكَ جِزْيَةٌ وَإِنَّمَا الْجِزْيَةُ عَلَى الْأَدْيَانِ لَا عَلَى الْإِنْسَانِ وَلَوْلَا أَنْ نَأْثَمَ بِتَمَنِّي الْبَاطِلِ وَدِدْنَا أَنَّ الَّذِي قَالَ أَبُو يُوسُفَ كَمَا قَالَ وَأَنْ لَا يَجْرِيَ صَغَارٌ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَجَلُّ فِي أَعْيُنِنَا مِنْ أَنْ نُحِبَّ غَيْرَ مَا قَضَى بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْقُرْعَةِ]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] إلَى قَوْلِهِ يَخْتَصِمُونَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ - فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 139 - 141] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَأَصْلُ الْقُرْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ الْمُقْتَرِعِينَ عَلَى مَرْيَمَ وَالْمُقَارِعِي يُونُسَ مُجْتَمِعَةً، فَلَا تَكُونُ الْقُرْعَةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا بَيْنَ قَوْمٍ مُسْتَوِينَ فِي الْحُجَّةِ وَلَا يَعْدُو - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - الْمُقْتَرِعُونَ عَلَى مَرْيَمَ أَنْ يَكُونُوا كَانُوا سَوَاءً فِي كَفَالَتِهَا فَتَنَافَسُوهَا، فَلَمَّا كَانَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْفَقُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُيِّرَتْ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمًا، أَوْ أَكْثَرَ وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِثْلُ ذَلِكَ كَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ أَضَرَّ بِهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْكَافِلَ إذَا كَانَ وَاحِدًا كَانَ أَعْطَفَ لَهُ عَلَيْهَا وَأَعْلَمَ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتِهَا لِلْعِلْمِ بِأَخْلَاقِهَا وَمَا تَقْبَلُ وَمَا تَرُدُّ وَمَا يَحْسُنُ بِهِ اغْتِذَاؤُهَا، فَكُلُّ مَنْ اعْتَنَفَ كَفَالَتَهَا كَفَلَهَا غَيْرَ خَابِرٍ بِمَا يُصْلِحُهَا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى صَلَاحِهَا حَتَّى تَصِيرَ إلَى غَيْرِهِ فَيَعْتَنِفَ مِنْ كَفَالَتِهَا مَا اعْتَنَفَ غَيْرُهُ.
وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ يَصِحُّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ وِلَايَةَ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ صَبِيَّةً غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ مِنْ عَقْلٍ يَسْتُرُ مَا يَنْبَغِي سِتْرُهُ كَانَ أَكْرَمَ لَهَا وَأَسْتَرَ عَلَيْهَا أَنْ يَكْفُلَهَا وَاحِدٌ دُونَ الْجَمَاعَةِ (قَالَ) : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ كَافِلٍ وَيَغْرَمُ مَنْ بَقِيَ مُؤْنَتَهَا بِالْحِصَصِ كَمَا تَكُونُ الصَّبِيَّةُ عِنْدَ خَالَتِهَا وَعِنْدَ أُمِّهَا وَمُؤْنَتُهَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهَا (قَالَ) : وَلَا يَعْدُو الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ أَنْ يَكُونُوا تَشَاحُّوا عَلَى كَفَالَتِهَا، وَهُوَ أَشْبَهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَوْ يَكُونُوا تَدَافَعُوا كَفَالَتَهَا فَاقْتَرَعُوا أَيُّهُمْ تَلْزَمُهُ، فَإِذَا رَضِيَ مَنْ شَحَّ عَلَى كَفَالَتِهَا أَنْ يُمَوِّنَهَا لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا شَيْئًا بِرِضَاهُ بِالتَّطَوُّعِ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ (قَالَ) : وَأَيُّ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ فَالْقُرْعَةُ تُلْزِمُ أَحَدَهُمْ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَتُخَلِّصُ لَهُ مَا يَرْغَبُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَتَقْطَعُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ (قَالَ) : وَهَكَذَا مَعْنَى قُرْعَةِ يُونُسَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَقَفَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ، فَقَالُوا: مَا يَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَجْرِيَ إلَّا عِلَّةٌ بِهَا، وَمَا عِلَّتُهَا إلَّا ذُو ذَنْبٍ فِيهَا، فَتَعَالَوْا نَقْتَرِعُ فَاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَأَقَامُوا فِيهَا.
وَهَذَا مِثْلُ مَعْنَى الْقُرْعَةِ فِي الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّ حَالَ الرُّكْبَانِ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُكْمٌ يُلْزِمُ أَحَدَهُمْ فِي مَالِهِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ وَيُزِيلُ عَنْ آخَرَ شَيْئًا كَانَ يَلْزَمُهُ، فَهُوَ يُثْبِتُ عَلَى بَعْضٍ حَقًّا وَيُبَيِّنُ فِي بَعْضٍ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، كَمَا كَانَ فِي الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ غُرْمٌ وَسُقُوطُ غُرْمٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُرْعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَقْرَعَ فِيهِ فِي مِثْلِ مَعْنَى الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ سَوَاءٌ لَا يُخَالِفُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَ مَمَالِيكَ أُعْتِقُوا مَعًا، فَجَعَلَ الْعِتْقَ تَامًّا لِثُلُثِهِمْ، وَأَسْقَطَ عَنْ ثُلُثَيْهِمْ بِالْقُرْعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتِقَ فِي مَرَضِهِ أَعْتَقَ مَالَهُ وَمَالَ غَيْرِهِ، فَجَازَ عِتْقُهُ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَجُزْ فِي مَالِ غَيْرِهِ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِتْقَ فِي ثُلُثِهِ وَلَمْ يُبَعِّضْهُ كَمَا يَجْمَعُ الْقَسْمَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوَارِيثِ وَلَا يُبَعِّضُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ إقْرَاعُهُ لِنِسَائِهِ أَنْ يَقْسِمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَضَرِ فَلَمَّا

كَانَ السَّفَرُ كَانَ مَنْزِلَةً يَضِيقُ فِيهَا الْخُرُوجُ بِكُلِّهِنَّ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَسَقَطَ حَقُّ غَيْرِهَا فِي غَيْبَتِهِ بِهَا، فَإِذَا حَضَرَ عَادَ لِلْقَسْمِ لِغَيْرِهَا، وَلَمْ يَحْسِبْ عَلَيْهَا أَيَّامَ سَفَرِهَا.
وَكَذَلِكَ قَسَّمَ خَيْبَرَ فَكَانَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ حَضَرَ، ثُمَّ أَقْرَعَ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى جُزْءٍ مُجْتَمِعٍ كَانَ لَهُ بِكَمَالِهِ وَانْقَطَعَ مِنْهُ حَقُّ غَيْرِهِ وَانْقَطَعَ حَقُّهُ عَنْ غَيْرِهِ (أَخْبَرَنَا) ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ إمَّا قَالَ: أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ غَيْرَهُمْ وَإِمَّا قَالَ: أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» ، (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ» فَذَكَر الْحَدِيثَ (أَخْبَرَنَا) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَضَى فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعِتْقِ رَقِيقِهِ وَفِيهِمْ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ رِجَالًا مِنْهُمْ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» . (قَالَ الرَّبِيعُ) : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ وَيَعْتِقُ» ، وَرُبَّمَا قَالَ: «قِيمَةٌ لَا وَكْسَ فِيهَا وَلَا شَطَطَ» ، (أَخْبَرَنَا) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ ثُلُثَ رَقِيقِهِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَأَمَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بِذَلِكَ الرَّقِيقِ فَقُسِمُوا أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَيِّهِمْ خَرَجَ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ فَعَتَقَ، قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَحَدِيثُ الْقُرْعَةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ مُوَافِقٌ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِتْقِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ حُكِيَ فِيهِمَا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتِقَ أَعْتَقَ رَقِيقَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ إنْ كَانَ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ فِي حَيَاتِهِ فَهَكَذَا فِيمَا أَرَى الْحَدِيثَ، فَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا أَنَّ عِتْقَ الْبَتَاتِ عِنْدَ الْمَوْتِ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ كَعِتْقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَمَّا أَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ الثُّلُثَ وَأَرَقَّ الثُّلُثَيْنِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ أَعْتَقَ مَالَهُ وَمَالَ غَيْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالَهُ، وَرَدَّ مَالَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الرَّقِيقُ لِرَجُلٍ فَبَاعَ ثُلُثَهُمْ، أَوْ وَهَبَهُ، فَقَسَمْنَاهُمْ ثُمَّ أَقْرَعْنَا، فَأَعْطَيْنَا الْمُشْتَرِيَ إذَا رَضِيَ الثُّلُثَ بِحِصَصِهِمْ أَوْ الْمَوْهُوبَ لَهُ الثُّلُثَ وَالشَّرِيكَ الثُّلُثَيْنِ بِالْقُرْعَةِ إذَا خَرَجَ سَهْمُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبِ، كَانَ لَهُ مَا خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ وَمَا بَقِيَ لِشَرِيكِهِ، فَكَانَ الْعِتْقُ إذَا كَانَ فِيمَا يُتَحَرَّى خُرُوجًا مِنْ مِلْكٍ - كَمَا كَانَتْ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ خُرُوجًا مِنْ مِلْكٍ - فَكَانَ سَبِيلُهُمْ إذَا اشْتَرَكَ فِيهِمْ الْقَسْمُ (قَالَ) : وَلَوْ صَحَّ الْمُعْتِقُ مِنْ مَرَضِهِ عَتَقُوا كُلُّهُمْ حِينَ صَارَ مَالِكًا لَهُمْ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مَرَضٌ لَا يَدْرِي أَيَمُوتُ مِنْهُ أَوْ يَعِيشُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ وَهُمْ يُخْرَجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ - عَتَقُوا كُلُّهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ وَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ وَأَرَقَّ الثُّلُثَيْنِ كَانَ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» ، فَإِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ الشِّقْصَ لَهُ فِي الْعَبْدِ إذَا كَانَ مُوسِرًا فَدَفَعَ الْعِوَضَ مِنْ مَالِهِ إلَى شَرِيكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْ الْعِوَضَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ، وَكَانَ الْمَالِكُ الشَّرِيكُ مَعَهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقٌ لِصَاحِبِهِ، إذَا أَعْسَرَ الْمُعْتِقُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ شَرِيكِهِ مَالُهُ بِلَا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ، وَإِذَا أَيْسَرَ الْمُعْتِقُ تَمَّ الْعِتْقُ، وَكَانَ لِشَرِيكِهِ الْعِوَضُ، فَأُعْطِيَ مِثْلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَتَمَّ الْعِتْقُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ يُبْطِلُ الِاسْتِسْعَاءَ بِكُلِّ حَالٍ، وَيَتَّفِقَانِ فِي ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: إبْطَالُ الِاسْتِسْعَاءِ، وَثُبُوتُ الرِّقِّ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي حَالِ عُسْرَةِ الْمُعْتِقِ، وَنَفَاذُ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا، ثُمَّ يَنْفَرِدُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ عِتْقَ الْبَتَاتِ عِنْدَ الْمَوْتِ إذَا لَمْ يَصِحَّ صَاحِبُهُ وَصِيَّةٌ، وَأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ، وَلَك أَنَّ الْمَمَالِيكَ لَيْسُوا بِذَوِي قَرَابَةٍ لِلْمُعْتِقِ، وَالْمُعْتِقُ عَرَبِيٌّ وَالْمَمَالِيكُ عَجَمٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] مَنْسُوخَةٌ بِالْمَوَارِيثِ وَالْآخَرُ، أَنَّ الْوَصَايَا إذَا جُوِّزَ بِهَا الثُّلُثُ رُدَّتْ إلَى الثُّلُثِ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فِي أَنْ لَا يُجَاوَزَ بِالْوَصَايَا الثُّلُثُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ رَجُلٌ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدٍ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدَعْ وَارِثًا يُعْرَفُ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّ عَلَى خَمْسَةِ مَعَانٍ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةٍ كُلُّهَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ.

[بَاب الْقُرْعَةِ فِي الْمَمَالِيكِ وَغَيْرِهِمْ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَتْ قُرْعَةُ الْعَرَبِ قِدَاحًا يَعْمَلُونَهَا مَنْحُوتَةً مُسْتَوِيَةً ثُمَّ يَضَعُونَ عَلَى كُلِّ قَدَحٍ مِنْهَا عَلَامَةَ رَجُلٍ ثُمَّ يُحَرِّكُونَهَا ثُمَّ يَقْبِضُونَ بِهَا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ (قَالَ) : وَأَحَبُّ الْقُرْعَةِ إلَيَّ وَأَبْعَدُهَا مِنْ أَنْ يَقْدِرَ الْمُقْرِعُ فِيهَا عَلَى الْحَيْفِ فِيمَا أَرَى أَنْ يَقْطَعَ رِقَاعًا صِغَارًا مُسْتَوِيَةً، فَيَكْتُبُ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمَ ذِي السَّهْمِ، حَتَّى يَسْتَوْظِفَ أَسْمَاءَهُمْ، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ مُسْتَوِيَةٍ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِوَزْنٍ وُزِنَتْ، ثُمَّ تُسْتَجَف قَلِيلًا ثُمَّ تُلْقَى فِي ثَوْبِ رَجُلٍ لَمْ يَحْضُرْ الْكِتَابَ وَلَا إدْخَالَهَا فِي الْبَنَادِقِ وَيُغَطَّى عَلَيْهَا ثَوْبُهُ ثُمَّ يُقَالُ: أَدْخِلْ يَدَك فَأَخْرِجْ بُنْدُقَةً، فَإِذَا أَخْرَجَهَا فُضَّتْ وَقَرَأَ اسْمَ صَاحِبِهَا ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ الْجُزْءَ الَّذِي أَقْرَعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقَالُ: أُقْرِعَ عَلَى السَّهْمِ الَّذِي يَلِيه، ثُمَّ هَكَذَا مَا بَقِيَ مِنْ السُّهْمَانِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْفَدَ.
وَهَكَذَا فِي الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، فَإِذَا مَاتَ مَيِّتٌ وَتَرَكَ رَقِيقًا قَدْ أَعْتَقَهُمْ كُلَّهُمْ، أَوْاقْتَصَرَ بِعِتْقِهِ عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ أَعْتَقَ ثُلُثَيْهِمْ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَكَتَبَ سَهْمَ الْعِتْقِ فِي وَاحِدٍ وَسَهْمَا الرِّقِّ فِي اثْنَيْنِ ثُمَّ أَمَرَ الَّذِي يُخْرِجُ السِّهَامَ فَقِيلَ: أَخْرِجْ عَلَى هَذَا الْجُزْءِ وَيُعَرَّفُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ الْجُزْءُ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ وَبَقِيَ الْجُزْءَانِ الْآخَرَانِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَكَانَا اثْنَيْنِ كَتَبْنَا اسْمَيْهِمَا ثُمَّ قُلْنَا: أَخْرِجْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ فَهُوَ لَهُ وَالْبَاقِي لِلثَّانِي، فَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ اثْنَيْنِ كَتَبْنَا اسْمَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى الرَّقِيقِ أَخَذَ جُزْأَهُ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ وَكَانَتْ حُقُوقُهُمْ مُخْتَلِفَةً أَخَذْنَا الثُّلُثَيْنِ اللَّذَيْنِ بَقِيَا رَقِيقَيْنِ وَاسْتَأْنَفْنَا فَأَقْرَعْنَا ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ قُرْعَةً جَدِيدَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ أَوَّلًا عَلَى جُزْءٍ رَقُّوا، ثُمَّ قِيلَ أَخْرِجْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي عَتَقُوا وَرَقَّ الثَّالِثُ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي عَتَقَ الْجُزْءُ

الثَّالِثُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ جَهَدَ قَاسِمُهُمْ عَلَى تَعْدِيلِهِمْ، فَضَمَّ الْقَلِيلَ الثَّمَنِ إلَى الْكَثِيرِ الثَّمَنِ حَتَّى يَعْتَدِلُوا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلُوا لِتَفَاوُتِ قِيَمِهِمْ فَكَانُوا سِتَّةَ مَمَالِيكَ قِيمَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِائَةٌ وَقِيمَةُ ثَلَاثَةٍ مِائَةٌ، جَعَلَ الْوَاحِدَ جُزْءًا وَالِاثْنَيْنِ جُزْءًا وَالثَّلَاثَةَ جُزْءًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فِي الْعِتْقِ عَتَقَ.
وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ سَهْمُ الِاثْنَيْنِ، أَوْ الثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ بِالْقِيَمِ اسْتَوَتْ قِيَمُهُمْ، أَوْ اخْتَلَفَتْ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ قِيمَتُهُ مِائَتَانِ وَالِاثْنَانِ قِيمَتُهُمَا خَمْسُونَ وَالثَّلَاثَةُ قِيمَتُهُمْ خَمْسُونَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْوَاحِدِ عَتَقَ مِنْهُ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَذَلِكَ نِصْفُ الْعَبْدِ وَبَقِيَ نِصْفُهُ وَالْجُزْءَانِ رَقِيقًا، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ عَتَقَا، ثُمَّ أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ، أَقْرَعَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثَةِ يَبْدَأُ تَجْزِئَتُهُمْ أَثْلَاثًا فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ بِالْعِتْقِ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ يَسِيرٌ فَخَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْوَاحِدِ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ حِصَّةِ الْعِتْقِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعًا جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ كُلُّهُ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى وَاحِدٍ عَتَقَ كُلُّهُ، أَوْ مَا حَمَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ مِنْهُ، فَإِنْ عَتَقَ كُلُّهُ وَفَضَلَ فَضْلٌ أَقْرَعَ بَيْنَ الَّذِينَ بَقُوا مَعَهُ فِي جُزْئِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَدْ صَارَ فِيهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ وَلَا تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ أَبَدًا مِنْ سَهْمِ الَّذِينَ خَرَجَ لَهُمْ سَهْمُ الْعِتْقِ أَوَّلًا حَتَّى تَكْمُلَ فِيهِمْ الْحُرِّيَّةُ فَإِنْ عَتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَقَرَعَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى اثْنَيْنِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ فِي الْعِتْقِ عَتَقَ، أَوْ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ فَإِنْ عَتَقَ كُلُّهُ وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْ الْبَاقِي مِنْهُمَا وَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفِي الْقِيَمِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَ سَهْمُ الْقُرْعَةِ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَدَدٌ لَا يَحْتَمِلُهُمْ الثُّلُثُ أَقْرَعَ بَيْنَ الْجُزْءِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِمْ سَهْمُ الْعِتْقِ فَأُعْتِقَ مَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ مِنْهُمْ.
فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ شَيْءٌ أَقْرَعَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْجُزْءِ خَاصَّةً لِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الِاثْنَيْنِ عَادَ رَقِيقًا وَلَا تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي خَرَجَ لَهُ أَوَّلًا سَهْمُ الْعِتْقِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ، أَوْ يَفْضُلَ فَضْلٌ مِنْ الْعِتْقِ فَيَكُونُ الْجُزْءَانِ الْبَاقِيَانِ فِيهِ سَوَاءً تُبْتَدَأُ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمْ فَيُجَزَّءُونَ أَثْلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاقُونَ رَقِيقًا إلَّا اثْنَيْنِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ وَأَرَقَّ مَا بَقِيَ وَلَا تُبْتَدَأُ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمْ أَبَدًا إلَّا عَلَى تَجْزِئَةِ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقَانِ اثْنَيْنِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَهَذَانِ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا التَّجْزِئَةُ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ ثُلُثَ الْمَالِ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى قَلِيلِ الْقِيمَةِ فَأُعْتِقُ كُلُّهُ وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ مِنْ الْبَاقِي مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ فَفِيهِمْ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَنْ يُجْعَلُوا أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْوَاحِدِ، أَوْ الِاثْنَيْنِ عَتَقَ، ثُمَّ جُزِّئَ الْبَاقُونَ كَذَلِكَ فَأُعِيدَ فِيهِمْ الْقُرْعَةُ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ.
فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ اثْنَيْنِ وَلَا يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ عَتَقَ وَرَقَّ الْبَاقِي فَإِنْ عَتَقَ وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ مِنْ الْبَاقِي بِقَدْرِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ وَكَانَ مَا بَقِيَ رَقِيقًا، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ كَانَتْ قِيَمُ الَّذِينَ جَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتِقُ اثْنَيْنِ وَيُرِقُّ أَرْبَعَةً إلَّا وَالِاثْنَانِ الثُّلُثُ كَامِلًا لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ وَإِنْ كَانُوا سَبْعَةً جَعَلَهُمْ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي، أَنْ يُجَزِّئَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كَانُوا سَبْعَةً قِيَمُهُمْ سَوَاءٌ ضُمَّ الْوَاحِدُ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ بِكَمَالِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ فِيمَنْ لَمْ يَخْرُجْ سَهْمُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِمَعْنَى السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ وَذَلِكَ أَنِّي جَعَلْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّةً مِنْ الْقُرْعَةِ فَإِذَا صَارَتْ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَعَدْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْعَةَ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الِاثْنَيْنِ عَتَقَا

وَاسْتَأْنَفْت الْقُرْعَةَ عَلَى الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ مِنْ السَّبْعَةِ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ، أَوْ اتَّفَقَتْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً، أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي أَبَدًا أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الرَّقِيقِ قَلُّوا، أَوْ كَثُرُوا إلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْدُو الرَّقِيقُ الَّذِينَ أُقْرِعُ بَيْنَهُمْ أَنْ تَكُونَ قِيَمُهُمْ سَوَاءً أَوْ ضُمَّ الْأَقَلُّ ثَمَنًا إلَى الْأَكْثَرِ حَتَّى إذَا اعْتَدَلَتْ قِيَمُهُمْ فَهُوَ كَمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ فِيهِمْ كَانَتْ قِيَمُهُمْ سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ وَاحِدٍ أَعْتَقَهُ.
ثُمَّ أَعَادَ الْقُرْعَةَ عَلَى مَنْ بَقِيَ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَى الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ إنْ يُقْرَعَ عَلَى الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ مَرَّتَيْنِ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ مَرَّةً وَقُرْعَةً مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَلَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ فِي مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ إلَّا الثُّلُثُ، فَلَمَّا أَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ وَعَدَدُهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ جَازَ إذَا اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ جَازَ إذَا اتَّفَقَتْ قِيَمُهُمْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرَّقِيقِ كَمَا يُقْرَعُ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الْوَرَثَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الرَّقِيقِ لِلْعِتْقِ وَالْوَرَثَةِ لِلْقَسْمِ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي مَوْضِعٍ وَإِنْ اتَّفَقَتْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُقْسَمُ الرَّقِيقُ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ يُضَمُّ الْقَلِيلُ الثَّمَنِ إلَى كَثِيرِهِ؟ أَفَرَأَيْت إذَا فَعَلَتْ هَذَا فِي الْعِتْقِ كَيْفَ تَصْنَعُ فِيمَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ؟ قُلْنَا بِالْقِيمَةِ، قِيلَ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ فَكَانَ مَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُتَبَايِنُ الْقِيمَةِ، فَفِي عَبْدٍ ثَمَنٌ أَلْفٌ وَعَبْدَيْنِ ثَمَنٌ خَمْسُمِائَةٍ وَالْوَرَثَةُ رَجُلَانِ؟ قِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْأَوَّلِ عَلَى الْوَاحِدِ رَدَّ عَلَى أَخِيهِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اثْنَيْنِ أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَإِنْ قَالَ صَاحِبُهُ لَيْسَ عِنْدِي أَخَذَ الْعَبْدَيْنِ وَكَانَ شَرِيكُهُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ فِي يَدِهِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نِصْفَ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ.
وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ رُبْعُ الْعَبْدِ وَلِلْآخِرِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَهَكَذَا قِيمَةُ كُلِّ مَا اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُ مِنْ أَرْضٍ وَثِيَابٍ وَدَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ يَصِحُّ أَنْ تَنْظُرَ قِيَمَهُمْ فَإِذَا كَانَتْ كَمَا وَصَفْتُ قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ يُقْرَعَ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَأَيُّكُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى كَثِيرِ الثَّمَنِ رُدَّ مَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الْقِيمَةِ، وَأَيُّكُمْ خَرَجَ عَلَى قَلِيلِ الثَّمَنِ أَخَذَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَإِنْ رَضُوا مَعًا بِهَذَا فَأَقْرَعْنَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا قُلْنَا: أَنْتُمْ قَوْمٌ لَكُمْ مَا لَا يَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ، فَكَأَنَّكُمْ وَرِثْتُمْ مَا لَا يَنْقَسِمُ فَأَنْتُمْ عَلَى مَوَارِيثِكُمْ فِيهِ حَتَّى تَصْطَلِحُوا عَلَى مَا أَحْبَبْتُمْ، أَوْ تَبِيعُوا فَتَقْسِمُوا الثَّمَنَ وَلَا نُكْرِهُكُمْ عَلَى الْبَيْعِ، وَبِهَذَا أَقُولُ: فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ بِالْقِيمَةِ عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ الْكَثِيرِ الثَّمَنِ عَتَقَ كُلُّهُ وَصَارَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ دَيْنًا لِلْوَرَثَةِ إنْ رَضِيَ ذَلِكَ الْعَبْدُ، قِيلَ: لَا يُشْبِهُ الرَّقِيقُ الْوَرَثَةَ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ كَانَ لِمَالِكِيهِمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ أُخْرِجَ عَبْدًا بَقِيَ فِيهِ نِصْفُهُ رَقِيقًا إلَى الْحُرِّيَّةِ وَأُحِيلُ عَلَيْهِ وَارِثًا مَالِكًا لَهُ بِدَيْنٍ لَعَلَّهُ لَا يَأْخُذُهُ أَبَدًا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَأَنَا لَوْ خَالَفْتُ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَتْ فِي الِاسْتِسْعَاءِ أَخْطَأْت الْقِيَاسَ عَلَى مَا أَقْسِمْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يُخْطِئُهُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ؟ قِيلَ: إنَّمَا يَقْسِمُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْقِيَمِ وَتُزَادُ عَلَيْهِمْ وَيَزْدَادُونَ بِرِضَاهُمْ فَإِذَا أَسْخَطُوا أُشْرِكَ بَيْنَهُمْ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقَسْمَ وَقُسِمَ بَيْنَهُمْ مَا احْتَمَلَهُ بِالْقِيمَةِ وَالْعَبِيدُ لَا أَمْوَالَ لَهُمْ يَرْضَوْنَ بِأَنْ يُعْطُوهَا وَنَحْنُ لَا نُجْبِرُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي مِيرَاثٍ مِنْ رَقِيقٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا وَيُعْطِيَ مَعَهُ، أَوْ يُعْطِيَ إلَّا بِرِضَاهُ وَإِنَّمَا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ بِالْقِيمَةِ مَا اعْتَدَلَتْ الْقِيمَةُ بِالْقِيمَةِ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أُعْتِقَ بِالْقِيمَةِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ.
فَإِنْ كَانُوا سِتَّةً قِيَمُهُمْ سَوَاءٌ وَكَانَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِمْ يَخْرُجُونَ أَحْرَارًا جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّ عَلَى حُرٍّ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَى وَاحِدٍ وَيَعْتِقَ الْبَاقُونَ وَالْجُزْءَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمَا سَهْمُ الرِّقِّ حُرَّانِ، وَسَوَاءٌ فِي الْقُرْعَةِ الرَّقِيقُ الَّذِي أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَاَلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا كَانَ الرَّقِيقُ

مُعْتَقِينَ عِتْقَ بَتَاتٍ مَعًا، أَوْ كَانُوا مُعْتَقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَعًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ رَقِيقٌ قَدْ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ فِي مَرَضِهِ وَآخَرِينَ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ بُدِئَ بِاَلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ الْبَتَاتِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَحَدٌ، وَسَوَاءٌ كَانُوا مُدَبَّرِينَ، أَوْ مُوصًى بِعِتْقِهِمْ وَإِنْ فَضَلَ عَنْ الْمُعْتَقِينَ عِتْقَ بَتَاتٍ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أُقْرِعَ بَيْنَ الْمُدَبَّرِينَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ فَأُعْتِقَ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ كَمَا وَصَفْت فِي الْقُرْعَةِ قَبْلَ هَذَا وَإِنَّمَا سَوَّيْنَا بَيْنَ الْمُدَبَّرِينَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْمُدَبَّرِينَ الرُّجُوعُ وَأَنَّهُ لَا تَجْرِي فِيهِمْ حُرِّيَّةٌ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ وَخُرُوجُهُمْ مِنْ الثُّلُثِ وَكَانَتْ حَالُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَالْمُدَبِّرَيْنِ حَالُهُمْ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُونَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا يَعْتِقُ بِالْمَوْتِ وَيَرِقُّ إنْ أَحَبَّ صَاحِبُهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَوْ رَجَعَ فِي الْمُدَبَّرِينَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ قَبْلَ يَمُوتُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.

[بَاب عِتْق الْمَمَالِيكِ مَعَ الدَّيْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ بِيعَ الرَّقِيقُ وَلَا يَعْتِقُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِبَعْضِ مَالِهِ جُزِّئَ الرَّقِيقُ أَجْزَاءً، ثُمَّ كُتِبَ سَهْمُ الْعِتْقِ وَسَهْمُ الرِّقِّ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ ثُلُثًا كُتِبَ الدَّيْنُ سَهْمًا وَالْعِتْقُ سَهْمَيْنِ، ثُمَّ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الدَّيْنِ فَهُوَ سَهْمُ الرِّقِّ فَيُبَاعُونَ فَيُوَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى جُزْءٍ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ بِالْعِتْقِ وَالرِّقِّ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ بِيعَ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ جُزِّئَ الْبَاقِي مِنْهُمْ مَعَ الْبَاقِينَ، ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ بَيْنَهُمْ الْقُرْعَةُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَى جُزْءٍ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ بِيعُوا، ثُمَّ أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ بَقِيَ حَتَّى يُبَاعَ لَهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَهَكَذَا إنْ كَانَ دَيْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ زِيدَ لَهُ فِي سِهَامِ الرِّقِّ وَالْقُرْعَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَيُبْدَأُ أَبَدًا بِسَهْمِ الرِّقِّ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ أَقْرَعْت بِالْعِتْقِ وَالرِّقِّ، ثُمَّ بِعْت مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ وَلَمْ تَعْتِقْ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ؟ قِيلَ لَهُ إنَّ الدَّيْنَ أَوْلَى مِنْ الْعِتْقِ، فَلَمَّا كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ لَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَهُمْ إلَّا بِالْقُرْعَةِ.
فَإِذَا خَرَجْت قُرْعَةُ الرِّقِّ بَرِئَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ بِثُبُوتِ الرِّقِّ مِنْ الْعِتْقِ فَبِعْته، وَكَانَ مَنْ بَقِيَ مُسْتَوِينَ فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ لِلْوَرَثَةِ فَأَعَدْت الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَتَقَ وَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ رَقَّ فَإِنْ تَرَكَ عَبْدًا وَاحِدًا أَعْتَقَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، ثُمَّ عَتَقَ ثُلُثُ مَا يَبْقَى مِنْهُ وَرَقَّ ثُلُثَاهُ وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَلَمْ أَعْلَمْ عَلَيْهِ دَيْنًا غَيْرَ الَّذِي قَضَيْت بِهِ فَأَعْتَقْت ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِمْ رَدَدْت عِتْقَهُمْ وَبِعْتُهُمْ فِي الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَبِيعُ مَنْ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ مِنْهُمْ وَأَخَذْت كُلَّ مَالٍ فِي أَيْدِيهمْ إذَا اغْتَرَقَهُ الدَّيْنُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَرُدُّ الْحُكْمَ وَقَدْ كَانَ صَوَابًا؟ قُلْت: كَانَ صَوَابًا عَلَى الظَّاهِرِ عِنْدَنَا، فَلَمَّا صَارَ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَا حَكَمْنَا أَوَّلًا بِهِ عَلَى غَيْرِ مَا حَكَمْنَا بِهِ رَدَدْنَاهُ وَلَمْ نَرُدَّ ظَاهِرًا لِبَاطِنٍ مُغَيَّبٍ، وَإِنَّمَا رَدَدْنَا الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ لِظَاهِرِ حُكْمٍ أَحَقَّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لَا يُحِيطُ بِرَقِيقِهِ كُلِّهِمْ عُدْتُ فَأَقْرَعْتُ بَيْنَهُمْ قُرْعَةَ الرِّقِّ وَقُرْعَةَ الْعِتْقِ وَبَدَأْتُ بِقُرْعَةِ الْعِتْقِ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ رَدَدْت عِتْقَهُ وَبِعْتُهُ، أَوْ بِعْت مِنْهُ مَا يُقْضَى بِهِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، فَإِذَا فَعَلْتَ حَالَ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِمْ كَأَنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَ اثْنَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَةٌ وَدَفَعْت إلَى الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةً قِيمَتُهُمْ مِائَتَانِ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا فَاخْتَارَ إخْرَاجَ الْمِائَةِ فَأَخْرَجَهَا نَقَصَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ وَنَقَصْتَ مِنْ عِتْقِ اللَّذَيْنِ عَتَقَا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، ثُمَّ أَقْرَعْت بَيْنَهُمَا بِسَهْمِ الرِّقِّ وَسَهْمِ الْعِتْقِ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ أَرْقَقْت مِنْهُ مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا عَتَقَا وَثُلُثُ الْمَيِّتِ فِي الظَّاهِرِ مِائَةُ

دِينَارٍ، ثُمَّ صَارَ ثُلُثُ الْمَيِّتِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثَيْ دِينَارٍ، وَاَلَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ خَرَجَ لَهُمْ سَهْمُ الْعِتْقِ بِكَمَالِهِ حُرًّا، وَصَارَ بَعْضُ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ حُرًّا وَبَعْضُهُ مَمْلُوكًا فَأَعْتَقْنَا مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثَا سَهْمٍ مِنْ خَمْسِينَ سَهْمًا، وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا نَقَصْنَا قَسْمَ الْأَرْبَعَةِ الْأَسْهُمِ وَبِعْنَا مِنْهُمْ حَتَّى يُوَفَّى الْغَرِيمُ حَقَّهُ، ثُمَّ عُدْنَا بِالْقُرْعَةِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا وَصَفْت، ثُمَّ اسْتَأْنَفْنَا الْقَسْمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الرَّقِيقِ وَعَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُمْ الْمُرَقِّ بَعْضُهُمْ، فَقَسَمْنَاهُمْ قَسْمًا مُسْتَأْنَفًا بِالْقِيمَةِ، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَنَعْنَا بِهِ كَمَا وَصَفْت مِنْ نَقْضِ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَكِنْ اسْتَحَقَّ أَحَدُ الْعَبِيدِ الَّذِينَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ نَقَضْنَا الْقَسْمَ وَعُدْنَا عَلَى الْعِتْقِ فَنَقَصْنَا بَعْضَهُ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ نُقِصَ وَلَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ عَتَقَا بَقِيَ الْآخَرُ حُرًّا وَأَقْرَعنَا بَيْنَ اللَّذَيْنِ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ فَأَعْتَقْنَا مِمَّنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَنَقَضْنَا الْقَسْمَ بَيْنَهُمْ فَاسْتَأْنَفْنَاهُ جَدِيدًا.

[بَابُ الْعِتْقِ ثُمَّ يَظْهَرُ لِلْمَيِّتِ مَالٌ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَوْ أَرْقَقْنَا ثُلُثَيْهِمْ وَأَعْتَقْنَا الثُّلُثَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُخْرَجُونَ مَعًا فِيهِ مِنْ الثُّلُثِ أَعْتَقْنَا مَنْ أَرْقَقْنَا مِنْهُمْ وَدَفَعْنَا إلَى الْوَرَثَةِ مَالَهُمْ كَانَ قَبْلَ الْمُعْتَقِ وَدَفَعْنَا إلَى الْمَمَالِيكِ مَا اكْتَسَبُوا بَعْدَ عِتْقِ الْمَالِكِ إيَّاهُمْ، وَمَا كَانَ لِلرَّقِيقِ الْمُعْتَقِينَ مِنْ مَالٍ فِي أَيْدِيهمْ وَأَيْدِي غَيْرِهِمْ قَبْلَ عِتْقِ الْمَيِّتِ عِتْقَ بَتَاتٍ أَوْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ عِتْقَ تَدْبِيرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ كُلُّهُ كَأَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَهُ وَيُحْسَبُ الرَّقِيقُ وَمَا أُخِذَ مِمَّا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْمَالِ، ثُمَّ يُعْتَقُ مِنْهُمْ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ، فَإِنْ اكْتَسَبَ الرَّقِيقُ الْمُعْتَقُونَ عِتْقَ بَتَاتٍ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ مَالًا، أَوْ وُهِبَ لَهُمْ، أَوْ أَفَادُوهُ بِوَجْهٍ، أَوْ الرَّقِيقُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِ أُحْصِيَ جَمِيعُ مَا اكْتَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ نُظِرَ إلَى مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْ الْمَالِ مَا يُخْرِجُ جَمِيعَ الرَّقِيقِ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقُوا كُلُّهُمْ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَفَادَ وَاكْتَسَبَ لَا يُحْسَبُ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسَبْ فَكَانَ الرَّقِيقُ لَا يَخْرُجُونَ مَعًا مِنْ ثُلُثِ مَال الْمَيِّتِ فَأُحْصِيَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَوُقِفَ، ثُمَّ حَسَبَ قِيمَةَ الرَّقِيقِ وَالْمُعْتَقِينَ وَجَمِيعُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فَكَانَ الْمَيِّتُ تَرَكَ أَلْفًا وَرَقِيقًا يُسَوُّونَ أَلْفًا، وَكَانَ مَنْ يَعْتِقُ مِنْ الرَّقِيقِ ثُلُثَيْهِمْ، وَذَلِكَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ كَامِلًا، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقْنَا ثُلُثَيْهِمْ وَخَلَّيْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ اكْتَسَبُوهَا وَهُمْ أَحْرَارٌ وَأَرْقَقْنَا ثُلُثَ الرَّقِيقِ وَاسْتَخْرَجْنَا مَا فِي أَيْدِيهمْ مِمَّا أَفَادُوا وَاكْتَسَبُوا فَكَانَ مِائَةً اكْتَسَبَهَا مَمْلُوكَانِ، فَزَادَ مَالُ الْمَيِّتِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمَمَالِيكِ الْبَاقِينَ حَتَّى نستوظف ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ، فَأَيُّ مَمَالِيكِهِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ كُلُّهُ، أَوْ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِذَا عَتَقَ كُلُّهُ انْبَغَى أَنْ أُرْجِعَ إلَيْهِ مَالَهُ الَّذِي دَفَعْتُهُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا دَفَعْت ذَلِكَ إلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُنْقِصُ مَالَ الْمَيِّتِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ حَسَبْت مَالَهُ وَقِيمَتَهُ، ثُمَّ أُعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ وَدَفَعْت إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، فَإِنْ عَتَقَ نِصْفُهُ أَعْطَيْته نِصْفَ مَالِهِ، أَوْ ثُلُثَهُ أَعْطَيْته ثُلُثَ مَالِهِ فَكَانَ مَوْقُوفًا فِي يَدَيْهِ يَأْكُلُهُ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يَفْرُغُ فِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ خِدْمَةِ مَالِكِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ حِسَابُ مَا زَادَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَنَقَصَ.
.

[بَابُ كَيْفَ قِيَمُ الرَّقِيقُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَإِذَا كَانَ الرَّقِيقُ أُعْتِقُوا عِتْقَ بَتَاتٍ فِي مَرَضِ الْمُعْتِقِ، أَوْ رَقِيقٌ أُعْتِقُوا بِتَدْبِيرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَمَاتَ الْمُدَبِّرُ، أَوْ الْمُوصِي وَلَمْ يَرْفَعْ إلَى الْحَاكِم حَتَّى تَغَيَّرَتْ قِيَمُ الرَّقِيقِ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ فَالْقَوْلُ فِي قِيَمِ الرَّقِيقِ أَنَّهُمْ يُقَوَّمُونَ فِي يَوْمٍ وَقَعَ لَهُمْ الْعِتْقُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى زِيَادَتِهِمْ وَلَا نُقْصَانِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّقِيقَ الَّذِينَ عَتَقُوا عِتْقَ بَتَاتٍ كَانَ الْعِتْقُ لَهُمْ تَامًّا لَوْ عَاشَ وَتَامًّا لَوْ مَاتَ فَخَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ، وَوَاقِعٌ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ إنَّمَا يُرَدُّونَ بِأَنْ لَا يَدَعَ الْمَيِّتُ مَالًا يَخْرُجُونَ بِهِ فَيُرَدُّونَ، أَوْ يُرَدُّ مِنْهُمْ مَنْ رُدَّ فَإِذَا تَمَّ عِتْقُ بَعْضِهِمْ وَرُدَّ فِي بَعْضٍ فَإِنَّمَا أُعْتِقُوا بِالْعِتْقِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لَا أَنَّ أَيَّهمْ يَعْتِقُ بِالْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْقُرْعَةِ حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ كَأَنَّهُمْ عَتَقُوا يَوْمئِذٍ وَلَا أَنَّ الْقُرْعَةَ أَوْقَعَتْ لِمُعْتَقٍ عِتْقًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا زَادَتْهُ مَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ، إنَّمَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالرِّقِّ، فَأَمَّا زِيَادَةٌ فِي شَيْءٍ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فَلَا وَلَكِنَّهُ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مِنْ يَرِقُّ وَيَعْتِقُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا انْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ يَوْمَ يَقَعُ الْعِتْقُ لَا يَوْمَ يَقَعُ الْحُكْمُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُونَ وَالْمُعْتَقُونَ بِوَصِيَّةٍ فَقِيمَتُهُمْ يَوْمَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ يَوْمئِذٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُونَ إمَاءً، أَوْ كَانَ فِيهِمْ إمَاءٌ حَبَالَى قَوَّمَهُنَّ حَبَالَى، فَإِنْ اسْتَأْخَرَتْ قِيَمُهُنَّ إلَى أَنْ يَلِدْنَ فَقِيمَتُهُنَّ حَبَالَى وَأَيَّتُهُنَّ عَتَقَتْ فَوَلَدُهَا حُرٌّ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ وَهِيَ حَامِلٌ فَكَانَ حُكْمُ حَمْلِهَا حُكْمُهَا يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا وَيَرِقُّ بِرِقِّهَا، وَلَوْ كَانَ زَايَلَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ حُكْمِهَا، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ رَقَّ مِنْهُنَّ رَقَّ مَعَهَا وَلَدُهَا، لَا حُكْمَ لِلْوَلَدِ إلَّا حُكْمُ أُمَّهَاتِهِمْ وَلَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ ثُمَّ عَتَقَتْ كَانَ وَلَدُهَا أَحْرَارًا مِثْلَهَا، وَلَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ عِتْقَ بَتَاتٍ كَانَ وَلَدُهَا كَغَيْرِهِ مِنْ رَقِيقِ سَيِّدِهَا، وَمَا كَانَ فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ الرَّقِيقِ الْمُعْتَقِينَ عِتْقَ بَتَاتٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ الْمُعْتَقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مَالٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ عَلَى الْمُعْتَقِينَ فَهُوَ كُلُّهُ مَالٌ تَرَكَهُ الْمَيِّتُ، فَيُؤْخَذُ فَيَكُونُ مِيرَاثًا كَمَا تَرَكَ مِنْ مَالٍ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ أَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ جُنِيَتْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ وُقُوعِ الْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ وَكُلُّ مَا وُهِبَ لَهُمْ، أَوْ صَارَ لَهُمْ مِنْ أُجْرَةٍ وَمَهْرِ جَارِيَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ قَبْلَ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَهُمْ وَهُمْ رَقِيقٌ وَمَالُ الرَّقِيقِ لِمَالِكِهِ، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَةً مِنْهُمْ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ حَتَّى أَعْتَقَهَا فَالْمِائَةُ لِلسَّيِّدِ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَالْمِائَةُ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ كَامِلَةً، وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ إلَّا أَنْ يُطَلِّقَ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ الْمِائَةِ، وَيَكُونُ الْخَمْسُونَ لِلسَّيِّدِ (قَالَ) : وَمَا أَفَادَ الْعَبِيدُ الْمُعْتَقُونَ وَالْإِمَاءُ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ مِنْ كَسْبٍ وَهِبَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وُقِفَ وَمَنَعُوهُ، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَأَمْوَالُهُمْ الَّتِي كَسَبُوا وَأَفَادُوا، أَوْ صَارَتْ لَهُمْ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَتْ أَمْوَالَ أَحْرَارٍ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمَيِّتُ قَطُّ فَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا كُلُّهُمْ مِنْ الثُّلُثِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ وَقَعَتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ عَتَقَ وَصُيِّرَ إلَيْهِ مَالُهُ الَّذِي صَارَ لَهُ بَعْدَ وُقُوعِ الْحُرِّيَّةِ بِالْكَلَامِ بِهَا فِي عِتْقِ الْبَتَاتِ، أَوْ مَوْتِ الْمُعْتِقِ بِمَوْتِهِ وَصَارَ مَنْ مَعَهُ رَقِيقًا فَأَخَذَ مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَمَا وَجَبَ لَهُمْ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَهْرِ الْمَنْكُوحَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا مَلَكُوهُ، فَإِذَا أُخِذَ فَقَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ وَإِذَا زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتِقَ مَا حَمَلَ ثُلُثُ الزِّيَادَةِ مِنْ الرَّقِيقِ، فَعَلَيْنَا نَقْضُ قَسْمِ الرَّقِيقِ الَّذِينَ قَسَمْنَاهُمْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالِاقْتِرَاعُ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ أَعْتَقْنَاهُ، أَوْ مَا حَمَلَ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ وَصَارَ مَا بَقِيَ مِنْ الرَّقِيقِ وَمَا بَقِيَ مِنْ أَحَدِهِمْ إنْ عَتَقَ بَعْضُهُ مَمَالِيكَ، فَإِنْ أَرَادُوا الْوَرَثَةُ أَنْ

يَقْتَسِمُوهَا أَعَدْنَا قِسْمَتَهُمْ مُسْتَقْبَلًا كَأَنَّا وَجَدْنَا مَالَ الْمَيِّتِ زَادَ بِمَا فِي أَيْدِي الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ الَّذِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ الرِّقُّ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، فَكَانَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْمَيِّتُ أَلْفًا فَصَارَ لَهُمْ مِنْ الْعِتْقِ الْخُمُسَانِ عَلَى مَعْنًى، وَذَلِكَ أَنَّا نُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ مِنْ الرَّقِيقِ عَلَى وَاحِدٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ وَلَمْ يَكُنْ كَسَبَ شَيْئًا نَأْخُذُهُ مِنْ يَدِهِ عَتَقَ وَرَقَّ مَنْ بَقِيَ وَصَحَّ الْمَعْنَى، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى وَاحِدٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ أَوْقَعنَا لَهُ الْعِتْقَ، وَإِذَا نَظَرْنَا فَكُنَّا قَدْ أَخَذْنَا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّا أَخَذْنَا مِنْ كَسْبِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَإِذَا أَرَدْنَا رَدَّهَا عَلَيْهِ وَجَدْنَا مَالَ الْمَيِّتِ يَنْقُصُ فَيَنْقُصُ عِتْقُهُمْ فَنَقِفُ الْأَرْبَعَمِائَةِ وَنَعْتِقُ مِنْهُ ثُلُثَ ثَمَانِمِائَةٍ فَيَكُون ثُلُثَاهُ حُرًّا وَثُلُثُهُ مَمْلُوكًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهُ ثُلُثَا أَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ نَزِيدُهُ فِي الْعِتْقِ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَإِذَا تَمَّ زِدْنَاهُ فِي الْعِتْقِ شَيْئًا، ثُمَّ زِدْنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ إلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِهِ بِقَدْرِ مَا يَعْتِقُ مِنْهُ إنْ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ صَيَّرْنَا إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَالِهِ، ثُمَّ رَدَدْنَا مَا بَقِيَ مِنْ كَسْبِهِ مِيرَاثًا لِلْوَارِثِ وَهَذَا مِنْ الدُّورِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنْ تَنْظُرَ أَبَدًا إلَى الرَّقِيقِ إذَا عَجَزَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ فَأَعْتَقْتَ نِصْفَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ فَأَحْسِبُ ثُلُثَ الزِّيَادَةِ ثُمَّ أُعْتِقُ مِمَّنْ يَبْقَى مِنْ الرَّقِيقِ الْمُعْتَقِينَ بِقَدْرِ مَا زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ.

[بَابُ تَبْدِئَةِ بَعْضِ الرَّقِيقِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعِتْقِ فِي الْحَيَاةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ فِي مَرَضِهِ غُلَامِي هَذَا حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ وَغُلَامِي هَذَا حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ لِآخَر ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ وَقَفْنَا أَمْرَهُمْ فَإِنْ مَاتَ أَعْتَقْنَا الْأَوَّلَ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثَ كَامِلًا عَتَقَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ دُونَ مَا بَقِيَ وَالْعَبْدَانِ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ كُلُّهُ وَعَتَقَ مِنْ الثَّانِي مَا حَمَلَ الثُّلُثَ فَإِنْ خَرَجَ الثَّانِي مِنْ الثُّلُثِ فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَبَقِيَ فَضْلٌ فِي الثُّلُثِ عَتَقَ الْفَضْلُ مِنْ الثَّالِثِ وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَأَكْثَرَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الْقَوْلُ كَمَا وَصَفْت، فَإِنْ قَالَ مَعَهُمْ وَأَعْتِقُوا الرَّابِعَ وَصِيَّةً، أَوْ إذَا مِتُّ، أَوْ كَانَ الرَّابِعُ مُدَبَّرًا كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَمَا وَصَفْت وَبُدِئَ عِتْقُ الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَيَاةِ عَلَى كُلِّ عِتْقٍ بَعْدَ الْمَوْتِ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، وَالتَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَا كَانَ حَيًّا، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ فَضَلَ عَنْ ثُلُثِهِ فَضْلٌ عَنْ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ أَوْ مِمَّنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَرَقَّ مَا بَقِيَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: سَالِمٌ حُرٌّ وَغَانِمٌ حُرٌّ وَزِيَادٌ حُرٌّ وَقَفْنَا عِتْقَهُمْ، فَإِذَا مَاتَ بَدَأْنَا بِسَالِمٍ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ كَانَتْ وَقَعَتْ لَهُ قَبْلَ غَانِمٍ إنْ عَاشَ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ غَانِمٌ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ زِيَادٌ، أَوْ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ وَإِذَا بُدِئَ عِتْقُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِتْقَ الْبَتَاتُ كَانَ كَمَا وَصَفْت لَك لَا قُرْعَةَ إذَا كَانَ تَبْدِئَةً؛ لِأَنَّ عِتْقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقَعُ بِالْكَمَالِ عَلَى مَعْنَى إنْ عَاشَ الْمُعْتِقُ أَوْ يَخْرُجُ الْمُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ، وَمَا جَنَى عَلَى الرَّقِيقِ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ مِنْ جِنَايَةِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ حَتَّى يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ كَانَ حُرًّا وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ، وَمَوْقُوفَةٌ وَمَا أَصَابَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ حَدٍّ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُهُ حُدَّ فِيهِ حَدُّ الْأَحْرَارِ، فَإِذَا شَهِدَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وُقِفَتْ شَهَادَتُهُ، فَإِذَا عَتَقَ جَازَتْ، وَمَا وَرِثَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وُقِفَ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُهُ فَكَالْحُرِّ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ وَيَجْرِي الْوَلَاءُ وَيَرِثُ وَيُورَثُ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَقَعَتْ بِالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي عِتْقِ الْبَتَاتِ، وَالْقَوْلُ الْمُتَقَدِّمُ فِي مَوْتِ الْمُعْتَقِ فِي التَّدْبِيرِ وَعِتْقِ الْوَصِيَّةِ وَهَكَذَا إنْ جَنَوْا وُقِفَتْ جِنَايَتُهُمْ، فَأَيُّهُمْ عَتَقَ عَقَلَتْ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ مِنْ قَرَابَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلُوا فَمَوَالِيه، وَأَيُّهُمْ رَقَّ فَجِنَايَتُهُ جِنَايَةُ

عَبْدٍ يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ، أَوْ يُبَاعَ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ مَا تُؤَدَّى بِهِ، أَوْ تَأْتِي عَلَى جَمِيعِ ثَمَنِهِ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ الْجَانِي بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَقِينَ، فَعَتَقَ بِالْقُرْعَةِ نِصْفُهُ قِيلَ لِمَالِكِهِ إنْ شِئْت فَاقْتَدِ النِّصْفَ الَّذِي تَمْلِكُ بِنِصْفِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ تَامًّا وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْك مَا تَمْلِكُ مِنْهُ حَتَّى تُؤَدِّيَ نِصْفَ جَمِيعِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي نِصْفِهِ فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ الْجِنَايَةِ بِيعَ بِقَدْرِ نِصْفِ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ يُبَاعَ كُلُّهُ وَيُرَدَّ عَلَيْك الْفَضْلُ مِنْ ثَمَنِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ نِصْفِ الْجِنَايَةِ فِي مَالٍ إنْ اكْتَسَبَهُ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ لِنَفْسِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفَضْلُ عَنْ مَصْلَحَتِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا بَقِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ مَتَى عَتَقَ اُتُّبِعَ بِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ مَمَالِيكَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ وَمَاتَ فَلَمْ يُقْرِعْ بَيْنَهُمْ حَتَّى مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ أُقْرِعَ عَلَى الْمَوْتَى وَالْأَحْيَاءِ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْحَيِّ حُرًّا عَتَقَ وَأَعْطَى كُلَّ مَالٍ أَفَادَهُ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ سَيِّدُهُ بِالْعِتْقِ وَكَانَ الْمَيِّتَانِ رَقِيقَيْنِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتَيْنِ مَالٌ أُحْصِيَ، فَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا أَلْفًا كَسَبَاهَا بَعْدَ كَلَامِ السَّيِّدِ بِالْعِتْقِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ، فَزَادَ مَالُ الْمَيِّتِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَخَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَحَسَبْنَا كَمْ يَعْتِقُ مِنْهُ بِتِلْكَ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُسْتَفِيدِ كَأَنَّهُ قِيمَةُ خَمْسِمِائَةٍ فَوَجَدْنَاهُ ثُلُثَهُ، ثُمَّ نَظَرْنَا إلَى الْخَمْسِمِائَةِ الدِّرْهَمِ الَّتِي كَسَبَهَا بَعْدَ عِتْقِ سَيِّدِهِ فَأَعْطَيْنَاهُ ثُلُثَهَا وَهُوَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَا دِرْهَمٍ وَبَقِيَ ثُلُثَاهَا وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، فَزِدْنَاهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ فَكُنَّا إذَا زِدْنَاهُ فِي الْعِتْقِ رَجَعَ عَلَيْنَا بِفَضْلِ مَا أَخَذْنَا مِنْ مَالِهِ فَانْتَقَصْنَاهُ مِنْ الْعِتْقِ قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ يُقَدَّرُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ مِنْهُ مَا يَكُونُ لَهُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا تَحْسِبُهُ نَصِيبَ حُرٍّ فَهُوَ لَهُ دُونَ السَّيِّدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فِي الرَّقِيقِ يُعْتَقُونَ فَلَا يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ يُقَوَّمُونَ يَوْمَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَلَا أَنْظُرُ إلَى قِيَمِهِمْ يَوْمَ يَكُونُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا يَقَعُ بِالْقُرْعَةِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْرِ أَيَّهمْ عَتَقَ وَلَا أَيَّهمْ رَقَّ وَلَيْسَتْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرِّيَّةٌ تَامَّةٌ إنَّمَا تَتِمُّ بِالْقُرْعَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَمْ يَعْتِقْ وَمَاتَ رَقِيقًا وَأَخَذَ مَالَهُ وَرَثَةُ سَيِّدِهِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ رَقِيقًا غَيْرَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُوقَفُ عِتْقُهُ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَتَهُ دَفَعَ إلَى شَرِيكِهِ مِنْ مَالِهِ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ قِيمَتَهُ وَبِأَنَّ عِتْقَهُ بِالدَّفْعِ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ فِي الْعِتْقِ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْمُرْتَفِعُ وَالْمُتَّضِعُ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ لَا افْتِرَاقَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قَوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ فَبَيَّنَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالْقَوْلِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَالْقِيمَةُ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ شُرَكَاؤُهُ بِالْعِتْقِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ إذَا كَانَ ذَا مَالٍ وَدُفِعَتْ قِيمَتُهُ إخْرَاجًا لَهُ مِنْ أَيْدِي مَالِكِيهِ مَعَهُ أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَقَعَ الْعِتْقُ وَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لِلْمُعْتِقِ وَالْغُرْمُ لَازِمٌ لَهُ فِي قِيمَةِ مِلْكِ شُرَكَائِهِ مِنْ الْعَبْدِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَوْ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْ شُرَكَائِهِ أَوْ كُلُّهُمْ بَعْدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ عِتْقُهُ بِالْقَوْلِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ تَامُّ الْعِتْقِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَيُقَالُ لَك: الثَّمَنُ فَإِنْ شِئْت فَخُذْهُ وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ، وَالْوَلَاءُ لِلَّذَيْنِ سَبَقَا بِالْعِتْقِ وَلَوْ أَعْتَقَا جَمِيعًا مَعًا لَزِمَهُمَا الْعِتْقُ وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُمَا، وَالْغُرْمُ لِشَرِيكٍ إنْ كَانَ مَعَهُمَا عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ، فَأَمَّا إذَا تَقَدَّمَ أَحَدُ الْمُعْتِقِينَ مِنْ مُوسِرٍ فَالْعِتْقُ تَامٌّ وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ عِتْقٍ بَعْدَهُ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ، وَهُوَ عِتْقُ مَا لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ شُرَكَائِهِ غَائِبًا تَمَّ الْعِتْقُ وَوُقِفَ حَقُّهُ لَهُ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْغَائِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي وَقْتٍ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَعْتَقَهُ الْحَاضِرُ وَكَانَ هُوَ مُوسِرًا، فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَيَبْطُلُ عِتْقُ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَعَتَقَ الْبَاقِيَ عَلَى الْحَاضِرِ وَضَمِنَ

لِشَرِيكِهِ قِيمَتَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ آخَرُ وُقِفَ الْعِتْقُ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا دَفَعَ ثَمَنَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَكَانَ عِتْقُ الْآخَرِ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَى الثَّانِي نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ وَأَعْطَاهُ قِيمَتَهُ وَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا أَعْتَقَ، لِلْأَوَّلِ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَعَلَ عَلَى الَّذِي يُعْتِقُ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا مَدْفُوعًا مِنْ مَالِهِ إلَى شُرَكَائِهِ قَضَى عَلَى الْمُعْتِقِ الْآخَرِ بِذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ بِقَلِيلِ الْغُرْمِ إذَا أَعْتَقَ أَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ بِكَثِيرِهِ، أَوْ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَفِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ» : دَلَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا، إنَّ عَلَى الْمَرْءِ إذَا فَعَلَ فِعْلًا يُوجِبُ لِغَيْرِهِ إخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَأَمَّا فِي مَالِ النَّاسِ فَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنِّي أَنْظُرُ إلَى الْمُعْتِقِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَإِذَا كَانَ حِينَئِذٍ مُوسِرًا ثُمَّ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا أَعْسَرَ كَانَ حُرًّا وَأُتْبِعَ بِمَا ضَمِنَ مِنْهُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَى تَغَيُّرِ حَالِهِ، إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحَالِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا فِيهَا الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَضْمَنُ ضَمِنَ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الْقِيَاسُ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ حِينَ أَعْتَقَ إلَّا مِائَةً أَعْتَقْنَا مِنْهُ خُمُسَ النِّصْفِ، فَعَتَقَ نِصْفُهُ وَعُشْرُهُ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْهُ رَقِيقًا.
وَهَكَذَا كُلَّمَا قَصُرَ عَنْ مَبْلَغِ قِيمَةِ شَرِيكِهِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا وُجِدَ لِلْمُعْتِقِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ مِمَّا لَمْ يَحْتَمِلْهُ مَالُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ إذَا كَانَ الْعِتْقُ وَهُوَ مُوسِرٌ لَأَنْ يُخْرَجَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا وَاجِدَ الْمَالِ يَدْفَعُ يَوْمَ أَعْتَقَ وَلَا يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ مِنْ حُرٍّ لَزِمَهُ فِي الصِّحَّةِ كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَمْنَعْهُ الْمَوْتُ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ بِهَا فِي مَالِهِ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَسَوَاءٌ أَخَّرَ ذَلِكَ أَوْ قَدَّمَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ خَالِصًا فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ حُرًّا كُلُّهُ بِالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَدَعْ مَالًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ فِي الصِّحَّةِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ مَالِهِ وَمَتَى أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَعْتِقُ مِنْهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ وَدَفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهُ وَعَتَقَ كُلُّهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ وَلَا مَالَ لَهُ فَالْعَبْدُ رَقِيقٌ وَيَعْتِقُ مِنْهُ مَا يَمْلِكُ الْمُعْتِقَ، وَإِنْ أَيْسَر بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَيْسَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ قَبْلَهُ، إنَّمَا اُنْظُرْ إلَى الْحَالِ الَّتِي يُعْتِقُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا دَافِعًا عَتَقَ فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى الْعِتْقَ، إنَّمَا يَقَعُ بِالْيُسْرِ وَالدَّفْعِ، وَيُعْتِقُ فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى الْعِتْقَ إنَّمَا يَقَعُ بِالْيُسْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَافِعًا إذَا كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوسِرٍ دَافِعٍ لَمْ يُعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ يَوْمئِذٍ وَقَعَ الْحُكْمُ وَإِنْ أَيْسَر بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ فِي الْمُعْتِقِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ إنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ بِعِتْقِ شَرِيكِهِ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا دَافِعًا لِقِيمَتِهِ، وَهَذَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُعْتِقُ إلَّا بِالدَّفْعِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ يُعْتِقُ بِالْيُسْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَافِعًا بِأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا غَيْرَ دَافِعٍ، وَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِ الْمُعْتَقِ عَلَيْهِ بِأَمْرَيْنِ: الْيُسْرُ وَالدَّفْعُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِهِ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ يَجِدُ مَنْ قَالَهُ مَذْهَبًا، وَأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمُعْتِقِ حِينَ يَقَعُ الْعِتْقُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَتِهِ فَقَدْ وَقَعَ الْعِتْقُ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ، وَإِنْ أَعْدَمَ بَعْدُ أُتْبِعَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُعْتَقَةُ جَارِيَةً حُبْلَى يَوْمَ أُعْتِقَ بَعْضُهَا فَلَمْ تُقَوَّمْ حَتَّى وَلَدَتْ قُوِّمَتْ حُبْلَى وَعَتَقَ وَلَدُهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حُبْلَى يَوْمَ أُعْتِقَتْ، فَيَعْتِقُ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا لَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ عَنْهَا وَلَوْ زَعَمْت أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا يَقَعُ يَوْمَ يَكُونُ الْحُكْمُ، انْبَغَى أَنْ لَا يَعْتِقَ الْوَلَدُ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ الْوَلَدَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ جَارِيَةً سَاعَةَ وَلَدَتْ لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا مَعَهَا إنَّمَا يَعْتِقُ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا إذَا كَانَتْ حُبْلَى، فَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ فَحُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمُ وَلَدِ غَيْرِهَا.
.

[عِتْقُ الشِّرْكِ فِي الْمَرَضِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عِتْقَ بَتَاتٍ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ فِي ثُلُثِهِ مَا أَعْتَقَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَأَمْرُهُ فِي ثُلُثِهِ كَأَمْرِ الصَّحِيحِ فِي كُلِّ مَالِهِ لَا يَخْتَلِفُ إذَا أَعْتَقَهُ عِتْقَ بَتَاتٍ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ مِنْ عَبْدٍ لَهُ سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَثُلُثُهُ يَحْمِلُهُ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ مَالِكٌ لِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ كُلِّهِ، وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ كُلَّهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِ مَمْلُوكٍ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ بِالْمَوْتِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يَوْمَ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِيهِ كُلُّهُ وَمَالُهُ كُلُّهُ لِوَارِثِهِ إلَّا مَا أُخِذَ مِنْ ثُلُثِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ عَبْدِهِ إلَّا ثُلُثَهُ كَانَ لَا مَالَ لَهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَبْدُ فَيَعْتِقُ بِالْقِيمَةِ وَالدَّفْعِ.

[اخْتِلَافُ الْمُعْتِقِ وَشَرِيكِهِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَلَمْ يَتَرَافَعَا إلَى السُّلْطَانِ إلَّا بَعْدَ أَشْهُرٍ فَحَكَمَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أَعْتَقَ فَاخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ وَقَعَ الْعِتْقُ فَقَالَ الْمُعْتِقُ: كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ وَقَالَ الْمُعْتَقُ عَلَيْهِ: كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ وَاجِدٌ دَافِعٌ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ بِهَذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا زَعَمَ هُوَ أَنَّهُ لَزِمَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْعَبْدِ وَلَا يَخْرُجُ مِلْكُهُ مِنْ يَدِهِ إلَّا بِمَا رَضِيَ كَمَا يَكُونُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ، وَفِي هَذَا سُنَّةٌ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّ الْعَبْدِ، أَوْ أَخْذُهُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَلَيْسَ لِلْمُعْتِقِ هَا هُنَا رَدُّ الْعِتْقِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي هَذَا إذَا اخْتَلَفَا تَحَالَفَا وَكَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ قِيمَةُ الْعَبْدِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الْفَائِتِ إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ كَانَ مَذْهَبًا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ الْعَبْدُ خَبَّازٌ، أَوْ كَاتِبٌ، أَوْ يَصْنَعُ صِنَاعَةً تَزِيدُ فِي عَمَلِهِ.
وَقَالَ الْمُعْتِقُ: لَيْسَ كَذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ وُجِدَ كَانَ يَصْنَعُ تِلْكَ الصِّنَاعَةَ أُقِيمَ بِصِنَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يُؤْخَذْ بِقَوْلِ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ مِمَّا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي تَرَافَعَا فِيهَا مِنْ يَوْمِ وَقَعَ الْعِتْقُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ، وَلَوْ قَالَ الْمُعْتِقُ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ وَهُوَ آبِقٌ، أَوْ سَارِقٌ، أَوْ مَعِيبٌ عَيْبًا لَا يُرَى فِي بَدَنِهِ.
وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ: لَيْسَ بِآبِقٍ وَلَا سَارِقٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَهُوَ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ حَتَّى يَعْلَمَ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ لَا يُرَى فِيهِ عَيْبٌ وَهُوَ يَدَّعِي فِيهِ عَيْبًا يَطْرَحُ عَنْهُ بَعْضَ مَا لَزِمَهُ وَمَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ، فَقَالَ الَّذِي يُخَالِفُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ: إنَّ مَا قُلْت كَمَا قُلْت فَأَحْلَفُوهُ، أَحَلَفْنَاهُ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رَدَدْنَا الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَبْطَلْنَا حَقَّهُ فِي الْيَمِينِ وَلَمْ نُعْطِهِ إذَا تَرَكَهَا عَلَى مَا ادَّعَى، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَعْتَقْت الْعَبْدَ وَهُوَ آبِقٌ، فَقُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ، فَإِنْ قَالَ الْمُعْتِقُ: هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آبِقٌ أُحْلِفَ كَمَا وَصَفْت، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ يَعْلَمُ مَا لَا يُوجَدُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ مَيِّتًا، أَوْ غَائِبًا فَاخْتَلَفَا فِيهِ فَقَالَ الْمُعْتِقُ: هُوَ عَبْدٌ أَسْوَدُ زِنْجِيٌّ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَقَالَ الْمُعْتَقُ عَلَيْهِ: هُوَ عَبْدٌ بَرْبَرِيٌّ، أَوْ فَارِسِيٌّ يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ الَّذِي يَغْرَمُ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا قَالَ، أَوْ يَحْلِفَ لَهُ الْمُعْتِقُ إنْ أَرَادَهُ وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ بَرْبَرِيٌّ وَاخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ بَرْبَرِيٌّ

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأم للشافعي · 390 صفحة
المقدمة
َ وَقْتُ الْعَصْرِ
بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ،
وَقْتِ الْجُمُعَةِ
ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
فدية الجراد
ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ
[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .
ُ الْغَصْبِ
ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
ْ الصَّدَقَةُ
مَا جَاءَ فِي نِكَاح إمَاء الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِر أَهْل الْكتاب وَإِمَائِهِمْ
ُ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي تَحِيضُعدة الْحُرَّة مِنْ أَهْل الْكتاب عِنْد الْمُسْلِم وَالْكِتَابِيّ
َالْإِحْدَادُ
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ
َجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ
اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ وَالْفَارِسَيْنِ
َدَعْوَى الْأَعَاجِمِ
ِ بَابُ الدِّيَاتِ
َمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ
جارٍ التحميل