الأم للشافعيصفحات 108-147
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ْ الصَّدَقَةُ

صفحات 108-147

[نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَجْلَانَ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : عَلَى مَالِكِ الْمَمْلُوكِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْبَالِغَيْنِ إذَا حَبَسَهُمَا فِي عَمَلٍ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا وَيَكْسُوَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ نَفَقَةُ رَقِيقِ بَلَدِهِمَا الشِّبَعُ لِأَوْسَاطِ

النَّاسِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ مِنْ أَيِّ الطَّعَامِ كَانَ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً أَوْ تَمْرًا وَكِسْوَتُهُمْ كَذَلِكَ مِمَّا يَعْرِفُ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ صُوفٌ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ الْأَغْلَبُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَكَانَ لَا يُسَمِّي ضَيِّقًا بِمَوْضِعِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْجَوَارِي إذَا كَانَتْ لَهُنَّ فَرَاهَةٌ وَجَمَالٌ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُنَّ يُكْسَيْنَ أَحْسَنَ مِنْ كِسْوَةِ اللَّاتِي دُونَهُنَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي الْمَمْلُوكِينَ " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجَوَابِ فَسَأَلَ السَّائِلُ عَنْ مَمَالِيكِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَأْكُلُ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ أَدْنَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ وَيَلْبَسُ صُوفًا أَوْ أَدْنَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ فَقَالَ " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ " وَكَانَ أَكْثَرُ حَالِ النَّاسِ فِيمَا مَضَى ضَيِّقَةً وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ اتَّسَعَتْ حَالُهُ مُقْتَصِدًا فَهَذَا يَسْتَقِيمُ قَالَ وَالسَّائِلُونَ عَرَبٌ وَلُبُوسُ عَامَّتِهِمْ وَطَعَامُهُمْ خَشِنٌ وَمَعَاشُهُمْ وَمَعَاشُ رَقِيقِهِمْ مُتَقَارِبٌ فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ حَالُهُ هَكَذَا وَخَالَفَ مَعَاشَ السَّلَفِ وَالْعَرَبِ وَأَكَلَ رَقِيقَ الطَّعَامِ وَلَبِسَ جَيِّدَ الثِّيَابِ فَلَوْ آسَى رَقِيقَهُ كَانَ أَكْرَمَ وَأَحْسَنَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا الْمَعْرُوفُ لِمِثْلِهِ فِي بَلَدِهِ الَّذِي بِهِ يَكُونُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لُبْسُهُ الْوَشْيَ وَالْخَزَّ وَالْمَرْوِيَّ وَالْقَصَبَ وَطُعْمَتُهُ النَّقِيَّ وَأَلْوَانَ لَحْمِ الدَّجَاجِ وَالطَّيْرِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ مَمَالِيكَهُ وَيَكْسُوَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ لِلْمَمَالِيكِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيَدْعُهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَةً فَلْيُنَاوِلْهُ إيَّاهَا أَوْ يُعْطِهِ إيَّاهَا أَوْ كَلِمَةً هَذَا مَعْنَاهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلْيُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَةً» كَانَ هَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِمَعْنَاهَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ إجْلَاسَهُ مَعَهُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ إذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِلَّا فَلْيُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَةً» لِأَنَّ إجْلَاسَهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يُرَوِّغَ لَهُ لُقْمَةً دُونَ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ أَوْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُنَاوِلَهُ أَوْ يُجْلِسَهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرَ اخْتِيَارِ غَيْرِ الْحَتْمِ وَتَكُونَ لَهُ نَفَقَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُحَبُّ لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ تَبَايُنِ طَعَامِ الْمَمْلُوكِ وَطَعَامِ سَيِّدِهِ إذَا أَرَادَ سَيِّدُهُ طَيِّبَ الطَّعَامِ لَا أَدْنَى مَا يَكْفِيه فَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يُرِيدُ أَدْنَى مَا يَكْفِيه أَطْعَمَهُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ وَالْكِسْوَةُ هَكَذَا قَالَ وَالْمَمْلُوكُ الَّذِي يَلِي طَعَامَ الرَّجُلِ يُخَالِفُ عِنْدَنَا الْمَمْلُوكَ الَّذِي لَا يَلِي طَعَامَهُ وَيَنْبَغِي لِمَالِكِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي يَلِي طَعَامَهُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مَا يَصْنَعُ بِهِ أَنْ يُنَاوِلَهُ لُقْمَةً يَأْكُلُهَا مِمَّا يَقْرَبُ إلَيْهِ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ لَا يَكُونُ يَرَى طَعَامًا قَدْ وَلِيَ الْغَنَاءَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا يَرُدُّ بِهِ شَهْوَتَهُ وَأَقَلُّ مَا تُرَدُّ بِهِ شَهْوَتُهُ لُقْمَةٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا لِلْمَمْلُوكِ الَّذِي يَلِي الطَّعَامَ دُونَ غَيْرِهِ؟ قِيلَ لِاخْتِلَافِ حَالِهِمَا لِأَنَّ هَذَا وَلِيَ الطَّعَامَ وَرَآهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَمَالِيكِ لَمْ يَلِهِ وَلَمْ يَرَهُ وَالسُّنَّةُ الَّتِي خَصَّتْ هَذَا مِنْ الْمَمَالِيكِ دُونَ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يُوَافِقُ بَعْضَ مَعْنَى هَذَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] الْآيَةُ فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرْزَقَ مِنْ الْقِسْمَةِ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ الْحَاضِرُونَ الْقِسْمَةَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ أَنْ يُرْزَقَ مِنْ الْقِسْمَةِ مَنْ مِثْلُهُمْ فِي الْقَرَابَةِ وَالْيُتْمِ وَالْمَسْكَنَةِ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ وَهِيَ أَنْ تُضِيفَ مَنْ جَاءَك وَلَا تُضِيفَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدُك وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ وَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ فَهَذَا أَوْسَعُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْطَوْا مَا طَابَ بِهِ نَفْسُ الْمُعْطِي وَلَا يُوَقِّتُ وَلَا يُحْرَمُونَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَمَعْنَى لَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ يَعْنِي بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إلَّا مَا يُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ لَيْسَ مَا يُطِيقُهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ يَعْجِزُ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ الْجَلْدَ وَالْأَمَةَ الْجَلْدَةَ قَدْ يَقْوَيَانِ عَلَى أَنْ يَمْشِيَا لَيْلَةً حَتَّى يُصْبِحَا وَعَامَّةَ يَوْمٍ، ثُمَّ يَعْجِزَانِ عَنْ ذَلِكَ وَيَقْوَيَانِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَا يَنَامَانِ فِيهِمَا ثُمَّ يَعْجِزَانِ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا يَسْتَقْبِلَانِ وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْمَمْلُوكَ لِسَيِّدِهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا فَيَمْشِي الْعَقَبَةَ وَرُكُوبُ الْأُخْرَى وَالنَّوْمُ إنْ قَدَرَ رَاكِبًا نَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّوْمِ رَاكِبًا نَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَنْزِلِ وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ بِاللَّيْلِ تَرَكْنَاهُ بِالنَّهَارِ لِلرَّاحَةِ وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ بِالنَّهَارِ تَرَكْنَاهُ بِاللَّيْلِ لِلرَّاحَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ عَمِلَ فِي السَّحَرِ وَمِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ فِي صَيْفٍ يَعْمَلُ تُرِكَ فِي الْقَائِلَةِ.
وَوَجْهُ هَذَا كُلِّهِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمَمْلُوكَةِ مَا لَا يَضُرُّ بِأَبْدَانِهِمَا الضَّرَرَ الْبَيِّنَ وَمَا يَعْرِفُ النَّاسُ أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَتَى مَرِضَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي الْمَرَضِ لَيْسَ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ إنْ كَانَ لَا يُطِيقُ الْعَمَلَ وَإِنْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ يُعْتِقُهُ فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُمُّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَتَخْدُمُهُ وَتَعْمَلُ لَهُ مَا تُحْسِنُ وَتُطِيقُ بِالْمَعْرُوفِ فِي مَنْزِلِهِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمَمْلُوكَةُ تَعْمَلُ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَمْلُوكَةِ غَيْرِ الْمُدَبَّرَةِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَعْرُوفُ مَا وَصَفْت وَأَيُّ مَمْلُوكٍ صَارَ إلَى أَنْ لَا يُطِيقَ الْعَمَلَ لَمْ يُكَلِّفْهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَرَضَاعُ الْمَمْلُوكِ الصَّغِيرِ يَلْزَمُ مَوْلَاهُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُكَاتَبَةُ مُخَالِفَانِ لِمَنْ سِوَاهُمَا لَا يَلْزَمُ مَوْلَاهُمَا نَفَقَةً فِي مَرَضٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنْ مَرِضَا وَعَجَزَا عَنْ نَفَقَةِ أَنْفُسِهِمَا قِيلَ لَهُمَا لَكُمَا شَرْطًا كَمَا فِي الْكِتَابَةِ فَأَنْفِقَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا فَإِنْ زَعَمْتُمَا أَنَّكُمَا عَاجِزَانِ عَنْ تَأْدِيَةِ الْكِتَابَةِ أَبْطَلْنَا كِتَابَتَكُمَا وَرَدَدْنَاكُمَا رَقِيقًا كَمَا نُبْطِلُهَا إذَا عَجَزْتُمَا عَنْ تَأْدِيَةِ أَرْشِ جِنَايَتِكُمَا قَالَ وَإِذَا كَانَ لَهُمَا إذَا هُمَا عَجَزَا أَنْ يَقُولَا لَا نَجِدُ فَيُرَدَّانِ رَقِيقِينَ كَانَ لَهُمَا فِي الْمَرَضِ مَا وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ فَسْخَ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمَا دُونَ مَنْ كَاتَبَهُمَا قَالَ وَلَوْ كَانَا اثْنَيْنِ فَعَجَزَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَرِضَ فَقَالَ قَدْ عَجَزْت بَطَلَتْ كِتَابَتُهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَكَانَ الَّذِي لَمْ يَعْجِزْ عَنْ الْكِتَابَةِ مُكَاتَبًا وَيَرْفَعُ عَنْهُ حِصَّةَ الْعَاجِزِ مِنْ الْكِتَابَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُنْفِقُ الرَّجُلُ عَلَى مَمَالِيكِهِ الصِّغَارِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَعُوهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ وَلَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ أُمَّ وَلَدِهِ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُنْفِقُ عَلَى رَقِيقِهِ حَتَّى يُعْتَقُوا بِعِتْقِ أُمِّهِمْ، قَالَ وَإِذَا ضَرَبَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ خَرَاجًا فَقَالَ الْعَبْدُ لَا أُطِيقُهُ.
قِيلَ لَهُ أَجِّرْهُ مِمَّنْ شِئْت وَاجْعَلْ لَهُ نَفَقَتَهُ وَكِسْوَتَهُ وَلَا يُكَلَّفُ خَرَاجًا وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَكَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا خَرَاجًا إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي عَمَلٍ وَأُحِبُّ أَنْ يَمْنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ أَخْذِ الْخَرَاجِ مِنْ الْأَمَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي عَمَلٍ وَأُحِبُّ كَذَلِكَ يَمْنَعُهُ الْخَرَاجَ مِنْ الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ يُطِيقُ الْكَسْبَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: " وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهُ الْكَسْبَ سَرَقَ وَلَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا الْكَسْبَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا ".

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّةٌ فِي الْمِصْرِ أَوْ شَاةٌ أَوْ بَعِيرٌ عَلَفَهُ مَا يُقِيمُهُ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ بِعَلَفِهِ أَوْ بِبَيْعِهِ فَإِنْ كَانَتْ بِبَادِيَةٍ فَاُتُّخِذَتْ الْغَنَمُ أَوْ الْإِبِلُ أَوْ الْبَقَرُ عَلَى الْمَرْعَى فَخَلَّاهَا وَالرَّعْيَ وَلَمْ يَحْبِسْهَا فَأَجْدَبَتْ الْأَرْضُ فَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ عَلَفَهَا أَوْ ذَبَحَهَا أَوْ بَاعَهَا وَلَا يَحْبِسْهَا فَتَمُوتَ هُزَالًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مُتَعَلِّقٌ وَيُجْبَرُ عِنْدِي عَلَى بَيْعِهَا أَوْ ذَبْحِهَا أَوْ عَلْفِهَا فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مُتَعَلِّقٌ لَمْ يُجْبَرْ عِنْدِي عَلَى بَيْعِهَا وَلَا ذِبْحِهَا وَلَا عَلْفِهَا لِأَنَّهَا عَلَى مَا فِي الْأَرْضِ تُتَّخَذُ وَلَيْسَتْ كَالدَّوَابِّ الَّتِي لَا تَرْعَى وَالْأَرْضُ مُخْصِبَةٌ إلَّا رَعْيًا ضَعِيفًا وَلَا تَقُومُ لِلْجَدْبِ قِيَامَ الرَّوَاعِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تُحْلَبُ أُمَّهَاتُ النَّسْلِ إلَّا فَضْلًا عَمَّا يُقِيمُ أَوْلَادَهُنَّ، وَلَا يَحْلُبُهَا وَيَتْرُكُهُنَّ يَمُتْنَ

هُزَالًا.
قَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ أَمَةً فَيَمْنَعَ وَلَدَهَا إلَّا يَكُونُ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ رِيِّهِ أَوْ يَكُونُ وَلَدُهَا يَغْتَذِي بِالطَّعَامِ فَيُقِيمُ بَدَنَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْثِرَ وَلَدَهُ بِاللَّبَنِ إنْ اخْتَارَهُ عَلَى الطَّعَامِ قَالَ وَفِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَاتِ مِمَّا يَلْزَمُ.

الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ قَوْلُنَا فِيمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّهُ سِرًّا وَمُكَابَرَةً إنْ غَصَبَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَوَجَدَ مِثْلَهُ أَخَذَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَرْضِهِ شَيْئًا فَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَمْ يَرْضَ بِأَنَّ يَبِيعَ مَالَهُ فَلَا يَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يَكُونَ أَمِينَ نَفْسِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك مُعَارِضٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك فَقَالَ هُوَ إذَا غَصَبَهُ دَرَاهِمَ فَاسْتَهْلَكَهَا فَأَمَرْته أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ غَيْرَهَا وَإِنَّمَا جَعَلْت هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بَدَلًا مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ غَصَبَهُ سُودًا لَمْ تَأْمُرْهُ أَنْ يَأْخُذَ وَضَحًا لِأَنَّ الْوَضَحَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ السُّودِ فَقَدْ جَعَلْت لَهُ الْبَدَلَ بِالْقِيمَةِ وَالْقِيمَةُ بَيْعٌ فَإِنْ قَالَ هَذِهِ دَرَاهِمُ مِثْلُ الْقِيمَةِ قُلْنَا وَمَا مِثْلُ؟ قَالَ لَا يَجُوزُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ قُلْنَا فَإِنْ كُنْت مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَجَزْته فَقُلْ لَهُ يَأْخُذُ مَكَانَ السُّودِ وَضَحًا وَهِيَ لَا يَحِلُّ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ لَا لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ فَهِيَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ الدَّنَانِيرِ قُلْنَا فَحُجَّتُك لِأَنَّ الْفَضْلَ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لَا يَحِلُّ كَانَتْ خَطَأً لِأَنَّهُ إنَّمَا صُرَّتْ إلَى أَنْ تُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَهَذَا بَيْعٌ فَكَيْفَ لَمْ تَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ دَنَانِيرَ بِقِيمَةِ الدَّرَاهِمِ وَإِنَّمَا إلَى الْقِيمَةِ ذَهَبَتْ وَكَيْفَ لَمْ تُجِزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَرْضِهِ فَيَأْخُذَ مِثْلَ دَرَاهِمِهِ وَالْعَرْضُ يَحِلُّ بِالدَّرَاهِمِ وَفِيهِ تَغَابُنٌ فَمَا حُجَّتُك عَلَى أَحَدٍ إنْ عَارَضَك بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ؟ فَقَالَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا أُخِذَ مِنْهُ لِأَنَّك تَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ غَيْرَ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بَدَلًا وَالْبَدَلُ بِقِيمَةٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينَ نَفْسِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَأَنْتَ تَقُولُ فِي أَكْثَرِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ أَمِينَ نَفْسِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قُلْت أَقُولُ: إنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إجْمَاعَ أَكْثَرِ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى أَحَدٍ مَنَعَهُ إيَّاهُ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَدْخُلَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى هِنْدَ مِمَّا أَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَخْذِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ مِنْهُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَا طَعَامًا وَيَحْتَمِلُ لَوْ كَانَ طَعَامًا أَنْ يَكُونَ أَرْفَعَ مِمَّا يُفْرَضُ لَهَا وَبَيَّنَ أَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ بِالْمَعْرُوفِ مِثْلَ مَا كَانَ فَارِضًا لَهَا لَا أَرْفَعَ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ لَوْ كَانَ مِثْلَ مَا يُفْرَضُ لَهَا لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ إنَّمَا أَخَذَتْهُ بَدَلًا مِمَّا يَفْرِضُ لَهَا مِثْلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لِأَبِي سُفْيَانَ حَبْسُ ذَلِكَ الطَّعَامِ عَنْهَا وَإِعْطَاؤُهَا غَيْرَهُ لِأَنَّ حَقَّهَا لَيْسَ فِي طَعَامٍ بِعَيْنِهِ إنَّمَا هُوَ طَعَامٌ نِصْفُهُ كَطَعَامِ النَّاسِ وَأُدُمٌ كَأُدُمِ النَّاسِ لَا فِي أَرْفَعِ الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ وَلَا الْآدَمِ وَلَا فِي شَرِّهِمَا وَهِيَ إذَا أَخَذَتْ مِنْ هَذَا فَإِنَّمَا تَأْخُذُ بَدْلًا مِمَّا يَجِبُ لَهَا وَلِوَلَدِهَا وَالْبَدَلُ هُوَ الْقِيمَةُ وَالْقِيمَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْبَيْعِ وَهِيَ إذَا أَخَذَتْ لِنَفْسِهَا وَوَلَدِهَا فَقَدْ جَعَلَهَا أَمِينَ نَفْسِهَا وَوَلَدِهَا وَأَبَاحَ لَهَا أَخْذَ حَقِّهَا وَحَقِّهِمْ سِرًّا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ مَالِكُ الْمَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ أَمَّا فِي هَذَا مَا دَلَّكَ عَلَى أَنْ لِلْمَرْءِ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ مَا كَانَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يُعْطِيَهُ وَمِثْلَ مَا كَانَ عَلَى السُّلْطَانِ إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت لَهُ أَرَأَيْتَ السُّلْطَانَ لَوْ لَمْ يَجِدْ لِلْمُغْتَصَبِ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا أَلَيْسَ يَقْضِي عَلَى الْغَاصِبِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا؟ قَالَ بَلَى قُلْت إنْ لَمْ يُعْطِهِ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا بَاعَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ

حَتَّى يُعْطِيَ الْمَغْصُوبَ قِيمَةَ سِلْعَتِهِ؟ قَالَ بَلَى فَقِيلَ لَهُ إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ تُبِيحُ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ دُونَ السُّلْطَانِ كَمَا كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَهُ لَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ لِلْمَرْءِ إذَا لَمْ يَجِدْ حَقَّهُ أَنْ يَبِيعَ فِي مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْحَقُّ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ؟ قَالَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَبِيعَ وَلَيْسَ لِهَذَا أَنْ يَبِيعَ قُلْنَا وَمَنْ قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ؟ أَرَأَيْت إذَا قِيلَ لَك وَلَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ مَا حُجَّتُك؟ أَوْ رَأَيْت السُّلْطَانَ لَوْ بَاعَ لِرَجُلٍ مِنْ مَالِ رَجُلٍ وَالرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَى الْمَبِيعِ عَلَيْهِ أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَ لَهُ السُّلْطَانُ؟ قَالَ لَا قُلْنَا فَنَرَاك إنَّمَا تَجْعَلُ أَنْ يَأْخُذَ بِعِلْمِهِ لَا بِالسُّلْطَانِ وَمَا لِلسُّلْطَانِ فِي هَذَا مَعْنًى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَالْمُفْتِي يُخْبِرُ بِالْحَقِّ لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ وَيُجْبِرُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحَقِّ عَلَى تَأْدِيَتِهِ وَمَا يُحِلُّ السُّلْطَانُ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ مَا الْحَلَالُ وَمَا الْحَرَامُ إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ أَجَلْ قُلْنَا فَلِمَ جَمَعْت بَيْنَ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ دُونَ السُّلْطَانِ وَيُكْرِهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَجَعَلْته أَمِينَ نَفْسِهِ فِيهِ وَفَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ فِي الْبَيْعِ مِنْ مَالِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَقُلْت هَذَا خَبْرًا أَمْ قِيَاسًا؟ قَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا يَقْبُحُ أَنْ يَبِيعَ مَالَ غَيْرِهِ قُلْت لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ لَوْ قَبُحَ إلَّا وَقَدْ شَرِكْت فِيهِ بِأَنَّك تَجْعَلُهُ يَأْخُذُ مِثْلَ عَيْنِ مَالِهِ وَذَلِكَ قِيمَتُهُ وَالْقِيمَةُ بَيْعٌ وَتُخَالِفُ مَعْنَى السُّنَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَتُجَامِعُهَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ قَالَ هَكَذَا أَصْحَابُنَا قُلْت فَتَرْضَى مِنْ غَيْرِك بِمِثْلِ هَذَا فَيَقُولُ لَك مَنْ خَالَفَك هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا؟ قَالَ لَيْسَ لَهُ فِي هَذَا حُجَّةٌ قُلْنَا وَلَا لَك أَيْضًا فِيهِ حُجَّةٌ فَقَالَ إنَّهُ يُقَالُ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» فَمَا مَعْنَى هَذَا؟ قُلْنَا لَيْسَ هَذَا بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْكُمْ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَيْنَا وَلَوْ كَانَتْ كَانَتْ عَلَيْك مَعَنَا قَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] فَتَأْدِيَةُ الْأَمَانَةِ فَرْضٌ وَالْخِيَانَةُ مُحَرَّمَةٌ وَلَيْسَ مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ بِخَائِنٍ قَالَ أَفَلَا تَرَاهُ إذَا غُصِبَ دَنَانِيرَ فَبَاعَ ثِيَابًا بِدَنَانِيرَ فَقَدْ خَانَ لِأَنَّ الثِّيَابَ غَيْرُ الدَّنَانِيرِ؟ قُلْت إنَّ الْحُقُوقَ تُؤْخَذُ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنْ يُوجَدَ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ بِعَيْنِهِ فَيُؤْخَذَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِثْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيعَ عَلَى الْغَاصِبِ فَأُخِذَ مِنْهُ مِثْلُ مَا غَصَبَ بِقِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ إذَا خَانَ دَنَانِيرَ فَبِيعَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ بِدَنَانِيرَ فَدُفِعَتْ إلَى الْمَغْصُوبِ كَانَ ذَلِكَ خِيَانَةً لَمْ يَحِلَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَجُوزَ وَلَا يُكَاثَرَ عَلَى مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَكَانَ عَلَى السُّلْطَانِ إنْ وَجَدَ لَهُ دَنَانِيرَهُ بِعَيْنِهَا أَعْطَاهُ إيَّاهَا وَإِلَّا لَمْ يُعْطِهِ دَنَانِيرَ غَيْرَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِاَلَّذِي غَصَبَ وَلَا يَبِيعُ لَهُ جَارِيَةً فَيُعْطِيه قِيمَتَهَا وَصَاحِبُ الْجَارِيَةِ لَا يَرْضَى قَالَ أَفَرَأَيْت لَوْ كَانَ ثَابِتًا مَا مَعْنَاهُ؟ قُلْنَا إذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ وَاجْتِمَاعُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ حَقَّهُ لِنَفْسِهِ سِرًّا مِنْ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ أَنْ لَيْسَ بِخِيَانَةٍ، الْخِيَانَةُ أَخْذُ مَا لَا يَحِلُّ أَخْذُهُ فَلَوْ خَانَنِي دِرْهَمًا قُلْت قَدْ اسْتَحَلَّ خِيَانَتِي لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مُكَافَأَةً بِخِيَانَتِهِ لِي وَكَانَ لِي أَنْ آخُذَ دِرْهَمًا وَلَا أَكُونُ بِهَذَا خَائِنًا وَلَا ظَالِمًا كَمَا كُنْت خَائِنًا ظَالِمًا بِأَخْذِ تِسْعَةٍ مَعَ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا تَعْدُو الْخِيَانَةُ الْمُحَرَّمَةُ أَنْ تَكُونَ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهِيَ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسُّنَّةُ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ تَكُونَ لَوْ كَانَ لَهُ حَقٌّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَقَدْ أَمَرُوا رَجُلًا أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ وَالْبَدَلَ مِنْ حَقِّهِ بِغَيْرِ أَمْرِ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ سِرًّا وَمُكَابَرَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَخَالَفَنَا أَيْضًا فِي النَّفَقَةِ فَقَالَ إذَا مَاتَ الْأَبُ أَنْفَقَ عَلَى الصَّغِيرِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ قُلْت لَهُ فَمَا حُجَّتُك فِي هَذَا؟ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت لَهُ أَكَانَ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَك عَلَى جَمِيعِ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْأَبِ، وَالْوَارِثُ يَقُومُ فِي

ذَلِكَ مَقَامَ الْأَبِ؟ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت أَوَجَدْت الْأَبَ يُنْفِقُ وَيَسْتَرْضِعُ الْمَوْلُودَ وَأُمُّهُ وَارِثٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَيَكُونُ وَارِثُ غَيْرِ أُمِّهِ يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ فَيُنْفِقُ عَلَى أُمِّهِ إذَا أَرْضَعَتْهُ وَعَلَى الصَّبِيِّ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّ الْأُمَّ تُنْفِقُ عَلَيْهِ مَعَ الْوَارِثِ قُلْنَا فَأَوَّلُ مَا تَأَوَّلْت تَرَكْت قَالَ فَإِنْ أَقُولُ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ هِيَ فِي الْآيَةِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ وَارِثٌ وَأَبُوهُ حَيٌّ قُلْنَا بَلَى أُمُّهُ وَقَدْ يَكُونُ زَمِنًا مَوْلُودًا فَيَرِثُهُ وَلَدُهُ لَوْ مَاتَ وَيَكُونُ عَلَى أَبِيهِ عِنْدَك نَفَقَتُهُ فَقَدْ خَرَجْت مِمَّا تَأَوَّلْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ أَرَأَيْت يَتِيمًا لَهُ أَخٌ فَقِيرٌ وَجَدَ أَبُو أُمٍّ غَنِيٍّ عَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ؟ قَالَ عَلَى جَدِّهِ قُلْنَا وَلِمَنْ مِيرَاثُهُ؟ قَالَ لِأَخِيهِ قُلْنَا أَرَأَيْت يَتِيمًا لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ غَنِيَّانِ لَوْ مَاتَ الْيَتِيمُ لِمَنْ مِيرَاثُهُ؟ قَالَ لِابْنِ عَمِّهِ فَقُلْت فَقَبْلَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ؟ قَالَ عَلَى خَالِهِ فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ أَرَأَيْت يَتِيمًا لَهُ أَخٌ لِأَبِيهِ وَأُمُّهُ وَهُوَ فَقِيرٌ وَلَهُ ابْنُ أَخٍ غَنِيٍّ لِمَنْ مِيرَاثُهُ؟ قَالَ لِلْأَخِ فَقُلْت فَعَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ؟ قَالَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ قُلْت فَقَدْ جَعَلْت النَّفَقَةَ عَلَى غَيْرِ وَارِثٍ وَكُلُّ مَا لَزِمَ أَحَدًا لَمْ يَتَحَوَّلْ عَنْهُ لِفَقْرٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ عَلَى مَا وَصَفْت فَقَدْ خَالَفْتهَا فَأَبْرَأْت الْوَارِثَ مِنْ النَّفَقَةِ وَجَعَلَتْهَا عَلَى غَيْرِ الْوَارِثِ قَالَ إنَّمَا جَعَلْتهَا عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ إنْ كَانَ وَارِثًا قُلْنَا وَقَدْ تَجْعَلُهَا عَلَى الْخَالِ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ فَتُخَالِفُ الْآيَةَ فِيهِ خِلَافًا بَيِّنًا أَوْ تَجِدُ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى بِهَا الرَّحِمَ الْمَحْرَمَ أَوْ تَجِدُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَسَّرَهَا كَذَلِكَ؟ قَالَ هِيَ هَكَذَا عِنْدَنَا قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ عَارَضَك أَحَدٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك فَقَالَ إذَا جَازَ أَنْ تَجْعَلَهَا عَلَى بَعْضِ الْوَارِثِينَ دُونَ بَعْضٍ قُلْت أُجْبِرُهُ عَلَى نَفَقَةِ ذِي الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ لَأَنْ أُجْبِرَهُ عَلَى نَفَقَةِ الْجَارِيَةِ وَهُوَ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَيَكُونَ يَوْمًا فِيهَا لَهُ مَنْفَعَةٌ وَسُرُورٌ وَعَلَى نَفَقَةِ الْغُلَامِ وَهُوَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إلَيْهِ أَوْ يَنْكِحَ الْمَرْأَةَ الَّتِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَيَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ وَسُرُورٌ أَجْوَزُ مِنْ أَنْ أُجْبِرَهُ عَلَى نَفَقَةِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمْتِعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ بِمَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ الرِّجَالُ مِنْ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ مِنْ الرِّجَالِ مَا حُجَّتُك عَلَيْهِ؟ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا لَوْ قَالَ هَذَا إلَّا أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْك قَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ نِكَاحُهُ أَقْرَبُ قُلْنَا قَدْ يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لَا قَرَابَةَ لَهُ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْنَا أُمُّ امْرَأَتِك وَامْرَأَةُ أَبِيك وَامْرَأَةٌ تَلَاعُنُهَا وَامْرَأَتُك تَبُتُّ طَلَاقَهَا وَكُلُّ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ رَضَاعٌ قَالَ لَيْسَ هَؤُلَاءِ وَارِثًا قُلْنَا أَوْ لَيْسَ قَدْ فُرِضَتْ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِ الْوَارِثِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّا قَدْ رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِكُمْ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَجْبَرَ عَصَبَةَ غُلَامٍ عَلَى رَضَاعِهِ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ قُلْنَا أَفَتَأْخُذُ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَخُصُّ الْعَصَبَةَ وَهُمْ الْأَعْمَامُ وَبَنُو الْأَعْمَامِ وَالْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ؟ قَالَ لَا إلَّا أَنْ يَكُونُوا ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ قُلْنَا فَالْحُجَّةُ عَلَيْك فِي هَذَا كَالْحُجَّةِ عَلَيْك فِيمَا احْتَجَجْت بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ خَالَفْت هَذَا قَدْ يَكُونُ لَهُ بَنُو عَمٍّ فَيَكُونُونَ لَهُ عَصَبَةً وَوَرَثَةً وَلَا تُجْعَلُ عَلَيْهِمْ النَّفَقَةُ وَهُمْ الْعَصَبَةُ الْوَرَثَةُ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ ذَا رَحِمٍ تَرَكْته ضَائِعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ لِي قَائِلٌ قَدْ خَالَفْتُمْ هَذَا أَيْضًا قُلْنَا أَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْك لَيْسَ تَعْرِفُهُ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يُخَالِفْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَكَانَ يَقُولُ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] عَلَى الْوَارِثِ أَنْ ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233] وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَعْلَمُ بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَّا وَالْآيَةُ مُحْتَمَلَةٌ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَلِكَ أَنَّ فِي فَرْضِهَا عَلَى الْوَارِثِ وَالْأُمُّ حَيَّةٌ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْمِيرَاثِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمِيرَاثِ كَانَ عَلَى الْأَبِ ثُلُثَاهَا وَسَقَطَ عَنْهُ ثُلُثُهَا لِأَنَّهُ حَظُّ الْأُمِّ وَلَوْ اُسْتُرْضِعَ الْمَوْلُودُ غَيْرَ الْأُمِّ كَانَ عَلَى الْأَبِ ثُلُثَا الرَّضَاعِ وَعَلَى الْأُمِّ ثُلُثَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ خَرَجَتْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ جُعِلَتْ فِيهِ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ غَيْرَهَا فَكَانَ يَنْبَغِي لَوْ مَاتَ الْأَبُ أَنْ

يَقُومَ الْوَارِثُ مَقَامَ الْأَبِ فَيُنْفِقَ عَلَى الْأُمِّ إذَا أَرْضَعَتْهُ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْأُمِّ مِنْ رَضَاعِهِ شَيْءٌ لَوْ اسْتَرْضَعَتْهُ أُخْرَى وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَفَقَةَ الْمُطَلَّقَاتِ ذَوَاتِ الْأَحْمَالِ وَجَاءَتْ السُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ بِنَفَقَةٍ وَغَرَامَاتٍ تَلْزَمُ النَّاسَ لَيْسَ فِيهَا أَنْ يَلْزَمَ الْوَارِثَ نَفَقَةُ الصَّبِيِّ وَكُلُّ امْرِئٍ مَالِكٌ لِمَالِهِ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ فِيهِ مَا لَزِمَهُ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ نُلْزِمَهُ فِي مَالِهِ مَا لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَا فَلَا يَجُوزُ لَنَا فَإِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ كَمَا وَصَفْنَا فَنَحْنُ لَمْ نُخَالِفْ مِنْهُ حَرْفًا وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت فَقَدْ خَالَفْته خِلَافًا بَيِّنًا.

[جِمَاعُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ]

أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدِمَشْقَ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: 50] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] الْآيَةُ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] فَجَعَلَ اللَّهُ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ حُقُوقًا بَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُفَسَّرَةً وَمُجْمَلَةً فَفَهِمَهَا الْعَرَبُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِلِسَانِهِمْ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلَامِهِمْ وَقَدْ وَضَعْنَا بَعْضَ مَا حَضَرَنَا مِنْهَا فِي مَوَاضِعِهِ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُ الرُّشْدَ وَالتَّوْفِيقَ وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي أَمْرِهِ بِالْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّوْجُ إلَى زَوْجَتِهِ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَتَرْكِ مَيْلٍ ظَاهِرٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ إتْيَانُ ذَلِكَ بِمَا يَحْسُنُ لَك ثَوَابُهُ وَكَفُّ الْمَكْرُوهِ.

[النَّفَقَةُ عَلَى النِّسَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] إِلَى ﴿تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] يَدُلُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ، وَقَوْلُهُ ﴿أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] أَنْ لَا يَكْثُرَ مَنْ تَعُولُونَ إذَا اقْتَصَرَ الْمَرْءُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَإِنْ أَبَاحَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ لِي مِنْهُ إلَّا مَا يُدْخِلُ عَلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُذْ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْتَ أَعْلَمُ» قَالَ سَعِيدُ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ إذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ وَلَدُك أَنْفِقْ

عَلَيَّ إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ وَتَقُولُ زَوْجَتُك أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي وَيَقُولُ خَادِمُك أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا نَأْخُذُ قُلْنَا عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَعْرُوفُ نَفَقَةُ مِثْلِهَا بِبَلَدِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ بُرًّا كَانَ أَوْ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً لَا يُكَلَّفُ غَيْرَ الطَّعَامِ الْعَامِّ بِبَلَدِهِ الَّذِي يَقْتَاتُهُ مِثْلُهَا وَمِنْ الْكِسْوَةِ وَالْأُدُمِ بِقَدْرِ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: 50] فَلَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفَقَةَ أَزْوَاجِهِمْ كَانَتْ الدَّلَالَةُ كَمَا وُصِفَتْ فِي الْقُرْآنِ وَأَبَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فَإِنْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَفَقَةَ أَزْوَاجِهِمْ فَعَجَزُوا عَنْهَا لَمْ يُجْبَرْنَ عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُمْ مَعَ الْعَجْزِ عَمَّا لَا غِنَى بِهِنَّ عَنْهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ قَالَ وَبِالِاسْتِدْلَالِ قُلْنَا إذَا عَجَزَ الرَّجُلُ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَقُلْنَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ إذَا مَلَكَ عُقْدَةَ نِكَاحِهَا وَخَلَّتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فَأَخَّرَ ذَلِكَ هُوَ وَنَفَقَتُهَا مُطَلَّقَةً طَلَاقًا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا لَا يَخْدُمُ نَفْسَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ خَادِمٍ لَهَا وَإِذَا دَخَلَ بِهَا فَغَابَ عَنْهَا قَضَى لَهَا بِنَفَقَتِهَا فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يَقْدَمَ وَتَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا فِي غَيْبَتِهِ حَكَمَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهَا فِي الشُّهُورِ الَّتِي مَضَتْ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً ذِمِّيَّةً وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ ضَرَبَتْ زَوْجَتُهُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ الْمُدَّةَ الَّتِي حَبَسَهَا لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا.

[الْخِلَافُ فِي نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا وَإِذَا غَابَ عَنْهَا وَجَبَ عَلَى السُّلْطَانِ إنْ طَلَبَتْ نَفَقَتَهَا أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا فَرَضَ عَلَيْهِ لَهَا نَفَقَةً وَكَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ ذَلِكَ حَتَّى يَمْضِيَ لَهَا زَمَانٌ ثُمَّ طَلَبَتْهُ فَرَضَ لَهَا مِنْ يَوْمِ طَلَبَتْهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَمْ تَطْلُبْ فِيهَا النَّفَقَةَ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا إذَا طَلَّقَهَا مَلَكَ رَجْعَتَهَا أَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ لِي كَيْفَ قُلْت فِي الرَّجُلِ يَعْجِزُ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْت لَمَّا كَانَ مِنْ فَرْضِ اللَّهِ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ وَمَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآثَارِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالسُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَبْسُهَا عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَمَنْعُهَا عَنْ غَيْرِهِ تَسْتَغْنِي بِهِ وَهُوَ مَانِعٌ لَهَا فَرْضًا عَلَيْهِ عَاجِزًا عَنْ تَأْدِيَتِهِ وَكَانَ حَبْسُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ يَأْتِي عَلَى نَفْسِهَا فَتَمُوتُ جُوعًا وَعَطَشًا وَعُرْيًا قَالَ فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؟ قُلْت قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الزَّوْجَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى أَهْلِهِ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تَقُولُ امْرَأَتُك أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي وَيَقُولُ خَادِمُك أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ فَهَذَا بَيَانٌ أَنَّ عَلَيْهِ طَلَاقَهَا قُلْت أَمَّا بِنَصٍّ فَلَا وَأَمَّا بِالِاسْتِدْلَالِ فَهُوَ يُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقُلْت لَهُ تَقُولُ فِي خَادِمٍ لَهُ لَا عَمَلَ فِيهَا بِزَمَانَةٍ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا؟ قَالَ نَبِيعُهَا عَلَيْهِ قُلْت فَإِذَا صَنَعْت هَذَا فِي مِلْكِهِ كَيْفَ لَا تَصْنَعُهُ فِي امْرَأَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لَهُ؟ قَالَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا؟ قُلْت أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ.
قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو الزِّنَادِ قُلْت سَنَةً؟ قَالَ سَعِيدٌ سَنَةً وَاَلَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَ سَعِيدٍ سَنَةً أَنْ يَكُونَ سَنَةً رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا فَقَالَ أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْصُوصًا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا هَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَنَعَهَا مِنْ حُقُوقِهَا الَّتِي لَا تُفَرِّقُ

بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إذَا مَنَعَهَا فُرِّقَ مِثْلُ نُشُوزِ الرَّجُلِ وَمِثْلُ تَرْكِهِ الْقَسْمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ إيلَاءٍ؟ فَقُلْت لَهُ نَعَمْ لَيْسَ فِي فَقْدِ الْجِمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ فَقْدِ لَذَّةٍ وَوِلْدَةٍ وَذَلِكَ لَا يُتْلِفُ نَفْسَهَا وَتَرْكُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ يَأْتِيَانِ عَلَى إتْلَافِ نَفْسِهَا وَقَدْ وَجَدْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَ فِي الضَّرُورَةِ مِنْ الْمَأْكُولِ مَا حَرَّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَغَيْرِهِمَا مَنْعًا لِلنَّفْسِ مِنْ التَّلَفِ وَوَضَعَ الْكُفْرَ عَنْ الْمُسْتَكْرَهِ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا أَجِدُهُ أَبَاحَ لِلْمَرْأَةِ وَلَا لِلرَّجُلِ فِي الشَّهْوَةِ لِلْجِمَاعِ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا عَجَزَ عَنْ إصَابَةِ امْرَأَتِهِ وَإِنْ كَانَ يُصِيبُ غَيْرَهَا أُجِّلَ سَنَةً ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَتْ قَالَ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُلْت فَإِنْ كَانَتْ الْحُجَّةُ فِيهِ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ فَإِنَّ قَضَاءَ عُمَرَ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَامْرَأَتِهِ إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا أَثْبَتُ عَنْهُ فَكَيْفَ رَدَدْت إحْدَى قَضَايَا عُمَرَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبِلْت قَضَاءَهُ فِي الْعِنِّينِ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُخَالِفُهُ؟ فَقَالَ قَبِلْته لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حُقُوقِ الْعُقْدَةِ قُلْت لَهُ أَفَكَمَا يُجَامِعُ النَّاسُ أَوْ جِمَاعُ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ كَمَا يُجَامِعُ النَّاسُ قُلْت فَأَنْتَ إذَا جَامَعَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا قَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِنِّينٍ قُلْت فَكَيْفَ يُجَامِعُ غَيْرَهَا وَلَا يَكُونُ عِنِّينًا وَتُؤَجِّلُهُ سَنَةً؟ قَالَ إنَّ أَدَاءَ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهَا غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهُ مِنْ حَقِّهَا قُلْت فَإِذَا كُنْت تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ جِمَاعُهَا وَرَضِيت مِنْهُ فِي عُمُرِهِ أَنْ يُجَامِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَحَقُّهَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآثَارِ فِي نَفَقَتِهَا وَاجِبٌ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَلِمَ أَقْرَرْتهَا مَعَهُ بِفَقْدِ حَقَّيْنِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَفَقْدُهُمَا يَأْتِي عَلَى إتْلَافِهَا لِأَنَّ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ يَقْتُلَانِهَا وَالْعُرْيَ يَقْتُلُهَا فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَأَنْتَ تَقُولُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا دَهْرَهُ ثُمَّ تَرَكَ يَوْمًا أَخَذَتْهُ بِنَفَقَتِهَا لِأَنَّهُ يَجِبُ لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ نَفَقَةٌ وَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا بِفَقْدِ الْجِمَاعِ الَّذِي تُخْرِجُهُ مِنْهُ فِي عُمُرِهَا بِجِمَاعِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا بِأَصْغَرِ الضَّرَرَيْنِ وَأَقْرَرْتهَا مَعَهُ عَلَى أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ ثُمَّ زَعَمْت أَنَّهَا مَتَى طَلَبَتْ نَفَقَتَهَا مِنْ مَالِهِ غَائِبًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا فَرَضْتهَا عَلَيْهِ وَجَعَلْتهَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَحُقُوقِ النَّاسِ وَإِنْ كَفَّتْ عَنْ طَلَبِ نَفَقَتِهَا أَوْ هَرَبَ فَلَمْ تَجِدْهُ وَلَا مَالَ لَهُ ثُمَّ جَاءَ لَمْ تَأْخُذْهُ بِنَفَقَتِهَا فِيمَا مَضَى، هَلْ رَأَيْت مَالًا قَطُّ يَلْزَمُ الْوَالِيَ أَخْذُهُ لِصَاحِبِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَيَتْرُكُ مَنْ هُوَ لَهُ طَلَبُهُ أَوْ يَطْلُبُهُ فَيَهْرُبُ صَاحِبُهُ فَيَبْطُلُ عَنْهُ؟ (قَالَ) : فَيَفْحُشُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَلَّ لِرَجُلٍ فَرْجًا فَأُحَرِّمُهُ عَلَيْهِ بِلَا إحْدَاثِ طَلَاقٍ مِنْهُ قُلْت لَهُ أَفَرَأَيْت أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ يَرْتَدُّ أَهُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنْتِ طَالِقٍ فَأَنْتَ تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا؟ أَرَأَيْت الْأَمَةَ تَعْتِقُ أَهُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنْتِ طَالِقٌ؟ فَأَنْتَ تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَتْ الْأَمَةُ أَوْ رَأَيْت الْمَوْلَى أَهُوَ طَلَّقَ؟ أَرَأَيْت الرَّجُلُ يَعْجِزُ عَنْ إصَابَةِ امْرَأَتِهِ أَهُوَ طَلَّقَ فَأَنْتَ تُفَرِّقُ فِي هَذَا كُلِّهِ قَالَ أَمَّا الْمَوْلَى فَاسْتَدْلَلْنَا بِالْكِتَابِ وَأَمَّا مَا سِوَاهُ بِالسُّنَّةِ وَالْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ قُلْت فَحُجَّتُك بِأَنَّهُ يَقْبُحُ أَنْ يُفَرَّقَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ يُحْدِثُهُ الزَّوْجُ لَا حُجَّةَ لَك عَلَيْهِ وَغَيْرُ حُجَّةٍ عَلَى غَيْرِك (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقُلْت لَهُ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ إلَّا بِالدُّخُولِ وَإِنْ خَلَّتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهَا؟ قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَمْتِعْ مِنْهَا بِجِمَاعٍ قُلْت أَفَرَأَيْت إذَا غَابَ أَوْ مَرِضَ أَيَسْتَمْتِعُ مِنْهَا بِجِمَاعٍ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ قُلْت أَفَتَجِدُهَا مُمَلَّكَةً مَحْبُوسَةً عَلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت وَيَجِبُ بَيْنَهُمَا الْمِيرَاثُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ لِلْحَبْسِ فَهِيَ مَحْبُوسَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِلْجِمَاعِ فَالْمَرِيضُ وَالْغَائِبُ لَا يُجَامِعَانِ فِي حَالِهِمَا تِلْكَ فَأَسْقَطَ لِذَلِكَ النَّفَقَةَ.
قَالَ إذَا كَانَ مِثْلُهَا يُجَامَعُ وَخَلَّتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهَا وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ قُلْت لَهُ لِمَ أَوْجَبْتَ لَهَا النَّفَقَةَ فِي الْعِدَّةِ وَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ فَخَالَفْت الِاسْتِدْلَالَ بِالْكِتَابِ وَنَصِّ السُّنَّةِ؟ قَالَ وَأَيْنَ الدَّلَالَةُ بِالْكِتَابِ؟ فَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنْ لَا فَرْضَ فِي الْكِتَابِ لِمُطَلَّقَةٍ مَالِكَةٍ لِأَمْرِهَا غَيْرِ حَامِلٍ قَالَ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ

الْمُطَلَّقَاتِ مُرْسَلَاتٍ لَمْ يُخَصِّصْ وَاحِدَةً دُونَ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لِمُطَلَّقَةٍ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَمَا مُبْتَدَأُ السُّورَةِ إلَّا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ لِلْعِدَّةِ قُلْت لَهُ: قَدْ يُطَلِّقُ لِلْعِدَّةِ ثَلَاثًا قَالَ فَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ مَا كَانَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِمَنْعِ النَّفَقَةِ الْمَبْتُوتَةَ دُونَ الَّتِي لَهُ رَجْعَةٌ عَلَيْهَا قُلْت سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُثْبِتُ أَنَّ الْمَمْنُوعَةَ مِنْ النَّفَقَةِ الْمَبْتُوتَةُ بِجَمِيعِ الطَّلَاقِ دُونَ الَّتِي لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ وَلَوْ لَمْ تَدُلَّ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ فَكَانَتْ الْآيَةُ تَأْمُرُ بِنَفَقَةِ الْحَامِلِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُطَلَّقَاتِ فِيهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ دُونَ الْمُطَلَّقَاتِ سِوَاهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ تُخَالِفُ الْحَامِلَ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ فَيُنْفِقَ عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ دُونَ غَيْرِهَا قَالَ فَلِمَ لَا تَكُونُ الْمَبْتُوتَةُ قِيَاسًا عَلَيْهَا؟ قُلْت أَرَأَيْت الَّتِي يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا فِي عِدَّتِهَا أَلَيْسَ يَمْلِكُ عَلَيْهَا أَمْرَهَا إنْ شَاءَ وَيَقَعُ عَلَيْهَا إيلَاؤُهُ وَظِهَارُهُ وَلِعَانُهُ وَيَتَوَارَثَانِ قَالَ بَلَى قُلْت أَفَهَذِهِ فِي مَعَانِي الْأَزْوَاجِ فِي أَكْثَرِ أَمْرِهَا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَجِدُ كَذَلِكَ الْمَبْتُوتَةَ بِجَمِيعِ طَلَاقِهَا؟ قَالَ لَا قُلْت فَكَيْفَ تَقِيسُ مُطَلَّقَةً بِاَلَّتِي تُخَالِفُهَا؟ وَقُلْت لَهُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ وَاَللَّهُ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهَا لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي فَاعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَك فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي قَالَتْ فَلَمَّا حَلَلْت ذَكَرْت لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ فَكَرِهْته ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْته فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا فَاغْتَبَطْت بِهِ» قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَكْتُمْ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ شَيْئًا قَالَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا سُكْنَى لَك وَلَا نَفَقَةَ " فَقُلْت لَهُ مَا تَرَكْنَا مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ حَرْفًا قَالَ إنَّمَا حَدَّثَنَا عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا سُكْنَى لَك وَلَا نَفَقَةَ» فَقُلْت لَكِنَّا لَمْ نُحَدِّثْ هَذَا عَنْهَا وَلَوْ كَانَ مَا حَدَّثْتُمْ عَنْهَا كَمَا حَدَّثْتُمْ كَانَ عَلَى مَا قُلْنَا وَعَلَى خِلَافِ مَا قُلْتُمْ قَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْت أَمَّا حَدِيثُنَا فَصَحِيحٌ عَلَى وَجْهِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا نَفَقَةَ لَكِ عَلَيْهِمْ» وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَلَوْ كَانَ فِي حَدِيثِهَا إحْلَالُهُ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ لَمْ يَحْظُرْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ قَالَ كَيْفَ أَخْرَجَهَا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي غَيْرِهِ؟ قُلْت لِعِلَّةٍ لَمْ تَذْكُرْهَا فَاطِمَةُ فِي الْحَدِيثِ كَأَنَّهَا اسْتَحْيَتْ مِنْ ذِكْرِهَا وَقَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُهَا قَالَ وَمَا هِيَ؟ قُلْت كَانَ فِي لِسَانِهَا ذَرَبٌ فَاسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا اسْتِطَالَةً تَفَاحَشَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ هَلْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى مَا قُلْتَ قُلْتُ نَعَمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا قَالَ فَاذْكُرْهَا قُلْت قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] الْآيَةُ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] قَالَ أَنْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِ زَوْجِهَا فَإِنْ بَذَتْ فَقَدْ حَلَّ إخْرَاجُهَا قَالَ هَذَا تَأْوِيلٌ قَدْ يَحْتَمِلُ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَنْ تَكُونَ الْفَاحِشَةُ خُرُوجَهَا وَأَنْ تَكُونَ الْفَاحِشَةُ أَنْ تَخْرُجَ لِلْحَدِّ قَالَ فَقُلْت لَهُ فَإِذَا احْتَمَلَتْ الْآيَةُ مَا وَصَفْت فَأَيُّ الْمَعَانِي أَوْلَى بِهَا؟ قَالَ مَعْنَى مَا وَافَقَتْهُ السُّنَّةُ فَقُلْت فَقَدْ ذَكَرْت لَك السُّنَّةَ فِي فَاطِمَةَ فَأَوْجَدْتُك مَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ.
.

[الْقَسْمُ لِلنِّسَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: 50] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا﴾ [النساء: 129] الْآيَةُ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ بِمَا فِي الْقُلُوبِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَلَا تَجَاوَزَ لِلْعِبَادِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ فَلَا تَمِيلُوا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ كُلَّ الْمَيْلِ بِالْفِعْلِ مَعَ الْهَوَى وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا عَلَيْهِ عَوَامُّ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقْسِمَ لِنِسَائِهِ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ فِي ذَلِكَ لَا أَنَّهُ مُرَخَّصٌ لَهُ أَنْ يُجَوِّزَ فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا فِي الْقُلُوبِ مِمَّا قَدْ تَجَاوَزَ اللَّهُ لِلْعِبَادِ عَنْهُ فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَيْلِ عَلَى النِّسَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَرَائِرُ الْمُسْلِمَاتُ وَالذِّمِّيَّاتُ إذَا اجْتَمَعْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ وَالْقَسْمُ هُوَ اللَّيْلُ يَبِيتُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَتَهَا وَنُحِبُّ لَوْ أَوَى عِنْدَهَا نَهَارَهُ فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ مَعَ حُرَّةٍ قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً قَالَ وَإِنْ هَرَبَتْ مِنْهُ حُرَّةٌ أَوْ أَغْلَقَتْ دُونَهُ أَمَةٌ أَوْ حَبَسَ الْأَمَةَ أَهْلُهَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ حَتَّى تَعُودَ الْحُرَّةُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْهَرَبِ وَالْأَمَةُ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ قَطْعُ حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَيَبِيتُ عِنْدَ الْمَرِيضَةِ الَّتِي لَا جِمَاعَ فِيهَا وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّ مَبِيتَهُ سَكَنُ إلْفٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعٌ أَوْ أَمْرٌ تُحِبُّهُ الْمَرْأَةُ وَتَرَى الْغَضَاضَةَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِهِ.
أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِضَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ وَكَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِثَمَانٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: التَّاسِعَةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهَا سَوْدَةُ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ.
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ.

[الْحَالُ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا حَالُ النِّسَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ امْرَأَةً فَبَنَى بِهَا فَحَالُهَا غَيْرُ حَالِ مَنْ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَانَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ ثُمَّ يَبْتَدِئَ الْقِسْمَةَ لِنِسَائِهِ فَتَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَهَا عَلَيْهِنَّ.
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ إنْ شِئْت سَبَّعْت عِنْدَك وَسَبَّعْت عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت عِنْدَك وَدُرْت قَالَتْ ثَلِّثْ» أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي الرُّوَّادِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَهَا فَسَاقَ نِكَاحَهَا وَبِنَاءَهُ بِهَا وَقَوْلَهُ لَهَا إنْ شِئْت سَبَّعْت عِنْدَك وَسَبَّعْت عِنْدَهُنَّ» أَخْبَرَنَا مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَإِنْ قَسَمَ أَيَّامًا لِكُلِّ امْرَأَةٍ بَعْدَ مُضِيِّ سَبْعِ الْبِكْرِ وَثَلَاثِ الثَّيِّبِ فَجَائِزٌ إذَا أَوْفَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَدَدَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَقَامَ عِنْدَ غَيْرِهَا.

[الْخِلَافُ فِي الْقَسْمِ لِلْبِكْرِ وَلِلثَّيِّبِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَقَالَ يَقْسِمُ لَهُمَا إذَا دَخَلَا كَمَا يَقْسِمُ لِغَيْرِهِمَا لَا يُقَامُ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ إلَّا أُقِيمَ عِنْدَ الْأُخْرَى مِثْلُهُ فَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: 50] أَفَتَجِدُ السَّبِيلَ إلَى عِلْمِ مَا فَرَضَ اللَّهُ جُمْلَةً أَنَّهَا أَثْبَتُ وَأَقْوَمُ فِي الْحُجَّةِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ لَا فَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ فَهِيَ بَيْنِي وَبَيْنَك أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنْ شِئْت سَبَّعْت عِنْدَك وَسَبَّعْت عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت عِنْدَك وَدُرْت؟» قُلْت نَعَمْ قَالَ فَلَمْ يُعْطِهَا فِي السَّبْعِ شَيْئًا إلَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ يُعْطِي غَيْرَهَا مِثْلَهُ فَقُلْت لَهُ: إنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا ثَلَاثٌ فَقَالَ لَهَا إنْ أَرَدْت حَقَّ الْبِكْرِ وَهُوَ أَعْلَى حُقُوقِ النِّسَاءِ وَأَشْرَفُهُ عِنْدَهُنَّ بِعَفْوِك حَقِّك إذَا لَمْ تَكُونِي بِكْرًا فَيَكُونُ لَك سَبْعٌ فَعَلْت وَإِنْ لَمْ تُرِيدِي عَفْوَهُ وَأَرَدْت حَقَّك فَهُوَ ثَلَاثٌ قَالَ فَهَلْ لَهُ وَجْهٌ غَيْرُهُ؟ قُلْت لَا إنَّمَا يُخْبِرُ مَنْ لَهُ حَقٌّ يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ حَقِّهِ فَقُلْت لَهُ يَلْزَمُك أَنْ تَقُولَ مِثْلَ مَا قُلْنَا لِأَنَّك زَعَمْت أَنَّك لَا تُخَالِفُ الْوَاحِدَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يُخَالِفْهُ مِثْلُهُ وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُ وَالسُّنَّةُ أَلْزَمُ لَك مِنْ قَوْلِهِ فَتَرَكْتهَا وَقَوْلَهُ.

[قَسْمُ النِّسَاءِ إذَا حَضَرَ السَّفَرُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا» وَبِهَذَا أَقُولُ إذَا حَضَرَ سَفَرُ الْمَرْءِ وَلَهُ نِسْوَةٌ فَأَرَادَ إخْرَاجَ وَاحِدَةٍ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ مُؤْنَةِ الْجَمِيعِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهَا فَحَقُّهُنَّ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ سَوَاءٌ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا لِلْخُرُوجِ خَرَجَ بِهَا فَإِذَا حَضَرَ قَسَمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُنَّ وَلَمْ يَحْسُبْ عَلَيْهَا الْأَيَّامَ الَّتِي غَابَ بِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ ذَكَر اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْقُرْعَةَ فِي كِتَابِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ فَكَانَ ذِكْرُهَا مُوَافِقًا مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 139] إلَى ﴿الْمُدْحَضِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] الْآيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَفَ الْفُلْكُ بِاَلَّذِينَ رَكِبَ مَعَهُمْ يُونُسُ فَقَالُوا إنَّمَا وَقَفَ لِرَاكِبٍ فِيهِ لَا نَعْرِفُهُ فَيُقْرَعُ فَأَيُّكُمْ خَرَجَ سَهْمَهُ أُلْقِيَ فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ فَأُلْقِيَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ تَدَارَكَهُ بِعَفْوِهِ جَلَّ وَعَزَّ فَأَمَّا مَرْيَمُ فَلَا يَعْدُو الْمُلْقُونَ لِأَقْلَامِهِمْ يَقْتَرِعُونَ عَلَيْهَا أَنْ يَكُونُوا سَوَاءً فِي كَفَالَتِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَارِعُ مَنْ يُدْلِي بِحَقِّ فِيمَا يُقَارِعُ وَلَا يَعْدُونَ إذَا كَانَ أَرْفَقُ بِهَا وَأَجْمَلُ فِي أَمْرِهَا أَنْ تَكُونَ عِنْدَ وَاحِدٍ لَا يَتَدَاوَلُهَا كُلُّهُمْ مُدَّةً مُدَّةً وَيَكُونُوا يَقْسِمُوا كَفَالَتَهَا فَهَذَا أَشْبَهُ مَعْنَاهَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَاقْتَرَعُوا أَيُّهُمْ يَتَوَلَّى كَفَالَتَهَا دُونَ صَاحِبِهِ أَوْ تَكُونُ يُدَافِعُوهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ كَفَالَتُهَا وَاحِدًا دُونَ أَصْحَابِهِ وَأَيَّهُمَا كَانَ فَقَدْ اقْتَرَعُوا لِيَنْفَرِدَ بِكَفَالَتِهَا وَيَخْلُوَ مِنْهَا مَنْ بَقِيَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلِمَا كَانَ الْمَعْرُوفُ لِنِسَاءِ الرَّافِقِ بِالنِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَهُنَّ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى ذَوَاتُ الْحَقِّ كُلُّهُنَّ فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ وَاحِدَةٍ كَانَ السَّفَرُ لَهَا دُونَهُنَّ وَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الْقُرْعَةِ فِي مَرْيَمَ وَقُرْعَةِ يُونُسَ حِينَ اسْتَوَتْ الْحُقُوقُ أَقْرَعَ لِتَنْفَرِدَ وَاحِدَةٌ دُونَ الْجَمِيعِ.

[الْخِلَافُ فِي الْقَسْمِ فِي السَّفَرِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي السَّفَرِ وَقَالَ: هُوَ وَالْحَضَرُ سَوَاءٌ وَإِذَا أَقْرَعَ فَخَرَجَ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَدِمَ قَسَمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ بِمِثْلِ مَا غَابَ بِاَلَّتِي خَرَجَ بِهَا فَقُلْت لَهُ أَيَكُونُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَخْرُجَ بِامْرَأَةٍ بِلَا قُرْعَةٍ وَيَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ فَيُقِيمَ مَعَهَا أَيَّامًا ثُمَّ يَقْسِمَ لِلنِّسْوَةِ سِوَاهَا بِعَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت لَهُ فَمَا مَعْنَى الْقُرْعَةُ إذَا أَوْفَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِثْلَ عَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي غَابَ بِاَلَّتِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا وَكَانَ لَهُ إخْرَاجُهَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ أَنْتَ رَجُلٌ خَالَفْت الْحَدِيثَ فَأَرَدْت التَّشْبِيهَ عَلَى مَنْ سَمِعَك بِخِلَافِهِ فَلَمْ يَخْفَ خِلَافُك عَلَيْنَا وَلَا أَرَاهُ يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ؟ قَالَ فَرِّقْ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ قُلْت فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَوَضْعِ الصَّوْمِ فِيهِ إلَى أَنْ يَقْضِيَ وَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ فَصَلَّى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ رَاكِبًا وَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَرَخَّصَ اللَّهُ فِيهِ فِي التَّيَمُّمِ بَدَلًا مِنْ الْمَاءِ أَفَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك مُعَارِضٌ فِي الْقِبْلَةِ فَقَالَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ وَالنَّافِلَةُ وَالْفَرْضُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَك بِالْأَرْضِ مُسَافِرًا كَانَ صَاحِبُهَا أَوْ مُقِيمًا فَكَيْفَ قُلْت لِلرَّاكِبِ صَلِّ إنْ شِئْت إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ قَالَ أَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ قُلْت فَنَقُولُ لَك فَلَا قَوْلَ وَلَا قِيَاسَ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا قُلْت وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِثْلِهِ قَالَ لَا وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جَاهِلٍ قُلْنَا فَكَيْفَ كَانَ هَذَا مِنْك فِي الْقُرْعَةِ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ إنِّي قُلْت لَعَلَّهُ قَسَمَ؟ قُلْت فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ فَلَعَلَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْمَشْرِقِ فِي السَّفَرِ قَالَهُ فِي سَفَرٍ إذَا اسْتَقْبَلَ فِيهِ الْمَشْرِقَ فَكَانَتْ قِبْلَتَهُ قَالَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَهُوَ لَا يَقُولُ صَلَّى نَحْوَ الْمَشْرِقِ إلَّا وَهُوَ خِلَافُ الْقِبْلَةِ قُلْت فَهُوَ إذَا أَقْرَعَ لَمْ يَقْسِمْ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي غَابَ بِاَلَّتِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا.

[نُشُوزُ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] إلَى قَوْلِهِ ﴿سَبِيلا﴾ [النساء: 34] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] يَحْتَمِلُ إذَا رَأَى الدَّلَالَاتِ فِي إيغَالِ الْمَرْأَةِ وَإِقْبَالِهَا عَلَى النُّشُوزِ فَكَانَ لِلْخَوْفِ مَوْضِعٌ أَنْ يَعِظَهَا فَإِنْ أَبْدَتْ نُشُوزًا هَجَرَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْعِظَةَ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ إذَا رُئِيَتْ أَسْبَابُهُ وَأَنْ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا عَلَيْهَا تَضْرِبُهَا وَأَنَّ الْعِظَةَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ مِنْ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ فَكَيْفَ لِامْرَأَتِهِ؟ وَالْهِجْرَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَا يَحِلُّ بِهِ الْهِجْرَةُ لِأَنَّ الْهِجْرَة مُحَرَّمَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَالضَّرْبُ لَا يَكُونُ إلَّا بِبَيَانِ الْفِعْلِ فَالْآيَةُ فِي الْعِظَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالضَّرْبِ عَلَى بَيَانِ الْفِعْلِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَالَاتِ الْمَرْأَةِ فِي اخْتِلَافِ مَا تُعَاتَبُ فِيهِ وَتُعَاقَبُ مِنْ الْعِظَةِ وَالْهِجْرَة وَالضَّرْبِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَلَا يُشْبِهُ مَعْنَاهَا إلَّا مَا وَصَفْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] إذَا نَشَزْنَ فَخِفْتُمْ لِحَاجَتِهِنَّ فِي النُّشُوزِ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ جَمْعُ الْعِظَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالضَّرْبِ (قَالَ) : وَإِذَا رَجَعَتْ النَّاشِزُ عَنْ النُّشُوزِ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا هَجْرَتُهَا وَلَا ضَرْبُهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَا لَهُ بِالنُّشُوزِ فَإِذَا زَايَلَتْهُ فَقَدْ زَايَلَتْ الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَا لَهُ بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُقْسَمُ لِلْمَرْأَةِ الْمُمْتَنِعَةِ مِنْ زَوْجِهَا الْمُتَغَيِّبَةِ عَنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ لِزَوْجِهَا بِهِجْرَتِهَا فِي الْمَضْجَعِ

وَهَجْرَتُهَا فِيهِ اجْتِنَابُهَا بِهَا لَمْ تَحْرُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ إيَاسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَضْرِبُوا إمَاءَ اللَّهِ قَالَ فَأَتَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَأَذِنَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نِسَاءٌ كَثِيرٌ كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ أَوْ قَالَ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَجَعَلَ لَهُمْ الضَّرْبَ وَجَعَلَ لَهُمْ الْعَفْوَ وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخِيَارَ تَرْكُ الضَّرْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ عَلَيْهَا حَدٌّ عَلَى الْوَالِي أَخْذُهُ وَأَجَازَ الْعَفْوَ عَنْهَا فِي غَيْرِ حَدٍّ فِي الْخَيْرِ الَّذِي تَرَكَتْ حَظَّهَا وَعَصَتْ رَبَّهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] هُمَا مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ وَذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَا لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَهَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ حَمْلِ مُؤْنَتِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

[مَا لَا يَحِلُّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْمَرْأَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] إلَى قَوْلِهِ ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21] فَفَرَضَ اللَّهُ عِشْرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ حَبْسَهَا مَكْرُوهَةً وَاكْتَفَى بِالشَّرْطِ فِي عِشْرَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ لَا أَنَّهُ أَبَاحَ أَنْ يُعَاشِرَهَا مَكْرُوهَةً بِغَيْرِ الْمَعْرُوفِ ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: 20] الْآيَةُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَخْذُ مِنْ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهَا وَلَا عِشْرَتِهَا وَلَمْ تَطِبْ نَفْسًا بِتَرْكِ حَقِّهَا فِي الْقَسْمِ لَهَا وَمَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا حَقَّهَا وَلَا حَبْسُهَا إلَّا بِمَعْرُوفٍ وَأَوَّلُ الْمَعْرُوفِ تَأْدِيَةُ الْحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ مَالِهَا بِلَا طِيبِ نَفْسِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّمَا أَذِنَ بِتَخْلِيَتِهَا عَلَى تَرْكِ حَقِّهَا إذَا تَرَكَتْهُ طَيِّبَةَ النَّفْسِ بِهِ وَأَذِنَ بِأَخْذِ مَالِهَا مَحْبُوسَةً وَمُفَارِقَةً بِطِيبِ نَفْسِهَا فَقَالَ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] إلَى قَوْلِهِ ﴿مَرِيئًا﴾ وَقَالَ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: 128] الْآيَةُ وَهَذَا إذْنٌ بِحَبْسِهَا عَلَيْهِ إذَا طَابَتْ بِهَا نَفْسُهَا كَمَا وَصَفْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] حَظْرٌ لِأَخْذِهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْإِفْضَاءِ وَهُوَ الدُّخُولُ فَيَأْخُذُ نِصْفَهُ بِمَا جَعَلَ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَلَيْسَ بِحَظْرٍ مِنْهُ إنْ دَخَلَ أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا حَظَرَ أَخْذَهُ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا وَهِيَ طَيِّبَةُ النَّفْسِ بِهِ فَقَدْ أَذِنَ بِهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَالْحَالُ الَّتِي أَذِنَ بِهِ فِيهَا مُخَالِفَةٌ الْحَالَ الَّتِي حَرَّمَهُ فِيهَا فَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى طَلَاقِهَا فَأَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْإِضْرَارِ بِهَا مَضَى عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَرَدَّ مَا أَخَذَ مِنْهَا وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا.

[الْوَجْه الَّذِي يَحِل بِهِ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ امْرَأَتِهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] إلَى قَوْلِهِ ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]

قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى الزَّوْجَ كَمَا نَهَاهُ فِي الْآيِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا آتَى الْمَرْأَةَ شَيْئًا ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَأَبَاحَ لَهُمَا إذَا انْتَقَلَتْ عَنْ حَدِّ اللَّاتِي حَرَّمَ أَمْوَالَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لِخَوْفِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا افْتَدَتْ بِهِ لَمْ يُحَدِّدْ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا مَا أَعْطَاهَا وَلَا غَيْرَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ كَالْبَيْعِ وَالْبَيْعُ إنَّمَا يَحِلُّ مَا تَرَاضَى بِهِ الْمُتَبَايِعَانِ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دَلَالَةٌ عَلَى إبَاحَةِ مَا كَثُرَ مِنْهُ وَقَلَّ لِقَوْلِهِ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عَلَى بَابِهِ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ مَا شَأْنُك قَالَتْ لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ فَقَالَتْ حَبِيبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُذْ مِنْهَا فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ حَبِيبَةَ أَنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُو شَيْئًا بِبَدَنِهَا فِي الْغَلَسِ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِمَا يُخْرِجُهُمَا إلَى خَوْفِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ تَأْدِيَةِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالْكَرَاهِيَةِ لَهُ أَوْ عَارِضٌ مِنْهَا فِي حُبِّ الْخُرُوجِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّوْجِ فَلَمَّا وَجَدْنَا حُكْمَ اللَّهِ بِتَحْرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ شَيْئًا إذَا أَرَادَ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ اسْتَدْلَلْنَا أَنَّ الْحَالَ الَّتِي أَبَاحَ بِهَا لِلزَّوْجِ الْأَخْذَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحَالُ الْمُخَالِفَةُ الْحَالِ الَّتِي حَرُمَ بِهَا الْأَخْذُ، تِلْكَ الْحَالُ هِيَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمُبْتَدِئَةُ الْمَانِعَةُ لِأَكْثَرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ أَيْضًا مِنْهَا حَتَّى يَجْمَعَ أَنْ تَطْلُبَ الْفِدْيَةَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَافْتِدَاؤُهَا مِنْهُ شَيْءٌ تُعْطِيهِ مِنْ نَفْسِهَا لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35] الْآيَةُ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالُ الَّتِي تُخَالِفُ هَذِهِ الْحَالَ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَبْذُلْ فِيهَا الْمَرْأَةُ الْمَهْرَ وَالْحَالُ الَّتِي يَتَدَاعَيَانِ فِيهَا الْإِسَاءَةَ لَا تُقِرُّ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا مِنْهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] كَمَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا فِعْلٌ تَبْدَأُ بِهِ الْمَرْأَةُ يَخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ لَا أَنَّ خَوْفًا مِنْهُمَا بِلَا سَبَبٍ فُعِلَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ابْتَدَأَتْ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِ تَأْدِيَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ نَالَ مِنْهَا الزَّوْجُ مَالَهُ مِنْ أَدَبٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْفِدْيَةَ وَذَلِكَ أَنَّ حَبِيبَةَ جَاءَتْ تَشْكُو شَيْئًا بِبَدَنِهَا نَالَهَا بِهِ ثَابِتٌ ثُمَّ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَفْتَدِيَ وَأَذِنَ لِثَابِتٍ فِي الْأَخْذِ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ حَبِيبَةَ كَانَتْ لِثَابِتٍ وَأَنَّهَا تَطَوَّعَتْ بِالْفِدَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعِدَّتُهَا إذَا كَانَ دَخَلَ بِهَا عِدَّةُ مُطَلَّقَةٍ وَكَذَلِكَ كُلُّ نَاكِحٍ كَانَ يُعَدُّ فَسْخًا أَوْ طَلَاقًا صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا فَالْعِدَّةُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بَعْدُ فَقَالَ يَتَزَوَّجُهَا إنْ شَاءَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] إلَى قَوْلِهِ ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230] أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ أَجَازَهُ الْمَالُ

فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَهْمَانَ مَوْلَى الأسلميين عَنْ أُمِّ بَكْرَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ ثُمَّ أَتَيَا عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هِيَ تَطْلِيقَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ سَمَّيْت شَيْئًا فَهُوَ مَا سَمَّيْت.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْرِفُ جَهْمَانَ وَلَا أُمَّ بَكْرَةَ بِشَيْءٍ يَثْبُتُ بِهِ خَبَرُهُمَا وَلَا يَرُدُّهُ، وَبِقَوْلِ عُثْمَانَ نَأْخُذُ وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ وَذَلِكَ أَنِّي رَجَعْت الطَّلَاقَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ شَبِيهًا أَنْ يَقُولَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ هِيَ فَسْخُ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا وَفَسْخُ مَا كَانَ عَلَيْهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِفَسْخِ الْعَقْدِ وَكُلُّ أَمْرٍ نُسِبَ فِيهِ الْفُرْقَةُ إلَى انْفِسَاخِ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا إنَّمَا الطَّلَاقُ مَا أُحْدِثَ وَالْعُقْدَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا وَأَحْسَبُ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ الْخُلْعَ يَكُونُ فَسْخًا إنْ لَمْ يُسَمَّ طَلَاقًا وَلَيْسَ هَكَذَا حُكْمُ طَلَاقِ غَيْرِهِ فَهُوَ يُفَارِقُ الطَّلَاقَ بِأَنَّهُ مَأْذُونٌ بِهِ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ وَفِي غَيْرِ شَيْءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ذَهَبَ الْمَذْهَبَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ الْعَقْدُ كَانَ صَحِيحًا فَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إحْدَاثُ طَلَاقٍ فِيهِ فَإِذَا أَحْدَثَ فِيهِ فُرْقَةً عُدَّتْ طَلَاقًا وَحُسِبَتْ أَقَلَّ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يُسَمَّى أَكْثَرُ مِنْهَا وَإِنَّمَا كَانَ لَا رَجْعَةَ لَهُ بِأَنَّهُ أَخَذَ عِوَضًا وَالْعِوَضُ هُوَ ثَمَنٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ الثَّمَنَ وَيَمْلِكَ الْمَرْأَةَ وَمَنْ مَلَكَ ثَمَنًا لِشَيْءٍ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّجْعَةُ فِيمَا مَلَكَهُ غَيْرُهُ وَمَنْ قَالَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَوْ لَسْت أَجِدُ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ يَنْفَسِخُ فِي رِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
وَفِي الْأَمَةِ تَعْتِقُ وَفِي امْرَأَةِ الْعِنِّينِ تَخْتَارُ فِرَاقَهُ وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَدَنِيِّينَ فِي الْمَرْأَةِ يُوجَدُ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ وَالرَّجُلُ يُوجَدُ بِهِ أَحَدُ ذَلِكَ فَيَكُونَانِ بِالْخِيَارِ فِي الْمُقَامِ أَوْ الْفُرْقَةِ وَإِنَّمَا الْفُرْقَةُ فَسْخٌ لَا إحْدَاثُ طَلَاقٍ فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْفِدْيَةِ وَأَذِنَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ فَاسِخَةً.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَزِمَهُ مَا طَلَّقَ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ فِي وَاحِدَةٍ وَلَا اثْنَتَيْنِ لِلثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَلَعَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهَا طَلَاقٌ وَذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ فِي حُكْمِ اللَّهِ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهَا وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمَةٍ خُلْعٌ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا مِنْ الْحَرَائِرِ إنَّمَا يُؤْخَذُ مَالُ امْرَأَةٍ جَائِزَةِ الْأَمْرِ فِي مَالِهَا بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ وَالْحُرِّيَّةِ.

[الْخِلَافُ فِي طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمُخْتَلِعَةِ فَقَالَ إذَا طَلُقَتْ فِي الْعِدَّةِ لَحِقَهَا الطَّلَاقُ فَسَأَلْته هَلْ يَرْوِي فِي قَوْلِهِ خَبَرًا؟ فَذَكَر حَدِيثًا لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُ فَقُلْت هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَك غَيْرُ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ عِنْدَك لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُمْ غَيْرُهُمْ قَالَ فَمَا حُجَّتُك فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهَا؟ قُلْت حُجَّتِي فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَثَرِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهَا قَالَ وَأَيْنَ الْحُجَّةُ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] إلَى

آخَرِ الْآيَتَيْنِ وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] الْآيَةُ وَقَالَ ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] الْآيَةُ وَقَالَ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] أَفَرَأَيْت لَوْ قَذَفَهَا أَيُلَاعِنُهَا؟ أَوْ آلَى مِنْهَا أَيَلْزَمُهُ الْإِيلَاءُ؟ أَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا أَيَلْزَمُهُ الظِّهَارُ أَوْ مَاتَتْ أَيَرِثُهَا أَوْ مَاتَ أَتَرِثُهُ؟ قَالَ لَا قُلْت أَلَا إنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْخَمْسَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت وَحُكْمُ اللَّهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَطْلُقُ الزَّوْجَةُ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] قَالَ نَعَمْ فَقُلْت لَهُ كِتَابُ اللَّهِ إذَا كَانَ كَمَا زَعَمْنَا وَزَعَمْت يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَهِيَ خِلَافُ قَوْلِكُمْ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْمُخْتَلِعَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا قَالَا لَا يَلْزَمُهَا طَلَاقٌ لِأَنَّهُ طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّك لَا تُخَالِفُ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا إلَى قَوْلٍ مِثْلِهِ فَخَالَفْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ مَعًا وَآيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَحَدًا لَوْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِك هَذَا لَقُلْت لَهُ مَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَأَنْتَ تَجْهَلُ أَحْكَامَ اللَّهِ ثُمَّ قُلْت فِيهَا قَوْلًا لَوْ تَخَاطَأْتَ فَقُلْته كُنْت قَدْ أَحْسَنْت الْخَطَأَ وَأَنْتَ تَنْسِبُ نَفْسَك إلَى النَّظَرِ قَالَ وَمَا هَذَا الْقَوْلُ؟ قُلْت زَعَمْت أَنَّهُ إنْ قَالَ لِلْمُخْتَلِعَةِ أَنْتِ بَتَّةٌ وَبَرِيَّةٌ وَخَلِيَّةٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ لَمْ يَلْزَمْهَا الطَّلَاقُ وَهَذَا يَلْزَمُ الزَّوْجَةَ وَأَنَّهُ إنْ آلَى مِنْهَا أَوْ تَظَاهَرَ أَوْ قَذَفَهَا لَمْ يَلْزَمْهَا مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَةَ وَأَنَّهُ إنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لَهُ طَالِقٌ وَلَا يَنْوِيهَا وَلَا غَيْرَهَا طُلِّقَ نِسَاؤُهُ وَلَمْ تَطْلُقْ هِيَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِامْرَأَةٍ لَهُ ثُمَّ قُلْت وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ فَكَيْفَ يُطَلِّقُ غَيْرَ امْرَأَتِهِ.

[الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35] الْآيَةُ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا أَرَادَ مِنْ خَوْفِ الشِّقَاقِ الَّذِي إذَا بَلَغَاهُ أَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا وَاَلَّذِي يُشْبِهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَمَا عَمَّ الزَّوْجَيْنِ مَعًا حَتَّى يَشْتَبِهَ فِيهِ حَالُهُمَا الْآيَةُ وَذَلِكَ أَنِّي وَجَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَذِنَ فِي نُشُوزِ الزَّوْجِ أَنْ يَصْطَلِحَا وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَأَذِنَ فِي نُشُوزِ الْمَرْأَةِ بِالضَّرْبِ وَأَذِنَ فِي خَوْفِهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ بِالْخُلْعِ وَدَلَّتْ السُّنَّةُ أَنَّ ذَلِكَ بِرِضًا مِنْ الْمَرْأَةِ وَحَظَرَ أَنْ يَأْخُذَ لِرَجُلٍ مِمَّا أَعْطَى شَيْئًا إذَا أَرَادَ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ فَلَمَّا أَمَرَ فِيمَنْ خِفْنَا الشِّقَاقَ بَيْنَهُ بِالْحَكَمَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ حُكْمِ الْأَزْوَاجِ غَيْرِهِمَا وَكَانَ يَعْرِفُهُمَا بِإِبَانَةِ الْأَزْوَاجِ أَنْ يَشْتَبِهَ حَالُهُمَا فِي الشِّقَاقِ فَلَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ الصَّفْحَ وَلَا الْفُرْقَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ تَأْدِيَةَ الْحَقِّ وَلَا الْفِدْيَةَ أَوْ تَكُونُ الْفِدْيَةُ لَا تَجُوزُ مِنْ قِبَلِ مُجَاوَزَةِ الرَّجُلِ مَالَهُ مِنْ أَدَبِ الْمَرْأَةِ وَتَبَايُنِ حَالِهِمَا فِي الشِّقَاقِ وَالتَّبَايُنُ هُوَ مَا يَصِيرَانِ فِيهِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا وَلَا يَحْسُنُ وَيَمْتَنِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرَّجْعَةِ وَيَتَمَادَيَانِ فِيمَا لَيْسَ لَهُمَا وَلَا يُعْطِيَانِ حَقًّا وَلَا يَتَطَوَّعَانِ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِأَمْرٍ يَصِيرَانِ بِهِ فِي مَعْنَى الْأَزْوَاجِ غَيْرِهِمَا فَإِذَا كَانَ هَذَا بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يُبْعَثُ الْحَكَمَانِ إلَّا مَأْمُونَيْنِ وَبِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَيُوَكِّلُهُمَا الزَّوْجَانِ بِأَنْ يَجْمَعَا أَوْ يُفَرِّقَا إذَا رَأَيَا ذَلِكَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَرِيرَة عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]

ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ رَضِيت بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ وَلِي وَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَبْت وَاَللَّهِ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ قَالَ فَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ حَكَمَيْنِ دُونَ رِضَا الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ بِحُكْمِهِمَا وَعَلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إنَّمَا هُمَا وَكِيلَانِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا فِي الْجَمْعِ وَالْفُرْقَةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْنَا لَوْ كَانَ الْحُكْمُ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دُونَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بَعَثَ هُوَ حَكَمَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ ابْعَثُوا حَكَمَيْنِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ ابْعَثُوا حَكَمَيْنِ فَيَجُوزَ حُكْمُهُمَا بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ إيَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، كَمَا يَجُوزُ حُكْمُ الْحَاكِمِ الَّذِي يُصَيِّرُهُ الْإِمَامُ فَمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَاكِمًا أَكْثَرُ مَعْنًى أَوْ يَكُونَا كَالشَّاهِدَيْنِ إذَا رَفَعَا شَيْئًا إلَى الْإِمَامِ أَنْفَذَهُ عَلَيْهِمَا أَوْ يَقُولُ ابْعَثُوا حَكَمَيْنِ أَيْ دُلُّونِي مِنْكُمْ عَلَى حَكَمَيْنِ صَالِحَيْنِ كَمَا تَدُلُّونِي عَلَى تَعْدِيلِ الشُّهُودِ قُلْنَا الظَّاهِرُ مَا وَصَفْنَا وَاَلَّذِي يَمْنَعُنَا مِنْ أَنْ نُحِيلَهُ عَنْهُ مَعَ ظُهُورِهِ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلزَّوْجِ كَذَبْت وَاَللَّهِ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْكُمَا إلَّا بِأَنْ يُفَوِّضَ الزَّوْجَانِ ذَلِكَ إلَيْهِمَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ فَوَّضَتْ وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَبْت حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقِرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ وَإِنْ رَأَيَاهُ وَلَوْ كَانَ يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ أَوْ تَفْوِيضِ الْمَرْأَةِ لَقَالَ لَهُ لَا أُبَالِي أَقَرَرْت أَمْ سَكَتَّ وَأَمَرَ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْكُمَا بِمَا رَأَيَا.
أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ أَصْبِرْ لِي وَأُنْفِقُ عَلَيْك فَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَيْنَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ فَيَسْكُتُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهُوَ بَرِمٌ فَقَالَتْ أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَيْنَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ عَلَى يَسَارِك فِي النَّارِ إذَا دَخَلَتْ فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَجَاءَتْ عُثْمَانَ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَأُفَرِّقَنِّ بَيْنَهُمَا وَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا كُنْت لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ فَأَتَيَاهُمَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ شَدَّا عَلَيْهِمَا أَثْوَابَهُمَا وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ ذَهَبَا وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَمُعَاوِيَةُ يَقُولُ لَا أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا وَجَدَاهُمَا قَدْ اصْطَلَحَا رَجَعَا وَذَلِكَ أَنَّ اصْطِلَاحَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ جَاءَهُمَا فَسَخَا وِكَالَتَهُمَا فَرَجَعَا وَلَمْ تَعُدْ الْمَرْأَةُ وَلَا الرَّجُلُ إلَى الشِّقَاقِ عَلِمْنَاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلَوْ عَادَ الشِّقَاقُ عَادَا لِلْحَكَمَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ الْأُولَى أَوْلَى مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ شَأْنَهُمَا بَعْدَ مَرَّةٍ وَمَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرُ وَاحِدٍ فِي الْحَكَمَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ يَجُوزَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ وَكَالَةُ الْحَكَمَيْنِ فِي الْفُرْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِالتَّفْوِيضِ إلَيْهِمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَاتِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلْوَكَالَاتِ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ الْحُكْمَ دُونَهُ مَنْ لَيْسَ يَلِيه إلَّا بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ وَأَنْ يُوَلُّوا الْحَكَمَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ (قَالَ) : وَلَوْ فَوَّضْنَا مَعَ الْخُلْعِ وَالْفُرْقَةِ إلَى الْحَكَمَيْنِ الْأَخْذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ عَلَى الْحَكَمَيْنِ الِاجْتِهَادُ إنْ رَأَيَا الْجَمْعَ فِي الْأَخْذِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَرَيَانِهِ صَلَاحًا لَهُمَا إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَخْلَاقِهِمَا وَمَذَاهِبِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِأَمْرِهِمَا وَالْأَخْذُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ وَكَانَ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَيْهِمَا مِثْلُ الْفُرْقَةِ أَوْ أَوْلَى مِنْ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا جَازَتْ تَوْلِيَتُهُمَا لَهُمَا الْفُرْقَةَ جَازَ الْأَخْذُ بِتَوْلِيَتِهِمَا وَعَلَى السُّلْطَانِ إنْ لَمْ يَرْضَيَا بِحَكَمَيْنِ عِنْدِي أَنْ لَا يُجِيزَهُمَا عَلَى حَكَمَيْنِ وَأَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمَا فَيَأْخُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَيُجْبِرُ الْمَرْأَةَ عَلَى مَا عَلَيْهَا وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ أَنْ يُعَاقِبَ أَيَّهُمَا رَأَى إنْ امْتَنَعَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْجِبُ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ يُجْبِرُهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ كَانَ مَذْهَبًا.

[حَبْسُ الْمَرْأَةِ لِمِيرَاثِهَا]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] إلَى ﴿كَثِيرًا﴾ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ يُكْرِهُ الْمَرْأَةَ فَيَمْنَعُهَا كَرَاهِيَةً لَهَا حَقَّ اللَّهِ فِي عِشْرَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَحْبِسُهَا مَانِعًا لِحَقِّهَا لِيَرِثَهَا مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا بِإِمْسَاكِهِ إيَّاهَا عَلَى الْمَنْعِ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَحَرَّمَ عَلَى الْأَزْوَاجِ أَنْ يَعْضُلُوا النِّسَاءَ لِيَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا أُوتِينَ وَاسْتَثْنَى إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَإِذَا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَهِيَ الزِّنَا فَأَعْطَيْنَ بِبَعْضِ مَا أُوتِينَ لِيُفَارِقْنَ حَلَّ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ تَكُنْ مَعْصِيَتُهُنَّ الزَّوْجَ فِيمَا يَجِبُ لَهُ بِغَيْرِ فَاحِشَةٍ أَوْلَى أَنْ نُحِلَّ مَا أَعْطَيْنَ مِنْ أَنْ يَعْصِينَ اللَّهَ وَالزَّوْجَ بِالزِّنَا وَأَمَرَ اللَّهُ فِي اللَّاتِي يَكْرَهْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَلَمْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ أَنْ يُعَاشَرْنَ بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ بِتَأْدِيَةِ الْحَقِّ وَإِجْمَالِ الْعِشْرَةِ.
وَقَالَ ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [النساء: 19] الْآيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَأَبَاحَ عِشْرَتَهُنَّ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يَجْعَلُ فِي الْكُرْهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَالْخَيْرُ الْكَثِيرُ الْأَجْرُ فِي الصَّبْرِ وَتَأْدِيَةِ الْحَقِّ إلَى سِنٍّ يُكْرَهُ أَوْ التَّطَوُّلِ عَلَيْهِ وَقَدْ يَغْتَبِطُ وَهُوَ كَارِهٌ لَهَا بِأَخْلَاقِهَا وَدِينِهَا وَكَفَاءَتِهَا وَبَذْلِهَا وَمِيرَاثٍ إنْ كَانَ لَهَا وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهِ إلَى الْكَرَاهِيَةِ لَهَا بَعْدَ الْغِبْطَةِ بِهَا.

[الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ بِالطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ: قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وُجُوهٌ يَجْمَعُهَا اسْمُ الْفُرْقَةِ وَيَفْتَرِقُ بِهَا أَسْمَاءٌ دُونَ اسْمِ الْفُرْقَةِ فَمِنْهَا الطَّلَاقُ، وَالطَّلَاقُ مَا ابْتَدَأَهُ الزَّوْجُ فَأَوْقَعَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِطَلَاقٍ صَرِيحٍ أَوْ كَلَامٍ يُشْبِهُ الطَّلَاقَ يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ، وَكَذَلِكَ مَا جَعَلَ إلَى امْرَأَتِهِ مِنْ أَمْرِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا أَوْ إلَى غَيْرِهَا فَطَلَّقَهَا فَهُوَ كَطَلَاقِهِ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ وَقَعَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِيهِ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِمَّنْ جَعَلَهُ إلَيْهِ الزَّوْجُ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَالزَّوْجُ يَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَةَ الْمُطَلَّقَةِ مَا كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكَذَلِكَ إنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَ أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَحَلَفَ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً أَوْ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَرِيَّةٌ فَحَلَفَ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لَا يَكُونُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ بَائِنٌ أَبَدًا إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مَدْخُولًا بِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ مَا الْحُجَّةُ فِيمَا قُلْت؟ قُلْت الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ قَالَ: فَأَوْجَدَنِي مَا ذَكَرْته قُلْت قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229] الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] إلَى قَوْلِهِ ﴿إصْلَاحًا﴾ وَقُلْت أَمَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ مُطَلِّقٍ لَمْ يَأْتِ عَلَى جَمِيعِ الطَّلَاقِ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ يُخَصِّصْ مُطَلِّقًا دُونَ مُطَلِّقٍ وَلَا مُطَلَّقَةً دُونَ مُطَلَّقَةٍ.
وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إذَا قَالَ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ مَنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَبِالتَّسْرِيحِ مَنْ لَهُ أَنْ يُسَرِّحَ قَالَ: فَمَا التَّسْرِيحُ هَا هُنَا قُلْت تَرْكُ الْحَبْسِ بِالرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ تَسْرِيحٌ بِمُتَقَدِّمِ الطَّلَاقِ وَقُلْت لَهُ: إنَّ هَذَا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَيْضًا كَهُوَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ قَالَ فَاذْكُرْهُ؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] إلَى قَوْلِهِ ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ قَالَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: 231] قُلْت يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ، قَالَ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟

قُلْت: الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231] فَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِمْسَاكِ وَالسَّرَاحِ إلَّا مَنْ هَذَا إلَيْهِ ثُمَّ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِمْسَاكِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ وَهَذِهِ كَالْآيَةِ قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: 231] قَالَ وَتَقُولُ هَذَا الْعَرَبُ؟ قُلْت نَعَمْ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذَا قَارَبَ الْبَلَدَ يُرِيدُهُ أَوْ الْأَمْرَ يُرِيدُهُ قَدْ بَلَغْته وَتَقُولُهُ إذَا بَلَغَهُ.
وَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] قَالَ فَلِمَ قُلْت: إنَّهَا تَكُونُ لِلْأَزْوَاجِ الرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ التَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ؟ فَقُلْت لَهُ لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] إِلَى ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230] قَالَ فَلِمَ قُلْت فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَاتِ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] إذَا قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ؟ وَقُلْت فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234] هَذَا إذَا قَضَيْنَ أَجَلَهُنَّ وَالْكَلَامُ فِيهِمَا وَاحِدٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقُلْت لَهُ ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: 234] يَحْتَمِلُ قَارَبْنَ الْبُلُوغَ وَبَلَغْنَ فَرَغْنَ مِمَّا عَلَيْهِنَّ فَكَانَ سِبَاقُ الْكَلَامِ فِي الْآيَتَيْنِ دَلِيلًا عَلَى فَرْقٍ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الطَّلَاقِ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وَقَالَ ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231] فَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِمْسَاكِ إلَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي الْعِدَّةِ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يَفْعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مَا شِئْنَ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ هَذَا مِنْ أَبْيَنِهِ وَأَقَلِّهِ خَفَاءً لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا بِسِيَاقِ الْكَلَامِ فِيهِمَا.
وَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي الْمُتَوَفَّى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَيَحِلَّ نِكَاحُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ وَمَا السُّنَّةُ فِيهِ؟ قُلْت أَخْبَرَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ «أَنَّ ركامة بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْمُزَنِيَّةَ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرُكَانَةَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً فَرَدَّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ قَالَ: فَمَا الْأَثَرُ فِيهِ؟ قُلْت: أَوْ يَحْتَاجُ مَعَ حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى غَيْرِهِمَا؟ فَقَالَ إنْ كَانَ عِنْدَك أَثَرٌ فَلَا عَلَيْك أَنْ تَذْكُرَهُ قُلْت أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ قَدْ فَعَلْته قَالَ فَقَرَأَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت قَدْ فَعَلْته قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْك امْرَأَتَك فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَبُتُّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِلتُّومَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ لِلْمُطَّلِبِ.
أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: احْلِفْ فَقَالَ أَتَرَانِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقَعُ فِي الْحَرَامِ وَالنِّسَاءُ كَثِيرٌ؟ فَقَالَ لَهُ احْلِفْ فَحَلَفَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْقَدَّاحُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ يَدِينُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ

عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ شُرَيْحًا دَعَاهُ بَعْضُ أُمَرَائِهِمْ فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَاسْتَعْفَاهُ شُرَيْحٌ فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهُ فَقَالَ أَمَّا الطَّلَاقُ فَسُنَّةٌ، وَأَمَّا الْبَتَّةُ فَبِدْعَةٌ، فَأَمَّا السُّنَّةُ فَالطَّلَاقُ فَأَمْضُوهَا وَأَمَّا الْبِدْعَةُ فَالْبَتَّةُ فَقَلِّدُوهُ إيَّاهَا وَدَيِّنُوهُ فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ خَلَوْت مِنِّي وَقَوْلُهُ: أَنْتِ بَرِيئَةٌ أَوْ بَرِئْت مِنِّي أَوْ يَقُولُ أَنْتِ بَائِنَةٌ أَوْ بِنْت مِنِّي قَالَ سَوَاءٌ قَالَ عَطَاءٌ أَمَّا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَسُنَّةٌ لَا يَدِينُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الطَّلَاقُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ أَمَّا قَوْلُهُ أَنْتِ بَرِيئَةٌ أَوْ بَائِنَةٌ؟ فَذَلِكَ مَا أَحْدَثُوا فَيَدِينُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ الطَّلَاقُ وَإِلَّا فَلَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ بَرِيئَةٌ أَوْ أَنْتِ بَائِنَةٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِئْت مِنِّي أَوْ بِنْت مِنِّي قَالَ يَدِينُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ إنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ الطَّلَاقُ كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ فَمَا الْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْت الَّتِي تَكُونُ بِهَا الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؟ فَقُلْت لَهُ كُلُّ مَا حُكِمَ فِيهِ بِالْفُرْقَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الزَّوْجُ وَلَمْ يُرِدْهَا وَمَا لَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ لَا تُوقَعَ عَلَيْهِ الْفُرْقَةُ أُوقِعَتْ فَهَذِهِ فُرْقَةٌ لَا تُسَمَّى طَلَاقًا لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنْ الزَّوْجِ وَهُوَ لَمْ يَقُلْهُ وَلَمْ يَرْضَهُ بَلْ يُرِيدُ رَدَّهُ وَلَا يُرَدُّ قَالَ: وَمِثْلُ مَاذَا؟ قُلْت مِثْلُ الْأَمَةِ تَعْتِقُ عِنْدَ الْعَبْدِ فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْعِنِّينِ فَيُؤَجَّلُ سَنَةً فَلَا يَمَسُّ فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ فَهَاتَانِ الْفِرْقَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا صُيِّرَتَا لِلْمَرْأَتَيْنِ بِعِلَّةِ الْعُبُودِيَّةِ فِي الزَّوْجِ وَالْعَجْزِ فِيهِ وَلَيْسَ أَنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ تُزَوِّجَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فَيَنْتَسِبَ حُرًّا فَيُوجَدَ عَبْدًا فَتُخَيَّرُ فَتُفَارِقُهُ وَيَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فَتَجِدُهُ أَجْذَمَ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَبْرَصَ فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ قَالَ: أَفَتَعُدُّ شَيْئًا مِنْ هَذَا طَلَاقًا؟ قُلْت لَا هَذَا فَسْخُ عَقْدِ النِّكَاحِ لَا إحْدَاثُ طَلَاقٍ فِيهَا.
وَمِثْلُ الزَّوْجَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا وَلَا يُسْلِمُ الْآخَرُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قُلْت الْعَبْدُ يَبْتَاعُهُ فَيَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَيَكُونُ لَهُ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ وَرَدُّهُ فَسْخُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ اسْتِئْنَافُ بَيْعٍ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ بَيْعًا بِغَيْرِ رِضَا الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ فُرْقَةٌ مِنْ الْمَرْأَةِ وَفُرْقَةُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ تَمْلِيكِ الزَّوْجِ إيَّاهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَسْخَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ النِّسَاءُ بَعْدَهُ إلَّا بِزَوْجٍ وَهُوَ إلَى الرِّجَالِ لَا إلَى النِّسَاءِ قَالَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ فَرَّقَهُ غَيْرُ هَذَا؟ قُلْت نَعَمْ كُلُّ مَا عُقِدَ فَاسِدًا مِنْ نِكَاحٍ، مِثْلُ نِكَاحٍ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَنِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَنِكَاحِ الْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا فَكُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ النِّكَاحِ كُلُّهُ لَيْسَ بِتَامٍّ يَحِلُّ فِيهِ الْجِمَاعُ بِالْعَقْدِ وَيَقَعُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فَسْخُهُ زَوْجٍ وَلَا زَوْجَةٍ وَلَا وَلِيٍّ فَكُلُّ مَا كَانَ هَكَذَا فَالنِّكَاحُ فِيهِ فَاسِدٌ يُفَرِّقُ الْعُقْدَةَ وَلَمْ تُعَدُّ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا وَلَكِنَّهُ فَسْخُ الْعَقْدِ، قَالَ فَهَلْ مِنْ تَفْرِقَةٍ غَيْرِ هَذَا؟ قُلْت نَعَمْ رِدَّةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ مُقِيمٌ عَلَى الْكُفْرِ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ أَنْ يَغْشَوْا الْمُؤْمِنَاتِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ غَشَيَانُ الْكَوَافِرِ سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِرَاقًا مِنْ الزَّوْجِ هَذَا فَسْخٌ كُلُّهُ قَالَ فَهَلْ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْفُرْقَةِ غَيْرِ هَذَا؟ قُلْت نَعَمْ الْخُلْعُ قَالَ فَمَا الْخُلْعُ عِنْدَك؟ فَذَكَرَتْ لَهُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ، قَالَ فَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَفَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ؟ قُلْت: لَا قَالَ وَلِمَ وَالطَّلَاقُ مِنْهُ لَوْ أَرَادَ لَمْ يُوقِعْهُ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقُلْت لَهُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَالْفِدْيَةُ مِمَّنْ مَلَكَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ لَا تَكُونُ إلَّا بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا بِالْفِدْيَةِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا ثُمَّ يَمْلِكَ عَلَيْهَا أَمْرَهَا بِغَيْرِ رِضًا مِنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى مَا أَخْرَجَ مِنْ يَدَيْهِ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِوَضِ وَقَدْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ امْرَأَتِهِ حِينَ جَاءَتْهُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ لَا تَأْخُذْ مِنْهَا إلَّا فِي قَبْلِ عِدَّتِهَا كَمَا أَمَرَ

الْمُطَلِّقُ غَيْرَهُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ طَلَاقًا يُطَلِّقُهَا إيَّاهُ وَرَأَى رِضَاهُ بِالْأَخْذِ مِنْهَا فُرْقَةً، وَالْخُلْعُ اسْمٌ مُفَارِقٌ لِلطَّلَاقِ وَلَيْسَ الْمُخْتَلِعُ بِمُبْتَدِئٍ طَلَاقًا إلَّا بِجُعْلٍ وَالْمُطَلِّقُونَ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَعْجِلُوا، وَقُلْت لَهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229] الْآيَةُ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] إلَى قَوْلِهِ ﴿جَمِيلًا﴾ أَفَرَأَيْت إنْ عَارَضَك مُعَارِضٌ فِي الْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا؟ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَهَذِهِ مُطَلَّقَةٌ وَاحِدَةً فَيُمْسِكُهَا مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: 231] وَقَوْلُهُ فِي الْعِدَّةِ ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مُعْتَدَّةً بِحُكْمِ اللَّهِ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّمَا قَصَدَ بِالرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ قَصْدَ الْمُعْتَدَّاتِ وَكَانَ الْمُفَسَّرُ مِنْ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْمُجْمَلِ وَيَفْتَرِقُ بِافْتِرَاقِ حَالِ الْمُطَلَّقَاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقُلْت لَهُ فَمَا مَنَعَك مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي الْمُخْتَلِعَةِ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَهُمَا بِأَنْ جَعَلَهَا مُفْتَدِيَةً وَبِأَنَّ هَذَا طَلَاقٌ بِمَالٍ يُؤْخَذُ وَبِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَلَكَ الرَّجْعَةَ وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً عَلَى شَيْءٍ يَأْخُذُهُ لَمْ يَمْلِكْ الرَّجْعَةَ؟ قَالَ هَذَا هَكَذَا لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ أَجْعَلَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِ مَالًا كَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ.
وَالْحُجَّةُ فِيهِ مَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا بِشَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ سَبِيلٌ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ مِمَّا أَخْرَجَهُ إلَيْهِ مَالِكُهُ لِمَالِكِهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ إلَيْهِ سَبِيلٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ فَأَوْجَدَنِي اللَّفْظُ الَّذِي يَكُونُ فِرَاقًا فِي الْحُكْمِ لَا تُدِينُهُ فِيهِ، قُلْت لَهُ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَدْ طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ سَرَاحٌ أَوْ قَدْ سَرَّحْتُك أَوْ قَدْ فَارَقْتُك، قَالَ فَمِنْ أَيْنَ قَدْ فَرَّقْت بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فِي الْحُكْمِ وَبَيْنَ مَا سِوَاهُنَّ وَأَنْتَ تُدِينُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِيهِنَّ كَمَا تُدِينُهُ فِي غَيْرِهِنَّ؟ قُلْت: هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِنَّ الطَّلَاقَ فَقَالَ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] وَقَالَ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] الْآيَةُ فَهَؤُلَاءِ الْأُصُولُ وَمَا أَشْبَهَهُنَّ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ طَلَاقًا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا أَثَرٍ إلَّا بِنِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَى صَاحِبَهُ طَلَاقًا مَعَ قَوْلٍ يُشْبِهُ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا.

[الْخِلَافُ فِي الطَّلَاقِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ: إنَّا نُوَافِقُك فِي مَعْنًى وَنُخَالِفُك فِي مَعْنًى، فَقُلْت فَاذْكُرْ الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُخَالِفُنَا فِيهَا، قَالَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ جُعْلًا عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، قُلْت هَذَا قَوْلُنَا وَقَوْلُ الْعَامَّةِ، قَالَ وَتَقُولُ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنَةٌ أَوْ كَلِمَةً غَيْرَ تَصْرِيحِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يُرِدْ بِهَا طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ قُلْت وَهَذَا قَوْلِي، قَالَ وَتَزْعُمُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِصَرِيحٍ الطَّلَاقَ الطَّلَاقَ وَأَرَادَ وَاحِدَةً كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ وَاحِدَةً شَدِيدَةً أَوْ غَلِيظَةً إذَا شَدَّدَ الطَّلَاقَ بِشَيْءٍ فَقُلْت لَهُ: أَفَقُلْت هَذَا خَبَرًا أَوْ قِيَاسًا؟ فَقَالَ قُلْت بَعْضَهُ خَبَرًا وَقِسْت مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى الْخَبَرِ بِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قُلْت مَا الَّذِي قُلْته خَبَرًا وَقِسْت

مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى الْخَبَرِ؟ قَالَ: رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ أَوْ يُمَلِّكُهَا إنْ اخْتَارَتْهُ فَتَطْلِيقَةٌ يَمْلِكُ فِيهَا الرَّجْعَةَ وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَتَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ قُلْت أَرَوَيْت عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَعَلَ أَلْبَتَّةَ ثَلَاثًا؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْت: أَنْتَ تُخَالِفُ مَا رَوَيْت عَنْ عَلِيٍّ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت أَنْتَ تَقُولُ إذَا اخْتَارَتْ الْمَرْأَةُ الْمُمَلَّكَةُ أَوْ الَّتِي جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا زَوْجُهَا فَلَا شَيْءَ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت قَدْ رَوَيْت عَنْهُ حُكْمًا وَاحِدًا خَالَفْت بَعْضَهُ وَرَوَيْت عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَتَّةِ وَالتَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فَقُلْت فِي الْبَتَّةِ نِيَّتُهُ فَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ وَهُوَ يَجْعَلُهَا ثَلَاثًا، فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّك جَعَلْت أَلْبَتَّةَ قِيَاسًا عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ وَهُمَا عِنْدَك طَلَاقٌ لَمْ يُغَلَّظْ وَالْبَتَّةُ طَلَاقٌ قَدْ غُلِّظَ؟ فَكَيْفَ قِسْت أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْلُك زَعَمْت اعْتَمَدْت؟ قَالَ فَإِنَى إنَّمَا قُلْت فِي الْبَتَّةِ بِحَدِيثِ رُكَانَةَ فَقُلْت لَهُ أَلَيْسَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَتَّةَ فِي حَدِيثِ رُكَانَةَ وَاحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَأَنْتَ تَجْعَلُهَا بَائِنًا؟ فَقَالَ قَالَ شُرَيْحٌ نَقِفُهُ عِنْدَ بِدْعَتِهِ فَقُلْت وَنَحْنُ قَدْ وَقَفْنَاهُ عِنْدَ بِدْعَتِهِ فَلَمَّا أَرَادَ وَاحِدَةً جَعَلْنَاهَا تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ كَمَا جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرُ وَأَنْتَ رَوَيْت عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَتَّةِ وَاحِدَةً وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ ثَلَاثًا فَخَرَجْت مِنْ قَوْلِهِمْ مَعًا بِتَوَهُّمٍ فِي قَوْلِ شُرَيْحٍ وَشُرَيْحٌ رَجُلٌ مِنْ التَّابِعِينَ لَيْسَ لَك عِنْدَ نَفْسِك وَلَا لِغَيْرِك أَنْ يُقَلِّدَهُ وَلَا لَهُ عِنْدَك أَنْ يَقُولَ مَعَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ قَالَ فِي الْبَتَّةِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَى الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّهُ إذَا نَطَقَ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ قَالَ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِبْتَاتَ وَاَلَّذِي لَيْسَتْ بَعْدَهُ رَجْعَةٌ وَهُوَ ثَلَاثٌ وَمَنْ قَالَ أَلْبَتَّةَ وَاحِدَةً إذَا لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْهَا ذَهَبَ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إلَى أَنَّ أَلْبَتَّةَ كَلِمَةٌ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَقُولَ أَلْبَتَّةَ يَقِينًا كَمَا تَقُولُ لَا آتِيك أَلْبَتَّةَ وَأَذْهَبُ أَلْبَتَّةَ وَتَحْتَمِلُ صِفَةَ الطَّلَاقِ فَلَمَّا احْتَمَلَتْ مَعَانِيَ لَمْ نَسْتَعْمِلْ عَلَيْهِ مَعْنًى يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ بِالتَّوَهُّمِ وَجَعَلْنَا مَا احْتَمَلَ الْمَعَانِيَ يُقَابِلُهُ وَقَوْلُك كُلُّهُ خَارِجٌ مِنْ هَذَا مُفَارِقٌ لَهُ قَالَ فَإِنَّا قَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَكُونُ طَلَاقٌ بَائِنٌ إلَّا خُلْعٌ أَوْ إيلَاءٌ فَقُلْنَا قَدْ خَالَفْته فَجَعَلْت كَثِيرًا مِنْ الطَّلَاقِ بَائِنًا سِوَى الْخُلْعِ وَالْإِيلَاءِ وَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت لَوْ أَنْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قَوْلُك فِي الْبَتَّةِ وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا يُخَالِفُهُ أَفِي رَجُلٍ أَوْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حُجَّةٌ مَعَهُ؟ قَالَ لَا قُلْنَا فَقَدْ خَالَفْت مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَتَّةِ وَخَالَفْت أَصْحَابَهُ فَلَمْ تَقُلْ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا وَقُلْت لَهُ أَوْ يَخْتَلِفُ عِنْدَك قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَخَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ وَبَائِنٌ وَمَا شَدَّدَ بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ كَنَّى عَنْهُ وَهُوَ يُرِيدُ الطَّلَاقَ؟ فَقَالَ لَا كُلُّ هَذَا وَاحِدٌ قُلْت فَإِنْ كَانَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَا عِنْدَك فِي مَعْنًى وَاحِدٍ فَقَدْ خَالَفْت قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ ثُمَّ قُلْت فِيهِ قَوْلًا مُتَنَاقِضًا قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت زَعَمْت أَنَّهُ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً غَلِيظَةً أَوْ شَدِيدَةً كَانَتْ بَائِنًا وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً طَوِيلَةً كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَكِلْتَا الْكَلِمَتَيْنِ صِفَةُ التَّطْلِيقَةِ وَتَشْدِيدٌ لَهَا فَكَيْفَ كَانَ يَمْلِكُ فِي إحْدَاهُمَا الرَّجْعَةَ وَلَا يَمْلِكُهَا فِي الْأُخْرَى؟ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَك قَائِلٌ إذَا قَالَ طَوِيلَةً فَهِيَ بَائِنٌ لِأَنَّ الطَّوِيلَةَ مَا كَانَ لَهَا مَنْعُ الرَّجْعَةِ حَتَّى يُطَوِّلَ ذَلِكَ وَغَلِيظَةً وَشَدِيدَةً لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهُوَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَمَا كَانَ أَقْرَبَ بِمَا فَرَّقَ إلَى الصَّوَابِ مِنْك؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقُلْت لَهُ لَقَدْ خَالَفْت فِي هَذَا الْقَوْلِ مَعَانِيَ الْآثَارِ مَعَ فِرَاقِك مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ قَالَ فَمِنْ أَصْحَابِك مَنْ يَقُولُ لَا

أَثِقُ بِهِ فِي الطَّلَاقِ قُلْت أُولَئِكَ خَالَفُونَا وَإِيَّاكَ فَإِنْ قُلْت بِقَوْلِهِمْ حَاجَجْنَاك وَإِنْ خَالَفْتهمْ فَلَا تَحْتَجَّ بِقَوْلِ مَنْ لَا تَقُولُ بِقَوْلِهِ.

[انفساخ النِّكَاح بَيْن الْأُمَّة وَزَوْجهَا الْعَبْد إذَا عتقت]

ْ " أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ " قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ وَكَانَ فِي إحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتَعْتِقُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا فَإِذَا مَسَّهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ أَخْبَرْته أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ فَعَتَقَتْ قَالَتْ فَأَرْسَلَتْ إلَيَّ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ: إنِّي مُخْبِرَتُك خَبَرًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسَّك زَوْجُك قَالَتْ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ فِي تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ فِي الْمُقَامِ مَعَ زَوْجِهَا أَوْ فِرَاقِهِ دَلَائِلَ مِنْهَا أَنَّ الْأَمَةَ إذَا عَتَقَتْ عِنْدَ عَبْدٍ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ وَإِذَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخِيَارَ لِلْأَمَةِ دُونَ زَوْجِهَا فَإِنَّمَا جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ فِي فَسْخِ الْعُقْدَةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَإِذَا كَانَتْ الْعُقْدَةُ تَنْفَسِخُ فَلَيْسَ الْفَسْخُ بِطَلَاقٍ إنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ الْمَعْدُودَ عَلَى الرِّجَالِ مَا طَلَّقُوهُمْ فَأَمَّا مَا فُسِخَ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِهِمْ وَلَا بِفِعْلِهِمْ كَانَ.
(قَالَ) : وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَزُولُ عَنْ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَفْسَخَهُ حُرِّيَّةٌ أَوْ اخْتِيَارٌ فِي الْعَبْدِ خَاصَّةً وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهَا مِنْ مِلْكِ سَيِّدِهَا الَّذِي زَوَّجَهَا إيَّاهُ بِالْعِتْقِ يُخْرِجُهَا مِنْ نِكَاحِ الزَّوْجِ كَانَ خُرُوجُهَا مِنْ مِلْكِ سَيِّدِهَا الَّذِي زَوَّجَهَا إلَى رِقٍّ كَرِقِّهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَخْرُجَهَا وَلَا يَكُونَ لَهَا خِيَارٌ إذَا خَرَجَتْ إلَى الرِّقِّ وَبَرِيرَةُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ رِقِّ مَالِكِهَا إلَى مِلْكِ عَائِشَةَ وَمِنْ مِلْكِ عَائِشَةَ إلَى الْعِتْقِ فَجَمَعَتْ الْخُرُوجَيْنِ مِنْ الرِّقِّ إلَى الرِّقِّ وَمِنْ الرِّقِّ إلَى الْعِتْقِ ثُمَّ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُمَا قَالَ وَلَا يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ عَبْدٍ فَأَمَّا عِنْدَ حُرٍّ، فَلَا.

[الْخِلَافُ فِي خِيَارِ الْأَمَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي خِيَارِ الْأَمَةِ فَقَالَ تُخَيَّرُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَقَالُوا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا قَالَ فَقُلْت لَهُ رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا وَهُمَا أَعْلَمُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَنْ رَوَيْت هَذَا عَنْهُ قَالَ فَهَلْ تَرْوُونَ عَنْ غَيْرِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا؟ فَقُلْت هِيَ الْمُعْتِقَةُ وَهِيَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ قَدْ ثَبَتَ أَنْتَ مَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُمَا وَنَحْنُ إنَّمَا نُثْبِتُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُمَا قَالَ فَاذْكُرْهُمَا قُلْت أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ زَوْجُ بَرِيرَةَ فَقَالَ كَانَ ذَلِكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ يَبْكِي أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ

كَانَ عَبْدًا قَالَ فَقَالَ فَلِمَ تُخَيَّرُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَلَا تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ؟ فَقُلْت لَهُ لِاخْتِلَافِ حَالَةِ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ قَالَ وَمَا اخْتِلَافُهُمَا؟ قُلْت لَهُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي لَمْ أَرَ أَحَدًا يَسْأَلُ عَنْهُ قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قُلْت إذَا صَارَتْ حُرَّةً لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ لَهَا كُفُؤًا لِنَقْصِهِ عَنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا لِبِنْتِهِ يُزَوِّجُهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُوجَبُ بِالنِّكَاحِ عَلَى النَّاكِحِ أَشْيَاءُ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى كَمَالِهَا وَيَتَطَوَّعُ الزَّوْجُ الْحُرُّ عَلَى الْمَرْأَةِ بِأَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى كَمَالِهَا؟ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرِثُ زَوْجَهَا وَيَرِثُهَا وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَمِنْهَا أَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِ الْحُرِّ عَلَيْهِ مِنْ الْحُرَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ لِامْرَأَتِهِ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ قَدْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدْلِ عَلَيْهَا وَمِنْهَا أَشْيَاءُ يَتَطَوَّعُ لَهَا بِهَا مِنْ الْمُقَامِ مَعَهَا جُلَّ نَهَارِهِ وَلِسَيِّدِ الْعَبْدِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا كَثِيرَةٍ يُخَالِفُ فِيهَا الْحُرُّ الْعَبْدَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ إنَّا إنَّمَا ذَهَبْنَا فِي هَذَا إلَى أَنَّ خِيَارَ الْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَنَّهَا نَكَحَتْ وَهِيَ غَيْرُ مَالِكَةٍ لِأَمْرِهَا وَلَمَّا مَلَكَتْ أَمْرَهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ فِي نَفْسِهَا فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت الصَّبِيَّةَ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا فَتَبْلُغُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ أَيَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ؟ قَالَ لَا قُلْت فَإِذَا زَعَمْت أَنَّك إنَّمَا خَيَّرَتْهَا لِأَنَّ الْعُقْدَةَ كَانَتْ وَهِيَ لَا خِيَارَ لَهَا فَإِذَا صَارَ الْخِيَارُ لَهَا اخْتَارَتْ لَزِمَك هَذَا فِي الصَّبِيَّةِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا قَالَ فَإِنْ افْتَرَقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّبِيَّةِ؟ قُلْت أَوْ يَفْتَرِقَانِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَكَيْفَ تَقِيسُهَا عَلَيْهَا وَالصَّبِيَّةُ وَارِثَةٌ مَوْرُوثَةٌ وَهَذِهِ غَيْرُ وَارِثَةٍ وَلَا مَوْرُوثَةٍ بِالنِّكَاحِ ثُمَّ تَقِيسُهَا عَلَيْهَا فِي الْخِيَارِ الَّتِي فَارَقَتْهَا فِيهِ؟ قَالَ إنَّهُمَا وَإِنْ افْتَرَقَا فِي بَعْضِ أَمْرِهِمَا فَهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَعْضِهِ قُلْت وَأَيْنَ؟ قَالَ الصَّبِيَّةُ لَمْ تَكُنْ يَوْمَ تَزَوَّجَتْ مِمَّنْ لَهَا خِيَارٌ لِلْحَدَاثَةِ قُلْت وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ لِلرِّقِّ قَالَ فَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً كَانَ لَهَا الْخِيَارُ؟ قُلْت وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الصَّبِيَّةُ بَالِغَةً قَالَ فَهِيَ لَا تُشْبِهُهَا قُلْت فَكَيْفَ تُشَبِّهُهَا بِهَا وَأَنْتَ تَقُولُ إذَا بَلَغَتْ الصَّبِيَّةُ لَمْ يُزَوِّجْهَا أَبُوهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَهُوَ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا؟ قَالَ فَأُشَبِّهُهَا بِالْمَرْأَةِ تُزَوَّجُ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ إذَا عَلِمَتْ قُلْت هَذَا خَطَأٌ فِي الْمَرْأَةِ هَذِهِ لَا نِكَاحَ لَهَا وَلَوْ كَانَ مَا قُلْت كَمَا قُلْت كُنْت قَدْ قِسْتهَا عَلَى مَا يُخَالِفُهَا قَالَ وَأَيْنَ مُخَالِفُهَا؟ قُلْت أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ تَنْكِحُ وَلَا تَعْلَمُ ثُمَّ تَمُوتُ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ أَيَرِثُهَا زَوْجُهَا أَوْ يَمُوتُ أَتَرِثُهُ؟ قَالَ لَا قُلْت وَلَا يَحِلُّ لَهُ جِمَاعُهَا قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ؟ قَالَ لَا قُلْت أَفَتَجِدُ الْأَمَةَ يُزَوِّجُهَا سَيِّدُهَا هَلْ يُحِلُّ سَيِّدُهَا جِمَاعَهَا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت وَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا تَعْتِقُ مَا لَمْ تَخْتَرْ فَسْخَ النِّكَاحِ قَالَ نَعَمْ قُلْت وَلَوْ عَتَقَتْ فَمَاتَتْ وَرِثَهَا زَوْجُهَا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت وَلَوْ مَاتَ وَرِثَتْهُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَرَاهَا تُشْبِهُ وَاحِدَةً مِنْ الِاثْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَبَّهْتهمَا بِهَا؟ قَالَ فَمَا حُجَّتُك فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ؟ قُلْت مَا وَصَفْت لَك فَإِنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ كَانَ حَلَالًا جَائِزًا فَلَمْ يَحْرُمْ النِّكَاحُ بِتَحَوُّلِ حَالِ الْمَرْأَةِ إلَى أَحْسَنَ وَلَا أَسْوَأَ مِنْ حَالِهَا الْأَوَّلِ إلَّا بِخَبَرٍ لَا يَسَعُ خِلَافُهُ فَلَمَّا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِتَخْيِيرِ بَرِيرَةَ وَهِيَ عِنْدَ عَبْدٍ قُلْنَا بِهِ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي أَلْزَمَنَا اللَّهُ اتِّبَاعَهُ حَيْثُ قَالَ وَقُلْنَا الْحُرُّ خِلَافُ الْعَبْدِ لِمَا وَصَفْنَا وَأَنَّ الْأَمَةَ إذَا خَرَجَتْ إلَى الْحُرِّيَّةِ لَمْ تَكُنْ أَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ، أَكْثَرُ مَا فِيهَا أَنْ تُسَاوِيَهُ وَهُوَ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا فَعَتَقَتْ خَرَجَتْ مِنْ مُسَاوَاتِهِ قَالَ وَكَيْفَ لَمْ تَجْعَلُوا الْحُرَّ قِيَاسًا عَلَى الْعَبْدِ؟ فَقُلْت وَكَيْفَ نَقِيسُ بِالشَّيْءِ خِلَافَهُ؟ قَالَ: إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَعْنَى أَنَّهُمَا زَوْجَانِ قُلْت وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ حَالَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ قَالَ فَلِمَ لَا تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يَجْتَمِعَانِ؟ قَالَ قُلْت افْتِرَاقُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِي إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَمْرِهِمَا الِافْتِرَاقَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَنَحْنُ نَسْأَلُك قَالَ سَلْ قُلْت مَا تَقُولُ فِي الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ تُخَيَّرُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَإِنْ بِيعَتْ تُخَيَّرُ؟ قَالَ لَا قُلْت وَلِمَ وَقَدْ زَالَ رِقُّ الَّذِي زَوَّجَهَا فَصَارَ فِي حَالِهِ هَذِهِ لَوْ ابْتَدَأَ نِكَاحَهَا لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَنْكَحَهَا حُرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهَا لَمْ يَجُزْ؟ قَالَ هُمَا وَإِنْ اجْتَمَعَا فِي أَنَّ مِلْكَ الْمُنْكِحِ زَائِلٌ عَنْ الْمُنْكَحَةِ فَحَالُ الْأَمَةِ الْمُنْكَحَةِ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنْ رِقٍّ إلَى رِقٍّ وَهِيَ فِي الْعَتَاقَةِ انْتَقَلَتْ مِنْ رِقٍّ إلَى حُرِّيَّةٍ.
قُلْت فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا إذَا افْتَرَقَا فِي مَعْنًى وَإِنْ اجْتَمَعَا فِي آخَرَ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَتَفْرِيقِي بَيْنَ الْخِيَارِ فِي عَبْدٍ وَحُرٍّ

أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْت وَأَصْلُ الْحُجَّةِ فِيهِ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ حَلَالًا وَمَا كَانَ حَلَالًا لَمْ يَجُزْ تَحْرِيمُهُ وَلَا فَسْخُهُ إلَّا بِسُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ أَمْرٍ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ السُّنَّةُ فِي تَخْيِيرِ الْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ عِنْدَ عَبْدٍ لَمْ نُعِدْ مَا رَوَيْنَا مِنْ السُّنَّةِ وَلَمْ يَحْرُمْ النِّكَاحُ إلَّا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنَّمَا جَعَلَ لِلْأَمَةِ الْخِيَارَ فِي التَّفْرِيقِ وَالْمُقَامِ، وَالْمُقَامُ لَا يَكُونُ إلَّا وَالنِّكَاحُ حَلَالٌ إلَّا أَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - لِنَقْصِ الْعَبْدِ عَنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْعِلَلُ الَّتِي فِيهِ الَّتِي قَدْ يُمْنَعُ فِيهَا مَا يُحِبُّ وَتُحِبُّ امْرَأَتُهُ.

[اللِّعَانُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] إِلَى ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9] فَلَمَّا حَكَمَ اللَّهُ فِي الزَّوْجِ الْقَاذِفِ بِأَنْ يَلْتَعِنَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةُ الْقَذَفَةَ غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَكَانَ الْقَاذِفُ الْحُرُّ الذِّمِّيُّ وَالْعَبْدُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ إذَا قَذَفُوا الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ جُلِدُوا الْحَدَّ مَعًا فَجَلَدُوا الْحُرَّ حَدَّ الْحُرِّ وَالْعَبْدَ حَدَّ الْعَبْدِ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ قَاذِفٌ بَالِغٌ يَجْرِي عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ أَنْ يُحَدَّ حَدَّهُ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِمَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الشُّهُودِ عَلَى الْمَقْذُوفَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ عَلَى الْمَقْذُوفَةِ كَانَتْ الْآيَةُ فِي اللِّعَانِ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ عَامَّةٌ عَلَى الْأَزْوَاجِ الْقَذَفَةِ فَكَانَ كُلُّ زَوْجٍ قَاذِفٍ يُلَاعِنُ أَوْ يُحَدُّ إنْ كَانَتْ الْمَقْذُوفَةُ مِمَّنْ لَهَا حَدٌّ أَوْ لَمْ تَكُنْ لِأَنَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا - إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَدٌّ - تَعْزِيرًا وَعَلَيْهَا حَدٌّ إذَا لَمْ تَلْتَعِنْ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ لَا افْتِرَاقَ بَيْنَ عُمُومِ الْآيَتَيْنِ مَعًا وَكَمَا جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ إلَى الْأَزْوَاجِ قَالَ ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] وَقَالَ ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فَكَانَ هَذَا عَامًّا لِلْأَزْوَاجِ وَالنِّسَاءِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ زَوْجٌ مُسْلِمٌ حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ وَلَا ذِمِّيٌّ حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ فَكَذَلِكَ اللِّعَانُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ (وَقَالَ) فِيمَا حَكَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَاعَنَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ وَلَمْ يَتَكَلَّفْ أَحَدٌ حِكَايَةَ حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللِّعَانِ أَنْ يَقُولَ قَالَ لِلزَّوْجِ قُلْ كَذَا وَلَا لِلْمَرْأَةِ قَوْلِي كَذَا إنَّمَا تَكَلَّفُوا حِكَايَةَ جُمْلَةِ اللِّعَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا نَصَبَ اللِّعَانَ حِكَايَةً فِي كِتَابِهِ فَإِنَّمَا لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ حَكَى مَنْ حَضَرَ اللِّعَانَ فِي اللِّعَانِ مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ (قَالَ) : فَإِذَا لَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَقَالَ لِلزَّوْجِ قُلْ " أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا " ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الرَّابِعَةِ وَقَفَهُ وَذَكَّرَهُ وَقَالَ " اتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ فَإِنَّ قَوْلَك " إنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا " مُوجِبَةٌ يُوجِبُ عَلَيْك اللَّعْنَةَ إنْ كُنْت كَاذِبًا فَإِنْ وَقَفَ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ قَامَتْ بِهِ وَإِنْ حَلَفَ لَهَا فَقَدْ أَكْمَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ اللِّعَانِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِلزَّوْجَةِ فَتَقُولَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا حَتَّى تَقُولَهَا أَرْبَعًا فَإِذَا أَكْمَلَتْ أَرْبَعًا وَقَفَهَا وَذَكَّرَهَا وَقَالَ " اتَّقِي اللَّهَ وَاحْذَرِي أَنْ تَبُوئِي بِغَضَبِ اللَّهِ فَإِنَّ قَوْلَك: عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا " يُوجِبُ عَلَيْك غَضَبَ اللَّهِ إنْ كُنْت كَاذِبَةً فَإِنْ مَضَتْ فَقَدْ فَرَغَتْ مِمَّا عَلَيْهَا وَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُمَا وَهَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا

وَاَللَّهُ وَلِيُّ أَمْرِهِمَا فِيمَا غَابَ عَمَّا قَالَا.

فَإِنْ لَاعَنَهَا بِإِنْكَارِ وَلَدٍ أَوْ حَبَلٍ قَالَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَإِنَّ وَلَدَهَا هَذَا أَوْ حَبَلَهَا هَذَا إنْ كَانَ حَبَلًا لَمِنْ زِنًا مَا هُوَ مِنِّي ثُمَّ يَقُولُهَا فِي كُلِّ شَهَادَةٍ وَفِي قَوْلِهِ وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ حَتَّى تَدْخُلَ مَعَ حَلِفِهِ عَلَى صِدْقِهِ عَلَى الزِّنَا لِأَنَّهُ قَدْ رَمَاهَا بِشَيْئَيْنِ بِزِنًا وَحَمْلٍ أَوْ وَلَدٍ يَنْفِيه فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الشَّهَادَاتِ أَرْبَعًا ثُمَّ فَصَلَ بَيْنَهُنَّ بِاللَّعْنَةِ فِي الرَّجُلِ وَالْغَضَبِ فِي الْمَرْأَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَالِ افْتِرَاقِ الشَّهَادَاتِ فِي اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ وَاللَّعْنَةُ وَالْغَضَبُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ مُوجِبَتَانِ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَجَرِّئٌ عَلَى النَّفْيِ وَعَلَى الشَّهَادَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بَاطِلًا ثُمَّ يَزِيدُ فَيَجْتَرِئُ عَلَى أَنْ يَلْتَعِنَ وَعَلَى أَنْ يَدْعُوَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي لِلْوَالِي إذَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَهِلَا أَنْ يُفَقِّهَهُمَا نَظَرًا لَهُمَا اسْتِدْلَالًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ فِي الْخَامِسَةِ وَقَالَ إنَّهَا مُوجِبَةٌ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنْ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ يَا عَاصِمُ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْته عَنْهَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ وَاَللَّهُ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك فَاذْهَبْ فَائِت بِهَا فَقَالَ سَهْلٌ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَمِعْت إبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّث عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ «جَاءَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَيُقْتَلُ بِهِ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَعَابَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسَائِلَ فَلَقِيَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ مَا صَنَعْت؟ قَالَ صَنَعَتْ أَنَّك لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَابَ الْمَسَائِلَ فَقَالَ عُوَيْمِرٌ وَاَللَّهُ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِمَا فَدَعَاهُمَا فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ لَئِنْ انْطَلَقْت بِهَا لَقَدْ كَذَبْت عَلَيْهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَصَارَتْ سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ثُمَّ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْصَرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهُ إلَّا كَاذِبًا» قَالَ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَحَرَةُ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْوَزَغَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنْ جَاءَتْ بِهِ أَشْقَرَ سَبْطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُدَيْعِجَ فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ» فَجَاءَتْ بِهِ أُدَيْعِجَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى فِرَاقِهَا

قَالَ فِي الْحَدِيثِ فَفَارَقَهَا وَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِرَاقِهَا فَمَضَتْ سُنَّةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُنْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا كَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَعَيْنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا» فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ.
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَأْنِهِ مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِ الْمُتَلَاعِنِينَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَضَى فِيك وَفِي امْرَأَتِك» فَتَلَاعَنَا وَأَنَا شَاهِدٌ ثُمَّ فَارَقَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِيهِمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ فَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَهُ فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إلَى أُمِّهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ فَكَانَتْ سُنَّةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ كَأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ يَقُولُهُ مَرَّةً ابْنُ شِهَابٍ وَلَا يَذْكُرُ سَهْلًا وَيَقُولُهُ أُخْرَى وَيَذْكُرُ سَهْلًا وَوَافَقَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ إبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ فِيمَا زَادَ فِي آخَرِ الْحَدِيثِ عَلَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَقَدْ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يُتْقِنْهُ إتْقَانَ هَؤُلَاءِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَاَللَّهِ مَا لِي عَهْدٌ بِأَهْلِي مُنْذُ عِفَارِ النَّخْلِ وَعِفَارُهَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُؤَبَّرُ تُعَفَّرُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَا تُسْقَى إلَّا بَعْدَ الْإِبَارِ قَالَ فَوَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا قَالَ وَكَانَ زَوْجُهَا مُصْفَرًّا حَمْشَ السَّاقَيْنِ سَبْطَ الشَّعْرِ وَاَلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ خَدْلًا إلَى السَّوَادِ جَعْدًا قَطِطًا مُسْتَهًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ بَيِّنْ ثُمَّ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ يُشْبِهُ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ» أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتهَا؟ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ قَدْ أَعْلَنَتْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ أَنَّهُ سَمِعَ الْمَقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ قَالَ الْمَقْبُرِيُّ وَحَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجِبْ اللَّهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ» وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي قَالَ لَا مَالَ لَك إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْت كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَك مِنْهَا أَوْ مِنْهُ» (أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ " سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ قَالَ هَكَذَا بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى فَقَرَنَهُمَا الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا يَعْنِي الْمُسَبِّحَةَ قَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» . (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَفِي حُكْمِ اللِّعَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَائِلُ وَاضِحَةٌ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْتَدِبُوا بِمَعْرِفَتِهِ ثُمَّ يَتَحَرَّوْا أَحْكَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِهِ عَلَى أَمْثَالِهِ فَهُوَ دُونَ الْفَرْضِ وَتَنْتَفِي عَنْهُمْ الشُّبَهُ الَّتِي عَارَضَ بِهَا مَنْ جَهِلَ لِسَانَ الْعَرَبِ وَبَعْضَ السُّنَنِ وَغَبِيَ عَنْ مَوْضِعِ الْحُجَّةِ مِنْهَا «أَنَّ عُوَيْمِرًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسَائِلَ» . وَذَلِكَ أَنَّ عُوَيْمِرًا لَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَانَتْ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَعْنَاهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101] إلَى قَوْلِهِ ﴿بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: 102] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : كَانَتْ الْمَسَائِلُ فِيهَا فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ إذَا كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ بِمَكْرُوهٍ لِمَا ذَكَرْت مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ فِيمَا فِي مَعْنَاهُ وَفِي مَعْنَاهُ كَرَاهِيَةُ لَكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ فَإِنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرُمَ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ يَنْسَخَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةً لِسُنَّةٍ.
وَفِيهِ دَلَائِلُ عَلَى أَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَامٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِمَا وَصَفْت وَغَيْرَهُ مِنْ افْتِرَاضِ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَتَهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَمَا جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَدْ وَصَفْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَرَدَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَكَانَتْ حُكْمًا وَقَفَ عَنْ جَوَابِهَا حَتَّى أَتَاهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُكْمُ فِيهَا «فَقَالَ لِعُوَيْمِرٍ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك» فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَنَفَاهُ عَنْ الْأَبِ وَقَالَ لَهُ «لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» وَلَمْ يَرْدُدْ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ فَكَانَتْ هَذِهِ أَحْكَامًا وَجَبَتْ بِاللِّعَانِ لَيْسَتْ بِاللِّعَانِ بِعَيْنِهِ فَالْقَوْلُ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنِّي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى دِينَهُ وَعَقْلَهُ وَعِلْمَهُ يَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا وَلَا غَيْرِهَا إلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: فَأَمْرُ اللَّهِ إيَّاهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَحْيٌ يُنْزِلُهُ فَيُتْلَى عَلَى النَّاسِ وَالثَّانِي رِسَالَةٌ تَأْتِيه عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ افْعَلْ كَذَا فَيَفْعَلَهُ وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَنْ يَقُولَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] فَيَذْهَبَ إلَى أَنَّ الْكِتَابَ هُوَ مَا يُتْلَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحِكْمَةَ هِيَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ عَنْ اللَّهِ مِمَّا بَيَّنَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34] وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي الزَّانِي بِامْرَأَةِ الرَّجُلِ الَّذِي صَالَحَهُ عَلَى الْغَنَمِ وَالْخَادِمِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ أَمَا إنَّ الْغَنَمَ وَالْخَادِمَ رَدَّ عَلَيْك وَإِنَّ امْرَأَتَهُ تُرْجَمُ إذَا اعْتَرَفَتْ» وَجَلَدَ ابْنَ الرَّجُلِ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ إذَا انْتَظَرَ الْوَحْيَ فِي قَضِيَّةٍ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهَا انْتَظَرَهُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ وَإِذَا كَانَتْ قَضِيَّةٌ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَمَا أُنْزِلَ فِي حَدِّ الزَّانِي وَقَضَاهَا عَلَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ

عَلَيْهِ جُمْلَةً فِي تَبْيِينٍ عَنْ اللَّهِ يَمْضِي مَعْنَى مَا أَرَادَ بِمَعْرِفَةِ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ وَالرِّسَالَةِ إلَيْهِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا سُنَّتُهُ لِمَا يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا تُبَيِّنُ مِمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُبِينِ عَنْ مَعْنَى مَا أَرَادَ اللَّهُ بِحَمْلِهِ خَاصًّا وَعَامًّا، وَالْآخَرُ مَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَإِلْهَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلُ أَنْ يَقُولَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يُحْكَى عَنْ إبْرَاهِيمَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ لِقَوْلِ ابْنِ إبْرَاهِيمَ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] وَمَعْرِفَتُهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ أَمْرٌ أُمِرَ بِهِ وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60] إلَى قَوْلِهِ ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ (وَقَالَ غَيْرُهُمْ) سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْيٌ وَبَيَانٌ عَنْ وَحْيٍ وَأَمْرٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِمَا أَلْهَمَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ وَخَصَّهُ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ وَفَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِهِ (قَالَ) : وَلَيْسَ تَعْدُو السُّنَنُ كُلُّهَا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي وَصَفْت بِاخْتِلَافِ مَنْ حَكَيْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَيَّهَا كَانَ فَقَدْ أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعَ رَسُولِهِ فِيهِ، وَفِي انْتِظَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَحْيَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ حَتَّى جَاءَهُ فَلَاعَنَ ثُمَّ سَنَّ الْفُرْقَةَ وَسَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ وَلَمْ يَرُدَّ الصَّدَاقُ عَلَى الزَّوْجِ وَقَدْ طَلَبَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ سُنَّتَهُ لَا تَعْدُو وَاحِدًا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا تُبَيِّنُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ إمَّا بِرِسَالَةٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ إلْهَامٍ لَهُ وَإِمَّا بِأَمْرٍ جَعَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لِمَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ مِنْ دِينِهِ وَبَيَانُ الْأُمُورِ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا يُقِيمَ حَدًّا بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُشْبِهُ الِاعْتِرَافَ مِنْ الْمُقَامِ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ بَيِّنَةً وَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى أَحَدٍ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَذِبِهِ وَلَا يُعْطِي أَحَدًا بِدَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِهِ حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ مِنْ الظَّاهِرِ فِي الْعَامِّ لَا مِنْ الْخَاصِّ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي أَحْكَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْوُلَاةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ دَلَالَةً وَلَا يَقْضِيَ إلَّا بِظَاهِرٍ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى هَذَا؟ قُلْنَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ» فَحَكَمَ عَلَى الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ حُكْمًا وَاحِدًا أَنْ أَخْرَجَهُمَا مِنْ الْحَدِّ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَدْعَج فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ» فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ» فَأَخْبَرَ أَنْ صَدَقَ الزَّوْجُ عَلَى الْمُلْتَعِنَةِ بِدَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ بِصِفَتَيْنِ فَجَاءَتْ دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِهِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْ عَلَيْهَا الدَّلَالَةَ وَأَنْفُذ عَلَيْهَا ظَاهِرَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ادِّرَاء الْحَدِّ وَإِعْطَائِهَا الصَّدَاقَ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ» وَفِي مِثْلِ مَعْنَى هَذَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَلَى مَا يَعْلَمَانِ، وَمِنْ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: 1] إلَى قَوْلِهِ ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ فَحَقَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِمَاءَهُمْ بِمَا أَظْهَرُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى الْمُنَاكَحَةِ وَالْمُوَارَثَةِ وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِدِينِهِمْ بِالسَّرَائِرِ فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ فِي النَّارِ فَقَالَ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145] وَهَذَا يُوجِبُ عَلَى الْحُكَّامِ مَا وَصَفْت مِنْ تَرْكِ الدَّلَالَةِ الْبَاطِنَةِ وَالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ

مِنْ الْقَوْلِ أَوْ الْبَيِّنَةِ أَوْ الِاعْتِرَافِ أَوْ الْحُجَّةِ وَدَلَّ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى مَا انْتَهَى بِهِمْ إلَيْهِ كَمَا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إلَى مَا انْتَهَى بِهِ إلَيْهِ وَلَمْ يُحْدِثْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُكْمِ اللَّهِ وَأَمْضَاهُ عَلَى الْمُلَاعَنَةِ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِدْقِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْوَلَدِ أَنْ يَحُدَّهَا حَدَّ الزَّانِيَةِ فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْحُكَّامِ أَوْلَى أَنْ لَا يُحْدِثَ فِي شَيْءٍ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ وَلَا لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ مَا حَكَمَا بِهِ بِعَيْنِهِ أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَوَاجِبٌ عَلَى الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ أَنْ لَا يَقُولُوا إلَّا مِنْ وَجْهٍ لَزِمَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ اجْتَهَدُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولُوا مِثْلَ مَعْنَاهُ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُحْدِثُوا حُكْمًا لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَا وَلَا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَلَمَّا حَكَمَ اللَّهُ عَلَى الزَّوْجِ يَرْمِي الْمَرْأَةَ بِاللِّعَانِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ إنْ سَمَّى مَنْ يَرْمِيهَا بِهِ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ وَرَمَى الْعَجْلَانِيِّ امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَالْتَعَنَ وَلَمْ يُحْضِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْمِيَّ بِالْمَرْأَةِ وَالْتَعَنَ الْعَجْلَانِيِّ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا الْتَعَنَ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَمَاهُ بِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ حَدٌّ وَلَوْ كَانَ أَخَذَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعَثَ إلَى الْمَرْمِيِّ فَسَأَلَهُ فَإِنْ أَقَرَّ حُدَّ وَإِنْ أَنْكَرَ حُدَّ لَهُ الزَّوْجُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا لِلْإِمَامِ إذَا رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِزِنًا أَوْ حَدًّا أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ وَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] (قَالَ) : وَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أُنَيْسًا إلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَقَالَ إنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَتِلْكَ امْرَأَةٌ ذَكَرَ أَبُو الزَّانِي بِهَا أَنَّهَا زَنَتْ فَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ فَإِنْ أَقَرَّتْ حَدَثَ وَسَقَطَ الْحَدُّ عَمَّنْ قَذَفَهَا وَإِنْ أَنْكَرَتْ حُدَّ قَاذِفِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَاذِفُهَا زَوْجَهَا لَزِمَهُ الْحَدُّ إنْ لَمْ تُقِرَّ وَسَقَطَ عَنْهُ إنْ أَقَرَّتْ وَلَزِمَهَا فَلَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُحَدَّ رَجُلٌ لِامْرَأَةِ وَلَعَلَّهَا تُقِرُّ بِمَا قَالَ وَلَا يَتْرُكُ الْإِمَامُ الْحَدَّ لَهَا وَقَدْ سَمِعَ قَذْفَهَا حَتَّى تَكُونَ تَتْرُكُهُ فَلَمَّا كَانَ الْقَاذِفُ لِامْرَأَتِهِ إذَا الْتَعَنَ لَوْ جَاءَ الْمَقْذُوفُ بِعَيْنِهِ يَطْلُبُ حَدَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ لَهُ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْمَقْذُوفُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَةِ الْمَقْذُوفِ مَعْنًى إلَّا أَنْ يَسْأَلَ لِيَحُدَّ وَلَمْ يَسْأَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمَقْذُوفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلْحَدِّ الَّذِي يَقَعُ لَهَا إنْ لَمْ تُقِرَّ بِالزِّنَا، وَلَمْ يَلْتَعِنْ الزَّوْجُ.
وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ تُحَدَّ زَوْجُهَا وَلَمْ يَلْتَعِنْ وَجُلِدَتْ أَوْ رُجِمَتْ وَإِنْ رَجَعَتْ لَمْ تُحَدَّ لِأَنَّ لَهَا فِيمَا أَقَرَّتْ بِهِ مِنْ حَدِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الرُّجُوعَ وَلَمْ يُحَدَّ زَوْجُهَا لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ بِالزِّنَا وَلَمَّا حَكَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ شُهُودَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَعَ حَدَاثَتِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ عُمَرَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَحْضَرِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُ أَمْرًا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَتْرَهُ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَهُ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ حُدُودِ الزِّنَا يَشْهَدُهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا أَقَلُّ مِنْهُمْ وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الزَّانِيَيْنِ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فِي حَدِيثِهِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ وَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَاحْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ فَكَانَ ذَلِكَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ اللِّعَانُ فُرْقَةً حَتَّى يُجَدِّدَهَا الزَّوْجُ وَلَمْ يُجْبَرْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَوْ كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعِيبُ عَلَى الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا أَنْ يُطَلِّقَهَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَّا وَاحِدَةً قَالَ لَا تَفْعَلْ مِثْلَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَسَأَلَ وَإِذْ لَمْ يَنْهَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَوْ كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا كَصَمْتِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ اللِّعَانُ فُرْقَةً فَجَهِلَهُ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا أَشْبَهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ ثَلَاثًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَيَحْتَمِلُ طَلَاقُهُ ثَلَاثًا أَنْ يَكُونَ بِمَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ بِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ وَكَذِبِهَا وَجَرَاءَتِهَا عَلَى الْيَمِينِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا جَاهِلًا بِأَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَة فَكَانَ

كَمَنْ طَلَّقَ مَنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ طَلَاقِهِ وَكَمَنْ شَرَطَ الْعُهْدَةَ فِي الْبَيْعِ وَالضَّمَانِ وَالسَّلَفِ وَهُوَ يَلْزَمُهُ شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى الْمَعَانِي بِهِ؟ قِيلَ قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ شِهَابٍ فَفَارَقَهَا حَامِلًا فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَمَعْنَى قَوْلِهِمَا الْفُرْقَةُ لَا أَنَّ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ لَا تَقَعُ فُرْقَةٌ إلَّا بِطَلَاقِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ» وَتَفْرِيقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ فُرْقَةِ الزَّوْجِ إنَّمَا هُوَ تَفْرِيقُ حُكْمٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَانِ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَيْسَا عِنْدِي مُخْتَلِفَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ شَهِدَ مُتَلَاعِنَيْنِ غَيْرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَهُمَا سَهْلٌ وَأَخْبَرَ عَمَّا شَهِدَ وَأَخْبَرَ سَهْلٌ عَمَّا شَهِدَ فَيَكُونُ اللِّعَانُ إذَا كَانَ فُرْقَةً بِطَلَاقِ الزَّوْجِ وَسُكُوتِهِ سَوَاءٌ أَوْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ شَهِدَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَ سَهْلٌ فَسَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ أَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ فَحَكَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ سَمِعَ الزَّوْجَ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَذَهَبَ عَلَى سَهْلٍ حِفْظُهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَدِيثِهِ وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا هَذَا حِكَايَةٌ لِمَعْنًى بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفِينَ أَوْ مُجْتَمِعَيْ الْمَعْنَى مُخْتَلِفَيْ اللَّفْظِ أَوْ حَفِظَ بَعْضَ مَا لَمْ يَحْفَظْ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ وَلَمَّا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ» دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْتُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ وَاَللَّهُ وَلِيُّ مَا غَابَ عَنْهُ وَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا إذْ لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَك أَوْ تَفْعَلَ كَذَا أَوْ يَكُونَ كَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمُطَلِّقِ الثَّالِثَةَ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230] وَاسْتَدْلَلْنَا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَى الْوَلَدَ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِيَ الْوَلَدَ وَالْفِرَاشُ ثَابِتٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَيَزُولُ الْفِرَاشُ عِنْدَ النَّفْيِ وَيَرْجِعُ إذَا أَقَرَّ بِهِ قِيلَ لَهُ لَمَّا «سَأَلَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الصَّدَاقَ الَّذِي أَعْطَاهَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَك مِنْهَا أَوْ مِنْهُ» دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي قَدْ لَزِمَهُ بِالْعَقْدِ وَالْمَسِيسِ مَعَ الْعَقْدِ وَكَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهِ جَاءَتْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهِ وَقَدْ رَمَاهَا بِالزِّنَا قِيلَ لَهُ قَدْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَإِنْ زَنَتْ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ عَلَيْهَا فَالْفُرْقَةُ بِهِ كَانَتْ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِهَا إلَّا بِقَذْفِهِ وَالْتِعَانِهِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ لَهَا سَبَبًا كَمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْخُلْعِ فَيَكُونُ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ الْخُلَعَ وَالْمُلَاعَنُ لَيْسَ بِمَغْرُورٍ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَلَا بِحَرَامٍ وَمَا أَشْبَهَهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَلَمَّا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ الَّذِي حَكَى فِيهِ حُكْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا فَكَانَ وَلَدُهَا يُنْسَبُ إلَى أُمِّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا قَدْ شُبِّهَ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فِيهَا أَنَّهُ رَمَاهَا بِالزِّنَا وَرَمْيُهُ إيَّاهَا بِالزِّنَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ اللِّعَانُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَنْكَرَ حَمْلَهَا فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بِالرَّمْيِ بِالزِّنَا وَجَعَلَ الْحَمْلَ إنْ كَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ إذْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ الزِّنَا وَقَالَ إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ النَّعْتِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ تَرَى أَنَّهَا حُبْلَى مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي قِيلَ لَهُ أَرَدْت أَنَّهَا زَنَتْ؟ فَإِنْ قَالَ لَا وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ وَلَكِنِّي لَمْ أُصِبْهَا قِيلَ لَهُ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُخْطِئَ هَذَا الْحَبَلُ فَتَكُونَ صَادِقًا وَتَكُونَ غَيْرَ زَانِيَةٍ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ حَتَّى تَضَعَ فَإِذَا اسْتَيْقَنَا أَنَّهُ حَبَلٌ قُلْنَا مَا أَرَدْت؟ فَإِنْ قَالَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قُلْنَا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَأْخُذَ نُطْفَتَك فَتُدْخِلَهَا فَتَحْبَلَ مِنْك فَتَكُونَ أَنْتَ صَادِقًا فِي الظَّاهِرِ بِأَنَّك لَمْ تُصِبْهَا وَهِيَ

صَادِقَةٌ بِأَنَّهُ وَلَدُك فَإِنْ قَذَفْتَ لَاعَنْتَ وَنَفَيْت الْوَلَدَ أَوْ حُدِدْت وَلَا يُلَاعَن بِحَمْلٍ لَا قَذْفَ مَعَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَمْلًا وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُلَاعِنْ بِالْحَمْلِ وَإِنَّمَا لَاعَنَ بِالْقَذْفِ وَنَفَى الْوَلَدَ إذَا كَانَ مِنْ الْحَمْلِ الَّذِي بِهِ الْقَذْفُ وَلَمَّا نَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَلَدَ عَنْ الْعَجْلَانِيِّ بَعْدَمَا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ وَبَعْدَ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اسْتَدْلَلْنَا هَذَا الْحُكْمَ وَحُكْمُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُنْفَى إلَّا بِلِعَانٍ وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلزَّوْجِ نَفْيُهُ وَامْرَأَتُهُ عِنْدَهُ وَإِذَا لَاعَنَهَا كَانَ لَهُ نَفْيُ وَلَدِهَا إنْ جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ مَا يُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا لِأَنَّهُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَاهُ يَوْمَ نَفَاهُ وَلَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ وَلَكِنَّهُ مِنْ زَوْجَةٍ كَانَتْ وَبِإِنْكَارٍ مُتَقَدِّمٍ لَهُ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ قَالَ رَأَيْت فُلَانًا يَزْنِي بِهَا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ فَإِذَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَادَّعَى الرُّؤْيَةَ لِلزِّنَا أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا أَوْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي أَوْ لَمْ يَقُلْهُ يُلَاعِنُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ كُلِّهَا وَيَنْفِي عَنْهُ الْوَلَدَ إذَا أَنْكَرَهُ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ فِي أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا زَنَتْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَرَهَا تَزْنِي قَبْلَهُ بِبَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ ابْنُهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ زِنًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَبَلُ مِنْهُ إنَّمَا يُنْفَى عَنْهُ إذَا ادَّعَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: الرَّجُلُ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ وَهُوَ يُقِرُّ بِأَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي رَأَى عَلَيْهَا فِيهِ مَا رَأَى أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرَى عَلَيْهَا مَا رَأَى أَيْ قَالَ يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا.
(قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) قُلْت لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت إنْ نَفَاهُ بَعْدَ أَنْ تَضَعَهُ؟ قَالَ يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ وَهُوَ مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِحَمْلِهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ الرَّجُلُ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ تُهْدَى إلَيْهِ قَالَ يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا (قَالَ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا إذَا قَذَفَهَا قَبْلَ أَنْ تُهْدَى إلَيْهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ أَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا قَالَ يُلَاعِنُهَا وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ يَنْفِي الْوَلَدَ إذَا قَالَ قَدْ اسْتَبْرَأْتهَا فَكَأَنَّهُ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْ الْعَجْلَانِيِّ إذْ قَالَ لَمْ أَقْرَبْهَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا نَحْنُ نَنْفِي الْوَلَدَ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا أَنْكَرَهُ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ آخُذُ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَا جَاءَ قِيلَ لَهُ فَالْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَجْلَانِيَّ سَمَّى الَّذِي رَأَى بِعَيْنِهِ يَزْنِي بِهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْ هُوَ امْرَأَتَهُ مُنْذُ أَشْهُرٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَلَامَةَ الَّتِي تُثْبِتُ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي الْوَلَدِ أَفَرَأَيْت إنْ قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ أَصَابَهَا وَلَمْ يَدَّعِ رُؤْيَتَهُ؟ فَإِنْ قَالَ يُلَاعِنُهَا قِيلَ لَهُ أَفَرَأَيْت إنْ أَنْكَرَ الْحَمْلَ وَلَمْ يَرَ الْحَاكِمُ فِيهِ عَلَامَةً بِصِدْقِ الزَّوْجِ أَيَنْفِيهِ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَقَدْ لَاعَنَتْ قَبْلَ ادِّعَاءِ رُؤْيَتِهِ وَإِنَّمَا لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِادِّعَاءِ رُؤْيَةِ الزَّوْجِ وَنَفَيْت بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجِ وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِدْقَ الزَّوْجِ فِي شَبَهِ الْوَلَدِ.
فَإِنْ قَالَ: فَمَا حُجَّتُنَا وَحُجَّتُك فِي هَذَا؟ قُلْت مِثْلُ حُجَّتِنَا إذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قُلْنَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ سُنَّةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْفُرْقَةَ وَلَمْ يَقُلْ حِينَ فَرَّقَ إنَّهَا ثَلَاثٌ.
فَإِنْ قَالَ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنْ يُنْفَى الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ الِاسْتِبْرَاءَ، وَيُلَاعَن وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ الرُّؤْيَةَ؟ قِيلَ مِثْلُ الدَّلِيلِ عَلَى كَيْفَ لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَحْكِ عَنْهُ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَوْجَدْنَا مَا وَصَفْت قُلْت قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]

فَكَانَتْ الْآيَةُ عَامَّةً عَلَى رَامِي الْمُحْصَنَةِ فَكَانَ سَوَاءٌ قَالَ الرَّامِي لَهَا رَأَيْتهَا تَزْنِي أَوْ رَمَاهَا وَلَمْ يَقُلْ رَأَيْتهَا تَزْنِي فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ الرَّامِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] إِلَى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] الْآيَةُ فَكَانَ الزَّوْجُ رَامِيًا قَالَ رَأَيْت أَوْ عَلِمْتُ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ فَلِمَا قُبِلَ مِنْهُ مَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ مِمَّنْ الْقَذْفُ رَأَيْت يُلَاعِنُ بِهِ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْقَذَفَةِ غَيْرُ خَارِجٍ مِنْهُمْ إذَا كَانَ إنَّمَا قُبِلَ فِي هَذَا قَوْلُهُ وَهُوَ غَيْرُ شَاهِدٍ لِنَفْسِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ إنَّ هَذَا الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِبْرَاءً قَبْلَ الْقَذْفِ لِاخْتِلَافٍ بَيْنَ ذَلِكَ.
(قَالَ) : وَقَدْ يَكُونُ اسْتَبْرَأَهَا وَقَدْ عَلِقَتْ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَقَالَتْ قَدْ اسْتَبْرَأَنِي تِسْعَةَ أَشْهُرٍ حِضْت فِيهَا تِسْعَ حِيَضٍ ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدُ بِوَلَدٍ لَزِمَهُ وَإِنَّ الْوَلَدَ يَلْزَمُهُ بِالْفِرَاشِ وَأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا مَعْنَى لَهُ مَا كَانَ الْفِرَاشُ قَائِمًا فَلَمَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ قَدْ كَانَ وَحَمْلٌ قَدْ تَقَدَّمَهُ فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا وَالْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي جَمِيعِ دَعْوَاهُ لِلزِّنَا وَنَفْيِ الْوَلَدِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ وَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ الْوَلَدَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إنَّمَا هُوَ بِقَوْلِهِ وَلَمَّا كُنَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَدْنَاهُ وَأَلْحَقْنَا بِهِ الْوَلَدَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنْ نَفْيَ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ نَفْيُ الْوَلَدِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاسْتِبْرَاءِ فَمَضَى الْحُكْمُ بِنَفْيِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلْحِقَهُ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِقَوْلِهِ فَقَطْ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالِاسْتِبْرَاءُ غَيْرُ قَوْلِهِ فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بَعْدَ مَا وَصَفَ مِنْ لِعَانِ الزَّوْجِ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 8] الْآيَةُ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْعَذَابَ وَالْعَذَابُ الْحَدُّ لَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ مَعْنًى غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقُلْنَا لَهُ حَالُهُ قَبْلَ الْتِعَانِهِ مِثْلُ حَالِهِ بَعْدَ الْتِعَانِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْدُودًا بِقَذْفِهِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِاللِّعَانِ فَكَذَلِكَ أَنْتِ مَحْدُودَةٌ بِقَذْفِهِ وَالْتِعَانِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ أَنَّك تَدْرَئِينَ الْحَدَّ بِهِ فَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنِي حُدِدْتِ حَدَّكِ كَانَ حَدُّكِ رَجْمًا أَوْ جَلْدًا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَكِ وَبَيْنَهُ.

(قَالَ) : وَلَا يُلَاعَن وَلَا يُحَدُّ إلَّا بِقَذْفٍ مُصَرَّحٍ وَلَوْ قَالَ لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ مِنْ جِمَاعٍ وَكَانَتْ الْعُذْرَةُ تَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَمِنْ جِمَاعٍ فَإِذَا قَالَ هَذَا وُقِفَ فَإِنْ أَرَادَ الزِّنَا حُدَّ أَوْ لَاعَنَ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ حَلَفَ وَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ (أَخْبَرَنَا) سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ لَمْ أَجِدْك عَذْرَاءَ وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ مِنْ زِنًا فَلَا يُحَدُّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِنْ قَذَفَهَا وَلَمْ يُكْمِلْ اللِّعَانَ حَتَّى رَجَعَ حُدَّ وَهِيَ امْرَأَتُهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت الَّذِي يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَنْزِعُ عَنْ الَّذِي قَالَ قَبْلَ أَنْ يُلَاعِنَهَا؟ قَالَ هِيَ امْرَأَتُهُ وَيُحَدُّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ خَالَعَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِغَيْرِ وَلَدٍ حُدَّ وَلَا لِعَانَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ يَنْفِيه عَنْهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا خَالَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ قَذَفَهَا حُدَّ وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيه لَاعَنَهَا بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَى الْوَلَدَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَهَا.

فَإِنْ قَذَفَهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُلَاعِنَهَا وَرِثَتْهُ لِأَنَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ حَتَّى يَلْتَعِنَ هُوَ وَإِنْ قَذَفَهَا بَعْدَ طَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَهَا وَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَهِيَ مِثْلُ الْمَبْتُوتَةِ الَّتِي لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَمَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ امْرَأَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ وَإِنْ قَذَفَهَا بَعْدَ مَا يُقِرّ أَنَّهُ مِنْهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَهُوَ وَلَدُهُ وَإِنْ قَالَ هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَقَدْ زَنَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ مِنْهُ وَيُلَاعِنُهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَزْنِي قَبْلَ الْحَمْلِ مِنْهُ وَبَعْدَهُ وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُ وَلَدِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهِ مَرَّةً فَأَكْثَرَ بِأَنْ لَا يَرَاهُ يُشْبِهُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَالَاتِ إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَلَيْسَ لَهُ إنْكَارُهُ بِحَالٍ أَبَدًا إلَّا أَنْ يُنْكِرَهُ قَبْلَ إقْرَارِهِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ نَعَمْ: قَالَ: وَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ حُمْرٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ نَعَمْ: قَالَ أَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ عِرْقًا نَزَعَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ نَعَمْ: قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ حُمْرٌ: قَالَ هَلْ فِيهَا أَوْرَقَ؟ قَالَ إنْ فِيهَا لَوُرْقًا قَالَ فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ قَالَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ إلَّا مُنْكِرًا لَهُ وَجَوَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَضَرْبُهُ لَهُ الْمَثْلَ بِالْإِبِلِ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ إنْكَارِهِ وَتُهْمَتِهِ الْمَرْأَةَ فَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْفَزَارِيّ تُهْمَةَ الْأَغْلَبِ مِنْهَا عِنْدَ مَنْ سَمِعَهَا أَنَّهُ أَرَادَ قَذْفَهَا أَنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرَهُ قَذْفًا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ بِاللِّعَانِ أَوْ الْحَدِّ إذَا كَانَ لِقَوْلِهِ وَجْهٌ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ مِنْ التَّعَجُّبِ وَالْمَسْأَلَةِ عَنْ ذَلِكَ لَا قَذْفَ امْرَأَتِهِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى السَّامِعِ أَنَّ الْمُعْرِضَ أَرَادَ الْقَذْفَ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ يَحْتَمِلُهُ وَلَا حَدَّ إلَّا فِي الْقَذْفِ الصَّرِيحِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمُعْتَدَّةِ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] إِلَى ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] فَأَحَلَّ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ وَفِي إحْلَالِهِ إيَّاهَا تَحْرِيمٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْآيَةِ ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] وَالسِّرُّ الْجِمَاعُ وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَى الْعِدَّةِ بِتَصْرِيحِ الْعُقْدَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَهُوَ تَصْرِيحُ بِاسْمٍ نَهَى عَنْهُ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ فِي التَّعْرِيضِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَزَارِيّ مَوْضُوعَةٌ بِالْآثَارِ فِيهَا وَالْحُجَجُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَهُوَ أَمْلَكُ بِهَا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنْ كَانَ الْفَزَارِيّ أَقَرَّ بِحَمْلِ امْرَأَتِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ (وَقَالَ) السِّرُّ الْجِمَاعُ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي ... كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي كَذَبَتْ لَقَدْ أَصْبَى عَلَى الْمَرْءِ عُرْسُهُ ... وَأَمْنَع عُرْسِي أَنْ يَزْنِ بِهَا الْخَالِي وَقَالَ جَرِيرٌ يَرْثِي امْرَأَتَهُ: كَانَتْ إذَا هَجَرَ الْخَلِيلُ فِرَاشَهَا ... خَزْنَ الْحَدِيثِ وَعَفَّتْ الْأَسْرَارَ

[الْخِلَافُ فِي اللِّعَانِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: خَالَفَنَا بَعْضَ النَّاسِ فِي جُمْلَةِ اللِّعَانِ وَفِي بَعْضِ فُرُوعِهِ فَحَكَيْت مَا فِي جُمْلَتِهِ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَرَكْت مَا فِي فُرُوعِهِ لِأَنَّ فُرُوعَهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِيهِ وَإِنَّمَا كَتَبْنَا فِي كِتَابِنَا ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَنَا لَا يُلَاعَن بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَبَدًا حَتَّى يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ لَيْسَا بِمَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقُلْت لَهُ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اللِّعَانَ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ لَمْ يَخُصَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِ، وَمَا كَانَ عَامًّا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَلَا نَخْتَلِفُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]

فَزَعَمْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ أَنَّهَا عَلَى الْأَزْوَاجِ عَامَّةً كَانُوا مَمَالِيكَ أَوْ أَحْرَارًا عِنْدَهُمْ مَمْلُوكَةٌ أَوْ حُرَّةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ فَكَيْفَ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللِّعَانَ عَلَى بَعْضِ الْأَزْوَاجِ دُونَ بَعْضٍ؟ . قَالُوا رَوَيْنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فَاتَّبَعْنَاهُ، قُلْنَا: وَمَا الْحَدِيثُ؟ قَالُوا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَرْبَعٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةُ عِنْدَ الْحُرِّ وَالنَّصْرَانِيَّةُ عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ» قُلْنَا لَهُ رَوَيْتُمْ هَذَا عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ وَرَجُلٍ غَلِطَ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مُنْقَطِعٌ، وَاَللَّذَانِ رَوَيَاهُ يَقُولُ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآخَرُ يَقِفُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا مَجْهُولًا فَهُوَ لَا يَثْبُتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا رَجُلٌ غَلِطَ وَفِيهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ رَوَى لَنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْكَامًا تُوَافِقُ أَقَاوِيلَنَا وَتُخَالِفُ أَقَاوِيلَكُمْ يَرْوِيهَا عَنْهُ الثِّقَاتُ فَنُسْنِدُهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَدْتُمُوهَا عَلَيْنَا وَرَدَدْتُمْ رِوَايَتَهُ وَنَسَبْتُمُوهُ إلَى الْغَلَطِ فَأَنْتُمْ مَحْجُوجُونَ إنْ كَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ حَدِيثُهُ بِأَحَادِيثِهِ الَّتِي بِهَا وَافَقْنَاهَا وَخَالَفْتُمُوهَا فِي نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ حُكْمًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفْتُمْ أَكْثَرَهَا فَأَنْتُمْ غَيْرُ مُنْصِفِينَ إنْ احْتَجَجْتُمْ بِرِوَايَتِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا نُثْبِتُ رِوَايَتَهُ ثُمَّ احْتَجَجْتُمْ مِنْهَا بِمَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقُلْت لَهُمْ لَوْ كَانَ كَمَا أَرَدْتُمْ كُنْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِهِ قَالَ وَكَيْفَ؟ قُلْت أَلَيْسَ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْأَزْوَاجَ وَالزَّوْجَاتِ فِي اللِّعَانِ عَامًّا؟ . قَالَ بَلَى قُلْت ثُمَّ زَعَمْت أَنَّ حَدِيثًا جَاءَ أَخْرَجَ مِنْ الْجُمْلَةِ الْعَامَّةِ أَزْوَاجًا وَزَوْجَاتٍ مُسَمَّيْنَ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَوْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُخْرِجَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرْآنِ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً بِالْحَدِيثِ إلَّا مَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثُ خَاصَّةً كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْوُضُوءَ فَمَسَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُفَّيْنِ فَلَمْ يُخْرِجْ مِنْ الْوُضُوءِ إلَّا الْخُفَّيْنِ خَاصَّةً وَلَمْ يَجْعَلْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالْبُرْقُعِ وَالْعِمَامَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا؟ قَالَ هَكَذَا هُوَ قُلْت فَكَيْفَ قُلْت فِي حَدِيثِك أَلَيْسَ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيَّة عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ لَا يُلَاعِنُونَ؟ قَالَ هُوَ هَكَذَا قُلْت فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَا لَا لِعَانَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ زَوْجٍ سِوَاهُنَّ لَاعَنَ.

قَالَ وَمَا بَقِيَ بَعْدَهُنَّ؟ قُلْت الْحُرَّةُ تَحْتَ الْحُرِّ الْمَحْدُودَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الْقَذْفِ وَالْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْت أَنَّ هَذَيْنِ لَا يُلَاعِنَانِ؟ قَالَ فَإِنِّي قَدْ أَخَذْت طَرْحَ اللِّعَانِ عَمَّنْ طَرَحْته عَنْهُ مِنْ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْكِتَابُ وَالْآخَرُ السُّنَّةُ قُلْت أَوَعِنْدَك فِي السُّنَّةِ شَيْءٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْت وَذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْت عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؟ قَالَ لَا قُلْت: فَقَدْ طَرَحْت اللِّعَانَ عَمَّنْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِهِ وَحَدِيثُ عَمْرٍو إنْ كَانَ ثَابِتًا أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَا قُلْت فَفِي قَوْلِهِ «أَرْبَعٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُنَّ» مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ يُلَاعِنُ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَزْوَاجَ يُلَاعِنُونَ لَا يَخُصُّ زَوْجًا دُونَ زَوْجٍ قَالَ فَمَنْ أَخْرَجْتُ مِنْ الْأَزْوَاجِ مِنْ اللِّعَانِ بِغَيْرِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَإِنَّمَا أَخْرَجْته اسْتِدْلَالًا بِالْقُرْآنِ قُلْت وَأَيْنَ مَا اسْتَدْلَلْت بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ مَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ لِأَنَّ شَرْطَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الشُّهُودِ الْعُدُولُ وَكَذَلِكَ لَمْ يُجِزْ الْمُسْلِمُونَ فِي الشَّهَادَةِ إلَّا الْعُدُولَ فَقُلْت لَهُ قَوْلُك هَذَا خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَلَى لِسَانِك وَجَهْلٌ بِلِسَانِ الْعَرَبِ قَالَ فَمَا دَلَّ عَلَى مَا قُلْت؟ قُلْت الشَّهَادَةُ هَا هُنَا يَمِينٌ قَالَ وَمَا دَلَّك عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت أَرَأَيْت الْعَدْلَ أَيَشْهَدُ لِنَفْسِهِ؟ قَالَ لَا قُلْت وَلَوْ شَهِدَ أَلَيْسَ شَهَادَتُهُ مَرَّةً فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ كَشَهَادَتِهِ أَرْبَعًا؟ قَالَ بَلَى قُلْت وَلَوْ شَهِدَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَعِنَ؟ قَالَ بَلَى قُلْت وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ فِي اللِّعَانِ وَاللِّعَانُ شَهَادَةٌ حَتَّى تَكُونَ كُلُّ شَهَادَةٍ لَهُ تَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ أَلَمْ يَكْفِ الْأَرْبَعُ دُونَ الْخَامِسَةِ وَتُحَدُّ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ بَلَى قُلْت وَلَوْ كَانَ شَهَادَةً

أَيُجِيزُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْحُدُودِ شَهَادَةَ النِّسَاءِ؟ قَالَ لَا قُلْت وَلَوْ أَجَازُوا شَهَادَتَهُنَّ انْبَغَى أَنْ تَشْهَدَ الْمَرْأَةُ ثَمَانِ مَرَّاتٍ وَتَلْتَعِنَ مَرَّتَيْنِ؟ قَالَ بَلَى قُلْت أَفَتَرَاهَا فِي مَعَانِي الشَّهَادَاتِ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا سَمَّاهَا شَهَادَةً رَأَيْتهَا شَهَادَةً قُلْت هِيَ شَهَادَةُ يَمِينٍ يَدْفَعُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَجِبُ بِهَا أَحْكَامُ لَا فِي مَعَانِي الشَّهَادَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا الْعُدُولُ وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ مِنْهَا النِّسَاءُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْمَرْءُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ قَالَ مَا هِيَ مِنْ الشَّهَادَةِ الَّتِي يُؤْخَذُ بِهَا لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنْ تَمَسَّكْت بِأَنَّهَا اسْمُ شَهَادَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا الْعُدُولُ قَالَ قُلْت يَدْخُلُ عَلَيْك مَا وَصَفْت وَأَكْثَرُ مِنْهُ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْك تَنَاقُضُ قَوْلِك قَالَ: فَأَوْجِدْنِي تَنَاقُضَهُ قُلْت كُلُّهُ مُتَنَاقِضٌ قَالَ فَأَوْجِدْنِي قُلْتُ إنْ سَلَكْتَ بِمَنْ يُلَاعِنُ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ دُونَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَقَدْ لَاعَنْت بَيْنَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَأَبْطَلْت اللِّعَانَ بَيْنَ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت لَاعَنْت بَيْنَ الأعميين النخعين غَيْرِ الْعَدْلَيْنِ وَفِيهِمَا عِلَلٌ مَجْمُوعَةٌ مِنْهَا أَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ الزِّنَا فَإِنَّهُمَا غَيْرُ عَدْلَيْنِ وَلَوْ كَانَا عَدْلَيْنِ كَانَا مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عِنْدَك أَبَدًا وَبَيْنَ الْفُسَّاقِ وَالْمُجَّانِ وَالسُّرَّاقِ وَالْقَتَلَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَأَهْلِ الْمَعَاصِي مَا لَمْ يَكُونُوا مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ قَالَ إنَّمَا مَنَعْت الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ مِنْ اللِّعَانِ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَجُوزُ أَبَدًا قُلْت وَقَوْلُك لَا تَجُوزُ أَبَدًا خَطَأٌ وَلَوْ كَانَتْ كَمَا قُلْت وَكُنْت لَا تُلَاعِنُ بَيْنَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا لَكُنْت قَدْ تَرَكْت قَوْلَك لِأَنَّ الأعميين النخعين لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدَك أَبَدًا وَقَدْ لَاعَنْت بَيْنَهُمَا فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُ أَمَّا هَذَا فَيَلْزَمُهُ وَإِلَّا تَرَكَ أَصْلَ قَوْلِهِ فِيهَا وَغَيْرُهُ قَالَ أَمَّا الْفُسَّاقُ الَّذِينَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فَهُمْ إذَا تَابُوا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ قُلْت أَرَأَيْت الْحَالَ الَّذِي لَاعَنْت بَيْنَهُمْ فِيهَا أَهُمْ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّهُمَا إنْ تَابَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا قُلْت وَالْعَبْدُ إنْ عَتَقَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مِنْ يَوْمِهِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعَدْلِ وَالْفَاسِقُ لَا تُقْبَلُ إلَّا بَعْدَ الِاخْتِبَارِ فَكَيْفَ لَاعَنْت بَيْنَ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا انْتَقَلَتْ حَالُهُ وَامْتَنَعْت مِنْ أَنْ تُلَاعِنَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ إذَا انْتَقَلَتْ حَالُهُ؟ قَالَ فَإِنْ قُلْت إنَّ حَالَ الْعَبْدِ تَنْتَقِلُ بِغَيْرِهِ وَحَالَ الْفَاسِقِ تَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ؟ قُلْت لَهُ أَوَلَسْت تُسَوِّي بَيْنَهُمَا إذَا صَارَ إلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدْلِ؟ قَالَ بَلَى قُلْت فَكَيْفَ تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي أَمْرٍ تُسَاوِي بَيْنَهُمَا فِيهِ؟ وَقُلْت لَهُ وَيَدْخُلُ عَلَيْك مَا أَدْخَلْت عَلَى نَفْسِك فِي النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ لِأَنَّهُ تَنْتَقِلُ حَالُهُ بِنَقْلِ نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجِيزَ شَهَادَتَهُ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ قُبِلَتْ قَالَ مَا أَفْعَلُ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتِبُ عَبْدَهُ مَا يُؤَدِّي إنْ أَدَّى عَتَقَ أَفَرَأَيْت إنْ قُذِفَ قَبْلَ الْأَدَاءِ؟ قَالَ لَا يُلَاعِنُ قُلْت وَأَنْتَ لَوْ كُنْت إنَّمَا تُلَاعِنُ بَيْنَ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَاعَنْت بَيْنَ الذِّمِّيَّيْنِ لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدَك قَالَ وَإِنَّمَا تَرَكْت اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا لِلْحَدِيثِ قُلْت فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ ثَابِتًا أَمَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّك أَخْطَأْت إذَا قَبِلْت شَهَادَةَ النَّصَارَى إذْ قُلْت لَا يُلَاعِنُ إلَّا بَيْنَ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ فَأَنَا أُكَلِّمُك عَلَى مَعْنًى غَيْرِ هَذَا قُلْت فَقُلْ قَالَ فَإِنِّي إنَّمَا أُلَاعِنُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ الْمَقْذُوفَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ لَهَا حِينَ قَذْفِهَا مِنْ قِبَلِ أَنِّي وَجَدْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ فِي قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ بِالْحَدِّ وَدَرَأَ عَنْ الزَّوْجِ بِالْتِعَانِهِ فَإِذَا كَانَتْ الْمَقْذُوفَةُ مِمَّنْ لَا حَدَّ لَهَا الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَخَرَجَ مِنْ الْحَدِّ وَإِلَّا فَلَا قُلْت فَمَا تَقُولُ فِي عَبْدٍ تَحْتَهُ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ فَقَذَفَهَا؟ قَالَ يُحَدُّ قُلْت فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا فَقَذَفَهَا؟ قَالَ يُلَاعِنُ قُلْت لَهُ فَقَدْ تَرَكْت أَصْلَ قَوْلِك قَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ أَمَّا فِي هَذَا فَنَعَمْ وَلَكِنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ قُلْت فَلِمَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَقُولُ بِهِ قُلْت لِبَعْضِ مَنْ حَكَيْت قَوْلَهُ: لَا أَرَاك لَاعَنْت بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّك لَوْ لَاعَنْت عَلَى الْحُرِّيَّةِ لَاعَنْت بَيْنَ الذِّمِّيَّيْنِ وَلَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ لِأَنَّك لَوْ فَعَلْت لَاعَنْت

بَيْنَ الْمَحْدُودَيْنِ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَلَا أَرَاك لَاعَنْت بَيْنَهُمَا عَلَى الْعَدْلِ لِأَنَّك لَوْ لَاعَنْت بَيْنَهُمَا عَلَى الْعَدْلِ لَمْ تُلَاعِنْ بَيْنَ الْفَاسِقَيْنِ وَلَا أَرَاك لَاعَنْت بَيْنَهُمَا عَلَى مَا وَصَفَ صَاحِبُك مِنْ أَنَّ الْمَقْذُوفَةَ إذَا كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً فَعَلَى قَاذِفِهَا الْحَدُّ وَأَنْتَ لَا تُلَاعِنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْحُرِّ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَلَا زَوْجِهَا الْعَبْدِ وَمَا لَاعَنْت بَيْنَهُمَا بِعُمُومِ الْآيَةِ وَلَا بِالْحَدِيثِ مَعَ الْآيَةِ وَلَا مُنْفَرِدًا وَلَا قُلْت فِيهَا قَوْلًا مُسْتَقِيمًا عَلَى أَصْلِ مَا ادَّعَيْت ثَابِتًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ قَالَ فَلِمَ لَا تَأْخُذُ أَنْتَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؟ قُلْت لَهُ لَا نَعْرِفُهُ عَنْ عَمْرٍو إنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ رَجُلٌ لَا يَثْبُتُ حَدِيثُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَانَ مُنْقَطِعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ الْحَدِيثَ الْمُنْقَطِعَ عَمَّنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْ عَمْرٍو إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا وَقُلْنَا بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَعُمُومِهَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ زَوْجٍ فِيهَا وَلَا زَوْجَةٍ إذْ ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَامَّةً فَقَالَ لِي كَيْفَ؟ قُلْت إذَا الْتَعَنَ، الزَّوْجُ فَأَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَلْتَعِنَ حُدَّتْ حَدَّهَا رَجْمًا كَانَ أَوْ جَلْدًا فَقُلْت لَهُ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ فَاذْكُرْهُ، قُلْت قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مِنْ بَعْدِ ذِكْرِهِ الْتِعَانَ الزَّوْجِ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 8] الْآيَةَ، فَكَانَ بَيِّنًا غَيْرَ مُشْكِلٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا تَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهَا بِمَا لَزِمَهَا إنْ لَمْ تَلْتَعِنْ بِالِالْتِعَانِ قَالَ: فَهَلْ تُوَضِّحُ هَذَا بِغَيْرِهِ؟ قُلْت مَا فِيهِ إشْكَالٌ يَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَرَفَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يَبْتَغِيَ مَعَهُ غَيْرَهُ قَالَ: فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ مَعْنًى تُوَضِّحُهُ غَيْرَهُ فَقُلْهُ قُلْت أَرَأَيْت الزَّوْجَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ مَا عَلَيْهِ؟ قَالَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بِالِالْتِعَانِ قُلْت أَوَلَيْسَ قَدْ يَحْكُمُ فِي الْقَذَفَةِ بِالْحَدِّ إلَّا أَنْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ بَلَى قُلْت وَقَالَ فِي الزَّوْجِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] الْآيَةَ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَجِدُ فِي التَّنْزِيلِ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ؟ قَالَ أَمَّا نَصًّا فَلَا وَأَمَّا اسْتِدْلَالًا فَنَعَمْ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ غَيْرَ الزَّوْجِ يَخْرُجُ مِنْ الْحَدِّ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ ثُمَّ قَالَ فِي الزَّوْجِ يَشْهَدُ أَرْبَعًا اسْتِدْلَالًا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ لِيَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْحَدِّ فَإِذَا لَمْ يَشْهَدْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَعْنَى الْقَذَفَةِ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا شَهَادَتُهُ لِلْفُرْقَةِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ دُونَ الْحَدِّ فَإِذًا خَالَفَ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجِ فِي الْقَذْفِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ أُحِدَّ الزَّوْجَ فِي الْقَذْفِ لِأَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ مَا قُلْت وَلَا أَجِدُ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى حَدِّهِ.
قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا وَهُوَ يَحْتَمِلُ قُلْت: وَأَظْهَرُ مَعَانِيه أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاذِفِ غَيْرَهُ إذَا شَهِدَ وَقُلْت وَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاذِفِ غَيْرَهُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت وَتَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَةَ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا تُسْقِطُ الْحَدَّ لَا تَكُونُ إلَّا لِمَعْنَى أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْحَدِّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَحَلَفْته لِيَخْرُجَ عَنْ شَيْءٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْت أَفَتَجِدُ الشَّهَادَةَ لِلزَّوْجِ إذَا كَانَتْ أَخْرَجَتْهُ وَأَوْجَبَتْ عَلَى الْمَرْأَةِ اللِّعَانَ وَفِيهَا هَذِهِ الْعِلَلُ الَّتِي وَصَفْت؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ أَخْرَجَتْهَا مِنْ الْحَدِّ، قَالَ هِيَ تُخْرِجُهَا مِنْ الْحَدِّ، قُلْت وَلَا مَعْنَى لَهَا فِي الشَّهَادَةِ إلَّا الْخُرُوجَ مِنْ الْحَدِّ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَإِذَا كَانَتْ تُخْرِجُهَا مِنْ الْحَدِّ كَيْفَ لَمْ تَكُنْ مَحْدُودَةً إنْ لَمْ تَشْهَدْ فَتَخْرُجُ بِالشَّهَادَةِ مِنْهُ كَمَا قُلْت فِي الزَّوْجِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ حُدَّ وَكَيْفَ اخْتَلَفَ حَالَاهُمَا عِنْدَك فِيهَا فَقُلْت فِي الزَّوْجِ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ مَحْدُودٌ إنْ لَمْ يَشْهَدْ وَفِي الْمَرْأَةِ لَيْسَتْ بِمَحْدُودَةٍ وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُ فِي الزَّوْجِ مَعَانِيَ غَيْرَ الْحَدِّ وَلَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ أَنَّ الزَّوْجَ يَدْرَأُ بِالشَّهَادَةِ حَدًّا.
وَفِي التَّنْزِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَدْرَأُ بِالشَّهَادَةِ الْعَذَابَ وَهُوَ الْحَدُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَك.
فَلَيْسَ فِي شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ مَعْنًى غَيْرُ دَرْءِ الْحَدِّ لِأَنَّ الْحَدَّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولِ وَالْقِيَاسِ أَثْبَتُ فَتَرْكُهَا الشَّهَادَةَ كَالْإِقْرَارِ مِنْهَا بِمَا قَالَ الزَّوْجُ فَمَا عَلِمْتُك إلَّا فَرَّقْتَ بَيْنَ حَدِّ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فَأَسْقَطْت حَدَّ الْمَرْأَةِ وَهُوَ أَبْيَنُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَأَثْبَتَّ حَدَّ الرَّجُلِ وَقُلْت لَهُ

أَرَأَيْت لَوْ قَالَتْ لَك الْمَرْأَةُ الْمَقْذُوفَةُ إنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيَّ بِالزِّنَا شَهَادَةً تُلْزِمُنِي فَحُدَّنِي وَإِنْ كَانَتْ لَا تُلْزِمُنِي فَلَا تُحَلِّفْنِي وَحُدَّهُ لِي.
وَكَذَلِكَ تَصْنَعُ فِي أَرْبَعَةٍ لَوْ شَهِدُوا عَلَيَّ وَكَانُوا عُدُولًا حَدَدْتَنِي وَإِنْ لَمْ يُثْبِتُوا الشَّهَادَةَ حَدَدْتهمْ أَوْ عَبِيدًا أَوْ مُشْرِكِينَ حَدَدْتهمْ قَالَ أَقُولُ حُكْمُك وَحُكْمُ الزَّوْجِ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِ الشُّهُودِ عَلَيْك غَيْرَ الزَّوْجِ، قُلْت فَقَالَتْ لَك فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةً لَا تُوجِبُ عَلَيَّ حَدًّا فَامْتَنَعْت مِنْ أَنْ أَشْهَدَ لِمَ حَبَسْتَنِي وَأَنْتَ لَا تَحْبِسُ إلَّا بِحَقٍّ؟ قَالَ أَقُولُ حَبَسْتُك لِتَحْلِفِي قَالَتْ وَلِيَمِينِي مَعْنًى؟ قَالَ نَعَمْ تَخْرُجِينَ بِهَا مِنْ الْحَدِّ؟ قَالَتْ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ فَالْحَبْسُ هُوَ الْحَدُّ؟ قَالَ لَيْسَ بِهِ قُلْت فَقَالَتْ فَلِمَ تَحْبِسُنِي لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي يَجِبُ عَلَيَّ مِنْ الْحَدِّ؟ قَالَ لِلْحَدِّ حَبَسْتُك قَالَتْ فَتُقِيمُهُ عَلَيَّ فَأَقِمْهُ قَالَ لَا قُلْت فَإِنْ قَالَتْ فَالْحَبْسُ ظُلْمٌ لَا أَنْتَ أَخَذْت مِنِّي حَدًّا وَلَا مَنَعْت عَنِّي حَبْسًا فَمِنْ أَيْنَ وَجَدْت عَلَيَّ الْحَبْسَ أَتَجِدُهُ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَمْرٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ قِيَاسٍ؟ قَالَ أَمَّا كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إجْمَاعٌ فَلَا وَأَمَّا قِيَاسٌ فَنَعَمْ قُلْت أَوْجِدْنَا الْقِيَاسَ قَالَ إنِّي أَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمَ يَحْلِفُ وَيُبَرَّأُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أَقْتُلْهُ وَحَبَسْته.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقُلْت لَهُ أَوَيَقْبَلُ مِنْك الْقِيَاسَ عَلَى غَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَلَا أَثَرٍ؟ قَالَ لَا قُلْت فَمَنْ قَالَ لَك مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَمٌ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ فَيُبَرَّأُ أَمْ يُقِرَّ فَيُقْتَلُ؟ قَالَ أَسْتَحْسِنُهُ، قُلْت لَهُ أَفَعَلَى النَّاسِ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْك مَا اسْتَحْسَنْت إنْ خَالَفْت الْقِيَاسَ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَبِلُوا مِنْ غَيْرِك مِثْلَ مَا قَبِلُوا مِنْك لِأَنَّ أَجْهَلَ النَّاسِ لَوْ اعْتَرَضَ فَسَأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَخَرَصَ فِيهِ فَقَالَ لَمْ يُعَدَّ قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَازِمًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَا أَوْ خَارِجًا مِنْهُ فَيَكُونُ اسْتَحْسَنَهُ كَمَا اسْتَحْسَنْته أَنْتَ قَالَ مَا ذَلِكَ لِأَحَدٍ قُلْت فَقَدْ قُلْته فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ وَخَالَفْت فِيهِ الْكِتَابَ وَقِيَاسَ قَوْلِك قَالَ وَأَيْنَ خَالَفْت قِيَاسَ قَوْلِي؟ قُلْت مَا تَقُولُ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دِرْهَمًا فَأَكْثَرَ إلَى أَيِّ غَايَةٍ شَاءَ مِنْ الدَّعْوَى أَوْ غَصْبَ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ؟ قَالَ يَحْلِفُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا نَكَلَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ جُرْحًا فِي مُوضِحَةٍ عَمْدًا فَصَاعِدًا مِنْ الْجِرَاحِ دُونَ النَّفْسِ إنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ اُقْتُصَّ مِنْهُ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَكُلُّ مَنْ جَعَلْت عَلَيْهِ الْيَمِينَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ قَامَ النُّكُولُ فِي الْحُكْمِ مَقَامَ الْإِقْرَارِ فَأَعْطَيْت بِهِ الْقَوَدَ وَالْمَالَ؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْت وَلِمَ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي النَّفْسِ هَكَذَا؟ قَالَ لِي اسْتِعْظَامًا لِلنَّفْسِ قُلْت فَأَنْتَ تَقْطَعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَيْنِ وَتَشُقُّ الرَّأْسَ قِصَاصًا وَهَذَا يَكُونُ مِنْهُ التَّلَفُ بِالنُّكُولِ وَتَزْعُمُ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ فَلَا تَأْخُذُ بِهِ النَّفْسَ قَالَ أَمَّا فِي الْقِيَاسِ فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَأْخُذَ بِهِ النَّفْسَ وَقَدْ تَفَرَّقَ فِيهِ صَاحِبَايَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَحْبِسُهُ كَمَا قُلْت وَقَالَ الْآخَرُ لَا أَحْبِسُهُ وَآخُذُ مِنْهُ دِيَةً وَحَبْسُهُ ظُلْمٌ قُلْت وَأَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُ فِي أَصْلِ قَوْلِ صَاحِبِك ظُلْمٌ لِأَنَّ الدِّيَةَ عِنْدَهُ لَا تُؤْخَذُ فِي الْعَمْدِ إلَّا بِصُلْحٍ وَهَذَا لَمْ يُصَالِحْ فَإِنْ كَانَ صَاحِبَاك أَخْطَآ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ فَأَقْرَرْت عَلَيْهِمَا مَعًا بِتَرْكِ الْقِيَاسِ فَتَقِيسُ عَلَى أَصْلٍ خَطَأٍ ثُمَّ تَقِيسُ عَلَيْهِ مَا لَا يُشْبِهُهُ مَا قَدْ حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ نَصًّا يَدْرَأُ بِهِ الْعَذَابَ وَالدَّرْءُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا قَدْ وَجَبَ.
وَإِنْ قُلْت الْعَذَابُ السِّجْنُ فَذَاكَ أَخْطَأُ لَك أَمَا السِّجْنُ حَدٌّ هُوَ؟ فَإِنْ كَانَ حَدًّا فَكَمْ تَحْبِسُهَا؟ أَمِائَةُ يَوْمٍ أَوْ إلَى أَنْ تَمُوتَ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا؟ قَالَ مَا السِّجْنُ بِحَدٍّ وَمَا السِّجْنُ إلَّا لِتَبْيِينِ الْحَدِّ قُلْت وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الزَّانِيَيْنِ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] أَفَتَرَاهُ عَنَى بِعَذَابِهِمَا الْحَدَّ أَوْ الْحَبْسَ؟ قَالَ بَلْ الْحَدَّ وَلَيْسَ السِّجْنُ بِحَدٍّ وَالْعَذَابُ فِي الزِّنَا الْحُدُودُ وَلَكِنَّ السِّجْنَ قَدْ يَلْزَمُهُ اسْمُ عَذَابٍ قُلْت وَالسَّفَرُ اسْمُ عَذَابٍ وَالدَّهَقُ وَالتَّعْلِيقُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُعَذَّبُ بِهِ

النَّاسُ عَذَابًا فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ أُعَذِّبُهَا إنْ لَمْ تَحْلِفْ بِبَعْضِ هَذَا؟ قَالَ لَيْسَ لَهُ وَإِنَّمَا الْعَذَابُ الْحَدُّ، قُلْت أَجَلْ وَأَجِدُك تَرَوَّحْتَ إلَى مَا لَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَوْ كَانَتْ لَك بِهَذِهِ حُجَّةٌ كَانَتْ عَلَيْك لِغَيْرِك بِمِثْلِهَا وَأَبْيَنَ فِيهَا.

[الْخِلَافُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا]

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ فَبَعَثَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَعَلِمَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْقَطَ نَفَقَتَهَا لِأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَأَلْبَتَّةَ الَّتِي لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ وَلَمْ يَعِبْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَحَكَمَ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الطَّلَاقِ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ أَلْبَتَّةَ ثَلَاثٌ؟ فَهِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ثَلَاثًا أَلْبَتَّةَ أَوْ نَوَى بِأَلْبَتَّةَ ثَلَاثًا كَانَتْ وَاحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَلْبَتَّةَ ثَلَاثٌ بِلَا نِيَّةِ الْمُطَلِّقِ وَلَا تَسْمِيَةِ ثَلَاثٍ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَمْ يَعِبْ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ ثَلَاثٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الزَّوْجِ مَا أَبْقَى مِنْهُ أَبْقَى لِنَفْسِهِ وَمَا أَخْرَجَ مِنْهُ مِنْ يَدِهِ لَزِمَهُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَلَا يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً وَقَدْ يُقَالُ لَهُ لَوْ أَبْقَيْت مَا تَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ النَّاسِ كَانَ خَيْرًا لَك فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ أَبَا عَمْرٍو لَا يَعُودُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى ثَلَاثًا أَوْ نَوَى بِأَلْبَتَّةَ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا الدَّلِيلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ «أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْمُزَنِيَّةَ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَتَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرُكَانَةَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ تَلَاعَنَ عُوَيْمِرٌ وَامْرَأَتُهُ بَيْنَ يَدِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ مُلَاعَنَتِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَقَدْ طَلَّقَ عُوَيْمِرٌ ثَلَاثًا بَيْنَ يَدِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَنَهَاهُ عَنْهُ.
وَقَالَ إنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ لَزِمَك فَأَنْتَ عَاصٍ بِأَنْ تَجْمَعَ ثَلَاثًا فَافْعَلْ كَذَا كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ فَلَا يُقِرُّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَلَاقٍ لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا نَهَاهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ الْعَلَمُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لَا بَاطِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا يُغَيِّرُهُ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ.
ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ قَدْ فَعَلْتُهُ، فَتَلَا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأم للشافعي · 390 صفحة
المقدمة
َ وَقْتُ الْعَصْرِ
بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ،
وَقْتِ الْجُمُعَةِ
ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
فدية الجراد
ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ
[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .
ُ الْغَصْبِ
ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
ْ الصَّدَقَةُ
مَا جَاءَ فِي نِكَاح إمَاء الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِر أَهْل الْكتاب وَإِمَائِهِمْ
ُ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي تَحِيضُعدة الْحُرَّة مِنْ أَهْل الْكتاب عِنْد الْمُسْلِم وَالْكِتَابِيّ
َالْإِحْدَادُ
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ
َجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ
اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ وَالْفَارِسَيْنِ
َدَعْوَى الْأَعَاجِمِ
ِ بَابُ الدِّيَاتِ
َمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ
جارٍ التحميل