شَاءَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَكَانَ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ مَهْرَهَا وَتَهَبَهُ، وَلَا تَضَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَهَا إذَا طَلَّقَهَا أَخْذُ نِصْفِ مَا أَعْطَاهَا لَا نِصْفِ مَا اشْتَرَتْ لَهَا دُونَهُ إذَا كَانَ لَهَا الْمَهْرُ كَانَ لَهَا حَبْسُهُ وَمَا أَشْبَهَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ السُّنَّةُ فِي هَذَا؟ قُلْت (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ مَا شَأْنُك؟ فَقَالَتْ لَا أَنَا، وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ فَقَالَتْ حَبِيبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُذْ مِنْهَا فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَنَّهَا إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا حَلَّ لِزَوْجِهَا الْأَخْذُ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتْ لَا يَجُوزُ لَهَا فِي مَالِهَا مَا يَجُوزُ لِمَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ مِنْ الرِّجَالِ مَا حَلَّ لَهُ خَلْعُهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيْنَ الْقِيَاسُ وَالْمَعْقُولُ؟ قُلْت إذَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لِزَوْجِهَا مَا أَعْطَتْهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ مَالُهُ وَإِذَا كَانَ مَالُهَا يُورَثُ عَنْهَا وَكَانَتْ تَمْنَعُهُ زَوْجَهَا فَيَكُونُ لَهَا فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ قَالَ، وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى الْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ أَنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ مِنْ دُونِ زَوْجِهَا إلَّا مَا أَذِنَ زَوْجُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا وَلِيًّا لَهَا، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ وَلِيًّا لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَوَهَبَتْ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّ هِبَتَهَا لَهُ كَهِبَتِهَا لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ لَا تُعْطِي مِنْ مَالِهَا دِرْهَمًا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَبِيعَ فِيهِ، وَلَا تَبْتَاعَ، وَيُحْكَمُ لَهَا وَعَلَيْهَا حُكْمُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَلَوْ زَعَمَ أَنَّ زَوْجَهَا شَرِيكٌ لَهَا فِي مَالِهَا سُئِلَ أَبِالنِّصْفِ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَتَصْنَعُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ مَا شَاءَتْ وَيَصْنَعُ بِالنِّصْفِ مَا شَاءَ؟ فَإِنْ قَالَ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ قُلْت فَاجْعَلْ لَهَا مِنْ مَالِهَا شَيْئًا فَإِنْ قَالَ: مَالُهَا مَرْهُونٌ لَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَبِكَمْ هُوَ مَرْهُونٌ حَتَّى تَفْتَدِيَهُ؟ . فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ بِمَرْهُونٍ.
قِيلَ لَهُ: فَقُلْ فِيهِ مَا أَحْبَبْت فَهُوَ لَا شَرِيكَ لَهَا فِي مَالِهَا، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَك وَعِنْدَنَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهَا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ مَالُهَا مَرْهُونًا فَتَفْتَكُّهُ، وَلَيْسَ زَوْجُهَا وَلِيًّا لَهَا، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا وَلِيًّا لَهَا، وَكَانَ سَفِيهًا أَخْرَجْنَا وِلَايَتَهَا مِنْ يَدَيْهِ وَوَلَّيْنَا غَيْرَهُ عَلَيْهَا وَمَنْ خَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ لَمْ يَخْرُجْ إلَى أَثَرٍ يُتَّبَعُ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَعْقُولٍ.
وَإِذَا جَازَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعْطِيَ مِنْ مَالِهَا الثُّلُثَ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ فَلِمَ يَجْعَلُهَا مُوَلًّى عَلَيْهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ زَوْجَهَا شَرِيكًا، وَلَا مَالَهَا مَرْهُونًا فِي يَدَيْهِ، وَلَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ مَالِهَا، وَلَا مُخَلًّى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ثُمَّ يُجِيزُ لَهَا بَعْدَ زَمَانٍ إخْرَاجَ الثُّلُثِ وَالثُّلُثِ بَعْدَ زَمَانٍ حَتَّى يَنْفَدَ مَالُهَا فَمَا مَنَعَهَا مَالَهَا، وَلَا خَلَّاهَا وَإِيَّاهُ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
فَإِنْ قَالَ هُوَ نَكَحَهَا عَلَى الْيُسْرِ قِيلَ أَفَرَأَيْت إنْ نُكِحَتْ مُفْلِسَةً ثُمَّ أَيْسَرَتْ بَعْدُ عِنْدَهُ أَيَدَعُهَا وَمَالَهَا؟ . فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ فَقَدْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْحَجْرِ وَإِنْ قَالَ: لَا فَقَدْ مَنَعَهَا مَا لَمْ تَغُرَّهُ بِهِ أَوَرَأَيْت إذَا قَالَ غَرَّتْهُ فَلَا أَتْرُكُهَا تُخْرِجُ مَالَهَا ضِرَارًا؟ . قِيلَ أَفَرَأَيْت إنْ غُرَّ فَقِيلَ هِيَ جَمِيلَةٌ فَوَجَدَهَا غَيْرَ جَمِيلَةٍ أَوْ غُرَّ فَقِيلَ هِيَ مُوسِرَةٌ فَوَجَدَهَا مُفْلِسَةً أَيَنْقُصُ عَنْهُ مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ يَرُدُّهُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؟ . أَوْ رَأَيْت إذَا قَالَ هَذَا فِي الْمَرْأَةِ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ دَيِّنًا مُوسِرًا فَنَكَحَ شَرِيفَةً، وَأَعْلَمَتْنَا أَنَّهَا لَمْ تَنْكِحْهُ إلَّا بِيُسْرِهِ ثُمَّ خَدَعَهَا فَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لَهُ فَقَدْ ظَلَمَهَا بِمَنْعِهَا مِنْ مَالِهَا مَا أَبَاحَ لَهُ.
وَإِنْ قَالَ أَجْبُرُهَا بِأَنْ تَبْتَاعَ لَهُ مَا يَتَجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُصْدَقُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَتُجَهَّزُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ وَتَكُونُ مُفْلِسَةً لَا تُجَهَّزُ إلَّا بِثِيَابِهَا وَبِسَاطِهَا وَمِمَّا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُفْلِسَ ذَا الْمُرُوءَةِ يَنْكِحُ الْمُوسِرَةَ فَتَقُولُ يَكُونُ قَيِّمًا عَلَى مَالِي عَلَى
هَذَا تَنَاكَحَا وَيَسْتَنْفِقُ مِنْ مَالِهَا وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا وَصَفْت وَيَحْسُنُ مِمَّا يَتَعَامَلُ النَّاسُ وَلِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ عَلَى مَا يَجِبُ لَيْسَ عَلَى مَا يَجْمُلُ وَيَتَعَامَلُ النَّاسُ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحُجَّةُ تُمْكِنُ عَلَى مِنْ خَالَفَنَا بِأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفْت، وَفِي أَقَلَّ مِمَّا وَصَفْت حُجَّةٌ، وَلَا يَسْتَقِيمُ فِيهَا قَوْلٌ إلَّا مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ مِنْ أَنَّ صَدَاقَهَا مَالٌ مِنْ مَالِهَا، وَأَنَّ لَهَا إذَا بَلَغَتْ الرُّشْدَ أَنْ تَفْعَلَ فِي مَالِهَا مَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.
[بَابُ الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِينَ]
[بَابُ الْخِلَافِ فِي الْحَجْرِ]
بَابُ الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْحَجْرُ عَلَى الْبَالِغِينَ فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَهُمَا قَوْلُ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِفَرَائِضِهِ الْبَالِغِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَجَعَلَ الْإِقْرَارَ لَهُ فَكَانَ مَوْجُودًا فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، وَأَنَّ إمْلَاءَهُ إقْرَارُهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِهِ، وَلَا يَأْمُرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَحَدًا أَنْ يُمِلَّ لِيُقِرَّ إلَّا الْبَالِغُ وَذَلِكَ أَنَّ إقْرَارَ غَيْرِ الْبَالِغِ وَصَمْتَهُ وَإِنْكَارَهُ سَوَاءٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا حَفِظْت عَنْهُمْ، وَلَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمَرْءِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يُمِلَّ ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] ، وَأَثْبَتَ الْوِلَايَةَ عَلَى السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، وَأَمَرَ وَلِيَّهُ بِالْإِمْلَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ فِيمَا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ مَقَامَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ قِيلَ وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ وَهُوَ أَشْبَهُ مَعَانِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْآيَةُ الْأُخْرَى قَوْلُ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] فَأَمَرَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ إذَا جَمَعُوا بُلُوغًا وَرُشْدًا قَالَ وَإِذَا أَمَرَ بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ إذَا جَمَعُوا أَمْرَيْنِ كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ كَانَ فِيهِمْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمْ فَذَلِكَ الْحَجْرُ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانُوا لَوْ أُونِسَ مِنْهُمْ رُشْدٌ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ فَكَذَلِكَ لَوْ بَلَغُوا، وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُمْ رُشْدٌ لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ وَيَثْبُتُ عَلَيْهِمْ الْحَجْرُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَهَكَذَا قُلْنَا نَحْنُ وَهُمْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَكْمُلُ بِأَمْرَيْنِ أَوْ أُمُورٍ فَإِذَا نَقَصَ وَاحِدٌ لَمْ يُقْبَلْ فَزَعَمْنَا أَنَّ شَرْطَ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] عَدْلَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ فَلَوْ كَانَ الرَّجُلَانِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلَيْنِ غَيْرَ حُرَّيْنِ أَوْ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَانِ الثَّلَاثَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّ التَّنْزِيلَ فِي الْحَجْرِ بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُكْتَفًى بِهِ عَنْ تَفْسِيرِهِ وَإِنَّ الْقِيَاسَ لَيَدُلُّ عَلَى الْحَجْرِ أَرَأَيْت إذَا كَانَ مَعْقُولًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِمَّنْ قَارَبَ الْبُلُوغَ وَعَقَلَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَكَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَشَدَّ تَقْصِيرًا فِي عَقْلِهِ، وَأَكْثَرَ إفْسَادًا لِمَالِهِ أَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَهُ فِيهِ، وَلَوْ أُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ فَدُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ ثُمَّ عُلِمَ مِنْهُ غَيْرُ الرُّشْدِ أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ؛ لِأَنَّ انْتَقَلَتْ إلَى الْحَالِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا يُؤْنَسُ مِنْهُ الْعَدْلُ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ ثُمَّ تَتَغَيَّرُ فَتُرَدُّ ثُمَّ إنْ تَغَيَّرَ فَأُونِسَ مِنْهُ عَدْلٌ أُجِيزَتْ وَكَذَلِكَ إنْ أُونِسَ مِنْهُ إصْلَاحٌ بَعْدَ إفْسَادٍ أُعْطِيَ مَالُهُ وَالنِّسَاءُ وَالرِّجَالُ فِي هَذَا سَوَاءٌ
لِأَنَّ اسْمَ الْيَتَامَى يَجْمَعُهُمْ وَاسْمَ الِابْتِلَاءِ يَجْمَعُهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ خَرَجَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَا مَوْلَيَيْنِ جَازَ لِلْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا مَا جَازَ لِلرَّجُلِ فِي مَالِهِ ذَاتَ زَوْجٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَاتٍ زَوْجٍ سُلْطَانُهَا عَلَى مَالِهَا سُلْطَانُ الرَّجُلِ عَلَى مَالِهِ لَا يَفْتَرِقَانِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] إنَّمَا هُوَ اخْتَبِرُوا الْيَتَامَى قَالَ فَيَخْتَبِرُ الرِّجَالُ النِّسَاءَ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ فِيهِمْ وَالرَّجُلُ الْمُلَازِمُ لِلسُّوقِ وَالْمُخَالِطُ لِلنَّاسِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ لَا يَغِيبُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَنْ يُعْرَفَ حَالُهُ بِمَا مَضَى قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ فَيُعْرَفُ كَيْفَ هُوَ فِي عَقْلِهِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ؟ وَكَيْفَ هُوَ فِي دَيْنِهِ؟ وَالرَّجُلُ الْقَلِيلُ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّاسِ يَكُونُ اخْتِبَارُهُ أَبْطَأَ مِنْ اخْتِبَارِ هَذَا الَّذِي وَصَفْت فَإِذَا عَرَفَهُ خَاصَّتُهُ فِي مُدَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَعَدَّلُوهُ وَحَمِدُوا نَظَرَهُ لِنَفْسِهِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَشَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ صَالِحٌ فِي دِينِهِ حَسَنُ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فِي مَالِهِ فَقَدْ صَارَ هَذَانِ إلَى الرُّشْدِ فِي الدِّينِ وَالْمَعَاشِ وَيُؤْمَرُ وَلِيُّهُمَا بِدَفْعِ مَالِهِمَا إلَيْهِمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَبَرَ النِّسَاءَ أَهْلُ الْعَدْلِ مَنْ أَهْلِهَا وَمِنْ يَعْرِفُ حَالَهَا بِالصَّلَاحِ فِي دِينِهَا وَحُسْنَ النَّظَرِ لِنَفْسِهَا فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ صَارَتْ فِي حَالِ الرَّجُلَيْنِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا أَبْطَأَ مِنْهُ مِنْ الرَّجُلَيْنِ لِقِلَّةِ خِلْطَتِهَا بِالْعَامَّةِ وَهُوَ مِنْ الْمُخَالَطَةِ مِنْ النِّسَاءِ الْخَارِجَةِ إلَى الْأَسْوَاقِ الْمُمْتَهِنَةِ لِنَفْسِهَا أَعْجَلُ مِنْهُ مِنْ الصَّائِنَةِ لِنَفْسِهَا كَمَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَبْعَدَ فَإِذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ الرُّشْدَ وَالرُّشْدُ كَمَا وَصَفْت فِي الرَّجُلِ أُمِرَ وَلِيُّهَا بِدَفْعِ مَالِهَا إلَيْهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْحُكَّامِ مَنْ أَمَرَ بِاخْتِيَارِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِحَالِهِ تِلْكَ الثِّقَةُ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْقَلِيلَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ أَصْلَحَ فِيهِ دَفَعَ إلَيْهِ مَا بَقِيَ وَإِنْ أَفْسَدَ فِيهِ كَانَ الْفَسَادُ فِي الْقَلِيلِ أَيْسَرَ مِنْهُ فِي الْكُلِّ وَرَأَيْنَا هَذَا وَجْهًا مِنْ الِاخْتِبَارِ حَسَنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا دَفَعَ إلَى الْمَرْأَةِ مَالَهَا وَالرَّجُلِ فَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بِكْرًا أَوْ مُتَزَوِّجَةً عِنْدَ زَوْجٍ أَوْ ثَيِّبًا كَمَا يَكُونُ الرَّجُلُ سَوَاءٌ فِي حَالَاتِهِ وَهِيَ تَمْلِكُ مِنْ مَالِهَا مَا يَمْلِكُ مِنْ مَالِهِ وَيَجُوزُ لَهَا فِي مَالِهَا مَا يَجُوزُ لَهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ زَوْجٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ زَوْجٍ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهَا وَفِيهِ وَدَلَالَةُ السُّنَّةِ.
وَإِذَا نُكِحَتْ فَصَدَاقُهَا مَالٌ مِنْ مَالِهَا تَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَتْ كَمَا تَصْنَعُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ مَالِهَا.
بَابُ الْخِلَافِ فِي الْحَجْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْحَجْرِ فَقَالَ لَا يُحْجَرُ عَلَى حُرٍّ بَالِغٍ، وَلَا عَلَى حُرَّةٍ بَالِغَةٍ وَإِنْ كَانَا سَفِيهَيْنِ وَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يَذُبُّ عَنْ قَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَسْأَلُك مِنْ أَيْنَ أَخَذْت الْحَجْرَ عَلَى الْحُرَّيْنِ وَهُمَا مَالِكَانِ لِأَمْوَالِهِمَا؟ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا ذَكَرْت فِي كِتَابِي أَوْ مَعْنَاهُ أَوْ بَعْضَهُ فَقَالَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْك فِيهِ شَيْءٌ فَقُلْت وَمَا هُوَ؟ قَالَ أَرَأَيْت إذَا أَعْتَقَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ؟ . فَقُلْت: لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ.
قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْت: كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمَمْلُوكِ، وَلَا لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْتِقَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ؟ . قُلْت: نَعَمْ قَالَ أَفَلَيْسَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ لَعِبُهُمَا وَجَدُّهُمَا وَاحِدٌ؟ قُلْت مِمَّنْ ذَلِكَ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ رَجُلٌ فَقَالَتْ لَعِبْت أَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِحَقٍّ فَقَالَ لَعِبْت لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَالْإِقْرَارُ وَقِيلَ لَهُ لَعِبُك لِنَفْسِك وَعَلَيْهَا قَالَ أَفَيَفْتَرِقُ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ؟ .
قُلْت: نَعَمْ عِنْدَنَا وَعِنْدَك قَالَ وَكَيْفَ وَكِلَاهُمَا إتْلَافٌ لِلْمَالِ؟ قُلْت لَهُ إنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إتْلَافُ الْمَالِ فَإِنَّ الزَّوْجَ مُبَاحٌ لَهُ بِالنِّكَاحِ شَيْءٌ كَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ لَهُ قَبْلَهُ وَمَجْعُولٌ إلَيْهِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ الْمُبَاحِ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ لِمَالٍ يَلِيهِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ بِقَوْلٍ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلٍ مِنْ فِعْلِهِ وَكَمَا كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى الْفَرْجِ دُونَ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى تَحْرِيمِهِ دُونَ غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمُوتُ فَلَا تُوَرَّثُ عَنْهُ امْرَأَتُهُ وَيَهَبُهَا وَيَبِيعُهَا
فَلَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ بِهِبَتِهِ، وَلَا بَيْعِهِ وَيُوَرَّثُ عَنْهُ عَبْدُهُ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ فَيَمْلِكُهُ غَيْرُهُ وَيَلِي نَفْسَهُ فَيَبِيعُهُ وَيَهَبُهُ فَيَمْلِكُهُ غَيْرُهُ فَالْعَبْدُ مَالٌ بِكُلِّ حَالٍ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ مَالٍ بِحَالٍ إنَّمَا هِيَ مُتْعَةٌ لَا مَالٌ مَمْلُوكٌ نُنْفِقُهُ عَلَيْهِ وَنَمْنَعُ إتْلَافَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ يُؤْذَنُ لَهُ فِي النِّكَاحِ وَالتِّجَارَةِ فَيَكُونُ لَهُ الطَّلَاقُ وَالْإِمْسَاكُ دُونَ سَيِّدِهِ وَيَكُونُ إلَى سَيِّدِهِ أَخْذُ مَالِهِ كُلِّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مِلْكٌ وَالْفَرْجَ بِالنِّكَاحِ مُتْعَةٌ لَا مِلْكٌ كَالْمَالِ.
وَقُلْت لَهُ: تَأَوَّلْت الْقُرْآنَ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَلَمْ تُصِبْ عِنْدَنَا تَأْوِيلَهُ فَأَبْطَلْت فِيهِ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَجَدْت الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى الْحَجْرِ عَلَى بَالِغِينَ فَتَرَكْته وَقُلْت لَهُ أَنْتَ تَقُولُ فِي الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ قَوْلًا وَكَانَ فِي الْقُرْآنِ تَنْزِيلٌ يَحْتَمِلُ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الظَّاهِرِ قُلْنَا بِقَوْلِهِ وَقُلْنَا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ وَجَدْنَا صَاحِبَكُمْ يَرْوِي الْحَجْرَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَالَفَهُمْ وَمَعَهُمْ الْقُرْآنُ قَالَ، وَأَيُّ صَاحِبٍ؟ قُلْت أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ فِي الْحَدِيثِ أَوْ هُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ابْتَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْعًا فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَآتِيَنَّ عُثْمَانَ فَلَأَحْجُرَنَّ عَلَيْك فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ ابْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ قَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا شَرِيكُك فِي بَيْعِك فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَقَالَ اُحْجُرْ عَلَى هَذَا فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا شَرِيكُهُ فَقَالَ عُثْمَانُ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرِ فَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَطْلُبُ الْحَجْرَ إلَّا وَهُوَ يَرَاهُ وَالزُّبَيْرُ لَوْ كَانَ الْحَجْرُ بَاطِلًا قَالَ لَا يُحْجَرُ عَلَى حُرٍّ بَالِغٍ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بَلْ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ الْحَجْرَ فِي حَدِيثِ صَاحِبِك.
قَالَ فَإِنَّ صَاحِبَنَا أَبَا يُوسُفَ رَجَعَ إلَى الْحَجْرِ قُلْت مَا زَادَهُ رُجُوعُهُ إلَيْهِ قُوَّةً، وَلَا وَهَنَهُ تَرْكُهُ إيَّاهُ إنْ تَرَكَهُ وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهِ.
فَقَالَ: وَمَا أَنْكَرْت؟ قُلْت: زَعَمْت أَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَنَّ الْحُرَّ إذَا وَلِيَ مَالَهُ بِرُشْدٍ يُؤْنَسُ مِنْهُ فَاشْتَرَى وَبَاعَ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بَعْدَ رُشْدٍ أَحْدَثَ عَلَيْهِ الْحَجْرَ وَكَذَلِكَ قُلْنَا ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ عَلَيْهِ الْحَجْرَ أَبْطَلَ كُلَّ بَيْعٍ بَاعَهُ قَبْلَهُ وَشِرَاءٍ أَفَرَأَيْت الشَّاهِدَ يَعْدِلُ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ ثُمَّ تَغَيَّرَ حَالُهُ أَيَنْقُضُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ أَوْ يَنْفُذُ وَيَكُونُ مُتَغَيِّرًا مِنْ يَوْمِ تَغَيَّرَ؟ قَالَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَنْكَرْنَاهُ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَهَلْ خَالَفَ شَيْئًا مِمَّا تَقُولُ فِي الْحَجْرِ وَالْيَتَامَى مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِك؟ . قُلْت: أَمَّا أَحَدٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِي فَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خِلَافًا لِشَيْءٍ مِمَّا قُلْت، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِهِمْ مِثْلُ مَا قُلْت.
قَالَ: فَهَلْ أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِك يَقُولُ بِخِلَافِ قَوْلِك هَذَا؟ . قُلْت: قَدْ رُوِيَ لِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ نَاحِيَتِنَا أَنَّهُ خَالَفَ مَا قُلْت وَقُلْت وَقَالَ غَيْرُنَا فِي مَالِ الْمَرْأَةِ إذَا تَزَوَّجَتْ رَجُلًا قَالَ فَقَالَ فِيهِ مَاذَا؟ قُلْت مَا لَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَسْمَعَهُ ثُمَّ حَكَيْت لَهُ شَيْئًا كُنْت أَحْفَظُهُ وَكَانَ يَحْفَظُهُ فَقَالَ مَا يَشْكُلُ الْخَطَأُ فِي هَذَا عَلَى سَامِعٍ يَعْقِلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَزَعَمَ لِي زَاعِمٌ عَنْ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا نَكَحَتْ رَجُلًا بِمِائَةِ دِينَارٍ جُبِرَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا مَا يَتَجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ نُكِحَتْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا رُجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاسِمَهَا نَوْرَةً وَزَرْنِيخًا وَنُضُوحًا.
قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ؟ قِيلَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ مَا هُوَ؟ . قِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] وَمَا فَرَضَ وَدَفَعَ مِائَةَ دِينَارٍ فَزَعَمَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّهُ يَرُدُّهُ بِنِصْفِ مَتَاعٍ لَيْسَ فِيهِ دَنَانِيرُ وَهَذَا خِلَافُ مَا جَعَلَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّا نَرَى أَنَّ وَاجِبًا عَلَيْهَا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : يَعْنِي أَنَّ وَاجِبًا عَلَيْهَا أَنْ تُجَهِّزَ بِمَا أَعْطَاهَا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ مَا تَجَهَّزَتْ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيُّ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِنِصْفِ مَا أَعْطَاهَا دَنَانِيرَ كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُجَهِّزَ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] .
[الصُّلْحُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) : قَالَ أَمْلَى عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: أَصْلُ الصُّلْحِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ فَمَا جَازَ فِي الْبَيْعِ جَازَ فِي الصُّلْحِ وَمَا لَمْ يَجُزْ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ فِي الصُّلْحِ ثُمَّ يَتَشَعَّبُ وَيَقَعُ الصُّلْحُ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ ثَمَنٌ مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا الَّتِي لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ، وَكُلُّ هَذَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَثْمَانِ، وَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عِنْدِي إلَّا عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.
وَمِنْ الْحَرَامِ الَّذِي يَقَعُ فِي الصُّلْحِ أَنْ يَقَعَ عِنْدِي عَلَى الْمَجْهُولِ الَّذِي لَوْ كَانَ بَيْعًا كَانَ حَرَامًا وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَوَرِثَتْهُ امْرَأَةٌ أَوْ وَلَدٌ أَوْ كَلَالَةٌ فَصَالَحَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بَعْضًا فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمُصَالَحِ بِحُقُوقِهِمْ أَوْ إقْرَارٍ بِمَعْرِفَتِهِمْ بِحُقُوقِهِمْ، وَتَقَابَضَ الْمُتَصَالِحَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَالصُّلْحُ جَائِزٌ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِهِ مَعْرِفَةٌ مِنْهُمَا بِمَبْلَغِ حَقِّهِمَا أَوْ حَقِّ الْمُصَالِحِ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَالِ امْرِئٍ لَا يَعْرِفُهُ وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ الدَّعْوَى فِي الْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ جِنَايَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِمَا يَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ كَانَ الصُّلْحُ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَهُمَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِمَا وَيَرْجِعُ الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَالْمُعْطِي بِمَا أَعْطَى، وَسَوَاءٌ إذَا أَفْسَدْت الصُّلْحَ قَالَ الْمُدَّعِي قَدْ أَبْرَأْتُك مِمَّا ادَّعَيْتُ عَلَيْك أَوْ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ لَهُ الْفَسَادَ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ كَمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا.
فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلَانِ الصُّلْحَ وَكَرِهَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَةٍ أَوْ مَالٍ ثُمَّ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَنْهُ صُلْحًا فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَلَيْسَ لِلَّذِي أَعْطَى عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُصَالِحِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا لِلْمُصَالَحِ الْمُدَّعِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الْعِوَضَ مِنْ حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَعْقِدَا صُلْحَهُمَا عَلَى فَسَادٍ فَيَكُونُونَ كَمَا كَانُوا فِي أَوَّلِ مَا تَدَاعَوْا قَبْلَ الصُّلْحِ.
قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فِي دَارٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِدَعْوَاهُ وَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ بَزٍّ مَوْصُوفٍ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَوْصُوفَةٍ أَوْ طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى كَانَ الصُّلْحُ جَائِزًا كَمَا يَجُوزُ لَوْ بِيعَ ذَلِكَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ بِذَلِكَ بَيْتًا مَعْرُوفًا مِنْ الدَّارِ مِلْكًا لَهُ أَوْ سُكْنَى لَهُ عَدَدَ سِنِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لَوْ اقْتَسَمَاهُ أَوْ تَكَارَى شِقْصًا لَهُ فِي دَارٍ، وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ أُصَالِحُك عَلَى سُكْنَى هَذَا الْمَسْكَنِ، وَلَمْ يُسَمِّ وَقْتًا كَانَ الصُّلْحُ فَاسِدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَهُ حَتَّى يَكُونَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُكْرِيَهُ هَذِهِ الْأَرْضَ سِنِينَ يَزْرَعُهَا أَوْ عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ أُخْرَى سَمَّى ذَلِكَ وَعَرَفَ جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَإِذَا لَمْ يُسَمِّهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ وَالْكِرَاءِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَشْرَعَ ظُلَّةً أَوْ جَنَاحًا عَلَى طَرِيقٍ نَافِذَةٍ فَخَاصَمَهُ رَجُلٌ؛ لِيَمْنَعَهُ مِنْهُ فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ عَلَى أَنْ يَدَعَهُ كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُ وَنُظِرَ فَإِنْ كَانَ إشْرَاعُهُ غَيْرَ مُضِرٍّ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا مَنَعَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ إشْرَاعَهُ عَلَى طَرِيقٍ لِرَجُلٍ خَاصَّةً لَيْسَ بِنَافِذٍ أَوْ لِقَوْمٍ فَصَالَحَهُ أَوْ صَالَحُوهُ عَلَى شَيْءٍ أَخَذُوهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَدَعُوهُ يَشْرَعُهُ كَانَ الصُّلْحُ فِي هَذَا بَاطِلًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَشْرَعَ فِي جِدَارِ نَفْسِهِ وَعَلَى هَوَاءٍ لَا يَمْلِكُ مَا تَحْتَهُ، وَلَا مَا فَوْقَهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُثَبِّتَ خَشَبَةً وَيَصِحُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ الشَّرْطُ؛ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ فِي خَشَبٍ يَحْمِلُهُ عَلَى جُدْرَانِهِمْ وَجِدَارِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرَاءَ مَحْمَلِ الْخَشَبِ، وَيَكُونُ الْخَشَبُ بِأَعْيَانِهِ مَوْصُوفًا أَوْ مَوْصُوفَ الْمَوْضِعِ أَوْ يُعْطِيهِمْ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُقِرُّوا لَهُ بِخَشَبٍ يَشْرَعُهُ وَيُشْهِدُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا لَهُ بِمَحْمَلِ هَذَا الْخَشَبِ وَمَبْلَغِ شُرُوعِهِ بِحَقٍّ عَرَفُوهُ لَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ بَعْدَهُ أَنْ يَنْزِعُوهُ.
قَالَ: وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ حَقًّا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فَأَقَرَّ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَصَالَحَهُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ أَوْ رُكُوبِ دَابَّةٍ أَوْ زِرَاعَةِ أَرْضٍ أَوْ سُكْنَى دَارٍ أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ الْإِجَارَاتُ ثُمَّ مَاتَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَالصُّلْحُ جَائِزٌ وَلِوَرَثَةِ الْمُدَّعِي السُّكْنَى وَالرُّكُوبُ وَالزِّرَاعَةُ وَالْخِدْمَةُ وَمَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ الْمُصَالِحُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَلِفَ الدَّابَّةَ الَّتِي صَالَحَ عَلَى رُكُوبِهَا أَوْ الْمَسْكَنَ الَّذِي صَالَحَ عَلَى سَكْنِهِ أَوْ الْأَرْضَ الَّتِي صُولِحَ عَلَى زِرَاعَتِهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْمُصَالِحُ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ فِي الدَّارِ وَقَدْ انْتَقَضَتْ الْإِجَارَةُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَّ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا أَخَذَ إنْ كَانَ نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا أَوْ رُبْعًا وَانْتَقَضَ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ يَرْجِعُ بِهِ فِي أَصْلِ السَّكَنِ الَّذِي صُولِحَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ أَوْ دَارٍ بِعَيْنِهَا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى هَلَكَ انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَرَجَعَ عَلَى أَصْلِ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ صَالَحَهُ عَلَى عَبْدٍ بِصِفَةٍ أَوْ غَيْرِ صِفَةٍ أَوْ ثَوْبٍ بِصِفَةٍ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ بِصِفَةٍ تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ الصِّفَةِ الَّتِي صَالَحَهُ عَلَيْهَا.
وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى رُبُعِ أَرْضٍ مَشَاعٍ مِنْ دَارٍ مَعْلُومَةٍ جَازَ.
وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَذْرُعٍ مِنْ دَارٍ مُسَمَّاةٍ وَهُوَ يَعْرِفُ أَذْرُعَ الدَّارِ وَيَعْرِفُهُ الْمُصَالَحُ جَازَ وَهَذَا كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءٍ وَإِنْ كَانَ صَالَحَهُ عَلَى أَذْرُعٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الذَّرْعَ كُلَّهُ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ قَدْرُ الذَّرْعِ فِيهَا ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ.
وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى طَعَامٍ جُزَافٍ أَوْ دَرَاهِمَ جُزَافٍ أَوْ عَبْدٍ فَجَائِزٌ فَإِنْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ بَطَلَ الصُّلْحُ وَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الصُّلْحُ.
وَلَوْ كَانَ صَالَحَهُ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْعَبْدَ فَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ جَازَ الصُّلْحُ وَإِنْ اخْتَارَ رَدَّهُ رَدَّ الصُّلْحَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا غَيْرِهِ إلَى أَجَلٍ وَيَكُونُ لَهُ خِيَارُ رُؤْيَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَعْدُو بَيْعَ عَيْنٍ يَرَاهَا الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ عِنْدَ تَبَايُعِهِمَا وَبَيْعُ صِفَةٍ مَضْمُونٌ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ يَكُونُ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَهَذَا الْعَبْدُ الَّذِي بِعَيْنِهِ إلَى أَجَلٍ إنْ تَلِفَ بَطَلَ الْبَيْعُ فَهَذَا مَرَّةً يَتِمُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَمَرَّةً يَبْطُلُ فِيهِ الْبَيْعُ، وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتِمَّ فِي كُلِّ حَالٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ مِمَّا كَانَ غَائِبًا فَلَهُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْ خِيَارِ رُؤْيَةِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَبَضَهُ فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ وَبِهِ عَيْبٌ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ عَيْبًا، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحِقَّ نِصْفُهُ أَوْ سَهْمٌ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهُ كَانَ لِقَابِضِ الْعَبْدِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يُجِيزَ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْعَبْدِ وَيَرْجِعَ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ أَوْ يُنْقَضُ الصُّلْحُ كُلُّهُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الشَّيْءُ فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ بَطَلَ الْبَيْعُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ حَلَالًا وَحَرَامًا فَبَطَلَ كُلُّهُ وَالصُّلْحُ مِثْلُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ حَقًّا فِي دَارٍ فَأَقَرَّ لَهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَصَالَحَهُ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَرَدَّهُ أَوْ اسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ شَيْءٌ وَرَجَعَ عَلَى دَعْوَاهُ فِي الدَّارِ وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، وَلَوْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ بِصِفَةٍ أَوْ عَبْدٍ بِصِفَةٍ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَذَلِكَ الْعَرَضِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا فَهِيَ مِثْلُ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ يُعْطِيهِ إيَّاهَا وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ أَوْ وَجَدَ عَيْبًا فَرَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ تِبَاعَةٌ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى أَصْلِ دَعْوَاهُ وَالْأَجْنَبِيُّ إذَا كَانَ صَالَحَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَطَوَّعَ بِمَا أَعْطَى عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فِي دَارٍ فَصَالَحَهُ عَلَى بَيْتٍ مَعْرُوفٍ سِنِينَ مَعْلُومَةً يَسْكُنُهُ كَانَ جَائِزًا أَوْ عَلَى سَطْحٍ
مَعْرُوفٍ يَبِيتُ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا فَإِنْ انْهَدَمَ الْبَيْتُ أَوْ السَّطْحُ قَبْلَ السُّكْنَى رَجَعَ عَلَى أَصْلِ حَقِّهِ وَإِنْ انْهَدَمَ بَعْدَ السُّكْنَى تَمَّ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا سَكَنَ وَبَاتَ وَانْتَقَضَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ حَقًّا فِي دَارٍ وَهِيَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ كِرَاءً تَصَادَقَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَرَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْغَائِبِ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ فِيهَا بَيِّنَةً، وَأَمَرَهُ إنْ خَافَ عَلَى بَيِّنَتِهِ الْمَوْتَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَلَوْ أَنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ أَقَرَّ لَهُ بِدَعْوَاهُ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دَعْوَاهُ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ وَالْمُصَالِحُ مُتَطَوِّعٌ وَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ يُصَالِحُ عَنْ الدَّعْوَى.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا لَمْ يُسَمِّهِ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَوْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُقِرَّ فَإِذَا أَقَرَّ جَازَ.
وَلَوْ أَقَرَّ فِي دَعْوَاهُ الَّتِي أَجْمَلَهَا فَقَالَ: أَنْتَ صَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْت عَلَيَّ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ جَائِزًا كَمَا يَجُوزُ لَوْ تَصَادَقَا عَلَى شِرَاءٍ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِقَوْلِهِمَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشِّرَاءَ فَقَالَ: هَذَا مَا اشْتَرَيْت مِنْك مِمَّا عَرَفْت وَعَرَفْت فَلَا تِبَاعَةَ لِي قِبَلَك بَعْدَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِمَّا اشْتَرَيْت مِنْك.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ فَتَدَاعَيَا كُلَّهَا فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ أَوْ بَيْتًا مِنْ الدَّارِ وَلِلْآخَرِ مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ هَذَا بَعْدَ إقْرَارِهِمَا فَجَائِزٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْجَحْدِ فَلَا يَجُوزُ وَهُمَا عَلَى أَصْلِ دَعْوَاهُمَا.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَعْوَى فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ بَعْدَمَا أَقَرَّ لَهُ بِدَعْوَاهُ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْمَصَالِحُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ: صَالَحْتُك مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ.
وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ صَالَحْتُك مِنْ ثَوْبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَكُونُ خَصْمًا لَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) : أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصُّلْحِ تَحَالَفَا وَكَانَا عَلَى أَصْلِ خُصُومَتِهِمَا مِثْلِ الْبَيْعِ سَوَاءً إذَا اخْتَلَفَا تَحَالَفَا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ بَعْدَ الْأَيْمَانِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ وَرَثَةٍ فَادَّعَى رَجُلٌ فِيهَا دَعْوَى وَبَعْضُهُمْ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ فَأَقَرَّ لَهُ أَحَدُهُمْ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَضْمُونَةٍ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ وَهَذَا الْوَارِثُ الْمُصَالِحُ مُتَطَوِّعٌ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى إخْوَتِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَدَّى عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ إذَا كَانُوا مُنْكِرِينَ لِدَعْوَاهُ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنَّ حَقَّهُ لَهُ دُونَ إخْوَتِهِ فَإِنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ حَقَّهُ دُونَ إخْوَتِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ إخْوَتُهُ كَانَ لَهُمْ خَصْمًا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ وَكَانَتْ لَهُمْ الشُّفْعَةُ مَعَهُ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَكَانَ لِلْآخَرِ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ نَصِيبُهُ مِنْ حَقِّهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ وَرِثَاهَا فَادَّعَى رَجُلٌ فِيهَا حَقًّا فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمَا، وَأَقَرَّ الْآخَرُ وَصَالَحَهُ عَلَى حَقِّهِ مِنْهَا خَاصَّةً دُونَ حَقِّ أَخِيهِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ وَإِنْ أَرَادَ أَخُوهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ مِمَّا صَالَحَ عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَقَالَا هِيَ مِيرَاثٌ لَنَا عَنْ أَبِينَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ثُمَّ صَالَحَ أَحَدُهُمَا مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى شَيْءٍ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ قَالَ: وَلَوْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لِأَخِيهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُمَا نَسَبَا ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ نِصْفَ الْأَرْضِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِالنِّصْفِ وَجَحَدَ الْآخَرَ كَانَ النِّصْفُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لَهُ دُونَ الْمَجْحُودِ وَكَانَ الْمَجْحُودُ عَلَى خُصُومَتِهِ، وَلَوْ صَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِجَمِيعِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا كَانَ يَدَّعِي نِصْفَهَا فَإِنْ كَانَ لَمْ يُقِرَّ لِلْآخَرِ بِأَنَّ لَهُ النِّصْفَ فَلَهُ الْكُلُّ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ دَعْوَاهُ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ لَهُ النِّصْفَ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ.
قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ دَارًا مِيرَاثًا فَأَقَرَّ لَهُمَا بِذَلِكَ وَصَالَحَ أَحَدَهُمَا مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى شَيْءٍ فَلَيْسَ لِأَخِيهِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيمَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَارًا فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا وَصَالَحَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الَّذِي فِي يَدَيْهِ فَهِيَ عَارِيَّةٌ إنْ شَاءَ
أَتَمَّهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُتِمَّهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقِرَّ لَهُ الْأَعْلَى أَنْ يَسْكُنَهَا فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ، وَهُمَا عَلَى أَصْلِ خُصُومَتِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا فَبَنَاهَا مَسْجِدًا ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَادَّعَاهَا فَأَقَرَّ لَهُ بَانِي الْمَسْجِدِ بِمَا ادَّعَى فَإِنْ كَانَ فَضَلَ مِنْ الدَّارِ فَضْلٌ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالْمَسْجِدِ فَهُوَ لَهُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا هَدَمَ مِنْ دَارِهِ.
وَلَوْ صَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صُلْحٍ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ الَّذِينَ الْمَسْجِدُ وَالدَّارُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَصَالَحُوهُ كَانَ الصُّلْحُ جَائِزًا.
وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ دَارًا ثُمَّ ادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ شَيْئًا فَأَقَرَّ الْبَائِعُ لَهُ وَصَالَحَهُ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ.
وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ دَارًا فَبَاعَهَا أَوْ لَمْ يَبِعْهَا وَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ آخَرُ دَعْوَى فَصَالَحَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ الصُّلْحُ جَائِزًا وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ.
وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا ثُمَّ جَحَدَهُ ثُمَّ صَالَحَهُ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ، وَلَا يَضُرُّهُ الْجَحْدُ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ إذَا تَصَادَقَا أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُصَالِحُ الْآخِذُ لِثَمَنِ الدَّارِ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّارِ، وَقَالَ: إنَّمَا صَالَحْته عَلَى الْجَحْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ وَهُمَا عَلَى خُصُومَتِهِمَا.
وَلَوْ صَالَحَ رَجُلٌ مِنْ دَعْوَى أَقَرَّ لَهُ بِهَا عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً فَقُتِلَ خَطَأً اُنْتُقِضَ الصُّلْحُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُصَالِحِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا غَيْرَهُ يَخْدُمُهُ، وَلَا عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا غَيْرَهُ يَخْدُمُهُ.
قَالَ: وَهَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ سُكْنَى بَيْتٍ فَهَدَمَهُ إنْسَانٌ أَوْ انْهَدَمَ، وَلَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ سَنَةً فَبَاعَهُ الْمَوْلَى كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ وَيَكُونَ لِهَذَا الْمِلْكِ وَلِهَذِهِ الْخِدْمَةِ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ رَدَّهُ وَبِهِ نَأْخُذُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّ الْبَيْعَ مُنْتَقَضٌ؛ لِأَنَّهُ مَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ كَانَ الْعِتْقُ جَائِزًا وَكَانَتْ الْخِدْمَةُ عَلَيْهِ إلَى مُنْتَهَى السَّنَةِ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ عِنْدَنَا لَا نَنْقُضُهُ مَا دَامَ الْمُسْتَأْجِرُ سَالِمًا.
قَالَ: وَلِصَاحِبِ الْخِدْمَةِ أَنْ يُخْدِمَهُ غَيْرَهُ وَيُؤَاجِرَهُ غَيْرَهُ فِي مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْمِصْرِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ فِي دَارٍ دَعْوَى فَأَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ وَالْعَبْدُ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَقْبِضْ الْمُصَالِحُ الْعَبْدَ حَتَّى جَنَى عَلَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فَسَوَاءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلْمُصَالِحِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَقْبِضَ الْعَبْدَ ثُمَّ يَفْدِيَهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ فَيُبَاعَ أَوْ يَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَيَنْقُضَ الصُّلْحَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ الْمِائَةِ، وَلَوْ كَانَ قَبَضَهُ ثُمَّ جَنَى فِي يَدَيْهِ كَانَ الصُّلْحُ جَائِزًا وَكَانَ كَعَبْدٍ اشْتَرَاهُ ثُمَّ جَنَى فِي يَدَيْهِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَحْبِسَ الْمِائَةَ؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَّا مَعًا، وَلَا يُجِيزَهَا إلَّا مَعًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ اسْتَحَقَّ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْمِائَةَ بِنِصْفِ الصُّلْحِ وَيَرُدَّ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لِلْبَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهُ، وَلَهُ فِي الْعَيْبِ إمْسَاكُهُ إنْ شَاءَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : أَصْلُ قَوْلِهِ إنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمُصَالَحِ بِهِ أَوْ الْبَيْعَ بِهِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَالْبَيْعُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ حَلَالًا وَحَرَامًا فَبَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْعَيْبِ فِي الدَّرَاهِمِ وَإِنَّمَا بَاعَهُ بِالدَّرَاهِمِ بِأَعْيَانِهَا كَانَ كَهُوَ فِي الْعَبْدِ، وَلَوْ بَاعَهُ بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ رَجَعَ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا، وَلَوْ كَانَ الصُّلْحُ بِعَبْدٍ وَزَادَهُ الْآخِذُ لِلْعَبْدِ ثَوْبًا فَاسْتَحَقَّ الْعَبْدُ انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَكَانَ عَلَى دَعْوَاهُ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ الَّذِي زَادَهُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا أَوْ قِيمَتَهُ إنْ وُجِدَ مُسْتَهْلَكًا، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَتَقَابَضَا وَجُرِحَ الْعَبْدُ جُرْحًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الصُّلْحَ وَهَذَا مِثْلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ جُرِحَ عِنْدَهُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ فَوَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ أَوْ يَرُدَّهُ وَيُنْتَقَضُ الصُّلْحُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بَعْضَ الصَّفْقَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ انْتَقَضَ الصُّلْحُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مَا مَعَ الْعَبْدِ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : إذَا اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ بَطَلَ الصُّلْحُ فِي مَعْنَى
قَوْلِ الشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَبْدًا وَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَزَادَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ ثُمَّ خَرَجَ الْعَبْدُ الَّذِي قُبِضَ أَيَّهُمَا كَانَ حُرًّا بَطَلَ الصُّلْحُ وَكَانَ كَرَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا فَخَرَجَ حُرًّا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي اسْتَحَقَّ الَّذِي أَعْطَاهُ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قِيلَ لِلَّذِي اسْتَحَقَّ فِي يَدَيْهِ الْعَبْدُ: لَك نَقْضُ الصُّلْحِ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِتَرْكِ نَقْضِهِ وَقَبُولِ مَا صَارَ فِي يَدَيْك مَعَ الْعَبْدِ فَلَا تُكْرَهُ عَلَى نَقْضِهِ وَهَكَذَا جَمِيعُ مَا اسْتَحَقَّ مِمَّا صَالَحَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا سَلَمًا فَاسْتُحِقَّ الْعَبْدُ الْمُسَلَّمُ فِي الشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ إلَى الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ بَطَلَ السَّلَمُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَبْدَيْنِ بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا كَانَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الْخِيَارُ فِي نَقْضِ السَّلَمِ وَرَدِّ الْعَبْدِ الْبَاقِي فِي يَدَيْهِ أَوْ إنْفَاذِ الْبَيْعِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْبَيْعِ الَّذِي فِي الْعَبْدِ نِصْفُهُ إلَى أَجَلِهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) يَبْطُلُ هَذَا كُلُّهُ وَيَنْفَسِخُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَنْزِلٍ عَلَى حِدَةٍ فَتَدَاعَيَا الْعَرْصَةَ فَالْعَرْصَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا وَإِنْ أَحَبَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَلَفْنَا لَهُ صَاحِبَهُ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِذَا حَلَفَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَحْلِفَا وَاصْطَلَحَا عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ بِحَقِّهِ جَازَ الصُّلْحُ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ مَنْزِلًا أَوْ مَنَازِلَ، السُّفْلُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا يَدَّعِيهِ وَالْعُلُوُّ فِي يَدِ الْآخَرِ يَدَّعِيهِ فَتَدَاعَيَا عَرْصَةَ الدَّارِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا وَصَفْت.
وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ بَيْنَ دَارَيْنِ أَحَدُهُمَا لِرَجُلٍ وَالْأُخْرَى لِآخَرَ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِبِنَاءِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّصَالَ الْبُنْيَانِ إنَّمَا هُوَ مُلْصَقٌ أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَتَدَاعَيَاهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا تَحَالَفَا وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَا أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَنْ إلَيْهِ الْخَوَارِجُ، وَلَا الدَّوَاخِلُ، وَلَا أَنْصَافُ اللَّبِنِ، وَلَا مَعَاقِدِ الْقِمْطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَلِأَحَدِهِمَا فِيهَا جُذُوعٌ، وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِ فِيهَا عَلَيْهِ أَحَلَفْتُهُمَا، وَأَقْرَرْتُ الْجُذُوعَ بِحَالِهَا وَجَعَلْت الْجِدَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلِ بِالْجُذُوعِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَائِطُ مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا اتِّصَالَ الْبُنْيَانِ الَّذِي لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ إلَّا مِنْ أَوَّلِ الْبُنْيَانِ وَمُنْقَطِعًا مِنْ بِنَاءِ الْآخَرِ جَعَلْته لِلَّذِي هُوَ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ دُونَ الَّذِي هُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ بِنَائِهِ، وَلَوْ كَانَ مُتَّصِلًا اتِّصَالًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ بَعْدَ كَمَالِ الْجِدَارِ يَخْرُجُ مِنْهُ لَبِنَةٌ وَيَدْخُلُ أُخْرَى أَطْوَلُ مِنْهَا أَحَلَفْتُهُمَا وَجَعَلْتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ تَدَاعَيَا فِي هَذَا الْجِدَارِ ثُمَّ اصْطَلَحَا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ بِتَصَادُقٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَاهُمَا أَجَزْت الصُّلْحَ وَإِذَا قَضَيْت بِالْجِدَارِ بَيْنَهُمَا لَمْ أَجْعَلْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ كُوَّةً، وَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ بِنَاءً إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَدَعَوْتهمَا إلَى أَنْ نَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَا فَإِنْ كَانَ عَرْضُهُ ذِرَاعًا أَعْطَيْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شِبْرًا فِي طُولِ الْجِدَارِ ثُمَّ قُلْت لَهُ إنْ شِئْت أَنْ تَزِيدَهُ مِنْ عَرْضِ دَارِك أَوْ بَيْتِك شِبْرًا آخَرَ؛ لِيَكُونَ لَك جِدَارًا خَالِصًا فَذَلِكَ لَك وَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِرَّهُ بِحَالِهِ، وَلَا تُقَاسِمَ مِنْهُ فَاقْرُرْهُ وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَهَدَمَاهُ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهُ وَلِلْآخِرِ ثُلُثَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا شَاءَ عَلَيْهِ إذَا بَنَاهُ فَالصُّلْحُ فِيهِ بَاطِلٌ، وَإِنْ شَاءَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضُهُ وَكَذَلِكَ إنْ شَاءَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ شَاءَا تَرَكَاهُ فَإِذَا بَنَيَاهُ لَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا، وَلَا كُوَّةً إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْبَيْتُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ آخَرُ وَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا سَطْحُهُ، وَلَا بِنَاءَ عَلَيْهِ وَالسُّفْلُ لِلْآخَرِ فَأَصْلُ مَا أَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الصُّلْحِ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا عَلَى الْإِقْرَارِ فَإِنْ تَقَارَّا أَجَزْت هَذَا بَيْنَهُمَا وَجَعَلْت لِهَذَا عُلُوَّهُ وَلِهَذَا سُفْلَهُ، وَأَجَزْت فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْآخَرُ مَا شَاءَ إذَا أَقَرَّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ، وَلَا تُجِيزُهُ إذَا بَنَى وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ عُلُوٌّ لَمْ أُجِزْهُ إلَّا عَلَى إقْرَارِهِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عُلُوَّ بَيْتٍ لَا بِنَاءَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ
يَبْنِيَ عَلَى جِدَارِهِ وَيَسْكُنَ عَلَى سَطْحِهِ وَسَمَّى مُنْتَهَى الْبِنَاءِ أَجَزْت ذَلِكَ كَمَا أُجِيزُ أَنْ يَبِيعَ أَرْضًا لَا بِنَاءَ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي خَصْلَةِ: أَنَّ مَنْ بَاعَ دَارًا لَا بِنَاءَ فِيهَا فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبْنِيَ مَا شَاءَ وَمَنْ بَاعَ سَطْحًا بِأَرْضِهِ أَوْ أَرْضًا وَرُءُوسَ جُدْرَانٍ احْتَجْت إلَى أَنْ أَعْلَمَ كَمْ مَبْلَغُ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْبِنَاءِ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْجُدْرَانُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فِي سُفْلِهَا دَرَجٌ إلَى عُلُوِّهَا فَتَدَاعَى صَاحِبَا السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ الدَّرَجَ وَالدَّرَجُ بِطَرِيقِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ دُونَ صَاحِبِ السُّفْلِ بَعْدَ الْأَيْمَانِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَجُ مَعْقُودَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُودَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّرَجَ إنَّمَا تُتَّخَذُ مَمَرًّا وَإِنْ ارْتَفَقَ بِمَا تَحْتَهَا، وَلَوْ كَانَ النَّاسُ يَتَّخِذُونَ الدَّرَجَ لِلْمُرْتَفَقِ وَيَجْعَلُونَ ظُهُورَهَا مُدَرَّجَةً لَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ جَعَلْت الدَّرَجَ بَيْنَ صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَنْفَعَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِيَدِ صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْأُخْرَى بِيَدِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ بَعْدَمَا أُحْلِّفُهُمَا.
وَإِذَا كَانَ الْبَيْتُ السُّفْلُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَالْعُلُوُّ فِي يَدِ آخَرَ فَتَدَاعَيَا سَقْفَهُ فَالسَّقْفُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ سَقْفٌ لِلسُّفْلِ مَانِعٌ لَهُ وَسَطْحٌ لِلْعُلْوِ أَرْضُهُ لَهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ أَنْ لَا تَكُونَ بَيِّنَةٌ وَبَعْدَ أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَيْهِ وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يُنْقَضَ الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ لِعِلَّةٍ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَذَلِكَ لَهُمَا وَيُعِيدَانِ مَعًا الْبِنَاءَ كَمَا كَانَ وَيُؤْخَذُ صَاحِبُ السُّفْلِ بِالْبِنَاءِ إذَا كَانَ هَدَمَهُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ هَدَمَهُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ وَإِنْ سَقَطَ الْبَيْتُ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ وَإِنْ تَطَوَّعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بِأَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ كَمَا كَانَ وَيَبْنِيَ عُلُوَّهُ كَمَا كَانَ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ سَكْنِهِ وَنَقْضُ الْجُدْرَانِ لَهُ مَتَى شَاءَ أَنْ يَهْدِمَهَا وَمَتَى جَاءَهُ صَاحِبُ السُّفْلِ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَصِيرُ الْبِنَاءُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الَّذِي بَنَى أَنْ يَهْدِمَ بِنَاءَهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ، وَأَصْلَحُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَهُ بِقَضَاءِ قَاضٍ.
وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ امْتَنَعَ مِنْ بِنَائِهِ وَبَنَاهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَجَائِزٌ كَهُوَ بِقَضَاءِ قَاضٍ وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخْلَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ فَاسْتَعْلَتْ حَتَّى انْتَشَرَتْ أَغْصَانُهَا عَلَى دَارِ رَجُلٍ فَعَلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ وَالشَّجَرَةِ قَطْعُ مَا شَرَعَ فِي دَارِ الرَّجُلِ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الدَّارِ تَرْكَهُ فَإِنْ شَاءَ تَرْكَهُ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَهُ عَلَى شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ كِرَاءً أَوْ شِرَاءً فَإِنَّمَا هُوَ كِرَاءُ هَوَاءٍ لَا أَرْضَ لَهُ، وَلَا قَرَارَ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَإِذَا تَدَاعَى رَجُلَانِ فِي عَيْنَيْنِ أَوْ بِئْرَيْنِ أَوْ نَهْرَيْنِ أَوْ غِيلَيْنِ دَعْوَى فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ أَبْرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَنْ دَعْوَاهُ فِي إحْدَى الْعَيْنَيْنِ أَوْ الْبِئْرَيْنِ أَوْ النَّهْرَيْنِ أَوْ مَا سَمَّيْنَا عَلَى أَنَّ لِهَذَا هَذِهِ الْعَيْنَ تَامَّةً وَلِهَذَا هَذِهِ الْعَيْنَ تَامَّةً فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إقْرَارٍ مِنْهُمَا فَالصُّلْحُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ شِرَاءُ بَعْضِ عَيْنٍ بِشِرَاءِ بَعْضِ عَيْنٍ وَإِذَا كَانَ النَّهْرُ بَيْنَ قَوْمٍ فَاصْطَلَحُوا عَلَى إصْلَاحِهِ بِبِنَاءٍ أَوْ كَبْسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ سَوَاءً فَذَلِكَ جَائِزٌ فَإِنْ دَعَا بَعْضُهُمْ إلَى عَمَلِهِ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْعَمَلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَمْ يُجْبَرْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ إنْ شِئْتُمْ فَتَطَوَّعُوا بِالْعِمَارَةِ وَيَأْخُذُ هَذَا مَاءَهُ مَعَكُمْ وَمَتَى شِئْتُمْ أَنْ تَهْدِمُوا الْعِمَارَةَ هَدَمْتُمُوهَا، وَأَنْتُمْ مَالِكُونَ لِلْعِمَارَةِ دُونَهُ حَتَّى يُعْطِيَكُمْ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْعِمَارَةِ وَيَمْلِكُهَا مَعَكُمْ، وَهَكَذَا الْعَيْنُ وَالْبِئْرُ، وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عُودَ خَشَبَةٍ أَوْ مِيزَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي جِدَارِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ الرَّجُلُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى شَيْءٍ جَازَ إذَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ زَرْعًا فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ زَرْعَهُ أَخْضَرَ مِمَّنْ يَقْصِلُهُ، وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ لِرَجُلَيْنِ فَادَّعَى رَجُلٌ فِيهِ دَعْوَى فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَ الزَّرْعَ أَخْضَرَ، وَلَا يُجِيزُ هَذَا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَرْضَى وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَعْوَى فِي دَارٍ فَصُولِحَ مِنْهَا عَلَى دَارٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهُ فِيهَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَمَا يَكُونُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ أَقَرَّ أَنْ قَدْ رَآهُ قَبْلَ الصُّلْحِ فَلَا خِيَارَ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ الَّتِي رَآهُ عَلَيْهَا.
قَالَ وَإِذَا ادَّعَى
رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ فَإِنْ تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ، وَلَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ، وَلَوْ قَبَضَ بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ جَازَ الصُّلْحُ فِيمَا قَبَضَ وَانْتَقَضَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ إذَا رَضِيَ ذَلِكَ الْمُصَالِحُ الْآخِذُ مِنْهُ الدَّنَانِيرَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ مِنْ دَنَانِيرَ عَلَى دَرَاهِمَ يَأْخُذُهَا فَكَانَ هَذَا مِثْلَ الصَّرْفِ لَوْ بَقِيَ مِنْهُ دِرْهَمٌ انْتَقَضَ الصَّرْفُ كُلُّهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ شِقْصًا فِي دَارٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ثِيَابٍ بِأَعْيَانِهَا أَوْ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا صَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَالصُّلْحُ بَيْعٌ مَا جَازَ فِيهِ جَازَ فِي الْبَيْعِ وَمَا رُدَّ فِيهِ رُدَّ فِي الْبَيْعِ، وَسَوَاءٌ مَوْصُوفٌ أَوْ بِعَيْنِهِ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَهَكَذَا كُلُّ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ عَيْنٍ مَوْصُوفٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إذَا اُبْتِيعَ حَتَّى يُقْبَضَ» وَكُلُّ شَيْءٍ اُبْتِيعَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ فَلَا يَبِيعُ مَا ضَمَانُهُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَعْوَى فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا فَصَالَحَهُ عَلَى عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا فَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَمَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْمُصَالِحُ بِالْخِيَارِ فِي رَدِّ الْعَبْدِ وَيَرْجِعُ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الدَّارِ أَوْ إجَازَةِ الصُّلْحِ بِحِصَّةِ الْعَبْدِ الْمَقْبُوضِ وَيَكُونُ لَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الدَّارِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعَبْدِ الْمَيِّتِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَلَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى عَبْدٍ فَمَاتَ بَطَلَ الصُّلْحُ وَكَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الدَّارِ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ رَجُلًا جَنَى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ الصُّلْحَ وَيَتْبَعَ الْجَانِيَ أَوْ يَرُدَّ الصُّلْحَ وَيَتْبَعَهُ رَبُّ الْعَبْدِ الْبَائِعُ لَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ.
وَلَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً فَقُتِلَ الْعَبْدُ فَأَخَذَ مَالِكُهُ قِيمَتَهُ فَلَا يُجْبَرُ الْمُصَالَحُ وَلَا رَبُّ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عَبْدًا مَكَانَهُ فَإِنْ كَانَ اسْتَخْدَمَهُ شَيْئًا جَازَ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا اسْتَخْدَمَهُ وَبَطَلَ مِنْ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا بَطَلَ مِنْ الْخِدْمَةِ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَبْدُ وَلَكِنَّهُ جُرِحَ جُرْحًا فَاخْتَارَ سَيِّدُهُ أَنْ يَدَعَهُ يُبَاعُ كَانَ كَالْمَوْتِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ فَصَالَحَهُ الْمُقِرُّ عَلَى مَسِيلِ مَاءٍ فَإِنْ سَمَّى لَهُ عَرْضَ الْأَرْضِ الَّتِي يَسِيلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ وَطُولَهَا وَمُنْتَهَاهَا فَجَائِزٌ إذَا كَانَ يَمْلِكُ الْأَرْضَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَنْ يَقُولَ يَسِيلُ الْمَاءُ فِي كَذَا وَكَذَا لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ كَمَا لَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَّا إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إلَّا مَسِيلًا لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضًا لَهُ مِنْ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ وَقْتًا مِنْ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ لَوْ صَالَحَهُ بِثُلُثِ الْعَيْنِ أَوْ رُبُعِهَا وَكَانَ يَمْلِكُ تِلْكَ الْعَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ مَاشِيَةً لَهُ شَهْرًا مِنْ مَائِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ لِرَجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا أَقَلُّ مِمَّا لِلْآخَرِ فَدَعَا صَاحِبُ النَّصِيبِ الْكَثِيرِ إلَى الْقَسْمِ وَكَرِهَهُ صَاحِبُ النَّصِيبِ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ مِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَجْبَرْته عَلَى الْقَسْمِ وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ عَدَدٍ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَنْتَفِعُ وَالْآخَرُونَ لَا يَنْتَفِعُونَ أَجْبَرْتهمْ عَلَى الْقَسْمِ لِلَّذِي دَعَا إلَى الْقَسْمِ وَجَمَعْت لِلْآخَرِينَ نَصِيبَهُمْ إنْ شَاءُوا، وَإِذَا كَانَ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا إنَّمَا يُقْسَمُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَصِيرُ إلَى مَنْفَعَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ.
[الْحَوَالَةُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلَاءً قَالَ وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - مَا قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا أَحَالَ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِحَقٍّ لَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ لَمْ يَرْجِعْ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا فِي هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْوِيَةِ قَوْلِك؟ قِيلَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ الْمُحَالُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ أَوْ مَاتَ مُفْلِسًا هَلْ يَصِيرُ الْمُحَالُ عَلَى مَنْ أُحِيلَ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ أُحِيلَ عَلَى مُفْلِسٍ وَكَانَ حَقُّهُ نَائِبًا عَنْ الْمُحِيلِ هَلْ كَانَ يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلَّا خَيْرًا، إنْ أَيْسَرَ الْمُفْلِسُ وَإِلَّا فَحَقُّهُ حَيْثُ كَانَ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا.
أَمَّا قَوْلُنَا إذَا بَرِئْت مِنْ حَقِّك وَضَمِنَهُ غَيْرَى فَالْبَرَاءَةُ لَا تَرْجِعُ إلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً وَإِمَّا لَا تَكُونُ الْحَوَالَةُ جَائِزَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ أَكُونَ بَرِيئًا مِنْ دَيْنِك إذَا أَحَلْتُك لَوْ حَلَفْت وَحَلَفْت مَا لَك عَلَيَّ حَقٌّ بَرَرْنَا فَإِنْ أَفْلَسَ عُدْت عَلَيَّ بِشَيْءٍ بَعْدَ أَنْ بَرِئْت مِنْهُ بِأَمْرٍ قَدْ رَضِيت بِهِ جَائِزًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِأَنَّ عُثْمَانَ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ يَرْجِعُ صَاحِبُهُ لَا تَوَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ فِي أَصْلِ قَوْلِهِ يَبْطُلُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ إنَّمَا شُكَّ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ احْتَمَلَ حَدِيثُ عُثْمَانَ خِلَافَهُ.
وَإِذَا أَحَالَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْحَقِّ فَأَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَحَوُّلُ حَقٍّ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى غَيْرِهِ وَمَا تَحَوَّلَ لَمْ يَعُدْ وَالْحَوَالَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْحَمَالَةِ مَا تَحَوَّلَ عَنْهُ لَمْ يَعُدْ إلَّا بِتَجْدِيدِ عَوْدَتِهِ عَلَيْهِ وَنَأْخُذُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُحِيلِ بِكُلِّ حَالٍ.
[بَابُ الضَّمَانِ]
ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا تَحَمَّلَ أَوْ تَكَفَّلَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ بِالدَّيْنِ فَمَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَلِلْمُتَحَمَّلِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا حَمَلَ لَهُ بِهِ فَإِذَا قَبَضَ مَالَهُ بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَالْحَمِيلُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْحَمِيلِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْمَحْمُولِ عَنْهُ بِمَا دَفَعُوا عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ.
وَقَالَ فِي الْحَمَالَةِ: (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ إذَا تَحَمَّلَ أَوْ تَكَفَّلَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ بِدَيْنٍ فَمَاتَ الْمُحْتَمِلُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَلِلْمُحْتَمِلِ عَنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا حَمَلَ لَهُ بِهِ، فَإِذَا قَبَضَ مَالَهُ بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَالْحَمِيلُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْحَمِيلِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْمَحْمُولِ عَنْهُ بِمَا دَفَعُوا عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ.
وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْمَالُ فَكَفَلَ لَهُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَالَهُ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً فَإِذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِشَرْطٍ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ عَلَى مَا شَرَطَ لَهُ دُونَ مَا لَمْ يَشْرِطْ لَهُ وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ مَا قَضَى لَك بِهِ عَلَى فُلَانٍ أَوْ شَهِدَ لَك بِهِ عَلَيْهِ شُهُودٌ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يُقْضَى لَهُ، وَلَا يُقْضَى لَهُ، وَيُشْهَدُ لَهُ، وَلَا يُشْهَدُ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا شَهِدَ بِهِ بِوُجُوهٍ فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا ضَمَانًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِمَا عَرَفَهُ الضَّامِنُ فَأَمَّا مَا لَمْ يَعْرِفْهُ فَهُوَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ.
وَإِذَا ضَمِنَ الرَّجُلُ دَيْنَ الْمَيِّتِ بَعْدَمَا يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ لِمَنْ هُوَ فَالضَّمَانُ لَهُ لَازِمٌ تَرَكَ الْمَيِّتُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْهُ فَإِذَا كَفَلَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ اسْتِهْلَاكُ مَالٍ لَا كَسْبُ مَالٍ فَإِذَا كُنَّا نَمْنَعُهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَكَذَلِكَ نَمْنَعُهُ أَنْ يَكْفُلَ فَيَغْرَمَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ «عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ حَمَلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ يَا قَبِيصَةُ الْمَسْأَلَةُ حُرِّمَتْ إلَّا فِي ثَلَاثٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِمَالٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، وَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْخِيَارَ، وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ جَعَلَ الْإِقْرَارَ وَاحِدًا أَحَلَفَهُ مَا كَفَلَ لَهُ إلَّا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَأَبْرَأَهُ، وَالْكَفَالَةُ لَا تَجُوزُ بِخِيَارٍ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُبَعِّضُ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ فَيَلْزَمُهُ مَا يَضُرُّهُ أَلْزَمَهُ الْكَفَالَةَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمَكْفُولُ لَهُ لَقَدْ جَعَلَ لَهُ كَفَالَةً بَتٍّ لَا خِيَارَ فِيهِ وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ عَلَى الْخِيَارِ لَا تَجُوزُ وَإِذَا
جَازَتْ بِغَيْرِ خِيَارٍ فَلَيْسَ يَلْزَمُ الْكَافِلَ بِالنَّفْسِ مَالٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ مَالًا كُفِلَ لَهُ.
وَلَا تَلْزَمُ الْكَفَالَةُ بِحَدٍّ، وَلَا قِصَاصٍ، وَلَا عُقُوبَةٍ لَا تَلْزَمُ الْكَفَالَةُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ.
وَلَوْ كَفَلَ لَهُ بِمَا لَزِمَ رَجُلًا فِي جُرُوحِ عَمْدٍ فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَرَادَ أَرْشَ الْجِرَاحِ فَهُوَ لَهُ وَالْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِمَالٍ وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ دَارًا فَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ عُهْدَتَهَا أَوْ خَلَاصَهَا فَاسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الضَّامِنِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ خَلَاصَهَا وَالْخَلَاصُ مَالٌ يُسَلَّمُ، وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْأَوَّلُ فَكِلَاهُمَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ.
[الشَّرِكَةُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَاطِلٌ، وَلَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا يَكُونُ بَاطِلًا إنْ لَمْ تَكُنْ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَاطِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ يَعُدَّانِ الْمُفَاوَضَةَ خَلْطَ الْمَالِ وَالْعَمَلَ فِيهِ وَاقْتِسَامَ الرِّبْحِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ الَّتِي يَقُولُ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ لَهَا شَرِكَةُ عَنَانٍ وَإِذَا اشْتَرَكَا مُفَاوَضَةً وَتَشَارَطَا أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ عِنْدَهُمَا هَذَا الْمَعْنَى فَالشَّرِكَةُ صَحِيحَةٌ وَمَا رُزِقَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ كَنْزٌ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ زَعَمَا أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ عِنْدَهُمَا بِأَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي كُلِّ مَا أَفَادَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِسَبَبِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ فَالشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فَاسِدَةٌ، وَلَا أَعْرِفُ الْقِمَارَ إلَّا فِي هَذَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِكَ الرَّجُلَانِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَجِدَ أَحَدُهُمَا كَنْزًا فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا.
أَرَأَيْتَ لَوْ تَشَارَطَا عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَالَطَا بِمَالٍ أَكَانَ يَجُوزُ؟ أَوْ أَرَأَيْت رَجُلًا وُهِبَ لَهُ هِبَةٌ أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ فَأَفَادَ مَالًا مِنْ عَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ أَيَكُونُ الْآخَرُ لَهُ فِيهِ شَرِيكًا؟ لَقَدْ أَنْكَرُوا أَقَلَّ مِنْ هَذَا.
[الْوَكَالَةُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلَاءً قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِوَكَالَةٍ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ مَرِضَ الْوَكِيلُ أَوْ أَرَادَ الْغَيْبَةَ أَوْ لَمْ يُرِدْهَا؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِوَكَالَتِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِوَكَالَةِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ رَأَى كَانَ ذَلِكَ لَهُ بِرِضَا الْمُوَكِّلِ.
وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَكَالَةً، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِأَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَالِحَ، وَلَا يُبْرِئَ، وَلَا يَهَبَ فَإِنْ فَعَلَ فَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ بِهِ فَلَا يَكُونُ وَكِيلًا فِيمَا لَمْ يُوَكِّلْهُ.
وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِطَلَبِ حَدٍّ لَهُ أَوْ قِصَاصٍ قُبِلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَى تَثْبِيتِ الْبَيِّنَةِ فَإِذَا حَضَرَ الْحَدَّ أَوْ الْقِصَاصَ لَمْ أَحْدُدْهُ، وَلَمْ أَقْصُصْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَحْدُودُ لَهُ وَالْمُقْتَصُّ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يَعْزِلُهُ فَيُبْطِلُ الْقِصَاصَ وَيَعْفُو وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَهُوَ عِنْدَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ وَكَّلَهُ بِهِ وَصَدَّقَهُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالُ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَإِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمَالِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ صَاحِبُ الْمَالِ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى هَذَا الَّذِي ادَّعَى الْوَكَالَةَ دَيْنًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَمْ يُجْبَرْ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالُ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ وَذَلِكَ أَنَّ إقْرَارَهُ إيَّاهُ بِهِ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عِنْدَ الْقَاضِي بِشَيْءٍ أَثْبَتَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَجَعَلَهُ وَكِيلًا حَضَرَ مَعَهُ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ، وَلَيْسَ الْخَصْمُ مِنْ هَذَا بِسَبِيلٍ.
وَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْوَكَالَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيَحْفَظُهُ وَيَدْفَعُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَغَيْرَهُ فَلَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَغَيْرَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا حَتَّى يُبَيِّنَ الْوَكَالَاتِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ خُصُومَةٍ أَوْ عِمَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَقْبَلُ الْوَكَالَةَ مِنْ الْحَاضِرِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْعُذْرِ وَغَيْرِ الْعُذْرِ وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَّلَ عِنْدَ عُثْمَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ فَقِيلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَكَانَ يُوَكِّلُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا كَانَ يُوَكِّلُهُ عِنْدَ عُمَرَ، وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ إنَّ لِلْخُصُومَةِ قَحْمًا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا.
[جِمَاعُ مَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ إذَا كَانَ ظَاهِرًا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : «أَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ» ، «وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا فَارْجُمْهَا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى مَا وَصَفْت مِنْ حُكْمِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَنَّ لِلْمَرْءِ وَعَلَيْهِ مَا أَظْهَرَ مِنْ الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ أَقَرَّ مِنْ الْبَالِغِينَ غَيْرِ الْمَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمْ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِهِ عُقُوبَةٌ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَطْعٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا مَحْجُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فِي بَدَنِهِ، وَلَا يَسْقُطُ إقْرَارُهُ عَنْهُ فِيمَا لَزِمَهُ فِي بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا بَدَنِهِ، وَلَا عَنْ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مَالًا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ عَلَى بَدَنِهِ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِالْفَرْضِ كَمَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ سَمِعْت مِنْهُ مِمَّنْ أَرْضَى خِلَافًا وَقَدْ أَمَرَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِعَبْدٍ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ فَقُطِعَ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْحَدُّ لِلَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ أَوْجَبَهُ اللَّهُ لِآدَمِيٍّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْحُرَّانِ الْبَالِغَانِ غَيْرُ الْمَحْجُورَيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا بِأَيِّ وَجْهٍ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُمَا كَمَا أَقَرَّا بِهِ، وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْحُرَّانِ الْمَحْجُورَانِ فِي أَمْوَالِهِمَا لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي حَالِ الْحَجْرِ وَلَا بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ فِي الدُّنْيَا وَيَلْزَمُهُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - تَأْدِيَتُهُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْحَجْرِ إلَى مَنْ أَقَرَّا لَهُ بِهِ وَسَوَاءٌ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ إذَا كَانَ لَا يَلْزَمُ إلَّا أَمْوَالُهُمَا بِحَالٍ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّا بِجِنَايَةِ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ اسْتِهْلَاكِ مَالٍ فَكُلُّ ذَلِكَ سَاقِطٌ عَنْهُمَا فِي الْحُكْمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَرَّا بِعَمْدٍ فِيهِ قِصَاصٌ لَزِمَهُمَا وَلِوَلِيِّ الْقِصَاصِ إنْ شَاءَ الْقِصَاصُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَلَيْهِمَا فَرْضًا فِي أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّ مِنْ فَرْضِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الْقِصَاصَ فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ الْقِصَاصَ دَلَّ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ أَنْ يَعْفُوَ الْقِصَاصَ وَيَأْخُذَ الْعَقْلَ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَلَزِمَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِمَا الْبَالِغَيْنِ مَا أَقَرَّا بِهِ وَكَانَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ وَعَفْوِهِ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مَكَانَهُ.
وَهَكَذَا الْعَبْدُ الْبَالِغُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ جُرْحٍ أَوْ نَفْسٍ فِيهَا قِصَاصٌ فَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ أَوْ الْمَجْرُوحِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ يَعْفُوَ الْقِصَاصَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَالًا لِلسَّيِّدِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهَا أَوْ خَطَأً لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْهَا شَيْءٌ وَيَلْزَمُهُ إذَا عَتَقَ يَوْمًا مَا فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْمَحْجُورَانِ مِنْ غَصْبٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ بَطَلَ عَنْهُمَا مَعًا فَيَبْطُلُ عَنْ الْمَحْجُورَيْنِ الْحُرَّيْنِ بِكُلِّ حَالٍ وَيَبْطُلُ عَنْ الْعَبْدِ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا إذَا عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَبْطَلْتُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ لَا مِنْ جِهَةِ حَجْرِي عَلَى الْحُرِّ فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا، وَالْعَاقِلُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْمُقَصِّرُ إذَا كَانَ بَالِغًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ وَأُذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ التِّجَارَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَرَّ الْحُرَّانِ الْمَحْجُورَانِ وَالْعَبْدُ بِسَرِقَةٍ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ قُطِعُوا مَعًا، وَلَزِمَ الْحُرَّيْنِ غُرْمُ السَّرِقَةِ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَالْعَبْدُ فِي عُنُقِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَطَلَتْ الْغُرْمُ عَنْ الْمَحْجُورَيْنِ لِلْحَجْرِ وَالْعَبْدِ لِأَنَّهُ يُقِرُّ فِي رَقَبَتِهِ لَمْ أَقْطَعْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْطُلَانِ إلَّا مَعًا، وَلَا يَحِقَّانِ إلَّا
مَعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرُّوا مَعًا بِسَرِقَةٍ بَالِغَةٍ مَا بَلَغَتْ لَا قَطْعَ فِيهَا.
أَبْطَلْتهَا عَنْهُمْ مَعًا عَنْ الْمَحْجُورَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمَا وَعَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ فِي عُنُقِهِ بِلَا حَدٍّ فِي بَدَنِهِ وَهَكَذَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُرْتَدُّ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَلْزَمْتُهُ إيَّاهُ كَمَا أُلْزِمُهُ إيَّاهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
[إقْرَارُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَرَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ مِنْ الرِّجَالِ، وَلَا الْمَحِيضَ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِحَقٍّ لِلَّهِ أَوْ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَاقِطٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إنَّمَا خَاطَبَ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الْعَاقِلِينَ الْبَالِغِينَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا نَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى الْإِثْبَاتِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ إنْ قَالَ لَمْ أَبْلُغْ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَرَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَقَدْ احْتَلَمَ، وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَفَ إقْرَارُهُ فَإِنْ حَاضَ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَلَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَ، وَلَمْ يَحْتَلِمْ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِحَالٍ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَذَا سَوَاءٌ فِي الْأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ إذَا قَالَ سَيِّدُ الْمَمْلُوكِ أَوْ أَبُو الصَّبِيِّ: لَمْ يَبْلُغْ.
وَقَالَ الْمَمْلُوكُ أَوْ الصَّبِيُّ: قَدْ بَلَغْت.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَمْلُوكِ إذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ فَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِهُ مَا قَالَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَوْ صَدَّقَهُ أَبُوهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَبْلُغُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَقْبَلَ إقْرَارَهُ وَإِذَا أَبْطَلْته عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ أُلْزِمْهُ الْحُرَّ، وَلَا الْمَمْلُوكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ فِي الْحُكْمِ وَيَلْزَمُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُؤَدُّوا إلَى الْعِبَادِ فِي ذَلِكَ حُقُوقَهُمْ.
[إقْرَارُ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مَا كَانَ الْمَرَضُ، فَغَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَأَقَرَّ فِي حَالِ الْغَلَبَةِ عَلَى عَقْلِهِ فَإِقْرَارُهُ فِي كُلِّ مَا أَقَرَّ بِهِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَرَضُ بِشَيْءٍ أَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ لِيَتَدَاوَى بِهِ فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ أَوْ بِعَارِضٍ لَا يُدْرَى مَا سَبَبُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَرِبَ رَجُلٌ خَمْرًا أَوْ نَبِيذًا مُسْكِرًا فَسَكِرَ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَفَعَلَ مِمَّا لِلَّهِ وَلِلْآدَمِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْفَرَائِضُ؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِ حَرَامًا وَحَلَالًا وَهُوَ آثِمٌ بِمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ شُرْبِ الْمُحَرَّمِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا صَنَعَ؛ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أُكْرِهَ فَأُوجِرَ خَمْرًا فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ ثُمَّ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ فِيمَا صَنَعَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فِي حَالِ ضُرٍّ غَلَبَهُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي ذَلِكَ حَدٌّ بِحَالٍ، لَا لِلَّهِ، وَلَا لِلْآدَمِيِّينَ كَأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَطَعَ رَجُلًا أَوْ قَتَلَهُ أَوْ سَرَقَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ زَنَى فَلَا يَلْزَمُهُ قِصَاصٌ، وَلَا قَطْعٌ، وَلَا حَدٌّ فِي الزِّنَا وَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَوْ الْمَجْرُوحِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ الْأَرْشَ وَكَذَلِكَ لِلْمَسْرُوقِ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ السَّرِقَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَقْذُوفِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا أَرْشَ لِلْقَذْفِ ثُمَّ هَكَذَا الْبَالِغُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ صَنَعَ مِنْ هَذَا فِي الصِّغَرِ لَا يَخْتَلِفُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ فِي حَالِ غَلَبَتِهِ عَلَى عَقْلِهِ وَصِغَرِهِ فَأَبْطَلْته عَنْهُ ثُمَّ قَامَتْ بِهِ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَخَذْت مِنْهُ مَا كَانَ فِي مَالِهِ دُونَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ، فَإِقْرَارُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَكْثَرُ مِنْ بَيِّنَةٍ لَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ أَنَّهُ فَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا وَهُوَ مَمْلُوكٌ بَالِغٌ أَلْزَمْته حَدَّ الْمَمْلُوكِ فِيهِ كُلَّهُ، فَإِنْ كَانَ قَذْفًا حَدَدْته أَرْبَعِينَ أَوْ زِنًا حَدَدْته خَمْسِينَ وَنَفَيْته نِصْفَ سَنَةٍ إذَا لَمْ يُحِدَّ قَبْلَ
إقْرَارِهِ، أَوْ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ أَوْ رِجْلَهُ عَمْدًا اقْتَصَصْت مِنْهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُقْتَصُّ لَهُ أَخْذَ الْأَرْشِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِمَمْلُوكٍ يُقْتَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى مَمْلُوكٍ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَأُعْتِقَ أَلْزَمْته الْقِصَاصَ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُ الْحُرَّ فِي خَصْلَةِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ مَالٍ أَلْزَمْته إيَّاهُ نَفْسَهُ إذَا أُعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارٍ كَمَا يُقِرُّ الرَّجُلُ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ فَأَجْعَلُهَا فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ تَلْزَمُ عُنُقَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ أَلْزَمْت سَيِّدَهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ جَنَى وَالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَحَالَ بِعِتْقِهِ دُونَ بَيْعِهِ.
[إقْرَارُ الصَّبِيِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا أَقَرَّ بِهِ الصَّبِيُّ مِنْ حَدٍّ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ الْآدَمِيِّ أَوْ حَقٍّ فِي مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَذِنَ لَهُ بِهِ أَبُوهُ أَوْ وَلِيُّهُ مَنْ كَانَ أَوْ حَاكِمٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ مَفْسُوخٌ، وَلَوْ أَجَزْت إقْرَارَهُ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَجَزْت أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَبُوهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَأُلْزِمُهُ أَوْ يَأْمُرُهُ فَيَقْذِفُ رَجُلًا فَأَحُدُّهُ أَوْ يَجْرَحُ فَأَقْتَصُّ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مِنْ إقْرَارِهِ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَهُ بِأَمْرِ أَبِيهِ، وَأَمْرُ أَبِيهِ فِي التِّجَارَةِ لَيْسَ بِإِذْنٍ بِالْإِقْرَارِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مَا يَلْزَمُ الْبَالِغَ بِحَالٍ.
[الْإِكْرَاهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] الْآيَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِلْكُفْرِ أَحْكَامٌ كَفِرَاقِ الزَّوْجَةِ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْكَافِرُ وَيُغْنَمَ مَالُهُ فَلَمَّا وَضَعَ اللَّهُ عَنْهُ سَقَطَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَوْلِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إذَا سَقَطَ عَنْ النَّاسِ سَقَطَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ حُكْمُهُ بِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْإِكْرَاهُ أَنْ يَصِيرَ الرَّجُلُ فِي يَدَيْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ مُتَغَلِّبٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَيَكُونُ الْمُكْرَهُ يَخَافُ خَوْفًا عَلَيْهِ دَلَالَةٌ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ قَوْلِ مَا أُمِرَ بِهِ يَبْلُغُ بِهِ الضَّرْبُ الْمُؤْلِمُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ أَوْ إتْلَافُ نَفْسِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا خَافَ هَذَا سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ مَا كَانَ الْقَوْلُ شِرَاءً أَوْ بَيْعًا أَوْ إقْرَارًا لِرَجُلٍ بِحَقٍّ أَوْ حَدٍّ أَوْ إقْرَارًا بِنِكَاحٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ إحْدَاثِ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا وَهُوَ مُكْرَهٌ فَأَيُّ هَذَا أَحْدَثَ وَهُوَ مُكْرَهٌ لَمْ يَلْزَمْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا وَصَفْت لَمْ يَسْعَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْت أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ فَعَلَهُ غَيْرَ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَلْزَمْته حُكْمَهُ كُلَّهُ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ حُبِسَ فَخَافَ طُولَ الْحَبْسِ أَوْ قُيِّدَ فَخَافَ طُولَ الْقَيْدِ أَوْ أُوعِدَ فَخَافَ أَنْ يُوقِعَ بِهِ مِنْ الْوَعِيدِ بَعْضَ مَا وَصَفْت أَنَّ الْإِكْرَاهَ سَاقِطٌ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا لَهُ حُكْمٌ فَأَقَرَّ بَعْدَ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ أَنْ يُوَفَّى لَهُ بِوَعِيدٍ أَلْزَمْته مَا أَحْدَثَ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ حُبِسَ فَخَافَ طُولَ الْحَبْسِ أَوْ قُيِّدَ فَقَالَ ظَنَنْت أَنِّي إذَا امْتَنَعْت مِمَّا أُكْرِهْت عَلَيْهِ لَمْ يَنَلْنِي حَبْسٌ أَكْثَرُ مِنْ سَاعَةٍ أَوْ لَمْ يَنَلْنِي عُقُوبَةٌ خِفْت أَنْ لَا يَسْقُطَ الْمَأْثَمُ عَنْهُ فِيمَا فِيهِ مَأْثَمٌ مِمَّا قَالَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا الْحُكْمُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي بِهِ الْكُرْهُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ التَّخَلُّصِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ حُبِسَ ثُمَّ خُلِّيَ ثُمَّ أَقَرَّ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ وَهَكَذَا لَوْ ضُرِبَ ضَرْبَةً أَوْ ضَرَبَاتٍ ثُمَّ خُلِّيَ فَأَقَرَّ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ خَوْفٌ لَهُ
سَبَبٌ فَأَحْدَثَ شَيْئًا لَزِمَهُ وَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ أَمْرٌ فَهُوَ بَعْدَ سَبَبِ الضَّرْبِ، وَالْإِقْرَارُ سَاقِطٌ عَنْهُ.
قَالَ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ أَقْرَرْتُ لَك بِكَذَا، وَأَنَا مُكْرَهٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ لَهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مَحْبُوسًا وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لِفُلَانٍ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِكَذَا أَوْ لَدَى سُلْطَانٍ بِكَذَا فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَقْرَرْتُ لِغَمِّ الْحَبْسِ أَوْ لِإِكْرَاهِ السُّلْطَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ غَيْرَ مُكْرَهٍ، وَلَا يَخَافُ حِينَ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ غَيْرَ مَكْرُوهٍ، وَلَا مَحْبُوسٍ بِسَبَبِ مَا أَقَرَّ لَهُ، وَهَذَا مَوْضُوعٌ بِنَصِّهِ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ سُئِلَ الرَّبِيعُ عَنْ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ؟ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ.
[جِمَاعُ الْإِقْرَارِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ أُلْزِمَ أَحَدًا إقْرَارًا إلَّا بَيِّنَ الْمَعْنَى فَإِذَا احْتَمَلَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَعْنَيَيْنِ أَلْزَمْتُهُ الْأَقَلَّ وَجَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَلَا أُلْزِمُهُ إلَّا ظَاهِرَ مَا أَقَرَّ بِهِ بَيِّنًا، وَإِنْ سَبَقَ إلَى الْقَلْبِ غَيْرُ ظَاهِرِ مَا قَالَ، وَكَذَلِكَ لَا أَلْتَفِت إلَى سَبَبِ مَا أَقَرَّ بِهِ إذَا كَانَ لِكَلَامِهِ ظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ خِلَافَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُجِيبُ عَلَى خِلَافِ السَّبَبِ الَّذِي كُلِّمَ عَلَيْهِ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ عَلَى الظَّاهِرِ.
[الْإِقْرَارُ بِالشَّيْءِ غَيْرِ مَوْصُوفٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مَالٌ أَوْ عِنْدِي أَوْ فِي يَدِي أَوْ قَدْ
اسْتَهْلَكْتُ مَالًا عَظِيمًا أَوْ قَالَ عَظِيمًا جِدًّا أَوْ عَظِيمًا عَظِيمًا فَكُلُّ هَذَا سَوَاءٌ وَيُسْأَلُ مَا أَرَادَ.
فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالِ عَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ مَالًا صَغِيرًا أَوْ صَغِيرًا جِدًّا أَوْ صَغِيرًا صَغِيرًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعِهَا يَقَعُ عَلَيْهِ قَلِيلٌ.
قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38] وَقَلِيلُ مَا فِيهَا يَقَعُ عَلَيْهِ عَظِيمُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47] .
وَكُلُّ مَا أُثِيبَ عَلَيْهِ وَعُذِّبَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ كَثِيرٍ، وَهَكَذَا إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ وَسَطٌ أَوْ لَا قَلِيلٌ، وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إذَا جَازَ فِي الْكَثِيرِ كَانَ فِيمَا وَصَفْت أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْهُ أَجْوَزُ وَهَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ قَلِيلٌ.
وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ إلَّا مَالًا قَلِيلًا.: كَانَ هَكَذَا، وَلَا يَجُوزُ إذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي مَالٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ فَأَقَلُّ الْمَالِ لَازِمٌ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مَالٌ وَافِرٌ، وَلَهُ عِنْدِي مَالٌ تَافِهٌ، وَلَهُ عِنْدِي مَالٌ مُغْنٍ كَانَ كُلُّهُ كَمَا وَصَفْت مِنْ مَالٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُغْنِي الْقَلِيلُ، وَلَا يُغْنِي الْكَثِيرُ وَيُنْمَى الْقَلِيلُ إذَا بُورِكَ فِيهِ وَأُصْلِحَ وَيَتْلَفُ الْكَثِيرُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ الْمُقِرُّ بِهَذَا حَيًّا قُلْت لَهُ أَعْطِ الَّذِي أَقْرَرْتَ لَهُ مَا شِئْت مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ وَاحْلِفْ لَهُ مَا أَقْرَرْتَ لَهُ بِغَيْرِ مَا أَعْطَيْتَهُ فَإِنْ قَالَ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا جَبَرْته عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ مَكَانَهُ وَيَحْلِفُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَإِذَا حَلَفَ لَمْ أُلْزِمْهُ غَيْرَهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ قُلْت لِلَّذِي يَدَّعِي عَلَيْهِ ادَّعِ مَا أَحْبَبْت فَإِذَا ادَّعَى قُلْتُ لِلرَّجُلِ احْلِفْ عَلَى مَا ادَّعَى فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ أَبَى قُلْت لَهُ اُرْدُدْ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ أَعْطَيْته وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ أُعْطِهِ شَيْئًا بِنُكُولِك حَتَّى يَحْلِفَ مَعَ نُكُولِك.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِالْمَالِ غَائِبًا أَقَرَّ بِهِ مِنْ صِنْفٍ مَعْرُوفٍ كَفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ فَسَأَلَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ قُلْنَا إنْ شِئْت فَانْتَظِرْ مَقْدِمَهُ أَوْ نَكْتُبُ لَك إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاك مِنْ مَالِهِ الَّذِي أَقَرَّ فِيهِ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ، وَاشْهَدْ بِأَنَّهُ عَلَيْك فَإِنْ جَاءَ فَأَقَرَّ لَك بِأَكْثَرَ مِنْهُ أَعْطَيْتَ الْفَضْلَ كَمَا أَعْطَيْنَاك وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَك بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ اسْتَوْفَيْت وَكَذَلِكَ إنْ جَحَدَك فَقَدْ أَعْطَيْنَاك أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ.
وَإِنْ قَالَ مَالٌ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى شَيْءٍ لَمْ نُعْطِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَيَحْلِفُ أَوْ يَمُوتُ فَتَحْلِفُ وَرَثَتُهُ وَيُعْطِي مِنْ مَالِهِ أَقَلَّ الْأَشْيَاءِ قَالَ وَهَكَذَا إنْ كَانَ الْمُقِرُّ حَاضِرًا فَغَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي مَا بَرِئَ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَيَجْعَلُ الْغَائِبَ وَالْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ عَلَى حُجَّتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِثْلُ هَذَا إنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَذَا ثُمَّ مَاتَ وَأَجْعَلُ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ عَلَى حُجَّتِهِ إنْ كَانَتْ لِلْمَيِّتِ حُجَّةٌ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ شَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ تَحْلِفَ لَهُ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ فَلَا أُحَلِّفُهُمْ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ فَإِنْ ادَّعَاهُ أَحَلَفْتهمْ مَا يَعْلَمُونَ أَبَاهُمْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْته.
[الْإِقْرَارُ بِشَيْءٍ مَحْدُودٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ وَهُوَ يَعْرِفُ مَالَ فُلَانٍ الَّذِي قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ يَعْرِفُ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ فَسَوَاءٌ، وَأَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ عَلَيَّ حَلَالٌ وَالْحَلَالُ كَثِيرٌ وَمَالُ فُلَانٍ الَّذِي قُلْت لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ حَرَامٌ وَهُوَ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ لِقِلَّةِ بَقَائِهِ، وَلَوْ قَالَ قُلْت لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدِي أَبْقَى فَهُوَ أَكْثَرُ بِالْبَقَاءِ مِنْ مَالِ فُلَانٍ وَمَا فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ
يُتْلِفُهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ فِي الْعَدَدِ، وَلَا فِي الْقِيمَةِ وَكَانَ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ مَاتَ أَوْ خَرِسَ أَوْ غُلِبَ فَهُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ لَهُ عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ، وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ أَوْ عَدَدِ مَا فِي يَدِ فُلَانٍ مِنْ الْمَالِ كَانَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ عِلْمَهُ أَنَّ عَدَدَ مَا فِي يَدِ فُلَانٍ مِنْ الْمَالِ كَذَا قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ فَلَوْ قَالَ عَلِمْت أَنَّ عَدَدَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَقْرَرْت لَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ حَلَفَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُقَرُّ لَهُ شُهُودًا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَمْ أُلْزِمْهُ أَكْثَرَ مِمَّا قَالَ إنْ عَلِمْت مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفًا فَتَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ وَتَكُونُ لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَوْ أَنَّ الشُّهُودَ قَالُوا لَهُ نَشْهَدُ أَنَّ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَذِّبُ الشُّهُودَ وَيُكَذِّبُهُ بِمَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِكَلَامِهِمْ وَقَدْ يَعْلَمُ لَوْ صَدَّقَهُمْ أَنَّ مَالَهُ هَلَكَ فَلَا يَلْزَمُهُ مِمَّا لِغَرِيمِهِ إلَّا مَا أَحَطْنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَقْرَرْت لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهَا فُلُوسًا، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَقْرَرْت بِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهَا حَبَّ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ لَك عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ ذَهَبًا فَالْقَوْلُ فِي الذَّهَبِ الرَّدِيءِ وَغَيْرِ الْمَضْرُوبِ قَوْلُ الْمُقِرِّ.
وَلَوْ كَانَ قَالَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ لَك عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ مَالِكِ لَمْ أُلْزِمْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ وَقُلْت لَهُ كَمْ مَالُهُ؟ فَإِنْ قَالَ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ أَوْ فَلْسٌ أَلْزَمْته أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ وَفَلْسٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَذِّبُهُ بِأَنَّ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَأَقَرَّ بَعْدَ شُهُودِ الْبَيِّنَةِ أَوْ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَذِّبُ الْبَيِّنَةَ، وَلَا أُلْزِمُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ قَدْ عَلِمْت أَنَّ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَقْرَرْت بِأَكْثَرَ مِنْهَا ذَهَبًا وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَلْزَمْته أَيَّ شَيْءٍ قَالَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ.
[الْإِقْرَارُ لِلْعَبْدِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِعَبْدِ رَجُلٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ أَوْ لِحُرٍّ أَوْ لِحُرَّةٍ مَحْجُورِينَ أَوْ غَيْرِ مَحْجُورِينَ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَكَانَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِعَبْدِهِ وَلِوَلِيِّ الْمَحْجُورِينَ أَخْذُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِلْمَحْجُورِينَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لِمَجْنُونٍ أَوْ زَمِنٍ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ كَانَ لَهُمْ أَخْذٌ بِهِ فَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِبِلَادِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ غَيْرَ مُكْرَهٍ أَلْزَمْتُهُ إقْرَارَهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْأَسْرَى إذَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَبَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَيْرُ مُكْرَهِينَ أَلْزَمْتهمْ ذَلِكَ كَمَا أُلْزِمُهُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ يُقِرُّ لِلْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ أُلْزِمُهُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
[الْإِقْرَارُ لِلْبَهَائِمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِبَعِيرٍ لِرَجُلٍ أَوْ لِدَابَّةٍ لَهُ أَوْ لِدَارٍ لَهُ أَوْ لِهَذَا الْبَعِيرِ أَوْ
لِهَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لِهَذِهِ الدَّارِ عَلَى كَذَا لَمْ أُلْزِمْهُ شَيْئًا مِمَّا أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَهَائِمَ وَالْحِجَارَةَ لَا تَمْلِكُ شَيْئًا بِحَالٍ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ بِسَبَبِ هَذَا الْبَعِيرِ أَوْ سَبَبِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ سَبَبِ هَذِهِ الدَّارِ كَذَا وَكَذَا لَمْ أُلْزِمْهُ إقْرَارَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَنْ أَحَالَتْ عَلَيَّ أَوْ حَمَلَتْ عَنِّي أَوْ حَمَلَتْ عَنْهَا وَهِيَ لَا تُحِيلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْمِلُ عَنْهَا بِحَالٍ، وَلَوْ وَصَلَ الْكَلَامُ فَقَالَ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَنِّي جَنَيْت فِيهَا جِنَايَةً أَلْزَمَتْنِي كَذَا وَكَذَا كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا لِمَالِكِهَا لَازِمًا لِلْمُقِرِّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِسَيِّدِهَا عَلَيَّ بِسَبَبِهَا كَذَا وَكَذَا أَلْزَمْته ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْإِقْرَارَ لِلسَّيِّدِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ بِحَالٍ فَلَا أُبْطِلُهُ عَنْهُ وَأُلْزِمُهُ بِحَالٍ وَلَوْ قَالَ لِسَيِّدِ هَذِهِ النَّاقَةِ عَلَيَّ بِسَبَبِ مَا فِي بَطْنِهَا كَذَا لَمْ أُلْزِمْهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَا فِي بَطْنِهَا شَيْءٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَمْلًا فَلَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ جِنَايَةً لَهَا حُكْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ بِسَبَبِ مَا لَا يَكُونُ بِسَبَبِ غُرْمٍ أَبَدًا.
[الْإِقْرَارُ لِمَا فِي الْبَطْنِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَذَا الشَّيْءُ يَصِفُهُ فِي يَدِهِ عَبْدٌ أَوْ دَارٌ أَوْ عَرْضٌ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا مِكْيَالًا حِنْطَةً لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لِرَجُلٍ وَلَدُهَا حُرٌّ فَأَبُو الْحَمْلِ أَوْ وَلِيُّهُ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِمَا فِي بَطْنِ أَمَةٍ لِرَجُلٍ فَمَالِكُ الْجَارِيَةِ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ.
فَإِذَا لَمْ يَصِلْ الْمُقِرُّ إقْرَارَهُ بِشَيْءٍ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ لَهُ إنْ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدًا حَيًّا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِشَيْءٍ مَا كَانَ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى أَوْ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَمَا أَقَرَّ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا أَقَرَّ بِهِ كُلِّهِ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَيْنِ مَيِّتَيْنِ سَقَطَ الْإِقْرَارُ عَنْهُ.
وَهَكَذَا إنْ وَلَدَتْ وَلَدًا حَيًّا أَوْ اثْنَيْنِ لِكَمَالِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أَقَرَّ سَقَطَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ بَعْدَ إقْرَارِهِ فَلَا يَكُونُ أَقَرَّ بِشَيْءٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا أُجِيزُ الْإِقْرَارَ إذَا عَلِمْت أَنَّهُ وَقَعَ لِبَشَرٍ قَدْ خُلِقَ وَإِذَا أَقَرَّ لِلْحَمْلِ فَوَلَدَتْ الَّتِي أَقَرَّ لِحَمْلِهَا وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالْآخَرُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْإِقْرَارُ جَائِزٌ لَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ قَدْ خَرَجَ بَعْضُهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَحُكْمُ الْخَارِجِ بَعْدَهُ حُكْمُهُ فَإِذَا أَقَرَّ لِمَا فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ فَضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا سَقَطَ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ كَانَتْ أَلْقَتْهُ بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ وَإِنْ أَشْكَلَ أَوْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُخْلَقَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ سَقَطَ الْإِقْرَارُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا أَجَزْتُ الْإِقْرَارَ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا يُمْلَكُ بِالْوَصِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ يُمْلَكُ بِحَالٍ لَمْ أُبْطِلْ الْإِقْرَارَ لَهُ حَتَّى يُضِيفَ الْإِقْرَارَ إلَى مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْلَكَ بِهِ مَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَسْلِفْنِي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ حَمِّلْ عَنِّي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَغُرْمُهَا أَوْ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يَكُونُ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ بِحَالٍ.
قَالَ: وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدِي هَذَا الْعَبْدُ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ غَصَبْته إيَّاهَا لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوصِي لَهُ بِمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَيَغْصِبُهُ إيَّاهُ؛ وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَقُولَ ظَلَمْته إيَّاهُ وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ اسْتَسْلَفْته؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوصِي إلَيْهِ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ يَسْتَسْلِفُهُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ اسْتَهْلَكْته عَلَيْهِ أَوْ أَهْلَكْته لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يَقُولُ أَسْلِفْنِيهِ مَا فِي بَطْنِهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا لَا يُسَلِّفُ شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدِي أَلْفٌ أَوْصَى لَهُ بِهَا أَبِي كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ، فَإِنْ بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْحَمْلِ بِأَنْ يُولَدَ مَيِّتًا كَانَتْ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ لِوَرَثَةِ أَبِيهِ.
وَلَوْ قَالَ أَوْصَى لَهُ بِهَا فُلَانٌ إلَيَّ فَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ كَانَتْ الْأَلْفُ لِوَرَثَةِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ أَوْصَى بِهَا لَهُ، وَلَوْ قَالَ لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ أَسْلَفَنِيهَا أَبُوهُ أَوْ غَصَبْتهَا أَبَاهُ كَانَ الْإِقْرَارُ لِأَبِيهِ فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مَيِّتًا فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ
عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَهِيَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ غَصَبْتُهَا مِنْ مِلْكِهِ أَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ، فَأَلْزَمْته الْإِقْرَارَ فَخَرَجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَسَأَلَ وَارِثُهُ أَخَذَهَا الْمُقِرُّ فَإِنْ جَحَدَ أَحَلَفْته، وَلَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَإِنْ قَالَ: أَوْصَى بِهَا فُلَانٌ لَهُ فَغَصَبْتهَا أَوْ أَقْرَرْت بِغَصْبِهَا كَاذِبًا رُدَّتْ إلَى وَرَثَةِ فُلَانٍ فَإِنْ قَالَ قَدْ وَهَبْت لِهَذَا الْجَنِينِ دَارِي أَوْ تَصَدَّقْت بِهَا عَلَيْهِ أَوْ بِعْته إيَّاهَا لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا لَا يَجُوزُ لِجَنِينٍ، وَلَا عَلَيْهِ، وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِهَا لِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَةٍ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ.
[الْإِقْرَارُ بِغَصْبِ شَيْءٍ فِي شَيْءٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ غَصَبْتُك كَذَا فِي كَذَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُك ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا أَوْ طَعَامًا فِي رَجَبٍ سَنَةً كَذَا فَأَخْبَرَ بِالْحِينِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ وَالْجِنْسِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ فَكَذَلِكَ إنْ قَالَ غَصَبْتُك حِنْطَةً فِي بَلَدِ كَذَا أَوْ فِي صَحْرَاءَ أَوْ فِي أَرْضِ فُلَانٍ أَوْ فِي أَرْضِك فَيَعْنِي الَّذِي أَصَابَ الْغَصْبَ أَنَّ الَّذِي فِيهِ غَيْرُ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ إنَّمَا جَعَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَصَابَ الْغَصْبَ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ غَصَبَهُ فِيهِ كَمَا جَعَلَ الشَّهْرَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ غَصَبَ فِيهِ كَقَوْلِك غَصَبْتُك حِنْطَةً فِي أَرْضٍ وَغَصَبْتُك حِنْطَةً مِنْ أَرْضٍ وَغَصَبْتُك زَيْتًا فِي حَبٍّ وَغَصَبْتُك زَيْتًا مِنْ حَبٍّ وَغَصَبْتُك سَفِينَةً فِي بَحْرٍ وَغَصَبْتُك سَفِينَةً مِنْ بَحْرٍ وَغَصَبْتُك بَعِيرًا فِي مَرْعَى وَغَصَبْتُك بَعِيرًا مِنْ مَرْعَى وَبَعِيرًا فِي بَلَدِ كَذَا وَمِنْ بَلَدِ كَذَا وَغَصَبْتُك كَبْشًا فِي خَيْلٍ وَكَبْشًا مِنْ خَيْلٍ يَعْنِي فِي جَمَاعَةِ خَيْلٍ وَغَصَبْتُك عَبْدًا فِي إمَاءٍ وَعَبْدًا مِنْ إمَاءٍ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مَعَ إمَاءٍ وَعَبْدًا فِي غَنَمٍ وَعَبْدًا فِي إبِلٍ وَعَبْدًا مِنْ غَنَمٍ وَعَبْدًا مِنْ إبِلٍ كَقَوْلِهِ غَصَبْتُك عَبْدًا فِي سِقَاءٍ وَعَبْدًا فِي رَحًى لَيْسَ أَنَّ السِّقَاءَ وَالرَّحَى مِمَّا غَصَبَ، وَلَكِنَّهُ وَصَفَ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا وَصَفَ أَنَّهُ كَانَ فِي إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ.
وَهَكَذَا إنْ قَالَ غَصَبْتُك حِنْطَةً فِي سَفِينَةٍ أَوْ فِي جِرَابٍ أَوْ فِي غِرَارَةٍ أَوْ فِي صَاعٍ فَهُوَ غَاصِبٌ لِلْحِنْطَةِ دُونَ مَا وَصَفَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهِ وَقَوْلُهُ فِي سَفِينَةٍ وَفِي جِرَابٍ كَقَوْلِهِ مِنْ سَفِينَةٍ وَجِرَابٍ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُك ثَوْبًا قُوهِيًّا فِي مِنْدِيلٍ أَوْ ثِيَابًا فِي جِرَابٍ أَوْ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ ثَوْبًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ أَوْ دَنَانِيرَ فِي خَرِيطَةٍ لَا يَخْتَلِفُ كُلُّ هَذَا قَوْلُهُ فِي كَذَا وَمِنْ كَذَا سَوَاءٌ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ لَا مَا وَصَفَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ كَانَ فِيهِ لَهُ.
قَالَ: وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُك فَصًّا فِي خَاتَمٍ أَوْ خَاتَمًا فِي فَصٍّ أَوْ سَيْفًا فِي حَمَّالَةٍ أَوْ حَمَّالَةً فِي سَيْفٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا قَدْ يَتَمَيَّزُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيُنْزَعُ الْفَصُّ مِنْ الْخَاتَمِ وَالْخَاتَمُ مِنْ الْفَصِّ وَيَكُونُ السَّيْفُ مُعَلَّقًا بِالْحَمَّالَةِ لَا مَشْدُودَةً إلَيْهِ وَمَشْدُودَةً إلَيْهِ فَتُنْزَعُ مِنْهُ.
قَالَ: وَهَكَذَا إنْ قَالَ غَصَبْتُك حِلْيَةً مِنْ سَيْفٍ أَوْ حِلْيَةً فِي سَيْفٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ عَلَى السَّيْفِ فَيُنْزَعُ.
قَالَ: وَهَكَذَا إنْ قَالَ غَصَبْتُك شَارِبَ سَيْفٍ أَوْ نَعْلَهُ فَهُوَ غَاصِبٌ لِمَا وَصَفْت دُونَ السَّيْفِ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك طَيْرًا فِي قَفَصٍ أَوْ طَيْرًا فِي شَبَكَةٍ أَوْ طَيْرًا فِي شِنَاقٍ كَانَ غَاصِبًا لِلطَّيْرِ دُونَ الْقَفَصِ وَالشَّبَكَةِ وَالشِّنَاقِ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك زَيْتًا فِي جَرَّةً أَوْ زَيْتًا فِي زِقٍّ أَوْ عَسَلًا فِي عُكَّةٍ أَوْ شَهِدَا فِي جُونَةٍ أَوْ تَمْرًا فِي قِرْبَةٍ أَوْ جُلَّةٍ كَانَ غَاصِبًا لِلزَّيْتِ دُونَ الْجَرَّةِ وَالزِّقِّ وَالْعَسَلِ دُونَ الْعُكَّةِ وَالشَّهْدِ دُونَ الْجَوْنَةِ وَالتَّمْرِ دُونَ الْقِرْبَةِ وَالْجُلَّةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك جَرَّةً فِيهَا زَيْتٌ وَقَفَصًا فِيهِ طَيْرٌ وَعُكَّةَ فِيهَا سَمْنٌ كَانَ غَاصِبًا لِلْجَرَّةِ دُونَ الزَّيْتِ وَالْقَفَصِ دُونَ الطَّيْرِ وَالْعُكَّةِ دُونَ السَّمْنِ، وَلَا يَكُونُ غَاصِبًا لَهُمَا مَعًا إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ يَقُولُ غَصَبْتُك عُكَّةً وَسَمْنًا وَجَرَّةً وَزَيْتًا، فَإِذَا قَالَ هَذَا فَهُوَ غَاصِبٌ لِلشَّيْئَيْنِ.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ قَالَ غَصَبْته سَمْنًا فِي عُكَّةٍ أَوْ
سَمْنًا وَعُكَّةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَمْنٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَيِّ سَمْنٍ أَقَرَّ بِهِ، وَأَيِّ عُكَّةٍ أَقَرَّ لَهُ بِهَا، وَإِذَا قَالَ غَصَبْتُك سَرْجًا عَلَى حِمَارٍ أَوْ حِنْطَةً عَلَى حِمَارٍ فَهُوَ غَاصِبٌ لِلسَّرْجِ دُونَ الْحِمَارِ وَالْحِنْطَةِ دُونَ الْحِمَارِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: غَصَبْتُك حِمَارًا عَلَيْهِ سَرْجٌ أَوْ حِمَارًا مُسَرَّجًا كَانَ غَاصِبًا لِلْحِمَارِ دُونَ السَّرْجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك ثِيَابًا فِي عَيْبَةٍ كَانَ غَاصِبًا لِلثِّيَابِ دُونَ الْعَيْبَةِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُك عَيْبَةً فِيهَا ثِيَابٌ كَانَ غَاصِبًا لِلْعَيْبَةِ دُونَ الثِّيَابِ.
[الْإِقْرَارُ بِغَصْبِ شَيْءٍ بِعَدَدٍ وَغَيْرِ عَدَدٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ غَصَبْتُك شَيْئًا لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِي الشَّيْءِ قَوْلُهُ فَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ غَصَبَهُ شَيْئًا أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَبَسَهُ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، فَإِذَا فَعَلَ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي وَإِلَّا أَحْلَفَهُ مَا غَصَبَهُ إلَّا مَا ذَكَرَ ثُمَّ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ وَيَحْلِفُونَ مَا غَصَبَهُ غَيْرُهُ وَيُوقَفُ مَالُ الْمَيِّتِ عَنْهُمْ حَتَّى يُقِرُّوا لَهُ بِشَيْءٍ وَيَحْلِفُونَ مَا عَلِمُوا غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ غَصَبْتُك شَيْئًا ثُمَّ أَقَرَّ بِشَيْءٍ بِإِلْزَامِ الْحَاكِمِ أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَوْ بِغَيْرِ إلْزَامِهِ فَسَوَاءٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِمَّا يَحِلُّ أَنْ يَمْلِكَ بِحَالٍ جُبِرَ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ فَاتَ فِي يَدِهِ جُبِرَ عَلَى أَدَاءِ قِيمَتِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَتِهِ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحِلُّ أَنْ يَمْلِكَ أُحْلِفَ مَا غَصَبَهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ فَلْسًا أَوْ حِمَارًا فَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ كَلْبًا جَبَرْته عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ مِلْكُ الْكَلْبِ، فَإِنْ مَاتَ الْكَلْبُ فِي يَدَيْهِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ لَهُ؛ وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ جَبَرْته عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ فَاتَ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ لَهُ مَا لَمْ يُدْبَغْ فَإِنْ كَانَ مَدْبُوغًا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ فَاتَ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ يَحِلُّ إذَا دُبِغَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، وَأَهْرَقْت عَلَيْهِ الْخَمْرَ وَذَبَحْت الْخِنْزِيرَ، وَأَلْغَيْته إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، وَلَا ثَمَنَ لِهَذَيْنِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُمْلَكَا بِحَالٍ.
وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ حِنْطَةً فَفَاتَتْ رَدَّ إلَيْهِ مِثْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ فَقِيمَتُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ مِثْلٌ يُرَدُّ مِثْلُهُ، فَإِنْ فَاتَ يُرَدُّ قِيمَتُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ الْكَثِيرُ الْمَالِ غَصَبْت فُلَانًا لِرَجُلٍ كَثِيرِ الْمَالِ شَيْئًا أَوْ شَيْئًا لَهُ بَالٌ فَهُوَ كَالْفَقِيرِ يُقِرُّ لِلْفَقِيرِ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَقَرَّ بِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ فَلْسٍ أَوْ حَبَّةٍ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ قَالَ: غَصَبْته أَشْيَاءَ قِيلَ أَدِّ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ ظَاهِرِ الْجِمَاعِ فِي كَلَامِ النَّاسِ، وَأَيُّ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ قَالَ هِيَ هِيَ فَهِيَ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنْ قَالَ هِيَ ثَلَاثَةُ أَفْلُسٍ أَوْ هِيَ فَلْسٌ وَدِرْهَمٌ وَتَمْرَةٌ أَوْ هِيَ ثَلَاثُ تَمَرَاتٍ أَوْ هِيَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلَاثَةُ أَعْبُدَ أَوْ عَبْدٌ، وَأَمَةٌ وَحِمَارٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ اخْتَلَفَتْ أَوْ اتَّفَقَتْ فَسَوَاءٌ، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُك، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ غَصَبْتُك مَا تَعْلَمُ لَمْ أُلْزِمْهُ بِهَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ فَيُدْخِلُهُ الْمَسْجِدَ أَوْ الْبَيْتَ لِغَيْرِ مَكْرُوهٍ وَيَغْصِبُهُ فَيَمْنَعُهُ بَيْتَهُ فَلَا أُلْزِمُهُ حَتَّى يَقُولَ غَصَبْتُك شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُك شَيْئًا فَقَالَ عَنَيْت نَفْسَك لَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ غَصَبْتُك شَيْئًا، فَإِنَّمَا ظَاهِرُهُ غَصَبْت مِنْك شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُك وَغَصَبْتُك مِرَارًا كَثِيرَةً
لَمْ أُلْزِمْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ كَمَا وَصَفْت.
قَالَ: وَلَوْ سُئِلَ فَقَالَ: لَمْ أَغْصِبْهُ شَيْئًا، وَلَا نَفْسَهُ لَمْ أُلْزِمْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ شَيْئًا.
[الْإِقْرَارُ بِغَصْبِ شَيْءٍ ثُمَّ يَدَّعِي الْغَاصِبُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ غَصَبَ الرَّجُلَ أَرْضًا ذَاتَ غَرْسٍ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ غَرْسٍ أَوْ دَارًا ذَاتَ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ بِنَاءٍ أَوْ بَيْتًا فَكُلُّ هَذَا أَرْضٌ وَالْأَرْضُ لَا تُحَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ قَدْ يُحَوَّلُ، فَإِنْ قَالَ الْمُقِرُّ بِالْغَصْبِ بَعْدَ قَطْعِهِ الْكَلَامَ أَوْ مَعَهُ إنَّمَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ غَصَبْتُك بِبَلَدِ كَذَا فَسَوَاءٌ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَأَيُّ شَيْءٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ سِوَاهُ أَحْلَفَ الْغَاصِبَ مَا غَصَبَهُ غَيْرَ هَذَا وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْغَاصِبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا قِيلَ لِلْمَغْصُوبِ ادَّعِ مَا شِئْت مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَإِذَا ادَّعَى قِيلَ لِلْوَرَثَةِ احْلِفُوا مَا تَعْلَمُونَهُ هُوَ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا، وَإِلَّا لَزِمَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْغَاصِبُ، فَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ الْمَغْصُوبُ وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى.
وَإِنْ أَبَى الْمَغْصُوبُ أَنْ يَحْلِفَ، وَلَا الْوَرَثَةُ وُقِفَ مَالُ الْمَيِّتِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْوَرَثَةُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا وَصَفْت أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ وَيَحْلِفُونَ مَا يَعْلَمُونَهُ غَصَبَهُ غَيْرَهُ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُمْ مِيرَاثُهُ إلَّا بِمَا وَصَفْت.، وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ غَصَبْته دَارًا بِمَكَّةَ ثُمَّ قَالَ أَقْرَرْت لَهُ بِبَاطِلٍ وَمَا أَعْرِفُ الدَّارَ الَّتِي غَصَبْته إيَّاهَا قِيلَ إنْ أَعْطَيْته دَارًا بِمَكَّةَ مَا كَانَتْ الدَّارُ وَحَلَفْت مَا غَصَبْته غَيْرَهَا بَرِئْت، وَإِنْ امْتَنَعْت وَادَّعَى دَارًا بِعَيْنِهَا قِيلَ احْلِفْ مَا غَصَبْته إيَّاهَا فَإِنْ حَلَفْتَ بَرِئْت وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ حَلَفَ فَاسْتَحَقَّهَا، وَإِذَا امْتَنَعَ وَامْتَنَعْتَ مِنْ الْيَمِينِ حُبِسْت أَبَدًا حَتَّى تُعْطِيَهُ دَارًا وَتَحْلِفَ مَا غَصَبْته غَيْرَهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ مَتَاعًا يُحَوَّلُ.
مِثْلُ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ غَصَبْتُك كَذَا بِبَلَدِ كَذَا بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ وَكَذَّبَهُ الْمَغْصُوبُ وَقَالَ مَا غَصَبْتنِيهِ بِهَذَا الْبَلَدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْغَصْبِ إلَّا بِالْبَلَدِ الَّذِي سَمَّى فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَخَذَ بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ مَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا بِبَلَدٍ أُخِذَ بِهَا حَيْثُ طَلَبَهُ بِهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ فَصُّ يَاقُوتٍ أَوْ زَبَرْجَدٍ أَوْ لُؤْلُؤٍ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ يُؤْخَذُ بِهِ حَيْثُ قَامَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَقِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ عَبْدًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ مَتَاعًا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ فَلِحَمْلِ هَذَا وَمُشَابِهِهِ مُؤْنَةٌ جُبِرَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْتَضِيهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ، فَإِنْ مَاتَ قَبَضَ قِيمَتَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي يُحَاكِمُهُ بِهِ، وَلَا أُكَلِّفُهُ لَوْ كَانَ طَعَامًا أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ لِتَفَاوُتِ الطَّعَامِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا مَعًا فَأُجِيزُ بَيْنَهُمَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِثْلُ هَذَا: الثِّيَابُ وَغَيْرُهَا مِمَّا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ.
قَالَ وَمِثْلُ هَذَا: الْعَبْدُ يَغْصِبُهُ إيَّاهُ بِالْبَلَدِ، ثُمَّ يَقُولُ الْمُغْتَصِبُ قَدْ أَبَقَ الْعَبْدُ أَوْ فَاتَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا دَيْنًا عَلَيْهِ وَإِذَا قَضَيْت لَهُ بِقِيمَةِ الْفَائِتِ مِنْهُ عَبْدًا كَانَ أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَحِلَّ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ سَيِّدَهُ الَّذِي غَصَبَهُ مِنْهُ، فَإِذَا أَحْضَرَهُ سَيِّدَهُ الَّذِي غَصَبَهُ مِنْهُ جَبَرْتُ سَيِّدَهُ عَلَى قَبْضِهِ مِنْهُ وَرَدِّ الثَّمَنِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ سَيِّدِهِ ثَمَنُهُ قُلْت لَهُ بِعْهُ إيَّاهُ بَيْعًا جَدِيدًا بِمَا لَهُ عَلَيْك إنْ رَضِيتُمَا حَتَّى يَحِلَّ لَهُ مِلْكُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِعْت الْعَبْدَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَأَعْطَيْت الْمُغْتَصِبَ مِثْلَ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَدْت عَلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ فَلَا شَيْءَ يُرَدُّ
عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُهُ عَمَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ رَدَدْته عَلَى سَيِّدِهِ بِالْفَضْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ لِسَيِّدِهِ غُرَمَاءُ لَمْ أُشْرِكُهُمْ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ قَدْ أَعْطَى الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ.
قَالَ: وَهَكَذَا أَصْنَعُ بِوَرَثَةِ الْمَغْصُوبِ إنْ مَاتَ الْمَغْصُوبُ، وَأَحْكُمُ لِلْغَاصِبِ الْعَبْدُ إلَّا أَنِّي إنَّمَا أَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لَا أَمْوَالِهِمْ وَهَكَذَا الطَّعَامُ يَغْصِبُهُ فَيُحْضِرُهُ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ هُوَ وَالثِّيَابُ وَغَيْرُهَا كَالْعَبْدِ لَا تَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَ أَحْضَرَ الْعَبْدَ مَيِّتًا فَهُوَ كَأَنْ لَمْ يُحْضِرْهُ، وَلَا أَرُدُّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَإِنْ أَحْضَرَهُ مَعِيبًا أَيَّ عَيْبٍ كَانَ مَرِيضًا أَوْ صَحِيحًا دَفَعْته إلَى سَيِّدِهِ وَحَسَبْت عَلَى الْغَاصِبِ خَرَاجَهُ مِنْ يَوْمِ غَصَبَهُ وَمَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ فِي بَدَنِهِ، وَأَلْزَمْته مَا وَصَفْت.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَحْضَرَ الطَّعَامَ مُتَغَيِّرًا أَلْزَمْته الطَّعَامَ وَجَعَلْت عَلَى الْغَاصِبِ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ، وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَدْ رَضَّهُ حَتَّى صَارَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ أَلْزَمْته الْغَاصِبَ وَكَانَ كَتَلَفِهِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ عَبْدٍ وَغَيْرِهِ غَائِبًا لِلْغَاصِبِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَغْصُوبِ حَلِّلْهُ مِنْ حَبْسِهِ أَوْ صَيِّرْهُ مِلْكًا لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِك وَلِلْغَاصِبِ: اقْبَلْ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَا أُجْبِرُ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى هَذَا.
[الْإِقْرَارُ بِغَصْبِ الدَّارِ ثُمَّ بِبَيْعِهَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ غَصَبْته هَذِهِ الدَّارَ وَهَذَا الْعَبْدَ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ هَذَا كَتَبَ إقْرَارَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَقَدْ بَاعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ لِصَاحِبِ الدَّارِ إنْ كَانَ لَك بَيِّنَةٌ عَلَى مِلْكِ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ إقْرَارِ الْغَاصِبِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهِ إلَى مَنْ أَخْرَجَهَا إلَيْهِ أُخِذَ لَكَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُ الْغَاصِبِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَقَرَّ فِيهَا وَقَضَيْنَا الْمَغْصُوبَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَنَّهُ غَصَبَ دَارًا بِعَيْنِهَا فَأَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهَا قَطُّ قَضَى بِالدَّارِ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا بِإِقْرَارِهِ وَقِيمَتُهَا لِلْآخَرِ بِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ.
قَالَ: وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ رَجُلًا، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ غَيْرَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا إذَا كَانَا لَا يَدَّعِيَانِ أَنَّهُ غَصَبَهُمَا إلَّا الدَّارَ أَوْ الشَّيْءَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لَهُمَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْآخَرِ بِحَالٍ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْرِئَانِهِ مِنْ عَيْنِ مَا يُقِرُّ بِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ أَرَأَيْت إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ هَذَا هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهَا الْآخَرَ بِأَلْفٍ وَالدَّارُ تَسْوَى آلَافًا أَتَجْعَلُهَا بَيْعًا لِلْأَوَّلِ وَتَجْعَلُ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يُحَاصُّهُ بِأَلْفٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا، أَوْ أَرَأَيْت لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ الْعِتْقِ أَتَجْعَلُ لِلْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ بَيْعِهِ أَيُنْقَضُ الْبَيْعُ أَوْ يَتِمُّ؟ إنَّمَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ بِعْتَنِي حُرًّا فَأَعْطِنِي ثَمَنِي أَرَأَيْت لَوْ مَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ قَدْ بِعْت أَبَانَا حُرًّا فَأَعْطِنَا ثَمَنَهُ أَوْ زِيَادَةَ مَا يَلْزَمُك بِأَنَّك اسْتَهْلَكْته أَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا أَوْ يَكُونَ إنَّمَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَا يَضْمَنُ بِإِقْرَارِهِ شَيْئًا؟ .
[الْإِقْرَارُ بِغَصْبِ الشَّيْءِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذَا الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ وَكِلَاهُمَا يَدَّعِيهِ وَيَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ الَّذِي يُنَازِعُهُ فِيهِ لَمْ يَمْلِكْ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ وَسَأَلَ يَمِينَ الْمُقِرِّ بِالْغَصْبِ قِيلَ لَهُ إنْ أَقْرَرْت لِأَحَدِهِمَا وَحَلَفْت لِلْآخَرِ فَهُوَ لِلَّذِي أَقْرَرْت لَهُ بِهِ وَلَا تِبَاعَةَ لِلْآخَرِ عَلَيْك وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا تَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا غَصَبْته ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ يَدَيْك فَيُوقَفُ لَهَا وَيُجْعَلَانِ خَصْمًا فِيهِ فَإِنْ أَقَامَا مَعًا عَلَيْهِ بَيِّنَةً لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى وَكَانَ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَهُ غَصْبُهُ إيَّاهُ فَإِنْ حَلَفَا فَهُوَ مَوْقُوفٌ أَبَدًا حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ كَانَ لِلْحَالِفِ وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ بَيِّنَةً دُونَ الْآخَرِ جَعَلْته لِلَّذِي أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَلَا تِبَاعَةَ عَلَى الْغَاصِبِ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْت.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: غَصَبْت هَذَا الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الْأَمَةَ فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُمَا مَعًا قِيلَ لِلْمُقِرِّ احْلِفْ أَنَّك لَمْ تَغْصِبْهُ أَيَّهُمَا شِئْت وَسَلِّمْ لَهُ الْآخَرُ فَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ مَا غَصَبْته وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَقِيلَ: أَحَدُهُمَا لَهُ بِإِقْرَارِك فَاحْلِفْ عَلَى أَيِّهِمَا شِئْت فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ عَلَى أَيِّهِمَا شِئْت فَإِنْ حَلَفَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ عَلَيْهِمَا مَعًا قِيلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ حَلَفْت وَإِلَّا أَحْلَفْنَا الْمُدَّعِيَ فَسَلَّمْنَاهُمَا لَهُ مَعًا فَإِنْ فَاتَا فِي يَدِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَالْحُكْمُ كَهُوَ لَوْ كَانَا حَيَّيْنِ إلَّا أَنَّا إذَا أَلْزَمْنَاهُ أَحَدَهُمَا ضَمَّنَاهُ قِيمَتَهُ بِالْفَوْتِ فَأَنْ أَبَيَا مَعًا يَحْلِفَا وَسَأَلَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يُوقِفَا لَهُ وَقْفًا حَتَّى يُقِرَّ الْغَاصِبُ بِأَحَدِهِمَا وَيَحْلِفَ قَالَ، وَإِنْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِأَحَدِهِمَا لِلْمَغْصُوبِ فَادَّعَى الْمَغْصُوبُ أَنَّهُ حَدَثَ بِالْعَبْدِ عِنْدَهُ عَيْبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمَغْصُوبِ.
[الْعَارِيَّةُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: الْعَارِيَّةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةٌ، الدَّوَابُّ وَالرَّقِيقُ وَالدُّورُ وَالثِّيَابُ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهَا، فَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَتَلِفَ فِي يَدِهِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَالْأَشْيَاءُ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَضْمُونًا مِثْل