الْقَاسِمُ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَفِيمَا أَعْطَوْا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَاسِمُ يَرَحمه لَمْ يُجِبْهُ فِي الْعُمْرَى بِشَيْءٍ إنَّمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: إنَّ الْعُمْرَى مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ الَّتِي أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَاسِمُ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَلَوْ سَمِعَهُ مَا خَالَفَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: فَإِذَا قِيلَ لِبَعْضِ مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ: لَوْ كَانَ الْقَاسِمُ قَالَ هَذَا فِي الْعُمْرَى أَيْضًا فَعَارَضَك مُعَارِضٌ بِأَنْ يَقُولَ: أَخَافُ أَنْ يَغْلَطَ عَلَى الْقَاسِمِ مَنْ رَوَى هَذَا عَنْهُ إذَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا وَصَفْنَا يُرْوَى مِنْ وُجُوهٍ يُسْنِدُونَهُ.
قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّهَمَ أَهْلُ الْحِفْظِ بِالْغَلَطِ فَقِيلَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّهَمَ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا قَالَ: لَا يَجُوزُ قُلْنَا مَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَازِمًا لِأَهْلِ دَيْنِ اللَّهِ، أَوْ مَا قَالَ الْقَاسِمُ أَدْرَكْت النَّاسَ وَلَسْنَا نَعْرِفُ النَّاسَ الَّذِينَ حُكِيَ هَذَا عَنْهُمْ، فَإِنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِ الْقَاسِمِ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَقُولَ أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَالنَّاسُ الَّذِينَ أَدْرَكَ أَئِمَّةٌ يَلْزَمُهُ قَوْلُهُمْ قِيلَ لَهُ: فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ لِقَوْمٍ فَقَالَ: لِأَهْلِهَا شَأْنَكُمْ بِهَا فَرَأَى النَّاسَ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ، وَهُوَ يُفْتِي بِرَأْيِ نَفْسِهِ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنْ قَالَ: فِي هَذِهِ لَا أَعْرِفُ النَّاسَ الَّذِينَ رَوَى الْقَاسِمُ هَذَا عَنْهُمْ جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْرِفُ النَّاسَ الَّذِينَ رَوَى هَذَا عَنْهُمْ فِي الشُّرُوطِ، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ إنَّ الْقَاسِمَ لَا يَقُولُ النَّاسَ إلَّا الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يَلْزَمُهُ قَوْلُهُمْ، فَقَدْ تَرَكَ قَوْلَ الْقَاسِمِ بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَعَابَ عَلَى غَيْرِهِ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ.
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ الصَّغِيرَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِي اللُّقَطَةِ مِثْلُ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءٌ «وَقَالَ: فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ إذَا وَجَدْتَهَا فِي مَوْضِعِ مَهْلَكَةٍ فَهِيَ لَك فَكُلْهَا، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَاغْرَمْهَا لَهُ.» «وَقَالَ: فِي الْمَالِ يُعَرِّفُهُ سَنَةً ثُمَّ يَأْكُلُهُ إنْ شَاءَ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ غَرِمَهُ لَهُ» ، وَقَالَ: «يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَأْكُلُهَا مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا إنْ شَاءَ» إلَّا أَنِّي لَا أَرَى لَهُ أَنْ يَخْلِطَهَا بِمَالِهِ، وَلَا يَأْكُلَهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى عَدَدِهَا وَوَزْنِهَا وَظَرْفِهَا وَعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا لَهُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الشَّاةِ يَجِدُهَا بِالْمَهْلَكَةِ تَعْرِيفٌ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْكُلَهَا فَهِيَ لَهُ وَمَتَى لَقِيَ صَاحِبَهَا غَرِمَهَا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ، وَلَا الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ وَالْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَلَا يَعِيشَانِ وَالشَّاةُ يَأْخُذُهَا مَنْ أَرَادَهَا وَتُتْلَفُ لَا تُمْتَنَعُ مِنْ السَّبْعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَنْ يَمْنَعُهَا وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ يَرِدَانِ الْمِيَاهَ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَيَعِيشَانِ أَكْثَرَ عُمْرِهِمَا بِلَا رَاعٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْبَقَرُ قِيَاسًا عَلَى الْإِبِلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ وَجَدَ رَجُلٌ شَاةً ضَالَّةً فِي الصَّحْرَاءِ فَأَكَلَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا قَالَ: يَغْرَمُهَا خِلَافُ مَالِكٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ابْنُ عُمَرَ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللُّقَطَةِ، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ لَا يَأْكُلُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ انْبَغَى أَنْ يُفْتِيَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ الْآخِذُ لَهَا ثِقَةً أَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهَا وَأَشْهَدَ شُهُودًا عَلَى عَدَدِهَا وَعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا أَمَرَهُ أَنْ يُوقِفَهَا فِي يَدَيْهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهَا فَيَأْخُذَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً فِي مَالِهِ وَأَمَانَتِهِ أَخْرَجَهَا مِنْ يَدَيْهِ إلَى مَنْ يَعِفُّ عَنْ الْأَمْوَالِ لِيَأْتِيَ رَبُّهَا وَأَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَرْكُ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ، وَلَوْ وَجَدَهَا فَأَخَذَهَا ثُمَّ أَرَادَ تَرْكَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَهَذَا فِي كُلِّ مَا
سِوَى الْمَاشِيَةِ فَأَمَّا الْمَاشِيَةُ فَإِنَّهَا تَخْرِقُ بِأَنْفُسِهَا فَهِيَ مُخَالِفَةٌ لَهَا، وَإِذَا وَجَدَ رَجُلٌ بَعِيرًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِيَأْكُلَهُ فَلَا، وَهُوَ ظَالِمٌ، وَإِنْ كَانَ لِلسُّلْطَانِ حِمًى، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الضَّوَالِّ مُؤْنَةٌ تَلْزَمُهُ فِي رِقَابِ الضَّوَالِّ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَرَكَهَا فِي الْحِمَى حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا، وَمَا تَنَاتَجَتْ فَهُوَ لِمَالِكِهَا وَيُشْهِدُ عَلَى نِتَاجِهَا كَمَا يُشْهِدُ عَلَى الْأُمِّ حِينَ يَجِدُهَا وَيَوْسُمُ نِتَاجَهَا وَيَوْسُمُ أُمَّهَاتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ حِمًى وَكَانَ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهَا فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ تُعَلَّقُ فِي رِقَابِهَا غُرْمًا رَأَيْت أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إلَّا فِي كُلِّ مَا عَرَفَ أَنَّ صَاحِبَهُ قَرِيبٌ بِأَنْ يَعْرِفَ بَعِيرَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَيَحْبِسُهُ، أَوْ يَعْرِفَ وَسْمَ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ حَبَسَهَا لَهُمْ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
[اللُّقَطَةُ الْكَبِيرَةُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا الْتَقَطَ الرَّجُلُ اللُّقَطَةَ مِمَّا لَا رُوحَ لَهُ مَا يُحْمَلُ وَيَحُولُ، فَإِذَا الْتَقَطَ الرَّجُلُ لُقَطَةً، قَلَّتْ، أَوْ كَثُرْت، عَرَّفَهَا سَنَةً وَيُعَرِّفُهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ وَيَكُونُ أَكْثَرُ تَعْرِيفِهِ إيَّاهَا فِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَصَابَهَا فِيهَا وَيُعَرِّفُ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوَزْنَهَا وَحِلْيَتَهَا وَيَكْتُبُ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا مَتَى جَاءَ غَرِمَهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِيَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ السَّنَةِ، وَقَدْ اسْتَهْلَكَهَا وَالْمُلْتَقِطُ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ فَهُوَ غَرِيمٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ فَإِنْ جَاءَ وَسِلْعَتُهُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا فَهِيَ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ وَأُفْتِي الْمُلْتَقِطَ إذَا عَرَفَ رَجُلٌ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ بَاطِلًا أَنْ يُعْطِيَهُ، وَلَا أُجْبِرُهُ فِي الْحُكْمِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهَا كَمَا تَقُومُ عَلَى الْحُقُوقِ فَإِنْ ادَّعَاهَا وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ فَسَوَاءٌ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُونَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ وَصَفَهَا وَيُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنَّ الْمُلْتَقَطَةَ عَنْهُ قَدْ وَصَفَهَا فَلَيْسَ لِإِصَابَتِهِ الصِّفَةَ مَعْنًى يَسْتَحِقُّ بِهِ أَحَدٌ شَيْئًا فِي الْحُكْمِ.
وَإِنَّمَا قَوْلُهُ أَعْرِفُ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تُؤَدِّيَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا مَعَ مَا تُؤَدِّي مِنْهَا وَلِنَعْلَمَ إذَا وَضَعْتهَا فِي مَالِكٍ أَنَّهَا اللُّقَطَةُ دُونَ مَالِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صِدْقِ الْمُعْتَرِفِ، وَهَذَا الْأَظْهَرُ إنَّمَا قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَهَذَا مُدَّعٍ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَشَرَةً، أَوْ أَكْثَرَ وَصَفُوهَا كُلُّهُمْ فَأَصَابُوا صِفَتَهَا أَلَنَا أَنْ نُعْطِيَهُمْ إيَّاهَا يَكُونُونَ شُرَكَاءَ فِيهَا، وَلَوْ كَانُوا أَلْفًا، أَوْ أَلْفَيْنِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَلَعَلَّ الْوَاحِدَ يَكُونُ كَاذِبًا لَيْسَ يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ بِالصِّفَةِ شَيْئًا، وَلَا تَحْتَاجُ إذَا الْتَقَطْت أَنْ تَأْتِيَ بِهَا إمَامًا، وَلَا قَاضِيًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ ضَمَانِ اللُّقَطَةِ وَيَدْفَعَهَا إلَى مَنْ اعْتَرَفَهَا فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ بِأَمْرِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ حَاكِمٍ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ضَمِنَ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ الْعَبْدُ الْآبِقُ أَوْ الضَّالَّةُ مِنْ الضَّوَالِّ فَجَاءَ سَيِّدُهُ فَمِثْلُ اللُّقَطَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا، فَإِذَا دَفَعَهُ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا عِنْدَهُ كَانَ الِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ لَا يَدْفَعَهُ إلَّا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لِئَلَّا يُقِيمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بَيِّنَةً فَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عِنْدَهُ، فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ عَادِلَةٍ وَيُقِيمُ آخَرُ بَيِّنَةً عَادِلَةً فَيَكُونُ أَوْلَى، وَقَدْ تَمُوتُ الْبَيِّنَةُ وَيَدَّعِي هُوَ أَنَّهُ دَفَعَهُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ إذَا أَقَرَّ لَهُ فَيَضْمَنُهُ الْقَاضِي لِلْمُسْتَحِقِّ الْآخَرِ رَجَعَ هَذَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ أَنَّهُ لَهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدًا عَلَى اللُّقَطَةِ، أَوْ ضَالَّةٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَأَخَذَ مَا أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ، وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ بَيِّنَةً عَلَى عَبْدٍ وَوَصَفَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَبْدَ وَشَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ صِفَةُ عَبْدِهِ وَأَنَّهُ لَمْ
يَبِعْ، وَلَمْ يَهَبْ، أَوْ لَمْ نَعْلَمْهُ بَاعَ، وَلَا وَهَبَ وَحَلَفَ رَبُّ الْعَبْدِ كَتَبَ الْحَاكِمُ بَيِّنَتَهُ إلَى قَاضِي بَلَدٍ غَيْرِ مَكَّةَ فَوَافَقَتْ الصِّفَةُ الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ، وَلَا يَقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شُهُودٌ يَقْدُمُونَ عَلَيْهِ فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ إنْ شَاءَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنْ يَسْأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْعَبْدَ ضَالًّا فَيَبِيعُهُ فِيمَنْ يَزِيدُ وَيَأْمُرُ مَنْ يَشْتَرِيهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِمَكَّةَ بِعَيْنِهِ أَبْرَأَ الْقَاضِي الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الثَّمَنِ بِإِبْرَاءِ رَبِّ الْعَبْدِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ إنْ كَانَ قَبَضَهُ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ: يَخْتِمُ فِي رَقَبَةِ هَذَا الْعَبْدِ وَيَضْمَنُهُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِالصِّفَةِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ فَهُوَ لَهُ وَيَفْسَخُ عَنْهُ الضَّمَانَ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ رُدَّ، وَإِنْ هَلَكَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ ضَامِنًا، وَهَذَا يَدْخُلُهُ أَنْ يُفْلِسَ الَّذِي ضَمِنَ وَيَسْتَحِقُّهُ رَبُّهُ فَيَكُونُ الْقَاضِي أَتْلَفَهُ وَيَدْخُلُهُ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ رَبُّهُ، وَهُوَ غَائِبٌ فَإِنْ قَضَى عَلَى الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ بِإِجَازَتِهِ فِي غِيبَتِهِ قَضَى عَلَيْهِ بِأَجْرٍ مَا لَمْ يُغْصَبْ، وَلَمْ يُسْتَأْجَرْ، وَإِنْ أَبْطَلَ عَنْهُ كَانَ قَدْ مَنَعَ هَذَا حَقَّهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَهُ وَيَدْخُلُهُ أَنْ يَكُونَ جَارِيَةً فَارِهَةً لَعَلَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِرَجُلٍ فَيُخَلِّي بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَجُلٍ يَغِيبُ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اعْتَرَفَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ عَلَيْهَا بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ قَضَى لَهُ الْقَاضِي بِهَا فَإِنْ ادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ غَائِبٍ لَمْ يَحْبِسْ الدَّابَّةَ عَنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهَا، وَلَمْ يَبْعَثْ بِهَا إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهَا الْبَيْعُ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا، وَلَا أَعْمِدُ إلَى مَالِ رَجُلٍ فَأَبْعَثُ بِهِ إلَى الْبَلَدِ لَعَلَّهُ يُتْلَفُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ بِدَعْوَى إنْسَانٍ لَا أَدْرِي كَذَبَ أَمْ صَدَقَ، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّهُ صَدَقَ مَا كَانَ لِي أَنْ أُخْرِجَهَا مِنْ يَدَيْ مَالِكهَا نَظَرًا لِهَذَا أَنْ لَا يُضَيِّعَ حَقَّهُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ لَا تُمْنَعُ الْحُقُوقُ بِالظُّنُونِ، وَلَا تُمْلَكُ بِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي اسْتَحَقَّ الدَّابَّةَ مُسَافِرًا أَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا، وَلَا تُنْزَعُ مِنْ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَطِيبَ نَفْسًا عَنْهَا، وَلَوْ أُعْطِيَ قِيمَتَهَا أَضْعَافًا؛ لِأَنَّا لَا نُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَتِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ أَيْسَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ كَأَيْسَرِهِمْ وَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا أَنْ يَأْكُلَهَا (أَخْبَرَنَا) الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يَعْتَرِفْ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرَمَهُ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صُلْبِيَّةِ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ رَوَى «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِذْنَ بِأَكْلِ اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً» عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعِيَاضُ بْنُ حَمَّادٍ الْمُجَاشِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَلِيلُ مِنْ اللُّقَطَةِ وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ فَأَمَّا أَنْ آمُرَ الْمُلْتَقِطَ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا فَمَا أَنْصَفْت الْمُلْتَقِطَ وَلَا الْمُلْتَقَطَ عَنْهُ إنْ فَعَلْت، إنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ مَالًا مِنْ مَالِ الْمُلْتَقِطِ بِحَالٍ فَلَمْ آمُرْهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَأَنَا لَا آمُرُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِنْ أَمَرْته بِالصَّدَقَةِ فَكَيْفَ أُضَمِّنُهُ مَا آمُرُهُ بِإِتْلَافِهِ؟ ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ مَالًا مِنْ مَالِ الْمُلْتَقَطِ عَنْهُ فَكَيْفَ آمُرُ الْمُلْتَقِطَ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ؟ ثُمَّ لَعَلَّهُ يَجِدُهُ رَبُّ الْمَالِ مُفْلِسًا فَأَكُونُ قَدْ أَتْوَيْتُ مَالَهُ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا مُلْتَقِطُهَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فَكَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا بِعَيْنِهَا فَإِنْ نَقَصَتْ فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ، أَوْ تَلِفَتْ رَجَعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إنْ شَاءَ بِالتَّلَفِ وَالنُّقْصَانِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ رَجَعَ بِهَا إنْ شَاءَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا الْتَقَطَ الْعَبْدُ اللُّقَطَةَ فَعَلِمَ السَّيِّدُ بِاللُّقَطَةِ فَأَقَرَّهَا بِيَدِهِ فَالسَّيِّدُ ضَامِنٌ لَهَا فِي مَالِهِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ إذَا اسْتَهْلَكَهَا الْعَبْدُ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا دُونَ مَالِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ اللُّقَطَةَ عُدْوَانٌ، إنَّمَا يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ يَرْجِعُ بِهَا عَلَيْهِ
وَمَنْ لَهُ مَالٌ يَمْلِكُهُ وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا ذِمَّةَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُدَبَّرًا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُدَبَّرَةُ كُلُّهُمْ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ إلَّا أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُبَاعُ وَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهَا إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ السَّيِّدُ، وَفِي مَالِ الْمُوَلِّي إنْ عَلِمَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي إنْ عَلِمَ السَّيِّدُ أَنَّ عَبْدَهُ الْتَقَطَهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدُ فِي مَالِهِ شَيْءٌ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُكَاتَبُ فِي اللُّقَطَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالَهُ وَالْعَبْدُ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ عَبْدٌ يَقْضِي بِقَدْرِ رِقِّهِ فِيهِ فَإِنْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ لِنَفْسِهِ فِيهِ أُقِرَّتْ فِي يَدَيْهِ وَكَانَتْ مَالًا مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ مَا كَسَبَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي مَعَانِي كَسْبِ الْأَحْرَارِ، وَإِنْ الْتَقَطَهَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِلسَّيِّدِ أَخَذَهَا السَّيِّدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا كَسَبَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلسَّيِّدِ، وَقَدْ قِيلَ: إذَا الْتَقَطَهَا فِي يَوْمِ نَفْسِهِ أَقَرَّ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَأَخَذَ السَّيِّدُ بِقَدْرِ مَا يَرِقُّ مِنْهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ اللُّقَطَةُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا كَانَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَيَرْجِعُ رَبُّ اللُّقَطَةِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، أَوْ قِيمَتِهَا إنْ شَاءَ فَأَيُّهُمَا شَاءَ كَانَ لَهُ.
(قَالَ: الرَّبِيعُ) لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا بَاعَ إذَا كَانَ بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، غَلَّهُ مَا نَقَصَ عَمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الضَّالَّةُ فِي يَدَيْ الْوَالِي فَبَاعَهَا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلِسَيِّدِ الضَّالَّةِ ثَمَنُهَا فَإِنْ كَانَتْ الضَّالَّةُ عَبْدًا فَزَعَمَ سَيِّدُ الْعَبْدِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ قَبِلْت قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي يَمِينَهُ وَفَسَخْت الْبَيْعَ وَجَعَلْته حُرًّا وَرَدَدْت الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ.
(قَالَ: الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْوَالِي كَبَيْعِ صَاحِبِهِ فَلَا يُفْسَخُ بَيْعُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فَيُفْسَخُ عَلَى الْمُشْتَرِي بَيْعُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا الْتَقَطَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ الرَّطْبَ الَّذِي لَا يَبْقَى فَأَكَلَهُ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ إذَا خَافَ فَسَادَهُ، وَإِذَا الْتَقَطَ الرَّجُلُ مَا يَبْقَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْلُهُ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ مِثْلَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَمَا أَشْبَهَهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالرِّكَازُ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا وَجَدَ مِنْ مَالِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ لُقَطَةٌ مِنْ اللُّقَطِ يُصْنَعُ فِيهِ مَا يَصْنَعُ فِي اللُّقَطَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، وَفِي مَوَاضِعِ اللُّقَطَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِلْكٌ سَقَطَ مِنْ مَالِكِهِ، وَلَوْ تَوَرَّعَ صَاحِبٌ فَأَدَّى خُمْسَهُ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ ضَالَّةَ الْإِبِلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهَا فَإِنْ أَخَذَهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا حَيْثُ وَجَدَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ لِصَاحِبِهَا قِيمَتَهَا وَالْبَقَرُ وَالْحَمِيرُ وَالْبِغَالُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ ضَوَالِّ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، وَإِذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الضَّوَالَّ فَإِنْ كَانَ لَهَا حِمًى يَرْعُونَهَا فِيهِ بِلَا مُؤْنَةٍ عَلَى رَبِّهَا رَعَوْهَا فِيهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حِمًى بَاعُوهَا وَدَفَعُوا أَثْمَانَهَا لِأَرْبَابِهَا، وَمَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالنَّفَقَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهَا بِمَا أَنْفَقَ فَلْيَذْهَبْ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةً وَيُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقْبِضَ لَهَا تِلْكَ النَّفَقَةَ مِنْهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا إلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ مِنْ ثَمَنِهَا مَوْقِعًا، فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ أَمَرَ بِبَيْعِهَا.
وَمَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَاللُّقَطَةُ مُبَاحَةٌ فَإِنْ هَلَكَتْ مِنْهُ بِلَا تَعَدٍّ فَلَيْسَ بِضَامِنٍ لَهَا وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا الْتَقَطَهَا ثُمَّ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَضَاعَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَإِنْ رَآهَا فَلَمْ يَأْخُذْهَا فَلَيْسَ بِضَامِنٍ لَهَا وَهَكَذَا إنْ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ فَضَاعَتْ أُضَمِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أُضَمِّنُ الْمُسْتَوْدَعَ وَأَطْرَحُ عَنْهُ الضَّمَانَ فِيمَا أَطْرَحُ عَنْ الْمُسْتَوْدَعِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا حَلَّ الرَّجُلُ دَابَّةَ الرَّجُلِ فَوَقَفَتْ ثُمَّ مَضَتْ، أَوْ فَتَحَ قَفَصًا لِرَجُلٍ عَنْ طَائِرٍ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ الطَّائِرَ وَالدَّابَّةَ أَحْدَثَا الذَّهَابَ وَالذَّهَابُ غَيْرُ فِعْلِ الْحَالِّ وَالْفَاتِحِ وَهَكَذَا الْحَيَوَانُ كُلُّهُ وَمَا فِيهِ رُوحٌ وَلَهُ عَقْلٌ يَقِفُ فِيهِ
بِنَفْسِهِ وَيَذْهَبُ بِنَفْسِهِ فَأَمَّا مَا لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا رُوحَ فِيهِ مِمَّا يَضْبِطُهُ الرِّبَاطُ مِثْلَ زِقِّ زَيْتٍ وَرَاوِيَةِ مَاءٍ فَحَلَّهَا الرَّجُلُ فَتَدَفَّقَ الزَّيْتُ فَهُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَلَّ الزَّيْتَ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ قَائِمٌ فَكَانَ الْحِلُّ لَا يُدَفِّقُهُ فَثَبَتَ قَائِمًا ثُمَّ سَقَطَ بَعْدُ فَإِنْ طَرَحَهُ إنْسَانٌ فَطَارِحُهُ ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَطْرَحْهُ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْهُ الْحَالُّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الزَّيْتَ إنَّمَا ذَهَبَ بِالطَّرْحِ دُونَ الْحَلِّ وَأَنَّ الْحَلَّ قَدْ كَانَ، وَلَا جِنَايَةَ فِيهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا جَعْلَ لِأَحَدٍ جَاءَ بِآبِقٍ، وَلَا ضَالَّةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُعِلَ لَهُ فِيهِ فَيَكُونُ لَهُ مَا جُعِلَ لَهُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ يُعْرَفُ بِطَلَبِ الضَّوَالِّ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ بِهِ وَمَنْ قَالَ: لِأَجْنَبِيٍّ إنْ جِئْتَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ: لِآخَرَ إنْ جِئْتَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا ثُمَّ جَاءَا بِهِ جَمِيعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ جَعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ نِصْفَ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ كُلُّهُ كَانَ صَاحِبُ الْعَشَرَةِ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ لِصَاحِبِ الْعِشْرِينَ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِثَلَاثَةٍ فَقَالَ لِأَحَدِهِمْ: إنْ جِئْتنِي بِهِ فَلَكَ كَذَا وَلِآخَرَ وَلِآخَرَ فَجَعَلَ أَجْعَالًا مُخْتَلِفَةً ثُمَّ جَاءُوا بِهِ جَمِيعًا فَلِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ جَعْلِهِ.
[اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ اللُّقَطَةَ]
، وَفِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ اللُّقَطَةَ.
(قَالَ: الرَّبِيعُ) سَأَلْت الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَمَّنْ وَجَدَ لُقَطَةً قَالَ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَأْكُلُهَا إنْ شَاءَ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ فَقُلْت: لَهُ وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ وَرَوَى هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْلِهَا وَأُبَيُّ مِنْ مَيَاسِيرِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ وَقَبْلُ وَبَعْد (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» .
(أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لَهُ عُمَرُ عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَاذْكُرْهَا لِمَنْ يَقْدُمُ مِنْ الشَّامِ سَنَةً، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَشَأْنُك بِهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَرَوَيْتُمْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَبَاحَ بَعْدَ سَنَةٍ أَكْلَ اللُّقَطَةِ ثُمَّ خَالَفْتُمْ ذَلِكَ فَقُلْتُمْ يُكْرَهُ أَكْلُ اللُّقَطَةِ لِلْغَنِيِّ وَالْمِسْكَيْنِ.
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: إنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: لَهُ ابْنُ عُمَرَ عَرِّفْهَا، قَالَ: قَدْ فَعَلْت، قَالَ فَزِدْ قَالَ: فَعَلْت قَالَ: لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهَا، وَلَوْ شِئْت لَمْ تَأْخُذْهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَابْنُ عُمَرَ لَمْ يُوَقِّتْ فِي التَّعْرِيفِ وَقْتًا وَأَنْتُمْ تُوَقِّتُونَ فِي التَّعْرِيفِ سَنَةً وَابْنُ عُمَرَ كَرِهَ لِلَّذِي وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَكْلَهَا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا وَأَنْتُمْ لَيْسَ هَكَذَا تَقُولُونَ وَابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ لَهُ أَخْذَهَا وَابْنُ عُمَرَ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَأَنْتُمْ لَا تَكْرَهُونَ لَهُ أَخْذَهَا بَلْ تَسْتَحِبُّونَهُ وَتَقُولُونَ: لَوْ تَرَكَهَا ضَاعَتْ.
[تَرْجَمَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي اللُّقَطَةَ]
وَتَرْجَمَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - اللُّقَطَةَ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ ابْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت هُزَيْلًا يَقُولُ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ أَتَاهُ رَجُلٌ بِصُرَّةٍ مَخْتُومَةٍ فَقَالَ: عَرَّفْتُهَا، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا قَالَ: اسْتَمْتِعْ بِهَا، وَهَذَا قَوْلُنَا إذَا عَرَّفَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْ
مَنْ يَعْرِفُهَا فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا وَهَكَذَا السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُشْبِهُ السُّنَّةَ، وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا كُلَّهُ وَرَوَوْا حَدِيثًا عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ اشْتَرَى جَارِيَةً فَذَهَبَ صَاحِبُهَا فَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ صَاحِبِهَا فَإِنْ كَرِهَ فَلِي وَعَلَيَّ الْغُرْمُ، ثُمَّ قَالَ: وَهَكَذَا نَفْعَلُ بِاللُّقَطَةِ فَخَالَفُوا السُّنَّةَ فِي اللُّقَطَةِ الَّتِي لَا حُجَّةَ فِيهَا، وَخَالَفُوا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي يُوَافِقُ السُّنَّةَ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ ثَابِتٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي عَنْ عَامِرٍ وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِيمَا هُوَ بِعَيْنِهِ يَقُولُونَ: إنْ ذَهَبَ الْبَائِعُ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، وَلَكِنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا مَتَى جَاءَ.
[كِتَابُ اللَّقِيطِ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قَالَ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي الْمَنْبُوذِ: هُوَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ بِأَنَّهُمْ قَدْ خُوِّلُوا كُلَّ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَالَ النَّصْرَانِيِّ، وَلَا وَارِثَ لَهُ؟ وَلَوْ كَانُوا أَعْتَقُوهُ لَمْ يَأْخُذُوا مَالَهُ بِالْوَلَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ خُوِّلُوا مَا لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَحَدٍ وَأَنْ يَكُونَ أَهْلُ السُّوقِ وَالْعَرَبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ سَوَاءً ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ وَلَاءَهُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لِجَمَاعَةِ الْأَحْيَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ثُمَّ يَجْعَلُ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ كَمَا يُورَثُ الْوَلَاءُ، وَلَكِنَّهُ مَالٌ كَمَا وَصَفْنَا لَا مَالِكَ لَهُ وَيُرَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَضَعُهُ الْإِمَامُ عَلَى الِاجْتِهَادِ حَيْثُ يَرَى.
وَتَرْجَمَ فِي سِيَرِ الْأَوْزَاعِيِّ الصَّبِيُّ يُسْبَى ثُمَّ يَمُوتُ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الصَّبِيِّ يُسْبَى وَأَبُوهُ كَافِرٌ وَقَعَا فِي سَهْمِ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى دِينِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالْإِسْلَامِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَوْلَاهُ أَوْلَى مِنْ أَبِيهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ وَخَرَجَ أَبُوهُ مُسْتَأْمَنًا لَكَانَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ إذَا لَمْ يُسْبَ مَعَهُ أَبُوهُ صَارَ مُسْلِمًا لَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ أَبِيهِ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ، وَهُوَ يَنْقُضُ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُبْتَاعَ السَّبْيُ وَيُرَدَّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ هَذَا فَالْقَوْلُ فِي هَذَا مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى دِينِهِ حَتَّى يُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ مُسْلِمٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : «سَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَرَارِيِّهِمْ فَبَاعَهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاشْتَرَى أَبُو الشَّحْمِ الْيَهُودِيُّ أَهْلَ بِنْتِ عَجُوزٍ وَلَدَهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا بَقِيَ مِنْ السَّبَايَا أَثْلَاثًا ثُلُثًا إلَى تِهَامَةَ وَثُلُثًا إلَى نَجْدٍ وَثُلُثًا إلَى طَرِيقِ الشَّامِ» فَبِيعُوا بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالْإِبِلِ وَالْمَالِ، وَفِيهِمْ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ هَذَا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَطْفَالِ مَعَهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَطْفَالِ مَنْ لَا أُمَّ لَهُ، فَإِذَا سُبُوا مَعَ أُمَّهَاتِهِمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ سُبُوا مَعَ آبَائِهِمْ، وَلَوْ مَاتَ أُمَّهَاتُهُمْ وَآبَاؤُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا فَيَصِفُوا الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى دَيْنِ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ إذَا كَانَ النِّسَاءُ بَلْغًا فَلَنَا بَيْعُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ أُمَّهَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ ثَابِتٌ عَلَيْهِمْ إذَا تَرَكْنَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ كَمَا حَكَمْنَا بِهِ وَهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ إذَا لَزِمَهُمْ حُكْمُ الشِّرْكِ كَانَ لَنَا بَيْعُهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ الْبَوَالِغُ قَدْ «اسْتَوْهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَارِيَةً بَالِغًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَفَدَى بِهَا رَجُلَيْنِ»
[اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي بَابُ الْمَنْبُوذِ]
وَتَرْجَمَ فِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بَابُ الْمَنْبُوذِ (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَ بِهِ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ قَالَ وَجَدْتهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتهَا فَقَالَ عَرِيفِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: عُمَرُ اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لَك وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ، وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَقُلْت: لِلشَّافِعِيِّ فَبِقَوْلِ مَالِكٍ نَأْخُذُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَدْ تَرَكْتُمْ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي الْمَنْبُوذِ فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَكْتُمُوهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَاءُ إلَّا لِمَنْ أُعْتِقَ، وَلَا يَزُولُ عَنْ مُعْتَقٍ، فَقَدْ خَالَفْتُمْ عُمَرَ اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ ثُمَّ خَالَفْتُمْ السُّنَّةَ فَزَعَمْتُمْ أَنَّ السَّائِبَةَ لَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ، وَهُوَ مُعْتَقٌ فَخَالَفْتُمُوهُمَا جَمِيعًا وَخَالَفْتُمْ السُّنَّةَ فِي النَّصْرَانِيِّ يَعْتِقُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ فَزَعَمْتُمْ أَنْ لَا وَلَاءَ لَهُ، وَهُوَ مُعْتَقٌ وَخَالَفْتُمْ السُّنَّةَ فِي الْمَنْبُوذِ إذْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَهَذَا نَفَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَالْمَنْبُوذُ غَيْرُ مُعْتَقٍ وَلَا وَلَاءَ لَهُ فَمَنْ أَجْمَعَ تَرَكَ السُّنَّةَ وَخَالَفَ عُمَرَ فَيَا لَيْتَ شَعْرِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُجْمِعِينَ لَا يُسَمُّونَ فَإِنَّا لَا نَعْرِفُهُمْ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ، وَلَمْ يُكَلِّفْ اللَّهُ أَحَدًا أَنْ يَأْخُذَ دِينَهُ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَلَوْ كَلَّفَهُ أَفَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ؟ إنَّ هَذِهِ لَغَفْلَةٌ طَوِيلَةٌ فَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا عَنْهُ هَذَا الْعِلْمَ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِهِ وَاحِدٌ يَتْرُكُ مَا رُوِيَ فِي اللَّقِيطِ عَنْ عُمَرَ لِلسُّنَّةِ ثُمَّ يَدَعُ السُّنَّةَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي السَّائِبَةِ وَالنَّصْرَانِيِّ يُعْتِقُ الْمُسْلِمَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا فَكَانَ قَوْلُهُ أَشَدَّ تَوْجِيهًا مِنْ قَوْلِكُمْ قَالُوا: يُتَّبَعُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ فِي اللَّقِيطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ خِلَافًا لِلسُّنَّةِ وَأَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ فِي الْمُعْتَقِ فِيمَنْ لَا وَلَاءَ لَهُ وَيَجْعَلُ وَلَاءَ الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّجُلُ لِلْمُسْلِمِ بِحَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: فِي السَّائِبَةِ وَالنَّصْرَانِيِّ يُعْتِقُ الْمُسْلِمَ قَوْلَنَا فَزَعَمْنَا أَنَّ عَلَيْهِمْ حُجَّةً بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ إلَّا لِمُعْتَقٍ، وَلَا يَزُولُ عَنْ مُعْتِقٍ فَإِنْ كَانَتْ لَنَا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ فَهِيَ عَلَيْكُمْ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّكُمْ خَالَفْتُمُوهُ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تُوَافِقُوهُ وَوَافَقْتُمُوهُ حَيْثُ كَانَ لَكُمْ شُبْهَةٌ لَوْ خَالَفْتُمُوهُ.
[بَابُ الْجَعَالَة]
وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِي آخِرِ اللُّقَطَةِ الْكَبِيرَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا جَعْلَ لِأَحَدٍ جَاءَ بِآبِقٍ، وَلَا ضَالَّةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ لَهُ فِيهِ فَيَكُونُ لَهُ مَا جَعَلَ لَهُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ يُعْرَفُ بِطَلَبِ الضَّوَالِّ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ بِهِ وَمَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ: إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا ثُمَّ جَاءَا بِهِ جَمِيعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ جَعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ نِصْفَ مَا جَعَلَ عَلَيْهِ كَانَ صَاحِبُ الْعَشَرَةِ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ لِصَاحِبِ الْعِشْرِينَ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِثَلَاثَةٍ فَقَالَ: لِأَحَدِهِمْ إنْ جِئْتنِي بِهِ فَلَكَ كَذَا، وَلِآخَرَ وَلِآخَرَ.
فَجَعَلَ أَجْعَالًا مُخْتَلِفَةً ثُمَّ جَاءُوا بِهِ مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ جَعْلِهِ
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]
[مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْمِيرَاثَ وَكَانَ يَرِثُ وَمَنْ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ]
كِتَابُ الْفَرَائِضِ " بَابُ الْمَوَارِيثِ " مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْمِيرَاثَ وَكَانَ يَرِثُ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِيرَاثَ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِخْوَةِ وَالزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ فَكَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ وَالِدًا، أَوْ أَخًا مَحْجُوبًا وَزَوْجًا وَزَوْجَةً، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرِثُوا وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهُ مِيرَاثٌ إذَا كَانَ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَقَاوِيلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْمَوَارِيثِ إنَّمَا وَرِثُوا إذَا كَانُوا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ.
قُلْت لِلشَّافِعِيِّ: وَهَكَذَا نَصُّ السُّنَّةِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَكَذَا دَلَالَتُهَا، قُلْت وَكَيْفَ دَلَالَتُهَا؟ قَالَ: أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ سُمِّيَ لَهُ مِيرَاثٌ لَا يَرِثُ.
فَيُعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ كَانَ عَلَى أَنْ يَرِثَ مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ الْأُبُوَّةِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِ عَامًّا لَمْ يَحْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَحَدٍ لَزِمَهُ اسْمُ الْمِيرَاثِ بِأَنْ لَا يَرِثَ بِحَالٍ.
قِيلَ: لِلشَّافِعِيِّ فَاذْكُرْ الدَّلَالَةَ فِيمَنْ لَا يَرِثُ مَجْمُوعَةً.
قَالَ: لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهُ مِيرَاثٌ حَتَّى يَكُونَ دِينُهُ دِينَ الْمَيِّتِ الْمَوْرُوثِ وَيَكُونُ حُرًّا، وَيَكُونُ بَرِيئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا لِلْمَوْرُوثِ، فَإِذَا بَرِئَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ الْخِصَالِ وَرِثَ، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يَرِثْ، فَقُلْت: فَاذْكُرْ مَا وَصَفْت، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: إنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ، وَلَا جَعْفَرٌ.
قَالَ: فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا
مِنْ الشِّعْبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ أَنَّ الدِّينَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا بِالشِّرْكِ وَالْإِسْلَامِ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ سُمِّيَتْ لَهُ فَرِيضَةٌ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ مَالَ الْعَبْدِ إذَا بِيعَ لِسَيِّدِهِ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَأَنَّ اسْمَ مَالِهِ إنَّمَا هُوَ إضَافَةُ الْمَالِ إلَيْهِ، كَمَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأَجِيرٍ فِي غَنَمِهِ وَدَارِهِ وَأَرْضِهِ هَذِهِ أَرْضُك وَهَذِهِ غَنَمُك عَلَى الْإِضَافَةِ لَا الْمِلْكِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِلْكًا لَهُ؟ قِيلَ: لَهُ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ مَالَهُ لِلْبَائِعِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَالِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وَأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَمْ أَسْمَعْ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ قَاتِلَ الرَّجُلِ عَمْدًا لَا يَرِثُ مَنْ قَتَلَ مِنْ دِيَةٍ، وَلَا مَالٍ شَيْئًا.
ثُمَّ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي الْقَاتِلِ خَطَأً، فَقَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَرِثُ مِنْ الْمَالِ، وَلَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَدِيثٍ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَا يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَأِ مِنْ دِيَةٍ، وَلَا مَالٍ، وَهُوَ كَقَاتِلِ الْعَمْدِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ فَلَا يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ، وَلَا خَطَأٍ شَيْئًا أَشْبَهَ بِعُمُومِ أَنْ لَا يَرِثَ قَاتِلٌ مِمَّنْ قَتَلَ.
[بَابُ الْخِلَافِ فِي مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَفِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِمِيرَاثِ الْعَبْدِ وَالْقَاتِلِ]
ِ (قَالَ الرَّبِيعُ) (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَوَافَقَنَا بَعْضُ النَّاسِ، فَقَالَ: لَا يَرِثُ مَمْلُوكٌ، وَلَا قَاتِلٌ عَمْدًا، وَلَا خَطَأً، وَلَا كَافِرٌ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: إذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، أَوْ قُتِلَ وَرِثَهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَيَعْدُو الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا؟ قَالَ: بَلْ كَافِرٌ، قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ الْكُفَّارِ أَحَدًا فَكَيْفَ وَرَّثْت مُسْلِمًا كَافِرًا؟ فَقَالَ: إنَّهُ كَافِرٌ قَدْ كَانَ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَزَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ، قُلْنَا فَإِنْ كَانَ زَالَ بِإِزَالَتِهِ إيَّاهُ، فَقَدْ صَارَ إلَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَرِثَهُ مُسْلِمٌ، وَلَا يَرِثُ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَزُلْ بِإِزَالَتِهِ إيَّاهُ، أَفَرَأَيْت أَنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ أَيَرِثُهُ؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا: وَلِمَ حَرَمْتَهُ؟ قَالَ: لِلْكُفْرِ، قُلْنَا: فَلِمَ لَا يُحْرَمُ مِنْهُ بِالْكُفْرِ كَمَا حَرَمْته؟ هَلْ يَعْدُو أَنْ يَكُونَ فِي الْمِيرَاثِ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ فَيَرِثَ وَيُورَثَ أَوْ يَكُونَ خَارِجًا مِنْ حَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ فَلَا يَرِثَ، وَلَا يُورَثَ، وَقَدْ قَتَلْته؟ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَدْ زَالَتْ بِإِزَالَتِهِ وَحَرَّمْت عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَحَكَمْت عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَعْضٍ وَحُكْمَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضٍ قَالَ: فَإِنِّي إنَّمَا ذَهَبْت إلَى أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَّثَ وَرَثَةَ مُرْتَدٍّ قَتَلَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَالَهُ قُلْنَا: قَدْ رَوَيْته عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ قَبْلَك أَنَّهُ غُلِطَ عَلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْهُ كَانَ أَصْلُ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِك أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ كَافِرًا قُلْنَا فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ مُخَالِفًا حُكْمَ مَنْ لَمْ يَزَلْ كَافِرًا فَوَرَّثَهُ فَوَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ إذَا مَاتُوا قَبْلَهُ فَعَلِيٌّ لَمْ يَنْهَك عَنْ هَذَا قَالَ: هُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت: فَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْحَدِيثِ
عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَزِمَك أَنْ تَتْرُكَ قَوْلَك فِي أَنَّ وَرَثَتَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةَ وَمَسْرُوقٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَرِثُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُهُ الْكَافِرُ وَقَالَ: بَعْضُهُمْ كَمَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ: «قَضَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي كَافِرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ» وَأُولَئِكَ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا نِسَاؤُهُمْ وَأَهْلُ الْكِتَابِ غَيْرُهُمْ فَيَرِثُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا وَصَفْنَا، أَوْ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ لَهُمْ مَا احْتَمَلَ لَك بَلْ لَهُمْ شُبْهَةٌ لَيْسَتْ لَك بِتَحْلِيلِ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِسَائِهِمْ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ قُلْنَا وَلِمَ؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي الْكَافِرِينَ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمْلَةٌ.
قُلْنَا: فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْكَافِرِينَ
[بَابُ مَنْ قَالَ لَا يُورَثُ أَحَدٌ حَتَّى يَمُوتَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12]
وَقَالَ عَزَّ وَعَلَا ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] وَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ مَعْقُولًا عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَقَوْلِ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ امْرَأً لَا يَكُونُ مَوْرُوثًا أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ، فَإِذَا مَاتَ كَانَ مَوْرُوثًا وَأَنَّ الْأَحْيَاءَ خِلَافُ الْمَوْتَى فَمَنْ وَرِثَ حَيًّا دَخَلَ عَلَيْهِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - خِلَافَ حُكْمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: وَالنَّاسُ مَعَنَا بِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِي جُمْلَتِهِ وَقُلْنَا بِهِ فِي الْمَفْقُودِ وَقُلْنَا لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ حَتَّى يُعْلَمَ يَقِينُ وَفَاتِهِ.
وَقَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ فِي امْرَأَتِهِ بِأَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَدْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْعَجْزِ عَنْ إصَابَتِهَا.
وَنُفَرِّقُ نَحْنُ بِالْعَجْزِ عَنْ نَفَقَتِهَا وَهَاتَانِ سَبَبَا ضَرَرٍ، وَالْمَفْقُودُ قَدْ يَكُونُ سَبَبَ ضَرَرٍ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَعَابَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ الْقَضَاءَ فِي الْمَفْقُودِ، وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَا وَصَفْنَا مِمَّا يَقُولُونَ فِيهِ بِقَوْلِنَا وَيُخَالِفُونَا، وَقَالُوا: كَيْفَ يَقْضِي لِامْرَأَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مَيِّتًا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَلَمْ يَأْتِ يَقِينُ مَوْتِهِ؟ ثُمَّ دَخَلُوا فِي أَعْظَمَ مِمَّا عَابُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَجُمْلَةُ مَا عَابُوا، فَقَالُوا فِي الرَّجُلِ يَرْتَدُّ فِي ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ فَيَلْحَقُ بِمَسْلَحَةٍ مِنْ مَسَالِحِ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ قَائِمًا فِيهَا يَتَرَهَّبُ، أَوْ جَاءَ إلَيْنَا مُقَاتِلًا يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَتُحَلُّ دُيُونُهُ وَيُعْتَقُ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَوْتَى فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ لِمَا حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ فِيهِ قَوْلًا مُتَنَاقِضًا خَارِجًا كُلَّهُ مِنْ أَقَاوِيلِ النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: مَا وَصَفْت بَعْضَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُهُمْ عِنْدَهُمْ، أَوْ كَأَعْلَمِهِمْ فَقُلْت لَهُ مَا وَصَفْت، وَقُلْت: لَهُ أَسْأَلُك عَنْ قَوْلِك، فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ حَرَامًا أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ أَبَدًا قَوْلًا لَيْسَ خَبَرًا لَازِمًا، أَوْ قِيَاسًا أَقَوْلُكَ فِي أَنْ يُورَثَ الْمُرْتَدُّ، وَهُوَ حَيٌّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ خَبَرًا، أَوْ قِيَاسًا؟ فَقَالَ: أَمَّا خَبَرٌ فَلَا، فَقُلْت: فَقِيَاسٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مِنْ وَجْهٍ، قُلْت فَأَوْجِدْنَا ذَلِكَ الْوَجْهَ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعِي فِي الدَّارِ وَكُنْتُ قَادِرًا عَلَيْهِ قَتَلْته؟ فَقُلْت فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ فَتَقْتُلُهُ أَفَمَقْتُولٌ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ بِلَا قَتْلٍ؟ قَالَ: لَا قُلْت: فَكَيْفَ حَكَمْت عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى، وَهُوَ غَيْرُ مَيِّتٍ؟ أَوَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ عِلَّتُك بِأَنَّك لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ فَقَتَلْته فَجَعَلْته فِي حُكْمِ الْمَوْتَى فَكَانَ هَارِبًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مُقِيمًا عَلَى الرِّدَّةِ دَهْرًا مِنْ دَهْرِهِ أَتُقَسِّمُ مِيرَاثَهُ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: فَأَسْمَعُ عِلَّتَك بِأَنَّك لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ قَتَلْته.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ حُكِمَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَوْتَى كَانَتْ بَاطِلًا عِنْدَك فَرَجَعْت إلَى الْحَقِّ عِنْدَك فِي أَنْ لَا تَقْتُلَهُ إذَا كَانَ هَارِبًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَنْتَ لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ قَتَلْته.
وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَك حَقًّا فَتَرَكْت الْحَقَّ فِي قَتْلِهِ إذَا كَانَ هَارِبًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
قُلْت: فَإِنَّمَا قَسَّمْت مِيرَاثَهُ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْكُفْرِ دُونَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَالْمُسْلِمُ يَلْحَقُ بِدَارِ الْكُفْرِ أَيُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ إذَا كَانَ فِي دَارٍ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا الْحُكْمُ؟ قَالَ: لَا.
قُلْنَا فَالدَّارُ لَا تُمِيتُ أَحَدًا، وَلَا تُحْيِيهِ، فَهُوَ حَيٌّ حَيْثُ كَانَ حَيًّا وَمَيِّتٌ حَيْثُ كَانَ مَيِّتًا.
قَالَ نَعَمْ: قُلْنَا أَفَتَسْتَدْرِكُ عَلَى أَحَدٍ أَبَدًا بِشَيْءٍ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ أَقْبَحُ أَنْ تَقُولَ الْحَيُّ مَيِّتٌ؟ أَرَأَيْت لَوْ تَابَعَك أَحَدٌ عَلَى أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ حَيًّا يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْك أَنَّ مَنْ تَابَعَك عَلَى هَذَا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ غَبِيٌّ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ.
فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ مَعًا عَلَى دَلَالَةِ الْمَعْقُولِ عَلَى خِلَافِكُمَا مَعًا؟ .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت: لَهُ عِبْتُمْ عَلَى مَنْ قَالَ: قَوْلَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَمِنْ أَصْلِ مَا تَذْهَبُونَ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: قَوْلًا كَانَ قَوْلُهُ غَايَةً يُنْتَهَى إلَيْهَا وَقَبِلْتُمْ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ وَجَبَ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ وَرَدَدْتُمْ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَتَيْنِ وَهُمَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] وَقَوْلُهُ ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٍ وَذَهَبْنَا إلَى أَنَّ الْإِرْخَاءَ وَالْإِغْلَاقَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا إنَّمَا يَصْنَعُهُ الْمَسِيسُ فَكَيْفَ لَمْ تُجِيزُوا لِمَنْ تَأَوَّلَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَقَالَ: بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ وَقُلْتُمْ عُمَرُ فِي إمَامَتِهِ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ، ثُمَّ امْتَنَعْتُمْ مِنْ الْقَبُولِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ الْقَضَاءَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَهُمَا لَمْ يَقْضِيَا فِي مَالِهِ بِشَيْءٍ عَلِمْنَاهُ، وَقُلْتُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَم عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَوْتَى قَبْلَ أَنْ تَسْتَيْقِنَ وَفَاتَهُ، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُ.
ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَحْكُمُونَ عَلَى رَجُلٍ حُكْمَ الْمَوْتِ وَأَنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَيَاتِهِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَقَلَّمَا رَأَيْتُكُمْ عِبْتُمْ عَلَى أَحَدٍ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي انْتَهَى إلَيْهَا شَيْئًا قَطُّ إلَّا قُلْتُمْ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ بِمِثْلِهِ وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعِيبًا فَأَيُّ جَهْلٍ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ تَعِيبَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ عِنْدَك فِيمَا تَزْعُمُ؟ غَايَةُ مَا نَقُولُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ مَا عِبْت مِنْهُ، أَوْ مِثْلِهِ، وَقُلْت لِبَعْضِهِمْ: أَرَأَيْت قَوْلَك لَوْ لَمْ يَعِبْ بِخِلَافِ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَعْقُولٍ وَسَكَتَ لَك عَنْ هَذَا كُلِّهِ، أَلَا يَكُونُ قَوْلُك مَعِيبًا بِلِسَانِك؟ .
(قَالَ) : وَأَيْنَ؟ قُلْت: أَرَأَيْت إذَا كَانَتْ الرِّدَّةُ اللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ يُوجِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَوْتِ لِمَ زَعَمْت أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ فَرَّطَ، أَوْ لَمْ يُرْفَعْ ذَلِكَ إلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ سِنِينَ، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي مُسْلِمًا أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ، وَلِمَ زَعَمْت أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ حَكَمَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَوْتِ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا كَانَ الْحُكْمُ مَاضِيًا فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؟ مَا زَعَمْت أَنَّ حُكْمَ الْمَوْتِ يَجِبُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ وَاللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّك لَوْ زَعَمْت ذَلِكَ، قُلْت: لَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا أُنَفِّذُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ، وَلَوْ زَعَمْت أَنَّ الْحُكْمَ إذَا أُنْفِذَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ مُسْلِمًا رُدَّ الْحُكْمُ فَلَا يُنَفَّذُ فَأَنْتَ زَعَمْت أَنْ يُنَفِّذَ بَعْضًا وَيَرُدَّ بَعْضًا.
(قَالَ) : وَمَا ذَلِكَ؟ قُلْت: زَعَمْت أَنَّهُ يُعْتَقُ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَيُعْطِي غَرِيمَهُ الَّذِي حَقُّهُ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً حَالًّا وَيُقَسِّمُ مِيرَاثَهُ فَيَأْتِي مُسْلِمًا وَمُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَمَالُهُ قَائِمٌ فِي يَدَيْ غَرِيمِهِ يُقِرُّ بِهِ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ وَلَا يَرُدُّ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَهُوَ مَالُهُ بِعَيْنِهِ فَكُلُّ مَالٍ فِي يَدَيْ الْغَرِيمِ مَالُهُ بِعَيْنِهِ وَتَقُولُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ.
ثُمَّ تَنْزِعُ مِيرَاثَهُ مِنْ يَدَيْ وَرَثَتِهِ فَكَيْفَ نَقَضْت بَعْضَ الْحُكْمِ دُونَ بَعْضٍ؟ قَالَ: قُلْت: هُوَ مَالُهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يُحَلَّلْ لَهُ وَمُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ بِأَعْيَانِهِمْ.
ثُمَّ زَعَمْت أَنَّهُ يُنْقَضُ الْحُكْمُ لِلْوَرَثَةِ وَأَنَّهُ إنْ اسْتَهْلَكَ بَعْضُهُمْ مَالَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَغْرَمْهُ إيَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ بَعْضُهُمْ أَخَذْته مِمَّنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ كَمُلَ عَقْلُهُ وَعِلْمُهُ لَوْ تَخَاطَأَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَرَأَيْت مَنْ نَسَبْتُمْ إلَيْهِ الضَّعْفَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَتَعْطِيلِ النَّظَرِ وَقُلْتُمْ إنَّمَا يَتَخَرَّصُ فَيَلْقَى مَا جَاءَ عَلَى لِسَانِهِ هَلْ كَانَ تَعْطِيلُ النَّظَرِ يُدْخِلُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ خِلَافِ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ، فَقَدْ جَمَعَتْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ خِلَافِ مَعْقُولٍ، أَوْ قِيَاسٍ أَوْ تَنَاقُضِ قَوْلٍ، فَقَدْ جَمَعْتَهُ كُلَّهُ فَإِنْ كَانَ أَخْرَجَك عِنْدَ نَفْسِك مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلُومًا عَلَى هَذَا إنَّك أَبْدَيْتَهُ وَأَنْتَ تَعْرِفُهُ فَلَا أَحْسِبُ لِمَنْ أَتَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ عُذْرًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجَاهِلِ بِأَنْ يَقُولَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُخْطِئُ، وَلَا يَعْلَمُ فَأَحْسِبُ الْعَالِمَ غَيْرَ مَعْذُورٍ بِأَنْ يُخْطِئَ، وَهُوَ يَعْلَمُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقُلْت: أَقُولُ إنِّي أَقِفُ مَالَهُ حَتَّى يَمُوتَ فَأَجْعَلُهُ فَيْئًا، أَوْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَرُدَّهُ إلَيْهِ، وَلَا أَحْكُمُ بِالْمَوْتِ عَلَى حَيٍّ فَيَدْخُلَ عَلَيَّ بَعْضُ مَا دَخَلَ عَلَيْك.
[بَابُ رَدِّ الْمَوَارِيثِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] وَقَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176]
وَقَالَ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] وَقَالَ: تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] وَقَالَ: عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَهَذِهِ الْآيُ فِي الْمَوَارِيثِ كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ انْتَهَى بِمَنْ سَمَّى لَهُ فَرِيضَةً إلَى شَيْءٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ مَنْ انْتَهَى اللَّهُ بِهِ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ مَا انْتَهَى بِهِ، وَلَا يَنْقُصُهُ فَبِذَلِكَ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ رَدُّ الْمَوَارِيثِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَرَكَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ أَعْطَيْتهَا نِصْفَ مَا تَرَكَ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَلِمَوَالِيهِ الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ كَانَ النِّصْفُ مَرْدُودًا عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَلَا تُزَادُ أُخْتُهُ عَلَى النِّصْفِ، وَكَذَلِكَ لَا يُرَدُّ عَلَى وَارِثٍ ذِي قَرَابَةٍ، وَلَا زَوْجٍ، وَلَا زَوْجَةٍ لَهُ فَرِيضَةٌ، وَلَا تُجَاوِزُ بِذِي فَرِيضَةٍ فَرِيضَتُهُ وَالْقُرْآنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِنَا.
[بَابُ الْخِلَافِ فِي رَدِّ الْمَوَارِيثِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ أُخْتَهُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهَا، وَلَا مَوْلَى أَعْطَيْت الْأُخْتَ الْمَالَ كُلَّهُ، قَالَ: فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا إلَى أَيُّ شَيْءٍ ذَهَبْتُمْ؟ قَالَ: ذَهَبْنَا إلَى أَنْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَدُّ الْمَوَارِيثِ فَقُلْت: لَهُ مَا هُوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا عَلِمْته بِثَابِتٍ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا كُنْت قَدْ تُرِكَتْ عَلَيْهِمَا أَقَاوِيلُ لَهُمَا فِي الْفَرَائِضِ غَيْرَ قَلِيلَةٍ لِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَكَيْفَ إنْ كَانَ زَيْدٌ لَا يَقُولُ بِقَوْلِهِمَا لَا يَرُدُّ الْمَوَارِيثَ لِمَ لَمْ تَتَّبِعْهُ دُونَهُمَا كَمَا اتَّبَعْته دُونَهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا مِنْ الْفَرَائِضِ؟ .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: فَدَعْ هَذَا، وَلَكِنْ أَرَأَيْت إذَا اخْتَلَفَ الْقَوْلَانِ فِي رَدِّ الْمَوَارِيثِ أَلَيْسَ يَلْزَمُنَا أَنْ نَصِيرَ إلَى أَشْبَهِ الْقَوْلَيْنِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَعُدَّهُمَا خَالَفَاهُ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ قُلْنَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَا شَكَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ قَوْلِنَا؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] وَقَالَ ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176] فَذَكَرَ الْأُخْتَ مُنْفَرِدَةً فَانْتَهَى بِهَا إلَى النِّصْفِ وَذَكَرَ الْأَخ مُنْفَرِدًا فَانْتَهَى بِهِ إلَى الْكُلِّ وَذَكَرَ الْأَخَ وَالْأُخْتَ مُجْتَمَعَيْنِ فَجَعَلَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْأَخِ فِي الِاجْتِمَاعِ كَمَا جَعَلَهَا فِي الِانْفِرَادِ أَفَرَأَيْت إنْ أَعْطَيْتهَا الْكُلَّ مُنْفَرِدَةً أَلَيْسَ قَدْ خَالَفْت حُكْمَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَصًّا؟ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ انْتَهَى بِهَا إلَى النِّصْفِ وَخَالَفْت مَعْنَى حُكْمِ اللَّهِ إذْ سَوَّيْتهَا بِهِ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ وَآيُ الْمَوَارِيثِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ رَدِّ الْمَوَارِيثِ قَالَ: فَقَالَ أَرَأَيْت إنْ قُلْت: لَا أُعْطِيهَا النِّصْفَ الْبَاقِيَ مِيرَاثًا؟ قُلْت: لَهُ قُلْ مَا شِئْت قَالَ: أَرَاهَا مَوْضِعَهُ قُلْت: فَإِنْ رَأَى غَيْرُك غَيْرَهَا مَوْضِعَهُ فَأَعْطَاهَا جَارَةً لَهُ مُحْتَاجَةً، أَوْ جَارًا لَهُ مُحْتَاجًا أَوْ غَرِيبًا مُحْتَاجًا؟ قَالَ: فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قُلْت: وَلَا لَك بَلْ هَذَا أَعْذَرُ مِنْك، هَذَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الْكِتَابِ نَصًّا، وَإِنَّمَا خَالَفَ قَوْلَ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ عَوَامَّ مِنْهُمْ يَقُولُونَ هُوَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
[بَابُ الْمَوَارِيثِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ﴾ [هود: 42] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: 74] فَنَسَبَ إبْرَاهِيمَ إلَى أَبِيهِ وَأَبُوهُ كَافِرٌ وَنَسَبَ ابْنَ نُوحٍ إلَى أَبِيهِ نُوحٍ وَابْنُهُ كَافِرٌ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] وَقَالَ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37] فَنَسَبُ الْمَوَالِي نَسَبَانِ أَحَدُهُمَا إلَى الْآبَاءِ وَالْآخَرُ إلَى الْوَلَاءِ وَجَعَلَ الْوَلَاءَ بِالنِّعْمَةِ وَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةُ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَهُ» فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بِمُتَقَدِّمِ فِعْلٍ مِنْ الْمُعْتِقِ كَمَا يَكُونُ النَّسَبُ بِمُتَقَدِّمِ وِلَادٍ مِنْ الْأَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ لَا أَبَ لَهُ يُعْرَفُ جَاءَ رَجُلًا فَسَأَلَ أَنْ يَنْسُبَهُ إلَى نَفْسِهِ وَرَضِيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنًا أَبَدًا فَيَكُونُ مُدْخِلًا بِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ مَظْلَمَةٌ فِي أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ وَيَكُونُ نَاسِبًا إلَى نَفْسِهِ غَيْرَ مَنْ وَلَدَ، وَإِنَّمَا قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْتِقْ الرَّجُلُ الرَّجُلَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ فَيَدْخُلَ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمَظْلَمَة فِي عَقْلِهِمْ عَنْهُ وَيَنْسُبَ إلَى نَفْسِهِ وَلَاءَ مَنْ لَمْ يُعْتِقْ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَبَيَّنَ فِي قَوْلِهِ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ إلَّا لِمَنْ أَعْتَقَ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى غَيْرِهِ، أَوْ يَنْتَفِيَ مِنْ نَسَبِهِ وَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَنْقَطِعْ أُبُوَّتُهُ عَنْهُ بِمَا أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ أَوْ يَنْتَفِي مِنْ وِلَايَتِهِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْمُعْتَقُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَا أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ النِّعْمَةِ؟ فَلَمَّا كَانَ الْمَوْلَى فِي الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ النَّسَبُ ثَبَتَ الْوَلَاءُ بِمُتَقَدِّمِ الْمِنَّةِ كَمَا ثَبَتَ النَّسَبُ بِمُتَقَدِّمِ الْوِلَادَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَبَدًا إلَّا بِسُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ حَضَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فَكَلَّمَنِي رَجُلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِأَنْ قَالَ إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَلَهُ وَلَاؤُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاءُ نِعْمَةٍ وَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَلَائِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، فَإِذَا عَقَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ، وَقَالَ لِي فَمَا حُجَّتُك فِي تَرْكِ هَذَا؟ قُلْت: خِلَافُهُ مَا حَكَيْت مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5] الْآيَةَ وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِمُتَقَدِّمِ الْوِلَادِ كَمَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ بِمُتَقَدِّمِ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ، فَكَانَ النَّسَبُ شَبِيهًا بِالْوَلَاءِ وَالْوَلَاءُ شَبِيهًا بِالنَّسَبِ، فَقَالَ لِي قَائِلٌ: إنَّمَا ذَهَبْت فِي هَذَا إلَى حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَوْهَبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قُلْت لَا يَثْبُتُ، قَالَ: أَفَرَأَيْت إذَا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا أَيَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا رَوَيْت عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» قُلْت: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ تَقُولُ؟ .
قُلْت: أَقُولُ: إنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» «وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» ، وَقَوْلُهُ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ» فِيمَنْ أَعْتَقَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ نَسَبٌ وَالنَّسَبُ لَا يُحَوَّلُ، وَاَلَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ لَيْسَ هُوَ الْمَنْهِيُّ أَنْ يُحَوَّلَ، وَلَاؤُهُ، قَالَ: فَبِهَذَا قُلْنَا، فَمَا مَنَعَك مِنْهُ إذَا كَانَ الْحَدِيثَانِ
مُحْتَمِلَيْنِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ؟ قُلْت: مَنَعَنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، إنَّمَا يَرْوِيه عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ مَوْهَبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَابْنُ مَوْهَبٍ لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا، وَلَا نَعْلَمُهُ لَقِيَ تَمِيمًا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَك مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَا نَعْلَمُهُ مُتَّصِلًا، قَالَ: فَإِنَّ مِنْ حُجَّتِنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ: فِي الْمَنْبُوذِ هُوَ حُرٌّ وَلَك، وَلَاؤُهُ، يَعْنِي لِلَّذِي الْتَقَطَهُ، قُلْت: وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْك؛ لِأَنَّك تُخَالِفُهُ، قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت: أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُوَالِي عَنْ الرَّجُلِ إلَّا نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ يَعْقِلَ، وَأَنَّ لَهُ إذَا وَالَى عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَلَائِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ مُوَالَاةَ عُمَرَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِوَصِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُوَالِيَ عَنْهُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، قُلْت: فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ ذَلِكَ لِلْوَالِي دُونَ الْوَصِيِّ، فَهَلْ وَجَدْته يَجُوزُ لِلْوَالِي شَيْءٌ فِي الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ؟ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ عُمَرَ وَالْحُكْمُ لَا يَجُوزُ عِنْدَك عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِشَيْءٍ يُلْزِمُهُ نَفْسَهُ، أَوْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِمَّا لَا يُصْلِحُهُ غَيْرُهُ، وَلِلْيَتِيمِ بُدٌّ مِنْ الْوَلَاءِ.
فَإِنْ قُلْت: هُوَ حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إذَا عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ عَقْدًا مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إنْ عَقَدَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؟ .
(قَالَ) : فَإِنْ قُلْت: هُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قُلْت: وَنُعَارِضُك بِمَا هُوَ أَثْبَتُ عَنْ مَيْمُونَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْت: وَهَبَتْ مَيْمُونَةُ، وَلَاءَ بَنِي يَسَارٍ لِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَاتَّهَبَهُ، فَهَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ عَبَّاسٍ وَهُمَا اثْنَانِ، قَالَ: فَلَا يَكُونُ فِي أَحَدٍ، وَلَوْ كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ، قُلْنَا: فَكَيْفَ احْتَجَجْت بِأَحَدٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: هَكَذَا يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قُلْت: أَبَيْت أَنْ تَقْبَلَ هَذَا مِنْ غَيْرِك، فَقَالَ: مَنْ حَضَرَنَا مِنْ الْمَدَنِيِّينَ هَذِهِ حُجَّةٌ ثَابِتَةٌ، قَالَ فَأَنْتُمْ إنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَهَا ثَابِتَةً، فَقَدْ تُخَالِفُونَهَا فِي شَيْءٍ قَالُوا مَا نُخَالِفُهَا فِي شَيْءٍ، وَمَا نَزْعُمُ أَنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ إلَّا لِذِي نِعْمَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ لِي قَائِلٌ أَعْتَقِدُ عَنْهُمْ جَوَابُهُمْ، فَأَزْعُمُ أَنَّ لِلسَّائِبَةِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ، قُلْت: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا كَانَ مَنْ احْتَجَجْنَا بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ أَمْرٌ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَنُخْرِجُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعْتَقِينَ اتِّبَاعًا، قَالَ: فَهُمْ يَرْوُونَ أَنَّ حَاطِبًا أَعْتَقَ سَائِبَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قُلْنَا وَنَحْنُ: لَا نَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُعْتِقَ سَائِبَةً.
فَهَلْ رَوَيْت أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَلَاءُ السَّائِبَةِ إلَيْهِ يُوَالِي مَنْ شَاءَ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: فَدَاخِلٌ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُعْتَقِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَفَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ، وَهُوَ مُعْتَقٌ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ.
قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَرْوُونَ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ سَائِبَةً فَقَضَى عُمَرُ بِعَقْلِهِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَالَ: أَبُو الْقَاتِلِ أَرَأَيْت لَوْ قَتَلَ ابْنِي؟ قَالَ: إذًا لَا يَغْرَمُ، قَالَ: فَهُوَ إذًا مِثْلُ الْأَرْقَمِ، قَالَ: عُمَرُ فَهُوَ مِثْلُ الْأَرْقَمِ، فَاسْتَدَلُّوا بِأُمِّهِ لَوْ كَانَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ بِالْوَلَاءِ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ قُلْت فَأَنْتَ إنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا عَنْ عُمَرَ مَحْجُوجٌ بِهِ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: تَزْعُمُ أَنَّ وَلَاءَ السَّائِبَةِ لِمَنْ أَعْتَقَهُ، قَالَ: فَأَعْفِنِي مِنْ ذَا فَإِنَّمَا أَقُومُ لَهُمْ بِقَوْلِهِمْ.
قُلْت: فَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ لَا وَلَاءَ لَهُ مِنْ لَقِيطٍ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ إذَا قَتَلَ إنْسَانًا قَضَى بِعَقْلِهِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مِيرَاثَهُ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْضِ بِعَقْلِهِ عَلَى أَحَدٍ.
قَالَ: وَهَكَذَا يَقُولُ جَمِيعُ الْمُفْتِينَ.
قُلْت: أَفَيَجُوزُ لِجَمِيعِ الْمُفْتِينَ أَنْ يُخَالِفُوا عُمَرَ؟ قَالَ: لَا هُوَ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ بِثَابِتٍ.
قُلْت: فَكَيْفَ احْتَجَجْت بِهِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ
لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَهُ.
قُلْت: فَبِئْسَ مَا قَضَيْت عَلَى مَنْ قُمْت بِحُجَّتِهِ إذَا كَانَ احْتَجَّ بِغَيْرِ حُجَّةٍ عِنْدَك، قَالَ: فَعِنْدَك فِي السَّائِبَةِ شَيْءٌ مُخَالِفٌ لِهَذَا؟ قُلْت: إنْ قَبِلْت الْخَبَرَ الْمُنْقَطِعَ فَنَعَمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ الْمُرَقَّعِ أَعْتَقَ أَهْلَ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ سَوَائِبَ فانقلعوا عَنْ بِضْعَةَ عَشْرَ أَلْفًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ أَنْ تُدْفَعَ إلَى طَارِقٍ، أَوْ إلَى وَرَثَةِ طَارِقٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَهَذَا إنْ كَانَ ثَابِتًا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ عُمَرَ يُثْبِتُ وَلَاءَ السَّائِبَةِ لِمَنْ سَيَّبَهُ.
وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي تِرْكَةِ سَالِمٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَالِمُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى فَضْلَ مِيرَاثِهِ عَمْرَةَ بِنْتَ يعار الْأَنْصَارِيَّةَ وَكَانَتْ أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةً.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي السَّائِبَةِ شَبِيهًا بِمَعْنَى ذَلِكَ فِيمَا أَظُنُّ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ.
قَالَ: فَهَلْ عِنْدَك حُجَّةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّائِبَةِ وَبَيْنَ الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ غَيْرُ الْحَدِيثِ الْمُنْقَطِعِ قُلْت: نَعَمْ مِنْ الْقِيَاسِ.
قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْت: إنَّ الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ وَيَنْتَقِلُ بِوَلَائِهِ إلَى مَوْضِعٍ إنَّمَا ذَلِكَ بِرِضَا الْمُنْتَسِبِ وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِغَيْرِ رِضَا مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ، وَإِنَّ السَّائِبَةَ يَقَعُ الْعِتْقُ عَلَيْهِ بِلَا رِضًى مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهُ، وَلَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ هُوَ وَمُعْتِقُهُ، وَإِنَّهُ مِمَّنْ يَقَعُ عَلَيْهِ عِتْقُ الْمُعْتِقِ مَعَ دُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ الْمُعْتَقِينَ.
كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْحَرُونَ الْبَحِيرَةَ وَيُسَيِّبُونَ السَّائِبَةَ وَيُوصِلُونَ الْوَصِيلَةَ وَيَعْفُونَ الْحَامِيَ وَهَذِهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ.
فَكَانُوا يَقُولُونَ فِي الْحَامِي إذَا ضَرَبَ فِي إبِلِ الرَّجُلِ عَشْرَ سِنِينَ وَقِيلَ: نَتَجَ لَهُ عَشَرَةُ حَامٍ أَيْ حَمَى ظَهْرَهُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُرْكَبَ.
وَيَقُولُونَ فِي الْوَصِيلَةِ وَهِيَ مِنْ الْغَنَمِ إذَا وَصَلَتْ بُطُونًا تُومًا وَنَتَجَ نِتَاجُهَا فَكَانُوا يَمْنَعُونَهَا مِمَّا يَفْعَلُونَ بِغَيْرِهَا مِثْلَهَا، وَيُسَيِّبُونَ السَّائِبَةَ.
فَيَقُولُونَ قَدْ أَعْتَقْنَاك سَائِبَةً وَلَا وَلَاءَ لَنَا عَلَيْك، وَلَا مِيرَاثَ يَرْجِعُ مِنْك لِيَكُونَ أَكْمَلَ لَتَبَرُّرِنَا فِيك.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: 103] الْآيَةُ فَرَدَّ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَنَمَ إلَى مَالِكِهَا إذَا كَانَ الْعِتْقُ مَنْ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ أَعْتَقَ بَعِيرَهُ لَمْ يُمْنَعْ بِالْعِتْقِ مِنْهُ إذَا حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ ذَلِكَ وَيُبْطِلُ الشَّرْطَ فِيهِ.
فَكَذَلِكَ أَبْطَلَ الشُّرُوطَ فِي السَّائِبَةِ وَرَدَّهُ إلَى، وَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَهُ مَعَ الْجُمْلَةِ الَّتِي وَصَفْنَا لَك.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ أَخْبَرَاهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي خِلَافَتِهِ فِي سَائِبَةٍ مَاتَ أَنْ يَدْفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى الَّذِي أَعْتَقَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ الْكِفَايَةُ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ.
فَقَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي النَّصْرَانِيِّ يَعْتِقُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ؟ قُلْت: فَهُوَ حُرٌّ.
قَالَ: فَلِمَنْ وَلَاؤُهُ؟ قُلْت: لِلَّذِي أَعْتَقَهُ.
قَالَ: فَمَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟ قُلْت: مَا وَصَفْت لَك إذْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَسَبَ كَافِرًا إلَى مُسْلِمٍ وَمُسْلِمًا إلَى كَافِرٍ وَالنَّسَبُ أَعْظَمُ مِنْ الْوَلَاءِ.
قَالَ: النَّصْرَانِيُّ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ، قُلْت: وَكَذَلِكَ الْأَبُ لَا يَرِثُ ابْنَهُ إذَا اخْتَلَفَ أَدْيَانُهُمَا وَلَيْسَ مَنْعُهُ مِيرَاثَهُ بِاَلَّذِي قَطَعَ نَسَبَهُ مِنْهُ هُوَ ابْنُهُ بِحَالِهِ إذْ كَانَ ثَمَّ مُتَقَدِّمُ الْأُبُوَّةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَوْلَاهُ بِحَالِهِ إذْ كَانَ ثَمَّ مُتَقَدِّمُ الْعِتْقِ.
قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتَقُ؟ قُلْت: يَرِثُهُ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ؟ قُلْت: فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ ذَوُو رَحِمٍ مُسْلِمُونَ فَيَرِثُونَهُ.
قَالَ: وَمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا؟ وَلِمَ إذًا دَفَعْت الَّذِي أَعْتَقَهُ عَنْ مِيرَاثِهِ تُوَرِّثُ بِهِ غَيْرَهُ إذْ لَمْ يَرِثْ هُوَ فَغَيْرُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَرِثَ بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ؟ قُلْت هَذَا مِنْ شُبَهِكَ، قَالَ: فَأَوْجِدْنِي الْحُجَّةَ فِيمَا قُلْت:؟ قُلْت: أَرَأَيْت الِابْنَ إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَمَاتَ وَأَبُوهُ كَافِرٌ؟ قَالَ: لَا يَرِثُهُ قُلْت: فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ، أَوْ أَعْمَامٌ، أَوْ بَنُو عَمٍّ مُسْلِمُونَ؟ قَالَ: يَرِثُونَهُ، قُلْت وَبِسَبَبِ مَنْ وَرِثُوهُ؟ قُلْت: بِقَرَابَتِهِمْ مِنْ الْأَبِ، قُلْت: فَقَدْ مَنَعْت الْأَبَ مِنْ الْمِيرَاثِ وَأَعْطَيْتهمْ بِسَبَبِهِ، قَالَ إنَّمَا مَنَعْته بِالدِّينِ فَجَعَلَتْهُ إذَا خَالَفَ دِينَهُ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ وَوَرَثَتُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِهِ قُلْت: فَمَا مَنَعْنَا مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: هِيَ لَك وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَا مَعَك، وَلَكِنَّا احْتَجَجْنَا لِمَنْ خَالَفَك مِنْ
أَصْحَابِك، قُلْت: أَوْ رَأَيْت فِيمَا احْتَجَجْت بِهِ حُجَّةً؟ قَالَ لَا وَقَالَ: أَرَأَيْت إذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَلَا وَلَاءَ لَهُ؟ قُلْت: فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ: بِأَنَّهُمْ مَوَالِيهِ؟ قُلْت: لَا، وَلَا يَكُونُ الْمَوْلَى إلَّا مُعْتِقًا، وَهَذَا غَيْرُ مُعَتِّقٍ، قَالَ: فَإِذَا لَمْ تُوَرِّثْهُمْ بِأَنَّهُمْ مَوَالٍ وَلَيْسُوا بِذَوِي نَسَبٍ فَكَيْفَ أَعْطَيْتهمْ مَالَهُ؟ قُلْت: لَمْ أُعْطِهِمُوهُ مِيرَاثًا، وَلَوْ أَعْطَيْتهُمُوهُ مِيرَاثًا وَجَبَ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَهُ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ حِينَ يَمُوتُ كَمَا أَجْعَلُهُ لَوْ كَانُوا مَعًا أَعْتَقُوهُ، وَأَنَا وَأَنْتَ إنَّمَا نُصَيِّرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ يُوضَعُ مِنْهُمْ فِي خَاصَّةٍ وَالْمَالُ الْمَوْرُوثُ لَا يُوضَعُ فِي خَاصَّةٍ فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْك لَوْ زَعَمْت بِأَنَّهُ وَرِثَ بِالْوَلَاءِ هَذَا وَأَنْ تَقُولَ اُنْظُرْ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ فَأَثْبَتَ، وَلَاءَهُ لِجَمَاعَةِ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ فَيَرِثُهُ وَرَثَةُ أُولَئِكَ الْأَحْيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَيَدْخُلُ عَلَيْك فِي النَّصْرَانِيِّ يَمُوتُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ فَتَجْعَلُ مَالَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» قَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُعْطِي الْمُسْلِمِينَ مِيرَاثَ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ، وَلَا وَلَاءَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمِيرَاثُ النَّصْرَانِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ، وَلَا وَلَاءٌ؟ قُلْت: بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَخَوَّلَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهَا وَمِنْ كُلِّ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
مِثْلَ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ فَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحْيُوهَا، فَلَمَّا كَانَ هَذَانِ الْمَالَانِ لَا مَالِكَ لَهُمَا يُعْرَفُ خَوَّلَهُمَا اللَّهُ أَهْلَ دَيْنِ اللَّهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
[الرَّدُّ فِي الْمَوَارِيثِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فَرِيضَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مَا جَاءَ عَنْ السَّلَفِ انْتَهَيْنَا بِهِ إلَى فَرِيضَتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلَيْنَا شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا نَنْقُصَهُ مِمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَالْآخَرُ: أَنْ لَا نَزِيدَهُ عَلَيْهِ وَالِانْتِهَاءُ إلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هَكَذَا وَقَالَ: بَعْضُ النَّاسِ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ مَنْ يَسْتَغْرِقُهُ وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَأَنْ لَا نَرُدَّهُ عَلَى زَوْجٍ، وَلَا زَوْجَةٍ وَقَالُوا رَوَيْنَا قَوْلَنَا هَذَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: لَهُمْ أَنْتُمْ تَتْرُكُونَ مَا تَرْوُونَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي أَكْثَرِ الْفَرَائِضِ لِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَكَيْفَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا تَتْرُكُونَ؟ قَالُوا إنَّا سَمِعْنَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6] فَقُلْنَا مَعْنَاهَا عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ كُنْتُمْ قَدْ تَرَكْتُمُوهُ قَالُوا فَمَا مَعْنَاهَا؟ قُلْنَا تَوَارَثَ النَّاسُ بِالْحِلْفِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ تَوَارَثُوا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6] عَلَى مَعْنَى مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ وَسَنَّ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مُطْلَقًا هَكَذَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ يَرِثُ أَكْثَرَ مِمَّا يَرِثُ ذَوُو الْأَرْحَامِ، وَلَا رَحِمَ لَهُ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ الْبَعِيدَ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ، وَلَا يَرِثُهُ الْخَالُ وَالْخَالُ أَقْرَبُ رَحِمًا مِنْهُ فَإِنَّمَا مَعْنَاهَا عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ أَنَّهَا عَلَى مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ النَّاسَ يَتَوَارَثُونَ بِالرَّحِمِ وَتَقُولُونَ خِلَافَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَزْعُمُونَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ وَتَرَكَ أَخْوَالَهُ وَمَوَالِيَهُ فَمَالُهُ لِمَوَالِيهِ دُونَ أَخْوَالِهِ، فَقَدْ مَنَعْت ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ قَدْ تُعْطِيهِمْ فِي حَالٍ وَأَعْطَيْت الْمَوْلَى الَّذِي لَا رَحِمَ لَهُ الْمَالَ.
قَالَ: فَمَا حَجَّتُك فِي أَنْ لَا تُرَدَّ الْمَوَارِيثَ؟ قُلْنَا: مَا وَصَفْت لَك مِنْ الِانْتِهَاءِ إلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْ لَا أَزِيدَ ذَا سَهْمٍ عَلَى سَهْمِهِ، وَلَا أَنْقُصُهُ قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ تُثْبِتهُ سِوَى هَذَا؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] وَقَالَ: عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176]
فَذَكَرَ الْأَخَ وَالْأُخْتَ مُنْفَرِدَيْنِ فَانْتَهَى بِالْأُخْتِ إلَى النِّصْفِ وَبِالْأَخِ إلَى الْكُلِّ وَذَكَرَ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ مُجْتَمَعِينَ فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ مِثْلَ حُكْمِهِ بَيْنَهُمْ مُنْفَرِدِينَ قَالَ: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176] فَجَعَلَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ قَالَ بِرَدِّ الْمَوَارِيثِ قَالَ: أُوَرِّثُ الْأُخْتَ الْمَالَ كُلَّهُ فَخَالَفَ قَوْلُهُ الْحُكْمَيْنِ مَعًا.
قُلْت: فَإِنْ قُلْتُمْ نُعْطِيهَا النِّصْفَ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَرُدُّ عَلَيْهَا النِّصْفَ لَا مِيرَاثًا.
قُلْنَا بِأَيِّ شَيْءٍ تَرُدُّهُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: مَا نَرُدُّهُ أَبَدًا إلَّا مِيرَاثًا أَوْ يَكُونُ مَالًا حُكْمُهُ إلَى الْوُلَاةِ فَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْوُلَاةُ بِمُخَيَّرِينَ، وَعَلَى الْوُلَاةِ أَنْ يَجْعَلُوهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانُوا فِيهِ مُخَيَّرِينَ كَانَ لِلْوَالِي أَنْ يُعْطِيَهُ مَنْ شَاءَ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ مِيرَاثِ الْجَدِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقُلْنَا إذَا وَرِثَ الْجَدُّ مَعَ الْإِخْوَةِ قَاسَمَهُمْ مَا كَانَتْ الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ مِنْهَا أُعْطِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَنْهُ قَبِلْنَا أَكْثَرُ الْفَرَائِضِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا قَالَا فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ فُقَهَاءِ الْبُلْدَانِ، وَقَدْ خَالَفْنَا بَعْضَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْجَدُّ أَبٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. إنَّهُ أَبٌ إذَا كَانَ مَعَهُ الْإِخْوَةُ طُرِحُوا وَكَانَ الْمَالُ لِلْجَدِّ دُونَهُمْ، وَقَدْ زَعَمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اخْتَلَفُوا لَمْ نَصِرْ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ قَوْلِ الْآخَرِ إلَّا بِالتَّثَبُّتِ مَعَ الْحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلسُّنَّةِ وَهَكَذَا نَقُولُ وَإِلَى الْحُجَّةِ ذَهَبْنَا فِي قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمَنْ قَالَ قَوْلَهُ.
قَالُوا: فَإِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْجَدُّ أَبٌ لِخِصَالٍ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 31] وَقَالَ ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] فَأَقَامَ الْجَدَّ فِي النَّسَبِ أَبًا وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنْ لَمْ يُنْقِصُوهُ مِنْ السُّدُسِ، وَهَذَا حُكْمُهُمْ لِلْأَبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَجَبُوا بِالْجَدِّ الْأَخَ لِلْأُمِّ وَهَكَذَا حُكْمُهُمْ فِي الْأَبِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَأَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِ وَحُكْمِ الْأَبِ فِيمَا سِوَاهَا قُلْنَا إنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِ فِيهَا قِيَاسًا مِنْهُمْ لِلْجَدِّ عَلَى الْأَبِ قَالُوا وَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْنَا أَرَأَيْتُمْ الْجَدَّ لَوْ كَانَ إنَّمَا يَرِثُ بِاسْمِ الْأُبُوَّةِ هَلْ كَانَ اسْمُ الْأُبُوَّةِ يُفَارِقُهُ لَوْ كَانَ دُونَهُ أَبٌ، أَوْ يُفَارِقُهُ لَوْ كَانَ قَاتِلًا أَوْ مَمْلُوكًا، أَوْ كَافِرًا؟ قَالَ: لَا قُلْنَا، فَقَدْ نَجِدُ اسْمَ الْأُبُوَّةِ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا وَرَّثْنَاهُ بِالْخَبَرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ لَا بِاسْمِ الْأُبُوَّةِ قَالَ: فَإِنَّهُمْ لَا يُنْقِصُونَهُ مِنْ السُّدُسِ وَذَلِكَ حُكْمُ الْأَبِ قُلْنَا وَنَحْنُ لَا نَنْقُصُ الْجَدَّةَ مِنْ السُّدُسِ أَفَتَرَى ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْأَبِ فَتَقِفُهَا مَوْقِفَ الْأَبِ فَتَحْجُبُ بِهَا الْإِخْوَةُ؟ قَالُوا: لَا وَلَكِنْ قَدْ حَجَبْتُمْ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ بِالْجَدِّ كَمَا حَجَبْتُمُوهُمْ بِالْأَبِ قُلْنَا نَعَمْ قُلْنَا هَذَا خَبَرًا لَا قِيَاسًا، أَلَا تَرَى أَنَّا نُحَجِّبُهُمْ بِابْنَةِ ابْنٍ مُتَسَفِّلَةٍ، وَلَا نَحْكُمُ لَهَا بِحُكْمِ الْأَبِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكُمْ أَنَّ الْفَرَائِضَ تَجْتَمِعُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ قَالُوا وَكَيْفَ لَمْ تَجْعَلُوا أَبَا الْأَبِ كَالْأَبِ كَمَا جَعَلْتُمْ ابْنَ الِابْنِ كَالِابْنِ؟ قُلْنَا لِاخْتِلَافِ الْأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا الْأَبْنَاءَ أَوْلَى بِكَثْرَةِ الْمَوَارِيثِ مِنْ الْآبَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَتْرُكُ أَبَاهُ وَابْنَهُ فَيَكُونُ لِابْنِهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَلِأَبِيهِ السُّدُسُ وَيَكُونُ لَهُ بَنُونَ يَرِثُونَهُ مَعًا، وَلَا يَكُونُ أَبَوَانِ يَرِثَانِهِ مَعًا، وَقَدْ نُوَرِّثُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ الْأُخْتَ، وَلَا نُوَرِّثُ ابْنَتَهَا أَوْ نُوَرِّثُ الْأُمَّ، وَلَا نُوَرِّثُ ابْنَتَهَا إذَا كَانَ دُونَهَا غَيْرَهَا، وَإِنْ وَرَّثْنَاهَا لَمْ نُوَرِّثْهَا قِيَاسًا عَلَى أُمِّهَا، وَإِنَّمَا وَرَّثْنَاهَا خَبَرًا لَا قِيَاسًا قَالَ: فَمَا حُجَّتُكُمْ
فِي أَنْ أَثْبَتُّمْ فَرَائِضَ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ؟ قُلْنَا مَا وَصَفْنَا مِنْ الِاتِّبَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالُوا وَمَا غَيْرُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا أَرَأَيْت رَجُلًا مَاتَ وَتَرَكَ أَخَاهُ وَجَدَّهُ هَلْ يُدْلِي وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَى الْمَيِّتِ بِقَرَابَةِ نَفْسِهِ؟ قَالُوا: لَا، قُلْنَا: أَلَيْسَ إنَّمَا يَقُولُ أَخُوهُ أَنَا ابْنُ أَبِيهِ وَيَقُولُ جَدُّهُ أَنَا أَبُو أَبِيهِ وَكِلَاهُمَا يَطْلُبُ مِيرَاثَهُ لِمَكَانِهِ مِنْ أَبِيهِ؟ قَالُوا بَلَى قُلْنَا أَفَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ أَبُوهُ الْمَيِّتَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَيُّهُمَا أَوْلَى بِمِيرَاثِهِ؟ قَالَ: يَكُونُ لِابْنِهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ وَلِأَبِيهِ السُّدُسُ قُلْنَا، وَإِذَا كَانَا جَمِيعًا إنَّمَا يُدْلِيَانِ بِالْأَبِ فَابْنُ الْأَبِ أَوْلَى بِكَثْرَةِ مِيرَاثِهِ مِنْ أَبِيهِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُحْجَبَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْأَبِ الَّذِي يُدْلِيَانِ بِقَرَابَتِهِ بِاَلَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ؟ قُلْنَا: مِيرَاثُ الْإِخْوَةِ ثَابِتٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَلَا فَرْضَ لِلْجَدِّ فِيهِ فَهُوَ أَقْوَى فِي الْقُرْآنِ وَالْقِيَاسِ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ قَالَ: فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ الْجَدَّ إذَا كَثُرَ الْإِخْوَةُ أَكْثَرَ مِيرَاثًا مِنْ أَحَدِهِمْ؟ قُلْنَا خَبَرًا، وَلَوْ كَانَ مِيرَاثُهُ قِيَاسًا جَعَلْنَاهُ أَبَدًا مَعَ الْوَاحِدِ وَأَكْثَرُ مِنْ الْإِخْوَةِ أَقَلُّ مِيرَاثًا فَنَظَرْنَا كُلَّ مَا صَارَ لِلْأَخِ مِيرَاثًا فَجَعَلْنَا لِلْأَخِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْجَدِّ سَهْمًا كَمَا وَرَّثْنَاهُمَا حِينَ مَاتَ ابْنُ الْجَدِّ أَبُو الِابْنِ قَالَ: فَلِمَ لَمْ تَقُولُوا بِهَذَا؟ قُلْنَا لَمْ نَتَوَسَّعْ بِخِلَافِ مَا رَوَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يُخَالِفَ بَعْضُهُمْ إلَى قَوْلِ بَعْضٍ فَنَكُونُ غَيْرَ خَارِجِينَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ.
[مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقُلْنَا إذَا مَاتَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدُ الزِّنَا وَرَّثْت أُمَّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِخْوَتَهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَنَظَرْنَا مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةَ عَتَاقَةٍ كَانَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِمَوَالِي أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ لَا، وَلَاءَ لَهَا كَانَ مَا بَقِيَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: بَعْضُ النَّاسِ بِقَوْلِنَا فِيهَا إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ عَرَبِيَّةً أَوْ لَا وَلَاءَ لَهَا رَدُّوا مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِهِ عَلَى عَصَبَةِ أُمِّهِ وَكَانَ عَصَبَةُ أُمِّهِ عَصَبَتَهُ وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِرِوَايَةٍ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ وَأُخْرَى لَيْسَتْ مِمَّا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَقَالُوا كَيْفَ لَمْ تَجْعَلُوا عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ أُمِّهِ كَمَا جَعَلْتُمْ مَوَالِيَهُ مَوَالِيَ أُمِّهِ؟ قُلْنَا بِالْأَمْرِ الَّذِي لَمْ نَخْتَلِفْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي أَصْلِهِ ثُمَّ تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ فِيهِ قُلْت: أَرَأَيْتُمْ الْمَوْلَاةَ الْعَتِيقَةَ تَلِدُ مِنْ مَمْلُوكٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ أَلَيْسَ يَكُونُ وَلَاءُ وَلَدِهَا تَبَعًا لِوَلَائِهَا حَتَّى يَكُونُوا كَأَنَّهُمْ أُعْتِقُوا مَعًا مَا لَمْ يَجُرَّ أَبٌ وَلَاءَهُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قُلْنَا: أَوْ يَعْقِلُ عَنْهُمْ مَوَالِيَ أُمِّهِمْ وَيَكُونُونَ أَوْلِيَاءَ فِي التَّزْوِيجِ لَهُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قُلْنَا: فَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً فَتَكُونُ عَصَبَتُهَا عَصَبَةَ وَلَدِهَا فَيَعْقِلُونَ عَنْهُمْ وَيُزَوِّجُونَ بَنَاتِهِمْ قَالُوا: لَا، قُلْنَا: فَإِذَا كَانَ مَوَالِي الْأُمِّ يَقُومُونَ مَقَامَ الْعَصَبَةِ فِي وَلَدِ مَوْلَاتِهِمْ وَكَانَ الْأَخْوَالُ لَا يَقُومُونَ ذَلِكَ الْمَقَامَ فِي بَنِي أُخْتِهِمْ فَكَيْفَ أَنْكَرْت مَا قُلْنَا وَالْأَصْلُ الَّذِي ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَاحِدٌ؟
[مِيرَاثُ الْمَجُوسِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقُلْنَا: إذَا أَسْلَمَ الْمَجُوسِيُّ وَابْنَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ أُمُّهُ نَظَرْنَا إلَى أَعْظَمِ السَّبَبَيْنِ فَوَرَّثْنَاهَا بِهِ وَأَلْغَيْنَا الْآخَرَ وَأَعْظَمُهُمَا أَثْبَتُهُمَا بِكُلِّ حَالٍ، وَإِذَا كَانَتْ أُمٌّ أُخْتًا وَرَّثْنَاهَا بِأَنَّهَا أُمٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَثْبُتُ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْأُخْتَ قَدْ تَزُولُ وَهَكَذَا جَمِيعُ فَرَائِضِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَنَازِلِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ أُوَرِّثُهَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ مَعَهَا فَقُلْنَا لَهُ أَرَأَيْت إذَا كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ وَهِيَ أُخْتُ أُمٍّ؟ قَالَ أَحْجُبُهَا مِنْ الثُّلُثِ بِأَنَّ مَعَهَا أُخْتَيْنِ وَأُوَرِّثُهَا مِنْ الْوَجْهِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتٌ قُلْنَا أَرَأَيْت حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ جَعَلَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ فِي حَالٍ وَنَقَصَهَا مِنْهُ بِدُخُولِ الْإِخْوَةِ عَلَيْهَا أَلَيْسَ إنَّمَا نَقَصَهَا بِغَيْرِهَا لَا بِنَفْسِهَا؟ قَالَ: بَلَى
بِغَيْرِهَا نَقَصَهَا فَقُلْنَا وَغَيْرُهَا خِلَافُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا، فَإِذَا نَقَصْتهَا بِنَفْسِهَا أَفَلَيْسَ قَدْ نَقَصْتهَا بِخِلَافِ مَا نَقَصَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ؟ وَقُلْنَا أَرَأَيْت إذَا كَانَتْ أُمًّا عَلَى الْكَمَالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَهَا بِنَقْصِهَا دُونَ الْكَمَالِ وَتُعْطِيَهَا أُمًّا كَامِلَةً وَأُخْتًا كَامِلَةً وَهُمَا بَدَنَانِ، وَهَذَا بَدَنٌ؟ قَالَ: فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْك أَنْ عَطَّلْت أَحَدَ الْحَقَّيْنِ قُلْنَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى اسْتِعْمَالِهِمَا إلَّا بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَخِلَافِ الْمَعْقُولِ لَمْ يَجُزْ إلَّا تَعْطِيلُ أَصْغَرِهِمَا لَا أَكْبَرِهِمَا قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ عَلَيْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا نَعَمْ قَدْ تَزْعُمُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ بِكَامِلِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَا رَقِيقٍ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ صَارَ إلَى حُكْمِ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يُحَدُّ مَنْ قَذَفَهُ، وَلَا يُحَدُّ هُوَ إلَّا حَدَّ الْعَبِيدِ فَتَعَطَّلَ مَوْضِعُ الْحُرِّيَّةِ مِنْهُ قَالَ: إنِّي أَحْكُمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَقِيقٌ قُلْت: أَفِي كُلِّ حَالٍ، أَوْ فِي بَعْضِ حَالٍ دُونَ بَعْضٍ؟ قَالَ: بَلْ فِي بَعْضِ حَالِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنِّي لَوْ قُلْت: لَك فِي كُلِّ حَالِهِ قُلْت لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ، قُلْت: فَإِذَا كَانَ قَدْ اخْتَلَطَ أَمْرُهُ فَلَمْ يُمْحَضْ عَبْدًا، وَلَمْ يُمْحَضْ حُرًّا فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِيهِ بِمَا رَوَيْته عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيُحَدُّ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيَرِثُ وَيُورَثُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى؟ قَالَ: لَا تَقُولُ بِهِ قُلْنَا وَتَصِيرُ عَلَى أَصْلِ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ حُكْمُ الْعَبِيدِ فِيمَا نَزَلَ بِهِ وَتَمْنَعُهُ الْمِيرَاثَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا فَكَيْفَ لَمْ تَجُزْ لَنَا فِي فَرْضِ الْمَجُوسِ مَا وَصَفْنَا؟ وَإِنَّمَا صَيَّرْنَا الْمَجُوسَ إلَى أَنْ أَعْطَيْنَاهُمْ بِأَكْثَرِ مَا يَسْتَوْجِبُونَ فَلَمْ نَمْنَعْهُمْ حَقًّا مِنْ وَجْهٍ إلَّا أَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ الْحَقَّ، أَوْ بَعْضَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَجَعَلْنَا الْحُكْمَ فِيهِمْ حُكْمًا وَاحِدًا مَعْقُولًا لَا مُتَبَعِّضًا لَا أَنَّا جَعَلْنَا بَدَنًا وَاحِدًا فِي حُكْمِ بَدَنَيْنِ.
[مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَإِنْ ارْتَدَّ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَرِثْهُ الْمُسْلِمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَطْعِ اللَّهِ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَوَافَقْنَا بَعْضَ النَّاسِ عَلَى كُلِّ كَافِرٍ إلَّا الْمُرْتَدَّ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ قَالَ تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْنَا فَيَعْدُو الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْكَافِرِينَ، أَوْ يَكُونَ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَإِنْ قُلْت: هُوَ فِي بَعْضِ حُكْمِهِ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْنَا أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فِي حُكْمٍ مُؤْمِنًا فِي غَيْرِهِ؟ فَيَقُولُ لَك غَيْرُك فَهُوَ كَافِرٌ حَيْثُ جَعَلْته مُؤْمِنًا وَمُؤْمِنٌ حَيْثُ جَعَلْته كَافِرًا، قَالَ: لَا، قُلْنَا أَفَلَيْسَ يَجُوزُ لَك
مِنْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا جَازَ عَلَيْك مِثْلُهُ؟ قَالَ: فَإِنَّا إنَّمَا صِرْنَا فِي هَذَا إلَى أَثَرٍ رَوَيْنَاهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَ الْمُسْتَوْرِدَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ قُلْنَا، فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْكُمْ أَنَّهُ غَلَطٌ وَنَحْنُ نَجْعَلُهُ لَك ثَابِتًا أَفَرَأَيْت حُكْمَهُ فِي سِوَى الْمِيرَاثِ أَحُكْمُ مُشْرِكٍ، أَوْ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: بَلْ حُكْمُ مُشْرِكٍ قُلْنَا فَإِنْ حَبَسْت الْمُرْتَدَّ لِقَتْلِهِ أَوْ لِتَسْتَتِيبَهُ فَمَاتَ ابْنٌ لَهُ مُسْلِمٌ أَيَرِثُهُ؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا أَفَرَأَيْت أَحَدًا قَطُّ لَا يَرِثُ وَلَدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاتِلَهُ وَيَرِثُهُ وَلَدُهُ؟ إنَّمَا أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوَارِيثَ لِلْأَبْنَاءِ مِنْ الْآبَاءِ حَيْثُ أَثْبَتَ الْمَوَارِيثَ لِلْآبَاءِ مِنْ الْأَبْنَاءِ وَقَطَعَ وِلَايَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنْ «لَا يَرِثَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ خَارِجًا مِنْ مَعْنَى حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَحُكْمِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَيْنِ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَثَرِ الَّذِي زَعَمْت لَزِمَك أَنْ تَكُونَ قَدْ خَالَفْت الْأَثَرَ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَمْنَعْهُ مِيرَاثَ وَلَدِهِ لَوْ مَاتُوا، وَهُوَ لَوْ وَرَّثَ وَلَدَهُ مِنْهُ انْبَغَى أَنْ يُوَرِّثَهُ وَلَدَهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَرِثُوهُ، وَلَا يَرِثُهُمْ كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَى مَا حَكَمَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ: نَرِثُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يَرِثُونَا كَمَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا أَفَرَأَيْت إنْ احْتَجَّ عَلَيْك أَحَدٌ بِهَذَا مِنْ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ شَبِيهُهُ.
وَقَدْ قَالَهُ مُعَاوِيَةُ وَمُعَاذٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: لَك إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالنِّسَاءِ اللَّاتِي يَحْلِلْنَ لِلْمُسْلِمِينَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا نِسَاءِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَقَالَ: لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَلِمُعَاوِيَة وَلَهُمَا فِقْهٌ وَعِلْمٌ فَلِمَ لَمْ تُوَافِقْ قَوْلَهُمَا؟ وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَأَتَّبِعُ مُعَاوِيَةَ وَمُعَاذًا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَأُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ، وَلَا أُوَرِّثُ الْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ كَمَا أَقُولُ فِي نِكَاحِ نِسَائِهِمْ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» فَهَذَا عَلَى جَمِيعِ الْكُفَّارِ، قُلْنَا وَلِمَ لَا تَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُحْتَمَلٌ لَهُ؟ قَالَ إنَّهُ قَلَّ حَدِيثٌ إلَّا وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ وَالْأَحَادِيثُ عَلَى ظَاهِرِهَا لَا تُحَالُ عَنْهُ إلَى مَعْنَى تَحْتَمِلُهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ قُلْنَا، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا حُجَّةً فِي أَنْ يَقُولَ بِمَعْنًى يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا قُلْنَا فَكُلُّ مَا قُلْت: مِنْ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْك فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ، وَفِيمَا رَوَيْت عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
مِثْلُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْنَا لَا يُؤْخَذُ مَالُ الْمُرْتَدِّ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ أَحَقَّ بِمَالِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَسَّمَ الْإِمَامُ مِيرَاثَهُ كَمَا يُقَسِّمُ مِيرَاثَ الْمَيِّتِ وَأَعْتَقَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ وَجَعَلَ دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا وَأَعْطَى وَرَثَتَهُ مِيرَاثَهُ فَقِيلَ: لَهُ عِبْت أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَكَمَا فِي دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ الَّذِي لَا يُسْمَعُ لَهُ بِخَبَرٍ وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ بِأَنْ تَتَرَبَّصَ امْرَأَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تُنْكَحُ فَقُلْت: وَكَيْفَ نَحْكُمُ بِحُكْمِ الْوَفَاةِ عَلَى رَجُلٍ امْرَأَتُهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا؟ وَهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي مَالِهِ بِحُكْمِ الْحَيَاةِ إنَّمَا حَكَمُوا بِهِ لِمَعْنَى الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقَدْ نُفَرِّقُ نَحْنُ وَأَنْتَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ فَنَزْعُمُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنِّينًا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ صِرْت بِرَأْيِك إلَى أَنْ حَكَمْت عَلَى رَجُلٍ حَيٍّ لَوْ ارْتَدَّ بطرسس فَامْتَنَعَ بِمُسَلِّحَةِ الرُّومِ وَنَحْنُ نَرَى حَيَاتَهُ بِحُكْمِ الْمَوْتَى فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ خَالَفْت فِيهِ الْقُرْآنَ وَدَخَلْت فِي أَعْظَمِ مِنْ الَّذِي عِبْت.
وَخَالَفْت مَنْ عَلَيْك عِنْدَك اتِّبَاعُهُ فِيمَا عَرَفْت وَأَنْكَرْت.
قَالَ: وَأَيْنَ الْقُرْآنُ الَّذِي خَالَفْت؟ قُلْت: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] وَقَالَ: جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] فَإِنَّمَا نَقَلَ مِلْكَ الْمَوْتَى إلَى الْأَحْيَاءِ وَالْمَوْتَى خِلَافُ الْأَحْيَاءِ، وَلَمْ يَنْقُلْ بِمِيرَاثٍ قَطُّ مِيرَاثَ حَيٍّ إلَى حَيٍّ فَنَقَلْت مِيرَاثَ الْحَيِّ إلَى الْحَيِّ، وَهُوَ خِلَافُ حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
قَالَ: فَإِنِّي أَزْعُمُ أَنَّ رِدَّتَهُ وَلُحُوقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِثْلُ مَوْتِهِ، قُلْت: قَوْلُك هَذَا خَبَرٌ؟ قَالَ: مَا فِيهِ خَبَرٌ، وَلَكِنِّي قُلْته قِيَاسًا.
قُلْت: فَأَيْنَ الْقِيَاسُ؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنِّي لَوْ وَجَدْته فِي هَذِهِ الْحَالِ قَتَلْته فَكَانَ مَيِّتًا، قُلْت: قَدْ عَلِمْت أَنَّك إذَا قَتَلْته مَاتَ فَأَنْتَ لَمْ تَقْتُلْهُ فَأَيْنَ الْقِيَاسُ؟ إنَّمَا قَتْلُهُ لَوْ أَمَتَّهُ فَأَنْتَ لَمْ تُمِتْهُ.
وَلَوْ كُنْت بِقَوْلِك لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ قَتَلْته كَالْقَاتِلِ لَهُ لَزِمَك إذَا رَجَعَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ الْمَيِّتَ فَتُنَفِّذُ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى.
قَالَ: مَا أَفْعَلُ وَكَيْفَ أَفْعَلُ، وَهُوَ حَيٌّ؟ قُلْت: قَدْ فَعَلْت أَوَّلًا، وَهُوَ حَيٌّ ثُمَّ زَعَمْت أَنَّك إنْ حَكَمْت عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَوْتَى فَرَجَعَ تَائِبًا وَأُمُّ وَلَدِهِ قَائِمَةٌ وَمُدَبَّرُهُ قَائِمٌ، وَفِي يَدِ غَرِيمِهِ مَالُهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي دَفَعْته إلَيْهِ، وَهُوَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، وَفِي يَدِ أَبِيهِ مِيرَاثُهُ فَقَالَ: لَك رُدَّ عَلَيَّ مَالِي، وَهَذَا غَرِيمِي يَقُولُ هَذَا مَالُك بِعَيْنِهِ لَمْ أُغَيِّرْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ لِي إلَى عَشْرِ سِنِينَ وَهَذِهِ أُمُّ وَلَدِي وَمُدَبَّرِي بِأَعْيَانِهِمَا.
قَالَ: لَا أَرُدُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ، قُلْنَا فَكَيْفَ رَدَدْت عَلَيْهِ مَا فِي يَدَيْ وَارِثِهِ، وَقَدْ نَفَذَ لَهُ بِهِ الْحُكْمُ؟ قَالَ: هَذَا مَالُهُ بِعَيْنِهِ، قُلْنَا: وَالْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ غَرِيمِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرُهُ مَالُهُ بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ نَقَضْت الْحُكْمَ فِي بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؟ هَلْ قُلْت: هَذَا خَبَرًا، أَوْ قِيَاسًا قَالَ: مَا قُلْته خَبَرًا، وَلَكِنْ قُلْته قِيَاسًا، قُلْنَا فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ قِسْته؟ قَالَ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ يُصِيبُهَا أَهْلُ الْعَدْلِ، فَإِنْ تَابَ أَهْلُ الْبَغْيِ فَوَجَدُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَعْيَانِهَا أَخَذُوهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوهَا بِأَعْيَانِهَا لَمْ يَغْرَمْهَا أَهْلُ الْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَ أَهْلُ الْعَدْلِ لِأَهْلِ الْبَغْيِ، قُلْنَا فَهَذَا وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَرَدَدْت بَعْضَهُ، وَلَمْ تَرْدُدْ بَعْضَهُ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَدْلِ لَوْ أَصَابُوا لِأَهْلِ الْبَغْيِ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ مُدَبَّرَةً رَدَدْتُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِمَا وَقُلْت: لَا يَعْتِقَانِ، وَلَا يَمْلِكُهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِمَا وَلَيْسَ هَكَذَا قُلْت: فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ.
[مِيرَاثُ الْمُشْرِكَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قُلْنَا: إنَّ الْمُشْرِكَةَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأَخَوَيْنِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ وَيُشْرِكُهُمْ بَنُو الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَمَّا سَقَطَ حُكْمُهُ صَارُوا
بَنِي أُمٍّ مَعًا وَقَالَ: بَعْضُ النَّاسِ مِثْلَ قَوْلِنَا إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يُشْرِكُهُمْ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ وَاحْتَجُّوا عَلَيْنَا بِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلَنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُمْ فَقَالُوا اخْتَرْنَا قَوْلَ مَنْ قُلْنَا بِقَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ أَنَّا وَجَدْنَا بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ قَدْ يَكُونُونَ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فَيَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ الثُّلُثَانِ وَلِلْجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي الْأُمِّ الثُّلُثُ وَوَجَدْنَا بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ قَدْ يُشْرِكُهُمْ أَهْلُ الْفَرَائِضِ فَيَأْخُذُونَ أَقَلَّ مِمَّا يَأْخُذُ بَنُو الْأُمِّ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ مَرَّةً يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُونَ وَمَرَّةً أَقَلَّ مِمَّا يَأْخُذُونَ فَرَّقْنَا بَيْنَ حُكْمَيْهِمْ فَوَرَّثْنَا كُلًّا عَلَى حُكْمِهِ؛ لِأَنَّا وَإِنْ جَمَعَتْهُمْ الْأُمُّ لَمْ نُعْطِهِمْ دُونَ الْأَبِ، وَإِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ بِالْأَبِ مَعَ الْأُمِّ فَرَّقْنَا بَيْنَ حُكْمَيْهِمْ فَقُلْنَا إنَّا إنَّمَا أَشْرَكْنَاهُمْ مَعَ بَنِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ جَمَعَتْهُمْ وَسَقَطَ حُكْمُ الْأَبِ، فَإِذَا سَقَطَ حُكْمُ الْأَبِ كَانَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ صَارَ لِلْأَبِ مَوْضِعٌ يَكُونُ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ اسْتَعْمَلْنَاهُ قَلَّ نُصِيبُهُمْ، أَوْ كَثُرَ قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مِثْلَ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَعْمِلًا فِي حَالٍ ثُمَّ تَأْتِي حَالٌ فَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمِلًا فِيهَا؟ قُلْنَا نَعَمْ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْنَا مَا قُلْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ وَخَالَفْت فِيهِ صَاحِبَك مِنْ الزَّوْجِ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ بَعْدَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ قَبْلَهُ وَيَكُونُ مُبْتَدِئًا لِنِكَاحِهَا وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثٍ، وَلَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ وَاحِدَةٍ، أَوْ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَهْدِمْ الْوَاحِدَ، وَلَا الثِّنْتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ مَعْنًى فِي إحْلَالِ الْمَرْأَةِ هُدِمَ الطَّلَاقُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ إذَا كَانَتْ لَا تَحِلُّ إلَّا بِهِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ وَكَانَتْ تَحِلُّ لِزَوْجِهَا بِنِكَاحٍ قَبْلَ زَوْجٍ كَمَا كَانَتْ تَحِلُّ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى فَلَمْ نَسْتَعْمِلْهُ قَالَ: إنَّا لَنَقُولُ هَذَا خَبَرًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُلْت: وَقِيَاسًا كَمَا وَصَفْنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرُ فِيهِ غَيْرَهُ.
قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ لِي هَذَا فِي الْفَرَائِضِ؟ قُلْت: نَعَمْ الْأَبُ يَمُوتُ ابْنُهُ وَلِلِابْنِ إخْوَةٌ فَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ قَاتِلًا وَرِثُوا، وَلَمْ يُوَرَّثْ الْأَبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ حُكْمَ الْأَبِ قَدْ زَالَ وَمَا زَالَ حُكْمُهُ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَلَمْ نَمْنَعْهُمْ الْمِيرَاثَ لَهُ إذَا صَارَ لَا حُكْمَ لَهُ كَمَا مَنَعْنَاهُمْ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مَمْلُوكًا قَالَ: فَهَذَا لَا يَرِثُ بِحَالٍ وَأُولَئِكَ يَرِثُونَ بِحَالٍ قُلْنَا: أَوَلَيْسَ إنَّمَا نَنْظُرُ فِي الْمِيرَاثِ إلَى الْفَرِيضَةِ الَّتِي يُدْلُونَ فِيهَا بِحُقُوقِهِمْ لَا نَنْظُرُ إلَى حَالِهِمْ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا؟ قَالَ: وَمَا تَعْنِي بِذَلِكَ؟ قُلْت: لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا وَرِثَ، وَإِذَا صَارَ قَاتِلًا لَمْ يَرِثْ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فَمَاتَ ابْنُهُ لَمْ يَرِثْ، وَلَوْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَرِثَ قَالَ: هَذَا هَكَذَا؟ قُلْنَا فَنَظَرْنَا إلَى الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا لِلْأَبِ حُكْمٌ فِي الْفَرِيضَةِ أَسْقَطْنَاهُ وَوَجَدْنَاهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا إلَى بَنِي الْأُمِّ.
[كِتَابُ الْوَصَايَا]
[بَابُ الْوَصِيَّةِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ]
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ أَوْ أَحَدِ وَرَثَتِهِ]
كِتَابُ الْوَصَايَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: كَتَبْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّافِعِيِّ مِنْ خَطِّهِ بِيَدِهِ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ مِنْهُ وَذَكَرَ الرَّبِيعُ فِي أَوَّلِهِ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ تَرَاجِمَ، وَفِي آخِرِهَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا، وَهُوَ: بَابُ الْوَصِيَّةِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَصِيَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا حَقُّ امْرِئٍ لَهُ مَالٌ يَحْتَمِلُ مَا لِامْرِئٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» وَيَحْتَمِلُ مَا الْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْلَاقِ إلَّا هَذَا لَا مِنْ وَجْهِ الْفَرْضِ.
بَابُ الْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ، أَوْ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَصَّى الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَهُ الرُّبُعُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أَحَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيب ابْنِهِ، فَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِالنِّصْفِ فَلَهُ الثُّلُثُ كَامِلًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الِابْنُ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ السُّدُسَ.
(قَالَ) : وَإِنَّمَا ذَهَبْت إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً إلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّبُعُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَ وَلَدِهِ الثَّلَاثَةِ يَرِثُهُ الثُّلُثُ وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كَأَحَدِ وَلَدِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا يَأْخُذُ أَحَدُ وَلَدِهِ، جَعَلْت بِهِ الْأَقَلَّ فَأَعْطَيْته إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَنَعْته الشَّكَّ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطَوْهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي فَكَانَ فِي وَلَدِهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ أَعْطَيْته نَصِيبَ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ وَلَدُهُ ابْنَةً وَابْنَ ابْنٍ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي أَعْطَيْته السُّدُسَ، وَلَوْ كَانَ وَلَدُ الِابْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ أَعْطَيْته أَقَلَّ مَا يُصِيبُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِي، فَكَانَ فِي وَرَثَتِهِ امْرَأَةٌ تَرِثُهُ ثُمُنًا، وَلَا وَارِثَ لَهُ يَرِثُ أَقَلَّ مِنْ ثُمُنٍ أَعْطَيْته إيَّاهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَرِثْنَهُ ثُمُنًا أَعْطَيْته رُبُعَ الثُّمُنِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ عَصَبَةٌ فَوَرِثُوهُ أَعْطَيْته مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَإِنْ كَانَ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ، وَهَكَذَا لَوْ كَانُوا مَوَالِيَ، وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَانَ مَعَهُمْ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ زَوْجَةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَعْطَيْته أَبَدًا الْأَقَلَّ مِمَّا يُصِيبُ أَحَدَ وَرَثَتِهِ، وَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ إخْوَةً لِأَبٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةً لِأَبٍ وَإِخْوَةً لِأُمٍّ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ إخْوَتِي، أَوْ لَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِ إخْوَتِي فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَلَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ بِأَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ لَا يَرِثُونَ وَيُعْطِي مِثْلَ نَصِيبِ أَقَلِّ إخْوَتِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ نَصِيبًا، إنْ كَانَ أَحَدُ إخْوَتِهِ لِأُمٍّ أَقَلَّ نَصِيبًا، أَوْ بَنِي الْأُمِّ وَالْأَبِ أُعْطَى مِثْلُ نَصِيبِهِ.
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ مِثْلَ أَكْثَرِ نَصِيبِ وَارِثٍ لِي نُظِرَ مَنْ يَرِثُهُ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَكْثَرَ لَهُ مِيرَاثًا أُعْطِيَ مِثْلَ نَصِيبِهِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ، فَإِنْ جَاوَزَ نَصِيبُهُ الثُّلُثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْ مِيرَاثِي، أَوْ أَكْثَرَ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي أَعْطَى ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ ضَعْفَ مَا يُصِيبُ أَكْثَرَ وَلَدِي نَصِيبًا أَعْطَى مِثْلَيْ مَا يُصِيبُ أَكْثَرُ وَلَدِهِ نَصِيبًا، وَلَوْ قَالَ: ضِعْفَيْ مَا يُصِيبُ ابْنِي نَظَرْت مَا يُصِيبُ ابْنَهُ فَإِنْ كَانَ مِائَةً أَعْطَيْته ثَلَثَمِائَةٍ فَأَكُونُ أَضْعَفْت الْمِائَةَ الَّتِي تُصِيبُهُ بِمِيرَاثِهِ مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً فَذَاكَ ضِعْفَانِ وَهَكَذَا إنْ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَضْعَافٍ وَأَرْبَعَةٌ لَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ أَنْظُرَ أَصْلَ الْمِيرَاثِ فَأُضَعِّفُهُ لَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ مَنْ أَوْصَيْت لَهُ أُعْطِيَ أَقَلَّ مَا يُصِيبُ أَحَدًا مِمَّنْ أَوْصَى لَهُ لِأَنِّي إذَا أَعْطَيْته أَقَلَّ، فَقَدْ أَعْطَيْته مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ فَأَعْطَيْته بِالْيَقِينِ، وَلَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ نَصِيبٌ مِنْ مَالِي، أَوْ جُزْءٌ مِنْ مَالِي، أَوْ حَظٌّ مِنْ مَالِي كَانَ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءً وَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ مِنْهُ مَا شِئْتُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُزْءٌ وَنَصِيبٌ وَحَظٌّ، فَإِنْ قَالَ: الْمُوصَى لَهُ قَدْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا أُحَلِّفُ الْوَرَثَةَ مَا تَعْلَمُهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ وَنُعْطِيهِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ جُزْءًا قَلِيلًا مِنْ مَالِي، أَوْ حَظًّا، أَوْ نَصِيبًا، وَلَوْ قَالَ: مَكَانٌ قَلِيلٌ كَثِيرًا مَا عَرَفْت لِلْكَثِيرِ حَدًّا وَذَلِكَ أَنِّي لَوْ ذَهَبْت إلَى أَنْ أَقُولَ الْكَثِيرُ كُلُّ مَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ وَجَدْت قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 - 8]
فَكَانَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ قَلِيلًا، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا حُكْمًا يُرَى فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَرَأَيْت قَلِيلَ مَالِ الْآدَمِيِّينَ وَكَثِيرَهُ سَوَاءً يَقْضِي بِأَدَائِهِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ غَصْبًا، أَوْ تَعَدِّيًا أَوْ اسْتَهْلَكَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجَدْت رُبُعَ دِينَارٍ قَلِيلًا، وَقَدْ يُقْطَعُ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجَدْت مِائَتِي دِرْهَمٍ قَلِيلًا، وَفِيهَا زَكَاةٌ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قَلِيلٍ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كَثِيرٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْكَثِيرِ حَدٌّ يُعْرَفُ وَكَانَ اسْمُ الْكَثِيرِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ كَانَ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَيًّا فَأَقَرَّ لِرَجُلٍ بِقَلِيلِ مَالِهِ أَوْ كَثِيرِهِ كَانَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَمَتَى لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، وَلَمْ يُحْدِدْهُ فَذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنِّي لَا أُعْطِيهِ بِالشَّكِّ، وَلَا أُعْطِيه إلَّا بِالْيَقِينِ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى بِغَيْرِ عَيْنِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ فَقَالَ: أَعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِي أَعْطَوْهُ أَيَّ عَبْدٍ شَاءُوا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَعْطَوْهُ شَاةً مِنْ غَنَمِي أَوْ بَعِيرًا مِنْ إبِلِي، أَوْ حِمَارًا مِنْ حَمِيرِي، أَوْ بَغْلًا مِنْ بِغَالِي أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءُوا مِمَّا سَمَّاهُ، وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ أَحَدَ رَقِيقِي، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِي، أَوْ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي أَعْطَوْهُ أَيَّ رَأْسٍ شَاءُوا مِنْ رَقِيقِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا مَعِيبًا أَوْ غَيْرَ مَعِيبٍ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي أَعْطَوْهُ أَيَّ دَابَّةٍ شَاءُوا أُنْثَى، أَوْ ذَكَرًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَكَذَلِكَ يُعْطُونَهُ صَغِيرًا مِنْ الرَّقِيقِ إنْ شَاءُوا، أَوْ كَبِيرًا، وَلَوْ أَوْصَى فَقَالَ: أَعْطُوهُ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي، أَوْ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَمَاتَ مِنْ رَقِيقِهِ رَأْسٌ، أَوْ مِنْ دَابَّةٍ فَقَالَ الْوَرَثَةُ هَذَا الَّذِي أَوْصَى لَك بِهِ وَأَنْكَرَ الْمُوصَى لَهُ ذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ لِلْمُوصِي لَهُ عَبْدًا، أَوْ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِهِ فَيُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءُوا وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَا مَاتَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَهَلَكَ مِنْ مَالِهِ مِائَةُ دِينَارٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِ مَا حَمَلَ ذَلِكَ الثُّلُثُ وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ فِيمَا يَقْطَعُ بِهِ إلَيْهِمْ فَلَا يَبْرَءُونَ حَتَّى يُعْطُوهُ إلَّا أَنْ يَهْلَكَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَيَكُونُ كَهَلَاكِ عَبْدٍ أَوْصَى لَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ مِمَّا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ دَوَابَّ، أَوْ رَقِيقٍ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ هَلَكَ الرَّقِيقُ، أَوْ الدَّوَابُّ أَوْ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ كُلُّهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا يَمْلِكُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَالَ: الْمُوصِي أَعْطُوا فُلَانًا شَاةً مِنْ غَنَمِي، أَوْ بَعِيرًا مِنْ إبِلِي أَوْ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِي، أَوْ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى إضَافَةً إلَى مِلْكِهِ لَا يَمْلِكُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ وَلَهُ هَذَا الصِّنْفُ فَهَلَكَ، أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ مِنْ صِنْف مَا أَوْصَى فِيهِ شَيْءٌ فَمَاتَ ذَلِكَ الصِّنْفُ إلَّا وَاحِدًا كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ لِلْمُوصَى لَهُ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَلَوْ مَاتَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ لَهُ بِذَهَابِهِ، وَلَوْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ الْمُوصَى لَهُ اسْتَهْلَكَهُ الْوَرَثَةُ وَقَالَ: الْوَرَثَةُ بَلْ هَلَكَ مِنْ السَّمَاءِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا قِيلَ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ مَا شِئْتُمْ مِمَّا يَكُونُ مِثْلَهُ ثَمَنًا لِأَقَلِّ الصِّنْفِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ وَالْقَوْلُ فِي ثَمَنِهِ قَوْلُكُمْ إذَا جِئْتُمْ بِشَيْءٍ يَحْتَمِلُ وَاحْلِفُوا لَهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ ثَمَنًا كَانَ مَبْلَغُ ثَمَنِهِ كَذَا، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَارِثٌ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ
يَرْجِعَ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مَنْ كَانَ بِثَمَنِ أَيِّ شَيْءٍ سَلَّمَهُ لَهُ الْوَارِثُ مِنْهُ فَإِنْ أَخَذَ الْوَارِثُ مِنْهُ ثَمَنَ بَعْضِ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَأَفْلَسَ بِبَعْضِهِ رَجَعَ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَارِثِ بِمَا أَصَابَ مَا سَلَّمَ لَهُ الْوَارِثُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ بِقَدْرِ مَا أَخَذَ كَأَنَّهُ أَخَذَ نِصْفَ ثَمَنِ غَنَمٍ فَقَالَ: الْوَارِثُ أَسْلَمَ لَهُ أَدْنَى شَاةٍ مِنْهَا وَقِيمَتُهَا دِرْهَمَانِ فَيَرْجِعُ عَلَى الْوَارِثِ بِدِرْهَمٍ وَهَكَذَا هَذَا فِي كُلِّ صِنْفٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ قِيلَ: لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ أَيَّ شَاةٍ شِئْتُمْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ، أَوْ اشْتَرَيْتُمُوهَا لَهُ صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً ضَائِنَةً، أَوْ مَاعِزَةً فَإِنْ قَالُوا نُعْطِيهِ ظَبْيًا، أَوْ أُرْوِيَّةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ اسْمُ شَاةٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا قِيلَ: شَاةٌ ضَائِنَةٌ، أَوْ مَاعِزَةٌ وَهَكَذَا لَوْ قَالُوا نُعْطِيك تَيْسًا، أَوْ كَبْشًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا قِيلَ شَاةٌ أَنَّهَا أُنْثَى، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعْطُوهُ بَعِيرًا، أَوْ ثَوْرًا مِنْ مَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ نَاقَةً، وَلَا بَقَرَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى هَذَيْنِ اسْمُ الْبَعِيرِ، وَلَا الثَّوْرِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عَشْرَ أَيْنُقُ مِنْ مَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ فِيهَا ذَكَرًا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عَشَرَةَ أَجْمَالٍ، أَوْ عَشَرَةَ أَثْوَارٍ، أَوْ عَشَرَةَ أَتْيَاسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ أُنْثَى مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عَشْرًا مِنْ غَنَمِي، أَوْ عَشْرًا مِنْ إبِلِي، أَوْ عَشْرًا مِنْ أَوْلَادِ غَنَمِي، أَوْ إبِلِي، أَوْ بَقَرِي، أَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ، أَوْ عَشْرًا مِنْ الْبَقَرِ أَوْ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ عَشْرًا إنْ شَاءُوا إنَاثًا كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءُوا ذُكُورًا كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَالْإِبِلَ جِمَاعٌ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَا شَيْءَ أَوْلَى مِنْ شَيْءٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» فَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ مَالِي دَابَّةً قِيلَ: لَهُمْ أَعْطُوهُ إنْ شِئْتُمْ مِنْ الْخَيْلِ، أَوْ الْبِغَالِ أَوْ الْحَمِيرِ أُنْثَى، أَوْ ذَكَرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الذَّكَرُ مِنْهَا بِأَوْلَى بِاسْمِ الدَّابَّةِ مِنْ الْأُنْثَى، وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ: أُنْثَى مِنْ الدَّوَابِّ، أَوْ ذَكَرًا مِنْ الدَّوَابِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا أَوْصَى بِهِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا أَعْجَفَ كَانَ، أَوْ سَمِينًا مَعِيبًا كَانَ أَوْ سَلِيمًا.
وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَيَهْلِكُ بِعَيْنِهِ]
ِ، أَوْ غَيْرِ عَيْنِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِثْلَ عَبْدٍ وَسَيْفٍ وَدَارٍ وَأَرْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَا ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ هَلَكَ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ مِثْلُ دَارٍ ذَهَبَ السَّيْلُ بِثُلُثَيْهَا، أَوْ أَرْضٍ كَذَلِكَ فَالثُّلُثُ كَالْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مَوْجُودَةٌ وَخَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ.
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي حَالٍ وَلَا يَجُوزُ فِي أُخْرَى]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوا فُلَانًا كَلْبًا مِنْ كِلَابِي وَكَانَتْ لَهُ كِلَابٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ
جَائِزَةً؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْوَرَثَةُ، وَلَمْ يُعْطُوهُ إيَّاهُ، أَوْ غَيْرُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ لِلْكَلْبِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ فَقَالَ: أَعْطُوا فُلَانًا كَلْبًا مِنْ مَالِي كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلَا لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ ثُلُثِهِ كَلْبًا فَيُعْطُوهُ إيَّاهُ، وَلَوْ اسْتَوْهَبُوهُ فَوَهَبَ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي مَالِهِ وَكَانَ مِلْكًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوا مِلْكَهُمْ لِلْمُوصَى لَهُ وَالْمُوصِي لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ طَبْلًا مِنْ طُبُولِي وَلَهُ الطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلْحَرْبِ وَالطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلَّهْوِ فَإِنْ كَانَ الطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلَّهْوِ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ غَيْرِ اللَّهْوِ قِيلَ: لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ أَيَّ الطَّبْلَيْنِ شِئْتُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ طَبْلٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْآخَرِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ طَبْلًا مِنْ مَالِي، وَلَا طَبْلَ لَهُ ابْتَاعَ لَهُ الْوَرَثَةُ أَيَّ الطَّبْلَيْنِ شَاءُوا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ ابْتَاعُوا لَهُ الطَّبْلَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلْحَرْبِ فَمِنْ أَيِّ عُودٍ، أَوْ صُفْرٍ شَاءُوا ابْتَاعُوهُ وَيَبْتَاعُونَهُ وَعَلَيْهِ أَيُّ جِلْدٍ شَاءُوا مِمَّا يَصْلُحُ عَلَى الطُّبُولِ فَإِنْ أَخَذَهُ بِجِلْدَةٍ لَا تَعْمَلُ عَلَى الطُّبُولِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذُوهُ بِجِلْدَةٍ يُتَّخَذُ مِثْلُهَا عَلَى الطُّبُولِ، وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ اشْتَرَى لَهُ الطَّبْلَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ فَكَانَ يَصْلُحُ لِغَيْرِ الضَّرْبِ وَاشْتَرَى لَهُ طَبْلًا فَإِنْ كَانَ الْجِلْدَانِ اللَّذَانِ يَجْعَلَانِ عَلَيْهِمَا يَصْلُحَانِ لِغَيْرِ الضَّرْبِ أَخَذَ بِجِلْدَتِهِ، وَإِنْ كَانَا لَا يَصْلُحَانِ لِغَيْرِ الضَّرْبِ أَخَذَ الطَّبْلَيْنِ بِغَيْرِ جِلْدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى طَبْلِ الْحَرْبِ اسْمُ طَبْلٍ بِغَيْرِ جِلْدَةٍ أَخَذَتْهُ الْوَرَثَةُ إنْ شَاءُوا بِلَا جِلْدٍ، وَإِنْ كَانَ الطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلضَّرْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهُ طَبْلًا إلَّا طَبْلًا لِلْحَرْبِ كَمَا لَوْ كَانَ أَوْصَى لَهُ بِأَيِّ دَوَابِّ الْأَرْضِ شَاءَ الْوَرَثَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ خِنْزِيرًا.
وَلَوْ قَالَ: أَعْطَوْهُ كَبَرًا كَانَ الْكَبَرُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الطُّبُولِ وَدُونَ الْكَبَرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النِّسَاءُ فِي رُءُوسِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ إنَّمَا سَمَّيْنَ ذَلِكَ كَبَرًا تَشْبِيهًا بِهَذَا وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت إنْ صَلُحَ لِغَيْرِ الضَّرْبِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُح إلَّا لِلضَّرْبِ لَمْ تَجُزْ عِنْدِي، وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عُودًا مِنْ عِيدَانِي وَلَهُ عِيدَانٌ يُضْرَبُ بِهَا وَعِيدَانُ قِسِيٍّ وَعِصِيٍّ وَغَيْرُهَا فَالْعُودُ إذَا وَجَّهَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ لِلْعُودِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عُودٍ فَإِنْ كَانَ الْعُودُ يَصْلُحُ لِغَيْرِ الضَّرْبِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عُودٍ وَأَصْغَرُهُ بِلَا وَتَرٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلضَّرْبِ بَطَلَتْ عِنْدِي الْوَصِيَّةُ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَزَامِيرِ كُلِّهَا.
وَإِنْ قَالَ: مِزْمَارٌ مِنْ مَزَامِيرِي، أَوْ مِنْ مَالِي فَإِنْ كَانَتْ لَهُ مَزَامِيرُ شَتَّى فَأَيُّهَا شَاءُوا أَعْطَوْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا صِنْفٌ مِنْهَا أَعْطَوْهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَإِنْ قَالَ: مِزْمَارٌ مِنْ مَالِي أَعْطَوْهُ أَيَّ مِزْمَارٍ شَاءُوا - نَايٍ، أَوْ قَصَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا - إنْ صَلُحَتْ لِغَيْرِ الزَّمْرِ، وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ إلَّا لِلزَّمْرِ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِجَرَّةِ خَمْرٍ بِعَيْنِهَا بِمَا فِيهَا أُهْرِيقَ الْخَمْرُ وَأُعْطِيَ ظَرْفَ الْجَرَّةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ قَوْسًا مِنْ قِسِيِّي وَلَهُ قِسِيٌّ مَعْمُولَةٌ وَقِسِيٌّ غَيْرُ مَعْمُولَةٍ، أَوْ لَيْسَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ: أَعْطُوهُ عُودًا مِنْ الْقِسِيِّ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوهُ قَوْسًا مَعْمُولَةً أَيَّ قَوْسٍ شَاءُوا - صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً عَرَبِيَّةً، أَوْ أَيِّ عَمَلٍ شَاءُوا - إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ قَوْسٍ تُرْمَى بِالنَّبْلِ، أَوْ النُّشَّابِ، أَوْ الْحُسْبَانِ وَمِنْ أَيِّ عُودٍ شَاءُوا، وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يُعْطُوهُ قَوْسَ جلاهق، أَوْ قَوْسَ نَدَّافٍ أَوْ قَوْسَ كُرْسُفٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَّهَ بِقَوْسٍ فَإِنَّمَا يَذْهَبُ إلَى قَوْسٍ رَمَى بِمَا وَصَفْت، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَيَّ قَوْسٍ شِئْتُمْ، أَوْ أَيَّ قَوْسِ الدُّنْيَا شِئْتُمْ، وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ أَيَّ قَوْسٍ شِئْتُمْ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ قَوْسٍ أَعْطَوْهُ إنْ شَاءُوا قَوْسَ نَدَّافٍ، أَوْ قَوْسَ قُطْنٍ، أَوْ مَا شَاءُوا مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قَوْسٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ صِنْفٌ مِنْ الْقِسِيِّ فَقَالَ: أَعْطُوهُ
مِنْ قِسِيِّي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَلَا عَلَيْهِمْ وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ أَيَّهَا شَاءُوا أَكَانَتْ عَرَبِيَّةً، أَوْ فَارِسِيَّةً، أَوْ دودانية أَوْ قَوْسَ حُسْبَانٍ، أَوْ قَوْسَ قُطْنٍ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ فَكُلُّ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا كَسْبَ يُغْنِيهِ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ لِلْأَحْرَارِ دُونَ الْمَمَالِيكِ مِمَّنْ لَمْ يَتِمَّ عِتْقُهُ.
(قَالَ) : وَيَنْظُرُ أَيْنَ كَانَ مَالُهُ فَيُخْرِجُ ثُلُثَهُ فَيُقَسَّمُ فِي مَسَاكِينِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِنْ كَثُرَ حَتَّى يُغْنِيَهُمْ نُقِلَ إلَى أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ لَهُ ثُمَّ كَانَ هَكَذَا حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ صَنَعَ بِهِ هَذَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي الْفُقَرَاءِ كَانَ مِثْلُ الْمَسَاكِينِ يَدْخُلُ فِيهِ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ؛ لِأَنَّ الْمِسْكِينَ فَقِيرٌ وَالْفَقِيرَ مِسْكِينٌ إذَا أَفْرَدَ الْمُوصِي الْقَوْلَ هَكَذَا، وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمَسْكَنَةِ، فَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَهُ مَالٌ، أَوْ كَسْبٌ يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، وَلَا يُغْنِيهِ، فَيُجْعَلُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ وَنَعْنِي بِهِ مَسَاكِينَ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَالٌ، وَفُقَرَاءَهُمْ، وَإِنْ قَلَّ، وَمَنْ أَعْطَى فِي فُقَرَاءَ، أَوْ مَسَاكِينَ، فَإِنَّمَا أَعْطَى لِمَعْنَى فَقْرٍ أَوْ مَسْكَنَةٍ، فَيَنْظُرُ فِي الْمَسَاكِينِ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْكَنَةِ مِائَةٌ وَآخَرُ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْكَنَةِ خَمْسُونَ أَعْطَى الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْكَنَةِ مِائَةٌ سَهْمَيْنِ وَاَلَّذِي يُخْرِجُهُ خَمْسُونَ سَهْمًا، وَهَكَذَا يَصْنَع فِي الْفُقَرَاءِ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ، وَلَا يُفَضَّلُ ذُو قَرَابَةٍ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِمَا وَصَفْت فِي غَيْرِهِ مِنْ قَدْرِ مَسْكَنَتِهِ، أَوْ فَقْرِهِ.
(قَالَ) : فَإِذَا نُقِلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أَوْ خُصَّ بِهَا بَعْضُ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ دُونَ بَعْضٍ كَرِهْته، وَلَمْ يَبِنْ لِي أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمَانٌ، وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءَ وَمَسَاكِينَ فَأَعْطَى أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ضَمِنَ نِصْفَ الثُّلُثِ، وَهُوَ السُّدُسُ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ صِنْفَيْنِ فَحَرَّمَ أَحَدَهُمَا، وَلَوْ أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ضَمِنَ، وَلَوْ أَعْطَى وَاحِدًا ضَمِنَ ثُلُثَيْ السُّدُسِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُقَسَّمُ عَلَيْهِ السُّدُسُ ثَلَاثَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثُّلُثُ لِصِنْفٍ كَانَ أَقَلُّ مَا يُقَسَّمُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةً، وَلَوْ أَعْطَاهَا اثْنَيْنِ ضَمِنَ حِصَّةَ وَاحِدٍ إنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ السُّدُسُ فَثُلُثُ السُّدُسِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ فَثُلُثُ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ حِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ يَضَعُهُ حَيْثُ رَأَى مِنْهُمْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَضَعُهُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ يَضْمَنُ إنْ وَضَعَهُ فِي أَقَلِّ حِصَّةٍ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَكَانَ الِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ، وَلَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فَيَضَعُهُ فِي أَحْوَجِهِمْ، وَلَا يَضَعُهُ كَمَا وَصَفْت فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَكَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ إذَا خَصَّ أَنْ يُخَصَّ قَرَابَةَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ قَرَابَتِهِ يَجْمَعُ أَنَّهُمْ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي أَوْصَى لَهُمْ وَأَنَّهُمْ ذُو رَحِمٍ عَلَى صِلَتِهَا ثَوَابٌ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الرِّقَابِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي الرِّقَابِ أَعْطَى مِنْهَا فِي الْمُكَاتَبِينَ، وَلَا يَبْتَدِئُ مِنْهَا عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَأَعْطَى مَنْ وَجَدَ مِنْ الْمُكَاتَبِينَ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَعَمُوا كَمَا وَصَفْت فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَأَعْطَى ثُلُثَ كُلِّ مَالٍ لَهُ فِي بَلَدٍ فِي مُكَاتَبِي أَهْلِهِ.
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ: يَضَعُهُ مِنْهُمْ حَيْثُ رَأَى فَكَمَا قُلْت: فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يَخْتَلِفُ، فَإِنْ قَالَ: يَعْتِقُ بِهِ عَنِّي رِقَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ
يُعْطِيَ مُكَاتَبًا مِنْهُ دِرْهَمًا، وَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَإِنْ بَلَغَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ رِقَابٍ لَمْ يُجْزِهِ أَقَلُّ مِنْ عِتْقِ ثَلَاثِ رِقَابٍ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ حِصَّةَ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثَ رِقَابٍ وَبَلَغَ أَقَلَّ مِنْ رَقَبَتَيْنِ يَجِدُهُمَا ثَمَنًا وَفَضَلَ فَضْلٌ جَعَلَ الرَّقَبَتَيْنِ أَكْثَرَ ثَمَنًا حَتَّى يَذْهَبَ فِي رَقَبَتَيْنِ، وَلَا يَحْبِسُ شَيْئًا لَا يَبْلُغُ رَقَبَةً، وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْ رَقَبَتَيْنِ وَزَادَ عَلَى رَقَبَةٍ، وَيُجْزِيهِ أَيُّ رَقَبَةٍ اشْتَرَى صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً، أَوْ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَزْكَى الرِّقَابِ وَخَيْرُهَا وَأَحْرَاهَا أَنْ يَفُكَّ مِنْ سَيِّدِهِ مِلْكَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ سَعَةٌ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ رِقَابٍ فَقِيلَ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك إقْلَالُ الرِّقَابِ وَاسْتِغْلَاؤُهَا، أَوْ إكْثَارُهَا وَاسْتِرْخَاصُهَا؟ قَالَ: إكْثَارُهَا وَاسْتِرْخَاصُهَا أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنْ قَالَ وَلِمَ؟ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَيَزِيدُ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ «حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» .
[بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الْغَارِمِينَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي الْغَارِمِينَ فَالْقَوْلُ أَنَّهُ يُقَسَّمُ فِي غَارِمِي الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ، وَفِي أَقَلِّ مَا يُعْطَاهُ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا كَالْقَوْلِ فِي الْفُقَرَاءِ وَالرِّقَابِ، وَفِي أَنَّهُ يُعْطَى الْغَارِمُونَ بِقَدْرِ غُرْمِهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْفُقَرَاءِ لَا يَخْتَلِفُ، وَيُعْطَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَيْهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ أَعْطَوْهُ فِي دَيْنِهِمْ رَجَوْت أَنْ يَسَعَ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُعْطِيه مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ لَا يَجْزِي عِنْدِي غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ وَجْهٍ بِأَنْ أَعْطَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَذْهَبُ إلَى غَيْرِ الْغَزْوِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا أُرِيدَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَالْقَوْلُ فِي أَنْ يُعْطَاهُ مَنْ غَزَا مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُ الْمُوصِي وَيَجْمَعُ عُمُومَهُمْ، وَإِنْ يُعْطُوا بِقَدْرِ مَغَازِيهِمْ إذَا بَعُدَتْ وَقَرُبَتْ مِثْلُ الْقَوْلِ فِي أَنْ تُعْطَى الْمَسَاكِينُ بِقَدْرِ مَسْكَنَتِهِمْ لَا يَخْتَلِفُ، وَفِي أَقَلِّ مَنْ يُعْطَاهُ، وَفِي مُجَاوَزَتِهِ إلَى بَلَدِ غَيْرِهِ مِثْلُ الْقَوْلِ فِي الْمَسَاكِينِ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطَوْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، أَوْ فِي سَبِيل الْبِرِّ، أَوْ فِي سَبِيلِ الثَّوَابِ جُزِّئَ أَجْزَاءً فَأُعْطِيه ذُو قَرَابَتِهِ فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ، وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ، وَالْغُزَاةُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، وَالْحَاجُّ، وَدَخَلَ الضَّيْفُ وَابْنُ السَّبِيلِ وَالسَّائِلُ وَالْمُعْتَرُّ فِيهِمْ، أَوْ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يُجَزِّئُ عِنْدِيِّ غَيْرُهُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ لِكُلِّ صِنْفُ مِنْهُمْ سَهْمٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْوَصِيُّ ضَمِنَ سَهْمَ مَنْ مَنَعَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا وَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ حَبَسَ لَهُ سَهْمَهُ حَتَّى يَجِدَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ، أَوْ يُنْقَلَ إلَى أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ بِهِ مِمَّنْ فِيهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ فَيُعْطُونَهُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الْحَجِّ]
ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَكَانَ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَإِنْ بَلَغَ ثُلُثُهُ حَجَّةً مِنْ بَلَدِهِ أَحَجَّ عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَحَجَّ عَنْهُ رَجُلًا مِنْ حَيْثُ بَلَغَ ثُلُثُهُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمِيقَاتِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي فُلَانًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ الْمِائَةُ أَكْثَرَ مِنْ إجَارَتِهِ أُعْطِيهَا؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لَهُ كَانَ بِعَيْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، فَإِنْ كَانَ وَارِثًا فَأَوْصَى لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ قِيلَ: لَهُ إنْ شِئْت فَأَحْجِجْ عَنْهُ بِأَجْرِ مِثْلِك وَيُبْطِلُ الْفَضْلُ عَنْ أَجْرِ مِثْلِك؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ تَشَأْ أَحَجَجْنَا عَنْهُ غَيْرَك بِأَقَلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَالْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ فَلَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ لِوَارِثٍ فَيُعْتَقُ فَاشْتُرِيَ بِقِيمَتِهِ جَازَ؟ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَقَالَ: وَارِثُهُ أَنَا أَحُجُّ عَنْهُ بِأَجْرِ مِثْلِي جَازَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ.
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي بِثُلُثَيْ حُجَّةٍ وَثُلُثُهُ يَبْلُغُ أَكْثَرُ مِنْ حِجَجٍ جَازَ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي وَثُلُثُهُ يَبْلُغُ حِجَجًا فَمَنْ أَجَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا أَحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ لَا يَزِيدُ أَحَدًا وَيَحُجُّ عَنْهُ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثُلُثِهِ مَا لَا يَبْلُغُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ بَلَدِهِ أَحَجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى يَنْفَدَ ثُلُثُهُ.
فَإِنْ فَضَلَ دِرْهَمٌ، أَوْ أَقَلُّ مِمَّا لَا يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ أَحَدٌ رُدَّ مِيرَاثًا وَكَانَ كَمَنْ أَوْصَى لِمَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ.
(قَالَ) : فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةً أَوْ حِجَجًا فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ عَنْهُ ضَرُورَةً لَمْ يَحُجَّ، فَالْحَجُّ عَنْ الْحَاجِّ لَا عَنْ الْمَيِّتِ وَيَرُدُّ الْحَاجُّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ.
(قَالَ) : وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ مَنْ حَجَّ فَأَفْسَدَ الْحَجَّ رُدَّ جَمِيعُ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ الْعَمَلَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَحَجُّوا عَنْهُ امْرَأَةً أَجْزَأَ عَنْهُ وَكَانَ الرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ أَحَجُّوا رَجُلًا عَنْ امْرَأَةٍ أَجْزَأَ عَنْهَا.
(قَالَ) : وَإِحْصَارُ الرَّجُلِ عَنْ الْحَجِّ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحِجُّوا عَنْهُ رَجُلًا فَمَاتَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ رَقَبَةً فَابْتِيعَتْ فَلَمْ تُعْتَقْ حَتَّى مَاتَتْ أَعْتَقَ عَنْهُ أُخْرَى، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ قَدْ حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي فُلَانًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَعْطُوا مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي فُلَانًا وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ وَلِلْحَاجِّ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ وَيَحُجُّ عَنْهُ رَجُلٌ بِمِائَةِ.
[بَابُ الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِ]
ِ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَعِتْقُ الْبَتَاتِ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَكَذَا الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ فِي الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ مِنْ مِلْكِهِ بِلَا عِوَضِ مَالٍ أَخَذَهُ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عِتْقَ بَتَاتٍ وَعِتْقَ تَدْبِيرٍ لِوَصِيَّةٍ بُدِئَ بِعِتْقِ الْبَتَاتِ قَبْلَ عِتْقِ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ وَجَمِيعِ الْوَصَايَا فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ فَضْلٌ
عَتَقَ مِنْهُ التَّدْبِيرُ وَالْوَصَايَا وَأُنْفِذَتْ الْوَصَايَا لِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلٌ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً وَكَانَ كَمَنْ مَاتَ لَا مَالَ لَهُ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَهَبَ فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فَقَبَضَهُ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ عَلَيْهِ إنْ عَاشَ بِكُلِّ حَالٍ لَا يَرْجِعُ فِيهِ فَهِيَ كَمَا لَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ فِي ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِي جَمِيعِ مَالِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ صِحَّةٌ وَالْوَصَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَحْدُثُ لَهُ صِحَّةٌ فَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ يَقُولَ رَقِيقِي أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأُعْتِقَ ثُلُثُهُ وَأَرَقَّ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدًا، أَوْ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَعْتَقَ مَنْ بَقِيَ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ مِمَّنْ أُعْتِقَ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَتَقَ مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَرُقَّ مَا بَقِيَ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ الَّذِي يَلِيه.
ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ حَتَّى يُعْتَقَ الَّذِي بَدَأَ بِعِتْقِهِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ الَّذِي يَلِيه؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ عِتْقُ الْأَوَّلِ قَبْلَ الثَّانِي، وَأَحْدَثَ عِتْقُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ بِكُلِّ حَالٍ إنْ صَحَّ وَكُلُّ حَالٍ بَعْدَ الْمَوْتِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ بَعْدَ عِتْقِهِ فَإِنَّمَا أُعْتِقَ، وَلَا ثُلُثَ لَهُ.
(قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لِثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ لَهُ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ.
ثُمَّ قَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ رَقِيقِي حُرٌّ بُدِئَ بِالثَّلَاثَةِ.
فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ أُعْتِقُوا مَعًا، وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ عَتَقُوا مَعًا وَفَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أَقْرَعَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ رَقِيقِهِ إنْ لَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ هَؤُلَاءِ مُدَبَّرُونَ وَعَبِيدٌ.
وَقَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي فَهُمْ أَحْرَارٌ بُدِئَ بِاَلَّذِينَ أَعْتَقَ عِتْقَ الْبَتَاتِ فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ لَمْ يُعْتَقْ مُدَبَّرٌ، وَلَا مُوصًى بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ، وَلَا صِفَتِهِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُوصِي بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ وَصِفَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَنْ يُعْتِقُوا مِنْهُ كَانُوا فِي الْعِتْقِ سَوَاءً لَا يَبْدَأُ الْمُدَبَّرُ عَلَى عِتْقِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا وَصِيَّةٌ، وَلَا يُعْتَقُ بِحَالٍ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلٍّ فِي حَيَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمُعْتَقِينَ فِي الْمَرَضِ عِتْقُ بَتَاتِ إمَاءٍ فَوَلَدْنَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ فَخَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْوَلَدُ عَتَقُوا، وَالْإِمَاءُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ حَرَائِرَ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَكَانَ الثُّلُثُ ضَيِّقًا عَنْ أَنْ يَخْرُجَ جَمِيعُ مَنْ أَعْتَقَ مِنْ الرَّقِيقِ عِتْقَ بَتَاتِ قَوْمِنَا، وَالْإِمَاءُ كُلُّ أَمَةٍ مِنْهُنَّ مَعَهَا وَلَدُهَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.
ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فَأَيَّ أَمَةٍ خَرَجَتْ فِي سَهْمِ الْعِتْقِ عَتَقَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَتَبِعَهَا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ وَلَدُ حُرَّةٍ لَا يَرِقُّ، وَإِذَا أَلْغَيْنَا قِيَمَ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ عَتَقُوا بِعِتْقِ أُمِّهِمْ فَزَادَ الثُّلُثُ أَعَدْنَا الْقُرْعَةَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ.
فَإِنْ خَرَجَتْ أَمَةٌ مَعَهَا وَلَدُهَا أُعْتِقَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَعَتَقَ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ ابْنُ حُرَّةٍ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أَعَدْنَاهُ هَكَذَا أَبَدًا حَتَّى نستوظفه كُلَّهُ.
(قَالَ) : وَإِنْ ضَاقَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ فَعَتَقَ ثُلُثُ أُمِّ وَلَدٍ مِنْهُنَّ عِتْقُ ثُلُثِ وَلَدِهَا مَعَهَا وَرُقَّ ثُلُثَاهُ كَمَا رُقَّ ثُلُثَاهَا.
وَيَكُونُ حُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمَهَا فَمَا عَتَقَ مِنْهَا قَبْلَ وِلَادِهِ عَتَقَ مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا قُرْعَةُ الْعِتْقِ فَإِنَّمَا أَعْتَقْنَاهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ.
وَهَكَذَا لَوْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ الْعِتْقِ الْبَتَاتِ وَمَوْتِ الْمُعْتِقِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ أَكْثَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِعِتْقِ أَمَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ سَفَرِهِ فَوَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي فَوَلَدُهَا مَمَالِيكُ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ فِي الْحِينِ الَّذِي لَوْ شَاءَ أَرَقَّهَا وَبَاعَهَا، وَفِي الْحِينِ الَّذِي لَوْ صَحَّ بَطُلَتْ وَصِيَّتُهَا، وَلَوْ كَانَ عِتْقُهَا تَدْبِيرًا كَانَ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِي التَّدْبِيرِ، وَالْآخَرُ أَنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ وَاقِعٌ بِكُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِالْعِتْقِ وَوَصَايَا غَيْرُهُ فَقَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفْتِينَ يُبْدَأُ بِالْعِتْقِ ثُمَّ يُجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ فِي الْوَصَايَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ عَنْ الْعِتْقِ فَهُوَ رَجُلٌ أَوْصَى فِيمَا لَيْسَ لَهُ.
(قَالَ) : وَلَسْت أَعْرِفُ فِي هَذَا أَمْرًا يَلْزَمُ مِنْ أَثَرٍ ثَابِتٍ، وَلَا إجْمَاعٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَنْ
قَالَ: هَذَا فِي الْعِتْقِ مَعَ الْوَصَايَا فَقَالَ: مَرَّةً بِهَذَا وَفَارَقَهُ أُخْرَى فَزَعَمَ أَنَّ مَنْ قَالَ: لِعَبْدِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَقَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَوْقَع لَهُ عِتْقًا بِمَوْتِهِ بِلَا وَقْتٍ بُدِئَ بِهَذَا عَلَى الْوَصَايَا فَلَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا وَصِيَّةٌ إلَّا فَضْلًا عَنْ هَذَا وَقَالَ: إذَا قَالَ: اعْتِقُوا عَبْدِي هَذَا بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ قَالَ: عَبْدِي هَذَا حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ، أَوْ بِشَهْرٍ، أَوْ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَمْ يُبْدَأْ بِهَذَا عَلَى الْوَصَايَا وَحَاصَّ هَذَا أَهْلُ الْوَصَايَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قِيلَ: يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، وَلَا يُحَاصُّ الْعِتْقُ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقًا بَلْ فَرَّقَ الْقَوْلَ فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فِيمَا أَرَى وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ فِي الْعِتْقِ فِي الْوَصِيَّةِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ إذَا وَقَعَ بِأَيِّ حَالٍ مَا كَانَ بُدِئَ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكْمُلَ الْعِتْقُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ وَصِيَّةً مِنْ الْوَصَايَا يُحَاصُّ بِهَا الْمُعْتِقُ أَهْلَ الْوَصَايَا فَيُصِيبُهُ مِنْ الْعِتْقِ مَا أَصَابَ أَهْلَ الْوَصَايَا مِنْ وَصَايَاهُمْ وَيَكُونُ كُلُّ عِتْقٍ كَانَ وَصِيَّةً بَعْدَ الْمَوْتِ بِوَقْتٍ، أَوْ بِغَيْرِ وَقْتٍ سَوَاءً، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ لَازِمٌ، أَوْ إجْمَاعٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَمَنْ قَالَ: عَبْدِي مُدَبَّرٌ، أَوْ عَبْدِي هَذَا حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَتَى مِتُّ، أَوْ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ أَعْتِقُوهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ مُدَبِّرٌ فِي حَيَاتِي، فَإِذَا مِتُّ فَهُوَ حُرٌّ فَهُوَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَمَنْ جَعَلَ الْمُعْتِقَ يُحَاصُّ أَهْلَ الْوَصَايَا فَأَوْصَى مَعَهُ بِوَصِيَّةٍ حَاصَّ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ أَهْلَ الْوَصَايَا فِي وَصَايَاهُمْ فَأَصَابَهُ مِنْ الْعِتْقِ مَا أَصَابَهُمْ وَرَقَّ مِنْهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَبْدِ خَمْسِينَ دِينَارًا وَقِيمَةُ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ خَمْسِينَ دِينَارًا فَيُوصَى بِعِتْقِ الْعَبْدِ وَيُوصِي لِرَجُلٍ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَلَآخِرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَكُونُ ثُلُثُهُ مِائَةً وَوَصِيَّتُهُ مِائَتَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوصَى لَهُمْ نِصْفُ وَصِيَّتِهِ فَيَعْتِقُ نِصْفَ الْعَبْدِ وَيَرِقُّ نِصْفَهُ وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْخَمْسِينَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ خَمْسُونَ.
[بَابُ التَّكْمِلَاتِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ بِدَارٍ مَوْصُوفَةٍ بِعَيْنٍ، أَوْ بِصِفَةٍ، أَوْ بِعَبْدٍ كَذَلِكَ، أَوْ مَتَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ: ثُمَّ مَا فَضَلَ مِنْ ثُلُثِي فَلِفُلَانٍ كَانَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ بِالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، أَوْ صِفَتِهِ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ بِمَا فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ بِهِ عَبْدًا، أَوْ شَيْئًا يُعْرَفُ بِعَيْنٍ، أَوْ صِفَةٍ مِثْلُ عَبْدٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوصَى لَهُ وَقَوْمٍ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ أَعْطَى الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِتَكْمِلَةِ الثُّلُثِ مَا فَضَلَ عَنْ قِيمَةِ الْهَالِكِ كَمَا يُعْطَاهُ لَوْ سَلَّمَ الْهَالِكَ فَدَفَعَ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ عَبْدًا فَمَاتَ الْمُوصِي، وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ اعْوَرَّ قُوِّمَ صَحِيحًا بِحَالِهِ يَوْمَ مَاتَ الْمُوصِي وَبِقِيمَةِ مِثْلِهِ يَوْمَئِذٍ فَأَخْرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَدَفَعَ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ كَهَيْئَتِهِ نَاقِصًا، أَوْ تَامًّا وَأَعْطَى الْمُوصَى لَهُ بِمَا فَضَلَ عَنْهُ مَا فَضَلَ عَنْ الثُّلُثِ: وَإِنَّمَا الْقِيمَةُ فِي جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ بِعَيْنِهِ يَوْمَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ، وَذَلِكَ يَوْمَ تَجِبُ الْوَصِيَّةُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ: الرَّجُلُ ثُلُثُ مَالِي إلَى فُلَانٍ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ شَيْئًا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَبِيعُهُ أَنْ يَكُونَ مُبَايَعًا بِهِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ مُبَايَعًا إلَّا لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى يَضَعُهُ يُعْطِيهِ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا كَانَ يَجُوزُ لِلْمَيِّتِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُعْطِيَهُ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ صَيَّرَهُ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ.
(قَالَ) : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِيمَا لَيْسَ لِلْمَيِّتِ فِيهِ نَظَرٌ كَمَا لَيْسَ لَهُ
لَوْ وَكَّلَهُ بِشَيْءٍ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَلَا يُودِعَهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لِلْمَيِّتِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ لِلْمَيِّتِ فِي أَنْ يَسْلُكَ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ الَّتِي يُرْجَى أَنْ تُقَرِّبَهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَخْتَارُ لِلْمُوصَى إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْ قَرَابَةِ الْمَيِّتِ حَتَّى يُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ إعطاءهموه أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ لِمَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ صِلَةِ قَرَابَتِهِمْ لِلْمَيِّتِ وَيُشْرِكُونَ بِهِ أَهْلَ الْحَاجَةِ فِي حَاجَاتِهِمْ.
(قَالَ) : وَقَرَابَتُهُ مَا وَصَفْت مِنْ الْقَرَابَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَعًا وَلَيْسَ الرَّضَاعُ قَرَابَةً.
(قَالَ) : وَأُحِبُّ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ رُضَعَاءُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ دُونَ جِيرَانِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ تُقَابِلُ حُرْمَةَ النَّسَبِ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ جِيرَانَهُ الْأَقْرَبَ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبَ.
وَأَقْصَى الْجِوَارِ فِيهَا أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَفْقَرَ مَنْ يَجِدُهُ وَأَشَدَّهُ تَعَفُّفًا وَاسْتِتَارًا، وَلَا يُبْقِي مِنْهُ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلرَّجُلِ وَقَبُولِهِ وَرَدِّهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ الْمَرِيضُ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ مَا كَانَتْ ثُمَّ مَاتَ فَلِلْمُوصَى لَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا لَا يُجْبَرُ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا لَا يُرِيدُ مِلْكَهُ بِوَجْهٍ أَبَدًا إلَّا بِأَنْ يَرِثَ شَيْئًا فَإِنَّهُ إذَا وَرِثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ الْمِيرَاثِ وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمًا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ نَقْلُ مِلْكِ الْمَوْتَى إلَى وَرَثَتِهِمْ مِنْ الْأَحْيَاءِ فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَجَمِيعُ وُجُوهِ الْمِلْكِ غَيْرِ الْمِيرَاثِ فَالْمُمَلَّكُ لَهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَلَوْ أَنَّا أَجْبَرْنَا رَجُلًا عَلَى قَبُولِ الْوَصِيَّةِ أَجْبَرْنَاهُ إنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبِيدٍ زَمْنَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ فَأَدْخَلْنَا الضَّرَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يُحِبَّهُ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَكُونُ قَبُولٌ، وَلَا رَدٌّ فِي وَصِيَّةِ حَيَاةِ الْمُوصِي، فَلَوْ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ الرَّدُّ إذَا مَاتَ، وَلَوْ رَدَّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ إذَا مَاتَ وَيُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَجِبْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي.
فَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ وَصَمْتُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْ.
(قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ كَانُوا كَسَائِرِ الْوَصِيَّةِ إنْ قَبِلَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي عَتَقُوا، وَإِنْ رَدَّهُمْ فَهُمْ مَمَالِيكُ تَرَكَهُمْ الْمَيِّتُ لَا وَصِيَّةَ فِيهِمْ فَهُمْ لِوَرَثَتِهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) فَإِنْ قَبِلَ بَعْضَهُمْ وَرَدَّ بَعْضًا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ مَنْ قَبِلَ، وَكَانَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مَمْلُوكًا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ، أَوْ يَرُدَّ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقْبَلُوا، أَوْ يَرُدُّوا فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ بِمِيرَاثِهِ مِمَّا قَبِلَ وَمَنْ رَدَّ كَانَ مَا رَدَّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ جَارِيَةَ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِهَا وَمَاتَ فَلَمْ يَعْلَمْ الْمُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْلَادًا كَثِيرًا.
فَإِنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فَمَنْ وَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ لَهُ تَمْلِكُهُمْ بِمَا مَلَكَ بِهِ أُمَّهُمْ، وَإِذَا مَلَكَ وَلَدَهُ عَتَقُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّهُمْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ حَتَّى تَلِدَ بَعْدَ قَبُولِهَا مِنْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَتَكُونُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْقَبُولِ إنَّمَا كَانَ وَطْءَ نِكَاحٍ وَالْوَطْءُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَطْءَ مِلْكٍ وَالنِّكَاحُ مُنْفَسِخٌ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَقْبَلَ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ، فَإِنْ قَبِلُوا الْوَصِيَّةَ فَإِنَّمَا مَلَكُوا لِأَبِيهِمْ فَأَوْلَادُ أَبِيهِمْ الَّذِينَ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا الْمُوصِي أَحْرَارٌ وَأُمُّهُمْ مَمْلُوكَةٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا كَانُوا مَمَالِيكَ كُلَّهُمْ وَأَكْرَهُ لَهُمْ رَدَّهَا، وَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ أَنْ تَجِبَ لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي ثُمَّ رَدَّهَا فَهِيَ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَلَوْ أَرَادَ بَعْدَ رَدِّهَا أَخْذَهَا بِأَنْ يَقُولَ إنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ مَا لَمْ تَقْبِضُوا جَازَ أَنْ يَقُولُوا لَهُ لَمْ تَمْلِكْهَا بِالْوَصِيَّةِ دُونَ الْقَبُولِ.
فَلَمَّا كُنْت إذَا قَبِلْت مَلِكَتَهَا، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ هِبَاتِ الْأَحْيَاءِ الَّتِي
لَا يَتِمُّ مِلْكُهَا إلَّا بِقَبْضِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ لَهَا جَازَ عَلَيْك مَا تُرِكَتْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لَك مَا أَعْطَيْت بِلَا قَبْضٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: ردكها إبْطَالٌ لِحَقِّك فِيمَا أَوْصَى لَك بِهِ الْمَيِّتُ وَرَدٌّ إلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ.
(قَالَ) : وَلَوْ قَبِلَهَا ثُمَّ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُهَا لِفُلَانٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ، أَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَقَالَ: فَقَدْ تَرَكْته لِفُلَانٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ قِيلَ: قَوْلُك تَرَكْته لِفُلَانٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَظْهَرُهُمَا تَرَكْته تَشْفِيعًا لِفُلَانٍ، أَوْ تَقَرُّبًا إلَى فُلَانٍ فَإِنْ كُنْت هَذَا أَرَدْت فَهَذَا مَتْرُوكٌ لِلْمَيِّتِ فَهُوَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ وَأَهْلِ وَصَايَاهُ وَدَيْنِهِ كَمَا تَرَكَ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ فَهُوَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَظْهَرُ مَعَانِيهِ كَمَا تَقُولُ عَفَوْت عَنْ دَيْنِي عَلَى فُلَانٍ لِفُلَانٍ وَوَضَعْت عَنْ فُلَانٍ حَقِّي لِفُلَانٍ أَيْ بِشَفَاعَةِ فُلَانٍ، أَوْ حِفْظِ فُلَانٍ أَوْ التَّقَرُّبِ إلَى فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَسَأَلْنَاك فَقُلْت: تَرَكْت وَصِيَّتِي أَوْ تَرَكْت دَيْنِي لِفُلَانٍ وَهَبْته لِفُلَانٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ فَذَلِكَ لِفُلَانٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا يَمْلِكُهُ، وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ بِعَبْدٍ أَنَّ غَيْرَهُ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرُ فَلِلْقَابِلِ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ وَنِصْفُ الْوَصِيَّةِ مَرْدُودٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ فَمَاتَ الْمُوصِي، وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ، وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى وَهَبَ إنْسَانٌ لِلْجَارِيَةِ مِائَةَ دِينَارٍ وَالْجَارِيَةُ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فَالْجَارِيَةُ لَهُ لَا يَجُوزُ فِيمَا وَهَبَ لَهَا، وَفِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَرَدِّهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَا وَهَبَ لِلْجَارِيَةِ، أَوْ وَلَدِهَا مِلْكًا لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَى مَالِهِ إلَّا أَنَّ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا.
وَمَنْ قَالَ: هَذَا قَالَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ لَهُ رَدُّهَا فَإِنَّمَا رَدُّهَا إخْرَاجٌ لَهَا مِنْ مَالِهِ كَمَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ مَا شَاءَ، فَإِذَا كَانَتْ هِيَ وَمِلْكُ مَا وَهَبَ لِلْأَمَةِ وَوَلَدِهَا لِمَنْ يَمْلِكُهَا فَالْمُوصَى لَهُ بِهَا الْمَالِكُ لَهَا.
وَمَنْ قَالَ: هَذَا قَالَ فَإِنْ اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ الْوَرَثَةِ شَيْئًا مِمَّا وَهَبَ لَهَا، أَوْ وَلَدَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ جَنَى أَجْنَبِيٌّ عَلَى مَالِهَا أَوْ نَفْسِهَا، أَوْ وَلَدِهَا فَالْمُوصَى لَهُ بِهَا إنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِهَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، وَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ إذَا اخْتَارَ قَبُولَ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلٌ مُنْكَرٌ لَا نَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ مُلِّكَ مُتَقَدَّمًا لَيْسَ بِمُلْكٍ حَادِثٍ، وَقَدْ قَالَ: بَعْضُ النَّاسِ تَكُونُ لَهُ الْجَارِيَةُ وَثُلُثُ أَوْلَادِهَا وَثُلُثُ مَا وَهَبَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَوَهَبَ لَهَا مَالًا.
لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ هَذَا.
بَقِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْجَوَابُ.
[بَابُ مَا نُسِخَ مِنْ الْوَصَايَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ - فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: 180 - 181] الْآيَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَانَ فَرْضًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ تَرَكَ خَيْرًا وَالْخَيْرُ الْمَالُ أَنْ يُوصِيَ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ ثُمَّ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ فَأَكْثَرُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ قَالَ الْوَصَايَا مَنْسُوخَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِهَا إذَا كَانَتْ إنَّمَا يُورَثُ بِهَا فَلَمَّا قَسَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرَهُ - الْمَوَارِيثَ كَانَتْ تَطَوُّعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّهُ كَمَا قَالُوا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: لَهُ قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مَنْسُوخَةٌ بِآيِ الْمَوَارِيثِ وَأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ مِمَّا لَا أَعْرِفُ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ لَقِيت خِلَافًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ الْوَصَايَا لِمَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْوَصِيَّةِ مَنْسُوخَةً بِآيِ الْمَوَارِيث وَكَانَتْ السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ لِغَيْرِ قَرَابَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْوَصَايَا لِلْوَرَثَةِ وَأَشْبَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى نَسْخِ الْوَصَايَا لِغَيْرِهِمْ.
(قَالَ) : وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصَايَا لِلْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَرِثُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا كَانَ فِي مَعْنًى غَيْرِ وَارِثٍ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ، وَمِنْ قِبَلِ أَنَّهَا إنَّمَا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ إذَا كَانَ وَارِثًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا فَلَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلْوَصِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ الْمُوصِي يَتَنَاوَلُ مَنْ شَاءَ بِوَصِيَّتِهِ كَانَ وَالِدُهُ دُونَ قَرَابَتِهِ إذَا كَانُوا غَيْرَ وَرَثَةٍ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يَرِثُ وَلَهُمْ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ جَائِزَةٌ؟ قِيلَ: لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مَمْلُوكِينَ لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ فِيهِمْ فَجَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» ، وَالْمُعْتِقُ عَرَبِيٌّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَمْلِكُ مَنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَلَوْ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ إلَّا لِذِي قَرَابَةٍ لَمْ تَجُزْ لِلْمَلُوكِينَ، وَقَدْ أَجَازَهَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[بَابُ الْخِلَافِ فِي الْوَصَايَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّنَّةِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِينَا فَحَفِظْنَا عَنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] الْآيَةُ.
وَكَانَ فَرْضُ الزَّوْجَةِ أَنْ يُوصِي لَهَا الزَّوْجُ بِمَتَاعٍ إلَى الْحَوْلِ، وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ خِلَافًا أَنَّ الْمَتَاعَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى وَالْكِسْوَةُ إلَى الْحَوْلِ وَثَبَتَ لَهَا السُّكْنَى فَقَالَ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 240] فَدَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهُنَّ إنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَى الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّهُنَّ تَرَكْنَ مَا فُرِضَ لَهُنَّ وَدَلَّ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ إذَا كَانَ السُّكْنَى لَهَا فَرْضًا فَتَرَكَتْ حَقَّهَا فِيهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الزَّوْجِ حَرَجًا أَنَّ مَنْ تَرَكَ حَقَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ لَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
ثُمَّ حَفِظْت عَمَّنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ نَفَقَةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَكِسْوَتَهَا حَوْلًا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِيمَا وَصَفْت مِنْ نَسْخِ نَفَقَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَكِسْوَتُهَا سَنَةً وَأَقَلُّ مِنْ سَنَةٍ.
ثُمَّ احْتَمَلَ سُكْنَاهَا إذْ كَانَ مَذْكُورًا مَعَ نَفَقَتِهَا بِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَتَاعِ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا فِي السُّنَّةِ وَأَقَلُّ مِنْهَا كَمَا كَانَتْ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ مَنْسُوخَتَيْنِ فِي السُّنَّةِ وَأَقَلُّ مِنْهَا وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ نُسِخَتْ فِي السُّنَّةِ وَأُثْبِتَتْ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِأَصْلِ هَذِهِ الْآيَةِ
وَأَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي جُمْلَةِ الْمُعْتَدَّاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ السُّكْنَى وَكَانَتْ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ فِي مَعْنَاهَا احْتَمَلَتْ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا السُّكْنَى؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَالسُّكْنَى لَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْصُوصٌ، أَوْ فِي مَعْنَى مَنْ نَصَّ لَهَا السُّكْنَى فِي فَرْضِ الْكِتَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَالْفَرْضُ فِي السُّكْنَى لَهَا فِي السُّنَّةِ ثَمَّ فَمَا أَحْفَظُ عَمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا السُّكْنَى، وَلَا نَفَقَةَ، فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ فَأَيْنَ السُّنَّةُ فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؟ قِيلَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا وَصَفْت فِي مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ: بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ إنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَهَذَا ثَابِتٌ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فَرْضُ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهَا الْمِيرَاثَ كَمَا أَثْبَتَهُ لِأَهْلِ الْفَرَائِضِ وَلَيْسَ فِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِآخِرِ مَا أَبْطَلَ حَقَّهَا.
وَقَالَ: بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّ عِدَّتَهَا فِي الْوَفَاةِ كَانَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ كَعِدَّةِ الطَّلَاقِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَقَدْ بَطُلَتْ عَنْهَا الْأَقْرَاءُ وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ مَنْصُوصَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ هِيَ فِي السُّنَّةِ؟ قِيلَ: أَخْبَرَنَا.
حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] فَاحْتَمَلَتْ الْآيَةُ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُطَلَّقَةِ لَا تَحِيضُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا سِيَاقُهَا وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُطَلَّقَةِ كُلُّ مُعْتَدَّةٍ مُطَلَّقَةٍ تَحِيضُ وَمُتَوَفًّى عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ عَلَى الْمُعْتَدَّاتِ.
فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ فَأَيُّ مَعَانِيهَا أَوْلَى بِهَا؟ قِيلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَأَنَا الَّذِي يُشَبِّهُ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي كُلِّ مُعْتَدَّةٍ وَمُسْتَبْرَأَةٍ.
فَإِنْ قَالَ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا كَانَتْ الْعِدَّةُ اسْتِبْرَاءً وَتَعَبُّدًا وَكَانَ وَضْعُ الْحَمْلِ بَرَاءَةً مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ هَادِمًا لِلْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ كَانَ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ أَنَّ الْمَعْقُولَ أَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ غَايَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَدْ يَكُونُ فِي النَّفْسِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَرَاءَةً فِي الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ اسْتِحْدَاثِ الْوَصَايَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي غَيْرِ آيَةٍ فِي قِسْمِ الْمِيرَاثِ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] وَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَنَقَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِلْكَ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَحْيَاءِ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَجَعَلَهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيمَا مَلَّكَهُمْ مِنْ مِلْكِهِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] قَالَ: فَكَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْمَعْقُولُ فِيهَا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ مُخَالِفًا، وَقَدْ تَحْتَمِلُ الْآيَةُ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا أَظْهَرَ مِنْهُ وَأَوْلَى بِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ فِيمَا عَلِمْت وَإِجْمَاعُهُمْ لَا يَكُونُ عَنْ جَهَالَةٍ بِحُكْمِ اللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] مَعَانٍ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافٍ عَلِمْته فِي أَنَّ ذَا الدَّيْنِ أَحَقُّ بِمَالِ الرَّجُلِ فِي حَيَاتِهِ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ وَكَانَ أَهْلُ الْمِيرَاثِ إنَّمَا يَمْلِكُونَ عَنْ الْمَيِّتِ مَا كَانَ الْمَيِّتُ أَمْلَكُ بِهِ كَانَ بَيِّنًا
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ مَا لَمْ أَعْلَمْ أَهْلُ الْعِلْمِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّ الدَّيْنَ مَبْدَأٌ عَلَى الْوَصَايَا وَالْمِيرَاثِ فَكَانَ حُكْمُ الدَّيْنَ كَمَا وَصَفْت مُنْفَرِدًا مُقَدَّمًا، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَوْ دَيْنٍ " ثُمَّ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا وَصِيَّةَ وَلَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ الدَّيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ فِي صِحَّةٍ كَانَ أَوْ فِي مَرَضٍ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ أَيَّ وَجْهٍ مَا كَانَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخُصَّ دَيْنًا دُونَ دَيْنٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رُوِيَ فِي تَبْدِئَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قِيلَ: لَهُ كَيْفَ تَأْمُرُنَا بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] فَقَالَ: كَيْفَ تَقْرَءُونَ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، أَوْ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ؟ فَقَالُوا الْوَصِيَّةُ قَبْلَ الدَّيْنِ قَالَ: فَبِأَيِّهِمَا تَبْدَءُونَ؟ قَالُوا بِالدَّيْنِ قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي أَنَّ التَّقْدِيمَ جَائِزٌ، وَإِذَا قُضِيَ الدَّيْنُ كَانَ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنْ فَعَلَ كَانَ لِلْوَرَثَةِ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ، أَوْ أَوْصَى بِأَقَلِّ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَانَ ذَلِكَ مَالًا مِنْ مَالٍ تَرَكَهُ قَالَ: فَكَانَ لِلْوَرَثَةِ مَا فَضَلَ عَنْ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَالِ إنْ أَوْصَى.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِلْوَرَثَةِ الْفَضْلَ عَنْ الْوَصَايَا وَالدَّيْنِ فَكَانَ الدَّيْنُ كَمَا وَصَفْت وَكَانَتْ الْوَصَايَا مُحْتَمَلَةً أَنْ تَكُونَ مُبْدَأَةً عَلَى الْوَرَثَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَمَا وَصَفْت لَك مِنْ الْفَضْلِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَأَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيَّةِ غَايَةٌ يَنْتَهِي بِهَا إلَيْهَا كَالْمِيرَاثِ بِكُلِّ وَارِثٍ غَايَةٌ كَانَتْ الْوَصَايَا مِمَّا أَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرْضَهُ بِكِتَابِهِ وَبَيَّنَ كَيْفَ فَرَضَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ غَايَةُ مُنْتَهَى الْوَصَايَا الَّتِي لَوْ جَاوَزَهَا الْمُوصِي كَانَ لِلْوَرَثَةِ رَدُّ مَا جَاوَزَ ثُلُثِ مَالِ الْمُوصِي قَالَ: وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنْ الْمُوصِينَ رُدَّتْ وَصِيَّتُهُ إلَى الثُّلُثِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصَايَا تَجُوزُ لِغَيْرِ قَرَابَةٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَدَّ عِتْقَ الْمَمْلُوكِينَ إلَى الثُّلُثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ حُكْمَ الْوَصَايَا وَالْمُعْتَقِ عَرَبِيٌّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَمْلِكُ مَنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ وَأَقَلِّ مِنْ الثُّلُثِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَبْلُغَ الثُّلُثَ وَقَالَ: فِي «قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ، إنَّك إنْ تَدَعْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرْهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : غَيًّا كَمَا قَالَ: مَنْ بَعْدَهُ فِي الْوَصَايَا وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ قَصْدَ اخْتِيَارِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُوصِي وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ، فَإِذَا تَرَكَهُمْ أَغْنِيَاءَ اخْتَرْت لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ، وَإِذَا لَمْ يَدَعْهُمْ أَغْنِيَاءَ كَرِهْت لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ وَأَنْ يُوصِيَ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ يَأْخُذُ بِالْحَظِّ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَلَا وَقْتَ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَدَعْ كَثِيرَ مَالٍ وَمَنْ تَرَكَ أَقَلَّ مِمَّا يُغْنِي وَرَثَتَهُ وَأَكْثَرَ مِنْ التَّافِهِ زَادَ شَيْئًا فِي وَصِيَّتِهِ، وَلَا أُحِبُّ بُلُوغَ الثُّلُثِ إلَّا لِمَنْ تَرَكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ» يَحْتَمِلُ الثُّلُثَ غَيْرَ قَلِيلٍ، وَهُوَ أَوْلَى مَعَانِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَرِهَهُ لِسَعْدٍ لَقَالَ لَهُ: غُضَّ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ بُلُوغَهُ وَيَجِبُ لَهُ الْغَضُّ مِنْهُ وَقَلَّ كَلَامٌ إلَّا، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ وَأَوْلَى مَعَانِي الْكَلَامِ بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ وَالدَّلَالَةُ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَرِهَهُ لِسَعْدٍ أَمَرَهُ أَنْ يَغُضَّ مِنْهُ قِيلَ: لِلشَّافِعِيِّ فَهَلْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ جَائِزًا لِكُلِّ مُوصٍ أَنْ يَسْتَكْمِلَ
الثُّلُثَ قَلَّ مَا تَرَكَ، أَوْ كَثُرَ وَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهُ فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ وَهَلْ اخْتَلَفُوا فِي اخْتِيَارِ النَّقْصِ عَنْ الثُّلُثِ أَوْ بُلُوغِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيمَا وَصَفْت لَك مِنْ الدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَغْنَى عَمَّا سِوَاهُ.
فَقُلْت: فَاذْكُرْ اخْتِلَافَهُمْ.
فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ
[بَابُ عَطَايَا الْمَرِيضِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا أَعْتَقَ الرَّجُلُ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَتْلَفَ الْمَرْءُ مِنْ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ بِلَا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِمَّا يَتَعَوَّضُ النَّاسُ مِلْكًا فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ إنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَا أَتْلَفَ الْمَرْءُ مِنْ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَصَايَا فَإِنْ صَحَّ تَمَّ عَلَيْهِ مَا يَتِمُّ بِهِ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ وَصِيَّتِهِ وَمَتَى حَدَثَتْ لَهُ صِحَّةٌ بَعْدَ مَا أَتْلَفَ مِنْهُ، ثُمَّ عَاوَدَهُ مَرَضٌ فَمَاتَ تَمَّتْ عَطِيَّتُهُ إذَا كَانَتْ الصِّحَّةُ بَعْدَ الْعَطِيَّةِ فَحُكْمُ الْعَطِيَّةِ حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجِمَاعُ ذَلِكَ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مِلْكِهِ شَيْئًا بِلَا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَالْهِبَاتُ كُلُّهَا وَالصَّدَقَاتُ وَالْعَتَاقُ وَمَعَانِي هَذِهِ كُلُّهَا هَكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ، ثُمَّ مَاتَ فَهِيَ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَصَايَا فَهِيَ مَبْدَأَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ بَتَاتٍ قَدْ مُلِّكَتْ عَلَيْهِ مِلْكًا يَتِمُّ بِصِحَّتِهِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَيَتِمُّ بِمَوْتِهِ مِنْ ثُلُثِهِ إنْ حَمَلَهُ وَالْوَصَايَا مُخَالِفَةٌ لِهَذَا.
الْوَصَايَا لَمْ تُمَلَّكْ عَلَيْهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلَا تُمَلَّكُ إلَّا بِمَوْتِهِ وَبَعْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كَانَ مِنْ عَطِيَّةِ بَتَاتٍ فِي مَرَضِهِ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا عِوَضًا أَعْطَاهُ إيَّاهَا، وَهُوَ يَوْمَ أَعْطَاهُ مِمَّنْ يَرِثُهُ لَوْ مَاتَ أَوَّلًا يَرِثُهُ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ، فَإِذَا مَاتَ فَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى وَارِثًا لَهُ حِينَ مَاتَ أُبْطِلَتْ الْعَطِيَّةُ؛ لِأَنِّي إذَا جَعَلْتُهَا مِنْ الثُّلُثِ لَمْ أَجْعَلْ لِوَارِثٍ فِي الثُّلُثِ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى حِينَ مَاتَ الْمُعْطِي غَيْرَ وَارِثٍ أَجَزْتهَا لَهُ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كَانَ مِنْ عَطَايَا الْمَرِيضِ عَلَى عِوَضٍ أَخَذَهُ مِمَّا يَأْخُذُ النَّاسُ مِنْ الْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا فَأَخَذَ بِهِ عِوَضًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِ عِوَضًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَالزِّيَادَةُ عَطِيَّةٌ بِلَا عِوَضٍ فَهِيَ مِنْ الثُّلُثِ فَمَنْ جَازَتْ لَهُ وَصِيَّةٌ جَازَتْ لَهُ وَمَنْ لَمْ تَجُزْ لَهُ وَصِيَّةٌ لَمْ تَجُزْ لَهُ الزِّيَادَةُ وَذَلِكَ، الرَّجُلُ يَشْتَرِي الْعَبْدَ، أَوْ يَبِيعُهُ، أَوْ الْأَمَةَ، أَوْ الدَّارَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْلِكُ الْآدَمِيُّونَ، فَإِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ وَدَفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ حَابَاك فِيهِ، أَوْ غَبَنْته فِيهِ نُظِرَ إلَى قِيمَةِ الْمُشْتَرَى يَوْمَ وَقَعَ الْبَيْعُ وَالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْمِصْرِ بِمِثْلِهِ كَانَ الشِّرَاءُ جَائِزًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَا يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْمِصْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَمَا جَاوَزَهُ جَائِزًا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثَ جَازَ لَهُ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي لَك الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَتَأْخُذُ ثَمَنَهُ الَّذِي أُخِذَ مِنْك، أَوْ تُعْطِي الْوَرَثَةَ الْفَضْلَ عَمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فَائِتًا رَدَّ مَا بَيْنَ قِيمَةِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَيْعُ قَائِمًا قَدْ دَخَلَهُ عَيْبٌ رَدَّ قِيمَتَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ الْمُشْتَرِيَ فَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ الْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَبِمَا جَاوَزَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثُلُثٌ، أَوْ كَانَ