ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
بِمَعْنَى الْكُفَّارِ وَمَا ذَبَحُوا مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ حَتَّى زَايَلَهُ الرُّوحُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا رُوحَ لَهُ فَيُحْرَقُ كُلُّهُ إنْ أَدْرَكَهُمْ الْعَدُوُّ فِي بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا وَصَفْت إنْ شَاءُوا ذَلِكَ وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ فَأَمَّا ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبَقَرِ وَالنَّحْلِ وَغَيْرِهَا فَلَا تُحْرَقُ وَلَا تُعْقَرُ وَلَا تُغْرَقُ إلَّا بِمَا يَحِلُّ بِهِ ذَبْحُهَا أَوْ فِي مَوْضِعِ ضَرُورَةٍ فَقُلْت كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ سُنَّةُ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي بَنِي النَّضِيرِ حِينَ حَارَبَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر: 2] قَرَأَ إلَى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: 2] فَوَصَفَ إخْرَابَهُمْ مَنَازِلَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَإِخْرَابَ الْمُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ وَوَصَفَهُ إيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَالرِّضَا بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ نَخْلٍ مِنْ أَلْوَانِ نَخْلِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: رِضًا بِمَا صَنَعُوا مِنْ قَطْعِ نَخِيلِهِمْ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5] فَرَضِيَ الْقَطْعَ وَأَبَاحَ التَّرْكَ فَالْقَطْعُ وَالتَّرْكُ مَوْجُودَانِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَتَرَكَ وَقَطَعَ نَخْلَ غَيْرِهِمْ وَتَرَكَ وَمِمَّنْ غَزَا مَنْ لَمْ يَقْطَعْ نَخْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّقَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ فَقَالَ قَائِلٌ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ » فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّقَ مَالَ بَنِي النَّضِيرِ ثُمَّ تَرَكَ قِيلَ عَلَى مَعْنَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ قَطَعَ وَحَرَّقَ بِخَيْبَرَ وَهِيَ بَعْدَ النَّضِيرِ وَحَرَّقَ بِالطَّائِفِ وَهِيَ آخِرُ غُزَاةٍ قَاتَلَ بِهَا وَأَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى أَهْلِ أُبْنَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَزْهَرِيِّ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَة بْنَ زَيْدٍ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَغْزُوَ صَبَاحًا عَلَى أَهْلِ أُبْنَى وَأُحَرِّقَ.» الْخِلَافُ فِي التَّحْرِيقِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَهَلْ خَالَفَ مَا قُلْت فِي هَذَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ بَعْضُ إخْوَانِنَا مِنْ مُفْتِي الشَّامِيِّينَ فَقُلْت: إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبُوا؟ قَالَ: إلَى أَنَّهُمْ رَوَوْا عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُخَرَّبَ عَامِرٌ وَأَنْ يُقْطَعَ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فِيهَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ قُلْت: فَمَا الْحُجَّةِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: مَا وَصَفْت مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقُلْت: عَلَامَ تَعُدُّ نَهْيَ أَبِي بَكْرٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَمَّا الظَّنُّ بِهِ فَإِنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ فَتْحَ الشَّامِ فَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ فَأَمَرَ بِتَرْكِ تَخْرِيبِ الْعَامِرِ وَقَطْعِ الْمُثْمِرِ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِأَنَّهُ رَآهُ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْرِيقَهُ بِالنَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَالطَّائِفِ فَلَعَلَّهُمْ أَنْزَلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ وَالْحُجَّةُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَنِيعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ فِي وَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ سِوَى هَذَا فِيهِ نَأْخُذُ.
[ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ]
ِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَفَرَأَيْت مَا ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْخَيْلِ وَالنَّحْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَاشِيَةِ فَقَدَرُوا عَلَى إتْلَافِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْنَمُوهُ أَوْ غَنِمُوهُ فَأَدْرَكَهُمْ الْعَدُوُّ فَخَافُوا أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُمْ وَيَقْوَوْا بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيَجُوزُ لَهُمْ إتْلَافُهُ بِذَبْحٍ أَوْ عَقْرٍ أَوْ تَحْرِيقٍ أَوْ تَغْرِيقٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْوَالِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا يَحِلُّ عِنْدِي أَنْ يَقْصِدَ قَصْدَهُ بِشَيْءٍ يُتْلِفُهُ إذَا كَانَ لَا
رَاكِبَ عَلَيْهِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ وَلِمَ قُلْت وَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا يُقْصَدُ قَصْدُهُ بِالتَّلَفِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لِفِرَاقِهِ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ ذُو رُوحٍ يَأْلَمُ بِالْعَذَابِ وَلَا ذَنْبَ لَهُ وَلَيْسَ كَمَا لَا رُوحَ لَهُ يَأْلَمُ بِالْعَذَابِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ أَنْ يُقْتَلَ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهَا إلَّا بِالذَّبْحِ لِتُؤْكَلَ وَمَا امْتَنَعَ بِمَا نِيلَ مِنْ السِّلَاحِ لِتُؤْكَلَ وَمَا كَانَ مِنْهَا عَدَاءً وَضَارًّا لِلضَّرُورَةِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ: اُذْكُرْ مَا وَصَفْت فَقَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ صُهَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَتْلِهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَلَمَّا كَانَ قَتْلُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ الْبَهَائِمِ مَحْظُورًا إلَّا بِمَا وَصَفْت كَانَ عَقْرُ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ الَّتِي لَا رُكْبَانَ عَلَيْهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْحَظْرِ خَارِجًا مِنْ مَعْنَى الْمُبَاحِ فَلَمْ يَجُزْ عِنْدِي أَنْ تَعْقِرَ ذَوَاتَ الْأَرْوَاحِ إلَّا عَلَى مَا وَصَفْت فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَفِي ذَلِكَ غَيْظُ الْمُشْرِكِينَ وَقَطْعٌ لِبَعْضِ قُوَّتِهِمْ قِيلَ لَهُ: إنَّمَا يُنَالُ مِنْ غَيْظِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا كَانَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْ أَنْ يُنَالَ فَأَمَّا الْمَمْنُوعُ فَلَا يُغَاظُ أَحَدٌ بِأَنْ يَأْتِيَ الْغَائِظُ لَهُ مَا نُهِيَ عَنْ إتْيَانِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ سَبَيْنَا نِسَاءَهُمْ وَوِلْدَانَهُمْ فَأَدْرَكُونَا فَلَمْ نَشُكَّ فِي اسْتِنْفَاذِهِمْ إيَّاهُمْ مِنَّا لَمْ يَجُزْ لَنَا قَتْلُهُمْ وَقَتْلُهُمْ أَغْيَظُ لَهُمْ وَأَنْكَى مِنْ قَتْلِ دَوَابِّهِمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَقَرَ عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَلَا أَحْفَظُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا أَعْلَمُهُ مَشْهُورًا عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَفَرَأَيْت الْفَارِسَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَلِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْقِرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هَذِهِ مَنْزِلَةٌ يَجِدُ السَّبِيلُ بِهَا إلَى قَتْلِ مَنْ أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَاذْكُرْ مَا يُشْبِهُ هَذَا قِيلَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ الْمُشْرِكَ بِالنَّبْلِ وَالنَّارِ وَالْمَنْجَنِيقِ فَإِذَا صَارَ أَسِيرًا فِي يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ بِالسَّيْفِ وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ فَيَقْتُلَهُ فَإِذَا صَارَ فِي يَدَيْهِ لَمْ يَقْتُلْهُ إلَّا بِالذَّكَاءِ الَّتِي هِيَ أَخَفُّ عَلَيْهِ وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ دَمُ الْمُشْرِكِ بِالْمَنْجَنِيقِ وَإِنْ أَصَابَ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ مَعَهُمْ مِمَّنْ هُوَ مَحْظُورُ الدَّمِ لِلْمَرْءِ فِي دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ عَدُوَّهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ فِي هَذَا خَبَرٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ عَقَرَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ فَرَسَهُ فَانْعَكَسَتْ بِهِ وَصُرِعَ عَنْهَا فَجَلَسَ حَنْظَلَةُ عَلَى صَدْرِهِ وَعَطَفَ ابْنُ شُعُوبٍ عَلَى حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ وَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا نَهَاهُ وَلَا نَهَى غَيْرَهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَكِنَّهُ إذَا صَارَ إلَى أَنْ يُفَارِقَهُ فَارِسُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْرُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ لَا يُقَاتِلُ لَمْ يَعْقِرْ إنَّمَا يَعْقِرُ لِمَعْنَى أَنْ يُوَصِّلَ إلَى فَارِسِهِ لِيُقْتَلَ أَوْ لِيُؤْسَرَ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: فَهَلْ سَمِعْت فِي هَذَا حَدِيثًا عَمَّنْ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: إنَّمَا الْغَايَةُ أَنْ يُوجَدَ عَلَى شَيْءٍ دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَقَدْ وَصَفْت لَك بَعْضَ مَا حَضَرَنِي مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَزِيدُهُ شَيْءٌ وَافَقَهُ قُوَّةً وَلَا يُوهِنُهُ شَيْءٌ خَالَفَهُ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّهُ أَوْصَى ابْنَهُ لَا يَعْقِرُ جَسَدًا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَقْرِ الدَّابَّةِ إذَا هِيَ قَامَتْ وَعَنْ قَبِيصَةَ أَنَّ فَرَسًا قَامَ عَلَيْهِ بِأَرْضِ الرُّومِ فَتَرَكَهُ وَنَهَى عَنْ عَقْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ الْغَازِي يَرْوِي عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْهُ فَنَهَاهُ وَقَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُثْلَةِ» قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: أَفَرَأَيْت مَا أَدْرَكَ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ؟ قَالَ: لَا تَعْقِرُوا مِنْهُ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَذْبَحُوهُ لِتَأْكُلُوا كَمَا وَصَفْت بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ وَأَمَّا مَا فَارَقَ ذَوَاتَ الْأَرْوَاحِ فَيَصْنَعُونَ فِيمَا خَافُوا أَنْ يُسْتَنْقَذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِيهِ مَا شَاءُوا مِنْ تَحْرِيقٍ وَكَسْرٍ وَتَغْرِيقٍ وَغَيْرِهِ قُلْت: أَوْ يَدَعُونَ أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْهُمْ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ السَّبْيُ وَالْمَتَاعُ قُسِّمَ؟ قَالَ: كُلُّ رَجُلٍ صَارَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى مَالِهِ
وَيَدَعُ ذَوَاتَ الْأَرْوَاحِ إنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى سَوْقِهَا وَعَلَى مَنْعِهَا وَيَصْنَعُ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مَا شَاءَ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَفَرَأَيْت الْإِمَامَ إذَا أَحْرَزَ مَا يُحْمَلُ مِنْ الْمَتَاعِ فَحَرَّقَهُ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ وَهُوَ يُقَاتِلُ أَوْ حَرَّقَهُ عِنْدَ إدْرَاكِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ وَخَوَّفَهُ أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ وَبَعْدَمَا قُسِمَ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ إنْ أَحْرَقَهُ بِإِذْنِ مَنْ مَعَهُ حَلَّ لَهُ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ سِوَاهُ وَيُعْزَلُ الْخُمُسُ لِأَهْلِهِ فَإِنْ سَلَّمَ بِهِ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ خَاصَّةً وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَتَى حَرَّقَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ضَمِنَهُ لَهُمْ إنْ شَاءُوا وَكَذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ حَرَّقَهُ يَضْمَنُ مَا حَرَّقَ مِنْهُ إنْ حَرَّقَهُ بَعْدَ أَنْ يَحُوزَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَّا إذَا أَحْرَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
[السَّبْيُ يُقْتَلُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أُسِرَ الْمُشْرِكُونَ فَصَارُوا فِي يَدِ الْإِمَامِ فَفِيهِمْ حُكْمَانِ، أَمَّا الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ فَلِلْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ أَوْ بَعْضَهُمْ أَوْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَسَرَتْهُمْ الْعَامَّةُ أَوْ أَحَدٌ أَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِمْ أَوْ وَالٍ هُوَ أَسَرَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ إلَّا عَلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ تَقْوِيَةِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَوْهِينِ عَدُوِّهِ وَغَيْظِهِمْ وَقَتْلِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ مُبَاحٍ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ يَرَى لَهُ سَبَبًا مِمَّنْ مَنَّ عَلَيْهِ يَرْجُو إسْلَامَهُ أَوْ كَفَّهُ الْمُشْرِكِينَ أَوْ تَخْذِيلَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَرْهِيبَهُمْ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ وَإِنْ فَعَلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى كُرِهْتُ لَهُ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ لَهُ الْمَنُّ بِلَا مُفَادَاةٍ فَالْمُفَادَاةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ أَوْ أُخِذَ مِنْهُ فِدْيَةٌ فَهُوَ كَالْمَالِ الَّذِي غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَيُخَمَّسُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَدُونَ الْبَالِغِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا أُسِرُوا بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ الْإِسَارُ فَهُمْ كَالْمَتَاعِ الْمَغْنُومِ لَيْسَ لَهُ تَرْكُ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا قَتْلُهُ فَإِنْ فَعَلَ كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْجُنْدِ إنْ فَعَلَ كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَةِ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْهُمْ وَأَتْلَفَ.
[سِيَرُ الْوَاقِدِيِّ]
ِّ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَصْلُ فَرْضِ الْجِهَادِ وَالْحُدُودِ عَلَى الْبَالِغِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْفَرَائِضِ عَلَى البوالغ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59] فَأَخْبَرَ أَنَّ عَلَيْهِمْ إذَا بَلَغُوا الِاسْتِئْذَانَ فَرْضًا كَمَا كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْبَالِغِينَ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] وَكَانَ بُلُوغُ النِّكَاحِ اسْتِكْمَالَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَأَقَلَّ فَمَنْ بَلَغَ النِّكَاحَ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشَرَةَ أَوْ قَبْلَهَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ كُلُّهُ وَالْحُدُودُ وَمَنْ أَبْطَأَ عَنْهُ بُلُوغُ النِّكَاحِ فَالسِّنُّ الَّتِي يَلْزَمُهُ بِهَا الْفَرَائِضُ مِنْ الْحُدُودِ وَغَيْرِهِمَا اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشَرَةَ وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْجِهَادِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً وَأَجَازَهُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَعَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ طَالِبَانِ لَأَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ مُجَاهِدًا فِي الْحَالَيْنِ فَأَجَازَهُ إذَا بَلَغَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ وَرَدَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهَا وَفَعَلَ ذَلِكَ مَعَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَغَيْرُهُمْ» فَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشَرَةَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ قَبْلَهَا فَلَا جِهَادَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ وَسَوَاءٌ كَانَ جَسِيمًا شَدِيدًا مُقَارِبًا لَخَمْسَ عَشَرَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِكْمَالِهَا إلَّا يَوْمًا أَوْ ضَعِيفًا مُودِيًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِكْمَالِهَا سَنَةٌ أَوْ سَنَتَانِ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ عَلَى الْخَلْقِ إلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَأَمَّا إدْخَالُ الْغَفْلَةِ مَعَهُمَا فَالْغَفْلَةُ مَرْدُودَةٌ إذَا لَمْ تَكُنْ خِلَافَهُمَا فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ بِخِلَافِهِمَا؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَحَدُّ الْبُلُوغِ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ يُقْتَلُ بَالِغُهُمْ وَيُتْرَكُ غَيْرُ بَالِغِهِمْ أَنْ يُنْبِتُوا الشَّعْرَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِي الْحَالِ الَّتِي يُقْتَلُونَ فِيهَا مُدَافِعُونَ لِلْبُلُوغِ لِئَلَّا يُقْتَلُوا وَغَيْرُ مَشْهُودٍ عَلَيْهِمْ فَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الشِّرْكِ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُونَ بِالْبُلُوغِ عَلَى مَنْ بَلَغَ فَيُصَدَّقُونَ بِالْبُلُوغِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ مِنْ خَبَرٍ سِوَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ؟ قِيلَ: نَعَمْ كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ قَتَلَ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبَى ذَرَارِيِّهِمْ فَكَانَ فِي سُنَّتِهِ أَنْ لَا يُقْتَلَ إلَّا رَجُلٌ بَالِغٌ فَمَنْ كَانَ أَنْبَتَ قَتَلَهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَنْبَتَ سَبَاهُ فَإِذَا غَزَا الْبَالِغُ فَحَضَرَ الْقِتَالَ فَسَهْمُهُ ثَابِتٌ وَإِذَا حَضَرَ مَنْ دُونَ الْبُلُوغِ فَلَا سَهْمَ لَهُ فَيُرْضَخُ لَهُ وَلِلْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ يَحْضُرُونَ الْغَنِيمَةَ وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ وَيُرْضَخُ أَيْضًا لِلْمُشْرِكِ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ لَهُ.
[الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ]
ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الَّذِي رَوَى مَالِكٌ كَمَا رَوَى «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْرِكًا أَوْ مُشْرِكِينَ فِي غُزَاةِ بَدْرٍ وَأَبَى أَنْ يَسْتَعِينَ إلَّا بِمُسْلِمٍ ثُمَّ اسْتَعَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ فِي غُزَاةِ خَيْبَرَ بِعَدَدٍ مِنْ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعِ كَانُوا أَشِدَّاءَ وَاسْتَعَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غُزَاةِ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ» فَالرَّدُّ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ لِأَنَّ لَهُ الْخِيَارُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمُسْلِمٍ أَوْ يَرُدَّهُ كَمَا يَكُونُ لَهُ رَدُّ الْمُسْلِمِ مِنْ مَعْنَى يَخَافُهُ مِنْهُ أَوْ لِشِدَّةٍ بِهِ فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآخَرِ وَإِنْ كَانَ رَدَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ فَقَدْ نَسَخَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ اسْتِعَانَتِهِ بِمُشْرِكِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا خَرَجُوا طَوْعًا وَيُرْضَخُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَبِيدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَا سَهْمٍ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ وَإِنْ قَاتَلُوا وَالنِّسَاءِ وَإِنْ قَاتَلْنَ لِتَقْصِيرِ هَؤُلَاءِ عَنْ الرَّجُلِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ وَيُسْهَمُ لِلْمُشْرِكِ وَفِيهِ التَّقْصِيرُ الْأَكْثَرُ مِنْ التَّقْصِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ وَإِنْ أُكْرِهَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى أَنْ يَغْزُوا فَلَهُمْ أَجْرُ مِثْلِهِمْ فِي مِثْلِ مَخْرَجِهِمْ مِنْ أَهْلِهِمْ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَإِرْسَالُهُمْ إيَّاهُمْ وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا غَزَا بِهِمْ لَوْ اُسْتُؤْجِرُوا.
[الرَّجُلُ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُشْرِكًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ أَوْ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ سَوَاءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَمَا غَنِمُوا فَلَا يُسْهَمُ لَهُ وَهَكَذَا مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَدَدًا وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْحَرْبِ شَيْءٌ شَهِدَهَا هَذَا الْمُسْلِمُ الْخَارِجُ أَوَالْجَيْشُ شَرِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُحْرَزْ إلَّا بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَارِسًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ فَارِسٍ وَإِنْ حَضَرَ رَاجِلًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ فَإِنْ قَاتَلَ التُّجَّارُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أُسْهِمَ لَهُمْ فَرَسَانِ إنْ كَانُوا فُرْسَانًا وَسَهْمُ رِجَالِهِ إنْ كَانُوا رَجَّالَةً.
[فِي السَّرِيَّة تَأْخُذ الْعَلَفَ وَالطَّعَامَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْجَيْشِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا دُونَ الْجَيْشِ مِمَّا يَتَمَوَّلُهُ الْعَدُوُّ إلَّا الطَّعَامَ خَاصَّةً وَالطَّعَامُ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَفِي مَعْنَاهُ الشَّرَابُ كُلُّهُ فَمَنْ قَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ يُشْرِبَهُ وَيَعْلِفَهُ وَيُطْعِمَهُ غَيْرَهُ وَيَسْقِيَهُ وَيَعْلِفَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِذَا بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْمَغْنَمِ وَيَأْكُلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَمَا كَانَ حَلَالًا مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ فَلَا مَعْنَى لِلْإِمَامِ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فِي الرَّجُلِ يُقْرِضُ الرَّجُلَ الطَّعَامَ أَوْ الْعَلَفَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ رَجُلًا طَعَامًا أَوْ عَلَفًا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ رَدَّهُ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ فِي أَكْلِهِ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ إنْ فَارَقَ بِلَادَ الْعَدُوِّ فِي أَكْلِهِ وَيَرُدُّهُ الْمُسْتَقْرِضُ عَلَى الْإِمَامِ.
[الرَّجُلُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الْعَلَفِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ فَضَلَ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَخَرَجَ بِهِ مِنْ دَارِ الْعَدُوِّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَأْكُلَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْإِمَامِ فَيَكُونُ فِي الْمَغْنَمِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ فَلَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَا بِإِضْعَافِهِ كَمَا لَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَقٍّ وَاحِدٍ وَلَا جَمَاعَةَ إلَّا تَأْدِيَتَهُ إلَيْهِمْ فَإِنْ قَالَ: لَا أَجِدُهُمْ فَهُوَ يَجِدُ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ الَّذِي عَلَيْهِ تَفْرِيقُهُ فِيهِمْ وَلَا أَعْرِفُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَجْهًا فَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَةُ بِمَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُمْ قِيلَ: وَلَكِنْ تَعْرِفُ الْوَالِي الَّذِي يَقُومُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَوْ لَمْ تَعْرِفْهُمْ وَلَا وَالِيهِمْ مَا أَخْرَجَك فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ إلَّا أَدَاءُ قَلِيلِ مَا لَهُمْ وَكَثِيرُهُ عَلَيْهِمْ.
[الْحُجَّةُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ أَجَزْت لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَعْلِفَ مِمَّا أَصَابَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ تَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ بَعْدَ فِرَاقِهِ إيَّاهَا؟ قِيلَ: إنَّ الْغُلُولَ حَرَامٌ وَمَا كَانَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ أَحَدٍ حَضَرَهُ فَهُمْ فِيهِ شَرْعٌ سَوَاءٌ عَلَى مَا قُسِمَ لَهُمْ فَلَوْ أَخَذَ إبْرَةً أَوْ خَيْطًا كَانَ مُحَرَّمًا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَشَنَارٌ وَنَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَكَانَ الطَّعَامُ دَاخِلًا فِي مَعْنَى أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَكْثَرُ مِنْ الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ وَالْفَلْسِ وَالْخَرَزَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا لِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ فَلَمَّا أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّعَامِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ كَانَ الْإِذْنُ فِيهِ خَاصًّا خَارِجًا مِنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي اسْتَثْنَى فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُجِيزَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ إلَّا حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَكْلِ وَهُوَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ خَاصَّةً فَإِذَا زَايَلَهَا لَمْ يَكُنْ بِأَحَقَّ بِمَا أَخَذَ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا لَا يَكُونُ بِأَحَقَّ بِمِخْيَطٍ لَوْ أَخَذَهُ مَنْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَحَلَّ مِنْ مُحَرَّمٍ فِي مَعْنَى لَا يَحِلُّ إلَّا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى خَاصَّةً فَإِذَا زَايَلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَادَ إلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ مَثَلًا الْمَيْتَةُ الْمُحَرَّمَةُ فِي الْأَصْلِ الْمُحَلَّةِ لِلْمُضْطَرِّ فَإِذَا زَايَلَتْ الضَّرُورَةَ عَادَتْ إلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّهُ يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ بَعْضِ النَّاسِ مِثْلُ مَا قُلْت مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا يَخْرُجُوا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّ فِي رِجَالِهِ مَنْ يَجْهَلُ وَكَذَلِكَ فِي رِجَالِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ إحْلَالُهُ مَنْ يُجْهَلُ.
[بَيْعُ الطَّعَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَبَايَعَ رَجُلَانِ طَعَامًا بِطَعَامٍ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مُبَاحًا بِمُبَاحٍ فَأَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ إلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ فَإِذَا خَرَجَ رَدَّ الْفَضْلَ فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ كَمَا أَخَذَ فَيَأْكُلَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَايِعَهُ بِهِ.
[الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَهُ الطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا فَضَلَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ طَعَامٌ بِبِلَادِ الْعَدُوِّ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ وَدَخَلَ رَجُلٌ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ فَبَايَعَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ أَعْطَى مَنْ لَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ وَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ فَإِنْ فَاتَ رَدَّ قِيمَتَهُ إلَى الْإِمَامِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا وَلَا إخْرَاجُهَا مِنْ يَدَيْهِ إلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَكَانَ كَإِخْرَاجِهِ إيَّاهَا مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا فِيهِ.
[ذَبْحُ بَهَائِمِ الْغَنِيمَة مِنْ أَجْلِ جُلُودِهَا فِي بِلَاد الْعَدُوّ]
ذَبْحُ الْبَهَائِمِ مِنْ أَجْلِ جُلُودِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا كَانُوا غَيْرَ مُتَفَاوِتِينَ وَلَا خَائِفِينَ مِنْ أَنْ يُدْرَكُوا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا مُضْطَرِّينَ أَنْ لَا يَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا بَقَرَةً إلَّا لِمَأْكَلِهِ وَلَا يَذْبَحُوا لِنَعْلٍ وَلَا شِرَاكٍ وَلَا سِقَاءٍ يَتَّخِذُونَهَا مِنْ جُلُودِهَا وَلَوْ فَعَلُوا كَانَ مِمَّا أَكْرَهُ وَلَمْ أُجِزْ لَهُمْ اتِّخَاذَ شَيْءٍ مِنْ جُلُودِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَجُلُودُ الْبَهَائِمِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الْعَدُوُّ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ مِنْ لُحُومِهَا وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي ادِّخَارِ جُلُودِهَا وَأَسْقِيَتِهَا وَعَلَيْهِمْ رَدُّهُ إلَى الْمَغْنَمِ وَإِذَا كَانَتْ الرُّخْصَةُ فِي الطَّعَامِ خَاصَّةً فَلَا رُخْصَةَ فِي جِلْدِ شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَلَا ظَرْفَ فِيهِ طَعَامٌ لِأَنَّ الظَّرْفَ غَيْرُ الطَّعَامِ وَالْجِلْدَ غَيْرُ اللَّحْمِ فَيُرَدُّ الظَّرْفُ وَالْجِلْدُ وَالْوِكَاءُ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ انْتَفَعَ بِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ الِانْتِفَاعُ وَأَجْرُ مِثْلِهِ إنْ كَانَ لِمِثْلِهِ أَجْرٌ.
[كُتُبُ الْأَعَاجِمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا وُجِدَ مِنْ كُتُبِهِمْ فَهُوَ مَغْنَمٌ كُلُّهُ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْعُوَ مَنْ يُتَرْجِمُهُ فَإِنْ كَانَ عِلْمًا مِنْ طِبٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا مَكْرُوهَ فِيهِ بَاعَهُ كَمَا يَبِيعُ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَغَانِمِ وَإِنْ كَانَ كِتَابَ شِرْكٍ شَقُّوا الْكِتَابَ وَانْتَفَعُوا بِأَوْعِيَتِهِ وَأَدَاتِهِ فَبَاعَهَا وَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيقِهِ وَلَا دَفْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا هُوَ.
[تَوْقِيحُ الدَّوَابِّ مِنْ دُهْنِ الْعَدُوِّ]
ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يُوَقِّحُ الرَّجُلُ دَابَّتَهُ وَلَا يُدْهِنُ أَشَاعِرَهَا مِنْ أَدْهَانِ الْعَدُوِّ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ بِهِ مِنْ الْأَكْلِ وَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ.
[زُقَاقُ الْخَمْرِ وَالْخَوَابِي]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بِلَادِ الْحَرْبِ حَتَّى تَصِيرَ دَارَ الْإِسْلَامِ أَوْ ذِمَّةٍ يَجْرِي عَلَيْهَا الْحُكْمُ فَأَصَابُوا فِيهَا خَمْرًا فِي خَوَابٍ أَوْ زُقَاقٍ أهراقوا الْخَمْرَ وَانْتَفَعُوا بِالزُّقَاقِ وَالْخَوَابِي وَطَهَّرُوهَا وَلَمْ يَكْسِرُوهَا لِأَنَّ كَسْرَهَا فَسَادٌ وَإِذَا لَمْ يَظْهَرُوا عَلَيْهَا وَكَانَ ظَفَرُهُمْ بِهَا ظَفَرَ غَارَةٍ لَا ظَفَرَ أَنْ يَجْرِيَ بِهَا حُكْمٌ أهراقوا الْخَمْرَ مِنْ الزُّقَاقِ وَالْخَوَابِي فَإِنْ اسْتَطَاعُوا حَمْلَهَا أَوْ حَمْلَ مَا خَفَّ مِنْهَا حَمَلُوهُ مَغْنَمًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَحْرَقُوهُ وَكَسَرُوهُ إذَا سَارُوا وَإِذَا ظَفِرُوا بِالْكُشُوثِ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ الْمُسْلِمُونَ انْتَفَعُوا بِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَيْسَ الْكَشُوثُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَإِنْ كَانَ يُطْرَحُ فِي السُّكَّرِ إذَا كَانَ حَلَالًا بِأَوْلَى أَنْ يُحَرَّمَ مِنْ الزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ اللَّذَيْنِ يُعْمَلُ مِنْهُمَا الْمُحَرَّمُ وَلَا يُحَرَّقُ هَذَا وَلَا هَذَا لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُحَرَّمَيْنِ.
.
[إحْلَالُ مَا يَمْلِكُهُ الْعَدُوُّ]
ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ الْقَوْمُ بِلَادَ الْعَدُوِّ فَأَصَابُوا مِنْهَا شَيْئًا سِوَى الطَّعَامِ فَأَصْلُ مَا يُصِيبُونَهُ سِوَى الطَّعَامِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا مَحْظُورٌ أَخْذُهُ غُلُولٌ وَالْآخَرُ مُبَاحٌ لِمَنْ أَخَذَهُ.
فَأَصْلُ مَعْرِفَةِ الْمُبَاحِ مِنْهُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَمَا كَانَ فِيهَا مُبَاحًا مِنْ شَجَرٍ لَيْسَ يَمْلِكُهُ الْآدَمِيُّ أَوْ صَيْدٌ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَأَخَذَ مِثْلَهُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مُبَاحٌ لِمَنْ أَخَذَهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْقَوْسُ يَقْطَعُهَا الرَّجُلُ مِنْ الصَّحْرَاءِ أَوْ الْجَبَلُ وَالْقَدَحُ يَنْحِتُهُ وَمَا شَاءَ مِنْ الْخَشَبِ وَمَا شَاءَ مِنْ الْحِجَارَةِ الْبِرَامِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ مُحْرَزَةٍ.
فَكُلُّ مَا أُصِيبَ مِنْ هَذِهِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكُلُّ مَا مَلَكَهُ الْقَوْمُ فَأَحْرَزُوهُ فِي مَنَازِلِهِمْ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِثْلُ حَجَرٍ نَقَلُوهُ إلَى مَنَازِلِهِمْ أَوْ عُودٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ صَيْدٍ فَأَخْذُ هَذَا غُلُولٌ.
[الْبَازِي الْمُعَلَّمُ وَالصَّيْدُ الْمُقَرَّطُ وَالْمُقَلَّدُ إذَا أُخِذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ]
الْبَازِي الْمُعَلَّمُ وَالصَّيْدُ الْمُقَرَّطُ وَالْمُقَلَّدُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مَمْلُوكًا وَيَرُدُّهُ فِي الْغُنْمِ وَهَكَذَا إنْ أَخَذَ صَيْدًا مُقَلَّدًا أَوْ مُقَرَّطًا أَوْ مَوْسُومًا فَكُلُّ هَذَا قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ وَهَكَذَا إنْ وَجَدَ فِي الصَّحْرَاءِ وَتَدًا مَنْحُوتًا أَوْ قَدَحًا مَنْحُوتًا كَانَ النَّحْتُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَيُعَرَّفُ فَإِنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ فَهُوَ مَغْنَمٌ لِأَنَّهُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ.
[فِي الْهِرِّ وَالصَّقْرِ إذَا أَخَذَ فِي الْغَنِيمَة]
فِي الْهِرِّ وَالصَّقْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا وَجَدْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ مِنْ هِرٍّ أَوْ صَقْرٍ فَهُوَ مَغْنَمٌ وَمَا أُصِيبَ مِنْ الْكِلَابِ فَهُوَ مَغْنَمٌ إنْ أَرَادَهُ أَحَدٌ لِصَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ أَحَدٌ يُرِيدُهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَبْسُهُ لِأَنَّ مَنْ اقْتَنَاهُ لِغَيْرِ هَذَا كَانَ آثِمًا وَرَأَيْت لِصَاحِبِ الْجَيْشِ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيُعْطِيَهُ أَهْلَ الْأَخْمَاسِ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ إنْ أَرَادَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِزَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ قَتَلَهُ أَوْ خَلَّاهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ بَيْعُهُ وَمَا أَصَابَ مِنْ الْخَنَازِيرِ فَإِنْ كَانَتْ تَعْدُو إذَا كَبِرَتْ يَقْتُلُهَا كُلَّهَا وَلَا تَدْخُلُ مَغْنَمًا بِحَالٍ وَلَا تُتْرَكُ وَهُنَّ عَوَادٍ إذَا قَدَرَ عَلَى قَتْلِهَا فَإِنْ عَجَّلَ بِهِ مَسِيرٌ خَلَّاهَا وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُ قَتْلِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ تَرْكِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لَوْ كَانُوا بِإِزَائِهِ.
[فِي أَخْذ الْأَدْوِيَةِ فِي بِلَاد الْعَدُوّ]
فِي الْأَدْوِيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الطَّعَامُ مُبَاحٌ أَنْ يُؤْكَلَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَكَذَلِكَ الشَّرَابُ وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى مَا يَكُونُ مَأْكُولًا مُغْنِيًا مِنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَيَكُونُ قُوتًا فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ فَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ كُلُّهَا فَلَيْسَتْ مِنْ حِسَابِ الطَّعَامِ الْمَأْذُونِ وَكَذَلِكَ الزَّنْجَبِيلُ وَهُوَ مُرِيبٌ وَغَيْرُ مُرِيبٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ حِسَابِ الْأَدْوِيَةِ وَأَمَّا الْأَلَايَا فَطَعَامٌ يُؤْكَلُ فَمَا كَانَ مِنْ حِسَابِ الطَّعَامِ فَلِصَاحِبِهِ أَكْلُهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ وَمَا كَانَ مِنْ حِسَابِ الدَّوَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا غَيْرِهَا.
[الْحَرْبِيُّ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ]
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ الْحَرْبِيُّ وَثَنِيًّا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ نَكَحَهُنَّ فِي عَقْدَةٍ أَوْ عِقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ دَخَلَ بِهِنَّ كُلِّهِنَّ أَوْ دَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ أَوْ فِيهِنَّ أُخْتَانِ أَوْ كُلُّهُنَّ غَيْرُ أُخْتٍ لِلْأُخْرَى قِيلَ لَهُ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا أَيَّتُهُنَّ شِئْت لَيْسَ فِي الْأَرْبَعِ أُخْتَانِ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى نِكَاحِهِ أَيَّةَ كَانَتْ قَبْلُ وَبِهَذَا مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ وَأَحْسَبُهُ ابْنَ عُلَيَّةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ يَقُولُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ «نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَسْلَمْت وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ أَرْبَعًا أَيَّتُهُنَّ شِئْت وَفَارِقْ الْأُخْرَى فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٌ عَاقِرٌ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَطَلَّقْتُهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا فَقَالَ إذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَإِنْ كَانَ نَكَحَهُنَّ فِي عَقْدَةٍ فَارَقَهُنَّ كُلَّهُنَّ وَإِنْ كَانَ نَكَحَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فِي عِقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِيهِنَّ أُخْتَانِ أَمْسَكَ الْأُولَى وَفَارَقَ الَّتِي نَكَحَ بَعْدَهَا وَإِنْ كَانَ نَكَحَهُنَّ فِي عِقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَمْسَكَ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ وَفَارَقَ اللَّوَاتِي بَعْدَهُنَّ وَقَالَ: اُنْظُرْ فِي هَذَا إلَى كُلِّ مَا لَوْ ابْتَدَأَهُ فِي الْإِسْلَامِ جَازَ لَهُ فَأَجْعَلُهُ إذَا ابْتَدَأَهُ فِي الشِّرْكِ جَائِزًا لَهُ وَإِذَا كَانَ إذَا ابْتَدَأَهُ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ لَهُ جَعَلْتُهُ إذَا ابْتَدَأَهُ فِي الشِّرْكِ غَيْرَ جَائِزٍ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك حُجَّةٌ إلَّا أَصْلَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ كُنْت مَحْجُوجًا بِهِ قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت: أَرَأَيْت أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَوْ ابْتَدَأَ رَجُلٌ نِكَاحًا فِي الْإِسْلَامِ لِوَلِيٍّ مِنْهُمْ وَشُهُودٌ مِنْهُمْ أَيَجُوزُ نِكَاحُهُ؟ قَالَ: لَا قُلْت: أَفَرَأَيْت أَحْسَنَ حَالِ نِكَاحٍ كَانَ لِأَهْلِ الْأَوْثَانِ قَطُّ أَلَيْسَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ بِوَلِيٍّ مِنْهُمْ وَشُهُودٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت: فَكَانَ يَلْزَمُك فِي أَصْلِ قَوْلِك أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُنَّ كُلُّهُنَّ بَاطِلًا لِأَنَّ أَحْسَنَ شَيْءٍ كَانَ مِنْهُ عِنْدَك لَا يَجُوزُ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَنْكِحُونَ فِي الْعِدَّةِ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ قَالَ: فَقَدْ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ نِكَاحَهُمْ قُلْنَا اتِّبَاعًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْتَ لَمْ تَتَّبِعْ فِيهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ فِي نِكَاحِهِنَّ حُكْمًا جَمَعَ أُمُورًا فَكَيْفَ خَالَفْت بَعْضَهَا وَوَافَقْت بَعْضَهَا؟ قَالَ: فَأَيْنَ مَا خَالَفْت مِنْهَا؟ قُلْت: مَوْجُودٌ عَلَى لِسَانِك لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَبَرٌ غَيْرُهُ قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: إذْ زَعَمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَفَا لَهُمْ عَنْ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِي الشِّرْكِ حَتَّى أَقَامَهُ مَقَامَ الصَّحِيحِ فِي الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ لَمْ تُعْفِهِ لَهُمْ فَتَقُولَ بِمَا قُلْنَا قَالَ: وَأَيْنَ عَفَا لَهُمْ عَنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ قُلْت: نِكَاحُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ كُلُّهُ قَالَ: فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فَاسِدٌ لَوْ اُبْتُدِئَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ اتَّبَعْت فِيهِ الْخَبَرَ قُلْنَا: فَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ فِي الشِّرْكِ كَالْعَقْدِ فِي الْإِسْلَامِ كَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِيهِ بِقَوْلِنَا تَزْعُمُ أَنَّ الْعُقُودَ كُلَّهَا فَاسِدَةٌ وَلَكِنَّهَا مَاضِيَةٌ فَهِيَ مَعْفُوَّةٌ وَمَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ مِنْ النِّسَاءِ وَهُوَ بَاقٍ فَهُوَ غَيْرُ مَعْفُوِّ الْعَدَدِ فِيهِ فَنَقُولُ: أَصْلُ الْعَقْدِ كُلِّهِ فَاسِدٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَغَيْرُ مَعْفُوٍّ عَمَّا زَادَ مِنْ الْعَدَدِ فَأَتْرُكُ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ وَالتَّرْكُ إلَيْك وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ عَلَى هَذَا دَلَالَةً غَيْرَ الْخَبَرِ مِمَّا تُجَامِعُك عَلَيْهِ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] إلَى " تُظْلَمُونَ " فَعَفَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا
قَبَضُوا مِنْ الرِّبَا فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِرَدِّهِ وَأَبْطَلَ مَا أَدْرَكَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّبَا مَا لَمْ يَقْبِضُوهُ فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِهِ وَرَدَّهُمْ إلَى رُءُوسِ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ فَجَمَعَ حُكْمَ اللَّهِ ثُمَّ حُكْمَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرِّبَا إنْ عَفَا فَاتَ وَأَبْطَلَ مَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ فَكَذَلِكَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النِّكَاحِ كَانَتْ الْعُقْدَةُ فِيهِ ثَابِتَةً فَعَفَاهَا وَأَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُدْرِكَاتٍ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَعْفُهُنَّ وَأَنْتَ لَمْ تَقُلْ بِأَصْلِ مَا قُلْت وَلَا الْقِيَاسُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ قَوْلُك خَارِجًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَمِنْ الْمَعْقُولِ.
قَالَ: أَفَرَأَيْت لَوْ تَرَكْت حَدِيثَ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَحَدِيثَ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا الْبَيَانُ لِقَوْلِك وَخِلَافُ قَوْلِنَا وَاقْتَصَرْت عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قَوْلِك وَخِلَافُ قَوْلِنَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ؟ قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: إذَا كَانُوا مُبْتَدِئِينَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَعْرِفُونَ بِابْتِدَائِهِ حَلَالًا وَلَا حَرَامًا مِنْ نِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ فَعَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُمْسِكُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ دَلَّ الْمَعْقُولُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُمْسِكُوا الْأَوَائِلَ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يُعْلِمُهُمْ لِأَنَّ كُلًّا نِكَاحٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا ثُمَّ هُوَ أَوْلَى ثُمَّ أَحْرَى مَعَ أَنَّ حَدِيثَ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثَبَتَ قَاطِعًا لِمَوْضِعِ الِاحْتِجَاجِ وَالشُّبْهَةِ.
[الْحَرْبِيُّ يُصَدِّقُ امْرَأَتَهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَأَصْلُ نِكَاحِ الْحَرْبِيِّ كُلِّهِ فَاسِدٌ سَوَاءٌ كَانَ بِشُهُودٍ أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَلَوْ تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ حَرْبِيَّةً عَلَى حَرَامٍ مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ وَلَوْ أَسْلَمَا وَلَمْ تَقْبِضْهُ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ مُكَاتَبٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ عَبْدٍ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَا وَقَدْ قَبَضَتْ أَوْ لَمْ تَقْبِضْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَبِيلٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ الْحُرُّ حُرًّا وَمَنْ بَقِيَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ وَالْمُكَاتَبُ مُكَاتَبٌ لِمَالِكِهِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي هَذَا كُلِّهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[كَرَاهِيَةُ نِكَاح نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْحَرْبِيَّاتِ]
كَرَاهِيَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْحَرْبِيَّاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَحَلَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَحَلَّ طَعَامَهُمْ فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ إلَى أَنَّ طَعَامَهُمْ ذَبَائِحُهُمْ فَكَانَ هَذَا عَلَى الْكِتَابِيِّينَ مُحَارَبِينَ كَانُوا أَوْ ذِمَّةً لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِمْ قَصْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ حَلَالٌ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مُسْتَأْمَنٌ غَيْرُ كِتَابِيٍّ وَكَانَ عِنْدَنَا ذِمَّةٌ مَجُوسٌ فَلَمْ تُحَلَّلْ نِسَاؤُهُمْ إنَّمَا رَأَيْنَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ فِيهِمْ عَلَى أَنْ يَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَيَحْلُلْنَ وَلَوْ كُنَّ يَحْلُلْنَ فِي الصُّلْحِ وَالذِّمَّةِ وَيَحْرُمْنَ مِنْ الْمُحَارَبَةِ حَلَّ الْمَجُوسِيَّاتُ وَالْوَثَنِيَّاتُ إذَا كُنَّ مُسْتَأْمَنَاتٍ غَيْرَ أَنَّا نَخْتَارُ لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَنْكِحَ حَرْبِيَّةً خَوْفًا عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يُسْتَرَقَّ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يَنْكِحَهَا خَوْفًا عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يَسْتَرِقُوا أَوْ يُفْتَنُوا فَأَمَّا تَحْرِيمُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ غَصَبَهُ أَوْ لَمْ يَغْصِبْهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» وَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ يَجُوزُ لَهُ مِلْكُهُ فَهُوَ لَهُ.
وَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ جَائِزًا لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ عَلَيْهِ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ لَا ذِمَّةَ لَهُ فَإِنْ غَصَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَالًا أَوْ اسْتَرَقَّ مِنْهُمْ حُرًّا فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ مَوْقُوفًا حَتَّى أَسْلَمَ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَأَسْلَمَ عَلَيْهَا فَهِيَ لَهُ، وَهُوَ إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمُسْلِمِينَ يوجفون عَلَى أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَسْبُوهُمْ فَيَسْتَرِقُّوهُمْ وَيَغْنَمُوا أَمْوَالَهُمْ فيتمولونها إلَّا أَنَّهُ لَا خُمُسَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَخَذَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ وَمَنْ أَخَذَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مَالًا فَأَحْرَزَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فِي يَدَيْ مَنْ أَخَذَهُ كَانَ عَلَيْهِمْ رَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَا قِيمَةٍ قَبْلَ الْقَسْمِ وَبَعْدَهُ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ دَلَّتْ السُّنَّةُ وَكَذَلِكَ يَدُلُّ الْعَقْلُ وَالْإِجْمَاعُ فِي مَوْضِعٍ وَإِنْ تَفَرَّقَ فِي آخَرَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْرَثَ الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ فَجَعَلَهَا غُنْمًا لَهُمْ وَخَوَلًا لِإِعْزَازِ أَهْلِ دِينِهِ وَإِذْلَالِ مَنْ حَارَبَهُ سِوَى أَهْلِ دِينِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ إذَا قَدَرُوا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ تَخَوَّلُوهُمْ وَتَمَوَّلُوا أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ أَهْلُ الْحَرْبِ يَحُوزُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا فَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَتَخَوَّلُوهُ أَبَدًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ السُّنَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى مَا ذَكَرْت؟ قِيلَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَحْرَزُوا نَاقَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْفَلَتَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ مِنْ الْإِسَارِ فَرَكِبَتْ نَاقَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرَادَتْ نَحْرَهَا حِينَ وَرَدَتْ الْمَدِينَةَ وَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْت لَئِنْ أَنْجَانِي اللَّهُ عَلَيْهَا لَأَنْحَرَنَّهَا فَمَنَعُوهَا حَتَّى يَذْكُرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوهُ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وَأَخَذَ نَاقَتَهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ إذَا أَحْرَزُوا شَيْئًا كَانَ لَهُمْ لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ النَّاقَةُ إلَّا لِلْأَنْصَارِيَّةِ كُلُّهَا لِأَنَّهَا أَحْرَزَتْهَا عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ يَكُونُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا وَتَكُونُ مَخْمُوسَةً وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرَ لَهَا مِنْهَا شَيْئًا وَكَانَ يَرَاهَا عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إذَا أَحْرَزُوا عَبْدًا لِرَجُلٍ أَوْ مَالًا لَهُ فَأَدْرَكَهُ قَدْ أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِلَا قِيمَةٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَمَا يَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ مِثْلَ مَا قُلْت هُوَ أَحَقُّ بِهِ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ صَارَ فِي سَهْمِهِ مِثْلَ قِيمَتِهِ مِنْ خُمُسُ الْخُمْسِ وَهُوَ سَهْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ.
ثُمَّ قَالَ غَيْرُنَا: يَكُونُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَحَقَّ بِهِ إنْ شَاءَ بِالْقِيمَةِ وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لِمَالِكِهِ بَعْدَ إحْرَازِ الْعَدُوِّ لَهُ وَإِحْرَازِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الْعَدُوِّ لَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْقَسْمِ، وَإِذَا كَانُوا لَوْ أَحْرَزَهُ مُسْلِمُونَ مُتَأَوِّلِينَ أَوْ غَيْرَ مُتَأَوِّلِينَ فَقَدَرُوا عَلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ رَدُّوهُ عَلَى صَاحِبِهِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ، أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ أَوْلَى بِهِمْ وَمَا يَعْدُوا الْحَدِيثَ لَوْ كَانَ ثَابِتًا أَنْ يَكُونَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ فَيَكُونَ عَامًّا فَيَكُونُ مَالُ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ سَوَاءٌ إذَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ فَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِقُّوهُ أَوْ يَكُونَ خَاصًّا فَيَكُونَ كَمَا قُلْنَا بِالدَّلَائِلِ الَّتِي وَصَفْنَا وَلَوْ كَانَ إحْرَازُ الْمُشْرِكِينَ لِمَا أَحْرَزُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ يَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مَا جَازَ إذَا مَا أَحْرَزَ الْمُسْلِمُونَ مَا أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَالِكُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِقِيمَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قِيمَةٍ قَبْلَ الْقَسْمِ وَلَا بَعْدَهُ وَكَمَا لَا يَجُوزُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدًا لَهُ أَبَقَ وَفَرَسًا لَهُ عَارٍ فَأَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ أَحْرَزَهُ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّا عَلَيْهِ بِلَا قِيمَةٍ.
فَلَوْ أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ امْرَأَةَ رَجُلٍ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ
مُدَبَّرَةً أَوْ جَارِيَةً غَيْرَ مُدَبَّرَةٍ فَلَمْ يَصِلْ إلَى أَخْذِهَا وَوَصَلَ إلَى وَطْئِهَا لَمْ يُحْرَمْ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ لِأَنَّهُنَّ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ لَا يَطَأَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً خَوْفَ الْوَلَدِ أَنْ يُسْتَرَقَّ وَكَرَاهِيَةَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي بُضْعِهَا غَيْرُهُ.
[الْمُسْلِمُ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ فَيَجِدُ امْرَأَتَهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ أَوْ امْرَأَةَ غَيْرِهِ أَوْ مَالَهُ أَوْ مَالَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِمَّا غَصَبَهُ الْمُشْرِكُونَ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْعَدُوِّ وَلَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَلَيْسَ بِخِيَانَةٍ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى مُسْلِمٍ غَصَبَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ بِلَا عِلْمِ الْمُسْلِمِ فَأَدَّاهُ إلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ خَانَ إنَّمَا الْخِيَانَةُ أَخَذَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ وَلَكِنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُمْ فِي أَمَانٍ فَهُمْ مِنْهُ فِي مِثْلِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ فِي أَمَانِهِمْ إلَّا مَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّ الْمَالَ مَمْنُوعٌ بِوُجُوهٍ أَوَّلُهَا إسْلَامُ صَاحِبِهِ وَالثَّانِي مَالُ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ وَالثَّالِثُ مَالُ مَنْ لَهُ أَمَانٌ إلَى مُدَّةِ أَمَانِهِ وَهُوَ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا يُمْنَعُ مِنْ مَالِهِ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ.
[الذِّمِّيَّةُ تُسْلِمُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ]
ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ حَامِلًا كَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فَلَهَا أَجْرُ الرَّضَاعِ وَهِيَ كَالْمَبْتُوتَةِ الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلِ أَوْ أَوْلَى بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَدٌ فَأَيُّ الْأَبَوَيْنِ أَسْلَمَ فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الْوَلَدِ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ وَيُورَثُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَيَرِثُهُ الْمُسْلِمُ وَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَمْلُوكَيْنِ لِمُشْرِكٍ فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا تَبِعَ الْمُسْلِمَ الْوَلَدَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَبْلُغُوا لِأَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لَا يَجُوزُ عِنْدِي إلَّا هَذَا الْقَوْلُ مَا كَانَ الْأَوْلَادُ صِغَارًا وَكَانُوا تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ لَا يُشْرَكُ دِينُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فِي دِينٍ إلَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَوْلَى بِهِ أَوْ قَوْلُ ثَانٍ أَنَّهُمْ إذَا وُلِدُوا عَلَى الشِّرْكِ كَانُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُعْرِبُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَلَوْ أَسْلَمَ أَبُوهُمْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمَ مُسْلِمٍ وَلَسْت أَقُولُ هَذَا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ الْوَلَدُ لِلْأَبِ حَظُّ الْأُمِّ مِنْهُ وَلَوْ اتَّبَعَ الْأُمَّ دُونَ الْأَبِ كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَغْلَطَ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يُقَالَ هُوَ لِلْأَبِ وَإِنْ كَانَ الدِّينُ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الرِّقِّ وَلَكِنَّهُ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ إذَا شَارَكَ غَيْرَهُ فِي الدِّينِ وَالْمِلْكِ كَانَ الْإِسْلَامُ أَوْلَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ النَّصْرَانِيَّةِ تُسْلِمُ بَعْدَمَا يَدْخُلُ بِهَا زَوْجُهَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ فَتُسْلِمُ بَعْدَمَا يَدْخُلُ بِهَا: لَهَا الْمَهْرُ
فَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ وَإِلَّا أَخَذَتْهُ بَعْدَ إسْلَامِهَا أَسْلَمَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا حَتَّى أَسْلَمَتْ قَبَضَتْ مِنْهُ مَهْرًا أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَسَوَاءٌ وَلَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ كَانَ أَحَقَّ بِهَا أَوْ لَا يَكُونُ لَهَا شَيْءٌ لِأَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا فَإِذَا كَانَ هَذَا فَعَلَيْهَا رَدُّ شَيْءٍ إنْ كَانَتْ أَخَذَتْهُ لَهُ كَمَا لَوْ أَخَذَتْ مِنْهُ شَيْئًا عِوَضًا مِنْ شَيْءٍ كَالثَّمَنِ لِلسِّلْعَةِ فَفَاتَتْ السِّلْعَةُ كَانَ عَلَيْهَا رَدُّ الثَّمَنِ فَأَمَّا مَالَهَا مَا أَخَذَتْ وَلَا تَأْخُذُ شَيْئًا إنْ لَمْ تَكُنْ أَخَذَتْ فَلَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ شَيْئًا.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
[النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ فَطَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ جُبِرَتْ عَلَى الْغُسْلِ مِنْهَا فَإِنْ امْتَنَعَتْ أُدِّبَتْ حَتَّى تَفْعَلَ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُ الْجِمَاعَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ حَتَّى يَطْهُرْنَ مِنْ الْحَيْضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] يَعْنِي بِالْمَاءِ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] فَلَمَّا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ زَوْجَتَهُ إلَّا بِأَنْ تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ وَتَطْهُرَ بِالْمَاءِ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَعْنَيَانِ كَانَ بَيِّنًا أَنْ نُجْبَرَ النَّصْرَانِيَّةُ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضَةِ لِئَلَّا يُمْنَعَ الْجِمَاعَ فَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا جُنُبًا فَتُؤْمَرُ بِهِ كَمَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ مِنْ الْوَسَخِ وَالدُّخَانِ وَمَا غَيَّرَ رِيحَهَا وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ تُضْرَبَ عَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَتْ مِنْهُ لِأَنَّهُ غُسْلُ تَنْظِيفٍ لَهَا.
[نِكَاحُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَحَلَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَائِرَ الْمُؤْمِنَاتِ وَاسْتَثْنَى فِي إمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ أَنْ يُحَلِّلَهُنَّ بِأَنْ يَجْمَعَ نَاكِحُهُنَّ أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَأَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ فِي تَرْكِ نِكَاحِهِنَّ فَزَعَمْنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ حَتَّى يَجْمَعَ نَاكِحُهَا الشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَبَاحَ اللَّهُ نِكَاحَهَا بِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ مَا نَذْهَبُ إلَيْهِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مُبَاحًا بِشَرْطِ أَنْ يُبَاحَ بِهِ فَلَا يُبَاحُ إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَيِّتَةِ تُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ وَلَا تُبَاحُ لِغَيْرِهِ وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُبَاحُ لِمَنْ لَبِسَهُمَا كَامِلَ الطَّهَارَةِ مَا لَمْ يُحْدِثْ وَلَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ وَفِي صَلَاةِ الْخَوْفِ يُبَاحُ لِلْخَائِفِ أَنْ يُخَالِفَ بِهَا الصَّلَوَاتِ مِنْ غَيْرِ الْخَوْفِ وَلَا تُبَاحُ لِغَيْرِهِ وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] فَأَطْلَقَ التَّحْرِيمُ تَحْرِيمًا بِأَمْرٍ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشِّرْكِ قَالَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْهُنَّ الْحَرَائِرُ فَأَطْلَقْنَا مَنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ إحْلَالَهُ وَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْحَرَائِرُ غَيْرُ الْإِمَاءِ كَمَا قُلْنَا لَا يَحِلُّ نِكَاحُ مُشْرِكَةٍ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ وَقَالَ غَيْرُنَا كَذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ حُرَّةٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ حُرَّةً كِتَابِيَّةً فَإِذَا كَانَ نِكَاحُ إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعًا إلَّا بِشَرْطَيْنِ كَانَ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ غَيْرِ إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ الدَّلَالَةِ الْأُولَى فَإِمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ مُحَرَّمَاتٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[إيلَاءُ النَّصْرَانِيِّ وَظِهَارُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا آلَى النَّصْرَانِيُّ مِنْ امْرَأَتِهِ فَتَحَاكَمَا إلَيْنَا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَكَمْنَا عَلَيْهِ حُكْمَنَا عَلَى الْمُسْلِمِ فِي أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ وَنَأْمُرُهُ إذَا فَاءَ بِالْكَفَّارَةِ وَلَا نُجْبِرُهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالشِّرْكِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ فَإِذَا تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَرَافَعَتْهُ وَرَضِيَا بِالْحُكْمِ فَلَيْسَ فِي الظِّهَارِ طَلَاقٌ فَنَحْكُمُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا فِيهِ كَفَّارَةٌ فَنَأْمُرُهُ بِهَا وَلَا نُجْبِرُهُ عَلَيْهَا كَمَا قُلْنَا فِي يَمِينِ الْإِيلَاءِ.
[فِي النَّصْرَانِيِّ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَذَفَ النَّصْرَانِيُّ امْرَأَتَهُ فَرَافَعَتْهُ وَرَضِيَا بِالْحُكْمِ لَاعَنَّا بَيْنَهُمَا وَفَرَّقْنَا وَنَفَيْنَا الْوَلَدَ كَمَا نَصْنَعُ بِالْمُسْلِمِ وَلَوْ فَعَلَ وَتَرَافَعَا فَأَبَى أَنْ يَلْتَعِنَ عَزَّرْنَاهُ وَلَمْ نَحُدَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ نَصْرَانِيَّةً حَدٌّ وَأَقْرَرْنَاهَا مَعَهُ لِأَنَّا لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْتِعَانِهِ.
[فِيمَنْ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ شَهِدَ الْحَرْبَ عَلَى جَارِيَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ أُخِذَ مِنْهُ عُقْرُهَا وَرُدَّتْ إلَى الْمَغْنَمِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ نُهِيَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عُزِّرَ وَلَا حَدَّ مِنْ قِبَلِ الشُّبْهَةِ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا وَإِنْ أَحْصَى الْمَغْنَمَ فَعَرَفَ قَدْرَ مِلْكِهِ مِنْهَا مَعَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْمَغْنَمِ وَقَعَ عَنْهُ مِنْ الْمَهْرِ بِحِصَّتِهِ وَإِنْ حَمَلَتْ فَهَكَذَا وَتَقُومُ عَلَيْهِ وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدِهِ وَإِذَا كَانَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَالْبَغِيُّ هِيَ الَّتِي تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا فَتَكُونُ وَاَلَّذِي زَنَى بِهَا زَانِيَيْنِ مَحْدُودَيْنِ فَإِذَا كَانَتْ مَغْصُوبَةً فَهِيَ غَيْرُ زَانِيَةٍ مَحْدُودَةٍ فَلَهَا الْمَهْرُ وَعَلَى الزَّانِي بِهَا الْحَدُّ.
[الْمُسْلِمُونَ يوجفون عَلَى الْعَدُوِّ فَيُصِيبُونَ سَبْيًا فِيهِمْ قَرَابَةٌ]
ٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فَكَانَ فِيهِمْ وَلَدٌ لِمُسْلِمٍ مَمْلُوكٍ لِلْعَدُوِّ أَوْ كَانَ فِيهِمْ وَلَدٌ لِمُسْلِمٍ لَمْ يَزَلْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَقَدْ شَهِدَ ابْنِهِ الْحَرْبَ فَصَارَ لَهُ الْحَظُّ فِي أَبِيهِ أَوْ ابْنُهُ مِنْهُمْ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ حَتَّى يَقْسِمُوا فَإِذَا صَارَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فِي حَظِّهِ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْتِقُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَنْتَ تَقُولُ إذَا مَلَكَ أَبَاهُ أَوْ وَلَدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَقُولُ ذَلِكَ إذَا اُجْتُلِبَ هُوَ فِي مِلْكِهِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ أَوْ يَتَّهِبَهُ أَوْ يَزْعُمَ أَنَّهُ وُهِبَ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ لَمْ أَعْتِقْهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبَلَهُ وَكَانَ لَهُ رَدُّ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ فَهُوَ إذَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ فَلَهُ تَرْكُ حَقِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُعْتَقُ حَتَّى يَصِيرَ فِي مِلْكِهِ بِقِسْمٍ أَوْ شِرَاءٍ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْجَارِيَةَ يَطَؤُهَا وَلَهُ فِيهَا حَقٌّ مِنْ قِبَلِ أَنَّا نَدْرَأُ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ وَلَا نُثْبِتُ الْمِلْكَ بِالشُّبْهَةِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْمَرْأَةُ تُسْبَى مَعَ زَوْجِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ حُكْمَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَاَللَّائِي سُبِينَ فَاسْتُؤْمِنَّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَقَسَّمَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَهَى مَنْ صِرْنَ إلَيْهِ أَنْ يَطَأَ حَائِلًا حَتَّى تَحِيضَ أَوْ حَامِلًا حَتَّى تَضَعَ وَذَلِكَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ بِالسَّبَاءِ نَفْسِهِ انْقِطَاعَ الْعِصْمَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِوَطْءِ ذَاتِ زَوْجٍ بَعْدَ حَيْضَةٍ إلَّا وَذَلِكَ قَطْعُ الْعِصْمَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ اللَّاتِي مَلَكْتُمُوهُنَّ بِالسَّبْيِ وَلَمْ يَكُنْ اسْتِيمَاؤُهُنَّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَطْعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ وَسَوَاءٌ أُسِرْنَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ بَعْدَ أَوْ كُنَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْحَرْبِ لَا تَقَعُ الْعِصْمَةُ إلَّا مَا كَانَ بِالسِّبَاءِ الَّذِي كُنَّ بِهِ مُسْتَأْمَيَاتٍ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَقَدْ سَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجَالًا مِنْ هَوَازِنَ فَمَا عَلِمْنَاهُ سَأَلَ عَنْ أَزْوَاجِ الْمَسْبِيَّاتِ أُسْبُوا مَعَهُنَّ أَوْ قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ أَوْ لَمْ يُسْبَوْا وَلَوْ كَانَ فِي أَزْوَاجِهِنَّ مَعْنًى يُسْأَلُ عَنْهُنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ خَلَّاهُنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَجَعْنَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ اسْتَحَلُّوا شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِمْ فَلَا حُجَّةَ بِالْمُشْرِكِ وَإِنْ كَانُوا أَسْلَمُوا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُنَّ يَرْجِعْنَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَبَاحَهُنَّ لِمَالِكِيهِنَّ وَهُوَ لَا يُبِيحُهُنَّ وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ عَلَيْهِنَّ وَلَا يُبِيحُهُنَّ إلَّا بَعْدَ انْقِطَاعِ النِّكَاحِ وَإِذَا انْقَطَعَ النِّكَاحُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ قَبْلَ زَوْجِهَا وَالزَّوْجُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّائِي أَسْلَمْنَ وَلَمْ يُسْبَيْنَ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ وَبَعْدَهُمْ سُنَّةً وَاحِدَةً وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَسْلَمَا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَاهِرٌ عَلَيْهِ وَمَكَّةُ دَارُ كُفْرٍ وَبِهَا أَزْوَاجُهُمَا وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ أَمَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا وَهِنْدُ بِنْت عُتْبَةَ مُشْرِكَةً فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَتْ: اُقْتُلُوا هَذَا الشَّيْخَ الضَّالَّ وَأَقَامَتْ عَلَى الشِّرْكِ حَتَّى أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِأَيَّامٍ فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النِّكَاحِ وَذَلِكَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ وَصَارَتْ مَكَّةُ دَارَ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَتْ امْرَأَةُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَأَقَامَتَا بِمَكَّةَ مُسْلِمَتَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهَرَبَ زَوْجَاهُمَا مُشْرِكَيْنِ نَاحِيَةَ الْيَمَنِ إلَى دَارِ الشِّرْكِ ثُمَّ رَجَعَا فَأَسْلَمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَلَمْ يُسْلِمْ صَفْوَانُ حَتَّى شَهِدَ حُنَيْنًا كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَأَقَرَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نِكَاحِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّ عِدَّتَهُمَا لَمْ تَنْقَضِ وَفِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ قَبْلَ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ يُسْلِمُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فَزَعَمَ فِي الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ قَبْلَ الرَّجُلِ مَا زَعَمْنَا وَزَعَمَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ خِلَافَ مَا زَعَمْنَا وَأَنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَتَقَارَبَ إسْلَامُهُ وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ قَبْلَ الرَّجُلِ قَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَحِلُّ لِمُشْرِكٍ بِحَالٍ وَالْمَرْأَةُ الْمُشْرِكَةُ قَدْ تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ بِحَالٍ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ كِتَابِيَّةً فَشَدَّدَ فِي الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُهَوِّنَ فِيهِ وَهَوَّنَ فِي الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُشَدِّدَ فِيهِ لَوْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: مَا السُّنَّةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْت دُونَ مَا قَالَ؟ فَمَا وَصَفْنَا قَبْلَ هَذَا وَإِنْ قَالَ فَمَا الْكِتَابُ؟ قِيلَ قَالَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] فَلَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الدِّينَيْنِ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ سَاعَةَ اخْتَلَفَا أَوْ يَكُونَ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ الدِّينَيْنِ وَالثُّبُوتُ عَلَى الِاخْتِلَافِ إلَى مُدَّةٍ وَالْمُدَّةُ لَا تَجُوزُ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا وَصَفْنَا وَجَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ قَبْلَ زَوْجِهَا وَالْمُسْلِمِ قَبْلَ امْرَأَتِهِ فَحَكَمَ فِيهِمَا حُكْمًا وَاحِدًا فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟ وَجَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُمَا فَقَالَ ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] فَهِيَ كَالْآيَةِ قَبْلَهَا لَا تَعْدُو أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ سَاعَةَ يُسْلِمُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ تَنْقَطِعُ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهِيَ كَافِرَةٌ أَوْ لَا تَكُونَ الْعِصْمَةُ تَنْقَطِعُ بَيْنَهُمَا إلَّا إلَى مُدَّةٍ فَقَدْ دَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُدَّةِ وَقَوْلُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَا قَطْعَ لِلْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ مُتَأَوِّلًا فَكَانَ وَإِنْ خَالَفَ قَوْلُهُ السُّنَّةَ قَدْ ذَهَبَ إلَى مَا تَأَوَّلَ وَلَا جَعَلَ لَهُمَا الْمُدَّةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا السُّنَّةُ بَلْ خَرَجَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَأَحْدَثَ مُدَّةً لَا يَعْرِفُهَا آدَمِيٌّ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: إذَا تَقَارَبَ فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ إذَا تَقَارَبَ قَالَ إنْسَانٌ: التَّقَارُبُ بِقَدْرِ النَّفْسِ أَوْ قَدْرِ السَّاعَةِ أَوْ قَدْرِ بَعْضِ الْيَوْمِ أَوْ قَدْرِ السُّنَّةِ؟ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ قَرِيبٌ وَإِنَّمَا يَحُدُّ مِثْلَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا أَنْ يَحُدَّ هَذَا بِالرَّأْيِ وَالْغَفْلَةِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ مَعَ الرَّأْيِ وَالْيَقَظَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْحَرْبِيُّ يَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَنْكِحْ أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ وَلَمْ تُسْلِمْ فَتَبِينَ مِنْهُ فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا أَوْ أَرْبَعٍ سِوَاهَا.
[مَنْ قُوتِلَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَمَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّقُّ]
ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُوتِلَ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْعَجَمِ جَرَى السِّبَاءُ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَرِجَالِهِمْ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِذَا قُوتِلُوا وَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ فَقَدْ سَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ وَقَبَائِلَ مِنْ الْعَرَبِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ الرِّقَّ حَتَّى مَنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدُ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَطْلَقَ بَنِي هَوَازِنَ قَالَ لَوْ كَانَ تَامًّا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ سُبِيَ تَمَّ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَكِنَّهُ إسَارٌ وَفِدَاءٌ فَمَنْ أَثْبَتَ هَذَا الْحَدِيثَ عَمَّ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَجْرِي عَلَى عَرَبِيٍّ بِحَالٍ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (قَالَ وَالشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: لَا يُسْتَرَقُّ عَرَبِيٌّ (قَالَ الرَّبِيعُ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَوْلَى يَنْكِحُ الْأَمَةَ يُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ وَفِي الْعَرَبِيِّ يَنْكِحُهَا لَا يُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ (قَالَ الرَّبِيعُ) : رَأَى الشَّافِعِيُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ وَوَلَدُهُمْ رَقِيقٌ مِمَّنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْعَرَبَ وَالْعَجَمِ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الرِّقُّ حَيْثُ جَرَى عَلَى الْعَجَمِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْحَرْبِيِّ يَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْتَأْمَنًا وَامْرَأَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى دِينِهِ: لَا تَنْقَطِعُ بَيْنَهُمَا الْعِصْمَةُ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بَيْنَهُمَا الْعِصْمَةُ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ أَمَّا وَالدِّينُ وَاحِدٌ فَلَا تَنْقَطِعُ بَيْنَهُمَا الْعِصْمَةُ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أُسِرَ وَامْرَأَتُهُ أَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا وَامْرَأَتُهُ أَوْ أَسْلَمَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ وَلَمْ تَقْدِرْ امْرَأَتُهُ أَتَنْقَطِعُ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا وَهُمَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ؟ لَا تَنْقَطِعُ الْعِصْمَةُ إلَّا بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَيُّ الزَّوْجَيْنِ أَسْلَمَ فَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْآخَرُ مِنْهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَإِذَا طَلَّقَ النَّصْرَانِيُّ الذِّمِّيُّ امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَرْبِيًّا مِنْ قِبَلِ أَنَّا إذَا أَثْبَتِنَا لَهُ عَقْدَ النِّكَاحِ فَجَعَلْنَا حُكْمَهُ فِيهِ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِ لَزِمَنَا أَنْ نَجْعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْمُسْلِمِ فِيمَا يَفْسَخُ عَقْدَ النِّكَاحِ وَفَسْخُ عَقْدِ النِّكَاحِ التَّحْرِيمُ بِالطَّلَاقِ.
[الْمُسْلِمُ يُطَلِّقُ النَّصْرَانِيَّةَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا طَلَّقَ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ ثَلَاثًا فَنَكَحَهَا نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَبْدٌ فَأَصَابَهَا حَلَّتْ لَهُ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ زَوْجٌ وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] فَقَدْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ وَإِذَا جَازَ لَنَا أَنْ نَزْعُمَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَنْكِحُ النَّصْرَانِيَّةَ فَيُحْصِنُهَا حَتَّى تَرْجُمَهَا لَوْ زَنَتْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا فَقَدْ زَعَمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِكَاحَهُ يُحْصِنُهَا فَكَيْفَ يَذْهَبُ عَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ لَا يُحِلُّهَا وَهُوَ يُحْصِنُهَا؟
[وَطْءُ الْمَجُوسِيَّةِ إذَا سُبِيَتْ]
ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا سُبِيَ الْمَجُوسِيُّ وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ لَمْ تُوطَأْ مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ بَالِغٌ حَتَّى تُسْلِمَ وَإِنْ سُبِيَ مِنْهُنَّ صِبْيَاتٌ فَمَنْ كَانَ مِنْهُنَّ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَلَمْ يُسْلِمْ فَلَا تُوطَأُ لِأَنَّ دِينَهَا دِينُ أَبِيهَا وَأُمِّهَا وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا وَهِيَ صَبِيَّةٌ وُطِئَتْ فَإِذَا سُبِيَتْ مُنْفَرِدَةً لَيْسَتْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهَا وُطِئَتْ لِأَنَّا نَحْكُمُ لَهَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَنُجْبِرُهَا عَلَيْهِ مَا لَمْ تَكُنْ بَالِغًا مُشْرِكَةً أَوْ صَغِيرَةً مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهَا مُشْرِكًا فَإِذَا حَكَمْنَا لَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ فَرْجِهَا مَعْنًى.
.
[ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ]
ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ دَانَ دِينَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ وَحَلَّ نِسَاؤُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ فِيهِمْ أَوْ فِي أَحَدِهِمْ فَكَتَبَ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا فَإِذَا كَانُوا يَعْرِفُونَ بِالْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَارَى فِرَقٌ فَلَا يَجُوزُ إذَا جَمَعَتْ النَّصْرَانِيَّةُ بَيْنَهُمْ أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَنِسَاؤُهُ وَبَعْضُهُمْ تَحْرُمُ إلَّا بِخَبَرٍ يَلْزَمُ مِثْلُهُ وَلَمْ نَعْلَمْ فِي هَذَا خَبَرًا فَمَنْ جَمَعَهُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ فَحُكْمُهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ وَقَالَ: لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ وَإِنْ سَمَّى اللَّهَ عَلَيْهَا
[الرَّجُلُ تُؤْسَرُ جَارِيَتُهُ أَوْ تُغْصَبُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اُغْتُصِبَتْ جَارِيَةُ الرَّجُلِ أُمَّ وَلَدٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أُمِّ وَلَدٍ وَأَحْرَزَهَا الْمُشْرِكُونَ أَوْ غَيْرُهُمْ فَصَارَتْ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالَاتِ لِأَنَّهَا لَمْ تُمْلَكْ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ لَوْ غَابَتْ عَنْهُ فَلَمْ يَدْرِ لَعَلَّهَا فَجَرَتْ أَوْ فَجَرَ بِهَا وَالِاخْتِيَارُ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ أَوْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ أَوْ مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقَبِّلْهَا وَلَمْ يُبَاشِرْهَا وَلَمْ يَتَلَذَّذْ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
[الرَّجُلُ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ وَهِيَ حَائِضٌ]
ٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ جَارِيَةً بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهِيَ فِي أَوَّلِ حَيْضَتِهَا أَوْ وَسَطِهَا أَوْ آخِرِهَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ اسْتِبْرَاءً كَمَا لَا تَكُونُ مِنْ الْعِدَّةِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ الْعِدَّةُ الْحَيْضُ وَلَا قَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِدَّةُ الطُّهْرُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ أَمَامَهَا طُهْرٌ وَيَجْزِيَهَا حَيْضَةً وَاحِدَةً وَإِذَا ارْتَابَتْ الْمُسْتَبْرَأَةُ لَمْ تُوطَأْ حَتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ وَلَا وَقْتَ فِي ذَلِكَ إلَّا ذَهَابُ الرِّيبَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَاةً لَمْ تُرَدَّ بِهَذَا وَأُرِيهَا النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ هَذَا حَمْلٌ أَوْ دَاءٌ رُدَّتْ.
[عِدَّةُ الْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِيضُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَهْرٌ قِيَاسًا عَلَى الْحَيْضَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَهْرٌ وَنِصْفٌ وَلَيْسَ لِهَذَا وَجْهٌ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ شَهْرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ شَهْرٌ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ قِيَاسًا عَلَى حَيْضَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَقَامَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ فَلِكُلِّ حَيْضَةٍ شَهْرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَضَى فِيهِ أَثَرٌ بِخِلَافِهِ يُثْبِتُ مِثْلَهُ فَالْأَثَرُ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ.
[مَنْ مَلَكَ الْأُخْتَيْنِ فَأَرَادَ وَطْأَهُمَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْأُخْتَيْنِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ فَلَهُ أَنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَإِذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الَّتِي وَطِئَ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا حَرَّمَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَوَطِئَ الْأُخْرَى ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ طَلُقَتْ ثَبَتَ عَلَى وَطْءِ الَّتِي وَطِئَ بَعْدَهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْعَاجِزَةَ وَلَا الْمُطَلَّقَةَ فَتَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَأُخْتُهَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى.
[وَطْءُ الْأُمِّ بَعْدَ الْبِنْتِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ الْأُمِّ بَعْدَ الْبِنْتِ وَلَا الْبِنْتِ بَعْدَ الْأُمِّ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ
وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ الْمَمْلُوكَاتِ بِشَيْءٍ لَا يَحِلُّ مِنْ وَطْءِ الْحَرَائِرِ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّهُنَّ يُخَالِفْنَ الْحَرَائِرَ فِي مَعْنَيَيْنِ فَيَكُونُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْلِكَ الْأُمَّ وَوَلَدَهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْأُمَّ وَابْنَتَهَا وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الْمِلْكِ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ النِّكَاحِ وَيَطَأُ مِنْ الْوَلَائِدِ مَا شَاءَ بِالْمِلْكِ وَفِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِالنِّكَاحِ.
[التَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَوِي الْمَحَارِمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ أَهْلَ الْبَيْتِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْوَلَدُ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمِنْ أَيْنَ وَقَّتَ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ؟ قِيلَ: رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبَوَيْهِ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْغُلَامُ غَيْرُ بَالِغٍ عِنْدَنَا وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ وَكَانَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْغُلَامُ ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ ثُمَّ نَظَرَ إلَى أَخٍ لَهُ أَصْغَرَ مِنْهُ فَقَالَ: وَهَذَا لَوْ بَلَغَ مَبْلَغَ هَذَا خَيَّرْنَاهُ فَجَعَلْنَا هَذَا حَدًّا لِاسْتِغْنَاءِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ وَأَنَّهُ أَوَّلُ مُدَّةٍ يَكُونُ لَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا قَوْلٌ وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْوَلَدِ مَنْ كَانُوا فَأَمَّا الْأَخَوَانِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ وَلَمْ تُفَرِّقُوا بَيْنَ الْوَلَدِ وَأُمِّهِ؟ قِيلَ: السُّنَّةُ فِي الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَوَجَدْت حَالَ الْوَلَدِ مِنْ الْوَالِدِ مُخَالِفًا حَالَ الْأَخِ مِنْ أَخِيهِ وَوَجَدْتَنِي أَجْبُرُ الْوَلَدَ عَلَى نَفَقَةِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ فِي الْحِينِ الَّذِي لَا غِنَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَمْ أَجِدُنِي أَجْبُرُ الْأَخَ عَلَى نَفَقَةِ أَخِيهِ.
[الذِّمِّيُّ يَشْتَرِي الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَأُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِهِ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ أَنْ أَجْعَلَ الشِّرَاءَ فِيهِ بَاطِلًا أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ عِنْدَهُ جَبَرْتُهُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ قَبَضَ عَنْهُ وَجَازَ فِيهِ الْعِتْقُ فِي حَيَاتِهِ وَالصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا لِمَنْ يَكُونُ مِلْكُهُ ثَابِتًا مُدَّةً مِنْ الْمُدَدِ وَإِنْ كُنْت لَا أُثْبِتُهُ عَلَى الْأَبَدِ كَمَا أُثْبِتُ مِلْكَ الْمُسْلِمِ وَإِذَا كَانَ لِلذِّمِّيِّ مَمْلُوكَانِ امْرَأَةٌ وَرَجُلٌ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ جَبَرْت السَّيِّدَ عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا وَالْوَلَدُ الصِّغَارُ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِ أَيِّ الْأَبَوَيْنِ أَسْلَمَ.
[الْحَرْبِيُّ يَدْخُلُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مَمْلُوكٌ فَأَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أَجْبَرْتُهُ عَلَى بَيْعِهِمَا أَوْ بَيْعِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا وَدَفَعْت إلَيْهِ ثَمَنَهُمَا وَلَيْسَ لَهُ أَمَانٌ يُعْطِي بِهِ أَنْ يَمْلِكَ مُسْلِمًا وَأَمَانُ الذِّمِّيِّ الْمُعَاهَدِ أَكْثَرُ مِنْ أَمَانِهِ وَأَنَا أُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ مَمَالِيكِهِ.
[الْعَبْدُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فَيُسْلِمُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ الْكَافِرُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَأَسْلَمَ جَبَرْت الْكَافِرَ عَلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ فِيهِ وَجَبَرْتُهُ عَلَى بَيْعِ كُلِّهِ أَكْثَرَ مَنْ جَبَرْتُهُ عَلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَأْمَنَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِجَمَاعَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ كَانَ لَهُمْ الْأَمَانُ وَلَمْ يَكُنْ الْأَمَانُ لِغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْمَنَ لِعَدَدٍ كَانَ الْأَمَانُ لِأُولَئِكَ الْعَدَدِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ وَهَكَذَا إنْ قَالَ تُؤَمِّنُ لِي مِائَةَ رَجُلٍ وَأُخْلِي بَيْنَك وَبَيْنَ الْبَقِيَّةِ كَانَ الْأَمَانُ فِي الْمِائَةِ الرَّجُلِ إلَيْهِ فَمَنْ سَمَّى فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ لَمْ يُسْتَثْنَ فَلَيْسَ بِآمِنٍ.
وَهَكَذَا إنْ قَالَ: تُؤَمِّنُ لِي أَهْلَ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ أَدْفَعَ إلَيْك مِائَةً مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ وَالْمِائَةُ رَقِيقٌ كَانُوا مِنْ حَرْبِهِمْ أَوْ رَقِيقِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَنِّي إذَا قَدَرْت عَلَيْهِمْ كَانُوا جَمِيعًا رَقِيقًا فَلَمَّا كُنْت قَادِرًا عَلَى بَعْضِهِمْ كَانُوا رَقِيقًا وَكَانَ مَنْ أَمَّنْت غَيْرَ رَقِيقٍ وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ لِلْعَهْدِ وَلَا رُجُوعَ فِي صُلْحٍ إنَّمَا هَذَا صُلْحٌ عَلَى شَرْطٍ فَمَنْ أَدْخَلَهُ الْمُسْتَأْمِنُ فِي الْأَمَانِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ مِمَّنْ لَمْ أُعْطِهِ الْأَمَانَ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْهُ حُكْمُهُ حُكْمُ مُشْرِكٍ يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّقُّ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
[الْأَسِيرُ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الْعَهْدُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أُسِرَ الْمُسْلِمُ فَأَحْلَفَهُ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَثْبُتَ فِي بِلَادِهِمْ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى أَنْ يُخْلُوهُ فَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا فَلْيَخْرُجْ لِأَنَّ يَمِينَهُ يَمِينُ مُكْرَهٍ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى حَبْسِهِ وَلَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُمْ بِخُرُوجِهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِوَاسِعٍ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُمْ إذَا قَدَرَ عَلَى التَّنَحِّي عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ إذَا أَمَّنُوهُ فَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْهُ وَلَا نَعْرِفُ شَيْئًا يُرْوَى خِلَافَ هَذَا، وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهُمْ الْيَمِينَ وَهُوَ مُطْلَقٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُكْرَهٍ إلَّا بِأَنْ يَلْزَمَهُ الْحِنْثُ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَحْنَثَ لِأَنَّهُ حَلَفَ غَيْرَ مُكْرَهٍ وَإِنَّمَا أَلْغَيَا عَنْهُ الْحِنْثَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا.
[الْأَسِيرُ يَأْمَنُهُ الْعَدُوُّ عَلَى أَمْوَالِهِمْ]
ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَسَرَ الْعَدُوُّ الرَّجُلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ وَأَمَّنُوهُ وَوَلَّوْهُ ضِيَاعَهُمْ أَوْ لَمْ يُوَلُّوهُ فَأَمَانُهُمْ إيَّاهُ أَمَانٌ لَهُمْ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ وَلَا يَخُونَهُمْ.
وَأَمَّا الْهَرَبُ بِنَفْسِهِ فَلَهُ الْهَرَبُ وَإِنْ أُدْرِكَ لِيُؤْخَذَ فَلَهُ أَنْ يُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ قَتَلَ الَّذِي أَدْرَكَهُ لِأَنَّ طَلَبَهُ لِيُؤْخَذَ إحْدَاثٌ مِنْ الطَّالِبِ غَيْرَ الْأَمَانِ فَيَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ وَيَأْخُذُ مَالَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْ طَلَبِهِ.
[الْأَسِيرُ يُرْسِلُهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ]
ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمَ فَخَلُّوهُ عَلَى فِدَاءٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِمْ إلَى وَقْتٍ
وَأَخَذُوا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْ الْفِدَاءَ أَنْ يَعُودَ فِي إسَارِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ فِي إسَارِهِمْ وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ أَنْ يَدَعَهُ وَالْعَوْدَةَ وَإِذَا كَانُوا امْتَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَتِهِ إلَّا عَلَى مَالٍ يُعْطِيهُمُوهُ فَلَا يُعْطِيهِمْ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ مَالٌ أَكْرَهُوهُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُمُوهُ عَلَى شَيْءٍ فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إلَّا أَدَاؤُهُ إلَيْهِمْ بِكُلِّ حَالٍ وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُمْ مُبْتَدِئًا عَلَى شَيْءٍ انْبَغَى لَهُ أَنْ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِمْ إنَّمَا أَطْرَحُ عَنْهُ مَا اسْتَنْكَرَهُ عَلَيْهِ.
[الْمُسْلِمُونَ يَدْخُلُونَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَيَرَوْنَ قَوْمًا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَسَبَى أَهْلُ الْحَرْبِ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْمَنَيْنِ قِتَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ فَإِذَا نَبَذُوا إلَيْهِمْ فَحَذَّرُوهُمْ وَانْقَطَعَ الْأَمَانُ بَيْنَهُمْ كَانَ لَهُمْ قِتَالُهُمْ فَأَمَّا مَا كَانُوا فِي مُدَّةِ الْأَمَانِ فَلَيْسَ لَهُمْ قِتَالُهُمْ.
[الرَّجُلُ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ فَتُوهَبُ لَهُ الْجَارِيَةُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوُهِبَتْ لَهُ جَارِيَةٌ أَوْ غُلَامٌ أَوْ مَتَاعٌ لِمُسْلِمٍ قَدْ أَحْرَزَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَعَرَفَهُ صَاحِبُهُ وَأَثْبَتَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَوْ أَقَرَّ لَهُ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِدَعْوَاهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ بِلَا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ وَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى دَفْعِهِ.
[الرَّجُلُ يَرْهَنُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَسْبِيهَا الْعَدُوُّ]
ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ قِيمَتُهَا ثُمَّ سَبَاهَا الْعَدُوُّ ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا الرَّاهِنُ بِثَمَنٍ أَوْ غَيْرِ ثَمَنٍ فَهِيَ عَلَى الرَّهْنِ كَمَا كَانَتْ لَا يُخْرِجُهَا السِّبَاءُ مِنْ الرَّهْنِ وَلَوْ وُجِدَتْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُخْرِجَتْ مِنْ يَدَيْهِ إلَى مِلْكِ مَالِكِهَا الَّذِي سُبِيَتْ عَنْهُ وَكَانَتْ عَلَى الرَّهْنِ وَإِذَا سَبَى الْمُشْرِكُونَ الْحُرَّةَ وَالْمُدَبَّرَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْعَبْدَ وَأَخَذُوا الْمَالَ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ مَتَى ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ أَوْ بَعْدَهَا أُخْرِجَ مِنْ يَدَيْ مَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ وَكَانَتْ الْحُرَّةُ حُرَّةً وَالْمُكَاتَبَةُ مُكَاتَبَةً وَالْمُدَبَّرَةُ مُدَبَّرَةً وَالْأَمَةُ أَمَةً وَالْعَبْدُ عَبْدًا وَأُمُّ الْوَلَدِ أُمَّ وَلَدٍ وَالْمَتَاعُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَمْلِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ مَلَكُوهُ عَلَيْهِمْ مَلَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَلَكُوا الْحُرَّةَ وَالْمُكَاتَبَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةَ كَمَا يَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ يُسْلِمُونَ فَيُقِرُّ الْمَسْبِيُّ خَوْلًا لِلسَّابِي.
[الْمُدَبَّرَةُ تُسْبَى فَتُوطَأُ ثُمَّ تَلِدُ ثُمَّ يَقْدِرُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا سَبَى الْمُشْرِكُونَ الْمُدَبَّرَةَ فَوَطِئَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ سُبِيَتْ وَأَوْلَادُهَا رُدَّتْ إلَى مَالِكِهَا الَّذِي دَبَّرَ وَأَوْلَادَهَا كَمَا تُرَدُّ الْمَمْلُوكَةُ غَيْرَ مُدَبَّرَةٍ وَلَا يُبْطِلُ السَّبَاءُ تَدْبِيرَهَا وَلَا يُبْطِلُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ الْمُدَبَّرُ فَإِنْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزَهَا الْمُسْلِمُونَ فَهِيَ حُرَّةٌ وَأَوْلَادُهَا فِي
قَوْلِ مَنْ أَعْتَقَ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ بِعِتْقِهَا وَوَلَاؤُهَا لِلَّذِي دَبَّرَهَا وَوَلَاءُ وَلَدِهَا الَّذِينَ أُعْتِقُوا بِعِتْقِهَا فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَهُمْ أَوْلَادًا فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِي أَبِيهِمْ وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبَةِ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَبَّرَةِ إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا إنَّمَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ.
[الْمُكَاتَبَةُ تُسْبَى فَتُوطَأُ فَتَلِدُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْلَادًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهِيَ مَسْبِيَّةٌ ثُمَّ أَدَّتْ فَعَتَقَتْ عَتَقَ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا فِي قَوْلٍ يُعْتَقُ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ بِعِتْقِ أُمِّهِ وَإِنْ عَجَزَتْ رَقَّتْ وَرَقَّ وَلَدُهَا.
[أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ بِنَفَقَتِهَا وَأُمِرَتْ أَنْ تَعْمَلَ لَهُ فِي مَوْضِعِهَا مَا يَعْمَلُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ فَإِنْ مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ وَإِنْ أَسْلَمَ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَا يَجُوزُ فِيهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنْ تُعْتَقَ وَتَسْعَى فِي قِيمَتِهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا إنْ كَانَ الْإِسْلَامُ يُعْتِقُهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا سِعَايَةٌ وَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ لَا يُعْتِقُهَا فَمَا سَبَبُ عِتْقِهَا وَمَا سَبَبُ سِعَايَتِهَا؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْعِتْقُ لَوْ كَانَ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهَا وَأَعْتَقَ مِنْهَا سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ عَتَقَتْ كُلُّهَا وَلَمْ يَكُنْ الْعِتْقُ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهَا وَلَا مِنْ قِبَلِ شَرِيكٍ لَهُ، فَإِنْ قَالَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا فَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُعْتِقَ نَفْسَهَا، فَإِنْ قَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: وَهَلْ ثَبَتَ الرِّقُّ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ؟ قِيلَ: أَنْتَ تُثْبِتُهُ قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْتُ: زَعَمْت أَنَّ عَبْدَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَأَعْتَقَهُ الْكَافِرُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَجَزْت هَذَا كُلَّهُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهُ مَا جَازَ لَهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ لِلْكَافِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُؤْمِنَ ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ وَيَكُونُ لِمُشْتَرِيهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مِلْكِ الْكَافِرِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ تَقُولُ لِلْكَافِرِ: بِعْهُ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّك تُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِهِ، قِيلَ: فَقُلْ هَذَا فِي مُدَبَّرِهِ وَمُكَاتَبِهِ، فَإِنْ قُلْت: لَا.
قِيلَ: فَكَذَا قُلْ فِي أُمِّ وَلَدِهِ لَيْسَ الْإِسْلَامُ بِعِتْقٍ لَهَا وَلَا أَجِدُ السَّبِيلَ إلَى بَيْعِهَا لِمَا سَبَقَ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: أَعْتَقَهَا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْأَمَةَ لَمْ تَلِدْ إذَا أَسْلَمَتْ وَهِيَ لِنَصْرَانِيٍّ وَلَا الْعَبْدَ وَيَقُولُ آمُرُهُ بِبَيْعِهِمَا وَالرَّجُلُ لَا يَكُونُ عُهْدَةُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُ وَهُوَ يُجِيزُ الْعِتْقَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَالِكٍ.
فَإِنْ قَالَ: لَا أَجِدُهُ يَمْلِكُ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ إلَّا الْوَطْءَ فَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الْوَطْءَ فَهُوَ يَمْلِكُ الرَّجُلَ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا وَكَسْبَهَا وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا وَيَسْتَعِمَّهَا وَتَمُوتُ فَيَصِيرُ إلَيْهِ مَا حَوَتْ وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ وَطْئِهَا وَلَوْ كَانَ إذَا حَرَّمَ عَلَيْهِ الْفَرْجَ عَتَقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ كَانَ لَوْ زَوَّجَ مَالِكٌ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ كَاتَبَهَا انْبَغَى أَنْ يُعْتِقَهَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْجِهَا وَحَوْلٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْفَرْجِ بِسَبَبٍ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ: تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا كَأَنَّهُ جَعَلَ نِصْفَهَا حُرًّا بِالْوَلَدِ وَنِصْفَهَا مَمْلُوكًا إلَى أَنْ يَمُوتَ السَّيِّدُ.
وَلَا أَعْرِفُ لِلْوَلَدِ حِصَّةً مِنْ الْعِتْقِ مُتَبَعِّضَةً وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً كُلَّهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ السَّيِّدِ وَهُوَ لَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ مِنْهَا سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ جَعَلَهَا حُرَّةً كُلَّهَا
فَلَا أَعْرِفُ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَجْهًا.
وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ مُسْتَأْمَنًا فَأَسْلَمَا جُبِرَ عَلَى بَيْعِهِمَا وَلَمْ يُتْرَكْ يَخْرُجُ بِهِمَا.
[الْأَسِيرُ لَا تُنْكَحُ امْرَأَتُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أُسِرَ الْمُسْلِمُ فَكَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا تُنْكَحُ امْرَأَتُهُ إلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِ وَفَاتِهِ عُرِفَ مَكَانُهُ أَوْ خَفِيَ مَكَانُهُ وَكَذَلِكَ لَا يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ.
[مَا يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ فِي مَالِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا صَنَعَ الْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْمَسْجُونِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي مَالِهِ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لَا نُبْطِلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَا نُبْطِلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَهُوَ كَالْمَرِيضِ فِي حُكْمِهِ وَهَكَذَا مَا صَنَعَ الرَّجُلُ فِي الْحَرْبِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُجْرَحْ وَهَكَذَا مَا صَنَعَ إذَا قَدِمَ لِيَقْتُلَ فِيمَا مَنْ قَتْلُهُ فِيهِ بُدٌّ وَفِيمَا يَجِدُ قَاتِلُهُ السَّبِيلَ إلَى تَرْكِهِ مِثْلُ الْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ الَّذِي يَكُونُ لِصَاحِبِهِ عَفْوُهُ وَمِثْلُ قَتْلِ عَصَبَةِ الْقَاتِلِ الَّذِي قَدْ تَتْرُكُهُ وَمَا إذَا قَدِمَ لِيُرْجَمَ فِي الزِّنَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ إلَّا الثُّلُثَ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهِ.
وَالْحَامِلُ يَجُوزُ مَا صَنَعَتْ فِي مَالِهَا مَا لَمْ يَحْدُثْ لَهَا مَرَضٌ مَعَ حَمْلِهَا أَوْ يَضْرِبُهَا الطَّلْقُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ مَخُوفٌ، فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَمَا صَنَعْت فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَكَذَا الرَّجُلُ فِي السَّفِينَةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ مِنْ الْغَرَقِ وَغَيْرِ الْمَخُوفِ لِأَنَّ النَّجَاةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْمَخُوفِ وَالْهَلَاكُ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: نُجَوِّزُ عَطِيَّةَ الْحَامِلِ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَكُونُ كَالْمَرِيضِ فِي عَطِيَّتِهَا بَعْدَ السِّتَّةِ عِنْدِي وَلَا لِمَا تَأَوَّلَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: 189] وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى حَدِّ الْإِثْقَالِ مَتَى هُوَ؟ أَهُوَ التَّاسِعُ أَوْ الثَّامِنُ أَوْ السَّابِعُ أَوْ السَّادِسُ أَوْ الْخَامِسُ أَوْ الرَّابِعُ أَوْ الثَّالِثُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ؟ وَمَنْ ادَّعَى هَذَا بِوَقْتٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ إلَّا بِخَبَرٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِثْقَالُ الْمَخُوفُ إلَّا حِينَ تَجْلِسُ بَيْنَ الْقَوَابِلِ، فَإِنْ قِيلَ: هِيَ بَعْدَ سِتَّةٍ مَخَافَةً لَهَا قَبْلَ سِتَّةٍ فَكَذَلِكَ هِيَ بَعْدَ شَهْرٍ مُخَالِفَةً لَهَا قَبْلَ الشَّهْرِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ زَادَتْ فِيهِ أَنْ يَكْبُرَ وَلَدُهَا وَتَقْرَبَ مِنْ وَضْعِ حَمْلِهَا وَلَيْسَ إلَّا مَا قُلْنَا أَوْ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ: الْحَمْلُ كُلُّهُ مَرَضٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فَإِنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْإِثْقَالِ وَغَيْرِ الْإِثْقَالِ فَالْمَرَضُ الثَّقِيلُ وَالْمَرَضُ الْخَفِيفُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ النَّاسِ فِي الْعَطِيَّةِ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ الدَّنَفُ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ الْخَفِيفِ الْمَرَضِ فِيمَا أَعْطَيَا وَوَهَبَا وَقَدْ يُقَالُ لِهَذَا ثَقِيلٌ وَلِهَذَا خَفِيفٌ وَمَا أَعْلَمُ الْحَامِلَ بَعْدَ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ إلَّا أَثْقَلَ وَأَسْوَأَ حَالًا وَأَكْثَرَ قَيْئًا وَامْتِنَاعًا مِنْ الطَّعَامِ وَأَشْبَهَ بِالْمَرِيضِ مِنْهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَيْفَ تَجُوزُ عَطِيَّتُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ قُرْبٌ مِنْ الْمَرَضِ وَتُرَدُّ عَطِيَّتُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ؟ فَإِنْ قَالَ: هَذَا وَقْتٌ يَكُونُ فِيهِ الْوَلَدُ تَامًّا لَوْ خَرَجَ فَخُرُوجُهُ تَامًّا أَشْبَهُ لِسَلَامَةِ أُمِّهِ مِنْ خُرُوجِهِ لَوْ خَرَجَ سَقْطًا وَالْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ لِأُمِّهِ لَيْسَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْحَرْبِيُّ يَدْخُلُ بِأَمَانٍ وَلَهُ مَالٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ يُسْلِمُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَخَلَّفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمْوَالًا وَوَدَائِعَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَيَدَيْ حَرْبِيٍّ وَيَدَيْ وَكِيلٍ لَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَالِهِ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ مَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ أَوْ غَيْرُهُ وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ وَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا سَبِيلَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ حَيْثُ كَانَ أَسْلَمَ ابْنَا شُعْبَةَ القرظيان وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَحْرَزَ لَهُمَا إسْلَامَهُمَا أَنْفُسِهِمَا وَأَمْوَالَهُمَا دُورًا كَانَتْ أَوْ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُسْلِمِ مَغْنُومًا بِحَالٍ فَأَمَّا وَلَدُهُ الْكِبَارُ وَزَوْجَتُهُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَجْرِي عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ وَإِنْ سُبِيَتْ امْرَأَتُهُ حَامِلًا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ إلَى إرْقَاقِ ذِي بَطْنِهَا سَبِيلٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ فَهُوَ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَلَا يَجْرِي السِّبَاءُ عَلَى مُسْلِمٍ.
[الْحَرْبِيُّ يَدْخُلُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَوْدَعَ مَالَهُ ثُمَّ رَجَعَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَوْدَعَ وَبَاعَ وَتَرَكَ مَالًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقُتِلَ بِهَا فَدَيْنُهُ وَوَدَائِعُهُ وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ مَغْنُومٍ عَنْهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَإِذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَمَاتَ فَالْأَمَانُ لِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى وَرَثَتِهِ حَيْثُ كَانُوا وَلَا يُقْبَلُ إنْ لَمْ تَعْرِفَ وَرَثَتُهُ شَهَادَةَ أَحَدٍ غَيْرٍ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلَا فِي غَيْرِهَا شَهَادَةُ أَحَدٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ لِقَوْلٍ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَقَوْلُهُ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَهَذَا مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
[فِي الْحَرْبِيِّ يَعْتِقُ عَبْدَهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَا إلَيْنَا وَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ قَهْرًا فِي بِلَادِ الْحَرْبِ يَسْتَعْبِدُهُ بِهِ فَأَرَادَ اسْتِعْبَادَهُ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْبِدَهُ مُسْلِمًا كَانَ الْعَبْدُ أَوْ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ كَافِرًا وَلَوْ أَحْدَثَ لَهُ قَهْرًا بِبِلَادِ الْحَرْبِ أَوْ لِحُرٍّ مِثْلِهِ وَلَمْ يَعْتِقْهُ حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ كَانَ عَبْدًا لَهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الْمُفْتَتَحَةُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِلَادَ عَنْوَةٍ أَوْ صُلْحٍ تُخْلَى مِنْهُ أَهْلُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى شَيْءٍ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ بِأَمَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ كَمَا يُمْلَكُ الْفَيْءُ وَالْغَنِيمَةُ وَإِنْ تَرَكَهَا أَهْلُهَا الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مِمَّنْ أَوْجَفَ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِهِمْ فَوَقَفَهَا السُّلْطَانُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَارَى الرَّجُلُ مِنْهَا الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا وَعَلَيْهِ مَا تَكَارَاهَا بِهِ وَالْعُشْرُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَا تُكَارَى بِهِ أَرْضُ الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرِ.
[الصُّلْحُ عَلَى الْجِزْيَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أَعْرِفُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ
الْجِزْيَةِ عَلَى شَيْءٍ إلَّا مَا أَصِفُ صَالَحَ أَهْلَ أَيْلَةَ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانَ عَدَدُهُمْ ثَلَثَمِائَةِ رَجُلٍ وَصَالَحَ نَصْرَانِيًّا بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهُ مَوْهَبٌ عَلَى دِينَارٍ وَصَالَحَ ذِمَّةَ الْيَمَنِ عَلَى دِينَارٍ دِينَارٍ وَجَعَلَهُ عَلَى الْمُحْتَلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَأَحْسَبُ كَذَلِكَ جَعَلَهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَإِنْ لَمْ يُحْكَ فِي الْخَبَرِ كَمَا حُكِيَ خَبَرُ الْيَمَنِ ثُمَّ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى حُلَلٍ يُؤَدُّونَهَا فَدَلَّ صُلْحُهُ إيَّاهُمْ عَلَى غَيْرِ الدَّنَانِيرِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ وَصَالَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَرَوَى عَنْهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ صَالَحَ الْمُوسِرَ مِنْ ذِمَّتِهِمْ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْوَسَطَ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَاَلَّذِي دُونَهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَلَا بَأْسَ بِمَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا إذَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ هَذَا وَإِذَا عَقَدَ لَهُمْ الْعَقْدَ عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى لَمْ يَجُزْ عِنْدِي أَنْ يُزَادَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ بَالِغًا يُسْرُهُ مَا بَلَغَ وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى ضِيَافَةٍ مَعَ الْجِزْيَةِ فَلَا بَأْسَ وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحُوا عَلَى مَكِيلَةِ طَعَامٍ كَانَ ذَلِكَ كَمَا يُصَالِحُونَ عَلَيْهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَلَا تَكُونُ الْجِزْيَةُ إلَّا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَلَوْ حَاصَرْنَا أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَعَرَضُوا عَلَيْنَا أَنْ يُعْطُونَا الْجِزْيَةَ لَمْ يَكُنْ لَنَا قِتَالُهُمْ إذَا أَعْطُونَاهَا وَأَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُنَا وَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمُوهَا وَلَا يَجْرِي عَلَيْنَا حُكْمُكُمْ لِمَ لَمْ يَلْزَمْنَا أَنْ نَقْبَلَهَا مِنْهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فَلَمْ أَسْمَعْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الصَّغَارَ أَنْ يَعْلُوَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَى حُكْمِ الشِّرْكِ وَيَجْرِي عَلَيْهِمْ وَلَنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ مُتَطَوِّعِينَ وَعَلَى النَّظَرِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ كَمَا يَكُونُ لَنَا تَرْكُ قِتَالِهِمْ وَلَوْ عَرَضُوا عَلَيْنَا أَنْ يُعْطُونَا الْجِزْيَةَ وَيَجْرِي عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ فَاخْتَلَفْنَا نَحْنُ وَهُمْ فِي الْجِزْيَةِ فَقُلْنَا: لَا نَقْبَلُ إلَّا كَذَا وَقَالُوا: لَا نُعْطِيكُمْ إلَّا كَذَا رَأَيْت وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَلْزَمَنَا أَنْ نَقْبَلَ مِنْهُمْ دِينَارًا دِينَارًا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَخَذَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ بِمَكَّةَ مَقْهُورٍ وَمِنْ ذِمَّةِ الْيَمَنِ وَهُمْ مَقْهُورُونَ وَلَمْ يَلْزَمْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِأَنَّا لَمْ نَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَخَذَ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنْهُ وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا فِي زَمَانِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَتْ دِينَارًا فَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا فَهِيَ دِينَارٌ وَهِيَ أَقَلُّ مَا أُخِذَ وَنَزْدَادُ مِنْهُمْ مَا لَمْ نَعْقِدْ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا قَدَرْنَا عَلَيْهِ وَإِنْ كُنْت فِي الْعَقْدِ لَهُمْ أَنْ يُخَفِّفَ عَمَّنْ افْتَقَرَ مِنْهُمْ إلَى أَنْ يَجِدَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُقْدَةَ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَهُمْ وَالْبَالِغُونَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ الزَّمِنُ وَغَيْرُ الزَّمِنِ فَإِنْ أَعْوَزَ أَحَدُهُمْ بِجِزْيَتِهِ فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا وَإِنْ غَابَ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعَ أُخِذَتْ مِنْهُ لِتِلْكَ السِّنِينَ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْحَقُّ لَا يُوضَعُ عَنْ شَيْخٍ وَلَا مُقْعَدٍ وَلَوْ حَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ أَوْ أَحْوَالٌ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَ أُخِذَتْ مِنْهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَزِمَتْهُ فِي حَالِ شِرْكِهِ فَلَا يَضَعُ الْإِسْلَامُ عَنْهُ دَيْنًا لَزِمَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ تَرْكُهُ قَبْلَهُ كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ قَبْلَهُ فِي حَالِ شِرْكِهِ.
[فَتْحُ السَّوَادِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَسْت أَعْرِفُ مَا أَقُولُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ إلَّا ظَنًّا مَقْرُونًا إلَى عِلْمٍ وَذَلِكَ أَنِّي وَجَدْت أَصَحَّ حَدِيثٍ يَرْوِيهِ الْكُوفِيُّونَ عِنْدَهُمْ فِي السَّوَادِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ وَوَجَدْت أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ تُخَالِفُهُ مِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: السَّوَادُ صُلْحٌ وَيَقُولُونَ السَّوَادُ عَنْوَةٌ وَيَقُولُونَ بَعْضُ السَّوَادِ صُلْحٌ وَبَعْضُهُ عَنْوَةٌ وَيَقُولُونَ: إنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ وَهَذَا أَثْبَتُ حَدِيثٍ عِنْدَهُمْ فِيهِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَتْ بَجِيلَةُ رُبْعُ النَّاسِ فَقُسِمَ لَهُمْ رُبْعُ
السَّوَادِ فَاسْتَغَلُّوهُ ثَلَاثَ أَوْ أَرْبَعَ سِنِينَ أَنَا شَكَكْت ثُمَّ قَدِمْت عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَعِي فُلَانَةُ ابْنَةُ فُلَانٍ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُ اسْمِهَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا قُسِمَ لَكُمْ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَى النَّاسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكَانَ فِي حَدِيثِهِ " وعاضني مِنْ حَقِّي فِيهِ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ دِينَارًا " وَكَانَ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَتْ فُلَانَةُ: قَدْ شَهِدَ أَبِي الْقَادِسِيَّةَ وَثَبَتَ سَهْمُهُ وَلَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَذَا أَوْ تُعْطِيَنِي كَذَا فَأَعْطَاهَا إيَّاهُ قَالَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ إذْ أَعْطَى جَرِيرًا الْبَجَلِيَّ عِوَضًا مِنْ سَهْمِهِ وَالْمَرْأَةَ عِوَضًا مِنْ سَهْمِ أَبِيهَا أَنَّهُ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ الَّذِينَ أَوْجَفُوا عَلَيْهِ فَتَرَكُوا حُقُوقَهُمْ مِنْهُ فَجَعَلَهُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ وَهَذَا حَلَالٌ لِلْإِمَامِ لَوْ افْتَتَحَ الْيَوْمَ أَرْضًا عَنْوَةً فَأَحْصَى مَنْ افْتَتَحَهَا وَطَابُوا نَفْسًا عَنْ حُقُوقِهِمْ مِنْهَا أَنْ يَجْعَلَهَا الْإِمَامُ وَقْفًا وَحُقُوقُهُمْ مِنْهَا إلَّا الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَيُوفِي أَهْلَ الْخُمْسِ حُقُوقَهُمْ إلَّا أَنْ يَدَعَ الْبَالِغُونَ مِنْهُمْ حُقُوقَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ وَالْحُكْمُ فِي الْأَرْضِ كَالْحُكْمِ فِي الْمَالِ وَقَدْ «سَبَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَوَازِنَ وَقَسَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ جَاءَتْهُ وُفُودُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ فَقَالُوا: خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا فَنَخْتَارُ أَحْسَابَنَا فَتَرَكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقَّهُ وَحَقَّ أَهْلِ بَيْتِهِ فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ فَتَرَكُوا لَهُ حُقُوقَهُمْ فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ فَتَرَكُوا لَهُ حُقُوقَهُمْ ثُمَّ بَقِيَ قَوْمٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْآخَرِينَ وَالْفَتْحِيِّينَ فَأَمَرَ فَعَرَفَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي بِطِيبِ أَنْفُسِ مَنْ بَقِيَ فَمَنْ كَرِهَ فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْإِبِلِ إلَى وَقْتِ كَذَا فِجَاؤُهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ إلَّا الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُتَيْبَةَ بْنَ بَدْرٍ فَإِنَّهُمَا أَبَيَا لِيُعَيِّرَا هَوَازِنَ فَلَمْ يُكْرِهْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَانَا هُمَا تَرَكَا بَعْدُ بِأَنْ خُدِعَ عُتَيْبَةَ عَنْ حَقِّهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقَّ مَنْ طَابَ نَفْسًا عَنْ حَقِّهِ» وَهَذَا أَوْلَى الْأُمُورِ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعَالَى عِنْدَنَا فِي السَّوَادِ وَفُتُوحِهِ إنْ كَانَتْ عَنْوَةً فَهُوَ كَمَا وَصَفْت ظَنَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ يَقِينٍ وَإِنَّمَا مَنَعْنَا أَنْ نَجْعَلَهُ بِالدَّلَالَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ تَنَاقُضٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَسَمَ إلَّا عَنْ أَمْرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِكِبَرِ قَدْرِهِ وَلَوْ تَفَوَّتَ عَلَيْهِ فِيهِ مَا انْبَغَى أَنْ يَغِيبَ عَنْهُ قَسْمُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَلَوْ كَانَ الْقَسْمُ لَيْسَ لِمَنْ قَسَمَ لَهُ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْهُ عِوَضٌ وَلَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ الْغَلَّةُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ حَدِيثًا يُثْبِتُ إنَّمَا أَجِدُهَا مُتَنَاقِضَةً وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِعُمَرَ عِنْدِي الَّذِي وَصَفْت فَكُلُّ بَلَدٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَأَرْضُهَا وَدَارُهَا كَدَنَانِيرِهَا وَدَرَاهِمِهَا وَهَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَيْبَرَ وَبَنِي قُرَيْظَةَ فَلِمَنْ أَوْجَفَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَالْخُمْسُ لِأَهْلِهِ مِنْ الْأَرْضِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَمَنْ طَابَ نَفْسًا عَنْ حَقِّهِ فَجَائِزٌ لِلْإِمَامِ حَلَالٌ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُقْسَمُ غَلَّتُهُ فِيهِمْ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَةِ وَحَيْثُ يَرَى الْإِمَامُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَطِبْ عَنْهُ نَفْسًا فَهُوَ أَحَقُّ بِحَقِّهِ وَأَيُّمَا أَرْضٍ فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنَّ أَرْضَهَا لِأَهْلِهَا وَيُؤَدُّونَ عَنْهَا خَرَاجًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهَا مِنْ أَيْدِي أَهْلِهَا وَعَلَيْهِمْ فِيهَا الْخَرَاجُ وَمَا أُخِذَ مِنْ خَرَاجِهَا فَهُوَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ دُونَ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ لِأَنَّهُ فَيْءٌ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مُشْرِكٍ فَقَدْ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ رَقَبَةَ الْأَرْضِ فِيهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ أَنْ يَأْخُذَهُ صَاحِبُ صَدَقَةٍ وَلَا صَاحِبُ فَيْءٍ وَلَا غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ لِأَنَّهُ كَالصَّدَقَةِ الْمَوْقُوفَةِ يَأْخُذُهَا مَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ صُلْحًا فَإِنَّهَا لِأَهْلِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِكِرَاءٍ وَيَزْرَعُونَهَا كَمَا نَسْتَأْجِرُ مِنْهُمْ إبِلَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ وَرَقِيقَهُمْ وَمَا يَجُوزُ لَهُمْ إجَارَتُهُ مِنْهُمْ وَمَا دُفِعَ إلَيْهِمْ أَوْ إلَى السُّلْطَانِ بِوَكَالَتِهِمْ فَلَيْسَ بِصَغَارٍ عَلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ خَرَاجًا وَلَا لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» إنَّمَا هُوَ خَرَاجُ الْجِزْيَةِ وَلَوْ كَانَ خَرَاجُ الْكِرَاءِ مَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَكَارَى مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ خَرَاجُ الْجِزْيَةِ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ كِرَاءٌ لَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ فَأَعْتَقَهُ وَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ لِمُسْلِمٍ فَأَعْتَقَهُ الْمُسْلِمُ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ إنَّمَا نَأْخُذُ الْجِزْيَةَ بِالدَّيْنِ وَالنَّصْرَانِيُّ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَاهُ مُسْلِمًا كَمَا لَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ مُسْلِمَيْنِ.
[فِي الذِّمِّيِّ إذَا اتَّجَرَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا اتَّجَرَ الذِّمِّيُّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَى أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ فِي السَّنَةِ مِرَارًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَقْتَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُمْ بَرَاءَةٌ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْحَوْلِ وَلَوْلَا أَنَّ عُمَرَ أَخَذَهُ مِنْهُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ فَهُوَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْهُمْ عَلَى أَصْلِ صُلْحٍ أَنَّهُمْ إذَا اتَّجَرُوا أَخَذَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَحَدٍ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ فَلَمَّا كَانَتْ الْجِزْيَةُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عِنْدَنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عِنْدَ الْفَتْحِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَلَسْنَا نَعْلَمُهُمْ صُولِحُوا عَلَى أَكْثَرَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَمَا أَخَذَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْمُسْلِمِينَ رُبْعَ الْعُشْرِ وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ اتِّبَاعًا لَهُ عَلَى مَا أَخَذَهُ لَا نُخَالِفُهُ.
[نَصَارَى الْعَرَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذًا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُكَيْدِرَ الْغَسَّانِيَّ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا عَرَبِيًّا عَلَى الْجِزْيَةِ وَصَالَحَ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَفِيهِمْ عَرَبٌ وَعَجَمٌ وَصَالَحَ ذِمَّةَ الْيَمَنِ عَلَى الْجِزْيَةِ وَفِيهِمْ عَرَبٌ وَعَجَمٌ وَاخْتَلَفَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ عُمَرَ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ وَبَنِي تَغْلِبَ فَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ تُضَاعَفَ عَلَيْهِم