الأم للشافعيصفحات 142-181
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .

صفحات 142-181

[بَابُ مَا يَتِمُّ بِهِ الرَّهْنُ مِنْ الْقَبْضِ]

ِ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا كَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ مَمْلُوكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ مِلْكَ الْبَيْعِ، وَلَا مَمْلُوكِ الْمَنْفَعَةِ لَهُ مِلْكَ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا إلَّا بِمَا أَجَازَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فَلِلرَّاهِنِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى رَجَعَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِأَمْرَيْنِ فَلَيْسَ يَتِمُّ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مِثْلَ الْهِبَاتِ الَّتِي لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً، وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وَكَانَ هُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ أُسْوَةً سَوَاءً، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الرَّاهِنُ، وَلَكِنَّهُ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ أُسْوَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ، وَلَوْ خَرِسَ الرَّاهِنُ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَلَا سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وَلَوْ أَقْبَضَهُ الرَّاهِنُ إيَّاهُ فِي حَالِ ذَهَابِ عَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ قَبْضٌ حَتَّى يَكُونَ جَائِزَ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ يَوْمَ رَهَنَهُ وَيَوْمَ يُقَبِّضُهُ الرَّاهِنُ إيَّاهُ.
وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ، وَهُوَ مَحْجُورٌ ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ فَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يُجَدِّدَ لَهُ رَهْنًا وَيُقَبِّضَهُ إيَّاهُ بَعْدَ أَنْ يُفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حُجِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْهُ.
وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى هَرَبَ الْعَبْدُ وَسَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ الرَّاهِنُ أَوْ يُفْلِسَ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَبْضِهِ حَتَّى رَجَعَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ لَهُ قَبْضُهُ، وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَارْتَدَّ الْعَبْدُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ مُرْتَدًّا أَوْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ غَيْرَ مُرْتَدٍّ فَارْتَدَّ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ إنْ تَابَ فَهُوَ رَهْنٌ، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ قُتِلَ بِحَقٍّ لَزِمَهُ وَخَرَجَ مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ.
وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا، وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى رَهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ كَانَ الرَّهْنُ لِلثَّانِي الَّذِي أَقْبَضَهُ صَحِيحًا، وَالرَّهْنُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ كَمَا لَمْ يَكُنْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَعْتَقَهُ كَانَ حُرًّا خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى كَاتَبَهُ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَصْدَقَهُ امْرَأَةً أَوْ أَقَرَّ بِهِ لِرَجُلٍ أَوْ دَبَّرَهُ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ فِي هَذَا كُلِّهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى دَبَّرَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ بَعْدَمَا دَبَّرَهُ كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَمَا دَبَّرَهُ فَلَمَّا كَانَ لَهُ بَيْعُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا، وَمَاتَ

الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ كَانَ لِرَبِّ الرَّهْنِ مَنْعُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لَهُمْ رَهْنًا، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْمُرْتَهِنُ، وَلَكِنَّهُ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَوَلَّى الْحَاكِمُ مَالَهُ رَجُلًا فَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ مَنَعَهُ الرَّجُلَ الْمُوَلَّى؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ الْمُرْتَهِنَ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لَهُ بِالرَّهْنِ الْأَوَّلِ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَمْنَعَهُ إيَّاهُ.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا جَارِيَةً فَلَمْ يُقْبِضْهُ إيَّاهَا حَتَّى وَطِئَهَا ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقْبَضْ حَتَّى حَبِلَتْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا حُبْلَى مِنْهُ.
وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الرَّهْنِ ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَأَقَرَّ بِهِ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قُبِضَتْ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهَا حَامِلًا، وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى زَوَّجَهَا السَّيِّدُ ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهَا فَالتَّزْوِيجُ جَائِزٌ، وَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا بِحَالٍ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْجَارِيَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا وَيَمْنَعُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَحَلَّ الْحَقُّ بَيْعَهَا، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَأَيُّهُمَا زُوِّجَ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا وَسَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَآجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ ارْتَهَنْت عَبْدًا فَآجَرْته قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ قَالَ لَيْسَ بِمَقْبُوضٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَيْسَ الْإِجَارَةُ بِقَبْضٍ، وَلَيْسَ بِرَهْنٍ حَتَّى يُقْبَضَ، وَإِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِنَفْسِهِ أَوْ قَبَضَهُ لَهُ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ فَهُوَ قَبْضٌ كَقَبْضِ وَكِيلِهِ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا ارْتَهَنْت عَبْدًا فَوَضَعْته عَلَى يَدِ غَيْرِك فَهُوَ قَبْضٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ارْتَهَنَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ لَهُ أَوْ الْحَاكِمُ لِلْمَحْجُورِ فَقَبْضُ الْحَاكِمِ، وَقَبْضُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ لِلْمَحْجُورِ كَقَبْضِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ قَبْضُ الْحَاكِمِ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَكَّلَ الْحَاكِمُ مَنْ قَبَضَ لِلْمَحْجُورِ أَوْ، وَكَّلَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ فَقَبْضُهُ لَهُ كَقَبْضِ الرَّجُلِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ وَلِلرَّاهِنِ مَنْعُ الْحَاكِمِ وَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ مِنْ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَقْبِضَاهُ وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَهُ وَرَهْنُهُمَا عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ لَهُ.
وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ لَهُمَا فَيَفْضُلُ وَيَرْتَهِنَ.
فَأَمَّا أَنْ يُسَلِّفَ مَالَهُمَا وَيَرْتَهِنَ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لَهُمَا فِي السَّلَفِ، وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَظَرًا لَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَا شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَظَرًا لَهُ.

[قَبْضُ الرَّهْنِ وَمَا يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِهِ مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَمَا لَا يُخْرِجُهُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ تَمَّ وَصَارَ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غُرَمَاءِ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَبْرَأَ مِمَّا فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَقِّ كَمَا يَكُونُ الْمَبِيعُ مَضْمُونًا مِنْ الْبَائِعِ فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مَرَّةً صَارَ فِي ضَمَانِهِ فَإِنْ رَدَّهُ إلَى الْبَائِعِ بِإِجَارَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ، وَلَا يَنْفَسِخُ ضَمَانُهُ بِالْبَيْعِ، وَكَمَا تَكُونُ الْهِبَاتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا غَيْرَ تَامَّةٍ فَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مَرَّةً ثُمَّ أَعَارَهَا إلَى الْوَاهِبِ أَوْ أَكْرَاهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ الْهِبَةِ.
وَسَوَاءٌ إذًا قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ مَرَّةً، وَرَدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْسَخْ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ؛ لِمَا وَصَفْتُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ ارْتَهَنْت رَهْنًا فَقَبَضْته ثُمَّ آجَرْته مِنْهُ قَالَ نَعَمْ هُوَ عِنْدَك إلَّا أَنَّك آجَرْتَهُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ فَأَفْلَسَ فَوَجَدْته عِنْدَهُ؟ قَالَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّك إذَا قَبَضْته مَرَّةً ثُمَّ آجَرْته مِنْ رَاهِنِهِ فَهُوَ كَعَبْدٍ لَك آجَرْته مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ

قَالَ: وَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ مَقْبُوضًا إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ أَحَدٌ غَيْرُ الرَّاهِنِ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ وَكِيلُهُ فِي قَبْضِهِ فَإِنْ ارْتَهَنَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا وَوَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَبَضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ فِي قَبْضٍ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَوَكَّلَهُ بِأَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَفَعَلَ فَهَلَكَ لَمْ يَكُنْ بَرِيئًا مِنْ الْحَقِّ كَمَا يَبْرَأُ مِنْهُ لَوْ قَبَضَهُ وَكِيلٌ غَيْرُهُ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالٍ إلَّا الْحَالَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا وَلِيًّا لِمَنْ قَبَضَ لَهُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ فَيَشْتَرِي لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقْبِضُ لَهُ أَوْ يَهَبُ لَهُ شَيْئًا وَيَقْبِضُهُ فَيَكُونُ قَبْضُهُ مِنْ نَفْسِهِ قَبْضًا لِابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ ابْنِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا رَهَنَ ابْنَهُ رَهْنًا فَقَبَضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ ابْنُهُ بَالِغًا غَيْرَ مَحْجُورٍ لَمْ يَجُزْ مِنْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ ابْنُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلٍ لِابْنِهِ غَيْرِ أَبِيهِ.
وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَدِيعَةً أَوْ دَارٌ أَوْ مَتَاعٌ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُ بِقَبْضِهِ فَجَاءَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَقْبِضَهُ، وَهُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ قَبْضٌ فَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ قَبَضَ الرَّهْنَ فَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ ادَّعَى قَبْضَهُ فَالرَّهْنُ مَقْبُوضٌ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الشُّهُودُ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّهْنُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا إلَّا فِي خَصْلَةِ أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى أَمْرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مَقْبُوضًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ رَهَنْتُهُ الْيَوْمَ دَارِي الَّتِي بِمِصْرَ، وَهُمَا بِمَكَّةَ، وَقَبَضَهَا فَيَعْلَمُ أَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَ الْيَوْمَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقْبَضَ لَهُ بِمَكَّةَ مِنْ يَوْمِهِ هَذَا، وَمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ وَدِيعَةٍ كَانَتْ كَهِيَ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ لَا يَكُونُ قَبْضًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهَا مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِهِ بِالرَّهْنِ دُونَ الْكِرَاءِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الرَّهْنِ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَكَيْنُونَتُهَا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ الرَّهْنِ غَيْرُ كَيْنُونَتِهَا فِي يَدِهِ بِالرَّهْنِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ وَقْتًا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ رَهَنَهُ دَارِهِ بِمَكَّةَ، وَقَبَضَهَا ثُمَّ قَالَ الرَّاهِنُ إنَّمَا رَهَنْتُهُ الْيَوْمَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ رهنتنيها فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا قَابِضٌ بِأَمْرِهِ وَعَلِمَ الْقَبْضَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَبَدًا حَتَّى يُصَدِّقَ الرَّاهِنُ بِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا.
وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ أُحَلِّفَ لَهُ الْمُرْتَهِنَ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْقَبْضِ، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ فَعَلْتُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا حَتَّى يَقْبِضَهُ.
وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.

[مَا يَكُونُ قَبْضًا فِي الرَّهْنِ وَلَا يَكُونُ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلُّ مَا كَانَ قَبْضًا فِي الْبُيُوعِ كَانَ قَبْضًا فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْأَرْضِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَجُوزُ رَهْنُ الشِّقْصِ مِنْ الدَّارِ وَالشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ، وَمِنْ السَّيْفِ، وَمِنْ اللُّؤْلُؤَةِ، وَمِنْ الثَّوْبِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ هَذَا كُلُّهُ وَالْقَبْضُ فِيهِ أَنْ يُسَلَّمَ إلَى مُرْتَهِنِهِ لَا حَائِلَ دُونَهُ كَمَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِي الْبَيْعِ قَبْضَ الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ مُرْتَهِنُهُ مِنْ يَدِ رَاهِنِهِ.
وَقَبْضُ مَا لَا يَحُولُ مِنْ أَرْضٍ وَدَارٍ وَغِرَاسٍ أَنْ يُسَلَّمَ لَا حَائِلَ دُونَهُ، وَقَبْضُ الشِّقْصِ مِمَّا لَا يَحُولُ كَقَبْضِ الْكُلِّ أَنْ يُسَلَّمَ لَا حَائِلَ دُونَهُ، وَقَبْضُ الشِّقْصِ مِمَّا يَحُولُ مِثْلُ السَّيْفِ وَاللُّؤْلُؤَةِ، وَمَا أَشْبَهُهُمَا أَنْ يُسَلَّمَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهَا حَقُّهُ حَتَّى يَضَعَهَا الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ أَوْ فِي يَدِ الشَّرِيكِ فِيهَا الَّذِي لَيْسَ بِرَاهِنٍ أَوْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ هَذَا فَهُوَ قَبْضٌ، وَإِنْ صَيَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لَهَا مِنْ الرَّهْنِ كَمَا وَصَفْت لَا يُخْرِجُهَا إلَّا فَسْخُ الرَّهْنِ أَوْ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ.
وَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ قَبَضَ الرَّهْنَ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ حُكِمَ لَهُ بِأَنَّ الرَّهْنَ تَامٌّ بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ وَدَعْوَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي الشِّقْصِ غَائِبًا فَأَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ قَبَضَ الرَّهْنَ وَادَّعَى ذَلِكَ

الْمُرْتَهِنُ أَجَزْتُ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَبِّضُ لَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ فَيَكُونُ قَدْ قَبَضَهُ بِقَبْضِ مَنْ أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ وَأَمَرَهُ بِقَبْضِهِ كَانَ هَذَا رَهْنًا إذَا جَاءَتْ عَلَيْهِ سَاعَةٌ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إيَّاهُ، وَهُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي يَدِهِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ غَائِبًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا حَتَّى يُحْضِرَهُ فَإِذَا أَحْضَرَهُ بَعْدَمَا أُذِنَ لَهُ بِقَبْضِهِ فَهُوَ مَقْبُوضٌ كَمَا يَبِيعُهُ إيَّاهُ، وَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَأْمُرُهُ بِقَبْضِهِ فَيَقْبِضُهُ بِأَنَّهُ فِي يَدَيْهِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ تَامًّا، وَلَوْ مَاتَ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ مَقْبُوضًا بَعْدَ حُضُورِهِ، وَهُوَ فِي يَدَيْهِ.
وَلَوْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ ثِيَابٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا لَا يَزُولُ بِنَفْسِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ بِإِجَارَةٍ فَرَهَنَهُ إيَّاهَا، وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهِيَ غَيْرُ غَائِبَةٍ عَنْ مَنْزِلِهِ كَانَ هَذَا قَبْضًا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا حَتَّى يَحْدُثَ لَهَا قَبْضًا، وَإِنْ كَانَ رَهَنَهُ إيَّاهَا فِي سُوقٍ أَوْ مَسْجِدٍ، وَهِيَ فِي مَنْزِلِهِ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا لَمْ يَكُنْ قَبْضًا حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَهِيَ فِيهِ فَيَكُونُ لَهَا حِينَئِذٍ قَابِضًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِخِلَافِهِ إلَى سَيِّدِهَا وَغَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ الْقَبْضُ إلَّا مَا حَضَرَهُ الْمُرْتَهِنُ لَا حَائِلَ دُونَهُ أَوْ حَضَرَهُ وَكِيلُهُ كَذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا أَوْ دَارًا غَائِبَةً عَنْ الْمُرْتَهِنِ، وَهِيَ وَدِيعَةٌ فِي يَدَيْهِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُحْضِرَهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ مُسَلَّمَةً لَا حَائِلَ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ غَائِبَةً عَنْهُ فَقَدْ يَحْدُثُ لَهَا مَانِعٌ مِنْهُ فَلَا تَكُونُ مَقْبُوضَةً أَبَدًا إلَّا بِأَنْ يُحْضِرَهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ لَا حَائِلَ دُونَهَا، وَلَوْ جَاءَتْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْعَثَ رَسُولًا إلَى الرَّهْنِ حَيْثُ كَانَ يَقْبِضُهُ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ قَبَضَهُ كَانَ مَقْبُوضًا؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ لَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا وَتَرَاضَى الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِعَدْلٍ يَضَعَانِهِ عَلَى يَدَيْهِ فَقَالَ الْعَدْلُ قَدْ قَبَضْته لَك ثُمَّ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ يُقْبِضْهُ لَك الْعَدْلُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ قَبَضَهُ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعَدْلَ قَدْ قَبَضَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ فِيهِ، وَلَا أَقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَا يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ بِغَرُورِهِ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ أَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ الَّذِي ارْتَهَنَهُ فَقَالَ قَبَضْته، وَلَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا، وَقَدْ أَسَاءَ فِي كَذِبِهِ.
وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا ذَكَرْت مِنْ الرَّهْنِ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِغَصْبِ الرَّاهِنِ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُهُ مِنْهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ فَقَبَضَهُ كَانَ رَهْنًا، وَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ بِالْغَصْبِ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَى الْمَغْصُوبِ فَيَبْرَأُ أَوْ يُبْرِئُهُ الْمَغْصُوبُ مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ، وَلَا يَكُونُ أَمْرُهُ لَهُ بِالْقَبْضِ لِنَفْسِهِ بَرَاءَةً مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي يَدَيْهِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَكِيلًا لِرَبِّ الْمَالِ فِي شَيْءٍ عَلَى نَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ حَقًّا فَقَبَضَهُ، وَهَلَكَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ وَتَوَاضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ كَانَ الْغَاصِبُ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا بَرِيئَيْنِ مِنْ الضَّمَانِ بِإِقْرَارِ وَكِيلِ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ بِأَمْرِ رَبِّ الْعَبْدِ، وَكَانَ كَإِقْرَارِ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ، وَكَانَ رَهْنًا مَقْبُوضًا؟ . وَلَوْ قَالَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْ قَبَضْته: لَمْ أَقْبِضْهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَا الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، وَكَانَ بَرِيئًا مِنْ الضَّمَانِ كَمَا يَبْرَأُ لَوْ قَالَ رَبُّ الْعَبْدِ: قَدْ قَبَضْته مِنْهُ، وَكَانَ مَقْبُوضًا بِإِقْرَارِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ أَنَّهُ قَبَضَهُ.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدًا وَطَعَامًا أَوْ عَبْدًا وَدَارًا أَوْ دَارَيْنِ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَقْبِضْ الْآخَرُ كَانَ الَّذِي قَبَضَ رَهْنًا بِجَمِيعِ الْحَقِّ، وَكَانَ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يُقَبِّضَهُ إيَّاهُ الرَّاهِنُ، وَلَا يَفْسُدُ الَّذِي قَبَضَ بِأَنْ لَمْ يَقْبِضْ

الَّذِي مَعَهُ فِي عُقْدَةِ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ كَالْبُيُوعِ فِي هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ الْآخَرُ أَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا، وَمَنَعَهُ الْآخَرُ كَانَ الَّذِي قَبَضَ رَهْنًا وَاَلَّذِي لَمْ يَقْبِضْ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لَهُ دَارَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ دَارًا وَعَبْدًا فَأَقْبَضَهُ أَحَدَهُمَا، وَمَنَعَهُ الْآخَرَ كَانَ لَهُ الَّذِي قَبَضَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الَّذِي مَنَعَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَلَكِنَّهُ غَابَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا لَمْ تَكُنْ الْهِبَةُ فِي الْغَائِبِ تَامَّةً حَتَّى يُسَلِّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَيَقْبِضُهُ بِأَمْرِهِ.
وَإِذَا رَهَنَهُ رَهْنًا فَأَصَابَ الرَّهْنَ عَيْبٌ إمَّا كَانَ عَبْدًا فَاعْوَرَّ أَوْ قُطِعَ أَوْ أَيُّ عَيْبٍ أَصَابَهُ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ فَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ ذَلِكَ الْعَيْبُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَارًا فَانْهَدَمَتْ أَوْ حَائِطًا فَتَقَعَّرَ نَخْلُهُ وَشَجَرُهُ وَانْهَدَمَتْ عَيْنُهُ كَانَ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الرَّاهِنِ مِنْ بَيْعِ خَشَبِ نَخْلِهِ وَبَيْعِ بِنَاءِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ ارْتَهَنَ الْأَرْضَ دُونَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْعُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي رَهْنِهِ، وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضَ الدَّارِ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الْبِنَاءَ فِي الرَّهْنِ أَوْ حَائِطًا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الْغِرَاسَ فِي الرَّهْنِ كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ رَهْنًا دُونَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا مَا سُمِّيَ دَاخِلًا فِيهِ، وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك بِنَاءَ الدَّارِ كَانَتْ الدَّارُ لَهُ رَهْنًا دُونَ أَرْضِهَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ حَتَّى يَقُولَ رَهَنْتُك أَرْضَ الدَّارِ وَبِنَاءَهَا وَجَمِيعَ عِمَارَتِهَا.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك نَخْلِي كَانَتْ النَّخْلُ رَهْنًا، وَلَمْ يَكُنْ مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا الْبِنَاءِ عَلَيْهَا رَهْنًا حَتَّى يَكْتُبَ: رَهَنْتُك حَائِطِي بِحُدُودِهِ أَرْضِهِ وَغِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ وَكُلِّ حَقٍّ لَهُ فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ رَهْنًا.
وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك بَعْضَ دَارِي أَوْ رَهَنْتُك شِقْصًا أَوْ جُزْءًا مِنْ دَارِي لَمْ يَكُنْ هَذَا رَهْنًا، وَلَوْ أَقْبَضَهُ جَمِيعَ الدَّارِ حَتَّى يُسَمِّيَ كَمْ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوْ الشِّقْصُ أَوْ الْجُزْءُ رُبْعًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا لَا يَكُونُ بَيْعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقْبَضَهُ الدَّارَ، وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُكَهَا إلَّا مَا شِئْت أَنَا وَأَنْتَ مِنْهَا أَوْ إلَّا جُزْءًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ رَهْنًا.

[مَا يَكُونُ إخْرَاجًا لِلرَّهْنِ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ وَمَا لَا يَكُونُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَجِمَاعُ مَا يُخْرِجُ الرَّهْنَ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبْرَأَ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّهْنُ بِدَفْعٍ أَوْ إبْرَاءٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لَهُ أَوْ يَسْقُطُ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَيَكُونُ الرَّهْنُ خَارِجًا مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ عَائِدًا إلَى مِلْكِ رَاهِنِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرْهَنَ أَوْ بِقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ قَدْ فَسَخْت الرَّهْنَ أَوْ أَبْطَلْته أَوْ أَبْطَلْت حَقِّي فِيهِ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا أَشْيَاءَ مِثْلَ دَقِيقٍ، وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ وَعُرُوضٍ وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَتَيْ دِينَارٍ أَوْ بَعِيرًا وَطَعَامًا فَدَفَعَ الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ جَمِيعَ مَالِهِ فِي الرُّهُونِ كُلِّهَا إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ وَيْبَةَ حِنْطَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا كَانَتْ الرُّهُونُ كُلُّهَا بِالْبَاقِي.
وَإِنْ قَلَّ لَا سَبِيلَ لِلرَّاهِنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا لِغُرَمَائِهِ، وَلَا لِوَرَثَتِهِ لَوْ مَاتَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُرْتَهِنُ كُلَّ مَالِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الرُّهُونَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُفَكُّ بَعْضُهَا قَبْلَ بَعْضٍ.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا جَارِيَةً فَقَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي عِتْقِهَا فَلَمْ يُعْتِقْهَا أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي وَطْئِهَا فَلَمْ يَطَأْهَا أَوْ وَطِئَهَا فَلَمْ تَحْمَلْ فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا لَا يُخْرِجُهَا مِنْ الرَّهْنِ إلَّا بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيمَا وَصَفْت كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ

وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَدَّهَا الْمُرْتَهِنُ إلَى الرَّاهِنِ بَعْدَ قَبْضِهِ إيَّاهَا بِالرَّهْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَالَ اسْتَمْتِعْ مِنْ وَطْئِهَا وَخِدْمَتِهَا كَانَتْ مَرْهُونَةً بِحَالِهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ حَمَلَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ الْوَطْءِ فَوَلَدَتْ أَوْ أَسْقَطَتْ سِقْطًا قَدْ بَانَ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِسَيِّدِهَا الرَّاهِنِ وَخَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِرَهْنٍ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي الْوَطْءِ.
، وَهَكَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَضْرِبَهَا فَضَرَبَهَا فَمَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِبَدَلٍ مِنْهَا يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ فِي الضَّرْبِ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَمَةً فَآجَرَهُ إيَّاهَا فَوَطِئَهَا الرَّاهِنُ أَوْ اغْتَصَبَهَا الرَّاهِنُ نَفْسَهَا فَوَطِئَهَا فَإِنْ لَمْ تَلِدْ فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَلَا عُقْرَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهَا أَمَةُ الرَّاهِنِ، وَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا فَنَقَصَهَا الْوَطْءُ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُ الرَّاهِنِ بِمَا نَقَصَهَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا أَوْ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ كَمَا تَكُونُ جِنَايَتُهُ عَلَيْهَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَأَفْضَاهَا أَوْ نَقَصَهَا نَقْصًا لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ، وَهِيَ رَهْنٌ كَمَا هِيَ.
وَإِنْ حَبِلَتْ وَوَلَدَتْ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْوَطْءِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تُبَاعُ مَا كَانَتْ حُبْلَى، فَإِذَا وَلَدَتْ بِيعَتْ، وَلَمْ يَبِعْ وَلَدَهَا، وَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ شَيْئًا فَعَلَى الرَّاهِنِ مَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ فَعَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَ بِقِيمَتِهَا صَحِيحَةً تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا أَوْ قِصَاصًا مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ إحْبَالُهُ إيَّاهَا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهَنَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَأُبْطِلَ الْعِتْقُ وَتُبَاعُ بِالْحَقِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْوَى أَلْفًا، وَإِنَّمَا هِيَ مَرْهُونَةٌ بِمِائَةٍ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْمِائَةِ وَبَقِيَ مَا بَقِيَ رَقِيقًا لِسَيِّدِهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَتُعْتَقُ بِمَوْتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ أَعْتَقَ أُمَّ الْوَلَدِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، وَلَا تُعْتَقُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ إيَّاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَلَمْ تَلِدْ، وَلَا مَالَ لَهُ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَعَتَقَ مَا بَقِيَ مَكَانَهُ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَا لَهُ عَتَقَ مَا بَقِيَ، وَلَمْ يَبِعْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ أَوْلَدَهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ لَا تُبَاعُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ، وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلَا يَسْعَى فِي شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهَا، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا رَهَنَ مِنْ الرَّقِيقِ كُلِّهِمْ ذُكُورِهِمْ، وَإِنَاثِهِمْ، وَإِذَا بِيعَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فِي الرَّهْنِ بِمَا وَصَفْت فَمَلَكَهَا السَّيِّدُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ، وَوَطْؤُهُ إيَّاهَا، وَعِتْقُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ مُخَالِفٌ لَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ وَالْعِتْقِ فَقَالَ الرَّاهِنُ: وَطِئْتُهَا أَوْ أَعْتَقْتُهَا بِإِذْنِكَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: مَا أَذِنْتُ لَكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ حَلَفَ الرَّاهِنُ لَقَدْ أَذِنَ لَهُ ثُمَّ كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الرَّاهِنُ أُحْلِفَتْ الْجَارِيَةُ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ بِعِتْقِهَا أَوْ وَطْئِهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ هِيَ، وَلَا السَّيِّدُ كَانَتْ رَهْنًا بِحَالِهَا.
وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى الرَّاهِنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عِتْقِهَا أَوْ وَطْئِهَا، وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَوْ أَعْتَقَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ أُحْلِفُوا مَا عَلِمُوا أَبَاهُمْ أَذِنَ لَهُ لَمْ يُزَادُوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ فَادَّعَى وَرَثَةُ هَذَا أُحْلِفَ لَهُمْ الْمُرْتَهِنُ مَا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ وَالْعِتْقِ كَمَا وَصَفْتُ أَوَّلًا.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مُفْلِسًا فَأَمَّا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا فَتُؤْخَذُ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْهُ فِي الْعِتْقِ وَالْإِيلَادِ ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا رَهْنًا مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِّ أَنَّ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ، وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ الْحَقِّ رُدَّ مَا فَضَلَ عَنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي وَطْءِ أَمَتِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْحَبَلُ لَيْسَ مِنْك هُوَ مِنْ زَوْجٍ زَوَّجْتُهَا إيَّاهُ أَوْ مِنْ عَبْدٍ فَادَّعَاهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ ابْنُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَاحِقٌ بِهِ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ إحْلَافِهِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ دَعْوَتِهِ الْوَلَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ أَلْحَقْتُ الْوَلَدَ بِهِ وَجَعَلْتُ الْجَارِيَةَ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا مَعْنَى لِيَمِينِهِ إذَا حَكَمْتُ بِإِخْرَاجِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الرَّهْنِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَذِنْتَ لِي فِي وَطْئِهَا فَوَلَدَتْ لِي، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: مَا أَذِنْتُ لَكَ، كَانَ

الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا وَالْجَارِيَةُ حُبْلَى لَمْ تُبَعْ حَتَّى تَلِدَ ثُمَّ تُبَاعُ، وَلَا يُبَاعُ، وَلَدُهَا، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ مُنْذُ مُدَّةٍ ذَكَرُوهَا فِي وَطْءِ أَمَتِهِ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّيِّدِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّيِّدِ بِحَالٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ مِنْ غَيْرِهِ بِيعَتْ الْأَمَةُ، وَلَا يُبَاعُ الْوَلَدُ بِحَالٍ، وَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ رَهْنًا مَعَ الْأَمَةِ، وَإِذَا رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا أَمَةً ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ زَوَّجَهَا بَعْدَ الرَّهْنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يُمْنَعْ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا وَالْبِنَاءِ بِهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ حَبِلَتْ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا تُبَاعُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ثُمَّ تَكُونَ الْجَارِيَةُ رَهْنًا وَالْوَلَدُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: إنَّمَا يَمْنَعُنِي مِنْ بَيْعِهَا حُبْلَى وَوَلَدُهَا مَمْلُوكٌ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْأُمُّ إذَا بِيعَتْ فِي الرَّهْنِ، فَإِنْ سَأَلَ الرَّاهِنُ أَنْ تُبَاعَ وَيُسَلَّمَ الثَّمَنُ كُلُّهُ لِلْمُرْتَهِنِ فَذَلِكَ لَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُبَاعُ حُبْلَى، وَحُكْمُ الْوَلَدِ حُكْمُ الْأُمِّ حَتَّى يُفَارِقَهَا فَإِذَا فَارَقَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ جَارِيَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا وَيَمْنَعُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَحَلَّ الْحَقُّ مِنْ بَيْعِهَا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُزَوِّجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ، وَأَيُّهُمَا زُوِّجَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى التَّزْوِيجِ قَبْلَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَهْنًا إلَى أَجَلٍ فَاسْتَأْذَنَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ فَأَذِنَ لَهُ فِيهِ فَبَاعَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ الرَّاهِنَ بِرَهْنٍ مَكَانَهُ، وَلَهُ مَا لَمْ يَبِعْهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي إذْنِهِ لَهُ بِالْبَيْعِ فَإِنْ رَجَعَ فَبَاعَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ فِي الْإِذْنِ لَهُ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ، وَقَالَ: إنَّمَا أَذِنْتُ لَهُ فِي أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي ثَمَنَهُ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَقُلْ لَهُ أَنَفَذْت الْبَيْعَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ: أَذِنْتُ لَهُ وَشَرَطْتُ أَنْ يُعْطِيَنِي ثَمَنَهُ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: أَذِنَ لِي، وَلَمْ يَشْتَرِطْ حَتَّى يَجْعَلَهَا رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ بِبَيْعِهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ إلَّا عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ حَقَّهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ.
وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ فَبَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ فَسَخْتُ الْبَيْعَ مِنْ قِبَلِ فَسَادِ الشَّرْطِ فِي دَفْعِهِ حَقَّهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ بِأَخْذِ الرَّهْنِ فَإِنْ فَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي بِمَوْتٍ فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ كَانَ مَرْدُودًا وَتُوضَعُ قِيمَتُهُ رَهْنًا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي إلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَعْجِيلِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ تَطَوُّعًا مُسْتَأْنَفًا لَا عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ رَهْنًا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، وَكَانَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا الَّتِي أَذِنَ لَهُ فِيهَا أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُقْبِضَهُ ثَمَنَهُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ فَكَانَ فِيهِ غَيْرُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ ثَمَنَهُ وَثَمَنُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِحَقٍّ حَالٍّ فَأَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَ الرَّهْنِ، وَلَا يَحْبِسَ عَنْهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ فِي مَالِهِ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا أَجَزْنَاهُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعِهِ، وَإِيفَائِهِ حَقَّهُ قَبْلَ شَرْطِ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ فَيُعْطِيهِ الْحَقَّ، وَلَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَحِلَّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي إذْنِهِ لَهُ مَا لَمْ يَبِعْهُ فَإِذَا بَاعَهُ وَتَمَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ أَوْ قَبَضَهُ فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَ ثَمَنِهِ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ لِنَفْسِهِ فَبَاعَ فَكَانَ كَمَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً، وَقَبَضَهُ أَوْ كَمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي فَسْخِ الرَّهْنِ فَفَسَخَهُ، وَكَانَ ثَمَنُ الْعَبْدِ مَالًا مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ وَغَيْرُهُ مِنْ غُرَمَائِهِ أُسْوَةً.
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ قَدْ فَسَخْت فِيهِ الرَّهْنَ أَوْ أَبْطَلْته، فَإِذَا

قَالَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الرَّهْنِ، وَكَانَ فِي الرَّهْنِ كَغَرِيمٍ غَيْرِهِ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْجَارِيَةَ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنْ وَلَدَتْ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ لَمْ يُكْرِهَّا فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى جَهَالَةً لَمْ يُعْذَرْ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا أَوْ كَانَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ.
وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْجَارِيَةِ أَذِنَ لَهُ، وَكَانَ يَجْهَلُ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلَحِقَ الْوَلَدُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا، وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَفِي الْمَهْرِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا.
وَالْآخَرُ: لَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَهَا، وَمَتَى مَلَكَهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَتُبَاعُ الْجَارِيَةُ وَيُؤَدَّبُ هُوَ وَالسَّيِّدُ لِلْإِذْنِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : إنْ مَلَكَهَا يَوْمًا مَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا، وَهُوَ يَمْلِكُهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ الرَّاهِنَ الْمَالِكَ، وَهَبَهَا لَهُ قَبْلَ الْوَطْءِ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا أَوْ أَعْمَرَهُ إيَّاهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ اقْتَصَّهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَخَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ إذَا صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ كَانَ الرَّاهِنُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ فَالْجَارِيَةُ وَوَلَدُهَا رَقِيقٌ إذَا عُرِفَ مِلْكُهَا لِلرَّاهِنِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ لَهُ وَرَثَةُ الرَّاهِنِ عَلَى عِلْمِهِمْ فِيمَا ادَّعَى مِنْ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَيْهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَلَهُ فِي وَلَدِهِ قَوْلٌ آخَرُ إنَّهُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَيَغْرَمُ صَدَاقَ مِثْلِهَا.

[جَوَازُ شَرْطِ الرَّهْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَذِنَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فِي الرَّهْنِ مَعَ الدَّيْنِ، وَكَانَ الدَّيْنُ يَكُونُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْحُقُوقِ، وَكَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا مَعَ كُلِّ الْحُقُوقِ شُرِطَ فِي عُقْدَةِ الْحُقُوقِ أَوْ اُرْتُهِنَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُقُوقِ، وَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الرَّهْنَ زِيَادَةُ وَثِيقَةٍ مِنْ الْحَقِّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَعَ الْحَقِّ مَأْذُونٌ فِيهَا حَلَالٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا جُزْءٍ مِنْ عَدَدِهِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ رَجُلًا شَيْئًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ يَعْرِفُهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَلَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ تَامًّا حَتَّى يُقْبِضَهُ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ أَوْ مَنْ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ مَعًا، وَمَتَى مَا أَقَبَضَاهُ إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَا إلَى الْحَاكِمِ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَهُ؛ لِيَقْبِضَهُ فَتَرَكَهُ الْبَائِعُ كَانَ الْبَيْعُ تَامًّا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ارْتَفَعَا إلَى الْحَاكِمِ وَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ أَنْ يُقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ هِبَةً فَلَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ لَهُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا فَلَمْ يَدْفَعْ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إلَى الْبَائِعِ الْمُشْتَرِطِ لَهُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي إتْمَامِ الْبَيْعِ بِلَا رَهْنٍ أَوْ رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي دُونَ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رُهُونًا فَأَقْبَضَهُ بَعْضَهَا، وَمَنَعَهُ بَعْضَهَا، وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَحْمِلْ لَهُ بِهَا الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَطَ حِمَالَتَهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي إتْمَامِ الْبَيْعِ بِلَا حَمِيلٍ أَوْ فَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّتِهِ دُونَ الْحَمِيلِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَمَنَعَهُ الرَّهْنُ أَوْ الْحَمِيلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ هُوَ نَقْصٌ يَكُونُ لَهُ بِهِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَزِيَادَةَ رَهْنِ أَوْ ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا فَسَادٌ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْتَقَصْ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ إنَّمَا انْتَقَصَ شَيْءٌ غَيْرُ الثَّمَنِ وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ لَا مِلْكٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا فَاسِدًا فَيَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ.
وَهَكَذَا هَذَا فِي كُلِّ حَقٍّ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ فَشَرَطَ لَهُ فِيهِ رَهْنًا أَوْ حَمِيلًا فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بِعِوَضٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ

الْعِوَضِ كَمَا كَانَ لَهُ فِي الْبَيْعِ.، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي أَنْ أَسْلَفَهُ سَلَفًا بِلَا بَيْعٍ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ بِلَا رَهْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ شَيْئًا فَلَمْ يُقَبِّضْهُ إيَّاهُ فَالْحَقُّ بِحَالِهِ، وَلَهُ فِي السَّلَفِ أَخْذُهُ مَتَى شَاءَ بِهِ، وَفِي حَقِّهِ غَيْرُ السَّلَفِ أَخْذُهُ مَتَى شَاءَ إنْ كَانَ حَالًّا.
وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا يُرْضِيهِ حَمِيلًا ثِقَةً أَوْ يُعْطِيهِ رِضَاهُ مِنْ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ أَوْ مَا شَاءَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ أَوْ مَا شَاءَ أَحَدُهُمَا مِنْ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ أَحَدِهِمَا بِمَا تَشَارَطَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَهُ بِحَمِيلٍ أَوْ رَهْنٍ فَقَالَ لَا أَرْضَاهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِأَنَّهُ رَضِيَ رَهْنًا بِعَيْنِهِ أَوْ حَمِيلًا بِعَيْنِهِ فَأَعْطَاهُ، وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عَبْدًا لَهُ يَعْرِفَانِهِ رَهْنًا لَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْهُ شَيْئًا مِنْ شَرْطِهِ الَّذِي عَرَفَا مَعًا.
وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ بَيْعًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ مَا أَفَادَ فِي يَوْمِهِ أَوْ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْبَتِهِ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا بِمِثْلِ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا أَوْ أَكْثَرَ.
وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّهْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ رَهْنًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَرَثَتِهِ دَفْعُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ تَطَوَّعُوا، وَلَا وَارِثَ مَعَهُمْ، وَلَا صَاحِبَ وَصِيَّةٍ فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ فَهُوَ رَهْنٌ، وَلَهُ بَيْعُهُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ قَدْ حَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ أَوْ إتْمَامِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِطُ الرَّهْنَ هُوَ الْمَيِّتَ كَانَ دَيْنُهُ إلَى أَجَلِهِ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا إنْ كَانَ حَالًّا، وَقَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فَإِنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِمْ الرَّهْنَ فَالْبَيْعُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ فَلَهُمْ الْخِيَارُ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ كَمَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِيهِ أَوْ إتْمَامُهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فَائِتًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا كَانَ الرَّهْنُ فَائِتًا أَوْ السِّلْعَةُ الْمُشْتَرَاةُ فَائِتَةً جَعَلْتُ لَهُ الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ يُتِمَّهُ فَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ أَوْ يَنْقُضَهُ فَيَأْخُذُ قِيمَتَهُ كَمَا أَجْعَلُهُ لَهُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا فَمَاتَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْته بِأَلْفٍ وَجَعَلْتُ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي، وَلَا أُحَلِّفُهُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بَرَاءَةً مِنْ شَيْءٍ كَمَا ادَّعَى هُنَاكَ الْمُشْتَرِي بَرَاءَةً مِمَّا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا بَيْعًا بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ إلَى أَجَلٍ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَهْنٌ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا شَرَطَ الرَّهْنَ عِنْدَ عَقْدِهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثُمَّ تَطَوَّعَ لَهُ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَرَادَ الرَّاهِنُ إخْرَاجَ الرَّهْنِ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُرْتَهِنُ كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِشَرْطٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ رَهَنَهُ بِشَرْطٍ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ ثُمَّ زَادَهُ رَهْنًا آخَرَ مَعَهُ أَوْ رُهُونًا فَأَقْبَضَهُ إيَّاهَا ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهَا أَوْ إخْرَاجَ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ الرُّهُونُ تَسْوَى أَضْعَافَ مَا هِيَ مَرْهُونَةٌ بِهِ، وَلَوْ زَادَهُ رُهُونًا أَوْ رَهَنَهُ رُهُونًا مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَقْبَضَهُ بَعْضَهَا، وَلَمْ يُقْبِضْهُ بَعْضَهَا كَانَ مَا أَقْبَضَهُ رَهْنًا، وَمَا لَمْ يُقْبِضْهُ غَيْرُ رَهْنٍ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ مَا أَقْبَضَهُ بِمَا لَمْ يُقْبِضْهُ.
وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ نَفْسُهُ رَهْنًا لِلْبَائِعِ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ السِّلْعَةَ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ مُحْتَبَسَةً عَنْ الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ هَذَا كَالسِّلْعَةِ لِنَفْسِهِ بِرَهْنِهِ إيَّاهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ جَازَ، وَهُوَ لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ وَسَوَاءٌ تَشَارَطَا وَضْعَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ الْبَائِعِ أَوْ عَدْلٍ غَيْرِهِ، وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ فَلِوَرَثَتِهِ فِيهِ مَا كَانَ لَهُ، وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ لَا يُنْتَقَضُ بِمَوْتِهِ، وَلَا مَوْتِهِمَا، وَلَا بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ وَلِوَرَثَةِ الرَّاهِنِ إذَا مَاتَ فِيهِ مَا لِلرَّاهِنِ مِنْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ الرَّهْنِ أَوْ يُبَاعُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ دَيْنَ أَبِيهِمْ قَدْ حَلَّ، وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْمُرْتَهِنَ بِبَيْعِهِ وَيَمْنَعُوهُ مِنْ حَبْسِهِ عَنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِي حَبْسِهِ وَيَتْلَفُ فَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ أَبِيهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ الْفَضْلُ عَمَّا رَهَنَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ.
وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ غَائِبًا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَنْ يَبِيعُ الرَّهْنَ وَيَجْعَلُ حَقَّهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ بِلَا رَهْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ رَهْنًا فَالرَّهْنُ جَائِزٌ

كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَرْهَنُك عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي فِي الْأَجَلِ فَفَعَلَ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْحَقُّ الْحَالُّ كَمَا كَانَ وَالْمُؤَجَّلُ إلَى أَجَلِهِ الْأَوَّلِ بِحَالِهِ وَالْأَجَلُ الْآخَرُ بَاطِلٌ وَغُرَمَاءُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ الْفَاسِدِ أُسْوَةُ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ تَأْخِيرَ الْأَجَلِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا أَوْ يُسَلِّفَهُ إيَّاهُ أَوْ يَعْمَلَهُ لَهُ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ، وَلَمْ يَرْهَنْهُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ قِبَلَهُ حَتَّى يَتَطَوَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ بِلَا زِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: بِعْنِي عَبْدَك بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَرْهَنَك بِالْمِائَةِ وَحَقِّك الَّذِي قِبَلَهَا رَهْنًا كَانَ الرَّهْنُ وَالْبَيْعُ مَفْسُوخًا كُلُّهُ، وَلَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْمَوْضُوعَ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ قَبَضَهُ جَعَلْته رَهْنًا، وَلَمْ أَقْبَلْ قَوْلَ الْعَدْلِ: لَمْ أَقْبِضْهُ إذَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ قَبَضَهُ الْعَدْلُ.

[اخْتِلَافُ الْمَرْهُونِ وَالْحَقِّ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الرَّهْنُ]

ُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْعَرَضُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ رَهَنِّيهِ فُلَانٌ عَلَى كَذَا، وَقَالَ فُلَانٌ مَا رَهَنْتُكَهُ، وَلَكِنِّي أَوْدَعْتُك إيَّاهُ أَوْ وَكَّلْتُك بِهِ أَوْ غَصَبْتَنِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ وَالْعَرَضِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ يُقِرُّ لَهُ بِمِلْكِهِ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَلَا يَكُونُ فِيهِ بِدَعْوَاهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ رَهَنْتَنِيهِ بِأَلْفٍ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ، وَلَمْ أَرْهَنْك بِهِ مَا زَعَمْت كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ بِلَا رَهْنٍ كَمَا أَقَرَّ، وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ دَارَانِ فَقَالَ: رَهَنَنِيهِمَا فُلَانٌ بِأَلْفٍ، وَقَالَ فُلَانٌ: رَهَنْتُك إحْدَاهُمَا وَسَمَّاهَا بِعَيْنِهَا بِأَلْفٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الدَّارِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَهْنٍ غَيْرِ رَهْنٍ.
، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ رَهَنْتُك إحْدَاهُمَا بِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا بِمِائَةٍ، وَلَوْ قَالَ الَّذِي هُمَا فِي يَدَيْهِ: رَهَنْتَنِيهِمَا بِأَلْفٍ، وَقَالَ رَبُّ الدَّارَيْنِ: بَلْ رَهَنْتُك إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا بِأَلْفٍ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا رَهْنًا، وَكَانَتْ عَلَيْهِ أَلْفٌ بِإِقْرَارِهِ بِلَا رَهْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: أَرْهَنُك إحْدَى دَارَيَّ هَاتَيْنِ، وَلَا يُسَمِّيهَا، وَلَا أَحَدَ عَبْدَيَّ هَذَيْنِ، وَلَا أَحَدَ ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ حَتَّى يَكُونَ مُسَمًّى بِعَيْنِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ رَهَنِّيهَا فُلَانٌ بِأَلْفٍ وَدَفَعَهَا إلَيَّ، وَقَالَ فُلَانٌ رَهَنْتُهُ إيَّاهَا بِأَلْفٍ، وَلَمْ أَدْفَعْهَا إلَيْهِ فَعَدَا عَلَيْهَا فَغَصَبَهَا أَوْ تَكَارَاهَا مِنِّي رَجُلٌ فَأَنْزَلَهُ فِيهَا أَوْ تَكَارَاهَا مِنِّي هُوَ فَنَزَلَهَا، وَلَمْ أَدْفَعْهَا إلَيْهِ قَبْضًا بِالرَّهْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ، وَلَا تَكُونُ رَهْنًا إذَا كَانَ يَقُولُ لَيْسَتْ بِرَهْنٍ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَهُوَ إذَا أَقَرَّ بِالرَّهْنِ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ: رَهَنِّيهَا فُلَانٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَأَقْبَضَنِيهَا.
وَقَالَ فُلَانٌ: رَهَنْتُهُ إيَّاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفِ فَلْسٍ وَأَقْبَضْته إيَّاهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الدَّارِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ عَبْدٌ فَقَالَ: رَهَنِّيهِ فُلَانٌ بِمِائَةٍ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ.
وَقَالَ رَبُّ الْعَبْدِ: مَا رَهَنْتُهُ إيَّاهُ بِشَيْءٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَبْدِ، وَلَا قَوْلَ لِلْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَالَ مَا رَهَنْتُكَهُ بِمِائَةٍ، وَلَكِنِّي بِعْتُكَهُ بِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ رَهْنًا، وَلَا بَيْعًا إذَا اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ: رَهَنْتُمَانِيهِ بِمِائَةٍ، وَقَبَضْتُهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: مَا رَهَنْتُكَهُ بِشَيْءٍ كَانَ نِصْفُهُ رَهْنًا بِخَمْسِينَ وَنِصْفُهُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ شَهِدَ شَرِيكُ صَاحِبِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ عَدْلًا عَلَيْهِ أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ مَعَهُ، وَكَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُ رَهْنًا بِخَمْسِينَ، وَلَا شَيْءَ فِي شَهَادَةِ صَاحِبِ الرَّهْنِ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُ فَأَرُدُّ بِهَا

شَهَادَتَهُ، وَلَا أَرُدُّ شَهَادَتَهُ لِرَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَوْ شَهِدَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَكَانَ فِي يَدَيْ اثْنَيْنِ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا ارْتَهَنَاهُ مَعًا بِمِائَةٍ فَأَقَرَّ الرَّجُلَانِ لِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ رُهِنَ لَهُ وَحْدَهُ بِخَمْسِينَ وَأَنْكَرَا دَعْوَى الْآخَرِ لَزِمَهُمَا مَا أَقَرَّا بِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُمَا مَا أَنْكَرَا مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ، وَلَوْ أَقَرَّا لَهُمَا مَعًا بِأَنَّهُ لَهُمَا رُهِنَ، وَقَالَا: هُوَ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ وَادَّعَيَا مِائَةً لَمْ يَلْزَمْهُمَا إلَّا مَا أَقَرَّا بِهِ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ لِأَحَدِ الْمُرْتَهِنَيْنِ رَهَنَّاكَهُ أَنْتَ بِخَمْسِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ لِلْآخَرِ الْمُرْتَهِنِ رَهَنَّاكَهُ أَنْتَ بِخَمْسِينَ كَانَ نِصْفُ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ رُبُعُ الْعَبْدِ رَهْنًا لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ تُجِيزُ إقْرَارَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا تُجِيزُ إقْرَارَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَشَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَنَفْسِهِ أَجَزْتُ شَهَادَتَهُمَا وَجَعَلْتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا بِإِقْرَارِهِ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أُخْرَى بِشَهَادَةِ صَاحِبِهِ إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ.
وَإِذَا كَانَتْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ: رَهَنِّيهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهَا بِدِينَارٍ وَاحِدٍ أَوْ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُقِرٌّ لَهُ بِمِلْكِ الْأَلْفِ دِينَارٍ، وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ حَقًّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ إذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الرَّهْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِرَهْنٍ بِشَيْءٍ كَانَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهُ رَهَنَ بِشَيْءٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِي عَبْدَك سَالِمًا بِمِائَةٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ بَلْ رَهَنْتُك عَبْدِي مُوَفَّقًا بِعَشَرَةٍ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وَلَمْ يَكُنْ سَالِمٌ رَهْنًا بِشَيْءٍ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ إنْ صَدَّقَهُ بِأَنَّ مُوَفَّقًا رُهِنَ بِهَا فَهُوَ رَهْنٌ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَقَالَ: بَلْ سَالِمٌ رُهِنَ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُوَفَّقٌ، وَلَا سَالِمٌ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ يُبْرِئُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَفَّقٌ رَهْنًا.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك دَارِي بِأَلْفٍ، وَقَالَ: الَّذِي يُخَالِفُهُ بَلْ اشْتَرَيْتهَا مِنْك بِأَلْفٍ وَتَصَادَقَا عَلَى قَبْضِ الْأَلْفِ تَحَالُفًا، وَكَانَتْ الْأَلْفُ عَلَى الَّذِي أَخَذَهَا بِلَا رَهْنٍ، وَلَا بَيْعٍ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَوْ رَهَنْتُك دَارِي بِأَلْفٍ أَخَذْتهَا مِنْك.
وَقَالَ: الْمُقَرُّ لَهُ بِالرَّهْنِ بَلْ اشْتَرَيْت مِنْك عَبْدَك بِهَذِهِ الْأَلْفِ تَحَالَفَا، وَلَمْ تَكُنْ الدَّارُ رَهْنًا، وَلَا الْعَبْدُ بَيْعًا، وَكَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفٌ بِلَا رَهْنٍ، وَلَا بَيْعٍ، وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك دَارِي بِأَلْفٍ، وَقَبَضْت الدَّارَ، وَلَمْ أَقْبِضْ الْأَلْفَ مِنْك، وَقَالَ: الْمُقَرُّ لَهُ بِالرَّهْنِ، وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ قَبَضْت الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا فَتَلْزَمُهُ وَيَحْلِفُ مَا أَخَذَ الْأَلْفَ ثُمَّ تَكُونُ الدَّارُ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَا يَكُونُ بِهِ رَهْنًا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَرَهَنَهُ بِهَا دَارًا فَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ بَلْ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالَّةً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: رَهَنْتُكَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَكُلُّ مَا لَمْ أَثْبَتَهُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَوْلِهِ جَعَلْتُ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَمْ أَرْهَنْكَهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَانِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ فَقَضَاهُ أَلْفًا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْقَاضِي قَضَيْتُك الْأَلْفَ الَّتِي بِالرَّهْنِ، وَقَالَ: الْمُقْتَضِي بَلْ الْأَلْفُ الَّتِي بِلَا رَهْنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ الْقَاضِي.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَهُ بِأَلْفٍ فَقَالَ هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي رَهَنْتُك بِهَا فَقَبَضَهَا كَانَ عَلَيْهِ اسْتِلَامُ رَهْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ عَنْهُ بِأَنْ يَقُولَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ أُخْرَى، وَلَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ بَعْدَ قَبْضِهِ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِالْحَبْسِ.
وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ إلَّا قَوْلَ دَافِعِ الْمَالِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[جِمَاعُ مَا يَجُوزُ رَهْنُهُ]

(قَالَ: الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلُّ مَنْ جَازَ بَيْعُهُ مِنْ بَالِغٍ حُرٍّ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ جَازَ رَهْنُهُ، وَمَنْ جَازَ لَهُ

أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ مِنْ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ عَلَى النَّظَرِ وَغَيْرِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَالِهِ، وَهِبَتُهُ بِكُلِّ حَالٍّ فَإِذَا جَازَتْ هِبَتُهُ فِي مَالِهِ كَانَ لَهُ رَهْنُهُ بِلَا نَظَرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ الْأَبُ لِابْنِهِ، وَلَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ لَهُ إلَّا بِمَا فِيهِ فَضْلٌ لَهُمَا فَأَمَّا أَنْ يُسَلِّفَ مَالَهُمَا بِرَهْنٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَسْلَفَ مِنْ مَالِهِ وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَنْ يَرْتَهِنَا إذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا لِمَالِهِمَا وَازْدِيَادًا فِيهِ فَأَمَّا أَنْ يُسَلِّفَا وَيَرْتَهِنَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمَا، وَلَكِنْ يَبِيعَانِ فَيَفْضُلَانِ وَيَرْتَهِنَانِ، وَمَنْ قُلْتُ لَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ إلَّا فِيمَا يَفْضُلُ لِنَفْسِهِ أَوْ يَتِيمِهِ أَوْ ابْنِهِ مِنْ أَبِ وَلَدٍ وَوَلِيِّ يَتِيمٍ، وَمُكَاتَبٍ وَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ وَالدَّيْنَ لَازِمٌ فَالرَّهْنُ بِكُلِّ حَالٍ نَقْصٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنُوا إلَّا حَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يُودِعُوا أَمْوَالَهُمْ مِنْ الضَّرُورَةِ بِالْخَوْفِ إلَى تَحْوِيلِ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا نُجِيزُ رَهْنَ مَنْ سَمَّيْتُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ إلَّا فِي قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ كُلُّهُ فَأَمَّا مَا لَا يَضْمَنُ مِنْهُ فَرَهْنُهُ غَيْرُ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ، وَلَا يَبْرَأُ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ مِنْ جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَلَا يَجُوزُ سَوَاءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَالْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا أَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ مُصْحَفًا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَفْسَخْهُ وَوَضَعْنَاهُ لَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ مُسْلِمٍ وَجَبَرْتُ عَلَى ذَلِكَ الْكَافِرَ إنْ امْتَنَعَ.
وَأَكْرَهُ أَنْ يَرْهَنَ مِنْ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا لِئَلَّا يُذَلَّ الْمُسْلِمُ بِكَيْنُونَتِهِ عِنْدَهُ بِسَبَبٍ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْكَافِرُ وَلِئَلَّا يُطْعِمَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ خِنْزِيرًا أَوْ يَسْقِيَهُ خَمْرًا فَإِنْ فَعَلَ فَرَهَنَهُ مِنْهُ لَمْ أَفْسَخْ الرَّهْنَ قَالَ: وَأَكْرَهُ رَهْنَ الْأَمَةِ الْبَالِغَةِ أَوْ الْمُقَارِبَةِ الْبُلُوغَ الَّتِي يُشْتَهَى مِثْلُهَا مِنْ مُسْلِمٍ إلَّا عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُرْتَهِنُ وَيُقِرَّهَا فِي يَدَيْ مَالِكِهَا أَوْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ لِلْجَارِيَةِ فَإِنْ رَهَنَهَا مَالِكُهَا مِنْ رَجُلٍ، وَأَقْبَضَهَا إيَّاهُ لَمْ أَفْسَخْ الرَّهْنَ، وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهَا مِنْ كَافِرٍ غَيْرَ أَنِّي أُجْبِرُ الْكَافِرَ عَلَى أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ مُسْلِمٍ وَتَكُونُ امْرَأَةً أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَةً وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ عَدْلٍ مَعَهُ امْرَأَةُ عَدْلٍ، وَإِنْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يَضَعَا الْجَارِيَةَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ غَيْرِ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا جَبَرْتُهُمَا أَنْ يَرْضَيَا بِعَدْلٍ تُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا اخْتَرْتُ لَهُمَا عَدْلًا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدَيْ مَالِكِهَا أَوْ الْمُرْتَهِنِ فَأَمَّا مَا سِوَى بَنِي آدَمَ فَلَا أَكْرَهُ رَهْنَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَلَا كَافِرٍ حَيَوَانٍ، وَلَا غَيْرِهِ.
وَقَدْ «رَهَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ» ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا جَازَ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ جَازَ رَهْنُهَا وَبَيْعُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَهِبَتُهَا لَهُ وَلَهَا مِنْ مَالِهَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً مَا لِزَوْجِهَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ مَحْجُورَيْنِ لَمْ يَجُزْ رَهْنُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِذَا رُهِنَ مَنْ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ فَرَهْنُهُ مَفْسُوخٌ، وَمَا عَلَيْهِ، وَمَا رُهِنَ كَمَا لَمْ يُرْهَنْ مَنْ مَالُهُ لَا سَبِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا رَهَنَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ هُوَ، وَلَا وَلِيُّهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يَرْفَعْ إلَى الْحَاكِمِ فَيَفْسَخُهُ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْحَجْرَ فَرَضِيَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالرَّهْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَبْتَدِئَ رَهْنًا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ وَيَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا فَعَلَ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ وَصَاحِبُ الرَّهْنِ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَيَجُوزُ رَهْنُ الرَّجُلِ الْكَثِيرِ الدَّيْنَ حَتَّى يَقِفَ السُّلْطَانُ مَالَهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقِفَ السُّلْطَانُ مَالَهُ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الرَّجُلَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ فَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَعَلَى الرَّاهِنِ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ إنْ وُجِدَ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ، وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ إذَا انْفَسَخَ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا بِكُلِّ حَالٍ وَهَكَذَا إنْ أَكْرَاهُ دَارًا أَوْ أَرْضًا أَوْ دَابَّةً وَرَهَنَ الْمُكْتَرِي الْمُكْرَى الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَهْنًا فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْكِرَاءُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ سَكَنَ أَوْ رَكِبَ أَوْ عَمِلَ لَهُ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكِرَاءُ مِثْلِ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَفَهُ الْمَحْجُورُ مَالًا وَرَهَنَهُ غَيْرُ الْمَحْجُورِ رَهْنًا كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ السَّلَفَ

بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ رَدُّ السَّلَفِ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إنْفَاقُ شَيْءٍ مِنْهُ فَإِنْ أَنْفَقَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَأَيُّ رَهْنٍ فَسَخْته مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ فِي الرَّهْنِ أَوْ فَسَادِ الرَّهْنِ أَوْ فَسَادِ الْبَيْعِ الَّذِي، وَقَعَ بِهِ الرَّهْنُ لَمْ أُكَلِّفْ الرَّاهِنَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ غَيْرِهِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ صَحِيحًا وَاسْتَحَقَّ الرَّهْنُ لَمْ أُكَلِّفْ الرَّاهِنَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ غَيْرِهِ قَالَ: وَإِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ غَيْرُ الْمَحْجُورَيْنِ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ وَرَهَنَ أَحَدُهُمَا بِهِ صَاحِبَهُ رَهْنًا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَجِمَاعُ عِلْمِ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ كُلَّ حَقٍّ كَانَ صَحِيحَ الْأَصْلِ فَيَجُوزُ بِهِ الرَّهْنُ وَكُلَّ بَيْعٍ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فَيَفْسُدُ فِيهِ الرَّهْنُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي، وَلَا الْمُكْتَرِي مَا بِيعَ أَوْ أَكْرَى لَمْ يَمْلِكْ الْمُرْتَهِنُ الْحَقَّ فِي الرَّهْنِ إنَّمَا يَثْبُتُ الرَّهْنُ لِلرَّاهِنِ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ عَلَيْهِ مَا أَعْطَاهُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ مَا أَعْطَاهُ بِهِ بَطَلَ الرَّهْنُ.
وَإِذَا بَادَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا بِعَبْدٍ أَوْ دَارًا بِدَارٍ أَوْ عَرَضًا مَا كَانَ بِعَرَضٍ مَا كَانَ وَزَادَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ دَنَانِيرَ آجِلَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الزَّائِدُ بِالدَّنَانِيرِ رَهْنًا مَعْلُومًا فَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ جَائِزٌ إذَا قُبِضَ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الرَّهْنَ، وَقَبَضَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ قَبَضَهُ لَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ وَأَمْرِ صَاحِبِ الرَّهْنِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ ابْنَ الرَّاهِنِ أَوْ امْرَأَتَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ابْنَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ سَمَّيْتُ أَوْ عَبْدَ الْمُرْتَهِنِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ فَأَمَّا عَبْدُ الرَّاهِنِ فَلَا يَجُوزُ قَبْضُهُ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ عَبْدِهِ عَنْهُ كَقَبْضِهِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاهِنِ كَانَ مُتَطَوِّعًا.
وَإِنْ رَهَنَهُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لِلرَّاهِنِ فَالْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ رَهْنٌ، وَإِنْ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِأَدَاءِ الْخَرَاجِ عَنْهَا لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَهُ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ يَتَكَارَى الْأَرْضَ مِنْ الرَّجُلِ قَدْ تَكَارَاهَا فَيَدْفَعُ الْمُكْتَرِي الْأَرْضَ كِرَاءَهَا عَنْ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِنْ دَفَعَهُ بِإِذْنِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَفَعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِكُلِّ حَقٍّ لَزِمَ صَدَاقٌ أَوْ غَيْرُهُ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْلِمِ كَمَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُ، وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ بِصَدَاقٍ فَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَ نِصْفُ الْحَقِّ وَالرَّهْنِ بِحَالِهِ كَمَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الَّذِي فِي الرَّهْنِ إلَّا قَلِيلًا وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ رَهْنًا بِتَمْرٍ أَوْ حِنْطَةٍ فَحَلَّ الْحَقُّ فَبَاعَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنَ بِتَمْرٍ أَوْ حِنْطَةٍ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ ثُمَّ يُشْتَرَى بِهَا قَمْحٌ أَوْ تَمْرٌ فيقضاه صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُقَارِضِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ مَضْمُونٍ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنٍ لَهُ مَعْرُوفٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ فَإِذَا بَاعَ بِالدَّيْنِ فَالرَّهْنُ ازْدِيَادٌ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ إلَّا فِي مَالِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنْ رَهَنَ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ.

[الْعَيْبُ فِي الرَّهْنِ]

(قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الرَّهْنُ رَهْنَانِ فَرَهْنٌ فِي أَصْلِ الْحَقِّ لَا يَجِبُ الْحَقُّ إلَّا بِشَرْطِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الرَّهْنَ يُسَمِّيَانِهِ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكَانَ بِالرَّهْنِ عَيْبٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ عَيْبٌ فِي فِعْلِهِ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ وَعَلِمَ الْمُرْتَهِنُ الْعَيْبَ قَبْلَ الِارْتِهَانِ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَالرَّهْنُ وَالْبَيْعُ ثَابِتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُرْتَهِنُ فَعَلِمَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ، وَإِثْبَاتِهِ، وَإِثْبَاتِ الرَّهْنِ لِلنَّقْصِ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ كَمَا يَكُونُ هَذَا فِي الْبُيُوعِ.
وَالْعَيْبُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ بِهِ الْخِيَارُ كُلُّ مَا نَقَصَ ثَمَنُهُ مِنْ شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَتَّى الْأَثَرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِعَمَلِهِ وَالْفِعْلِ فَإِذَا كَانَ قَدْ عَلِمَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ قَتَلَ أَوْ ارْتَدَّ وَعَلِمَ ذَلِكَ

الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ ارْتَهَنَهُ كَانَ الرَّهْنُ ثَابِتًا فَإِنْ قُتِلَ فِي يَدَيْهِ فَالْبَيْعُ ثَابِتٌ، وَقَدْ خَرَجَ الرَّهْنُ مِنْ يَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ فَقُطِعَ فِي يَدَيْهِ كَانَ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَعْلَمْ بِارْتِدَادِهِ، وَلَا قَتْلِهِ، وَلَا سَرِقَتِهِ فَارْتَهَنَهُ ثُمَّ قُتِلَ فِي يَدِهِ أَوْ قُطِعَ كَانَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّاهِنُ دَلَّسَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ بِعَيْبٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ سَالِمًا فَجَنَى فِي يَدَيْهِ جِنَايَةً أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ فِي يَدَيْهِ كَانَ عَلَى الرَّهْنِ بِحَالِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ دَلَّسَ لَهُ فِيهِ بِعَيْبٍ، وَقَبَضَهُ فَمَاتَ فِي يَدَيْهِ مَوْتًا قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَهُ لِمَا فَاتَ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُقْتَلُ بِحَقٍّ فِي يَدَيْهِ أَوْ يُقْطَعُ فِي يَدَيْهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عَيْبٍ فِي رَهْنٍ مَا كَانَ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْعَيْبِ فَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك الرَّهْنَ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْعَيْبِ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ مَا رَهَنْتَنِيهِ إلَّا مَعِيبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَامَهَا فَلِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ كَمَا وَصَفْتُ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْعَبْدَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ سَلَفًا فَوَجَدَ بِالرَّهْنِ عَيْبًا أَوْ لَمْ يَجِدْهُ فَسَوَاءٌ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ سَلَفِهِ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ سَمَّاهُ مُؤَجَّلًا، وَلَيْسَ السَّلَفُ كَالْبَيْعِ وَرَهْنٍ يَتَطَوَّعُ بِهِ الرَّاهِنُ وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْبَيْعَ إلَى أَجَلٍ بِغَيْرِ شَرْطِ رَهْنٍ فَإِذَا وَجَبَ بَيْنَهُمَا الْبَيْعُ وَتَفَرَّقَا ثُمَّ رَهَنَهُ الرَّجُلُ فَالرَّجُلُ مُتَطَوِّعٌ بِالرَّهْنِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ بِالرَّهْنِ عَيْبٌ مَا كَانَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ تَامًّا بِلَا رَهْنٍ، وَلَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الرَّهْنَ، وَكَذَلِكَ لَهُ إنْ شَاءَ لَوْ كَانَ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ أَنْ يَفْسَخَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَقًّا لَهُ فَتَرَكَهُ وَيَجُوزُ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ وَالْمُصِيبِ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ عَنْهُ الرِّقَّ فَإِذَا قُتِلَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ فَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ ثُمَّ رَهَنَ عَبْدًا لَهُ فَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمُرْتَدِّ أَجَازَ رَهْنَهُ، وَمَنْ رَدَّ بَيْعَهُ رَدَّ رَهْنَهُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : كَانَ الشَّافِعِيُّ يُجِيزُ رَهْنَ الْمُرْتَدِّ كَمَا يُجَوِّزُ بَيْعَهُ.

[الرَّهْنُ يَجْمَعُ الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْ ثِيَابٍ وَأَرْضٍ وَبِنَاءٍ وَغَيْرِهِ]

(قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَرْضَهُ، وَلَمْ يَقُلْ بِبِنَائِهَا فَالْأَرْضُ رَهْنٌ دُونَ الْبِنَاءِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَهَنَهُ أَرْضَهُ، وَلَمْ يَقُلْ بِشَجَرِهَا فَكَانَ فِيهَا شَجَرٌ مُبَدَّدٌ أَوْ غَيْرُ مُبَدَّدٍ فَالْأَرْضُ رَهْنٌ دُونَ الشَّجَرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ شَجَرًا وَبَيْنَ الشَّجَرِ بَيَاضٌ فَالشَّجَرُ رَهْنٌ دُونَ الْبَيَاضِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا مَا سُمِّيَ، وَإِذَا رَهَنَهُ ثَمَرًا قَدْ خَرَجَ مِنْ نَخْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهُ وَنَخْلُهُ مَعَهُ فَقَدْ رَهَنَهُ نَخْلًا وَثَمَرًا مَعَهَا فَهُمَا رَهْنٌ جَائِزٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَنْ يَبِيعَهُمَا مِنْ سَاعَتِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَتَطَوَّعُ بِبَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَوْ يَمُوتَ فَيَحِلُّ الْحَقُّ.
وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ فِي هَذَا الرَّهْنِ جَائِزًا إلَى أَجَلٍ فَبَلَغَتْ الثَّمَرَةُ وَبِيعَتْ خُيِّرَ الرَّاهِنُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ أَوْ مَرْهُونًا مَعَ النَّخْلِ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ.
وَلَوْ حَلَّ الْحَقُّ فَأَرَادَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا دُونَ النَّخْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ قَطْعَهَا وَبَيْعَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الرَّاهِنُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ رَهَنَهُ الثَّمَرَةَ دُونَ النَّخْلِ طَلْعًا أَوْ مُؤَبَّرَةً أَوْ فِي أَيِّ حَالٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا إلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا حَلَّ حَقُّهُ قَطْعَهَا أَوْ بَيْعَهَا فَيَجُوزُ الرَّهْنُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ الثَّمَرَةِ أَنَّهَا تُتْرَكُ إلَى أَنْ تَصْلُحَ.
أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» ؛ لِمَعْرِفَةِ النَّاسِ أَنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَأَنَّ حَلَالًا أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ عَلَى أَنْ تُقْطَعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَكَذَا كُلُّ ثَمَرَةٍ وَزَرْعٍ رُهِنَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ مَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ إلَّا

عَلَى أَنْ يُقْطَعَ إذَا حَلَّ الْحَقُّ فَيُبَاعُ مَقْطُوعًا بِحَالِهِ.
وَإِذَا حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرِ حَلَّ رَهْنُهُ إلَى أَجَلٍ كَانَ الْحَقُّ أَوْ حَالًّا، وَإِذَا بَلَغَ، وَلَمْ يَحِلَّ الْحَقُّ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ بَيْعُهُ إذَا كَانَ يَبِسَ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ فَإِذَا رَضِيَ قِيمَتَهُ رُهِنَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّاهِنُ فَيَجْعَلَهُ قِصَاصًا، وَلَا أَجْعَلُ دَيْنًا إلَى أَجَلٍ حَالًّا أَبَدًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ صَاحِبُ الدَّيْنِ، وَإِذَا رَهَنَهُ ثَمَرَةً فَزِيَادَتُهَا فِي عِظَمِهَا وَطِيبِهَا رَهْنٌ لَهُ، كَمَا أَنَّ زِيَادَةَ الرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ رَهْنٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ يَخْرُجُ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ، وَكَانَ يَخْرُجُ بَعْدَهُ غَيْرُهُ مِنْهُ فَلَا يَتَمَيَّزُ الْخَارِجُ عَنْ الْأَوَّلِ الْمَرْهُونِ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ فِيهِ حَتَّى يَقْطَعَ مَكَانَهُ أَوْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي مُدَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الثَّمَرَةُ الَّتِي تَخْرُجُ بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَمَا تَخْرُجُ قَبْلَ أَنْ يُشْكِلَ أَهِيَ مِنْ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا جَازَ.
وَإِنْ تَرَكَ حَتَّى تَخْرُجَ بَعْدَهُ ثَمَرَةٌ لَا يَتَمَيَّزُ حَتَّى تُعْرَفَ، فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَفْسُدُ الرَّهْنُ كَمَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّهْنَ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَفْسُدُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِ الثَّمَرَةِ الْمَرْهُونَةِ مِنْ الْمُخْتَلِطَةِ بِهَا كَمَا لَوْ رَهَنَهُ حِنْطَةً أَوْ تَمْرًا فَاخْتَلَطَتْ بِحِنْطَةٍ لِلرَّاهِنِ، أَوْ تَمْرٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ الْحِنْطَةِ الَّتِي رَهَنَ مَعَ يَمِينِهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ فِي الْبَيْعِ إنَّهُ إذَا بَاعَهُ ثَمَرًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى فِي شَجَرِهَا لَا تَتَمَيَّزُ الْحَادِثَةُ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَهَا كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الثَّمَرَةَ الْحَادِثَةَ مَعَ الْمَبِيعِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ قَدْ زَادَهُ خَيْرًا أَوْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ بَاعَ مِمَّا حَدَثَ مِنْ الثَّمَرَةِ.
وَالرَّهْنُ عِنْدِي مِثْلُهُ فَإِنْ رَضِيَ أَنْ يُسَلِّمَ مَا زَادَ مَعَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يُفْسَخْ الرَّهْنُ، وَإِذَا رَهَنَهُ زَرْعًا عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ إذَا حَلَّ الْحَقُّ بِأَيِّ حَالٍ مَا كَانَ فَيَبِيعُهُ فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ يَزِيدُ بِأَنْ يَنْبُتَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ نَابِتًا فِي يَدِهِ إذَا تَرَكَهُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الرَّهْنَ مِنْهُ الْخَارِجَ دُونَ مَا يَخْرُجُ بَعْدَهُ.
فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَرَةِ تَكُونُ طَلْعًا وَبَلَحًا صِغَارًا، ثُمَّ تَصِيرُ رُطَبًا عِظَامًا وَبَيْنَ الزَّرْعِ؟ قِيلَ: الثَّمَرَةُ وَاحِدَةٌ، إلَّا أَنَّهَا تَعْظُمُ كَمَا يَكْبُرُ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ بَعْدَ الصِّغَرِ وَيَسْمَنُ بَعْدَ الْهُزَالِ.
وَإِذَا قُطِعَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ يُسْتَخْلَفُ وَالزَّرْعُ يُقْطَعُ أَعْلَاهُ، وَيُسْتَخْلَفُ أَسْفَلُهُ وَيُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ قَصْلَةً بَعْدَ قَصْلَةٍ فَالْخَارِجُ مِنْهُ غَيْرُ الرَّهْنِ، وَالزَّائِدُ فِي الثَّمَرَةِ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ مَا يُقْصَلُ إلَّا أَنْ يُقْصَلَ مَكَانَهُ قَصْلَةً، ثُمَّ تُبَاعُ الْقَصْلَةُ الْأُخْرَى بَيْعَةً أُخْرَى، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ إلَّا كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَإِذَا رَهَنَهُ ثَمَرَةً فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا وَصَلَاحُهَا وَجِدَادُهَا وَتَشْمِيسُهَا كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْعَبْدِ.
وَإِذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَقْطَعَهَا قَبْلَ أَوَانِ قَطْعِهَا أَوْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ مُنِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ، وَإِذَا بَلَغَتْ إبَّانَهَا جُبِرَ الرَّاهِنُ عَلَى قَطْعِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صَلَاحِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبَى الْمُرْتَهِنُ جُبِرَ، فَإِذَا صَارَتْ تَمْرًا وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ أَبَى الْعَدْلُ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ أَنْ يَضَعَهَا فِي مَنْزِلِهِ إلَّا بِكِرَاءٍ قِيلَ لِلرَّاهِنِ عَلَيْك لَهَا مَنْزِلٌ تُحْرَزُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صَلَاحِهَا فَإِنْ جِئْت بِهِ، وَإِلَّا يَكْتَرِي عَلَيْك مِنْهَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ حِينَ يَرْهَنُهُ إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ مُدَّةٌ يَحِلُّ بَعْدَهَا، وَهُوَ مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ جَنِينَ الْأَمَةِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَلَى أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْهُ كَانَ رَهْنًا، وَمِثْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ مَا وَلَدَتْ أَمَتُهُ أَوْ مَاشِيَتُهُ أَوْ مَا أَخْرَجَتْ نَخْلُهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ مَكَانَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ مَا لَيْسَ مِلْكُهُ لَهُ بِتَامٍّ.
وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ ثَمَرَةً قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا لَا يَمْلِكُهَا بِشِرَاءٍ، وَلَا أُصُولِ نَخْلِهَا.
وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمٍ بِصِفَاتِهِمْ بِثَمَرَةِ نَخْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ فِي الصَّدَقَةِ مَعَهُ مَنْ يُنْقِصُ حَقَّهُ، وَلَا يَدْرِي كَمْ رَهَنَهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ جُلُودَ مَيْتَةٍ لَمْ تُدْبَغْ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهَا لَا يَحِلُّ مَا لَمْ تُدْبَغْ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ إيَّاهَا إذَا دُبِغَتْ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهَا بَعْدَ دِبَاغِهَا يَحِلُّ، وَلَا يَرْهَنُهُ إيَّاهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ ثُمَّ دَبَغَهَا الرَّاهِنُ كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ عُقْدَةَ رَهْنِهَا كَانَ وَبَيْعُهَا لَا يَحِلُّ.
وَإِذَا

وَهَبَ لِلرَّجُلِ هِبَةً أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ غَيْرِ مُحَرَّمَةٍ فَرَهَنَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا، ثُمَّ قَبَضَهَا فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهَا قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ لَهُ مِلْكُهَا فَإِذَا أَحْدَثَ فِيهَا رَهْنًا بَعْدَ الْقَبْضِ جَازَتْ، قَالَ: وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَمَاتَ الْمُوصِي فَرَهَنَهُ قَبْلَ أَنْ تَدْفَعَهُ إلَيْهِ الْوَرَثَةُ فَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ مَنْعُهُ إيَّاهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَالْقَبْضُ وَغَيْرُ الْقَبْضِ فِيهِ سَوَاءٌ.
وَلِلْوَاهِبِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَنْعُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ مَا لَمْ يَقْبِضْ.
وَإِذَا وَرِثَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَرَهَنَهُ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلْعَبْدِ بِالْمِيرَاثِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ فَنَقَدَ ثَمَنَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ مُكَاتَبًا لَهُ فَعَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِفَسْخِ الرَّهْنِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنِّي إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى عَقْدِ الرَّهْنِ لَا إلَى الْحُكْمِ، وَإِنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَرَهَنَهُ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَهُوَ قَطْعٌ لِخِيَارِهِ، وَإِيجَابٌ لِلْبَيْعِ فِي الْعَبْدِ، وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَرَهَنَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ، وَقَبْلَ اخْتِيَارِ الْبَائِعِ إنْفَاذَ الْبَيْعِ ثُمَّ مَضَتْ الثَّلَاثُ أَوْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إنْفَاذَ الْبَيْعِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ، وَمِلْكُهُ عَلَى الْعَبْدِ غَيْرُ تَامٍّ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَرِثَا رَجُلًا ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ فَلَمْ يَقْتَسِمَاهُمْ حَتَّى رَهَنَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا مِنْ الْعَبِيدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ عَبْدَيْنِ، ثُمَّ قَاسَمَ شَرِيكَهُ وَاسْتَخْلَصَ مِنْهُ الْعَبْدَ الَّذِي رَهَنَ أَوْ الْعَبْدَيْنِ، كَانَتْ أَنْصَافُهُمَا مَرْهُونَةً لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ يَمْلِكُ مِنْهُمَا وَأَنْصَافُهُمَا الَّتِي مَلَكَ بَعْدَ الرَّهْنِ خَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ فِيهِمَا رَهْنًا، وَلَوْ اسْتَحَقَّ صَاحِبُ وَصِيَّةٍ مِنْهُمَا شَيْئًا خَرَجَ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهُمَا مِنْ الرَّهْنِ وَبَقِيَ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ أَنْصَافِهِمَا مَرْهُونًا (قَالَ: الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إنَّهُ إذَا رَهَنَ شَيْئًا لَهُ بَعْضُهُ وَلِغَيْرِهِ بَعْضُهُ فَالرَّهْنُ كُلُّهُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ صَفْقَةَ الرَّهْنِ جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ مَا يَمْلِكُ، وَمَا لَا يَمْلِكُ فَلَمَّا جَمَعَتْهُمَا الصَّفْقَةُ بَطَلَتْ كُلُّهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ (قَالَ) : وَهَذَا أَشْبَهُ بِجُمْلَةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ أَخٌ هُوَ وَارِثُهُ فَمَاتَ أَخُوهُ فَرَهَنَ دَارِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَاتَ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ رَهْنِ الدَّارِ كَانَ الرَّهْنُ بَاطِلًا.
وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ حَتَّى يَرْهَنَهُ، وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ وَيَعْلَمَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ وُكِّلْتُ بِشِرَاءِ هَذَا الْعَبْدِ فَقَدْ رَهَنْتُكَهُ إنْ كَانَ اُشْتُرِيَ لِي فَوَجَدَ قَدْ اُشْتُرِيَ لَهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا، قَالَ: فَإِنْ ارْتَهَنَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ بِمِيرَاثٍ أَوْ شِرَاءٍ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ أُحْلِفَ الرَّاهِنُ فَإِنْ حَلَفَ فُسِخَ الرَّهْنُ، وَإِنْ نَكَلَ فَحَلَفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى مَا ادَّعَى ثَبَتَ الرَّهْنُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى شَخْصًا لَا يَثْبُتُهُ فَقَالَ إنْ كَانَ هَذَا فُلَانًا فَقَدْ رَهَنْتُكَهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا، وَإِنْ قَبَضَهُ حَتَّى يُجَدِّدَ لَهُ مَعَ الْقَبْضِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ رَهْنًا، وَهَكَذَا إنْ رَأَى صُنْدُوقًا فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ فِيهِ ثِيَابُ كَذَا.
الثِّيَابُ يَعْرِفُهَا الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ فَهِيَ لَك رَهْنٌ فَلَا تَكُونُ رَهْنًا، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الصُّنْدُوقُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ وَدِيعَةً وَفِيهِ ثِيَابٌ فَقَالَ: قَدْ كُنْت جَعَلْتُ ثِيَابِي الَّتِي كَذَا فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ فَهِيَ رَهْنٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ ثِيَابٌ غَيْرُهَا أَوْ ثِيَابٌ مَعَهَا فَلَيْسَ بِرَهْنٍ فَكَانَتْ فِيهِ الثِّيَابُ الَّتِي قَالَ: إنَّهَا رَهْنٌ لَا غَيْرَهَا فَلَيْسَتْ بِرَهْنٍ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدْ رَهَنْتُك مَا فِي جِرَابِي وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ وَالرَّاهِنُ لَا يَعْرِفُهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا، وَهَكَذَا إنْ كَانَ الرَّاهِنُ يَعْرِفُهُ وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَعْرِفُهُ، وَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ أَبَدًا إلَّا مَا عَرَفَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَعَلِمَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ يَحِلُّ بَيْعُهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ ذِكْرَ حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُمْلَكُ إنَّمَا هُوَ شَهَادَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ وَالشَّيْءُ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ لَيْسَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ يَجُوزُ رَهْنُهَا إنَّمَا تُرْهَنُ الْأَعْيَانُ الْقَائِمَةُ ثُمَّ لَا يَجُوزُ حَتَّى تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ مَقْبُوضَةً.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَتْهُ بِضَاعَةٌ أَوْ مِيرَاثٌ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ فَقَبَضَهُ لَهُ رَجُلٌ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ رَهَنَهُ الْمَالِكُ الْقَابِضَ وَالْمَالِكُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ، وَإِنْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا رَهَنَهُ عِلْمَ الْمُرْتَهِنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ وَالشَّرْطُ فِيهِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا رَهْنًا، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْهَنَ ذَلِكَ الرَّهْنَ مِنْ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ فَضْلَ ذَلِكَ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ الْأَوَّلَ صَارَ يَمْلِكُ أَنْ يَمْنَعَ رَقَبَتَهُ حَتَّى تُبَاعَ فَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ سَأَلَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ أَنْ يَزِيدَهُ أَلْفًا وَيَجْعَلَ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ رَهْنًا بِهَا مَعَ الْأَلْفِ الْأُولَى فَفَعَلَ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ الْآخَرُ، وَكَانَ مَرْهُونًا بِالْأَلْفِ الْأُولَى وَغَيْرَ مَرْهُونٍ بِالْأَلْفِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَهْنًا بِكَمَالِهِ بِالْأَلْفِ الْأُولَى فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِالْأَلْفِ الْآخِرَةِ مِنْ مَنْعِ رَقَبَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا غُرَمَائِهِ إلَّا مَا اسْتَحَقَّ أَوَّلًا، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الرَّجُلَ يَتَكَارَى الْمَنْزِلَ سَنَةً بِعَشَرَةٍ ثُمَّ يَتَكَارَاهُ السَّنَةَ الَّتِي تَلِيهَا بِعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الْأُولَى غَيْرُ السَّنَةِ الْآخِرَةِ، وَلَوْ انْهَدَمَ بَعْدَ السَّنَةِ الْأُولَى رَجَعَ بِالْعِشْرِينِ الَّتِي هِيَ حَظُّ السَّنَةِ الْآخِرَةِ، وَهَذَا رَهْنٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ الرَّهْنَانِ فِيهِ إلَّا مَعًا لَا مُفْتَرِقَيْنِ، وَلَا أَنْ يَرْهَنَ مَرَّتَيْنِ بِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُفْسَخَ كَمَا لَا يَجُوزُ مَرَّتَيْنِ أَنْ يَتَكَارَى الرَّجُلُ دَارًا سَنَةً بِعَشَرَةٍ ثُمَّ يَتَكَارَاهَا تِلْكَ السَّنَةَ بِعَيْنِهَا بِعِشْرِينَ إلَّا أَنْ يَفْسَخَ الْكِرَاءَ الْأَوَّلَ، وَلَا يَبْتَاعَهَا بِمِائَةٍ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِمِائَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَيُجَدِّدَ بَيْعًا فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصِحَّ لَهُ الرَّهْنُ الْآخَرُ مَعَ الْأَوَّلِ فَسَخَ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ وَجَعَلَ الرَّهْنَ بِأَلْفَيْنِ.
وَلَوْ لَمْ يَفْسَخْ الرَّهْنَ وَأَشْهَدَ الْمُرْتَهِنَ أَنَّ هَذَا الرَّهْنَ بِيَدِهِ بِأَلْفَيْنِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، وَكَانَ الرَّهْنُ بِأَلْفَيْنِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ فَإِذَا تَصَادَقَا بِأَنَّ هَذَا رَهْنٌ ثَانٍ بَعْدَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يُفْسَخْ لِمَا وَصَفْتُ، وَكَانَ رَهْنًا بِالْأَلْفِ، وَكَانَتْ الْأَلْفُ الْأُخْرَى بِغَيْرِ رَهْنٍ، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَرَهَنَهُ بِهَا بَعْدُ شَيْئًا جَازَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَادَهُ أَلْفًا أُخْرَى وَرَهَنَهُ بِهِمَا رَهْنًا كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا، وَلَوْ أَعْطَاهُ أَلْفًا وَرَهَنَهُ بِهَا ثُمَّ قَالَ: لَهُ بَعْدَ الرَّهْنِ اجْعَلْ لِي الْأَلْفَ الَّتِي قَبْلَ هَذَا رَهْنًا مَعَهَا فَفَعَلَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِمَا وَصَفْتُ مِنْ فَسْخِ الرَّهْنِ وَتَجْدِيدِ رَهْنٍ بِهِمَا مَعًا.
وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِلَا رَهْنٍ ثُمَّ قَالَ: لَهُ زِدْنِي أَلْفًا عَلَى أَنْ أَرْهَنَك بِهِمَا مَعًا رَهْنًا يَعْرِفَانِهِ فَفَعَلَ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ أَسْلَفَهُ الْآخِرَةَ عَلَى زِيَادَةِ رَهْنٍ فِي الْأُولَى، وَلَوْ كَانَ قَالَ: بِعْنِي عَبْدًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ أُعْطِيَك بِهَا وَبِالْأَلْفِ الَّتِي لَك عَلَيَّ بِلَا رَهْنٍ دَارِي رَهْنًا فَفَعَلَ كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا، وَإِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ هَذَا الشَّرْطَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي سَلَفٍ أَوْ حِصَّةٌ مِنْ بَيْعٍ مَجْهُولَةٌ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ارْتَهَنَ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا بِأَلْفٍ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ زَادَهُ رَهْنًا آخَرَ مَعَ رَهْنِهِ بِتِلْكَ الْأَلْفِ كَانَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ بِكَمَالِهِ بِالْأَلْفِ وَالرَّهْنَ الْآخَرَ زِيَادَةٌ مَعَهُ، لَمْ تَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ حَتَّى جَعَلَهَا لَهُ الرَّاهِنُ فَكَانَ جَائِزًا كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ بِلَا رَهْنٍ ثُمَّ بِرَهْنِهِ بِهِ شَيْئًا فَيَجُوزُ.

[بَابُ مَا يُفْسِدُ الرَّهْنَ مِنْ الشَّرْطِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ وَالْحَلْبُ لِمَالِكِهِ الرَّاهِنِ لَا لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ الرُّكُوبَ وَالْحَلْبَ مَنْ مَلَكَ الرَّقَبَةَ وَالرَّقَبَةُ غَيْرُ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ الرُّكُوبُ وَالْحَلْبُ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا أَوْ دَارًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَسُكْنَى الدَّارِ، وَإِجَارَةُ الْعَبْدِ وَخِدْمَتُهُ لِلرَّاهِنِ، وَكَذَلِكَ مَنَافِعُ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ أَنَّ لَهُ سُكْنَى الدَّارِ أَوْ خِدْمَةَ الْعَبْدِ أَوْ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ أَوْ

شَيْئًا مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ مَا كَانَتْ أَوْ مِنْ أَيِّ الرَّهْنِ كَانَتْ دَارًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرِهِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ أَسْلَفَهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا رَهْنًا وَشَرَطَ الْمُرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي السَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا بِأَلْفٍ وَشَرَطَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْهَنَهُ بِأَلْفِهِ رَهْنًا وَأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يُعْرَفُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ دَارًا عَلَى أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ سُكْنَاهَا حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ مِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ سِنِينَ، وَلَا يَعْرِفُ كَمْ ثَمَنُ السَّكَنِ وَحِصَّتُهُ مِنْ الْبَيْعِ وَحِصَّةُ الْبَيْعِ لَا تَجُوزُ إلَّا مَعْرُوفَةً مَعَ فَسَادِهِ مِنْ أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ، وَلَوْ جَعَلَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فَقَالَ: أَرْهَنُك دَارِي سَنَةً عَلَى أَنَّ لَك سُكْنَاهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ كَانَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ فَاسِدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ، وَإِجَارَةٌ لَا أَعْرِفُ حِصَّةَ الْإِجَارَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَوْ انْتَقَضَتْ بِأَنْ يَسْتَحِقَّ الْمَسْكَنَ أَوْ يَنْهَدِمَ فَلَوْ قُلْت تَقُومُ السُّكْنَى وَتَقُومُ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ بِالْأَلْفِ فَتُطْرَحُ عَنْهُ حِصَّةُ السُّكْنَى مِنْ الْأَلْفِ وَأَجْعَلُ الْأَلْفَ بَيْعًا بِهِمَا، وَلَا أَجْعَلُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارًا دَخَلَ عَلَيْك أَنَّ شَيْئَيْنِ مُلِكَا بِأَلْفٍ فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا فَلَمْ تَجْعَلْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارًا فِي هَذَا الْبَاقِي، وَهُوَ لَمْ يَشْتَرِهِ إلَّا مَعَ غَيْرِهِ.
أَوَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت بَلْ أَجْعَلُ لَهُ الْخِيَارَ دَخَلَ عَلَيْك أَنْ يَنْقُصَ بَيْعُ الرَّقَبَةِ بِأَنْ يَسْتَحِقَّ مَعَهَا كِرَاءٌ لَيْسَ هُوَ مِلْكُ رَقَبَةٍ؟ . أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْكَنَ إذَا انْهَدَمَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ فَإِنْ قَوَّمْت كِرَاءَ السَّنَةِ فِي أَوَّلِهَا لَمْ يُعْرَفْ قِيمَةُ كِرَاءِ آخِرِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْلُو وَيَرْخُصُ؟ ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ كُلُّ شَيْءٍ بِسُوقِ يَوْمِهِ، وَلَا يُقَوَّمُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سُوقٌ مَعْلُومٌ؟ فَإِنْ قُلْت بَلْ أُقَوِّمُ كُلَّ وَقْتٍ مَضَى وَأَتْرُكُ مَا بَقِيَ حَتَّى يَحْضُرَ فَأُقَوِّمُهُ، قِيلَ لَك: أَفَتَجْعَلُ مَالَ هَذَا مُحْتَبَسًا فِي يَدِ هَذَا إلَى أَجَلٍ، وَهُوَ لَمْ يُؤَجِّلْهُ؟ قَالَ: فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِأَنْ يَقُولَ قَدْ تُجِيزُ هَذَا فِي الْكِرَاءِ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَيَكْتَرِي مِنْهُ الْمَنْزِلَ سَنَةً ثُمَّ يَنْهَدِمُ الْمَنْزِلُ بَعْدَ شَهْرٍ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ؟ . قِيلَ نَعَمْ، وَلَكِنَّ حِصَّةَ الشَّهْرِ الَّذِي أَخَذَهُ مَعْرُوفَةٌ؛ لِأَنَّا لَا نُقَوِّمُهُ إلَّا بَعْدَ مَا يُعْرَفُ بِأَنْ يَمْضِيَ، وَلَيْسَ مَعَهَا بَيْعٌ، وَهِيَ إجَارَةٌ كُلُّهَا، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ عِنْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ إلَّا بِكَذَا، أَوْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ كَذَا أَوْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إنْ كَانَ رَبُّ الرَّهْنِ غَائِبًا أَوْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فُلَانٌ أَوْ يَقْدُمَ فُلَانٌ، أَوْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِمَا رَضِيَ الرَّاهِنُ أَوْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إنْ هَلَكَ الرَّاهِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ بَعْدَ مَا يَحِلُّ الْحَقُّ إلَّا بِشَهْرٍ كَانَ هَذَا الرَّهْنُ فِي هَذَا كُلِّهِ فَاسِدًا لَا يَجُوزُ، حَتَّى لَا يَكُونَ دُونَ بَيْعِهِ حَائِلٌ عِنْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ إنْ حَلَّ وَالرَّهْنُ مَرِيضٌ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يَصِحَّ أَوْ أَعْجَفُ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْمَنَ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَفْسُوخًا.
وَلَوْ رَهَنَهُ حَائِطًا عَلَى أَنَّ مَا أَثْمَرَ الْحَائِطُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّ مَا زُرِعَ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ أَوْ مَاشِيَةً عَلَى أَنَّ مَا نَتَجَتْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ كَانَ الرَّهْنُ الْمَعْرُوفُ بِعَيْنِهِ مِنْ الْحَائِطِ وَالْأَرْضِ وَالْمَاشِيَةِ رَهْنًا، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ ثَمَرُ الْحَائِطِ، وَلَا زَرْعُ الْأَرْضِ، وَلَا نِتَاجُ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ بِحَقٍّ وَاجِبٍ قَبْلَ الرَّهْنِ.
(قَالَ: الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إذَا رَهَنَهُ حَائِطًا عَلَى أَنَّ مَا أَثْمَرَ الْحَائِطُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّ مَا زُرِعَ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ كُلُّهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ رَهَنَهُ مَا يَعْرِفُ، وَمَا لَا يَعْرِفُ، وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ، وَلَا إذَا كَانَ يَعْرِفُ قَدْرَ مَا يَكُونُ فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : الْفَسْخُ أَوْلَى بِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا كَرَجُلٍ رَهَنَ دَارًا عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ مَعَهَا دَارًا مِثْلَهَا أَوْ عَبْدًا قِيمَتُهُ كَذَا غَيْرَ أَنَّ الْبَيْعَ إنْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ هَذَا الرَّهْنِ فُسِخَ الرَّهْنُ، وَكَانَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ مَا اشْتَرَطَ، وَلَوْ رَهَنَهُ مَاشِيَةً عَلَى أَنَّ لِرَبِّهَا لَبَنَهَا وَنِتَاجَهَا أَوْ حَائِطًا عَلَى أَنَّ لِرَبِّهِ ثَمَرَهُ أَوْ عَبْدًا عَلَى أَنَّ لِسَيِّدِهِ خَرَاجَهُ أَوْ دَارًا عَلَى أَنَّ لِمَالِكِهَا كِرَاءَهَا كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ هَذَا لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كُلُّ شَرْطٍ

اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ هُوَ لِلْمُشْتَرِي لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ كَانَ الشَّرْطُ جَائِزًا كَهَذَا الشَّرْطِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.

[جِمَاعُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا وَمَا لَا يَجُوزُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الرَّهْنُ الْمَقْبُوضُ مِمَّنْ يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَمَنْ يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ؟ ثَلَاثُ أَصْنَافٍ صَحِيحٌ وَآخَرُ مَعْلُولٌ وَآخَرُ فَاسِدٌ.
فَأَمَّا الصَّحِيحُ مِنْهُ: فَكُلُّ مَا كَانَ مِلْكُهُ تَامًّا لِرَاهِنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ جَنَى فِي عُنُقِ نَفْسِهِ جِنَايَةً وَيَكُونُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقَّ بِرَقَبَتِهِ مِنْ مَالِكِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ، وَلَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ أَوْجَبَ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِ مَالِكِهِ مِنْ رَهْنٍ، وَلَا إجَارَةٍ، وَلَا بَيْعٍ، وَلَا كِتَابَةٍ، وَلَا جَارِيَةٍ أَوْلَدَهَا أَوْ دَبَّرَهَا، وَلَا حَقًّا لِغَيْرِهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَيِّدِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ تِلْكَ الْمُدَّةُ، فَإِذَا رَهَنَ الْمَالِكُ هَذَا رَجُلًا، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَهَذَا الرَّهْنُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا عِلَّةَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْمَعْلُولُ: فَالرَّجُلُ يَمْلِكُ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ أَوْ الدَّارَ فَيَجْنِي الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ عَلَى آدَمِيٍّ جِنَايَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ يَجْنِيَانِ عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ فَلَا يَقُومُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَلَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَرْهَنَهُمَا مَالِكَيْهِمَا وَيَقْبِضَهَا الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا ثَبَتَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْجِنَايَةِ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ أَقَرَّ بِهَا الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ مَفْسُوخٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْطَلَ رَبُّ الْجِنَايَةِ الْجِنَايَةَ عَنْ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ أَوْ صَالَحَهُ سَيِّدُهُمَا مِنْهُمَا عَلَى شَيْءٍ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ كَانَ أَوْلَى بِحَقٍّ فِي رِقَابِهِمَا مِنْ مَالِكِهِمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي رِقَابِهِمَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ أَوْ قِيمَةُ مَالِهِ فَإِذَا كَانَ أَوْلَى بِثَمَنِ رِقَابِهِمَا مِنْ مَالِكِهِمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي رِقَابِهِمَا لَمْ يَجُزْ لِمَالِكِهِمَا رَهْنُهُمَا.
وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تَسْوَى دِينَارًا، وَهُمَا يَسْوَيَانِ أُلُوفًا لَمْ يَكُنْ مَا فَضَلَ مِنْهُمَا رَهْنًا، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُمَا رَهَنَهُمَا بِشَيْءٍ ثُمَّ رَهَنَهُمَا بَعْدَ الرَّهْنِ بِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَحُولُ دُونَ بَيْعِهِمَا، وَإِدْخَالُ حَقٍّ عَلَى حَقِّ صَاحِبِهِمَا الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِمَا.
وَسَوَاءٌ ارْتَهَنَهُمَا الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهَا، أَوْ قَالَ: أَرْتَهِنُ مِنْك مَا يَفْضُلُ عَنْ الْجِنَايَةِ، أَوْ لَمْ يَقُلْهُ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ، وَفِي رِقَابِهِمَا جِنَايَةٌ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُمَا وَفِي رِقَابِهِمَا رَهْنٌ بِحَالٍ، وَلَا فَضْلٌ مِنْ رَهْنٍ بِحَالٍ.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا أَوْ دَارًا بِمِائَةٍ فَقَضَاهُ إيَّاهَا إلَّا دِرْهَمًا ثُمَّ رَهَنَهَا غَيْرَهُ لَمْ تَكُنْ رَهْنًا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ وَالْعَبْدَ قَدْ يَنْقُصُ، وَلَا يَدْرِي كَمْ انْتِقَاصُهُ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَقَبَضَهُمَا الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُمَا جَنَيَا قَبْلَ الرَّهْنِ جِنَايَةً وَادَّعَى ذَلِكَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ فِي عُنُقِ عَبْدِهِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ وَقِيلَ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ مَا عَلِمَ الْجِنَايَةَ قَبْلَ رَهْنِهِ فَإِذَا حَلَفَ وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِالْجِنَايَةِ قَبْلَ رَهْنِهِ كَانَ الْقَوْلُ فِي إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِأَنَّ عَبْدَهُ جَنَى قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ وَاحِدًا مِنْ قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ رَهْنٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ بِحَقَّيْنِ لِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ قِبَلِ الْجِنَايَةِ وَالْآخَرُ مِنْ قِبَلِ الرَّهْنِ، وَإِذَا فُكَّ مِنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ لَهُ فَالْجِنَايَةُ فِي رَقَبَتِهِ بِإِقْرَارِ سَيِّدِهِ إنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فِيهَا قِصَاصٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْعَبْدِ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا أَخَذَ مِنْ السَّيِّدِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ الْجِنَايَةِ فَدَفَعَ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّ فِي عُنُقِ عَبْدِهِ حَقًّا أَتْلَفَهُ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِرَهْنِهِ إيَّاهُ، وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، وَقَدْ جَنَى، وَهُوَ مُوسِرٌ وَقِيلَ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا عَلَى

الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَمَتَى خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ فَالْجِنَايَةُ فِي عُنُقِهِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ بِبَيْعٍ فَفِي ذِمَّةِ سَيِّدِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةِ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى جِنَايَتِهِمَا قَبْلَ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ عَبْدَانِ حَلَفَ وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدِهِ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ جِنَايَتَهُ ثُمَّ يَكُونُ مَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِمَا رَهْنًا مَكَانَهُمَا، وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ جَنَيَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ بِالْجِنَايَةِ فِي رِقَابِهِمَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَقَرَّ بِعِتْقِهِ أَوْ بِجِنَايَةٍ لِرَجُلٍ أَوْ بِرَهْنٍ فِيهِ قَبْلَ الرَّهْنِ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ مَرْهُونًا تَامَّ الرَّهْنِ إنَّمَا يَتِمُّ الرَّهْنُ فِيهِ إذَا قَبَضَ.
وَلَوْ رَهَنَهُ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ بِيعَ لَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ الْفَضْلُ مِنْهُ، وَإِنْ بَرِئَ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ فِي مِلْكِ الْمُقِرِّ بِالْعِتْقِ عَتَقَ، وَإِنْ بِيعَ فَمَلَكَهُ سَيِّدُهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ حُرٌّ.
وَلَوْ رَهَنَهُ جَارِيَةً، وَقَبَضَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ الرَّهْنِ فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِوَلَدٍ فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى وَطْئِهِ إيَّاهَا قَبْلَ الرَّهْنِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى تَأْتِيَ بِوَلَدٍ فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ، وَقَدْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا قَبْلَ الرَّهْنِ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ الرَّهْنِ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ كَانَ الرَّهْنُ فَهُوَ ابْنُهُ، وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ، وَكَذَلِكَ عِنْدِي إنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مَا تَلِدُ لَهُ النِّسَاءُ وَذَلِكَ لِأَرْبَعِ سِنِينَ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الرَّهْنِ قَالَ الرَّبِيعُ: وَهُوَ قَوْلِي أَيْضًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ كَانَ الرَّهْنُ أَوْ أَكْثَرَ فَأَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالْوَطْءِ كَانَ كَإِقْرَارِ سَيِّدِهَا بِعِتْقِهَا أَوْ أَضْعَفَ، وَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَلَا تُبَاعُ حَتَّى تَلِدَ وَوَلَدُهَا وَلَدُ حُرٍّ بِإِقْرَارِهِ، وَمَتَى مَلَكَهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُرْتَهِنُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يُنْكِرْ قِيلَ إنْ أَنْكَرْت وَحَلَفْت جَعَلْنَا الرَّهْنَ رَهْنَك، وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ أَحَلَفْنَا الرَّاهِنَ، لَكَانَ مَا قَالَ: قِبَلَ رَهْنِك وَأَخْرَجْنَا الرَّهْنَ مِنْ الرَّهْنِ بِالْعِتْقِ وَالْجَارِيَةِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ فِيهَا بِجِنَايَةٍ فَلَمْ يَحْلِفْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى عِلْمِهِ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ إذَا حَلَفَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيُّهُ، وَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَرَهَنَهَا وَقُبِضَتْ ثُمَّ قَالَ: هُوَ أَوْ الْبَائِعُ: إنَّك اشْتَرَيْتهَا مِنِّي عَلَى شَرْطٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ الشِّرَاءُ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ فَاسِدًا كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّهْنَ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْهَنُ إلَّا مَا يَمْلِكُ، وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ مَا رَهَنَ، وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهَا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا قَبْلَ الرَّهْنِ وَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ بِمَا ذَكَرَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ يَمِينٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّهْنَ جَائِزٌ بِحَالِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إفْسَادِ الرَّهْنِ.
وَفِيمَا أَقَرَّ بِهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَغْرَمَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِأَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ قِيمَتَهَا فَإِنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ دُفِعَتْ إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهَا إنْ شَاءَ وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ، وَكَانَتْ إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بَيْعًا لِلَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهَا إيَّاهُ، وَمَرْدُودَةٌ عَلَى الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ شِرَاءً فَاسِدًا قَالَ الرَّبِيعُ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا أَوْ أَمَةً قَدْ ارْتَدَّا عَنْ الْإِسْلَامِ وَأَقْبَضَهُمَا الْمُرْتَهِنَ كَانَ الرَّهْنُ فِيهِمَا صَحِيحًا وَيُسْتَتَابَانِ فَإِنْ تَابَا، وَإِلَّا قُتِلَا عَلَى الرِّدَّةِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَا قَطَعَا الطَّرِيقَ قُتِلَا إنْ قَتَلَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَا سَرَقَا قُطِعَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِمَا حَدٌّ أُقِيمَ، وَهُمَا عَلَى الرَّهْنِ، فِي هَذَا كُلِّهِ لَا يَخْتَلِفَانِ سَقَطَ عَنْهُمَا الْحَدُّ أَوْ عُطِّلَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمَا لَيْسَ بِحَقٍّ لِآدَمِيٍّ فِي رِقَابِهِمْ، وَهَكَذَا لَوْ أَتَيَا شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْت بَعْدَ الرَّهْنِ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الرَّهْنِ بِحَالٍ، وَلَوْ رَهَنَهُمَا، وَقَدْ جَنَيَا جِنَايَةً كَانَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِهِمَا مِنْ السَّيِّدِ الرَّاهِنِ فَإِنْ أَعْفَاهُمَا أَوْ فَدَاهُمَا سَيِّدُهُمَا أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَلِيلَةً فَبِيعَ فِيهَا أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ بِرَهْنٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ صَاحِبَ الْجِنَايَةِ كَانَ أَحَقَّ بِهِمَا مِنْ الْمُرْتَهِنِ حِينَ كَانَ الرَّهْنُ، وَلَوْ كَانَا رَهَنَا، وَقَبَضَا ثُمَّ جَنَيَا بَعْدَ الرَّهْنِ ثُمَّ بَرِئَا مِنْ الْجِنَايَةِ بِعَفْوٍ مِنْ الْمَجْنِيِّ

عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ أَوْ صُلْحٍ أَوْ أَيِّ وَجْهٍ بَرِئَا مِنْ الْبَيْعِ فِيهِمَا كَانَا عَلَى الرَّهْنِ بِحَالِهِمَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرَّهْنِ كَانَ صَحِيحًا وَأَنَّ الْحَقَّ فِي رِقَابِهِمَا قَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَبَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ لِلْعَبْدِ عِتْقًا قَدْ يَقَعُ بِحَالٍ قَبْلَ حُلُولِ الرَّهْنِ فَلَا يَسْقُطُ الْعِتْقُ وَالرَّهْنُ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ قَالَ: قَدْ رَجَعْت فِي التَّدْبِيرِ أَوْ أَبْطَلْت التَّدْبِيرَ ثُمَّ رَهَنَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ جَائِزًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بَعْدَ الرَّهْنِ قَدْ رَجَعْت فِي التَّدْبِيرِ قَبْلَ أَنْ أَرْهَنَهُ كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا، وَلَوْ قَالَ: بَعْدَ الرَّهْنِ قَدْ رَجَعْت فِي التَّدْبِيرِ وَأَثْبَتَ الرَّهْنَ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِأَنْ يُجَدِّدَ رَهْنًا بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّدْبِيرِ إلَّا بِأَنْ يُخْرِجَ الْعَبْدَ مِنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ، وَإِنْ مَلَكَهُ ثَانِيَةً فَرَهَنَهُ، جَازَ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ هَذَا كَعِتْقٍ إلَى غَايَةٍ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِأَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ، وَهَكَذَا الْمُعْتَقُ إلَى وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ رَهَنَهُ كَانَ هَكَذَا، وَلَوْ كَانَ رَهْنُهُ عَبْدًا ثُمَّ دَبَّرَهُ بَعْدَ الرَّهْنِ كَانَ التَّدْبِيرُ مَوْقُوفًا حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ ثُمَّ يُقَالُ إنْ أَرَدْت إثْبَاتَ التَّدْبِيرِ فَاقْضِ الرَّجُلَ حَقَّهُ أَوْ أَعْطِهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمُدَبَّرِ قَضَاءً مِنْ حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ تُرِدْهُ فَارْجِعْ فِي التَّدْبِيرِ بِأَنْ تَبِيعَهُ فَإِنْ أَثْبَتَ الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ أَخَذْنَا مِنْك قِيمَتَهُ فَدَفَعْنَاهَا إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ نَجِدْهَا بِيعَ الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ حَتَّى يَقْضِيَ الرَّجُلُ حَقَّهُ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُنِي أَنْ آخُذَ الْقِيمَةَ مِنْهُ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ أَنَّ الْحَقَّ كَانَ إلَى أَجَلٍ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ سَالِمًا مِنْ التَّدْبِيرِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ، وَلَمْ يَكُنْ التَّدْبِيرُ عِتْقًا وَاقِعًا سَاعَتَهُ تِلْكَ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَبْطُلَ فَتَرَكْت أَخْذَ الْقِيمَةِ مِنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ فَيَكُونُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ عَبْدَهُ ثُمَّ دَبَّرَهُ ثُمَّ مَاتَ الرَّاهِنُ الْمُدَبَّرُ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ يَقْضِي صَاحِبَ الْحَقِّ حَقَّهُ مِنْهُ عَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَقْضِي حَقَّهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَدَعْ مَالًا إلَّا الْمُدَبَّرَ بِيعَ مِنْ الْمُدَبَّرِ بِقَدْرِ الْحَقِّ فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ عَتَقَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَبَّرِ بَعْدَ قَضَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَا يَقْضِي صَاحِبَ الْحَقِّ بَعْضَ حَقِّهِ قَضَيْته وَبِيعَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ الرَّهْنِ الْمُدَبَّرِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنْ دَيْنِهِ وَعَتَقَ مَا يَبْقَى مِنْهُ فِي الثُّلُثِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا لَهُ قَدْ أَعْتَقَهُ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا لِلْعِتْقِ الَّذِي فِيهِ، وَهَذَا فِي حَالِ الْمُدَبَّرِ أَوْ أَكْثَرَ حَالًا مِنْهُ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ فِيهِ بِحَالٍ، وَلَوْ رَهَنَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ ثُمَّ يُدَبِّرُهُ، وَإِذَا رَهَنَهُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مَا رَهَنَهُ، وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْ الرَّاهِنُ الْحُكْمَ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَمْلِكَ الْعَبْدَ بَعْدُ فَأَرَادَ إقْرَارَهُ عَلَى الرَّهْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمَا حَتَّى يُجَدِّدَا فِيهِ رَهْنًا مُسْتَقْبَلًا بَعْدَ الْمِلْكِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا عَبْدًا لِرَجُلٍ غَائِبٍ حَيٍّ أَوْ لِرَجُلٍ مَيِّتٍ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِهِ لِلرَّاهِنِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَوْ قَبِلَهُ الرَّاهِنُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا لَا يَجُوزُ حَتَّى يَرْهَنَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ إيَّاهُ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ كَانَ رَهْنًا وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْيَمِينُ مَا رَهَنَهُ مِنْهُ إلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الرَّاهِنُ مَا رَهَنَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ ثُمَّ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَصِيرًا حُلْوًا كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا مَا بَقِيَ عَصِيرًا بِحَالِهِ فَإِنْ حَالَ إلَى أَنْ يَكُونَ خَلًّا أَوْ مُزًّا أَوْ شَيْئًا لَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَهَذَا كَعَبْدٍ رَهَنَهُ ثُمَّ دَخَلَهُ عَيْبٌ أَوْ رَهَنَهُ مَعِيبًا فَذَهَبَ عَنْهُ الْعَيْبُ أَوْ مَرِيضًا فَصَحَّ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ حَالَ إلَى أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ حَالٌ إلَى أَنْ يَصِيرَ حَرَامًا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَهُوَ لَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَمَاتَ الْعَبْدُ.
وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَصَبَّ فِيهِ الرَّاهِنُ خَلًّا أَوْ مِلْحًا أَوْ مَاءً فَصَارَ خَلًّا كَانَ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَلَوْ صَارَ خَمْرًا ثُمَّ صَبَّ فِيهِ الرَّاهِنُ خَلًّا أَوْ مِلْحًا أَوْ مَاءً فَصَارَ خَلًّا خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ حِينَ صَارَ خَمْرًا، وَلَمْ يَحِلَّ لِمَالِكِهِ، وَلَا تَحِلُّ الْخَمْرُ عِنْدِي وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ

أَبَدًا إذَا فَسَدَتْ بِعَمَلِ آدَمِيٍّ فَإِنْ صَارَ الْعَصِيرُ خَمْرًا ثُمَّ صَارَ خَلًّا مِنْ غَيْرِ صَنْعَةِ آدَمِيٍّ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلَا أَحْسَبُهُ يَعُودُ خَمْرًا ثُمَّ يَعُودُ خَلًّا بِغَيْرِ صَنْعَةِ آدَمِيٍّ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ خَلًّا فَلَا يُنْظَرُ إلَى تَصَرُّفِهِ فِيمَا بَيْنَ أَنْ كَانَ عَصِيرًا إلَى أَنْ كَانَ خَلًّا وَيَكُونُ انْقِلَابُهُ عَنْ الْحَلَاوَةِ وَالْحُمُوضَةِ مَنْزِلَةً انْقَلَبَ عَنْهَا كَمَا انْقَلَبَ عَنْ الْحَلَاوَةِ الْأُولَى إلَى غَيْرِهَا ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَصِيرِهِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ صَنْعَةِ آدَمِيٍّ.
وَلَوْ تَبَايَعَا الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ عَصِيرًا بِعَيْنِهِ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ صَارَ فِي يَدَيْهِ خَمْرًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ لِفَسَادِ الرَّهْنِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ.
وَلَوْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ هَذَا الْعَصِيرَ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ، فَإِذَا هُوَ مِنْ سَاعَتِهِ خَمْرٌ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ الرَّهْنُ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْعَصِيرِ فَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهُ عَصِيرًا ثُمَّ عَادَ فِي يَدَيْك خَمْرًا، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ بَلْ رَهَنْتَنِيهِ خَمْرًا فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَحْدُثُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْتَنِيهِ وَبِهِ الْعَيْبُ، وَقَالَ الْبَائِعُ: حَدَثَ عِنْدَك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ: يُهْرَاقُ الْخَمْرُ، وَلَا رَهْنَ لَهُ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا يَحِلُّ ارْتِهَانُهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَيْبِ الَّذِي يَحِلُّ مِلْكُ الْعَبْدِ، وَهُوَ بِهِ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ ثَابِتًا بِلَا رَهْنٍ أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ إنْ كَانَتْ دَارًا سَكَنَهَا أَوْ دَابَّةً رَكِبَهَا فَالشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى هَذَا فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إقْرَارِهِ بِالرَّهْنِ، وَلَا شَرْطَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَفْسُدُ هَذَا الرَّهْنُ إنْ شَاءَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ زِيَادَةً مَعَ الرَّهْنِ بَطَلَتْ لَا الرَّهْنُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ أَصَحُّهُمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْأَمَةَ، وَلَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَفْرِقَةٍ مِنْهُ.

[الرَّهْنُ الْفَاسِدُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالرَّهْنُ الْفَاسِدُ أَنْ يَرْتَهِنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ مُكَاتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ، وَلَوْ عَجَزَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّهْنِ حَتَّى يُجَدِّدَ لَهُ رَهْنًا يَقْبِضُهُ بَعْدَ عَجْزِهِ، وَلَوْ ارْتَهَنَ مِنْهُ أُمَّ وَلَدِهِ كَانَ الرَّهْنُ فَاسِدًا فِي قَوْلِ مَنْ لَا يَبِيعُ أُمَّ الْوَلَدِ أَوْ يَرْتَهِنُ مِنْ الرَّجُلِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ مِثْلَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ أَوْ يَرْتَهِنُ مِنْهُ مَا لَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ أَرْهَنُك هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي أَنَا فِيهَا سَاكِنٌ وَيُقْبِضُهُ إيَّاهَا، أَوْ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيَّ عَارِيَّةً أَوْ بِإِجَارَةٍ وَيُقْبِضُهُ إيَّاهُ عَلَى أَنِّي اشْتَرَيْته ثُمَّ يَشْتَرِيهِ فَلَا يَكُونُ رَهْنًا، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ رَهْنًا حَتَّى يَنْعَقِدَ الرَّهْنُ وَالْقَبْضُ فِيهِ وَالرَّاهِنُ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الرَّهْنِ وَبَيْعُهُ مَعَهُ، وَلَوْ عَقَدَ الرَّهْنَ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ رَهْنُهُ ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ، وَهُوَ يَجُوزُ رَهْنُهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَجْتَمِعَ الْأَمْرَانِ مَعًا، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ الدَّارَ، وَهِيَ رَهْنٌ ثُمَّ يَنْفَسِخُ الرَّهْنُ فِيهَا فَيُقْبِضُهُ إيَّاهَا، وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ فِيهَا حَتَّى يَحْدُثَ لَهُ رَهْنًا يَقْبِضُهَا بِهِ، وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ رَهْنًا لِرَجُلٍ أَوْ مِلْكًا لِغَيْرِ الرَّاهِنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا ذِكْرَ حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، قَبْلَ ذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ، ذِكْرُ الْحَقِّ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ؛ لِأَنَّ إذْكَارَ الْحُقُوقِ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ لِلرَّاهِنِ فَيَرْهَنُهَا الْمُرْتَهِنُ، وَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ بِحَقٍّ فِي ذِمَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ مِلْكًا وَالذِّمَّةُ بِعَيْنِهَا لَيْسَتْ مِلْكًا فَلَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ أَنْ يَجُوزَ الرَّهْنُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الدَّيْنِ

وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ.
أَرَأَيْت إنْ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ ذِكْرُ الْحَقِّ الْمَرْهُونَ صَاحِبَ الْحَقِّ حَقَّهُ أَمَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ؟ فَإِذَا بَرِئَ مِنْهُ انْفَسَخَ الْمُرْتَهِنُ لِلدَّيْنِ بِغَيْرِ فَسْخِهِ لَهُ، وَلَا اقْتِضَائِهِ لِحَقِّهِ، وَلَا إبْرَائِهِ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَهْنٌ إلَى الرَّاهِنِ فَسْخُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ قِيلَ فَيَتَحَوَّلُ رَهْنُهُ فِيمَا اقْتَضَى مِنْهُ قِيلَ فَهُوَ إذَا رَهَنَهُ مَرَّةً كِتَابًا، وَمَالًا وَالرَّهْنُ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا، وَهُوَ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ فَقَالَ: أَرْهَنُك مَالِي الْغَائِبَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُقْبَضَ وَالْمَالُ كَانَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ حِينَ رَهَنَهُ إيَّاهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ.
وَلَوْ ارْتَهَنَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، وَقَبَضَهُ ثُمَّ إنَّ الْمُرْتَهِنَ رَهَنَ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا الْعَبْدَ الَّذِي ارْتَهَنَ أَوْ قَالَ: حَقِّي فِي الْعَبْدِ الَّذِي ارْتَهَنْت لَك رَهْنٌ، وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ الَّذِي ارْتَهَنَ، وَإِنَّمَا لَهُ شَيْءٌ فِي ذِمَّةِ مَالِكِهِ جَعَلَ هَذَا الرَّهْنَ وَثِيقَةً مِنْهُ إذَا أَدَّاهُ الْمَالِكُ انْفَسَخَ مِنْ عُنُقِ هَذَا.
أَوْ رَأَيْت إنْ أَدَّى الرَّاهِنُ الْأَوَّلُ الْحَقَّ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ أَمَا يَنْفَسِخُ الرَّهْنُ؟ . (قَالَ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَيَكُونُ الْحَقُّ الَّذِي كَانَ فِيهِ رَهْنًا إذَا قَبَضَهُ مَكَانَهُ، قِيلَ فَهَذَا إذًا مَعَ أَنَّهُ رَهَنَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُهُ رَهَنَ مَرَّةً فِي عَبْدٍ وَأُخْرَى فِي دَنَانِيرَ بِلَا رِضَا الْمُرْتَهِنِ الْآخَرِ.
أَرَأَيْت لَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُرْتَهِنَ مَكَانَ الْعَبْدِ خَيْرًا مِنْهُ وَأَكْثَرَ ثَمَنًا أَكَانَ ذَلِكَ لَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدًا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ رَهْنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَضَاهُ مَا فِيهِ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْ ارْتَهَنَهُ مَا لَهُ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: رَجُلٌ لِرَجُلٍ قَدْ رَهَنْتُك أَوَّلَ عَبْدٍ لِي يَطْلُعُ عَلَيَّ أَوْ عَلَى عَبْدٍ وَجَدْته فِي دَارِي فَطَلَعَ عَلَيْهِ عَبْدٌ لَهُ أَوْ وَجَدَ عَبْدًا فِي دَارٍ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ حَتَّى يَنْعَقِدَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ مَا خَرَجَ مِنْ صَدَفِي مِنْ اللُّؤْلُؤِ، وَكَذَلِكَ مَا خَرَجَ مِنْ حَائِطِي مِنْ الثَّمَرِ، وَهُوَ لَا ثَمَرَ فِيهِ، فَالرَّهْنُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَفْسُوخٌ حَتَّى يُجَدِّدَ لَهُ رَهْنًا بَعْدَمَا يَكُونُ عَيْنًا تُقْبَضُ.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك أَيَّ دُورِي شِئْت أَوْ أَيَّ عَبِيدِي شِئْت فَشَاءَ بَعْضَهُمْ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهَا لَمْ يَكُنْ رَهْنًا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُجَدِّدَ فِيهِ رَهْنًا، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا سُكْنَى دَارٍ لَهُ مَعْرُوفَةٍ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهَا لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ لِأَنَّ السُّكْنَى لَيْسَتْ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ مُحْتَبَسَةٍ وَأَنَّهُ لَوْ حَبَسَ الْمَسْكَنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْحَابِسِ، وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الرَّهْنِ.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك سُكْنَى مَنْزِلِي يَعْنِي يُكْرِيهِ وَيَأْخُذُ كِرَاءَهُ كَانَ إنَّمَا رَهَنَهُ شَيْئًا لَا يَعْرِفُهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَيَكُونُ، وَلَا يَكُونُ، وَلَوْ قَالَ: أَرْهَنُك سُكْنَى مَنْزِلِي يَعْنِي يَسْكُنُهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا كِرَاءً جَائِزًا، وَلَا رَهْنًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ إلَّا بِثَمَنِهِ فَإِنْ سَكَنَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِ السُّكْنَى الَّذِي سَكَنَ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ فَرَهَنَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ قَالَ: لِرَجُلٍ آخَرَ قَدْ رَهَنْتُك مِنْ عَبْدِي الَّذِي رَهَنْت فُلَانًا مَا فَضَلَ عَنْ حَقِّهِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ وَسَلَّمَ الْعَبْدُ فَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَقَدْ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ الرَّهْنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَالرَّهْنُ مُنْتَقَضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ ثُلُثًا، وَلَا رُبُعًا، وَلَا جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ عَبْدٍ، وَإِنَّمَا رَهَنَهُ مَا لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ مِنْ الْعَبْدِ، وَلَا كَمْ هُوَ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ رَهْنٌ لِلْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا بِمِائَةٍ ثُمَّ زَادَهُ مِائَةً، وَقَالَ: اجْعَلْ لِي الْفَضْلَ عَنْ الْمِائَةِ الْأُولَى رَهْنًا بِالْمِائَةِ الْآخِرَةِ فَفَعَلَ كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا بِالْمِائَةِ الْأُولَى، وَلَا يَكُونُ مَرْهُونًا بِالْمِائَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَلَوْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ اُرْتُهِنَ بِالْمِائَتَيْنِ مَعًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ أَنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ارْتَهَنَا الْعَبْدَ مَعًا بِحَقَّيْهِمَا وَسَمَّيَاهُ وَادَّعَيَا ذَلِكَ مَعًا أَجَزْت ذَلِكَ فَإِذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ رَهَنَهُ رَهْنًا بَعْدَ رَهْنٍ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةٌ فَرَهَنَهُ بِهَا دَارًا ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُ رَهْنًا فَزَادَهُ رَهْنًا غَيْرَ الدَّارِ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَهَذَا كَرَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَتَّى بِلَا رَهْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ بِهِ رَهْنًا وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهَا.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا دَارًا بِأَلْفٍ فَأَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ لِرَجُلٍ غَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الدَّارَ رَهْنٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِأَلْفَيْنِ هَذِهِ الْأَلْفُ وَأَلْفٌ سِوَاهَا فَأَقَرَّ الرَّاهِنُ بِأَلْفٍ لِهَذَا الْمُدَّعِي الرَّهْنَ الْمُقَرَّ لَهُ الْمُرْتَهِنُ بِلَا رَهْنٍ

وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الرَّهْنِ، وَالْأَلْفُ الَّتِي لَمْ يُقِرَّ فِيهَا بِالرَّهْنِ عَلَيْهِ بِلَا رَهْنٍ فِي هَذَا الرَّهْنِ وَالْأُولَى بِالرَّهْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ وَنَسَبَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْأَلْفَ الَّتِي بِاسْمِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ لَزِمَهُ إقْرَارُهُ، وَكَانَتْ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَهُوَ كَرَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَقَرَّ أَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ لِرَجُلٍ غَيْرِهِ فَذَلِكَ الْحَقُّ لِرَجُلٍ غَيْرِهِ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ حَقًّا فَقَالَ قَدْ رَهَنْتُكَهُ بِمَا فِيهِ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَرَضِيَ كَانَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُنْفَسِخًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَدْرِي مَا فِيهِ أَرَأَيْت لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ أَوْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ لَا قِيمَةَ لَهُ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبِلْته وَأَنَا أَرَى أَنَّ فِيهِ شَيْئًا ذَا ثَمَنٍ أَلَمْ يَكُنْ ارْتَهَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَالرَّهْنُ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا، وَكَذَلِكَ جِرَابٌ بِمَا فِيهِ وَخَرِيطَةٌ بِمَا فِيهَا وَبَيْتٌ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَتَاعِ، وَلَوْ رَهَنَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ الْحَقَّ دُونَ مَا فِيهِ أَوْ قَالَ الْحَقُّ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا كَانَ الْحَقُّ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ دُونَ مَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا سُمِّيَ دُونَ مَا فِيهِ، وَكَانَ الْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ ارْتِهَانِ الْحَقِّ دُونَ مَا فِيهِ، وَهَذَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ مَفْسُوخٌ بِكُلِّ حَالٍ فَأَمَّا الْخَرِيطَةُ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ فِيهَا إلَّا بِأَنْ يَقُولَ دُونَ مَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْحَقِّ وَالْبَيْتِ أَنَّ لَهُمَا قِيمَةً وَالظَّاهِرُ مِنْ الْخَرِيطَةِ أَنْ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالرَّهْنِ مَا فِيهَا قَالَ: وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ نَخْلًا مُثْمِرًا، وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَرَ فَالثَّمَرُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ كَانَ طَلْعًا أَوْ بُسْرًا أَوْ كَيْفَ كَانَ فَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ طَلْعًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَاشْتَرَطَهُ الْمُرْتَهِنُ مَعَ النَّخْلِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ رَهْنٌ مَعَ النَّخْلِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ تُرَى، وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَهَنَ الثَّمَرَ بَعْدَمَا خَرَجَ وَرُئِيَ جَازَ الرَّهْنُ، وَلَهُ تَرْكُهُ فِي نَخْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهُ وَالْقِيَامُ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِ وَيَصْلُحُ فِي شَجَرِهِ إلَّا بِهِ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ عَبْدِهِ إذَا رَهَنَهُ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا نَخْلًا لَا ثَمَرَةَ فِيهَا عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ثَمَرِهَا رَهْنٌ أَوْ مَاشِيَةٌ لَا نِتَاجَ مَعَهَا عَلَى أَنَّ مَا نَتَجَتْ رَهْنٌ كَانَ الرَّهْنُ فِي الثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ ارْتَهَنَ شَيْئًا مَعْلُومًا وَشَيْئًا مَجْهُولًا.
وَمَنْ أَجَازَ هَذَا فِي الثَّمَرَةِ لَزِمَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُجِيزَ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مَا أَخْرَجَتْ نَخْلُهُ الْعَامَ، وَمَا نَتَجَتْ مَاشِيَتُهُ الْعَامَ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: أَرْهَنُك مَا حَدَثَ لِي مِنْ نَخْلٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلٍ أَوْ أَوْلَادِ مَاشِيَةٍ وَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ فَإِنْ ارْتَهَنَهُ عَلَى هَذَا فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّمَرَةِ شَيْئًا فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ مِثْلَهُ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَاشِيَةِ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَلَا يَفْسُدُ الرَّهْنُ فِي النَّخْلِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي هِيَ بِأَعْيَانِهَا بِفَسَادِ مَا شُرِطَ مَعَهَا فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ أَنْ يَرْهَنَهُ عَبْدَيْنِ فَيَجِدُ أَحَدَهُمَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ زِقَّ خَمْرٍ فَيُجِيزُ الْجَائِزَ وَيَرُدُّ الْمَرْدُودَ مَعَهُ.
وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ الرَّهْنَ كُلَّهُ يَفْسُدُ فِي هَذَا كَمَا يَفْسُدُ فِي الْبُيُوعِ لَا يَخْتَلِفُ فَإِذَا جَمَعَتْ صَفْقَةُ الرَّهْنِ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا جَائِزٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ جَائِزٍ فَسَدَا مَعًا وَبِهِ أَخَذَ الرَّبِيعُ، وَقَالَ: هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَجُلًا كَلْبًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ لَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَلَوْ رَهَنَهُ جُلُودَ مَيْتَةٍ لَمْ تُدْبَغْ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ، وَلَوْ دُبِغَتْ بَعْدُ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ رَهَنَهُ إيَّاهَا بَعْدَمَا دُبِغَتْ جَازَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ يَحِلُّ.
وَلَوْ وَرِثَ رَجُلٌ مَعَ وَرَثَةِ غَيْبٍ دَارًا فَرَهَنَ حَقَّهُ فِيهَا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُسَمِّيَهُ نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا أَوْ سَهْمًا مِنْ أَسْهُمٍ فَإِذَا سَمَّى ذَلِكَ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنَ جَازَ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالْحَقِّ عِنْدَ مَحِلِّهِ فَالرَّهْنُ بَيْعٌ لِلْمُرْتَهِنِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَلَا يَكُونُ بَيْعًا لَهُ بِمَا قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَا رَهْنٌ، وَلَا بَيْعٌ كَمَا يَجُوزُ الرَّهْنُ أَوْ الْبَيْعُ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْتَهِنُ، وَكَانَ حَقُّهُ بِحَالِهِ كَمَا لَا يَضْمَنُ الرَّهْنَ الصَّحِيحَ، وَلَا الْفَاسِدَ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ فِي يَدَيْهِ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ حِصَصًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدَيْهِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّهْنُ الَّذِي فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ قَلَعَ بِنَاءَهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ بَنَى قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ بَيْعًا فَكَانَ بَانِيًا قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بِالْبِنَاءِ

فَلِذَلِكَ قَلَعَهُ، وَلَوْ بَنَاهَا بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ فَالْبُقْعَةُ لِرَاهِنِهَا وَالْعِمَارَةُ لِلَّذِي عَمَّرَ مَتَى أَعْطَى صَاحِبُ الْبُقْعَةِ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ قَائِمَةً أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ بِغَيْرِ قِيمَةِ الْعِمَارَةِ؛ لِأَنَّ بِنَاءَهُ كَانَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بِنَائِهِ بِإِذْنِ رَبِّ الْبُقْعَةِ إلَّا بِقِيمَتِهِ قَائِمًا، وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ الْمَتَاعَ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ مَا اشْتَرَيْت مِنْك أَوْ اشْتَرَى مِنْك فُلَانٌ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ عَلَى الْأَبَدِ فَهَذَا الْمَتَاعُ مَرْهُونٌ بِهِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ حَتَّى يَكُونَ مَعْلُومًا بِحَقٍّ مَعْلُومٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ رَهْنًا بِعَشَرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ لَك عَلَيَّ مِنْ حَقٍّ فَهَذَا الْمَتَاعُ مَرْهُونٌ بِهِ مَعَ الْعَشَرَةِ أَوْ كُلُّ مَا صَارَ لَك عَلَيَّ مِنْ حَقٍّ فَهَذَا مَرْهُونٌ لَك بِهِ كَانَ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ الْمَعْلُومَةِ الَّتِي قَبَضَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَرْهُونًا بِمَا صَارَ لَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ حِينَ دَفَعَ الرَّهْنَ بِهِ فَإِنْ هَلَكَ الْمَتَاعُ فِي يَدَيْ الْمَدْفُوعِ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ يَكُونَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ شَيْءٌ أَوْ بَعْدُ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَضْمَنُ الرَّهْنَ الصَّحِيحَ، وَلَا الْفَاسِدَ إذَا هَلَكَ، وَلَوْ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ دَارًا رَهَنَهَا بِأَلْفٍ ثُمَّ ازْدَادَ مِنْهُ أَلْفًا فَجَعَلَ الدَّارَ رَهْنًا بِأَلْفَيْنِ كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا بِالْأَلْفِ الْأُولَى، وَلَمْ تَكُنْ رَهْنًا بِالْأَلْفِ الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَتْ الدَّارُ فَبُدِّي الْمُرْتَهِنُ بِالْأَلْفِ الْأُولَى مِنْ ثَمَنِ الدَّارِ وَحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِالْأَلْفِ الْآخِرَةِ فِي ثَمَنِ الدَّارِ وَفِي مَالٍ إنْ كَانَ لِلْغَرِيمِ سِوَاهَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ رَهْنًا بِأَلْفَيْنِ فَسَخَ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ أَنْ تَكُونَ مَرْهُونَةً بِأَلْفَيْنِ، وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا بِأَلْفٍ ثُمَّ تَقَارَّا عَلَى أَنَّهَا رَهْنٌ بِأَلْفَيْنِ أَلْزَمَتْهُمَا إقْرَارَهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ مَفْسُوخٌ وَتَجَدَّدَ فِيهَا رَهْنٌ صَحِيحٌ بِأَلْفَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ أَلْزَمْته صَاحِبَهُ قَالَ: وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مَا يَفْسُدُ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ يَابِسًا مِثْلَ الْبَقْلِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْمَوْزِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا فَلَا بَأْسَ بِارْتِهَانِهِ وَيُبَاعُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ إلَى أَجَلٍ يتباقى إلَيْهِ فَلَا يَفْسُدُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ يَفْسُدُ إلَيْهِ الرَّهْنُ كَرِهْتُهُ، وَلَمْ أَفْسَخْهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ فَسْخِهِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ بَيْعَهُ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَ الْحَقِّ حَقَّهُ بِلَا شَرْطٍ، وَإِنَّ الرَّاهِنَ قَدْ يَمُوتُ مِنْ سَاعَتِهِ فَيُبَاعُ فَإِنْ تَشَارَطَا فِي الرَّهْنِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَى أَنْ يَحِلَّ الْحَقُّ أَوْ أَنَّ الرَّاهِنَ إنْ مَاتَ لَمْ يَبِعْهُ إلَى يَوْمِ كَذَا، وَهُوَ يَفْسُدُ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ.
وَلَوْ رَهَنَهُ مَا يَصْلُحُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِثْلَ اللَّحْمِ الرَّطْبِ يَيْبَسُ وَالرُّطَبُ يَيْبَسُ، وَمَا أَشْبَهَهُ كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا لَا أَكْرَهُهُ بِحَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ تَيْبِيسُهُ حَتَّى يَأْذَنَ بِذَلِكَ الرَّاهِنُ فَإِنْ سَأَلَ الْمُرْتَهِنُ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا بَيْعَ الرَّهْنِ خَوْفَ فَسَادِهِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُرْتَهِنِ بِتَيْبِيسِ مَا يَصْلُحُ لِلتَّيْبِيسِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الرَّاهِنُ، وَكَذَلِكَ كَرِهْت رَهْنَهُ، وَإِنْ لَمْ أَفْسَخْهُ.

[زِيَادَةُ الرَّهْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْجَارِيَةَ حُبْلَى فَوَلَدَتْ أَوْ غَيْرَ حُبْلَى فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ فَالْوَلَدُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ فِي رَقَبَةِ الْجَارِيَةِ دُونَ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا، وَهَكَذَا إذَا رَهَنَهُ الْمَاشِيَةَ مَخَاضًا فَنَتَجَتْ أَوْ غَيْرَ مَخَاضٍ فَمَخَضَتْ وَنَتَجَتْ فَالنِّتَاجُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ شَاةً فِيهَا لَبَنٌ فَاللَّبَنُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ غَيْرُ الشَّاةِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ قِيلَ اللَّبَنُ إذَا كَانَ فِيهَا حِينَ رَهَنَهَا فَهُوَ

رَهْنٌ مَعَهَا كَمَا يَكُونُ إذَا بَاعَهَا كَانَ اللَّبَنُ لِمُشْتَرِيهَا، وَكَذَلِكَ نِتَاجُ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَتْ مَخَاضًا وَوَلَدُ الْجَارِيَةِ إذَا كَانَتْ حُبْلَى يَوْمَ يَرْهَنُهَا فَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ اللَّبَنِ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَهُ جَارِيَةً عَلَيْهَا حُلِيٌّ كَانَ الْحُلِيُّ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهُ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فَأَثْمَرَتْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ الشَّجَرَةِ.
قَالَ: وَأَصْلُ مَعْرِفَةِ هَذَا أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقًّا فِي رَقَبَةِ الرَّهْنِ دُونَ غَيْرِهِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ غَيْرُهُ.
وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَاكْتَسَبَ الْعَبْدُ كَانَ الْكَسْبُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْعَبْدِ، وَالْوِلَادُ وَالنِّتَاجُ وَاللَّبَنُ، وَكَسْبُ الرَّهْنِ كُلُّهُ لِلرَّاهِنِ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ شَيْئًا عَنْهُ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ عَلَى يَدَيْهِ رَهْنٌ، وَلَا يُمْنَعُ سَيِّدُهُ مِنْ أَنْ يُؤَجِّرَهُ مِمَّنْ شَاءَ فَإِنْ شَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَحْضُرَ إجَارَتَهُ حَضَرَهَا، وَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُهُ أَنْ يَخْدُمَهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَوَى إلَى الَّذِي هُوَ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُهُ إخْرَاجَهُ مِنْ الْبَلَدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَهَكَذَا إنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ إخْرَاجَهُ مِنْ الْبَلَدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ، وَإِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أُخِذَ الرَّاهِنُ بِنَفَقَتِهِ، وَإِذَا مَاتَ أُخِذَ بِكَفَنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ.
وَأَكْرَهُ رَهْنَ الْأَمَةِ إلَّا أَنْ تُوضَعَ عَلَى يَدَيْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ لِئَلَّا يُغِبَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ غَيْرُ مَالِكِهَا، وَلَا أَفْسَخُ رَهْنَهَا إنْ رَهَنَهَا فَإِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى يَدَيْهِ أَهْلٌ أَقْرَرْتهَا عِنْدَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِسَاءٌ وَسَأَلَ الرَّاهِنُ أَنْ لَا يَخْلُوَ الَّذِي هِيَ عَلَى يَدَيْهِ بِهَا أَقْرَرْتهَا رَهْنًا، وَمَنَعْت الرَّجُلَ غَيْرَ سَيِّدِهَا الْمُغِبِّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ» وَقُلْتُ إنْ تَرَاضَيَا بِامْرَأَةٍ تُغُيِّبَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُهَا أَخْذَهَا لِتَخْدُمَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَخْلُوَ بِهَا خَوْفَ أَنْ يُحْبِلَهَا فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الرَّاهِنُ فَيَتَوَاضَعَانِهَا عَلَى يَدَيْ امْرَأَةٍ بِحَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا جُبِرَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ شَرَطَ السَّيِّدُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ يَدِ رَجُلٍ غَيْرِهِ، وَلَا أَهْلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ سَأَلَ إخْرَاجَهَا أَخْرَجْتهَا إلَى امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَلَمْ أُجِزْ أَبَدًا أَنْ يَخْلُوَ بِهَا رَجُلٌ غَيْرُ مَالِكِهَا وَعَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ نَفَقَتُهَا حَيَّةً، وَكَفَنُهَا مَيِّتَةً.
وَهَكَذَا إنْ رَهَنَهُ دَابَّةً تُعْلَفُ فَعَلَيْهِ عَلَفُهَا وَتَأْوِي إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ إلَى الَّذِي وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَا يُمْنَعُ مَالِكُ الدَّابَّةِ مِنْ كِرَائِهَا وَرُكُوبِهَا، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّهْنِ دَرٌّ، وَمَرْكَبٌ فَلِلرَّاهِنِ حَلْبُ الرَّهْنِ وَرُكُوبِهِ.
(أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ، وَمَحْلُوبٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يُشْبِهُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ مَنْ رَهَنَ ذَاتَ دَرٍّ وَظَهْرٍ لَمْ يُمْنَعْ الرَّاهِنُ دَرَّهَا وَظَهْرَهَا؛ لِأَنَّ لَهُ رَقَبَتَهَا، وَهِيَ مَحْلُوبَةٌ، وَمَرْكُوبَةٌ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ بِرَهْنِهِ إيَّاهَا مِنْ الدَّرِّ وَالظَّهْرِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ الرَّهْنُ بِالرَّهْنِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الدَّرِّ وَالظَّهْرِ.
وَهَكَذَا إذَا رَهَنَهُ مَاشِيَةً رَاعِيَةً فَعَلَى رَبِّهَا رَعْيُهَا، وَلَهُ حَلْبُهَا وَنِتَاجُهَا وَتَأْوِي إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِذَا رَهَنَهُ مَاشِيَةً، وَهُوَ فِي بَادِيَةٍ فَأَجْدَبَ مَوْضِعُهَا وَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَيُقَالُ لَهُ إنْ رَضِيت أَنْ يَنْتَجِعَ بِهَا رَبُّهَا، وَإِلَّا جُبِرْت أَنْ تَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ يَنْتَجِعُ بِهَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ رَبُّهَا، وَإِذَا أَرَادَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ النُّجْعَةَ مِنْ غَيْرِ جَدْبٍ وَالْمُرْتَهِنِ الْمُقَامَ قِيلَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ لَيْسَ لَك إخْرَاجُهَا مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي رَهَنْتهَا بِهِ إلَّا مِنْ ضَرَرٍ عَلَيْهَا، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فَوَكِّلْ بِرِسْلِهَا مَنْ شِئْت.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ النُّجْعَةَ مِنْ غَيْرِ جَدْبٍ قِيلَ لَهُ لَيْسَ لَك تَحْوِيلُهَا مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي ارْتَهَنْتهَا بِهِ وَبِحَضْرَةِ مَالِكِهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ فَتَرَاضَيَا مَنْ شِئْتُمَا مِمَّنْ يُقِيمُ فِي الدَّارِ مَا كَانَتْ غَيْرَ مُجْدِبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا جُبِرَا عَلَى رَجُلٍ تَأْوِي إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي رَهَنَهَا بِهَا غَيْرَ مُجْدِبَةٍ وَغَيْرُهَا أَخْصَبُ مِنْهَا لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى نَقْلِهَا مِنْهَا فَإِنْ أَجْدَبَتْ فَاخْتَلَفَتْ نُجْعَتُهُمَا إلَى بَلَدَيْنِ مُشْتَبِهَيْنِ فِي الْخِصْبِ فَسَأَلَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ وَسَأَلَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ قِيلَ إنْ اجْتَمَعْتُمَا مَعًا بِبَلَدٍ فَهِيَ مَعَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دَارُكُمَا فَاخْتَلَفْتُمَا جُبِرْتُمَا عَلَى عَدْلٍ تَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَنْتَجِعُ إلَيْهِ رَبُّ الْمَاشِيَةِ؛ لِيَنْتَفِعَ بِرِسْلِهَا وَأَيُّهُمَا دَعَا إلَى بَلَدٍ فِيهِ عَلَيْهَا ضَرَرٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَقُّ الرَّاهِنُ فِي رِقَابِهَا وَرِسْلِهَا وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي رِقَابِهَا.
وَإِذَا رَهَنَهُ مَاشِيَةً عَلَيْهَا صُوفٌ

أَوْ شَعْرٌ أَوْ وَبَرٌ فَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجُزَّهُ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ صُوفَهَا وَشَعْرَهَا وَوَبَرَهَا غَيْرُهَا كَاللَّبَنِ وَالنِّتَاجِ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْ قَامَ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ أَوْ لَمْ يَقُمْ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَوَاءً فِي اللَّبَنِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ قِيلَ إنَّ صُوفَهَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ رَهَنَهَا فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهَا وَيُجَزُّ وَيَكُونُ مَعَهَا مَرْهُونًا لِئَلَّا يَخْتَلِطَ بِهِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الصُّوفِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْدُثُ لِلرَّاهِنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَهَنَهُ دَابَّةً أَوْ مَاشِيَةً فَأَرَادَ أَنْ يُنْزِيَ عَلَيْهَا وَأَبَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ فَإِنْ كَانَ رَهَنَهُ مِنْهَا ذُكْرَانًا فَأَرَادَ أَنْ يُنْزِيَهَا فَلَهُ أَنْ يُنْزِيَهَا؛ لِأَنَّ إنْزَاءَهَا مِنْ مَنْفَعَتِهَا، وَلَا نَقَصَ فِيهِ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَمْلِكُ مَنَافِعَهَا وَإِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُرْكَبُ وَيُكْرَى لَمْ يُمْنَعْ أَنْ يُكْرِيَهُ وَيَعْلِفَهُ.
وَإِذَا رَهَنَهُ عَبْدًا فَأَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ أَمَةً فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ يَنْتَقِصُ بِالتَّزْوِيجِ وَيَكُونُ مَفْسَدَةً لَهَا بَيِّنَةٌ وَعُهْدَةٌ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً صَغِيرَيْنِ لَمْ يُمْنَعْ أَنْ يُعَذِّرَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ فِيهِمَا، وَهُوَ صَلَاحُهُمَا وَزِيَادَةٌ فِي أَثْمَانِهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَضَ لَهُمَا مَا يَحْتَاجَانِ فِيهِ إلَى فَتْحِ الْعُرُوقِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ أَوْ عَرَضَ لِلدَّوَابِّ مَا تَحْتَاجُ بِهِ إلَى عِلَاجِ الْبَيَاطِرَةِ مِنْ تَوْدِيجٍ وَتَبْزِيغٍ وَتَعْرِيبٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ أَنْ يُعَالِجَهَا بِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَنَا أُعَالِجُهَا وَأَحْسِبُهُ عَلَى الرَّاهِنِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَهَكَذَا إنْ كَانَتْ مَاشِيَةً فَجَرِبَتْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَ الرَّاهِنَ مِنْ عِلَاجِهَا، وَلَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَى عِلَاجِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ عِلَاجِهَا يَنْفَعُ، وَلَا يَضُرُّ مِثْلَ أَنْ يُمَلِّحَهَا أَوْ يَدْهُنَهَا فِي غَيْرِ الْحَرِّ بِالزَّيْتِ أَوْ يَمْسَحَهَا بِالْقَطْرَانِ مَسْحًا خَفِيفًا أَوْ يَسْعَطَ الْجَارِيَةَ أَوْ الْغُلَامَ أَوْ يَمْرَخَ قَدَمَيْهِ أَوْ يُطْعِمَهُ سَوِيقًا قِفَارًا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا فَتَطَوَّعَ الْمُرْتَهِنُ بِعِلَاجِهَا بِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ بِهِ.
وَمَا كَانَ مِنْ عِلَاجِهَا يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ مِثْلَ فَتْحِ الْعُرُوقِ وَشُرْبِ الْأَدْوِيَةِ الْكِبَارِ الَّتِي قَدْ تَقْتُلُ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ عِلَاجُ الْعَبْدِ، وَلَا الدَّابَّةِ، وَإِنْ فَعَلَ وَعَطِبَتْ ضَمِنَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ لَهُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا لَمْ يُمْنَعْ الرَّاهِنُ مِنْ أَنْ يَزْرَعَهَا الزَّرْعَ الَّذِي يُقْلَعُ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ أَوْ مَعَهُ وَفِيمَا لَا يَنْبُتُ مِنْ الزَّرْعِ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْنَعَ الرَّاهِنُ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يُجِيزُ بَيْعَ الْأَرْضِ مَنْزُوعَةً دُونَ الزَّرْعِ مِنْ زَرْعِهَا مَا يَنْبُتُ فِيهَا بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ، وَإِذَا تَعَدَّى فَزَرَعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا يَنْبُتُ فِيهَا بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ لَمْ يُقْلَعْ زَرْعُهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَحِلُّ الْحَقِّ فَإِنْ قَضَاهُ تَرَكَ زَرْعَهُ، وَإِنْ بِيعَتْ الْأَرْضُ مَزْرُوعَةً فَبَلَغَتْ وَفَاءَ حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْعُ زَرْعِهِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ وَفَاءَ حَقِّهِ إلَّا بِأَنْ يُقْلَعَ الزَّرْعُ أَمَرَ بِقَلْعِهِ إلَّا أَنْ يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِحَقِّهِ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ الزَّرْعَ ثُمَّ يَدَعَهُ إنْ شَاءَ مُتَطَوِّعًا.
وَهَذَا فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْأَرْضِ مَزْرُوعَةً.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُمْنَعُ مِنْ زَرْعِهَا بِحَالٍ وَيُمْنَعُ مِنْ غِرَاسِهَا وَبِنَائِهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَقْلَعُ مَا أَحْدَثْت إذَا جَاءَ الْأَجَلُ فَلَا يَمْنَعُهُ.
وَإِذَا رَهَنَهُ الْأَرْضَ فَأَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا عَيْنًا أَوْ بِئْرًا فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ أَوْ الْبِئْرُ تَزِيدُ فِيهَا أَوْ لَا تَنْقُصُ ثَمَنَهَا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ ثَمَنَهَا، وَلَا يَكُونُ فِيمَا يَبْقَى مِنْهَا عِوَضٌ مِنْ نَقْصِ مَوْضِعِ الْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ بِأَنْ يَصِيرَ إذَا كَانَا فِيهِ أَقَلَّ ثَمَنًا مِنْهُ قَبْلَ يَكُونَانِ فِيهِ مَنَعَهُ، وَإِنْ تَعَدَّى بِعَمَلِهِ فَهُوَ كَمَا قُلْت فِي الزَّرْعِ لَا يَدْفِنُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ الْقَوْلَ فِي الزَّرْعِ وَالْغِرَاسِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ إنْ كَانَ لَا يَنْقُصُهَا لَمْ يَمْنَعْهُ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهَا مَنَعَهُ مَا يَبْقَى، وَلَا يَكُونُ مَا أَحْدَثَ فِيهَا دَاخِلًا فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يُدْخِلَهُ الرَّاهِنُ فَكَانَ إذَا أَدْخَلَهُ لَمْ يَنْقُصْ الرَّهْنُ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ مَنَعَهُ، وَإِذَا رَهَنَهُ نَخْلًا لَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْبُرَهَا وَيَصْرِمَهَا يَعْنِي يَقْطَعُ جَرِيدَهَا، وَكَرَانِيفَهَا وَكُلَّ شَيْءٍ انْتَفَعَ بِهِ مِنْهَا لَا يَقْتُلُ النَّخْلَ، وَلَا يُنْقِصُ ثَمَنَهُ نَقْصًا بَيِّنًا وَيَمْنَعُ مَا قَتَلَ النَّخْلَ وَأَضَرَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ رَهَنَهُ نَخْلًا فِي الشِّرْبَةِ مِنْهُ نَخَلَاتٌ فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُنَّ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ وَامْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّخْلِ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْأَكْثَرَ لِثَمَنِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ أَنْ يُتْرَكْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْوِيلُهُنَّ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْأَكْثَرَ بِثَمَنِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ أَنْ يُحَوَّلَ بَعْضُهُنَّ، وَلَوْ تُرِكَ مَاتَ؛ لِأَنَّهُنَّ إذَا كَانَ بَعْضُهُنَّ مَعَ بَعْضٍ قَتْلَهُ أَوْ مَنْعَ مَنْفَعَتِهِ حَوَّلَ مِنْ الشِّرْبَةِ حَتَّى يَبْقَى فِيهَا مَا لَا يَضُرُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَإِنْ زَعَمُوا أَنْ لَوْ حُوِّلَ كُلُّهُ كَانَ خَيْرًا لِلْأَرْضِ فِي الْعَاقِبَةِ وَأَنَّهُ قَدْ لَا يَثْبُتُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُحَوِّلَهُ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَثْبُتُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُحَوِّلَ مِنْهُ مَا لَا نَقْصَ فِي تَحْوِيلِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَوْ هَلَكَ كُلُّهُ.
وَهَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ مَسَاقِيَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نَقْصُ النَّخْلِ أَوْ الْأَرْضِ تُرِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصُ الْأَرْضِ أَوْ النَّخْلِ أَوْ هُمَا لَمْ يُتْرَكْ

فَإِنْ كَانَتْ فِي الشِّرْبَةِ نَخَلَاتٌ فَقِيلَ الْأَكْثَرُ لِثَمَنِ الْأَرْضِ أَنْ يُقْطَعَ بَعْضُهُنَّ تُرِكَ الرَّاهِنُ وَقَطْعُهُ، وَكَانَ جَمِيعُ النَّخْلَةِ الْمَقْطُوعَةِ جِذْعُهَا وَجِمَارُهَا رَهْنًا بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ قُلُوبُهَا، وَمَا كَانَ مِنْ جَرِيدِهَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ النَّخْلَةِ قَطْعُهَا، وَكَانَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ ثَمَرِهَا وَجَرِيدِهَا الَّذِي لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً كَانَ لِرَبِّ النَّخْلَةِ نَزْعُهُ مِنْ كَرَانِيفَ وَلِيفٍ لِرَبِّ النَّخْلَةِ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَإِذَا قَلَعَ مِنْهَا شَيْئًا فَثَبَّتَهُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ رَهْنٌ فَهُوَ رَهْنٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ، وَقَعَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَخْرَجَهُ إلَى أَرْضٍ غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ فَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ رَهْنًا أَوْ يَدَعَهُ بِحَالِهِ، وَلَوْ قَالَ: الْمُرْتَهِنُ فِي هَذَا كُلِّهِ لِلرَّاهِنِ أَقْلَعُ الضَّرَرَ مِنْ نَخْلِك لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّاهِنِ بِالْمِلْكِ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَهَنَهُ أَرْضًا لَا نَخْلَ فِيهَا فَأَخْرَجَتْ نَخْلًا فَالنَّخْلُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ مَا نَبَتَ فِيهَا، وَلَوْ قَالَ: الْمُرْتَهِنُ لَهُ اقْلَعْ النَّخْلَ، وَمَا خَرَجَ قِيلَ إنْ أَدْخَلَهُ فِي الرَّهْنِ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَلْعُهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ الْأَرْضَ خَيْرًا فَإِنْ قَالَ: لَا أُدْخِلُهَا فِي الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَلْعُهَا حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ فَإِنْ بَلَغَتْ الْأَرْضُ دُونَ النَّخْلِ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَقْلَعْ النَّخْلَ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ قِيلَ لِرَبِّ النَّخْلِ إمَّا أَنْ تُوَفِّيَهُ حَقَّهُ بِمَا شِئْت مِنْ أَنْ تُدْخِلَ مَعِي الْأَرْضَ النَّخْلَ أَوْ بَعْضَهُ، وَإِمَّا إنْ تَقْلَعَ عَنْهُ النَّخْلَ.
وَإِنْ فَلَّسَ بِدُيُونِ النَّاسِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بِيعَتْ الْأَرْضُ بِالنَّخْلِ ثُمَّ قَسَمَ الثَّمَنَ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ بِلَا نَخْلٍ وَعَلَى مَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ فَأَعْطَى مُرْتَهِنَ الْأَرْضِ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ وَلِلْغُرَمَاءِ مَا أَصَابَ النَّخْلَ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ هُوَ غَرَسَ النَّخْلَ أَوْ أَحْدَثَ بِنَاءً فِي الْأَرْضِ، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ، وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا وَنَخْلًا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الرَّاهِنُ قَدْ نَبَتَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نَخْلٌ لَمْ أَكُنْ رَهَنْتُكَهُ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ مَا نَبَتَ فِيهِ إلَّا مَا كَانَ فِي الرَّهْنِ أُرِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنْ قَالُوا قَدْ يَنْبُتُ مِثْلُ هَذَا النَّخْلِ بَعْدَ الرَّهْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَا نَبَتَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا يُنْزَعُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت فَإِنْ قَالُوا لَا يَنْبُتُ مِثْلُ هَذَا فِي هَذَا الْوَقْتِ لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَ دَاخِلًا فِي الرَّهْنِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا عَلَى مَا يَكُونُ مِثْلُهُ.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ غِرَاسٌ لَا بِوَاسِطَةِ مَنْبَتٍ سُئِلُوا أَيْضًا فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغِرَاسِ مَا قَالَ: فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ بُنْيَانًا فَإِنْ كَانَتْ جَاءَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يُبْنَى فِي مِثْلِهَا بِحَالٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَبْنِي فِي مِثْلِهَا بِحَالٍ، فَالْبِنَاءُ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ جَاءَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْبِنَاءِ فِيهَا، وَبَعْضٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَانَ الْبِنَاءُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَاخِلًا فِي الرَّهْنِ وَالْبِنَاءُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ جِدَارٌ طُولُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَسَاسَهُ، وَقَدْرُ ذِرَاعٍ مِنْهُ، كَانَ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الرَّهْنِ.
وَإِذَا رَهَنَهُ شَجَرًا صِغَارًا فَكَبِرَ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ ثَمَرًا صِغَارًا فَبَلَغَ كَانَ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَإِذَا رَهَنَهُ أَرْضًا وَنَخْلًا فَانْقَطَعَتْ عَيْنُهَا أَوْ انْهَدَمَتْ وَدُثِّرَ مَشْرَبُهَا لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ أَنْ يُصْلِحَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُصْلِحَهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ، كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، وَإِنْ أَصْلَحَهُ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِإِصْلَاحِهِ، وَإِنْ أَرَادَ إصْلَاحَهُ بِشَيْءٍ يَكُونُ صَلَاحًا مَرَّةً وَفَسَادًا أُخْرَى فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إنْ فَسَدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِمَا صَنَعَ مِنْهُ.
وَإِذَا رَهَنَهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَغَابَ الرَّاهِنُ أَوْ مَرِضَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَلَا تَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ حَتَّى يَقْضِيَ بِهَا الْحَاكِمُ عَلَى الْغَائِبِ وَيَجْعَلَهَا دَيْنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ تُمَاتَ ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا حَرَجَ فِي إمَاتَةِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ مِنْ أَرْضٍ وَنَبَاتٍ، وَالدَّوَابُّ ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ كُلُّهَا كَالْعَبِيدِ إذَا كَانَتْ مِمَّا تُعْلَفُ فَإِنْ كَانَتْ سَوَائِمَ رُعِيَتْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِعَلْفِهَا؛ لِأَنَّ السَّوَائِمَ هَكَذَا تُتَّخَذُ.
وَلَوْ تَسَاوَكَتْ هَزْلًا، وَكَانَ الْحَقُّ حَالًّا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُ الرَّاهِنِ بِبَيْعِهَا، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ مُرُوا الرَّاهِنَ بِذَبْحِهَا فَيَبِيعُ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ يُحْدِثُ لَهَا الْغَيْثَ فَيَحْسُنُ حَالُهَا بِهِ، وَلَوْ أَصَابَهَا مَرَضٌ جَرَبٌ أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يُكَلَّفْ عِلَاجَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَذْهَبُ بِغَيْرِ الْعِلَاجِ، وَلَوْ أَجْدَبَ مَكَانُهَا حَتَّى تَبَيَّنَ ضَرَرُهُ عَلَيْهَا كُلِّفَ رَبُّهَا النُّجْعَةَ بِهَا إذَا كَانَتْ النُّجْعَةُ مَوْجُودَةً

لِأَنَّهَا إنَّمَا تُتَّخَذُ عَلَى النُّجْعَةِ، وَلَوْ كَانَ بِمَكَانِهَا عُصُمٌ مِنْ عِضَاهِ تَمَاسَكَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ النُّجْعَةُ خَيْرًا لَهَا لَمْ يُكَلَّفْ صَاحِبُهَا النُّجْعَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَهْلِكُ عَلَى الْعُصُمِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ أَوَارِكَ أَوْ خَمِيصَةً أَوْ غَوَادِيَ فَاسْتُؤْنِيَتْ مَكَانَهَا فَسَأَلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يَنْتَجِعَ بِهَا إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ الْمَرْعَى فَإِذَا كَانَ الرَّعْيُ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إبْدَالُهَا غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ كُلِّفَ النُّجْعَةَ إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَعْلِفَهَا.
فَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَشَرَطَ مَالَهُ رَهْنًا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا، وَمَا قَبَضَ مِنْ مَالِهِ رَهْنٌ، وَمَا لَمْ يَقْبِضْ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ.

[ضَمَانُ الرَّهْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَغْلُقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا كَانَ رَهْنًا غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ قَالَ: «الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ فَضَمَانُهُ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ» ثُمَّ زَادَ فَأَكَّدَ لَهُ فَقَالَ «لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» وَغُنْمُهُ سَلَامَتُهُ وَزِيَادَتُهُ وَغُرْمُهُ عَطَبُهُ وَنَقْصُهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمَانَةً مِنْ مَالِكِهِ لَا مِنْ مُرْتَهِنِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ ارْتَهَنَ مِنْ رَجُلٍ خَاتَمًا بِدِرْهَمٍ يَسْوَى دِرْهَمًا فَهَلَكَ الْخَاتَمُ فَمَنْ قَالَ: يَذْهَبُ دِرْهَمُ الْمُرْتَهِنِ بِالْخَاتَمِ كَانَ قَدْ زَعَمَ أَنَّ غُرْمَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ دِرْهَمَهُ ذَهَبَ بِهِ، وَكَانَ الرَّاهِنُ بَرِيئًا مِنْ غُرْمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ ثَمَنَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ لَمْ يَغْرَمْ لَهُ شَيْئًا وَأَحَالَ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - «لَا يَغْلُقُ الرَّهْنُ» لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُرْتَهِنُ بِأَنْ يَدَعَ الرَّاهِنُ قَضَاءَ حَقِّهِ عِنْدَ مَحِلِّهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ مُرْتَهِنُهُ خِدْمَتَهُ، وَلَا مَنْفَعَةً فِيهِ بِارْتِهَانِهِ إيَّاهُ، وَمَنْفَعَتُهُ لِرَاهِنِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هُوَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ» ، وَمَنَافِعُهُ مِنْ غُنْمِهِ، وَإِذَا لَمْ يَخُصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هُوَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ» ، وَمَنَافِعُهُ مِنْ غُنْمِهِ، وَإِذَا لَمْ يَخُصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَهْنًا دُونَ رَهْنٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الرَّهْنِ مَضْمُونٌ، وَمِنْهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً أَوْ فِي حُكْمِهَا فَمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ وَخَفِيَ مِنْ الْأَمَانَةِ سَوَاءٌ أَوْ مَضْمُونَةٌ فَمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ وَخَفِيَ مِنْ الْمَضْمُونِ سَوَاءٌ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّهْنِ خَبَرٌ يُتْبَعُ مَا جَازَ فِي الْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ دَفَعَهُ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَيْهِ وَسَلَّطَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى حَبْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لَأَنْ يَضْمَنَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا تَعَدَّى الْحَابِسُ بِحَبْسِهِ مِنْ غَصْبٍ أَوْ بَيْعٍ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ فَلَا يُسَلِّمُهُ أَوْ عَارِيَّةٍ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا دُونَ مَالِكِهَا فَيَضْمَنُهَا كَمَا يَضْمَنُ السَّلَفَ وَالرَّهْنَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي.
فَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَيْئًا فَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْقَابِضِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالْحَقُّ ثَابِتٌ كَمَا كَانَ قَبْلَ الرَّهْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَا الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ مِنْ الرَّهْنِ شَيْئًا إلَّا فِيمَا يَضْمَنَانِ فِيهِ الْوَدِيعَةَ وَالْأَمَانَاتِ مِنْ التَّعَدِّي فَإِنْ تَعَدَّيَا فِيهِ فَهُمَا ضَامِنَانِ، وَمَا لَمْ يَتَعَدَّيَا فَالرَّهْنُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانَةِ.
فَإِذَا دَفَعَ الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّاهِنُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ فَامْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَهُ.
وَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ الْحَقَّ أَوْ أَحَالَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَرَضِيَ

الْمُرْتَهِنُ بِالْحَوَالَةِ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ الْبَرَاءَةِ ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّهْنَ فَحَبَسَهُ عَنْهُ، وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الرَّهْنِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا يُوجَدُ مِثْلُهُ فَيَضْمَنُ مِثْلَ مَا هَلَكَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَبْسِ.
وَإِنْ كَانَ رَبُّ الرَّهْنِ آجَرَهُ فَسَأَلَ الْمُرْتَهِنَ أَخْذَهُ مِنْ عِنْدِ مَنْ آجَرَهُ وَرَدَّهُ إلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الرَّهْنُ غَائِبًا عَنْهُ بِعِلْمِ الرَّاهِنِ فَهَلَكَ فِي الْغَيْبَةِ بَعْدَ بَرَاءَةِ الرَّاهِنِ مِنْ الْحَقِّ، وَقَبْلَ تَمَكُّنِ الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ لَمْ يَضْمَنْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ جَمَلًا فَشَرَدَ ثُمَّ بَرِئَ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ لَمْ يَضْمَنْ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْبِسْهُ وَرَدُّهُ يُمْكِنُهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الرَّهْنِ وَالْفَاسِدُ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ سَوَاءٌ كَمَا تَكُونُ الْمُضَارَبَةُ الصَّحِيحَةُ وَالْفَاسِدَةُ فِي أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ سَوَاءٌ، وَلَوْ شَرَطَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلرَّهْنِ إنْ هَلَكَ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ قَارَضَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ فَشَرَطَ أَنَّهُ ضَامِنٌ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنٌ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ، وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ إنْ هَلَكَ، وَكَذَلِكَ إذَا ضَارَبَهُ عَلَى أَنَّ الْمُضَارِبَ ضَامِنٌ فَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ وَشَرَطَ لَهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالْحَقِّ إلَى كَذَا فَالرَّهْنُ لَهُ بَيْعٌ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ وَالرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ رَهَنَهُ دَارًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ أَجْنَبِيٌّ دَارِهِ إنْ عَجَزَتْ دَارُ فُلَانٍ عَنْ حَقِّهِ أَوْ حَدَثَ فِيهَا حَدَثٌ يُنْقِصُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ مَرَّةً رَهْنٌ، وَمَرَّةً غَيْرُ رَهْنٍ، وَمَرْهُونَةٌ بِمَا لَا يُعْرَفُ وَيَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زِيدَ مَعَهُ شَيْءٌ فَاسِدٌ.
وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ دَارِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ دَارِهِ إنْ حَدَثَ فِيهَا حَدَثٌ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِالرَّهْنِ إلَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَضْمُونًا، وَإِنْ هَلَكَتْ الدَّارُ لَمْ يَضْمَنْ الْمُرْتَهِنُ شَيْئًا.

[التَّعَدِّي فِي الرَّهْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَتَاعًا لَهُ رَهْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي ارْتَهَنَهُ بِهِ، إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ أَخْرَجَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِ الْمَتَاعِ فَهَلَكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ يَوْمَ أَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ تَعَدَّى فِيهِ فَإِذَا أُخِذَتْ قِيمَتُهُ مِنْهُ خُيِّرَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ أَنْ تَكُونَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ أَوْ تَكُونَ مَرْهُونَةً حَتَّى يَحِلَّ حَقُّ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْبَلَدِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَلَمْ يُفْسَخْ الرَّهْنُ فِيهِ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ، وَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ بِالرَّهْنِ فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ: دَفَعْته إلَيْك وَأَنْتَ عِنْدِي أَمِينٌ فَتَغَيَّرَتْ أَمَانَتُك بِتَعَدِّيك بِإِخْرَاجِك إيَّاهُ فَأَنَا مُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَقِيلَ إنْ شِئْت أَنْ تُخْرِجَهُ إلَى عَدْلٍ تَجْتَمِعُ أَنْتَ، وَهُوَ عَلَى الرِّضَا بِهِ أَخْرَجْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدَيْهِ.
وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ بِإِخْرَاجِهِ فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إذْ دَفَعَ الرَّهْنَ إلَيْهِ إمَّا بِسُوءِ حَالٍ فِي دِينِهِ أَوْ إفْلَاسٍ ظَهَرَ مِنْهُ.
وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ مِنْ أَنْ يَرْضَى بِعَدْلٍ يَقُومُ عَلَى يَدَيْهِ جُبِرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِتَغَيُّرِهِ عَنْ حَالِهِ حِينَ دُفِعَ إلَيْهِ إذَا أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدَيْهِ.
وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمُرْتَهِنُ عَنْ حَالِهِ بِالتَّعَدِّي، وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا يُغَيِّرُ الْأَمَانَةَ وَسَأَلَ الرَّاهِنَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ يَدَيْهِ الرَّهْنَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَهَكَذَا الرَّجُلُ يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فَيَتَغَيَّرُ حَالُهُ عَنْ الْأَمَانَةِ فَأَيُّهُمَا دَعَا إلَى إخْرَاجِ الرَّهْنِ مِنْ يَدَيْهِ كَانَ لَهُ.
الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ مَرْهُونٌ بِمَالِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ.
وَلَوْ اجْتَمَعَا عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ فَأَخْرَجَاهُ ثُمَّ أَرَادَ رَبُّ الرَّهْنِ فَسْخَ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ أَوْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ قَبْضَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ أَمَانَتَهُ، وَإِذَا دَعَوْا إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَتَرَاضَيَا بِهِ

أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ امْرَأَةٍ فَلَهُمَا وَضْعُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ تَرَاضَيَا بِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَدْعُوَانِ إلَيْهِ قِيلَ لَهُمَا اجْتَمِعَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا اخْتَارَ الْحَاكِمُ الْأَفْضَلَ مِنْ كُلِّ مَنْ دَعَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَيْهِ إنْ كَانَ ثِقَةً فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِمَّنْ دَعَوْا إلَيْهِ ثِقَةً قِيلَ اُدْعُوَا إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا اخْتَارَ الْحَاكِمُ لَهُ ثِقَةً فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.
وَإِذَا أَرَادَ الْعَدْلُ الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ رَدَّهُ بِلَا عِلَّةٍ أَوْ لِعِلَّةٍ وَالْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ حَاضِرَانِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى حَبْسِهِ، وَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ يَدَيْ نَفْسِهِ فَإِنْ فَعَلَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَهَلَكَ ضَمِنَ، وَإِنْ جَاءَ الْحَاكِمُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدَيْهِ وَذَلِكَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ سَفَرٌ أَوْ يَحْدُثَ لَهُ - وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا - شُغْلٌ أَوْ عِلَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ أَمَرَهُ بِحَبْسِهِ إنْ كَانَا قَرِيبًا حَتَّى يَقْدُمَا أَوْ يُوَكِّلَا فَإِنْ كَانَا بَعِيدًا لَمْ أَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى حَبْسِهِ.
وَإِنَّمَا هِيَ وَكَالَةٌ وُكِّلَ بِهَا بِلَا مَنْفَعَةٍ لَهُ وَيَسْأَلُهُ ذَلِكَ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِحَبْسِهِ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ إلَى عَدْلٍ وَغَيْرِهِ، وَتَعَدِّي الْعَدْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فِي الرَّهْنِ، وَتَعَدِّي الْمُرْتَهِنِ سَوَاءٌ يَضْمَنُ مِمَّا يَضْمَنُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ إذَا تَعَدَّى فَإِذَا تَعَدَّى فَأَخْرَجَ الرَّهْنَ فَتَلِفَ ضَمِنَ، وَإِنْ تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ وَالرَّهْنُ مَوْضُوعٌ عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ فَأَخْرَجَ الرَّهْنَ ضَمِنَ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ فَإِذَا رَدَّهُ عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ كَمَا يَبْرَأُ مِنْهُ لَوْ رَدَّهُ إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ.
وَإِذَا أَعَارَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فَهَلَكَ فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَالْقَوْلُ فِي قِيمَتِهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ قَالَ: كَانَ الرَّهْنُ لُؤْلُؤَةً صَافِيَةً وَزْنُهَا كَذَا قِيمَتُهَا كَذَا، قُوِّمَتْ بِأَقَلِّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ تِلْكَ الصِّفَةُ ثَمَنًا وَأَرْدَئِهِ فَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَى مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يَكُونُ مِثْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَقُوِّمَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلَى أَقَلِّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ ثَمَنًا وَأَرْدَئِهِ يَغْرَمُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَهَكَذَا إنْ مَاتَ فَأَوْصَى بِالرَّهْنِ إلَى غَيْرِهِ كَانَ لِأَيِّهِمَا شَاءَ إخْرَاجُهُ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا أَمَانَتَهُ، وَلَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرِّضَا بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ إذَا غَابَ أَوْ عِنْدَ مَوْتِهِ ثِقَةً وَيَجْتَمِعَانِ عَلَى مَنْ تَرَاضَيَا أَوْ يَنْصِبَ لَهُمَا الْحَاكِمُ ثِقَةً كَمَا وَصَفْت، وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ بَالِغِينَ قَامُوا مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ قَامَ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ ثِقَةٌ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي أَنْ يَصِيرَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ ثِقَةٍ.

[بَيْعُ الرَّهْنِ وَمَنْ يَكُونُ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْعَبْدَ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ إذَا حَلَّ حَقُّهُ أَنْ يَبِيعَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِأَنْ يَحْضُرَ رَبُّ الْعَبْدِ أَوْ يُوَكَّلَ مَعَهُ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ لِنَفْسِهِ فَإِنْ بَاعَ لِنَفْسِهِ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ بِكُلِّ حَالٍ وَيَأْتِي الْحَاكِمُ حَتَّى يَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ وَيُحْضِرُهُ وَعَلَى الْحَاكِمِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ أَنْ يَأْمُرَ رَبَّ الْعَبْدِ أَنْ يَبِيعَ فَإِنْ امْتَنَعَ أَمَرَ مَنْ يَبِيعُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ فَتَعَدَّى الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنَ فَبَاعَهُ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ إنْ فَاتَ، وَلَا يَكُونُ الدَّيْنُ حَالًّا كَانَ الْبَائِعُ الْمُرْتَهِنَ أَوْ عَدْلًا الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ الْحَقُّ الْمُؤَجَّلُ بِتَعَدِّي بَائِعٍ لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَدَّى بِأَمْرِ الرَّاهِنِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَالِ وَوَكَّلَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَا لَمْ يَفْسَخَا، وَكَالَتَهُ وَأَيُّهُمَا فَسَخَ وَكَالَتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبَيْعُ بَعْدَ فَسْخِ الْوَكَالَةِ وَبِبَيْعِ الْحَاكِمِ عَلَى الرَّاهِنِ إذَا سَأَلَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنَ، وَإِذَا بَاعَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْحَاكِمِ بِالْبَيْعِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِهِ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ، وَإِذَا بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ بِالْبَيْعِ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ، وَلَوْ بَاعَ بِشَيْءٍ يَجُوزُ فَلَمْ يُفَارِقْ بَيْعَهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ مَنْ

يَزِيدُهُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَرَدِّ الْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَ لَهُ بِشَيْءٍ قَدْ وَجَدَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَلَهُ الرَّدُّ.
وَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ وَسَأَلَ الرَّاهِنُ بَيْعَ الرَّهْنِ وَأَبَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ وَأَبَى الرَّاهِنُ أَمَرَهُمَا الْحَاكِمُ بِالْبَيْعِ فَإِنْ امْتَنَعَا أَمَرَ عَدْلًا فَبَاعَ، وَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي عَدْلًا فَبَاعَ أَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ فَبَاعَ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فَهَلَكَ الثَّمَنُ لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي هَلَكَ فِي يَدَيْهِ، وَإِنْ سَأَلَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ الْبَائِعَ أَجْرَ مِثْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ كَانَ مِمَّنْ يَتَطَوَّعُ مِثْلُهُ أَوْ لَا يَتَطَوَّعُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَجْرٌ إلَّا بِشَرْطٍ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إنْ كَانَ يَجِدُ عَدْلًا يَبِيعُ إذَا أَمَرَهُ مُتَطَوِّعًا أَنْ يَجْعَلَ لِغَيْرِهِ أَجْرًا، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي بَيْعِهِ وَيَدْعُو الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ بِعَدْلٍ وَأَيُّهُمَا جَاءَهُ بِعَدْلٍ يَتَطَوَّعُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ وَطَرَحَ الْمُؤْنَةَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ اسْتَأْجَرَ عَلَى الرَّهْنِ مَنْ يَبِيعُهُ وَجَعَلَ أَجْرَهُ فِي ثَمَنِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَلَاحِ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ.
وَإِذَا تَعَدَّى الْبَائِعُ بِحَبْسِ الثَّمَنِ بَعْدَ قَبْضِهِ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ بِدَيْنٍ فَهَرَبَ الْمُشْتَرِي أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ضَمِنَ قِيمَةَ الرَّهْنِ، قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ: عَلَيْهِ فِي حَبْسِ الثَّمَنِ مِثْلُهُ وَفِي بَيْعِهِ بِالدَّيْنِ قِيمَتُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بِيعَ الرَّهْنُ فَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِثَمَنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءُ حَقِّهِ حَاصَّ غُرَمَاءَ الرَّاهِنِ بِمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ غَيْرَ مَرْهُونٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَاصُّهُمْ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ رَهْنُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَوَقَفَ مَالُ غَرِيمِهِ حَتَّى يُبَاعَ رَهْنُهُ ثُمَّ يُحَاصُّهُمْ بِمَا فَضَلَ عَنْ رَهْنِهِ، وَإِنْ هَلَكَ رَهْنُهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ أَوْ ثَمَنُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ حَاصَّهُمْ بِجَمِيعِ رَهْنِهِ.
وَإِذَا بِيعَ الرَّهْنُ لِرَجُلٍ فَهَلَكَ ثَمَنُهُ فَثَمَنُهُ مِنْ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ.
وَهَكَذَا لَوْ بِيعَ مَا لِغُرَمَائِهِ بِطَلَبِهِمْ بَيْعَهُ فَوَقَفَ؛ لِيَحْسِبَ بَيْنَهُمْ فَهَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ دُونَ غُرَمَائِهِ، وَهُوَ مِنْ مَالِ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ غُرَمَاؤُهُ.
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ دَارًا بِأَلْفٍ فَمَاتَ الرَّاهِنُ فَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهَا فَأَمَرَ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهَا فَبِيعَتْ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفٍ فَهَلَكَتْ الْأَلْفُ فِي يَدَيْ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْبَيْعِ وَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الدَّارَ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَضْمَنُ الْحَاكِمُ، وَلَا الْعَدْلُ مِنْ الْأَلْفِ الَّتِي قَبَضَ الْعَدْلُ شَيْئًا بِهَلَاكِهَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَأَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ الدَّارَ، وَكَانَتْ أَلْفُ الْمُرْتَهِنِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ مَتَى وَجَدَ مَالًا أَخَذَهَا، وَكَذَلِكَ أَلْفُ الْمُشْتَرِي فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهَا أُخِذَتْ بِثَمَنِ مَالٍ لَهُ فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ الْمَالَ فَمَتَى وَجَدَ لَهُ مَالًا أَخَذَهَا وَعُهْدَتُهُ عَلَى الْمَيِّتِ الَّذِي بِيعَتْ عَلَيْهِ الدَّارُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعَةُ عَلَيْهِ الدَّارُ لَا يَجِدُ شَيْئًا غَيْرَ الدَّارِ أَوْ مُوسِرًا فِي أَنَّ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِ كَهِيَ عَلَيْهِ لَوْ بَاعَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ الَّذِي بِيعَ لَهُ الرَّهْنُ بِأَمْرِهِ مِنْ الْعُهْدَةِ بِسَبِيلٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَيْعُ الرِّبَاعِ وَالْأَرْضِينَ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرُّهُونِ سَوَاءٌ إذَا سَلَّطَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الْعَدْلَ الَّذِي لَا حَقَّ لَهُ فِي الرَّهْنِ عَلَى بَيْعِهَا بَاعَ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَتَأَنَّى بِالرِّبَاعِ وَالْأَرْضِينَ لِلزِّيَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَأَنِّيهِ بِغَيْرِهَا فَإِنْ لَمْ يَتَأَنَّ وَبَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَأَنَّى فَبَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُمْكِنُهُ الْفُرْصَةُ فِي عَجَلَتِهِ الْبَيْعَ، وَقَدْ يَتَأَنَّى فَيُحَابِي فِي الْبَيْعِ وَالتَّأَنِّي بِكُلِّ حَالٍ أَحَبُّ إلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِيعَ غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ مَا يَفْسُدُ.
فَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَرُطَبُ الطَّعَامِ فَلَا يَتَأَنَّى بِهِ، وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ الرَّهْنَ، وَقَالَ: قَدْ دَفَعْت ثَمَنَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَعَلَى الْبَائِعِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّفْعِ، وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ قَالَ: هَلَكَ الثَّمَنُ مِنْ يَدَيْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا لَا يُدَّعَى فِيهِ الدَّفْعُ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ بِعْ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ بِعْ بِدَيْنٍ فَبَاعَ بِدَيْنٍ فَهَلَكَ الدَّيْنُ كَانَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ بِعْ بِدَرَاهِمَ وَالْحَقُّ دَرَاهِمُ فَبَاعَ بِدَنَانِيرَ أَوْ كَانَ الْحَقُّ دَنَانِيرَ فَقِيلَ لَهُ بِعْ بِدَنَانِيرَ فَبَاعَ بِدَرَاهِمَ فَهَلَكَ الثَّمَنُ كَانَ لَهُ ضَامِنًا، وَإِنْ لَمْ يَهْلِكْ فَالْبَيْعُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ تَعَدٍّ، وَلَا يُمْلَكُ مَالُ رَجُلٍ بِخِلَافِهِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الرَّاهِنُ بِعْ بِدَنَانِيرَ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ بِعْ بِدَرَاهِمَ لَمْ

يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي ثَمَنِ الرَّهْنِ وَحَقِّ الرَّاهِنِ فِي رَقَبَتِهِ وَثَمَنِهِ وَجَاءَ الْحَاكِمُ حَتَّى يَأْمُرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ثُمَّ يَصْرِفَهُ فِيمَا الرَّهْنُ فِيهِ إنْ كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَلَوْ بَاعَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِمَا الرَّهْنُ بِهِ كَانَ ضَامِنًا، وَكَانَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ لِكِلَيْهِمَا حَقًّا فِي الرَّهْنِ.
وَلَوْ بَاعَ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا بَعْدُ عَلَيْهِ بِمَا الْحَقُّ بِهِ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا.
وَلَوْ بَعَثَ بِالرَّهْنِ إلَى بَلَدٍ فَبِيعَ فِيهِ وَاسْتَوْفَى الثَّمَنَ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَكَانَ ضَامِنًا إنْ هَلَكَ ثَمَنُهُ، وَإِنَّمَا أَجَزْت الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا تَعَدَّى فِي إخْرَاجِ الْمَبِيعِ فَكَانَ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا فَأَخْرَجَ ثَمَنَهُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَيَضْمَنُ ثَمَنَهُ بِإِخْرَاجِهِ بِلَا أَمْرِ سَيِّدِهِ.

[رَهْنُ الرَّجُلَيْنِ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ]

َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلَانِ الْعَبْدَ رَجُلًا، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُمَا فَالرَّهْنُ جَائِزٌ فَإِنْ رَهَنَاهُ مَعًا ثُمَّ أَقْبَضَهُ أَحَدُهُمَا الْعَبْدَ، وَلَمْ يُقْبِضْهُ الْآخَرُ فَالنِّصْفُ الْمَقْبُوضُ مَرْهُونٌ وَالنِّصْفُ غَيْرُ الْمَقْبُوضِ غَيْرُ مَرْهُونٍ حَتَّى يُقْبَضَ فَإِذَا قُبِضَ كَانَ مَرْهُونًا، وَإِذَا أَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَ الرَّاهِنَيْنِ مِنْ حَقِّهِ أَوْ اقْتَضَاهُ مِنْهُ فَالنِّصْفُ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْبَرِيءُ مِنْ الْحَقِّ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي مَرْهُونٌ حَتَّى يَبْرَأَ رَاهِنُهُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا رَهَنَاهُ مَعًا عَبْدًا كَانَ أَوْ عَبِيدًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَإِذَا رَهَنَاهُ عَبْدَيْنِ رَهْنًا وَاحِدًا فَهُوَ كَالْعَبْدِ الْوَاحِدِ فَإِنْ تَرَاضَى الرَّاهِنَانِ بِأَنْ يَصِيرَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ رَهْنًا لِأَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا وَسَأَلَ أَنْ يَفُكَّ لَهُ الْعَبْدَ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُمَا دَفَعَا الرَّهْنَ صَفْقَةً فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّهْنَيْنِ مَرْهُونُ النِّصْفِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُخْرِجَانِ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى غَيْرِهِ وَحَظُّ الْقَاضِي مِنْهُمَا الرَّهْنَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ.
فَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَهَنَهُ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ تَقَارَّا فِي الْعَبْدَيْنِ فَصَارَ الَّذِي رَهَنَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِلْكًا لِزَيْدٍ وَاَلَّذِي رَهَنَهُ زَيْدٌ مِلْكًا لِعَبْدِ اللَّهِ فَقَضَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَسَأَلَهُ فَكَّ عَبْدِهِ الَّذِي رَهَنَهُ زَيْدٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَعَبْدُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي رَهَنَهُ فَصَارَ لِزَيْدٍ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ وَعَبْدُ زَيْدٍ الَّذِي صَارَ لَهُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ حَتَّى يَفْتَكَّهُ زَيْدٌ؛ لِأَنَّ زَيْدًا رَهَنَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ رَهْنِ زَيْدٍ حَتَّى يَفْتَكَّهُ زَيْدٌ أَوْ يَبْرَأَ زَيْدٌ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَرَهَنَاهُمَا رَجُلًا فَقَالَا مُبَارَكٌ رَهْنٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَمَيْمُونٌ رَهْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا كَمَا قَالَ: وَأَيُّهُمَا أَدَّى فُكَّ لَهُ الْعَبْدُ الَّذِي رَهَنَ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يُفَكَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَزَادَ فِيهَا شَرْطًا أَنَّ أَيَّنَا أَدَّى إلَيْك قَبْلَ صَاحِبِهِ فَلَهُ أَنْ يَفُكَّ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ أَوْ لَهُ أَنْ يَفُكَّ أَيَّ الْعَبْدَيْنِ شَاءَ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَجْعَلْ الْحَقَّ مَحْضًا فِي رَهْنِهِ دُونَ رَهْنِ صَاحِبِهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي شَرْطِ صَاحِبِهِ مَرْهُونٌ مَرَّةً عَلَى الْكَمَالِ وَخَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ بَرَاءَةٍ مِنْ رَاهِنِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَقِّ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَشَرَطَ لَهُ الرَّاهِنَانِ أَنَّهُ إذَا قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ فَلَا يُفَكُّ لَهُ رَهْنُهُ حَتَّى يَقْضِيَ الْآخَرُ مَا عَلَيْهِ كَانَ الشَّرْطُ فِيهِ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَهْنٌ غَيْرُهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ رَهْنًا إلَّا بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ لَا أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا بِأَمْرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ وَشَرَطَ فِيهِ مَرَّةً أَنَّهُ رَهْنٌ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ فَيَكُونُ مَرَّةً خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ إذَا قَضَيَا مَعًا وَغَيْرَ خَارِجٍ مِنْ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يَقْضِ أَحَدُهُمَا، وَلَا يَدْرِي مَا يَبْقَى عَلَى الْآخَرِ، وَقَدْ كَانَا رَهْنَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَتَشَارَطُوا أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ دُونَ مَا عَلَى صَاحِبِهِ خَرَجَ

الرَّهْنَانِ مَعًا، وَكَانَ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بِغَيْرِ رَهْنٍ كَانَ الرَّهْنُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُمَا فِي هَذَا الشَّرْطِ رَهْنٌ مَرَّةً وَأَحَدُهُمَا خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ أُخْرَى بِغَيْرِ عَيْنِهِ؛ لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا يُؤَدِّي وَعَلَى أَيِّهِمَا يَبْقَى الدَّيْنُ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا إلَى سَنَةٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَهُ بِالْحَقِّ إلَى سَنَةٍ، وَإِلَّا فَالْعَبْدُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ كَانَ الرَّهْنُ فَاسِدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ مَحِلِّهِ، وَإِلَّا خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ وَصَارَتْ دَارُهُ رَهْنًا لَمْ تَكُنْ الدَّارُ رَهْنًا، وَكَانَ الرَّهْنُ فِي الْعَبْدِ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ مَرَّةً وَخَارِجٌ مِنْهُ أُخْرَى بِغَيْرِ بَرَاءَةٍ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ، وَلَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَهُ بِالْحَقِّ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ بَيْعٌ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنَّهُ رَهْنٌ فِي حَالٍ وَبَيْعٌ فِي أُخْرَى.

[رَهْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنْ رَجُلَيْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ مِنْ رَجُلَيْنِ بِمِائَةٍ فَنِصْفُهُ مَرْهُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِينَ فَإِذَا دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا خَمْسِينَ فَهِيَ لَهُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ مَعَهُ وَنِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ مَرْهُونًا عَنْ الْقَاضِي مِنْهُمَا خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَ الرَّاهِنُ مِنْ حَقِّهِ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ لَهُ تَامَّةً دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَانَ نِصْفُ الْعَبْدِ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ وَنِصْفُهُ مَرْهُونًا، وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِمَا مَعًا خَمْسِينَ أَوْ تِسْعِينَ فَالْعَبْدُ كُلُّهُ مَرْهُونٌ بِمَا بَقِيَ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ حَقِّهِ فِيهِ، فَيَخْرُجُ حَقُّهُ مِنْ الرَّهْنِ أَوْ يَسْتَوْفِيَا مَعًا فَتَخْرُجُ حُقُوقُهُمَا مَعًا وَالِاثْنَانِ الرَّاهِنَانِ وَالْمُرْتَهِنَانِ يُخَالِفَانِ الْوَاحِدَ كَمَا يَكُونُ الرَّجُلَانِ يَشْتَرِيَانِ الْعَبْدَ فَيَجِدَانِ بِهِ عَيْبًا فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَالْآخَرُ التَّمَسُّكَ بِالشِّرَاءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي وَاحِدًا فَأَرَادَ رَدَّ نِصْفَ الْعَبْدِ، وَإِمْسَاكَ نِصْفِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.

[رَهْنُ الْعَبْدِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ]

ِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَأَذِنَا لِرَجُلٍ أَنْ يَرْهَنَهُ رَجُلَيْنِ بِمِائَةٍ فَرَهَنَهُ بِهَا وَوَكَّلَ الْمُرْتَهِنَانِ رَجُلًا يَقْبِضُ حَقَّهُمَا فَأَعْطَاهُ الرَّاهِنُ خَمْسِينَ عَلَى أَنَّهَا حَقُّ فُلَانٍ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ حَقِّ فُلَانٍ وَنِصْفُ الْعَبْدِ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرْتَهِنٌ نِصْفُهُ فَسَوَاءٌ ارْتَهَنَا الْعَبْدَ مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ ثُمَّ الْآخَرُ نِصْفَهُ بَعْدَهُ، وَهَكَذَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَى وَكِيلِهِمَا، وَلَمْ يُسَمِّ لِمَنْ هِيَ ثُمَّ قَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ فَهِيَ لِفُلَانٍ فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ قَضَاءٌ مِمَّا عَلَيَّ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا الْوَكِيلُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ: ادْفَعْهَا إلَى أَحَدِهِمَا كَانَتْ لِلَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ دَفَعَهَا الْوَكِيلُ إلَيْهِمَا مَعًا فَأَخَذَاهَا ثُمَّ قَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْآخَرِ مَا قَبَضَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ لِغَرِيمِهِ مَالًا فَأَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ لِغَرِيمِهِ إخْرَاجُهُ مِنْ يَدَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِأَنَّ الْعَبْدَ لِرَجُلَيْنِ، وَكَانَ الرَّهْنُ عَلَى بَيْعٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ، وَإِنْ افْتَكَّ الْمُرْتَهِنُ حَقَّ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ عَبْدًا كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَفْتَكَّ دُونَ الْآخَرِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ جَاهِلًا أَنَّ الْعَبْدَ لِاثْنَيْنِ فَقَضَاهُ الْغَرِيمُ مَا قَضَاهُ مُجْتَمِعًا فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ قَضَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ

لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا لَمْ يُفَكَّ إلَّا مَعًا كَانَ خَيْرًا لِلْمُرْتَهِنِ.
وَالْآخَرُ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَرْهُونٌ كُلُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[رَهْنُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ الشَّيْئَيْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدًا وَدَارًا أَوْ عَبْدًا، وَمَتَاعًا بِمِائَةٍ فَقَضَاهُ خَمْسِينَ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الرَّهْنِ شَيْئًا قِيمَتُهُ مِنْ الرَّهْنِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الرَّهْنِ أَوْ نِصْفُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا يُخْرِجُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ، وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ طَعَامًا وَاحِدًا فَقَضَاهُ نِصْفَ حَقِّهِ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ الطَّعَامِ أَوْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا يَفُكُّ مِنْ الرَّهْنِ شَيْئًا إلَّا مَعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعَجِّلُ بِالْقَضَاءِ الْتِمَاسَ فَكِّ جَمِيعِ الرَّهْنِ أَوْ مَوْضِعِ حَاجَتِهِ مِنْهُ.
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ رَهَنَا مَعًا شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ كُلِّهَا الْعَبِيدِ أَوْ الدُّورِ أَوْ الْأَرْضِينَ أَوْ الْمَتَاعِ بِمِائَةٍ فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ فَأَرَادَ الْقَاضِي وَالرَّاهِنُ مَعَهُ الَّذِي لَمْ يَقْضِ أَنْ يُخْرِجَ عَبْدًا مِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ رَهْنًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُرْتَهِنُ آخِرَ حَقِّهِ وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا رَهَنَا خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ وَذَلِكَ نَصِيبُ الَّذِي قَضَى حَقَّهُ.
وَلَوْ كَانَ مَا رَهَنَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ طَعَامًا سَوَاءً فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الرَّهْنِ، وَقَالَ الَّذِي أَدَعُ فِي يَدَيْك مِثْلُ مَا آخُذُ مِنْك بِلَا قِيمَةٍ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا يُشْبِهُ الِاثْنَانِ فِي الرَّهْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْوَاحِدَ فَإِذَا رَهَنَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالطَّعَامَ الْوَاحِدَ فَأَدَّى أَحَدُهُمَا وَرَضِيَ شَرِيكُهُ مُقَاسَمَتَهُ كَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ دَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَتْ حِصَّتُهُ كُلُّهَا مِنْ الرَّهْنِ وَأَنْ لَيْسَ فِي حِصَّتِهِ إشْكَالٌ إذْ مَا أَخَذَ مِنْهَا كَمَا بَقِيَ وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تَقُومَ بِغَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ رَهْنُ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ قُضِيَ مَا فِيهِ بِرَهْنِ آخَرَ لَمْ يَقْضِ مَا فِيهِ.

[إذْنُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ فِي أَنْ يَرْهَنَ عَنْهُ مَا لِلْآذِنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ عَنْهُ عَبْدًا لِلْآذِنِ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ بِكَمْ يَرْهَنُهُ أَوْ سَمَّى شَيْئًا يَرْهَنُهُ فَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً مِنْهُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ، وَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ مَالِكُ الْعَبْدِ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ وَيَرْهَنُهُ الرَّاهِنُ بِمَا سَمَّى أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ مِمَّا أَذِنَ لَهُ بِهِ كَأَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَهَنَهُ بِخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ بِالْخَمْسِينَ وَأَكْثَرَ، وَلَوْ رَهَنَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَدِينَارٍ لَمْ يَجُزْ مِنْ الرَّهْنِ شَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْطَلَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَهَنَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِمِائَةِ شَاةٍ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ لِلْخِلَافِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَدْ أَذِنْت لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ فَرَهَنَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَقَالَ مَالِكُ الْعَبْدِ مَا أَذِنْت لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ إلَّا بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ مِائَةِ دِرْهَمٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَهَنَهُ بِهَا إلَى أَجَلٍ، وَقَالَ مَالِكُ الْعَبْدِ: لَمْ آذَنْ لَهُ إلَّا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا نَقْدًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَالِكِ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَذِنْت لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ إلَى شَهْرٍ فَرَهَنَهُ إلَى شَهْرٍ وَيَوْمٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ.
وَلَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِمَا شِئْت فَرَهَنَهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِالضَّمَانِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْبُيُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ مَضْمُونًا فِي عُنُقِ عَبْدِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا مَا عَلِمَ قَبْلَ ضَمَانِهِ، وَلَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَهَنَهُ بِهَا إلَى سَنَةٍ فَقَالَ أَرَدْت أَنْ يَرْهَنَهُ

نَقْدًا كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا كَانَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ نَقْدًا بِافْتِدَاءِ الرَّهْنِ مَكَانَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ بِالْمِائَةِ نَقْدًا فَقَالَ: أَذِنْت لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِالْمِائَةِ إلَى وَقْتٍ يُسَمِّيهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي الْمِائَةَ عَلَى الرَّهْنِ بَعْدَ سَنَةٍ فَيَكُونُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَالَّةً، وَلَا يَجُوزُ إذْنُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ بِأَنْ يَرْهَنَ عَبْدَهُ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ وَالْأَجَلُ فِيمَا يَرْهَنُهُ بِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَا كَانَ لَك عَلَى فُلَانٍ مِنْ حَقٍّ فَقَدْ رَهَنْتُك بِهِ عَبْدِي هَذَا أَوْ دَارِي فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَكُونَ عَلِمَ مَا كَانَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَبَدًا وَكُلُّ مَا جَعَلْت الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فِيهِ، وَلَوْ عَلِمَ مَالَهُ عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ لَك أَيُّ مَالِي شِئْت رَهْنٌ وَسَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِ مَا شَاءَ مِنْهُ فَقَبَضَهُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا حَتَّى يَكُونَ مَعْلُومًا، وَمَقْبُوضًا بَعْدَ الْعِلْمِ لَا أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ إلَى الْمُرْتَهِنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: الرَّاهِنُ قَدْ رَهَنْتُك أَيَّ مَالِي شِئْت فَقَبَضَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَرْهَنَك دَارِي، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَرَدْت أَنْ أَرْتَهِنَ عَبْدَك أَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: اخْتَرْت أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: اخْتَرْت أَنْ تَرْهَنَنِي دَارَك لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ يَعْرِفَانِهِ مَعًا، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَرْهَنَك دَارِي فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: فَأَنَا أَقْبَلُ مَا أَرَدْت لَمْ تَكُنْ الدَّارُ رَهْنًا حَتَّى يُجَدِّدَ لَهُ بَعْدَ مَا يَعْلَمَانِهَا مَعًا فِيهَا رَهْنًا وَيُقْبِضَهُ إيَّاهُ.
وَإِذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى رَجَعَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ، وَإِنْ فَعَلَ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْآذِنُ أَخْذَ الرَّاهِنِ بِافْتِكَاكِهِ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَبِيعَ فِي مَالِهِ حَتَّى يُوَفِّيَ الْغَرِيمَ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْغَرِيمُ أَنْ يُسْلِمَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ إلَى مَحِلِّ الْأَجَلِ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَذَلِكَ لَهُ كَمَا كَانَ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ.

[الْإِذْنُ بِالْأَدَاءِ عَنْ الرَّاهِنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَدَّى الدَّيْنَ الْحَالَّ أَوْ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ بِإِذْنِهِ رَجَعَ بِهِ الْآذِنُ فِي الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ حَالًّا، وَلَوْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَالًّا كَانَ الدَّيْنُ أَوْ مُؤَجَّلًا كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالْأَدَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الرَّاهِنُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: أَدَّيْت عَنِّي بِغَيْرِ أَمْرِي، وَقَالَ الْآذِنُ لَهُ فِي الرَّهْنِ: قَدْ أَدَّيْت عَنْك بِأَمْرِك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ يُرِيدُ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَثْبُتُ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنُ الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ الْحَقَّ عَلَى الرَّاهِنِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّ مَالِكَ الْعَبْدِ الْآذِنَ لَهُ فِي الرَّهْنِ أَدَّى عَنْهُ بِأَمْرِهِ كَانَتْ شَهَادَتُهُ جَائِزَةً وَيَحْلِفُ مَعَ شَهَادَتِهِ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْحَقِّ شَيْءٌ، وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ يَجُرُّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ إلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا فَأَرُدُّ شَهَادَتَهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَقِيَ مِنْ الْحَقِّ شَيْءٌ فَشَهِدَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِلْمُؤَدَّى إلَيْهِ أَنَّهُ أَدَّى بِإِذْنِ الرَّاهِنِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَكَانَ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَلَوْ أَذِنَ الرَّجُلُ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدًا لَهُ بِعَيْنِهِ فَرَهَنَ عَبْدًا لَهُ آخَرَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ مَالِكُ الْعَبْدِ: أَذِنْت لَك أَنْ تَرْهَنَ سَالِمًا فَرَهَنْت مُبَارَكًا، وَقَالَ الرَّاهِنُ: مَا رَهَنْت إلَّا مُبَارَكًا، وَهُوَ الَّذِي أَذِنْت لِي بِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكِ الْعَبْدِ، وَمُبَارَكٌ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ.
وَلَوْ اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ سَالِمًا بِمِائَةٍ حَالَّةٍ فَرَهَنَهُ بِهَا، وَقَالَ مَالِكُ الْعَبْدِ: أَمَرْتُك أَنْ تَرْهَنَهُ مِنْ فُلَانٍ فَرَهَنْته مِنْ غَيْرِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْذَنُ فِي الرَّجُلِ الثِّقَةِ بِحُسْنِ مُطَالَبَتِهِ، وَلَا يَأْذَنُ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: بِعْهُ مِنْ فُلَانٍ بِمِائَةٍ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بِمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي

بَيْعِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ.
وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدَهُ فُلَانًا وَأَذِنَ لِآخَرَ أَنْ يَرْهَنَ ذَلِكَ الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ فَرَهَنَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَعَلِمَ أَيَّهُمَا رَهَنَهُ أَوَّلًا فَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ جَائِزٌ وَالْآخَرُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ تَدَاعَيَا الْمُرْتَهِنَانِ فِي الرَّهْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: رَهْنِي أَوَّلٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: رَهْنِي أَوَّلٌ وَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الَّذِي رَهَنَهُ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ صَدَّقَ الرَّاهِنَانِ الْمَأْذُونِ لَهُمَا بِالرَّهْنِ أَحَدَهُمَا، وَكَذَّبَا الْآخَرَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنَيْنِ، وَلَا شَهَادَتُهُمَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا وَيَدْفَعَانِ عَنْهَا.
أَمَّا مَا يَجُرَّانِ إلَيْهَا فَاَلَّذِي يَدَّعِي أَنَّ رَهْنَهُ صَحِيحٌ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ جَوَازَ الْبَيْعِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَأَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْبَيْعِ فِي الرَّهْنِ مَا كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا دُونَ مَالِهِ سِوَاهُ وَأَمَّا الَّذِي يَدْفَعُ أَنَّ رَهْنَهُ صَحِيحٌ فَأَنْ يَقُولَ رَهْنِي آخِرٌ فَيَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكِ الرَّهْنِ الْآذِنِ لَهُ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِافْتِكَاكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ تَرَكَهُ الْغَرِيمُ.
وَإِنْ صَدَّقَ مَالِكُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَحَدَ الْغَرِيمَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَالُهُ وَفِي ارْتِهَانِهِ نَقْصٌ عَلَيْهِ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مَالِكُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَدْرِ أَيَّ الرَّهْنَيْنِ أَوَّلًا فَلَا رَهْنَ فِي الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ حِينَ تَنَازَعَا فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا أَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ، وَلَمْ تُوَقِّتْ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَهْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَلَا رَهْنَ، وَإِنْ وَقَّتَتْ وَقْتًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَهْنًا لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ كَانَ رَهْنًا لِلَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ أَوَّلًا.
وَأَيُّ الْمُرْتَهِنَيْنِ أَرَادَ أَنْ أُحَلِّفَ لَهُ الْآخَرَ عَلَى دَعْوَاهُ أَحَلَفْتُهُ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ أُحَلِّفَ لَهُمَا الْمَالِكَ أَحَلَفْته عَلَى عِلْمِهِ، وَإِنْ أَرَادَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ أُحَلِّفَ لَهُ رَاهِنَهُ لَمْ أُحَلِّفْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ أَوْ ادَّعَاهُ لَمْ أُلْزِمْهُ إقْرَارَهُ، وَلَمْ آخُذْ لَهُ بِدَعْوَاهُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ عَبْدَهُ رَجُلَيْنِ وَأَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَبْضِهِ كُلِّهِ بِالرَّهْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ رَهْنَهُ، وَقَبْضَهُ كَانَ قَبْلَ رَهْنِ صَاحِبِهِ، وَقَبْضِهِ، وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ، وَلَيْسَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَصَدَّقَ الرَّاهِنُ أَحَدَهُمَا بِدَعْوَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِلَّذِي زَعَمَ أَنَّ رَهْنَهُ كَانَ آخِرًا، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلَّذِي زَعَمَ الرَّاهِنُ أَنَّ رَهْنَهُ كَانَ آخِرًا بِأَنَّ رَهْنَهُ كَانَ أَوَّلًا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يُعْطِيَهُ رَهْنًا غَيْرَهُ، وَلَا قِيمَةَ رَهْنٍ، وَلَوْ أَنَّ الرَّاهِنَ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ أَيِّهِمَا كَانَ أَوَّلًا وَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينَهُ وَادَّعَى عِلْمَهُ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا كَانَ أَوَّلًا، وَكَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَصَدَّقَ الرَّاهِنُ الَّذِي لَيْسَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْهِ كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الْعَبْدِ أَقَلَّ مِنْ حَقِّ الَّذِي زَعَمَ أَنَّ رَهْنَهُ كَانَ آخِرًا أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَبْرَأُ مِنْ حَقِّ الَّذِي أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ آخِرًا، وَلَا تَصْنَعُ كَيْنُونَةُ الرَّهْنِ هَا هُنَا فِي يَدِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ يُمْلَكُ بِكَيْنُونَتِهِ فِي يَدِهِ.
وَالْآخَرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالرَّهْنِ مِثْلَ مَا يَمْلِكُ الْمُرْتَهِنُ غَيْرَهُ.

[الرِّسَالَةُ فِي الرَّهْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَتَاعًا فَقَالَ لَهُ: ارْهَنْهُ عِنْدَ فُلَانٍ فَرَهَنَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ الدَّافِعُ: إنَّمَا أَمَرْته أَنْ يَرْهَنَهُ عِنْدَك بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: جَاءَنِي بِرِسَالَتِك فِي أَنْ أُسَلِّفَك عِشْرِينَ فَأَعْطَيْته إيَّاهَا فَكَذَّبَهُ الرَّسُولُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّسُولِ وَالْمُرْسِلِ وَلَا أَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: قَدْ قَبَضْت مِنْك عِشْرِينَ، وَدَفَعْتهَا إلَى الْمُرْسِلِ، وَكَذَّبَهُ الْمُرْسِلُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْسِلِ مَعَ يَمِينِهِ مَا أَمَرَهُ إلَّا بِعَشَرَةٍ وَلَا دَفَعَ إلَيْهِ إلَّا هِيَ، وَكَانَ الرَّهْنُ بِعَشَرَةٍ، وَكَانَ الرَّسُولُ ضَامِنًا لِلْعَشَرَةِ الَّتِي أَقَرَّ

بِقَبْضِهَا مَعَ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَقَرَّ الْمُرْسِلُ بِقَبْضِهَا.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا فَرَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلٍ، وَقَالَ الرَّسُولُ: أَمَرْتنِي بِرَهْنِ الثَّوْبِ عِنْدَ فُلَانٍ بِعَشَرَةٍ فَرَهَنْته، وَقَالَ الْمُرْسِلُ: أَمَرْتُك أَنْ تَسْتَسْلِفَ مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةً بِغَيْرِ رَهْنٍ وَلَمْ آذَنْ لَك فِي رَهْنِ الثَّوْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ وَالْعَشَرَةُ حَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَالَ: أَمَرْتُك بِأَخْذِ عَشَرَةٍ سَلَفًا فِي عَبْدِي فُلَانٍ، وَقَالَ الرَّسُولُ: بَلْ فِي ثَوْبِك هَذَا أَوْ عَبْدِك هَذَا الْعَبْدُ غَيْرُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْآمِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، وَالْعَشَرَةُ حَالَّةٌ عَلَيْهِ وَلَا رَهْنَ فِيمَا رَهَنَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ الْآمِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَا فِيهِ رَهْنًا وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَدَفَعَ الْمَأْمُورُ الثَّوْبَ أَوْ الْعَبْدَ الَّذِي أَقَرَّ الْآمِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَهْنِهِ كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا وَالثَّوْبُ الَّذِي أَنْكَرَ الْآمِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَهْنِهِ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ وَلَوْ أَقَامَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْآمِرَ أَمَرَ بِرَهْنِ الثَّوْبِ وَأَقَامَ الْآمِرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَمَرَ بِرَهْنِ الْعَبْدِ دُونَ الثَّوْبِ وَلَمْ يَرْهَنْ الْمَأْمُورُ الْعَبْدَ أَوْ أَنَّهُ نَهَى عَنْ رَهْنِ الثَّوْبِ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ وَأَجَزْتُ لَهُ مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ رَهْنًا لِأَنِّي إذَا جَعَلْتُ بَيْنَهُمَا صَادِقَةً مَعًا، لَمْ تُكَذِّبْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ بِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ أُكْرِهَ بِرَهْنِهِ قَدْ تَكُونُ صَادِقَةً بِلَا تَكْذِيبٍ لِبَيِّنَةِ الرَّاهِنِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ رَهْنِهِ وَلَا أَنَّهُ أَمَرَ بِرَهْنِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُنْهَى عَنْ رَهْنِهِ بَعْدَ مَا يَأْذَنُ فِيهِ وَيَرْهَنُ فَلَا يَنْفَسِخُ ذَلِكَ الرَّهْنُ وَيُنْهَى عَنْ رَهْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَ ثُمَّ يَأْذَنُ فِيهِ، فَإِذَا رَهَنَهُ فَلَا يُفْسَخُ ذَلِكَ الرَّهْنُ، فَإِذَا كَانَتَا صَادِقَتَيْنِ بِحَالٍ لَمْ يُحْكَمْ لَهُمَا حُكْمُ الْمُتَضَادَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا تَكُونَانِ أَبَدًا إلَّا وَإِحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ.

[شَرْطُ ضَمَانِ الرَّهْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا بِمِائَةٍ وَوَضَعَ الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ حَدَثَ فِي الرَّهْنِ حَدَثٌ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ مِنْ الْمِائَةِ، أَوْ فَاتَ الرَّهْنُ أَوْ تَلِفَ فَالْمِائَةُ مَضْمُونَةٌ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ مَا نَقَصَ الرَّهْنُ مَضْمُونٌ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ رَهْنَهُ أَوْ يَضْمَنَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَا نَقَصَ الرَّهْنُ كَانَ الضَّمَانُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَاقِطًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الضَّمَانُ إلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّهْنَ إنْ وَفَّى لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِشَيْءٍ وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ فِي شَرْطِهِ فَيَضْمَنُ مَرَّةً دِينَارًا وَمَرَّةً مِائَتَيْ دِينَارٍ وَمَرَّةً مِائَةً وَهَذَا ضَمَانٌ مَرَّةً وَلَا ضَمَانُ أُخْرَى وَضَمَانٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا يَجُوزُ الضَّمَانُ حَتَّى يَكُونَ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا رَهْنًا بِمِائَةٍ وَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ الْمِائَةَ عَنْ الرَّاهِنِ كَانَ الضَّمَانُ لَهُ لَازِمًا، وَكَانَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِضَمَانِهِ دُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَقِيلَ يُبَاعُ الرَّهْنُ، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ فَزَادَهُ فِي الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا فَرَهَنَهُ إيَّاهُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالدَّيْنُ إلَى أَجَلِهِ الْأَوَّلِ.

[تَدَاعِي الرَّاهِنِ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ وَادَّعَى وَرَثَتُهُ فِي الرَّهْنِ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ حَيًّا فَاخْتَلَفَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ وَرَثَةِ الرَّاهِنِ، وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى الرَّاهِنُ أَوْ وَرَثَتُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ اقْتَضَى حَقَّهُ أَوْ بَرَّأَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ إذَا عَرَفَ لِرَجُلٍ حَقًّا أَبَدًا فَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِإِبْرَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ لَهُ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ

بِشَيْءٍ يُثْبِتُونَهُ بِعَيْنِهِ فَيَلْزَمُهُ.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا رَهْنًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَأَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ عَشَرَةٌ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ تِسْعُونَ فَإِذَا أَدَّاهَا، فُكَّ لَهُ الرَّهْنُ، وَإِلَّا بِيعَ الرَّهْنُ عِنْدَ مَحِلِّهِ وَاقْتُضِيَتْ مِنْهُ التِّسْعُونَ، وَلَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: قَضَاهُ شَيْئًا مَا نُثْبِتُهُ أَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: أَقَرَّ عِنْدَنَا الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا مَا نُثْبِتُهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا قِيلَ أَقَرُّوا فِيهَا بِشَيْءٍ مَا كَانَ وَاحْلِفُوا مَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَخُذُوا مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّكُمْ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ الْمَيِّتَ وَالْمُرْتَهِنُ الْحَيَّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ قَضَانِي شَيْئًا مِنْ الْحَقِّ مَا أَعْرِفُهُ قِيلَ لِلرَّاهِنِ إنْ كَانَ حَيًّا وَوَرَثَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا ادَّعَيْتُمْ شَيْئًا تُسَمُّونَهُ أَحَلَفْنَاهُ لَكُمْ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهُ، وَقُلْنَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مَا كَانَ فَمَا أَقَرَّ بِهِ وَحَلَفَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، قَبِلْنَا قَوْلَهُ فِيهِ.

[جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَيِّدِهِ]

ِ وَمِلْكِ سَيِّدِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَجَنَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ فَوَلِيُّ سَيِّدِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ وَبَيْنَ الْعَفْوِ بِلَا شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ فَقَدْ بَطَلَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ بِأَخْذِ دِيَتِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ إذَا أَتَتْ عَلَى نَفْسِ سَيِّدِهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: إنَّمَا مَنَعَنِي إذَا تَرَكَ الْوَلِيُّ الْقَوَدَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَنْ أُبْطِلَ الْجِنَايَةَ أَنَّ الْجِنَايَةَ الَّتِي لَزِمَتْ الْعَبْدَ مَالٌ لِلْوَارِثِ وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلْعَبْدِ يَوْمَ جَنَى فَيَبْطُلُ حَقُّهُ فِي رَقَبَتِهِ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْجِنَايَةَ هَدَرٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَمْلِكُهَا بَعْدَمَا يَمْلِكُهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْمَيِّتَ مَالِكٌ مَا قَضَى بِهَا دَيْنَهُ، وَلَوْ كَانَ لِلسَّيِّدِ وَارِثَانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْجِنَايَةِ بِلَا مَالٍ كَانَ الْعَفْوُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَائِزًا، وَكَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا بِحَالِهِ، وَإِنْ عَفَا الْآخَرُ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ بِيعَ نِصْفُهُ فِي الْجِنَايَةِ، وَكَانَ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ ثَمَنُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مِثْلَ الْجِنَايَةِ أَوْ أَقَلَّ، وَكَانَ نِصْفُهُ مَرْهُونًا وَسَوَاءٌ الَّذِي عَفَا عَنْ الْمَالِ وَاَلَّذِي عَفَا عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ فِيمَا وَصَفْت.
وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَلِلسَّيِّدِ الْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ صِغَارٌ وَبَالِغُونَ وَأَرَادَ الْبَالِغُونَ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَتْلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الصِّغَارُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ عِنْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَعْفُوَ أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُومَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ بِمَالِهِ قِيَامَ مَنْ لَا رَهْنَ لَهُ فَإِنْ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ فَبَقِيَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ ثُمَّ عَفَا بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْبَالِغِينَ بِلَا مَالٍ يَأْخُذُهُ كَانَ حَقُّ الْعَافِينَ مِنْ الْعَبْدِ رَهْنًا لَهُ يُبَاعُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ.
وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْبَالِغِينَ عَنْ الْقَوَدِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوَدِ وَيُبَاعُ نَصِيبُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَعْفُ، إنْ كَانَ الْبَيْعُ نَظَرًا لَهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ ثَمَنَ الْعَبْدِ يُمْلَكُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَالِكِهِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا مَوَارِيثَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ عَنْهَا فَيُرَدَّ رَهْنًا.
وَلَوْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَيِّدِهِ الرَّاهِنِ عَمْدًا فِيهَا قِصَاصٌ لَمْ يَأْتِ عَلَى النَّفْسِ كَانَ لِلسَّيِّدِ الرَّاهِنِ الْخِيَارُ فِي الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ فَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ قَالَ أَعْفُوا عَلَى أَنْ آخُذَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ رَقَبَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ.
وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهَا أَوْ خَطَأً فَهِيَ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ جِنَايَتِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى مَالِهِ دَيْنٌ.

وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى عَبْدٍ لِلسَّيِّدِ جِنَايَةً فِي نَفْسٍ أَوْ مَا دُونَهَا فَالْخِيَارُ إلَى السَّيِّدِ الرَّاهِنِ فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا وَبِأَيِّ

الْوَجْهَيْنِ عَفَا فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ إنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، وَلَوْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدٍ لِلرَّاهِنِ مَرْهُونٌ عِنْدَ آخَرَ كَانَ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ فِي الْقَوَدِ أَوْ فِي الْعَفْوِ بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُهُ فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ فَذَلِكَ لَهُ لَيْسَ لِمُرْتَهِنِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فَالْمَالُ مَرْهُونٌ فِي يَدَيْ مُرْتَهِنِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُ الْعَبْدِ عَفْوَ الْمَالِ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَجَزْت لِلسَّيِّدِ الرَّاهِنَ أَنْ يَأْخُذَ جِنَايَةَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ عِتْقِ عَبْدِهِ الْجَانِي، وَلَا يَمْنَعُ الْمُرْتَهِنُ السَّيِّدَ الْعَفْوَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ عَلَى الْجَانِي عَمْدًا حَتَّى يَخْتَارَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ.

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى أُمِّ وَلَدٍ لِلرَّاهِنِ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ مُعْتَقٍ إلَى أَجَلٍ فَهِيَ كَجِنَايَتِهِ عَلَى مَمْلُوكِهِ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ فَإِنْ جَنَى عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ فَقَتَلَهُ عَمْدًا فَلِلسَّيِّدِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ فَإِنْ تَرَكَ الْقَوَدَ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ جُرْحًا فَلِلْمَكَاتِبِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ، وَإِذَا عَفَاهُ عَنْهُ عَلَى مَالٍ بِيعَ الْعَبْدُ الْجَانِي فَدُفِعَ إلَى الْمُكَاتَبِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَإِذَا حُكِمَ لِلْمُكَاتِبِ بِأَنْ يُبَاعَ لَهُ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ بَيْعِهِ أَوْ عَجَزَ فَلِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا فَيَكُونَ مَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ رَقَبَتِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ عَنْ مُكَاتَبِهِ بِمِلْكٍ غَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ بِيعَ وَالْمُكَاتَبُ حَيٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ.

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى ابْنٍ لِلرَّاهِنِ أَوْ أَخٍ أَوْ مَوْلًى جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ وَالرَّاهِنُ وَارِثُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلِلرَّاهِنِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ أَوْ غَيْرِ الدِّيَةِ فَإِذَا عَفَا عَلَى الدِّيَةِ بِيعَ الْعَبْدُ وَخَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ اشْتَرَاهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ لَا يُجْبَرُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَنَا أُسَلِّمُ الْعَبْدَ وَأَفْسَخُ الرَّهْنَ فِيهِ وَحَقِّي فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قِيلَ: إنْ تَطَوَّعْت بِذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَا تُكْرَهُ عَلَيْهِ وَبَلَغْنَا الْجَهْدُ فِي بَيْعِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَضْلٌ فَهُوَ رَهْنٌ لَك، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ فَالْحَقُّ أَتَى عَلَى رَهْنِهِ، وَإِنْ مَلَكَهُ الرَّاهِنُ بِشِرَاءٍ أَوْ تَرَكَ مِنْهُ لِلرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِمِلْكٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَبَطَلَ الْأَوَّلُ وَبَطَلَ الرَّهْنُ بِفَسْخِك الرَّهْنَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ رَهَنَ رَجُلًا عَبْدًا فَاسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ مَلَكَهُ الرَّاهِنُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ رَهْنًا لِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ رَهَنَهُ، وَلَيْسَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا كَمَا لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ رَهْنًا.
وَالْآخَرُ: أَنَّ هَذَا الْمِلْكَ غَيْرُ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْطَلَ جِنَايَةَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا جَنَى عَلَى ابْنِ سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَحَدٍ السَّيِّدُ وَارِثُهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ غَيْرُ سَيِّدِ الْجَانِي، وَلَا رَاهِنِهِ، وَإِنَّمَا مَلَكَهَا سَيِّدُهُ الرَّاهِنُ عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهَذَا مِلْكٌ غَيْرُ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ عَدَا الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى ابْنٍ لِنَفْسِهِ مَمْلُوكُ الرَّاهِنِ فَقَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا قَوَدَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ ابْنِهِ وَالْجِنَايَةُ مَالٌ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَلَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ بَيْعُهُ بِهَا، وَلَا إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ فِي عُنُقِ عَبْدِهِ دَيْنٌ وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَقَتَلَتْ ابْنَهَا، وَلَوْ كَانَ الِابْنُ الْمَقْتُولُ رَهْنًا لِرَجُلٍ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ لِلْأَبِ بِيعَ الْعَبْدُ الْأَبُ الْقَاتِلُ فَجُعِلَ ثَمَنُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْمَقْتُولِ رَهْنًا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ مَكَانَهُ.
وَلَوْ كَانَ الِابْنُ مَرْهُونًا لِرَجُلٍ غَيْرِ مُرْتَهِنِ الْأَبِ بِيعَ الْأَبُ فَجُعِلَ ثَمَنُ الِابْنِ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ عَفْوُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَوَدٌ قَطُّ إنَّمَا وَجَبَ فِي عِتْقِهِ مَالٌ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأم للشافعي · 390 صفحة
المقدمة
َ وَقْتُ الْعَصْرِ
بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ،
وَقْتِ الْجُمُعَةِ
ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
فدية الجراد
ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ
[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .
ُ الْغَصْبِ
ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
ْ الصَّدَقَةُ
مَا جَاءَ فِي نِكَاح إمَاء الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِر أَهْل الْكتاب وَإِمَائِهِمْ
ُ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي تَحِيضُعدة الْحُرَّة مِنْ أَهْل الْكتاب عِنْد الْمُسْلِم وَالْكِتَابِيّ
َالْإِحْدَادُ
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ
َجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ
اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ وَالْفَارِسَيْنِ
َدَعْوَى الْأَعَاجِمِ
ِ بَابُ الدِّيَاتِ
َمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ
جارٍ التحميل