الأم للشافعيصفحات 102-118
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ

صفحات 102-118

عَلَيْهِ؟ أَلَيْسَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الَّذِي عَلَيْك فِي مَالِك إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ لِغَيْرِك فَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ تَرْكُهُ لَك وَلَا لَك حَبْسُهُ إنْ تَرَكَهُ لَك السُّلْطَانُ عَمَّنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَسْت أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الرِّكَازِ وَلَوْ جَازَ هَذَا فِي الرِّكَازِ جَازَ فِي جَمِيعِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَدَعَهُ لَهُ فَيَبْطُلُ حَقٌّ مِنْ قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ: إنَّا رَوَيْنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةَ آلَافٍ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا، أَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَلَكَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ " ثُمَّ قَالَ: " وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْك ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا إذْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ رَجُلٍ شَيْئًا ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَدَعُهُ لَهُ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ لَوْ مَنَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا لَهُمْ فِي مَالِهِ أَنْ يُجَاهِدَهُ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عَنْ عَلِيٍّ مُسْتَنْكَرٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ أَنَّهُ قَالَ " أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لَك وَاقْسِمْ الْخُمْسَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِك " وَهَذَا الْحَدِيثُ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ لَعَلَّ عَلِيًّا عَلِمَهُ أَمِينًا وَعَلِمَ فِي أَهْلِهِ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ فِيهِمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ السُّهْمَانِ الْمَقْسُومَةِ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا مِنْ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا وَاَلَّذِي زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ لَهُ خُمْسَ رِكَازِهِ، وَهَذَا رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ سِوَاهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْوَالِيَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ وَاجِبًا فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَعُودَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَوْ وَلِيَهَا هُوَ دُونَ الْوَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا وَلَا دَفْعُهَا إلَى أَحَدٍ يَعُولُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إعَادَتُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، أَوْ تَرْكُهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ، وَهَذَا إبْطَالُهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَخِلَافُ مَا يَقُولُونَ وَإِذَا صَارَ لَهُ أَنْ يَكْتُمَهَا وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وَتَرْكُهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَأَخْذُهَا سَوَاءٌ، وَقَدْ أَبْطَلَ بِهَذَا الْقَوْلِ السُّنَّةَ فِي أَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ وَأَبْطَلَ بِهِ حَقَّ مَنْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ.
فَإِنْ قَالَ لَا يَصْلُحُ هَذَا إلَّا فِي الرِّكَازِ قِيلَ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا صَلُحَ فِي الرِّكَازِ وَهُوَ مِنْ الصَّدَقَاتِ صَلُحَ فِي كُلِّهَا وَلَوْ جَازَ لَك أَنْ تَخُصَّ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ قُلْت يَصْلُحُ فِي الْعُشُورِ وَصَدَقَاتِ الْمَاشِيَةِ، وَقَالَ غَيْرِي وَغَيْرُك يَصْلُحُ فِي صَدَقَةِ الرِّقَّةِ وَلَا يَصْلُحُ فِي هَذَا، فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّمَا هُوَ خُمْسٌ وَكَذَلِكَ الْحَقُّ فِيهِ كَمَا الْحَقُّ فِي الزَّرْعِ الْعُشْرُ، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَفِي الْمَاشِيَةِ مُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ كُلَّ هَذَا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِ مَا جُعِلَ فِيهِ وَيُقْسَمُ كُلٌّ حَيْثُ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا أَحَدٌ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُعْطَى مِنْهَا أَحَدٌ مِائَتِي دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يَكُونُ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ حِرْفَةٍ أَوْ كَثْرَةِ عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا فَيَكُونُ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ الْحِرْفَةِ أَوْ بِغَلَبَةِ الْعِيَالِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إنَّمَا هِيَ مَا عَرَفَ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الطَّالِبِ لِلزَّكَاةِ وَمَالِهِ لَا عَلَى قَدْرِ الْمَالِ فَقَطْ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ لَهُ مِائَةٌ مِنْ الْعِيَالِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَى، وَهَذَا الْمُحْتَاجُ الْبَيِّنُ الْحَاجَةِ، وَآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَا عِيَالَ لَهُ وَلَيْسَ بِالْغِنَى أُعْطِيَ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الَّذِي أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ أَقْرَبُ مِنْ الْغِنَى وَاَلَّذِي نُهِيَ عَنْ إعْطَائِهِ أَبْعَدُ مِنْ الْغِنَى وَلِمَ إذَا كَانَ الْغَارِمُ يُعْطَى مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْغُرْمِ لَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْفَقْرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ

إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا فَلِمَ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى إلَّا مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَاهَا وَهُوَ يَوْمَ يُعْطَاهَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا إنَّمَا الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا.

[كِتَابُ الصِّيَامِ الصَّغِيرِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَقُولُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَآهُ رَجُلٌ عَدْلٌ رَأَيْت أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَصَامَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا، وَقَالَ: أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ لَا يَجُوزُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ إلَّا شَاهِدَانِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا أَقْبَلُ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدَيْنِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى كُلِّ مَعِيبٍ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ جَمَاعَةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَقْبَلُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ الْفِطْرِ إلَّا شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَأَكْثَرَ، فَإِنْ صَامَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ إلَّا أَنْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَتِهِ فَيُفْطِرُوا، وَإِنْ غُمَّ الشَّهْرَانِ مَعًا فَصَامُوا ثَلَاثِينَ فَجَاءَتْهُمْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ شَعْبَانَ رُئِيَ قَبْلَ صَوْمِهِمْ بِيَوْمٍ قَضَوْا يَوْمًا لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ.
وَإِنْ غُمَّا فَجَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَ الْفِطْرِ أَفْطَرُوا أَيْ سَاعَةَ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ صَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَهُ فِي هَذَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ قَوْلَنَا وَقَالَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَخْرُجُ بِهِمْ الْإِمَامُ مِنْ الْغَدِ وَلَا يُصَلِّي بِهِمْ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْقَوْلِ: إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك سُنَّةً لَا تُقْضَى إنْ تُرِكَتْ وَغَمَّك وَقْتٌ فَكَيْفَ أَمَرْت بِهَا أَنْ تُعْمَلَ فِي غَيْرِهِ وَأَنْتَ إذَا مَضَى الْوَقْتُ تَعْمَلُ فِي وَقْتٍ لَمْ تُؤْمَرْ بِأَنْ تَعْمَلَ، مِثْلُ الْمُزْدَلِفَةِ إذَا مَرَّتْ لَيْلَتُهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِالْمَبِيتِ فِيهَا وَالْجِمَارُ إذَا مَضَتْ أَيَّامُهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِرَمْيِهَا وَأُمِرْت بِالْفِدْيَةِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَمِثْلُ الرَّمَلِ إذَا مَضَتْ الْأَطْوَافُ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْمُرَ بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّهُ مَضَى وَقْتُهُ وَلَيْسَ مِنْهُ بَدَلٌ بِكَفَّارَةٍ وَإِذَا أَمَرْت بِالْعِيدِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فَكَيْفَ لَمْ تَأْمُرْ بِهِ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِهِ وَالصَّلَاةُ تَحِلُّ فِي يَوْمِهِ؟ وَأَمَرْت بِهَا مِنْ الْغَدِ وَيَوْمُ الْفِطْرِ أَقْرَبُ مِنْ وَقْتِ الْفِطْرِ مِنْ غَدِهِ؟ (قَالَ) : فَإِنَّهَا مِنْ غَدٍ تُصَلَّى فِي مِثْلِ وَقْتِهِ، قِيلَ لَهُ: أَوْ لَيْسَ تَقُولُ فِي كُلِّ مَا فَاتَ مِمَّا يُقْضَى مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ يُقْضَى إذَا ذُكِرَ فَكَيْفَ

خَالَفْت بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ ذَلِكَ؟ ، فَإِنْ كَانَتْ عِلَّتُك الْوَقْتَ فَمَا تَقُولُ فِيهِ إنْ تَرَكْته مِنْ غَدِهِ أَتُصَلِّيهِ بَعْدَ غَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ قَالَ: لَا.
قِيلَ: فَقَدْ تَرَكْت عِلَّتَك فِي أَنْ تُصَلِّيَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَا حُجَّتُك فِيهِ؟ قَالَ رَوَيْنَا فِيهِ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: قَدْ سَمِعْنَاهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ تُضَعِّفُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ: وَإِذَا زَعَمْت أَنَّهُ ثَابِتٌ فَكَيْفَ يَقْضِي فِي غَدِهِ وَلَمْ تَنْهَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ يَقْضِي بَعْدَ أَيَّامٍ، وَإِنْ طَالَتْ الْأَيَّامُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ مِنْ الْغَدِ؛ لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ وَأَنْ يَفْعَلَ الْمَرْءُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَدَعَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ ثَابِتًا، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ بِالتَّطَوُّعِ فَهَذَا خَيْرٌ أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِ أَرْجُو أَنْ يَأْجُرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ فِي عَمَلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : بَعْدُ لَا يُصَلِّي إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا نَقُولُ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ وَلَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُئِيَ لَيْلًا لَمْ يُفْطِرْ النَّاسُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي النَّهَارِ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هِلَالُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ: إذَا رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَوْلُنَا وَإِذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَفْطَرُوا وَقَالُوا: إنَّمَا اتَّبَعْنَا فِيهِ أَثَرًا رَوَيْنَاهُ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، فَقُلْنَا: الْأَثَرُ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ الْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا رَأَى الرَّجُلُ هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ يَصُومُ لَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ فَيُفْطِرُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ شَكٌّ أَوْ يَخَافَ أَنْ يُتَّهَمَ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالصَّوْمِ.

[بَابُ الدُّخُولِ فِي الصِّيَامِ وَالْخِلَافِ عَلَيْهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يُجْزِي صَوْمُ رَمَضَانَ إلَّا بِنِيَّةٍ كَمَا لَا تُجْزِي الصَّلَاةُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَاحْتُجَّ فِيهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً وَعَلَى مَا أَوْجَبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَوْمٍ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ قَبْلَ الزَّوَالِ مَا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَخَالَفَ فِي هَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا عَلَى النَّافِلَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي النَّافِلَةِ مِنْ الصَّوْمِ وَيَجُوزُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَالَفَ فِي هَذَا الْآثَارَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: لِمَ زَعَمْت أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يُجْزِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا يُجْزِي صَوْمُ النَّذْرِ وَلَا صَوْمُ الْكَفَّارَاتِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَكَذَلِكَ عِنْدَك لَا تُجْزِي الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَلَا نَذْرُ الصَّلَاةِ وَلَا التَّيَمُّمُ إلَّا بِنِيَّةٍ؟ (قَالَ) : لِأَنَّ صَوْمَ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ بِغَيْرِ وَقْتٍ مَتَى عَمِلَهُ أَجْزَأَ عَنْهُ وَالصَّلَاةُ وَالنِّيَّةُ لِلتَّيَمُّمِ بِوَقْتٍ،

قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَأَمْهَلَ حَتَّى إذَا كَانَ آخَرُ شَهْرٍ مِنْهَا فَصَامَهُ لَا يَنْوِي بِهِ النَّذْرَ؟ قَالَ لَا يُجَزِّئُهُ قِيلَ: قَدْ وَقَّتَ السَّنَةَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا هَذَا الشَّهْرُ فَصَارَ إنْ لَمْ يَصُمْهُ يَخْرُجْ مِنْ الْوَقْتِ وَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ إنْ تَرَكَ الظُّهْرَ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يُكْمِلُهَا فِيهِ ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعًا كَفَرْضِ الصَّلَاةِ لَا يَنْوِي الظُّهْرَ؟ قَالَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الظُّهْرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَبَيْنَ هَذَا فَرْقًا وَقَدْ اعْتَلَّ بِالْوَقْتِ فَأَوْجَدْنَا الْوَقْتَ فِي الْمَكْتُوبَةِ مَحْدُودًا وَمَحْصُورًا يَفُوتُ إنْ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ فَأَوْجَدْنَاهُ ذَلِكَ فِي النَّذْرِ ثُمَّ أَوْجَدْنَاهُ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَحْصُورَيْنِ كِلَاهُمَا عَمَلًا كَعَمَلِ الْمَكْتُوبَةِ وَعَمَلِ النَّذْرِ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْتَيْنِ فَضْلٌ لِلْمَكْتُوبَةِ وَالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمَكْتُوبَةِ وَالنَّذْرِ مَوْضِعٌ إلَّا هَذَا الْوَقْتُ الَّذِي عَمِلَهُمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَهُمَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَزَعَمَ أَنَّهُمَا لَا يُجْزِيَانِ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِمَا الْمَكْتُوبَةَ وَالنَّذْرَ، فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ أَنَّ الْوَقْتَ مَحْصُورٌ، انْبَغَى أَنْ يَزْعُمَ هَا هُنَا أَنَّ الْمَكْتُوبَةَ وَالنَّذْرَ يُجْزِيَانِ إذَا كَانَ وَقْتُهُمَا مَحْصُورًا كَمَا يُجْزِي رَمَضَانُ إذَا كَانَ وَقْتُهُ مَحْصُورًا.

[بَابُ صَوْمِ رَمَضَانَ]

َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَمَنْ قَالَ: لَا يُجْزِي رَمَضَانُ إلَّا بِنِيَّةٍ فَلَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ وَهُوَ أَسِيرٌ فَصَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ يَنْوِي بِهِ التَّطَوُّعَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ مِنْهُ وَمَنْ قَالَ يُجْزِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ غَيْرَ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ قَدْ أَخْطَأَ قَوْلَهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَزَعَمَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصْبَحَ يَرَى أَنَّهُ يَوْمٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَنْوِ الْإِفْطَارَ فَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ فَأَمْسَكَ عَنْ الطَّعَامِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ فَأَمْسَكَ وَنَوَى الصِّيَامَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِيَوْمٍ مَكَانَهُ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْت بِالرَّأْيِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالرَّأْيِ فِيمَا عَلِمْت، وَلَكِنْ مَعَهُمْ قِيَاسٌ، فَصَحَّ فِيهِ لِمَنْ خَالَفَهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا - فِيمَا أَرَى - أَحْسَنُ وَأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إذَا كَانَ قِيَاسًا.

[بَابُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ وَالسُّحُورِ وَالْخِلَافُ فِيهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْوَقْتُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الْفَجْرَ الْآخِرَ مُعْتَرِضًا فِي الْأُفُقِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَكَلَ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ أَوْ شَرِبَ عَامِدًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ عُمَرُ " الْخَطْبُ يَسِيرٌ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَضَاءَ يَوْمٍ مَكَانَهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاسْتُحِبَّ التَّأَنِّي بِالسُّحُورِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتٍ مُقَارِبٍ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْفَجْرُ طَلَعَ فَإِنِّي أُحِبُّ قَطْعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ شَيْءٌ قَدْ أَدْخَلَهُ وَمَضَغَهُ لَفَظَهُ؛ لِأَنَّ إدْخَالَهُ فَاهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا إنَّمَا يَفْطُرُ بِإِدْخَالِهِ جَوْفَهُ، فَإِنْ ازْدَرَدَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ، وَاَلَّذِي لَا يَقْضِي فِيهِ مِنْ ذَلِكَ

الشَّيْءُ يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ فِي بَعْضِ فِيهِ مِمَّا يُدْخِلُهُ الرِّيقُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي خَفِيفٌ فَلَا يَقْضِي، فَأَمَّا كُلُّ مَا عَدَا إدْخَالَهُ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى لَفْظِهِ فَيُفْطِرُهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَالَ بَعْدُ) نُفَطِّرُهُ بِمَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ، إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى طَرْحِهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : إلَّا أَنْ يَغْلِبَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ فَيَكُونُ مُكْرَهًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ تَعْجِيلَ الْفِطْرِ وَتَرْكِ تَأْخِيرِهِ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ تَأْخِيرَهُ إذَا عَمَدَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ يَرَى الْفَضْلَ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَلَمْ يُؤَخِّرُوهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ اللَّيْلَ اسْوَدَّ ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُمَا يَرَيَانِ تَأْخِيرَ ذَلِكَ وَاسِعًا لَا أَنَّهُمَا يَعْمِدَانِ الْفَضْلَ لِتَرْكِهِ بَعْدَ أَنْ أُبِيحَ لَهُمَا وَصَارَا مُفْطِرَيْنِ بِغَيْرِ أَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصْلُحُ فِي اللَّيْلِ وَلَا يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ صَائِمًا، وَإِنْ نَوَاهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ وَلَا يُفْطِرُهُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَاهُ قَطُّ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا فُتْيَا كَثِيرٍ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» وَرُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ احْتَجَمَ صَائِمًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثَابِتًا وَلَوْ ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت بِهِ فَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ تَرَكَ رَجُلٌ الْحِجَامَةَ صَائِمًا لِلتَّوَقِّي كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَوْ احْتَجَمَ لَمْ أَرَهُ يُفْطِرُهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ تَقَيَّأَ وَهُوَ صَائِمٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا: فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ رَفَعَهُ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَيْسَ بِحَافِظٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقْضِي وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِمِثْلِ قَوْلِنَا لَا يَقْضِي وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ سَاهِيًا وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ بَلْ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَثْبَتُ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ؟ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَرَ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ قَضَاءً فَرَأْيُ أَبِي هُرَيْرَةَ حُجَّةٌ فَرَّقَ بِهَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ وَهُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ ثُمَّ تَرَكَ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ فَهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَابِتٌ وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبُ مِمَّا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَتَرَكَ الْأَوْجَبَ وَالْأَثْبَتَ وَأَخَذَ بِاَلَّذِي هُوَ أَضْعَفُ عِنْدَهُ وَعَابَ غَيْرَهُ إذْ زَعَمَ أَنَّ الْعَمْدَ فِي الصَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ سَوَاءٌ ثُمَّ قَالَ بِمَا عَابَ فِي الصَّلَاةِ فَزَعَمَ أَنَّ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ سَوَاءٌ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ احْتَلَمَ فِي رَمَضَانَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَقْضِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَمَّ صَوْمَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مَجَامِعُ فَأَخْرَجَهُ مِنْ سَاعَتِهِ أَتَمَّ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ ثَبَّتَ شَيْئًا آخَرَ أَوْ

حَرَّكَهُ لِغَيْرِ إخْرَاجٍ وَقَدْ بَانَ لَهُ الْفَجْرُ كَفَّرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَسْمَعُ: إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ ثُمَّ أَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّك لَسْت مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ جَاءَ هَذَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ عِنْدَنَا وَفِي أَكْثَرِ الْبُلْدَانِ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّهُ جُنُبٌ مِنْ جِمَاعٍ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ الْجِمَاعَ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ وَالْجَنَابَةُ بَاقِيَةٌ بِمَعْنًى مُتَقَدِّمٍ وَالْغُسْلُ لَيْسَ مِنْ الصَّوْمِ بِسَبِيلٍ، وَإِنْ وَجَبَ بِالْجِمَاعِ فَهُوَ غَيْرُ الْجِمَاعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَى مَنْ قَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وَالْقُرْءُ عِنْدَهُ الْحَيْضَةُ فَمَا بَالُ الْغُسْلِ؟ وَإِنْ وَجَبَ بِالْحَيْضِ فَهُوَ غَيْرُ الْحَيْضِ فَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ إذَا وَجَبَ بِهِ حُكْمَ الْحَيْضِ كَانَ حُكْمُ الْغُسْلِ إذَا وَجَبَ بِالْجِمَاعِ حُكْمَ الْجِمَاعِ فَأَفْطَرَ وَكَفَّرَ مَنْ أَصْبَحَ جَنْبًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ: فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ فَهَذَا أَثْبَتُ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَعَلَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ كَانَتْ بِأَنْ سَمِعَ صَاحِبُهَا مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ عَلَى مَعْنَى إذَا كَانَ الْجِمَاعُ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ عَمِلَ فِيهِ بَعْدَ الْفَجْرِ كَمَا وَصَفْنَا

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ حَرَّكَتْ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتهَا لَهُ، وَإِنْ فَعَلَهَا لَمْ يُنْقَضْ صَوْمُهُ وَمَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ فَلَا بَأْسَ لَهُ بِالْقُبْلَةِ، وَمِلْكُ النَّفْسِ فِي الْحَالَيْنِ عَنْهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْعُ شَهْوَةٍ يُرْجَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثَوَابُهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُنْقَضُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْقُبْلَةَ لَوْ كَانَتْ تَنْقُضُ صَوْمَهُ لَمْ يُقَبِّلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُرَخِّصْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِيهَا كَمَا لَا يُرَخِّصُونَ فِيمَا يُفْطِرُ وَلَا يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ إلَى شَهْوَةٍ فَعَلَهَا الصَّائِمُ لَهَا وَلَا غَيْرِ شَهْوَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ» ثُمَّ تَضْحَكُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إذَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ قَالَتْ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى مَا وَصَفْت، لَيْسَ اخْتِلَافًا مِنْهُمْ: وَلَكِنْ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، لِئَلَّا يَشْتَهِيَ فَيُجَامِعَ، وَبِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ السَّائِلِ أَوْ يَظُنُّ بِهِ.

[بَابُ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ وَالْخِلَافُ فِيهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ: إنِّي لَا أَجِدُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحْوَجَ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ كُلْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الْأَبْعَدُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَصَبْت أَهْلِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ تَسْطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاجْلِسْ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ: مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحْوَجَ مِنِّي قَالَ: فَكُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَان مَا أَصَبْت» قَالَ عَطَاءٌ: فَسَأَلْت سَعِيدًا كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ؟ قَالَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إلَى عِشْرِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثٍ غَيْرِ هَذَا «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ يُعْتِقُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ، مِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَصَابَ أَهْلَهُ فِيهِ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ تَطَوَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ فِي شَيْءٍ أَتَى بِهِ: كَفِّرْ بِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْحَاجَةَ وَلَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ قَبَضَهُ قَالَ: «كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» وَجَعَلَ لَهُ التَّمْلِيكَ حِينَئِذٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَلَكَهُ فَلَمَّا مَلَكَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ كَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ فَكَانَ لَهُ أَكْلُهُ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَيَحْتَمِلُ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ مَتَى أَطَاقَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ، وَكَانَ هَذَا أَحَبَّ إلَيْنَا وَأَقْرَبَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ، وَيَحْتَمِلُ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ فَكَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ وَأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَضَعَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ إنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ وَيُجْزِي عَنْهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ فِي حَالِهِ تِلْكَ عَلَى الْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ سَاقِطَةً عَنْهُ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا كَمَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَحْتَمِلُ إذَا كَفَّرَ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ بَدَلًا مِنْ الصِّيَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ مَعَ الْكَفَّارَةِ - وَلِكُلٍّ وَجِهَةٌ (قَالَ) : وَأُحِبُّ أَنْ يُكَفِّرَ مَتَى قَدَرَ وَأَنْ يَصُومَ مَعَ الْكَفَّارَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مَدٌّ لَا مُدَّيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مُدَّيْنِ وَهَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَامَعَ يَوْمًا فَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ يَوْمًا فَكَفَّرَ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُكَفِّرْ فَلِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ كُلِّ يَوْمٍ غَيْرُ فَرْضِ الْمَاضِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الْكَفَّارَةِ كَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى يَعُودَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَمَضَانُ كُلُّهُ وَاحِدٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: لَيْسَ فِي هَذَا خَبَرٌ بِمَا قُلْت وَالْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا مَرَّةً بِكَفَّارَةٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ يَوْمًا آخَرَ أُمِرَ بِكَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ فَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبْت؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ مِرَارًا كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ قُلْنَا: وَأَيُّ شَيْءٍ الْحَجُّ مِنْ الصَّوْمِ؟ الْحَجُّ شَرِيعَةُ، وَالصَّوْمُ أُخْرَى، قَدْ يُبَاحُ فِي الْحَجِّ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَيَحْرُمُ فِي الصَّوْمِ وَيُبَاحُ فِي الصَّوْمِ اللُّبْسُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَيَحْرُمُ فِي الْحَجِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَجُّ إحْرَامٌ وَاحِدٌ وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَالُهُ بِنَفْسِهِ

وَنَقْصُهُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصُومُ الْيَوْمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ يُفْطِرُ وَقَدْ كَمَّلَ الْيَوْمَ وَخَرَجَ مِنْ صَوْمِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِي آخَرَ فَلَوْ أَفْسَدَهُ لَمْ يُفْسِدْ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْحَجُّ مَتَى أُفْسِدَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَسَدَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى كَثِيرٌ مِنْ عَمَلِهِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، الَّذِي يَقِيسُهُ بِالْحَجِّ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُجَامِعَ فِي الْحَجِّ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ شَاةٌ قَبْلَ عَرَفَةَ وَيَفْسُدُ حَجُّهُ، وَبَدَنَةٌ إذَا جَامَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ.
وَهَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّوْمِ لَا يَخْتَلِفُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ إنَّمَا عَلَيْهِ رَقَبَةٌ فِيهِمَا وَيَفْسُدُ صَوْمُهُ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْكَفَّارَتَيْنِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ يَوْمًا ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ كَفَّرَ وَهُوَ لَوْ كَفَّرَ عِنْدَهُ فِي الْحَجِّ عَنْ الْجِمَاعِ ثُمَّ عَادَ لِجِمَاعٍ آخَرَ لَمْ يُعِدْ الْكَفَّارَةَ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْحَجُّ وَاحِدٌ وَأَيَّامُ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقَةٌ، قُلْت: فَكَيْفَ تَقِيسُ أَحَدَهُمَا بِالْآخِرِ وَهُوَ يُجَامِعُ فِي الْحَجِّ فَيُفْسِدُهُ ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَيْسَ هَكَذَا الصَّوْمُ وَلَا الصَّلَاةُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ فَأَقِيسُهُ بِالْكَفَّارَةِ قُلْنَا: هُوَ مِنْ الْكَفَّارَةِ أَبْعَدُ، الْحَانِثُ يَحْنَثُ غَيْرُ عَامِدٍ لِلْحِنْثِ فَيُكَفِّرُ وَيَحْنَثُ عَامِدًا فَلَا يُكَفِّرُ عِنْدَك وَأَنْتَ إذَا جَامَعَ عَامِدًا كَفَّرَ، وَإِذَا جَامَعَ غَيْرَ عَامِدٍ لَمْ يُكَفِّرْ فَكَيْفَ قِسْته بِالْكَفَّارَةِ وَالْمُكَفِّرُ لَا يُفْسِدُ عَمَلًا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا يَعْمَلُ بَعْدَ الْفَسَادِ شَيْئًا يَقْضِيهِ إنَّمَا يَخْرُجُ بِهِ عِنْدَك مِنْ كِذْبَةٍ حَلَفَ عَلَيْهَا وَهَذَا يَخْرُجُ مِنْ صَوْمٍ وَيَعُودُ فِي مِثْلِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَامَعَ صَبِيَّةً لَمْ تَبْلُغْ أَوْ أَتَى بَهِيمَةً فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ جَامَعَ بَالِغَةً كَانَتْ كَفَّارَةً لَا يُزَادُ عَلَيْهَا عَلَى الرَّجُلِ، وَإِذَا كَفَّرَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ امْرَأَتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ تُكَفِّرُ الْمَرْأَةُ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْخَبَرِ فِي الَّذِي جَامَعَ فِي الْحَجِّ تُكَفِّرُ الْمَرْأَةُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا بَالُ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي الْجِمَاعِ وَلَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا؟ قِيلَ الْحَدُّ لَا يُشْبِهُ الْكَفَّارَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدَّ يَخْتَلِفُ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ وَلَا يَخْتَلِفُ الْجِمَاعُ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ مَعَ افْتِرَاقِهِمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَا نَدَّعِي إذَا فَرَّقَتْ الْأَخْبَارُ بَيْنَ الشَّيْءِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ كَمَا فَرَّقَتْ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَامَعَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمِ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ فَقَدْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِهِ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ وَهَذَا كَانَ عِنْدَنَا أَوْلَى أَنْ يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي رَمَضَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِذَا اقْتَصَرَ بِالْكَفَّارَةِ عَلَى رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِيهِ فِي الْجِمَاعِ وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ الْبَدَلَ مِنْهُ فَكَيْفَ قَاسَ عَلَيْهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَلَمْ تَأْتِ فِيهِ كَفَّارَةٌ؟

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَمْ يُكَفِّرْ.
وَإِنْ جَامَعَ عَلَى شُبْهَةٍ مِثْلَ أَنْ يَأْكُلَ نَاسِيًا فَيَحْسِبُ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فَيُجَامِعُ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ إذْ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ جَامَعَ عَلَى شُبْهَةٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فَمَنْ تَكَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ كَانَ لَهُ مُبَاحًا أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ فَسَادُ صَلَاتِهِ

` (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ، مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ وَلَا تَلَذُّذٍ بِهَا: فَصَوْمُهُ تَامٌّ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي رَمَضَانَ إلَّا بِمَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ أَنْ يَلْتَقِي الْخِتَانَانِ، فَأَمَّا

مَا دُونَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي فِطْرٍ فِي غَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: تَجِبُ إنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ كَمَا تَجِبُ بِالْجِمَاعِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِمَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ: السُّنَّةُ جَاءَتْ فِي الْمُجَامِعِ، فَمَنْ قَالَ لَكُمْ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ قَالَ قُلْنَاهُ قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ فَقُلْنَا: أَوْ يُشْبِهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ الْجِمَاعَ فَتَقِيسُهُمَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فِي وَجْهٍ مِنْ أَنَّهُمَا مُحَرَّمَانِ يُفْطِرَانِ فَقِيلَ لَهُمْ فَكُلُّ مَا وَجَدْتُمُوهُ مُحَرَّمًا فِي الصَّوْمِ يُفَطِّرُ قَضَيْتُمْ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ؟ قَالَ نَعَمْ.
قِيلَ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ أَكَلَ طَيِّبًا أَوْ دَوَاءً؟ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قُلْنَا: وَلِمَ؟ قَالَ: هَذَا لَا يَغْذُو الْجَسَدَ قُلْنَا: إنَّمَا قِسْت هَذَا بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ يُفَطِّرُ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَك مُحَرَّمٌ يُفَطِّرُ.
قَالَ: هَذَا لَا يَغْذُو الْجَسَدَ، قُلْنَا وَمَا أَدْرَاك أَنَّ هَذَا لَا يَغْذُو الْبَدَنَ وَأَنْتَ تَقُولُ إنْ ازْدَرَدَ مِنْ الْفَاكِهَةِ شَيْئًا صَحِيحًا فَطَّرَهُ وَلَمْ يُكَفِّرْ وَقَدْ يَغْذُو هَذَا الْبَدَنَ فِيمَا نَرَى وَقُلْنَا قَدْ صِرْت مِنْ الْفِقْهِ إلَى الطِّبِّ، فَإِنْ كُنْت صِرْت إلَى قِيَاسِ مَا يَغْذُو فَالْجِمَاعُ يَقُصُّ الْبَدَنَ وَهُوَ إخْرَاجُ شَيْءٍ يُنْقِصُ الْبَدَنَ وَلَيْسَ بِإِدْخَالِ شَيْءٍ فَكَيْفَ قِسْته بِمَا يَزِيدُ فِي الْبَدَنِ وَالْجِمَاعُ يُنْقِصُهُ؟ وَمَا يُشْبِعُهُ وَالْجِمَاعُ يُجِيعُ؟ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الْحُقْنَةَ وَالسَّعُوطَ يُفْطِرَانِ وَهُمَا لَا يَغْذُوَانِ؟ ، وَإِنْ اعْتَلَكَ بِالْغِذَاءِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا عِنْدَك كَانَ يَلْزَمُك أَنْ تَنْظُرَ كُلَّ مَا حَكَمْت لَهُ بِحُكْمِ الْفِطْرِ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ إنْ أَرَدْت الْقِيَاسَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ إنَّ هَذَا لَيَلْزَمُنَا كُلُّهُ وَلَكِنْ لِمَ لَمْ تَقِسْهُ بِالْجِمَاعِ؟ فَقُلْت لَهُ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتِقَاءَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا نَقُولُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فَقَدْ وَجَدْنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَى عَلَى رَجُلٍ إنْ أَفْطَرَ مِنْ أَمْرٍ عَمَدَهُ الْقَضَاءَ وَلَا يَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِيهِ وَبِهَذَا قُلْت: لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِي جِمَاعٍ وَرَأَيْت الْجِمَاعَ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا سِوَاهُ رَأَيْت حَدَّهُ مُبَايِنًا لِحُدُودٍ سِوَاهُ وَرَأَيْت مَنْ رَأَيْت مِنْ الْفُقَهَاءِ مُجْتَمَعِينَ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ إذَا أَصَابَ أَهْلَهُ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَمَضَى فِيهِ وَجَاءَ بِالْبَدَلِ مِنْهُ وَقَدْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ الصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَاللُّبْسُ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَهُ لَمْ يُفْسِدْ حَجَّهُ غَيْرُ الْجِمَاعِ وَرَأَيْت مَنْ جَامَعَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ صَنَعَ مَا هُوَ أَقْذَرُ مِنْهُ، فَبِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ تَلَذَّذَ بِامْرَأَتِهِ حَتَّى يُنْزِلَ أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَمَا تَلَذَّذَ بِهِ دُونَ ذَلِكَ كَرِهْته وَلَا يَفْسُدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

وَإِنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَغَيَّبَهُ أَوْ بَهِيمَةً أَوْ تَلَوَّطَ أَفْسَدَ وَكَفَّرَ مَعَ الْإِثْمِ بِاَللَّهِ فِي الْمُحَرَّمِ الَّذِي أَتَى مَعَ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا كُلِّهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يُعِيدُ صَوْمًا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَقْضِيَ وَلَا يُكَفِّرُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي اللُّوطِيِّ وَمَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبْرِهَا فَقَالَ يَفْسُدُ وَقَالَ هَذَا جِمَاعٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَجْهِ الْجِمَاعِ الْمُبَاحِ وَوَافَقَهُ فِي الْآتِي لِلْبَهِيمَةِ قَالَ وَكُلُّ جِمَاعٍ، غَيْرُ أَنَّ فِي هَذَا مَعْصِيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُزَادُ عَلَيْهِ زِيدَ عَلَى الْآتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُفْسِدُ الْكُحْلُ، وَإِنْ تَنَخُّمَهُ فَالنُّخَامَةُ تَجِيءُ مِنْ الرَّأْسِ بِاسْتِنْزَالٍ وَالْعَيْنُ مُتَّصِلَةٌ بِالرَّأْسِ وَلَا يَصِلُ إلَى الرَّأْسِ وَالْجَوْفِ عِلْمِي وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ الْكُحْلَ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ الدُّهْنَ، وَإِنْ اسْتَنْقَعَ فِيهِ أَوْ فِي مَاءٍ فَلَا بَأْسَ وَأَكْرَهُ الْعَلْكَ أَنَّهُ يَجْلِبُ الرِّيقَ، وَإِنْ مَضَغَهُ فَلَا يُفْطِرُهُ وَبِذَلِكَ إنْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَلَا يَسْتَبْلِغُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: لِئَلَّا يَذْهَبَ فِي رَأْسِهِ، وَإِنْ ذَهَبَ فِي رَأْسِهِ لَمْ يُفْطِرْهُ، فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى الرَّأْسِ

أَوْ الْجَوْفِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ عَامِدٌ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ فَطَّرَهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَكْرَهُ السِّوَاكَ بِالْعُودِ الرُّطَبِ وَالْيَابِسِ وَغَيْرِهِ: بُكْرَةً وَأَكْرَهُهُ بِالْعَشِيِّ لِمَا أُحِبُّ مِنْ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُفَطِّرْهُ وَمَا دَاوَى بِهِ قُرْحَةً مِنْ رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ فَخَلَصَ إلَى جَوْفِهِ فَطَّرَهُ إذَا دَاوَى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ عَامِدٌ لِإِدْخَالِهِ فِي جَوْفِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَطِّرُهُ الرَّطْبُ وَلَا يُفَطِّرُهُ الْيَابِسُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ إذَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ: بِمَنْزِلَةِ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ فَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ مِنْ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْزِلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سَبِيلِ الْأَكْلِ وَلَا الشُّرْبِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَا يُفَطِّرَانِ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ يُفَطِّرُ أَحَدُهُمَا وَلَا يُفَطِّرُ الْآخَرُ فَهَذَا خَطَأٌ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُنَزِّهَ صِيَامَهُ عَنْ اللَّغَطِ وَالْمُشَاتَمَةِ، وَإِنْ شُوتِمَ أَنْ يَقُولَ: أَنَا صَائِمٌ، وَإِنْ شَاتَمَ: لَمْ يُفَطِّرْهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَدِمَ مُسَافِرٌ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ وَقَدْ كَانَ فِيهِ مُفْطِرًا وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ حَائِضًا فَطَهُرَتْ فَجَامَعَهَا لَمْ أَرَ بَأْسًا وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَا أَوْ شَرِبَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا غَيْرُ صَائِمَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ هُمَا غَيْرُ صَائِمَيْنِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا إنْ فَعَلَا وَأَكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمِصْرِ صِيَامٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إمَّا أَنْ يَكُونَا صَائِمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَفْعَلَا، أَوْ يَكُونَا غَيْرَ صَائِمَيْنِ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ هَذَا عَلَى الصَّائِمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَوَقَّى ذَلِكَ لِئَلَّا يَرَاهُ أَحَدٌ فَيَظُنُّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اشْتَبَهَتْ الشُّهُورُ عَلَى أَسِيرٍ فَتَحَرَّى شَهْرَ رَمَضَانَ فَوَافَقَهُ أَوْ مَا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ فَصَامَ شَهْرًا أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ صَامَ مَا قَبْلَهُ فَقَدْ قَالَ قَائِلٌ لَا يَجْزِيهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَوْ شَهْرًا بَعْدَهُ فَيَكُونُ كَالْقَضَاءِ لَهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ.
وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ فَتَأَخَّاهُ أَجْزَأَهُ قَبْلُ كَانَ أَوْ بَعْدُ، كَانَ هَذَا مَذْهَبًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّى الْقِبْلَةَ، فَإِذَا عَلِمَ بَعْدَ كَمَالِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ فِي خَطَأِ عَرَفَةَ وَالْفِطْرِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ النَّاسُ فِي الْمَغِيبِ الظَّاهِرُ، وَالْأَسِيرُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الشُّهُور فَهُوَ مِثْلُ الْمَغِيبِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَآخِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ إذَا صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ حَتَّى يُصِيبَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ شَهْرًا بَعْدَهُ وَآخِرُ قَوْلِهِ فِي الْقِبْلَةِ كَذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ إذَا تَأَخَّى، وَإِنْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ تَأَخِّيهِ بِلَا دَلَالَةٍ وَأَمَّا عَرَفَةُ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فَيُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ إنَّمَا يَفْعَلُهُ بِاجْتِمَاعِ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ شَيْءٌ يَفْعَلُهُ فِي ذَاتِ نَفْسِهِ خَاصَّةً

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَتَمَّ صَوْمَهُ رَأَيْت إعَادَةَ صَوْمِهِ، وَسَوَاءٌ رَأَى ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ إذَا أَصْبَحَ لَا يَنْوِي صِيَامَهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَذَلِكَ لَوْ أَصْبَحَ يَنْوِي صَوْمَهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِهِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا أَرَى رَمَضَانَ يُجْزِيهِ إلَّا بِإِرَادَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَذْرِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْزِي إلَّا بِنِيَّةٍ فَرْقًا

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ مُقِيمًا نَوَى الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ الْفَجْرِ مُسَافِرًا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ مُقِيمًا (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِي كِتَابٍ غَيْرِ هَذَا مِنْ كُتُبِهِ إلَّا أَنْ يَصِحَّ حَدِيثٌ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَفْطَرَ بِالْكَدِيدِ أَنَّهُ نَوَى صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ مُقِيمٌ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَ الْفَجْرِ كَانَ كَأَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّوْمِ حَتَّى سَافَرَ وَكَانَ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يُتِمَّ فَيَصُومُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَأَخَّى الرَّجُلُ الْقِبْلَةَ بِلَا دَلَائِلَ فَلَمَّا أَصْبَحَ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ كَانَتْ عَلَيْهِ

الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى حِينَ صَلَّى عَلَى الشَّكِّ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ نُهِيَ عَنْ صِيَامِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِي وَقَدْ يَسْمَعُ بَعْضُ النَّاسِ النَّهْيَ وَلَا يَسْمَعُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ فَيَقُولُ بِالنَّهْيِ جُمْلَةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْت لَك أَنَّهُ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَنَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَافْطُرْ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ «أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْت، فَإِنْ قَالَ إنْسَانٌ فَإِنَّهُ قَدْ سَمَّى الَّذِينَ صَامُوا الْعُصَاةَ فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ لِلتَّقَوِّي لِلْعَدُوِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُحَارَبًا عَامَ نُهِيَ عَنْ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَأَبَى قَوْمٌ إلَّا الصِّيَامَ فَسَمَّى بَعْضَ مَنْ سَمِعَ النَّهْيَ الْعُصَاةَ إذْ تَرَكُوا الْفِطْرَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا قَبُولَ الرُّخْصَةِ وَرَغِبُوا عَنْهَا وَهَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا، إنَّمَا نَقُولُ يُفْطِرُ أَوْ يَصُومُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ لَهُ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْنَا لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» قِيلَ لَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَلَكِنَّهُ كَمَا وَصَفْت إذَا رَأَى الصِّيَامَ بِرًّا وَالْفِطْرَ مَأْثَمًا وَغَيَّرَ بِرَغْبَةٍ عَنْ الرُّخْصَةِ فِي السَّفَرِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ الْفَجْرَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ الْبَلَدِ الَّذِي يَنْوِي الْمُقَامَ بِهِ وَهُوَ يَنْوِي الصَّوْمَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَزْمَعَ الْفِطْرَ ثُمَّ أَزْمَعَ الصَّوْمَ بَعْدَ الْفَجْرِ لَمْ يُجْزِهِ فِي حَضَرٍ كَانَ أَوْ فِي سَفَرٍ، وَإِنْ سَافَرَ فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى مَاتَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا لَزِمَهُ أَنْ يَصُومَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَتَرَكَ الصَّوْمَ فَهُوَ حِينَئِذٍ يُلْزَمُ بِالْقَضَاءِ وَيُكَفَّرُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَمُوتَ فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ.

[بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُتَطَوِّعُ بِالصَّوْمِ مُخَالِفٌ لِلَّذِي عَلَيْهِ الصَّوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ لَا يُجْزِيهِمْ عِنْدِي إلَّا إجْمَاعُ الصَّوْمِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاَلَّذِي يَتَطَوَّعُ بِالصَّوْمِ مَا لَمْ يَأْكُلَ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَإِنْ أَصْبَحَ يُجْزِيهِ الصَّوْمُ، وَإِنْ أَفْطَرَ الْمُتَطَوِّعُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَرِهْته لَهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَنَا فِي هَذَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِذَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَنْ يَقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِهِمَا الَّذِي أَفْطَرَتَا فِيهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ إنَّمَا حَدَّثَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَا نَعْرِفُهُ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُمَا عَلَى مَعْنَى إنْ شَاءَتَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا أَمَرَ عُمَرَ أَنْ يَقْضِيَ نَذْرًا نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ عَلَى مَعْنَى إنْ شَاءَ.
قَالَ فَمَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى مَا قُلْت فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْخَبَرِ لَيْسَ فِيهِ مَا قُلْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت إنَّا خَبَّأْنَا لَك حَيْسًا فَقَالَ: أَمَا إنِّي كُنْت أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ»

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ الْقَضَاءُ إذَا خَرَجَ مِنْ الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ حِينَئِذٍ مِنْهُ لَا

يَجُوزُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عَمَلٍ عَلَيْهِ تَمَامُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالِاعْتِكَافُ وَكُلُّ عَمَلٍ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ فَلَهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ إكْمَالِهِ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَتَمَّهُ إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَطْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ أَمَرْته إذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِيهِمَا فَيَقْضِيَهُمَا مَرَّتَيْنِ دُونَ الْأَعْمَالِ؟ قُلْنَا: لَا يُشْبِهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا مَا سِوَاهُمَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ يَمْضِي فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْفَسَادِ كَمَا يَمْضِي فِيهِمَا قَبْلَ الْفَسَادِ وَيُكَفِّرُ وَيَعُودُ فِيهِمَا؟ وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ إذَا أَفْسَدَ الصَّلَاةَ لَمْ يَمْضِ فِيهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَاسِدَةً بِلَا وُضُوءٍ وَهَكَذَا الصَّوْمُ إذَا أُفْسِدَ لَمْ يَمْضِ فِيهِ.
أَوْ لَا تَرَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُتَطَوِّعًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَلَا يُكَفِّرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا فِي الِاعْتِكَافِ وَلَا فِي التَّطَوُّعِ فِي الصَّوْمِ؟ وَقَدْ رَوَى الَّذِينَ يَقُولُونَ بِخِلَافِنَا فِي هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ، وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَبِيهًا بِهِ فِي الطَّوَافِ.

[بَابُ أَحْكَامِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ]

َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَنْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ عُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ قَضَاهُنَّ فِي أَيِّ وَقْتٍ مَا شَاءَ فِي ذِي الْحِجَّةِ أَوْ غَيْرِهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ مُتَفَرِّقَاتٍ أَوْ مُجْتَمَعَاتٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ مُتَتَابِعَاتٍ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ إذَا أَحْصَيْت الْعِدَّةَ فَصُمْهُنَّ كَيْفَ شِئْت (قَالَ) : وَصَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُتَتَابِعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ مَرِضَ وَسَافَرَ الْمُفْطِرُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ قَضَاهُنَّ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ فَرَّطَ وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصُومَ حَتَّى يَأْتِيَ رَمَضَانُ آخَرُ صَامَ الرَّمَضَانَ الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ وَقَضَاهُنَّ.
وَكَفَّرَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا أَطَاقَتَا الصَّوْمَ وَلَمْ تَخَافَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتَا لَا تَقْدِرَانِ عَلَى الصَّوْمِ فَهَذَا مِثْلُ الْمَرَضِ أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا بِلَا كَفَّارَةَ إنَّمَا كَكُفْرَانٍ بِالْأَثَرِ وَبِأَنَّهُمَا لَمْ تُفْطِرَا لِأَنْفُسِهِمَا إنَّمَا أَفْطَرَتَا لِغَيْرِهِمَا فَذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ لَا يُكَفِّرُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ وَيَقْدِرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ يَتَصَدَّقُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ خَبَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ لَمْ يُطِقْ الْحَجَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ عَمَلُ غَيْرِهِ عَنْهُ عَمَلَهُ نَفْسِهِ كَمَا لَيْسَ الْكَفَّارَةُ كَعَمَلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْحَالُ الَّتِي يَتْرُكُ بِهَا الْكَبِيرُ الصَّوْمَ أَنْ يَكُونَ يُجْهِدُهُ الْجَهْدَ غَيْرَ الْمُحْتَمَلِ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ وَالْحَامِلُ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ زَادَ مَرَضُ الْمَرِيضِ زِيَادَةً بَيِّنَةً أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً مُحْتَمَلَةً لَمْ يُفْطِرْ وَالْحَامِلُ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا: أَفْطَرَتْ وَكَذَلِكَ الْمُرْضِعُ إذَا أَضَرَّ بِلَبَنِهَا

الْإِضْرَارَ الْبَيِّنَ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَلَا يُفْطِرُ صَاحِبُهُ، وَالصَّوْمُ قَدْ يُزِيدُ عَامَّةَ الْعِلَلِ وَلَكِنْ زِيَادَةً مُحْتَمَلَةً وَيُنْتَقَصُ بَعْضُ اللَّبَنِ وَلَكِنَّهُ نُقْصَانٌ مُحْتَمَلٌ، فَإِذَا تَفَاحَشَ أَفْطَرَتَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ إذَا لَمْ يُطِقْ الصَّوْمَ الْفِدْيَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يُطِقْهَا وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّوْمِ؟ قِيلَ لَيْسَ يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي حَالٍ تُفْعَلُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا يُطِيقُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا فَيَكُونُ بَعْضُ هَذَا بَدَلًا مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ شَيْءٌ غَيْرُ الصَّلَاةِ بَدَلًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَا الصَّلَاةُ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ، فَالصَّوْمُ لَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا إكْمَالُهُ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ حَالِ صَاحِبِهِ وَيُزَالُ عَنْ وَقْتِهِ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ كَمَا يَكُونُ بَعْضُ الصَّلَاةِ قَصْرًا وَبَعْضُهَا قَاعِدًا وَقَدْ يَكُونُ بَدَلًا مِنْ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَكُونُ الطَّعَامُ بَدَلًا مِنْهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ مَرِضَ فَلَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إنَّمَا الْقَضَاءُ إذَا صَحَّ ثُمَّ فَرَّطَ، وَمَنْ مَاتَ وَقَدْ فَرَّطَ فِي الْقَضَاءِ أُطْعِمَ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ سَنَةً صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نُهِيَ عَنْ صَوْمِهَا وَهِيَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَأَيَّامُ مِنًى وَقَضَاهَا.

وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ صَامَهُ، وَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَقَدْ مَضَى مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ أَوْ كَانَ يَوْمَ فِطْرٍ قَضَاهُ، وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ الْغَدَ بِالنِّيَّةِ لِصَوْمِ يَوْمِ النَّذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أَرَهُ وَاجِبًا

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَوَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَفْطَرَ وَقَضَاهُ

وَمَنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْفِطْرِ لَمْ يَصُمْهُ وَلَمْ يَقْضِهِ؛ لِأَنَّ لَيْسَ لَهُ صَوْمُهُ

وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِهَا لَمْ تَصُمْهُ وَلَمْ تَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَصُومَهَا

(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدُمُ فُلَانٌ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]

ِ أَخْبَرْنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الِاعْتِكَافِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ آخِرَ الشَّهْرِ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ إنْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ كَانَ لِي الْخُرُوجُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ وَلَا يَنْوِي أَيَّامًا وَلَا وُجُوبَ اعْتِكَافٍ مَتَى شَاءَ انْصَرَفَ وَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَإِنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ فَمِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ

وَإِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدٍ فَانْهَدَمَ الْمَسْجِدُ اعْتَكَفَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَإِذَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ

وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ إلَى بَيْتِهِ إنْ شَاءَ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حَاجَتِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْمَرِيضِ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ وَيَخِيطَ وَيُجَالِسَ الْعُلَمَاءَ وَيَتَحَدَّثَ بِمَا أَحَبَّ مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ سِبَابٌ وَلَا جِدَالٌ

(قَالَ) : وَلَا يَعُودُ: الْمَرِيضَ وَلَا يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ إذَا كَانَ اعْتِكَافًا وَاجِبًا

وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْمُؤَذِّنُ وَيَصْعَدَ الْمَنَارَةَ كَانَتْ دَاخِلَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَةً مِنْهُ وَأَكْرَهُ لَهُ الْأَذَانَ لِلْوَالِي بِالصَّلَاةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ

وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيبَ، فَإِنْ أَجَابَ يَقْضِي الِاعْتِكَافَ

وَإِنْ أَكَلَ الْمُعْتَكِفُ فِي بَيْتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ

وَإِذَا مَرِضَ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الِاعْتِكَافَ خَرَجَ، فَإِذَا بَرِئَ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَ بُرْئِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اسْتَقْبَلَ الِاعْتِكَافَ

وَإِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ انْتَقَضَ اعْتِكَافُهُ

وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُعْتَكِفُ أَوْ وَطِئَ اسْتَأْنَفَ اعْتِكَافَهُ إذَا كَانَ اعْتِكَافًا وَاجِبًا بِصَوْمٍ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مُعْتَكِفَةً

قَالَ) : وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ شَهْرًا وَلَمْ يُسَمِّ شَهْرًا بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَقُلْ مُتَتَابِعًا: اعْتَكَفَ مَتَى شَاءَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعًا

وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ مِنْ الْوَطْءِ إلَّا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَا تُفْسِدُهُ قُبْلَةٌ وَلَا مُبَاشَرَةٌ وَلَا نَظْرَةٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ كَانَ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ

وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا بِالنَّهَارِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا شَهْرًا بِالنَّهَارِ

وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَذَهَبَ الشَّهْرُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا سِوَاهُ

وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَاعْتَكَفَهُ إلَّا يَوْمًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ

وَإِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ اعْتِكَافًا وَاجِبًا فَأَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ مُكْرَهًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَتَى خَلَا بَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَهُ بِحَدٍّ أَوْ دَيْنٍ فَحَبَسَهُ، فَإِذَا خَرَجَ رَجَعَ فَبَنَى

وَإِذَا سَكِرَ الْمُعْتَكِفُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ إذَا كَانَ وَاجِبًا

وَإِذَا

خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَةٍ فَلَقِيَهُ غَرِيمٌ لَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَكَّلَ بِهِ وَاذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يَحْبِسُهُ الطَّالِبُ عَنْ الِاعْتِكَافِ، فَإِذَا خَلَّاهُ رَجَعَ فَبَنَى

وَإِذَا خَافَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْوَالِي خَرَجَ، فَإِذَا أَمِنَ بَنَى وَالِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ كَذَا وَكَذَا وَالِاعْتِكَافُ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يَعْتَكِفَ وَلَا يَنْوِي شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى الْمُعْتَكِفُ يَوْمًا فَدَخَلَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الِاعْتِكَافِ اعْتَكَفَ إلَى مِثْلِهِ، وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ يَوْمٍ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَيَعْتَكِفُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَيَوْمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةُ النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ

وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِصَوْمٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، فَإِنْ كَانَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَحَّ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ بِعَدَدِ مَا صَحَّ مِنْ الْأَيَّامِ كُلَّ

يَوْمٍ مُدًّا

(قَالَ الرَّبِيعُ) : إذَا مَاتَ: وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ أُطْعِمَ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ

وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ الرَّجُلُ اللَّيْلَةَ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَالِاعْتِكَافُ يَكُونُ بِغَيْرِ صَوْمٍ

فَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمَ يَقْدُمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ اعْتَكَفَ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ، وَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ مَحْبُوسٌ فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَبْسِ قَضَاهُ، وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ سَمَّاهُ، فَإِذَا الشَّهْرُ قَدْ مَضَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ

(قَالَ) : وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُعْتَكِفُ بِالْحَجِّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ أَتَمَّ اعْتِكَافَهُ، فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْحَجّ مَضَى لِحَجِّهِ، فَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ الْحَجِّ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَتَابِعٍ بَنَى

وَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ فِيمَا سِوَاهُ وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ مَا عَظُمَ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَكَثُرَ أَهْلُهُ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاءُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ

وَإِذَا جَعَلَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا اعْتِكَافًا فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مَنْعُهُمْ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُمْ قَبْلَ تَمَامِ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ مَنْعُهُمْ مِنْ الِاعْتِكَافِ

وَإِذَا جَعَلَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ نِصْفُهُ عَلَيْهِ اعْتِكَافًا أَيَّامًا فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَيَخْدُمَ يَوْمًا حَتَّى يُتِمَّ اعْتِكَافَهُ

وَإِذَا جُنَّ الْمُعْتَكِفُ فَأَقَامَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ بَنَى.

وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ فِي الِاعْتِكَافِ كَالصَّحِيحِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ مَا بَدَا لَهُمَا مِنْ الثِّيَابِ وَيَأْكُلَا مَا بَدَا لَهُمَا مِنْ الطَّعَامِ وَيَتَطَيَّبَا بِمَا بَدَا لَهُمَا مِنْ الطِّيبِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ الْمَائِدَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الطَّسْتِ

وَلَوْ نَسِيَ الْمُعْتَكِفُ فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَيَغْسِلُهُ - فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْكِحَ الْمُعْتَكِفُ نَفْسَهُ وَيُنْكِحَ غَيْرَهُ

وَإِذَا مَاتَ عَنْ الْمُعْتَكِفَةِ زَوْجُهَا خَرَجَتْ، وَإِذَا قَضَتْ عِدَّتَهَا رَجَعَتْ فَبَنَتْ، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ، فَإِنْ فَعَلَتْ ابْتَدَأَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْحَجِّ]

[بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ]

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأم للشافعي · 390 صفحة
المقدمة
َ وَقْتُ الْعَصْرِ
بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ،
وَقْتِ الْجُمُعَةِ
ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
فدية الجراد
ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ
[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .
ُ الْغَصْبِ
ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
ْ الصَّدَقَةُ
مَا جَاءَ فِي نِكَاح إمَاء الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِر أَهْل الْكتاب وَإِمَائِهِمْ
ُ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي تَحِيضُعدة الْحُرَّة مِنْ أَهْل الْكتاب عِنْد الْمُسْلِم وَالْكِتَابِيّ
َالْإِحْدَادُ
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ
َجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ
اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ وَالْفَارِسَيْنِ
َدَعْوَى الْأَعَاجِمِ
ِ بَابُ الدِّيَاتِ
َمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ
جارٍ التحميل