فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ قِيلَ لَهُ إنْ شِئْت سَلَّمْته بِمَا سُلِّمَ لَك مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالثُّلُثِ وَتَرَكْت الْفَضْلَ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَإِنْ شِئْت رَدَدْت مَا أَخَذْت وَنَقَضْت الْبَيْعَ إنْ كَانَ الْبَيْعُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْبَائِعِ عَنْ الْفَضْلِ فَلِلْبَائِعِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي سِلْعَتِهِ وَمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ السِّلْعَةُ قَائِمَةً قَدْ دَخَلَهَا عَيْبٌ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا، أَوْ غَيْرَهُ فَاشْتَرَاهُ الْمَرِيضُ فَظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَأَبْرَأَ الْبَائِعَ مِنْ الْعَيْبِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ غَبْنٌ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَفِيهِ غَبْنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ صَحِيحًا، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَاهُ وَلَهُ فِيهِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ أَوْ خِيَارُ شَرْطٍ، أَوْ خِيَارُ صَفْقَةٍ فَلَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الصَّفْقَةِ بِالتَّفَرُّقِ، وَلَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ، وَلَا خِيَارُ الشَّرْطِ بِانْقِضَاءِ الشَّرْطِ حَتَّى مَرِضَ فَفَارَقَ الْبَائِعَ، أَوْ رَأَى السِّلْعَةَ فَلَمْ يَرُدَّهَا، أَوْ مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَهُوَ مَرِيضٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَ الْبَائِعُ الصَّحِيحَ وَالْمُشْتَرِي الْمَرِيضَ، أَوْ الْمُشْتَرِي الصَّحِيحَ وَالْبَائِعُ الْمَرِيضَ عَلَى أَصْلِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْغَبْنَ يَكُونُ فِي الثُّلُثِ وَهَكَذَا لَوْ بَاعَ مَرِيضٌ مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ صَحِيحٌ مِنْ صَحِيحٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ الْمَرِيضِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الصَّحِيحِ فِي قِيمَةِ مَا بَاعَ الْمَرِيضُ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ وَقَالَ الْوَرَثَةُ بَلْ بَاعَكَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَتَانِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي فِي هَذَا كُلِّهِ وَارِثًا، أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ فَلَمْ يَمُتْ الْمَيِّتُ حَتَّى صَارَ وَارِثًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَزَلْ وَارِثًا لَهُ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ، فَإِذَا بَاعَهُ الْمَيِّتُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ مِثْلُ الْأَجْنَبِيِّ فِي جَمِيعِ حَالِهِ إلَّا فِيمَا زَادَ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ، وَإِنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ قِيلَ: لِلْوَارِثِ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتَ فَلَا وَصِيَّةَ لَك فَإِنْ شِئْت فَارْدُدْ الْبَيْعَ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَك مَا بَاعَك، وَإِنْ شِئْت فَأَعْطِ الْوَرَثَةَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ مَا زَادَ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ هُوَ فِي فَوْتِ السِّلْعَةِ وَغَبْنِهَا مِثْلُ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ مَرِيضٌ وَارِثٌ مِنْ مَرِيضٍ وَارِثٍ.
[بَابُ نِكَاحِ الْمَرِيضِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ جَمِيعَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعًا وَمَا دُونَهُنَّ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، فَإِذَا أَصْدَقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَدَاقَ مِثْلِهَا جَازَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَأَيَّتُهُنَّ زَادَ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ فَإِنْ صَحَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ جَازَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ بَطَلَتْ عَنْهَا الزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ ابْنَةُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ فَحُدِّثَ أَنَّهَا عَاقِرٌ لَا تَلِدُ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا فَمَكَثَتْ حَيَاةَ عُمَرَ وَبَعْضَ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ لِتُشْرِكَ نِسَاءَهُ فِي الْمِيرَاثِ وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ.
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ فِي شَكَوَاهُ أَنْ يُخْرِجَ امْرَأَتَهُ مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ فَأَبَتْ فَنَكَحَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ نِسْوَةٍ وَأَصْدَقَهُنَّ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَأَجَازَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَشَرَكَ بَيْنَهُنَّ فِي الثُّمُنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَرَى ذَلِكَ صَدَاقَ مِثْلِهِنَّ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهِنَّ لَجَازَ النِّكَاحُ وَبَطَلَ مَا زَادَهُنَّ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهِنَّ إذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ زَوِّجُونِي لَا أَلْقَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَنَا عَزَبٌ.
(قَالَ) : وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى فِي نِكَاحِ رَجُلٍ نَكَحَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَجَعَلَ الْوَارِثَ وَالصَّدَاقَ فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَكَحَ الْمَرِيضُ فَزَادَ الْمَنْكُوحَةَ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ مَاتَ جَازَتْ لَهَا الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَكَانَ كَمَنْ ابْتَدَأَ نِكَاحًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَتْ الْمَنْكُوحَةُ فَصَارَتْ غَيْرَ وَارِثٍ كَانَ لَهَا جَمِيعُ مَا أَصْدَقَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالزِّيَادُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا يَكُونُ مَا وَهَبَ لِأَجْنَبِيَّةِ فَقَبَضَتْهُ مِنْ الثُّلُثِ فَمَا زَادَ مِنْ صَدَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى الثُّلُثِ إذَا مَاتَتْ مِثْلُ الْمَوْهُوبِ الْمَقْبُوضِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَالْمُتَزَوِّجَةُ مِمَّنْ لَا تَرِثُ بِأَنْ تَكُونَ ذِمِّيَّةً، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ عِنْدَهُ جَازَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَارِثٍ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ فَصَارَتْ وَارِثًا بَطَلَ عَنْهَا مَا زَادَ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ نَكَحَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَرِثْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَهْرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهَا فَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سُمِّيَ لَهَا، أَوْ أَكْثَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَمَةٌ فَأَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ نَكَحَهَا وَأَصْدَقَهَا صَدَاقًا وَأَصَابَهَا - بَقِيَ الْجَوَابُ قَالَ الرَّبِيعُ أَنَا أُجِيبُ فِيهَا وَأَقُولُ يُنْظَرُ فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ الْعِتْقُ جَائِزًا وَكَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِصَدَاقِ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي سُمِّيَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا مَا سَمَّاهُ لَهَا فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا رُدَّتْ إلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَكَانَتْ وَارِثَةً، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهَا مَا احْتَمَلَ الثُّلُثُ وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهَا، وَلَمْ تَكُنْ وَارِثَةً؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا رَقِيقٌ.
[هِبَاتُ الْمَرِيضِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا ابْتَدَأَ الْمَرِيضُ هِبَةً فِي مَرَضِهِ لِوَارِثٍ، أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ مَا وَهَبَ لَهُ فَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَلَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ حَتَّى مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي وَهَبَ فِيهِ فَالْهِبَةُ مَرْدُودَةٌ كُلُّهَا، وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَهُ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا فَإِنْ اسْتَغَلَّ مَا وُهِبَ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ رَدَّ الْغَلَّةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ مِلْكَ مَا وُهِبَ لَهُ كَانَ فِي مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَلَوْ وَهَبَ لِوَارِثٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ مَرِضَ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْهِبَةَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَانَتْ الْهِبَةُ مَرْدُودَةً؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إنَّمَا تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَقَبْضُهُ إيَّاهَا كَانَ، وَهُوَ مَرِيضٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ كَانَ الدَّفْعُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ فَمَاتَ كَانَتْ الْهِبَةُ تَامَّةً مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ كَانَ لِلْوَاهِبِ حَبْسُهَا وَكَانَ دَفْعُهُ إيَّاهَا كَهِبَتِهِ إيَّاهَا وَدَفْعِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِمَنْ يَرَاهُ يَرِثُهُ فَحَدَثَ دُونَهُ وَارِثٌ فَحَجَبَهُ فَمَاتَ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ كَانَتْ سَوَاءً؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا غَيْرُ وَارِثٍ، فَإِذَا كَانَتْ هِبَتُهُ لَهُمَا صَحِيحًا، أَوْ مَرِيضًا وَقَبَّضَهُمَا الْهِبَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْهِبَةُ لَهُمَا جَائِزَةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ خَارِجَةٌ مِنْ مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِبَتُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ كَقَبْضِهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَانَ قَبَّضَهُمَا الْهِبَةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَصِحَّ كَانَتْ الْهِبَةُ
وَهُوَ صَحِيحٌ، أَوْ مَرِيضٌ فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَالْهِبَةُ مِنْ الثُّلُثِ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ بَتَاتٍ وَمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهَا جَازَ وَمَا لَمْ يَحْمِلْ رُدَّ وَكَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِمَّا وُهِبَ لَهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا نَحَلَ، أَوْ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مِثْلُ الْهِبَاتِ لَا يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا بِالْقَبْضِ وَكُلُّ مَا لَا يُمَلَّكُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَحُكْمُهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاهِبَ وَالنَّاحِلَ وَالْمُتَصَدِّقَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَالْمَنْحُولُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مَا صُيِّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَطَلَ مَا صَنَعَ وَكَانَ مَالًا مِنْ مَالِ الْوَاهِبِ النَّاحِلِ الْمُتَصَدِّقِ لِوَرَثَتِهِ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّ جَائِزًا لِمَنْ أَعْطَى هَذَا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مُعْطِيهِ فَيَحِلَّ لِمُعْطِيهِ مِلْكُهُ وَيَحِلَّ لِمُعْطِيهِ شِرَاؤُهُ مِنْهُ وَارْتِهَانُهُ مِنْهُ وَيَرِثُهُ إيَّاهُ فَيَمْلِكُهُ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ دَارُ رَجُلٍ أَوْ عَبْدُهُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ بِسُكْنَى أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ فَقَالَ: قَدْ وَهَبْت لَك الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْك وَكُنْت قَدْ أَذِنْت لَك فِي قَبْضِهِ لِنَفْسِك كَانَتْ هَذِهِ هِبَةً مَقْبُوضَةً لِلدَّارِ وَالْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُحْدِثْ لَهُ مَنْعًا لِمَا وَهَبَ لَهُ حَتَّى مَاتَ عُلِمَ أَنَّهُ لَهَا قَابِضٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كَانَ يَجُوزُ بِالْكَلَامِ دُونَ الْقَبْضِ مُخَالِفٌ لِهَذَا وَذَلِكَ الصَّدَقَاتُ الْمُحَرَّمَاتُ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهَا الْمُتَصَدِّقُ وَشُهِدَ بِهَا عَلَيْهِ فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ مِلْكِهِ تَامَّةٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ لَا يَزِيدُهَا الْقَبْضُ تَمَامًا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا تَرْكُ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخْرِجَ لَهَا مِنْ مِلْكِهِ أَخْرَجَهَا بِأَمْرٍ مَنَعَهَا بِهِ أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ مِنْهَا مُتَصَرِّفًا فِيمَا يُصْرَفُ فِيهِ الْمَالُ مِنْ بَيْعٍ وَمِيرَاثٍ وَهِبَةٍ وَرَهْنٍ وَأَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ خُرُوجًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ بِحَالٍ فَأَشْبَهَتْ الْعِتْقَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا، وَلَمْ تُخَالِفْهُ إلَّا فِي الْمُعْتَقِ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَكَسْبَهَا وَأَنَّ مَنْفَعَةَ هَذِهِ مَمْلُوكَةٌ لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مَالِكَةً، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ كِتَابِ الْآثَارِ فِي هَذَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ الْمُحَرَّمَةِ صَحِيحًا، ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ مَرِيضًا، ثُمَّ صَحَّ فَهِيَ جَائِزَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا كَانَ تَكَلَّمَ بِهَا مَرِيضًا فَلَمْ يَصِحَّ فَهِيَ مِنْ ثُلُثِهِ جَائِزَةٌ بِمَا تَصَدَّقَ بِهِ لِمَنْ جَازَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ وَمَرْدُودَةٌ عَمَّنْ تُرَدُّ عَنْهُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ]
" بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ " وَفِيهِ الْوَصِيَّةُ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَشَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِجَارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّبِيعُ تَرْجَمَةً تَدُلُّ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَحَدٍ وَصِيَّةٌ إذَا جَاوَزَ الثُّلُثَ مِمَّا تَرَكَ فَمَنْ أَوْصَى فَجَاوَزَ الثُّلُثَ رُدَّتْ وَصَايَاهُ كُلُّهَا إلَى الثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الْوَرَثَةُ فَيُجِيزُونَ لَهُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ بِإِعْطَائِهِمْ، وَإِذَا تَطَوَّعَ لَهُ الْوَرَثَةُ فَأَجَازُوا ذَلِكَ لَهُ فَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَلَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتِمُّ لِلْمُعْطَى بِمَا يَتِمُّ بِهِ لَهُ مَا ابْتَدَءُوا بِهِ عَطِيَّتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ قَبْضَةِ ذَلِكَ وَيُرَدُّ بِمَا رُدَّ بِهِ مَا ابْتَدَءُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إنْ مَاتَ الْوَرَثَةُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُوصَى لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَوْ أَوْصَى
لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ، وَلَمْ تُجِزْ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ اقْتَسَمَ أَهْلُ الْوَصَايَا الثُّلُثَ عَلَى قَدْرِ مَا أُوصِيَ لَهُمْ بِهِ يُجَزَّأُ الثُّلُثُ ثَلَاثَةَ عَشْرَ جُزْءًا فَيَأْخُذُ مِنْهُ صَاحِبُ النِّصْفِ سِتَّةً وَصَاحِبُ الثُّلُثِ أَرْبَعَةً وَصَاحِبُ الرُّبُعِ ثَلَاثَةً، وَلَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ اقْتَسَمُوا جَمِيعَ الْمَالِ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِمْ عَوْلُ نِصْفِ السُّدُسِ فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْعَوْلِ نِصْفَ سُدُسِ وَصِيَّتِهِ وَاقْتَسَمُوا الْمَالَ كُلَّهُ كَمَا اقْتَسَمُوا الثُّلُثَ حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً فِي الْعَوْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ غُلَامِي فُلَانٌ وَلِفُلَانٍ دَارِي وَوَصَفَهَا وَلِفُلَانٍ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمْ يَبْلُغْ هَذَا الثُّلُثَ، وَلَمْ تُجِزْهُ لَهُمْ الْوَرَثَةُ وَكَانَ الثُّلُثُ أَلْفًا وَالْوَصِيَّةُ أَلْفَيْنِ وَكَانَتْ قِيمَةُ الْغُلَامِ خَمْسَمِائَةٍ وَقِيمَةُ دَارِهِ أَلْفًا وَالْوَصِيَّةُ خَمْسُمِائَةٍ دَخَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَصِيَّتِهِ عَوْلُ النِّصْفِ وَأَخَذَ نِصْفَ وَصِيَّتِهِ فَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْغُلَامِ نِصْفُ الْغُلَامِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالدَّارِ نِصْفُ الدَّارِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْخَمْسِمِائَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دِينَارًا لَا تُجْعَلُ وَصِيَّةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوصِيَ لَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلَّا فِيمَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ، وَلَا يَخْرُجُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا مَا سَلَّمَهَا الْوَرَثَةُ فَإِنْ قَالَ الْوَرَثَةُ: لَا نُسَلِّمُ لَهُ مِنْ الدَّارِ إلَّا مَا لَزِمَنَا قِيلَ لَهُ ثُلُثُ الدَّارِ شَرِيكٌ لَكُمْ بِهَا إنْ شَاءَ وَشِئْتُمْ اقْتَسَمْتُمْ وَيُضْرَبُ بِقِيمَةِ سُدُسِ الدَّارِ الَّذِي جَازَ لَهُ مِنْ وَصِيَّتِهِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ يَكُونُ شَرِيكًا لَكُمْ بِهِ وَهَكَذَا الْعَبْدُ وَكُلُّ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ تُسَلِّمْهُ لَهُ الْوَرَثَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الدَّارِ وَالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِدَارٍ فَقَالَ دَارِي الَّتِي كَذَا - وَوَصَفَهَا وَصِيَّةٌ - لِفُلَانٍ فَالدَّارُ لَهُ بِجَمِيعِ بِنَائِهَا وَمَا ثَبَتَ فِيهَا مِنْ بَابٍ وَخَشَبٍ وَلَيْسَ لَهُ مَتَاعٌ فِيهَا، وَلَا خَشَبٌ، وَلَا أَبْوَابٌ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْبِنَاءِ، وَلَا لَبِنٌ، وَلَا حِجَارَةٌ، وَلَا آجُرٌّ لَمْ يُبْنَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ الدَّارِ حَتَّى يُبْنَى بِهِ فَيَكُونَ عِمَارَةً لِلدَّارِ ثَابِتَةً فِيهَا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِالدَّارِ فَانْهَدَمَتْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا انْهَدَمَ مِنْ الدَّارِ وَكَانَ لَهُ مَا بَقِيَ لَمْ يَنْهَدِمْ مِنْ الدَّارِ وَمَا ثَبَتَ فِيهَا لَمْ يَنْهَدِمْ مِنْهَا مِنْ خَشَبٍ وَأَبْوَابٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَيْهَا سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، أَوْ بَطَلَ مِنْهَا مَا ذَهَبَ مِنْ الدَّارِ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ فَمَاتَ، أَوْ اعَوَرَّ، أَوْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ فَذَهَبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ سِوَى مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ قَدْ ذَهَبَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ، أَوْ نَقَصَ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَاسْتَحَقَّ عَلَى الْمُوصِي بِشَيْءٍ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَصْبٍ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ بِصِفَتِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ فَقَالَ لَهُ غُلَامِي الْبَرْبَرِيُّ، أَوْ غُلَامِي الْحَبَشِيُّ أَوْ نَسَبَهُ إلَى جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ، وَلَوْ زَادَ فَوَصَفَهُ وَكَانَ لَهُ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يُسَمَّى بِاسْمِهِ وَتُخَالِفُ صِفَتُهُ صِفَتَهُ كَانَ جَائِزًا لَهُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا غَلَطًا مِنْ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَالْجَوَابُ فِيهَا عِنْدِي أَنَّهُ إنْ وَافَقَ اسْمُهُ أَنَّهُ إنْ أَوْصَى لَهُ بِغُلَامٍ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَجِنْسِهِ وَوَصَفَهُ فَوَجَدْنَا لَهُ غُلَامًا بِذَلِكَ الِاسْمِ وَالْجِنْسِ غَيْرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصِفَتِهِ كَأَنَّهُ قَالَ فِي صِفَتِهِ: أَبْيَضُ طِوَالٌ حَسَنُ الْوَجْهِ فَأَصَبْنَا ذَلِكَ الِاسْمَ وَالْجِنْسَ أَسْوَدَ قَصِيرًا أَسْمَجَ الْوَجْهِ لَمْ نَجْعَلْهُ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبَهُ إلَى جِنْسِهِ فَكَانَ لَهُ عَبْدَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَاتَّفَقَ اسْمَاهُمَا وَأَجْنَاسُهُمَا لَا تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا صِفَةٌ، وَلَمْ تُثْبِتْ الشُّهُودُ أَيَّهُمَا أَرَادَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ إذَا لَمْ يُثْبِتُوا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ وَهُمَا مَوْقُوفَانِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا؛ لِأَنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ لَهُ أَحَدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ.
[بَابُ الْمَرَضِ الَّذِي تَكُونُ عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ جَائِزَةً أَوْ غَيْرَ جَائِزَةٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْمَرَضُ مَرَضَانِ فَكُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّ الْمَوْتَ مَخُوفٌ مِنْهُ فَعَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ إنْ مَاتَ فِي حُكْمِ الْوَصَايَا وَكُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخُوفٍ فَعَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُ، فَأَمَّا الْمَرَضُ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّ الْمَوْتَ مَخُوفٌ مِنْهُ فَكُلُّ حُمَّى بَدَأَتْ بِصَاحِبِهَا حَتَّى جَهِدَته أَيَّ حُمَّى كَانَتْ، ثُمَّ إذَا تَطَاوَلَتْ فَكُلُّهَا مَخُوفٌ إلَّا الرِّبْعَ فَإِنَّهَا إذَا اسْتَمَرَّتْ بِصَاحِبِهَا رِبْعًا كَانَ الْأَغْلَبُ فِيهَا أَنَّهَا غَيْرُ مَخُوفَةٍ فَمَا أَعْطَى الَّذِي اسْتَمَرَّتْ بِهِ حُمَّى الرِّبْعِ، وَهُوَ فِي حُمَّاهُ فَهُوَ كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ وَمَا أَعْطَى مَنْ بِهِ حُمَّى غَيْرُ رِبْعٍ فَعَطِيَّةُ مَرِيضٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرِّبْعِ غَيْرُهَا مِنْ الْأَوْجَاعِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَجَعُ مَخُوفًا فَعَطِيَّتُهُ كَعَطِيَّةِ الْمَرِيضِ مَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجَعِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبِرْسَامِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْخَاصِرَةِ وَالْقُولَنْجِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا انْفَرَدَ فَهُوَ مَرَضٌ مَخُوفٌ، وَإِذَا ابْتَدَأَ الْبَطْنُ بِالرَّجُلِ فَأَصَابَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَأْتِي فِيهِ دَمٌ، وَلَا شَيْءٌ غَيْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْخَلَاءِ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ حَتَّى يُعَجِّلَهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ نَوْمًا، أَوْ يَكُونَ مُنْخَرِقًا فَهُوَ مَخُوفٌ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَطْنُ مُنْخَرِقًا وَكَانَ مَعَهُ زَحِيرٌ، أَوْ تَقْطِيعٌ فَهُوَ مَخُوفٌ (قَالَ) : وَمَا أَشْكَلَ مِنْ هَذَا أَنْ يُخَلَّصَ بَيْنَ مَخُوفِهِ وَغَيْرِ مَخُوفِهِ سُئِلَ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مَخُوفٌ لَمْ تَجُزْ عَطِيَّتُهُ إذَا مَاتَ إلَّا مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا يَكُونُ مَخُوفًا جَازَتْ عَطِيَّتُهُ جَوَازَ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ، وَمَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ أَوْ تَغَلَّبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُ، أَوْ الْمُزَارُ فَهُوَ فِي حَالِهِ تِلْكَ مَخُوفٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ كَانَ كَذَلِكَ، وَمَنْ سَاوَرَهُ الْبَلْغَمُ كَانَ مَخُوفًا عَلَيْهِ فِي حَالِ مُسَاوَرَتِهِ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ فَالِجٌ فَالْأَغْلَبُ أَنَّ الْفَالِجَ يَتَطَاوَلُ بِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخُوفِ الْمُعَاجَلَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ سُلٌّ فَالْأَغْلَبُ أَنَّ السُّلَّ يَتَطَاوَلُ، وَهُوَ غَيْرُ مَخُوفِ الْمُعَاجَلَةِ، وَلَوْ أَصَابَهُ طَاعُونٌ فَهَذَا مَخُوفٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ الطَّاعُونُ، وَمَنْ أَنْفَذَتْهُ الْجِرَاحُ حَتَّى تَصِلَ مِنْهُ إلَى جَوْفٍ فَهُوَ مَخُوفٌ عَلَيْهِ وَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ الْجِرَاحِ مَا لَا يَصِلُ مِنْهُ إلَى مَقْتَلٍ فَإِنْ كَانَ لَا يُحَمُّ عَلَيْهَا، وَلَا يَجْلِسُ لَهَا، وَلَا يَغْلِبُهُ لَهَا وَجَعٌ، وَلَا يُصِيبُهُ فِيهَا ضَرَبَانٌ وَلَا أَذًى، وَلَمْ يَأْكُلْ وَيَرْمِ فَهَذَا غَيْرُ مَخُوفٍ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَعْضُ هَذَا فَهُوَ مَخُوفٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ جَمِيعُ الْأَوْجَاعِ الَّتِي لَمْ تُسَمَّ عَلَى مَا وَصَفْت يُسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا فَإِنْ قَالُوا مَخُوفَةٌ فَعَطِيَّةُ الْمُعْطِي عَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَإِنْ قَالُوا: غَيْرُ مَخُوفَةٍ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ صَحِيحٍ، وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ ذَلِكَ وَالشَّهَادَةِ بِهِ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ.
[بَابُ عَطِيَّةِ الْحَامِلِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يُخَافُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَجُوزُ عَطِيَّةُ الْحَامِلِ حَتَّى يَضْرِبَهَا الطَّلْقُ لِوِلَادٍ، أَوْ إسْقَاطٍ فَتَكُونَ تِلْكَ حَالَ خَوْفٍ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ غَيْرَ الْحَمْلِ مِمَّا لَوْ أَصَابَ غَيْرَ الْحَامِلِ كَانَتْ عَطِيَّتُهَا عَطِيَّةَ مَرِيضٍ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ بِهَا وَجَعٌ مِنْ جُرْحٍ، أَوْ وَرَمٍ، أَوْ بَقِيَّةِ طَلْقٍ، أَوْ أَمْرٍ مَخُوفٍ فَعَطِيَّتُهَا عَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَعَطِيَّتُهَا عَطِيَّةُ صَحِيحٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ ضُرِبَتْ الْمَرْأَةُ، أَوْ الرَّجُلُ بِسِيَاطٍ، أَوْ خَشَبٍ، أَوْ حِجَارَةٍ فَثَقَبَ الضَّرْبُ جَوْفًا أَوْ وَرَّمَ بَدَنًا، أَوْ حَمَلَ قَيْحًا فَهَذَا كُلُّهُ مَخُوفٌ، وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا فِي أَوَّلِ مَا يَكُونُ الضَّرْبُ إنْ كَانَ مِمَّا يَصْنَعُ مِثْلُهُ مِثْلَ هَذَا مَخُوفٌ، فَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ يُؤْمَنُ فِيهَا أَنْ يَبْقَى بَعْدَهَا وَكَانَ مُقَتِّلًا فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ.
[بَابُ عَطِيَّةِ الرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ وَالْبَحْرِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَجُوزُ عَطِيَّةُ الرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ حَتَّى يَلْتَحِمَ فِيهَا، فَإِذَا الْتَحَمَ كَانَتْ عَطِيَّتُهُ كَعَطِيَّةِ الْمَرِيضِ كَانَ مُحَارِبًا مُسْلِمِينَ، أَوْ عَدُوًّا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ عَطِيَّتَهُ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ حَتَّى يُجْرَحَ.
(قَالَ) : وَقَدْ قَالَ: لَوْ قُدِّمَ فِي قِصَاصٍ؛ لِضَرْبِ عُنُقِهِ إنَّ عَطِيَّتَهُ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ، فَإِذَا أُسِرَ فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ جَازَتْ عَطِيَّتُهُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي مُشْرِكِينَ لَا يَقْتُلُونَ أَسِيرًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي مُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ الْأَسْرَى وَيَدَعُونَهُمْ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلَيْسَ يَخْلُو الْمَرْءُ فِي حَالٍ أَبَدًا مِنْ رَجَاءِ الْحَيَاةِ وَخَوْفِ الْمَوْتِ لَكِنْ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ الْخَوْفَ عَلَيْهِ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ الْأَمَانَ عَلَيْهِ مِمَّا نَزَلَ بِهِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ إسَارٍ، أَوْ حَالٍ كَانَتْ عَطِيَّتُهُ عَطِيَّةَ الصَّحِيحِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ
كَانَ فِي مُشْرِكِينَ يَفُونَ بِالْعَهْدِ فَأَعْطَوْهُ أَمَانًا عَلَى شَيْءٍ يُعْطِيهُمُوهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ يَعْنِي فِي حَدِيثِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرَأَيْت مُتَظَاهِرًا عِنْدَ عَامَّةِ مَنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ الْفَتْحِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَلَمْ أَرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا، وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَحُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ حُكْمُ مَا لَمْ يَكُنْ فَمَتَى أَوْصَى رَجُلٌ لِوَارِثٍ وَقَفْنَا الْوَصِيَّةَ فَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ وَارِثٌ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ، وَإِنْ حَدَثَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ يَحْجُبُهُ، أَوْ خَرَجَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ يَمُوتُ وَارِثًا لَهُ، بِأَنْ يَكُونَ أَوْصَى صَحِيحًا لِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَاتَ مَكَانَهُ فَلَمْ تَرِثْهُ فَالْوَصِيَّةُ لَهَا جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَارِثَةٍ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْوَصِيَّةُ وَتَجُوزُ إذَا كَانَ لَهَا حُكْمٌ، وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمٌ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي حَتَّى تَجِبَ، أَوْ تَبْطُلَ.
وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ وَلَهُ دُونَهُ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ فَمَاتَ الْوَارِثُ قَبْلَ الْمُوصِي فَصَارَ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا أَوْ لِامْرَأَةٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا وَمَاتَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ بِعَبْدٍ، أَوْ أَعْبُدٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ مَالٍ مُسَمًّى مَا كَانَ بَطَلَ نَصِيبُ الْوَارِثِ وَجَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا يُصِيبُهُ، وَهُوَ النِّصْفُ مِنْ جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ لِلْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِكَذَا لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِلْوَارِثِ ثُلُثًا وَلِلْأَجْنَبِيِّ ثُلُثَيْ مَا أَوْصَى بِهِ جَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا سُمِّيَ لَهُ وَرُدَّ عَنْ الْوَارِثِ مَا سُمِّيَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ يَرِثُهُ وَلِابْنِهِ أُمٌّ وَلَدَتْهُ أَوْ حَضَنَتْهُ، أَوْ أَرْضَعَتْهُ، أَوْ أَبٌ أَرْضَعَهُ، أَوْ زَوْجَةٌ، أَوْ وَلَدٌ لَا يَرِثُهُ أَوْ خَادِمٌ، أَوْ غَيْرُهُ فَأَوْصَى لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ جَازَتْ لَهُمْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ وَارِثٍ، وَكُلَّ هَؤُلَاءِ مَالِكٌ لِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ؛ لِمِلْكِهِ مَالَهُ إنْ شَاءَ مَنَعَهُ ابْنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِوَصِيَّتِهِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ وَمَنْ عَطَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْوَصِيَّةَ فَقَالَ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] وَأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ الْأَقْرَبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَبْتَلُونَ أَوْلَادَ الْمُوصِي بِالْقَرَابَةِ، ثُمَّ الْأَغْلَبُ أَنْ يَزِيدُوا وَأَنْ يَبْتَلُوهُمْ بِصِلَةِ أَبِيهِمْ لَهُمْ بِالْوَصِيَّةِ وَيَنْبَغِي لِمَنْ مَنَعَ أَحَدًا مَخَافَةَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى وَارِثٍ أَوْ يَنْفَعَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَوِي الْقَرَابَةِ وَأَنْ لَا يُعْتِقَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ قَدْ عُرِفُوا بِالْعَطْفِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ وَصِيَّةَ غَيْرِ الْوَارِثِ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيَتْ.
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ إجَازَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَغَيْرِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ فَقَالَ لِلْوَرَثَةِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ بِثُلُثِي لِفُلَانٍ وَارِثِي فَإِنْ أَجَزْتُمْ ذَلِكَ فَعَلْت، وَإِنْ لَمْ تُجِيزُوا أَوْصَيْت بِثُلُثِي لِمَنْ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ فَأَشْهَدُوا لَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ قَدْ أَجَازُوا لَهُ جَمِيعَ مَا أَوْصَى لَهُ وَعَلِمُوهُ، ثُمَّ مَاتَ فَخَيْرٌ لَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجِيزُوهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صِدْقًا وَوَفَاءً بِوَعْدٍ وَبُعْدًا مِنْ غَدْرٍ وَطَاعَةً لِلْمَيِّتِ وَبِرًّا لِلْحَيِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يُجْبِرْهُمْ الْحَاكِمُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ فِي شَيْءٍ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ هُوَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ
إجازتهموه قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمَيِّتُ لَا يَلْزَمُهُمْ بِهَا حُكْمٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ ثَلَاثَةً وَاثْنَيْنِ وَوَاحِدًا فَتَحْدُثُ لَهُ أَوْلَادٌ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَيَكُونُونَ أَجَازُوا كُلَّ الثُّلُثِ إنَّمَا لَهُمْ بَعْضُهُ وَيَحْدُثُ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ يَحْجُبُهُمْ وَيَمُوتُونَ قَبْلَهُ فَلَا يَكُونُونَ أَجَازُوا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ فِي شَيْءٍ يَمْلِكُونَهُ بِحَالٍ، وَإِنَّ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِمْ فِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ أَبَدًا إلَّا بَعْدَمَا يَمُوتُ أَوَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَجَازُوهَا لِوَارِثٍ كَانَ الَّذِي أُجِيزَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ الْمُوصِي، فَلَوْ كَانَ مِلْكُ الْوَصِيَّةِ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ وَإِجَازَتُهُمْ مِلْكَهَا كَانَ لَمْ يُمَلَّكْهَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا بِمَوْتِهِ وَبَقَائِهِ بَعْدَهُ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَجَازُوا لَهُ الْوَصِيَّةَ أَجَازُوهَا فِيمَا لَا يَمْلِكُونَ، وَفِيمَا قَدْ لَا يَمْلِكُونَهُ أَبَدًا.
(قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِيمَا يُجَاوِزُ الثُّلُثَ مِنْ وَصِيَّتِهِ فَأَذِنُوا لَهُ بِهِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِيرَاثِي مِنْك لِأَخِي فُلَانٍ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَمْلِكْ وَهَكَذَا لَوْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي عِتْقِ عَبِيدٍ لَهُ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الثُّلُثِ كَانَ لَهُمْ رَدُّ مَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ مِنْهُمْ وَخَيْرٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُجِيزُوهُ، وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِوَارِثٍ بِوَصِيَّةٍ فَقَالَ: فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ وَإِلَّا فَهِيَ لِفُلَانٍ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِهِ مَضَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ إنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَذَلِكَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُنَفِّذُوهَا لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهَا إنْ لَمْ تُجِزْهَا الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ فَقَالَ: فَإِنْ مَاتَ قَبْلِي فَمَا أَوْصَيْت لَهُ بِهِ لِفُلَانٍ، فَمَاتَ قَبْلَهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِفُلَانٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ ثُلُثِي إلَّا أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ هَذَا الْبَلَدَ فَهُوَ لَهُ جَازَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ.
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِلْوَصِيَّةِ وَمَا لَا يَجُوزُ]
ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ لِمَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّتُهُ مِنْ وَارِثٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِمَا لَا تَجُوزُ بِهِ مِمَّا جَاوَزَ الثُّلُثَ فَمَاتَ، وَقَدْ عَلِمُوا مَا أَوْصَى بِهِ وَتَرَكَ، فَقَالُوا: قَدْ أَجَزْنَا مَا صَنَعَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ وَقَصِّهِمْ مِيرَاثَهُ لَهُمْ قَدْ أَجَزْنَا مَا صَنَعَ جَائِزٌ لِمَنْ أَجَازُوهُ لَهُ كَهِبَتِهِ لَوْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ فِيهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ إنَّ الْوِصَايَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُخَالِفَةٌ عَطَايَا الْأَحْيَاءِ الَّتِي لَا تَجُوزُ إلَّا بِقَبْضٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مُعْطِيَهَا قَدْ مَاتَ، وَلَا يَكُونُ مَالِكًا قَابِضًا لِشَيْءٍ يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ إدْخَالٌ مِنْهُ لِأَهْلِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْوَرَثَةِ فَقَوْلُهُ فِي وَصِيَّتِهِ يُثْبِتُ لِأَهْلِ الْوَصِيَّةِ فِيمَا يَجُوزُ لَهُمْ يُثْبِتُ لَهُمْ مَا يَثْبُتُ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ وَمِلْكِهِمْ فَإِنَّمَا قَطَعُوا حُقُوقَهُمْ مِنْ مَوَارِيثِهِمْ عَمَّا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ مَضَى عَلَى مَا فَعَلَ مِنْهُ جَائِزٌ لَهُ جَوَازَ مَا فَعَلَ مِمَّا لَمْ يَرُدُّوهُ وَلَيْسَ مَا أَجَازُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا بِشَيْءٍ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُخْرِجُونَهُ إلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِمْ إلَّا بِسَبَبِ الْمَيِّتِ، وَإِذَا سَلَّمُوا حُقُوقَهُمْ سُلِّمَ ذَلِكَ لِمَنْ سَلَّمُوهُ لَهُ كَمَا يَبْرَءُونَ مِنْ الدَّيْنِ وَالدَّعْوَى فَيَبْرَأُ مِنْهَا مَنْ أَبْرَءُوهُ وَيَبْرَءُونَ مِنْ حُقُوقِهِمْ مِنْ الشُّفْعَةِ فَتَنْقَطِعُ حُقُوقُهُمْ فِيهَا، وَلِهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِمَّا لَا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَهُوَ مِلْكٌ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ فَكَيْنُونَتُهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَغَيْرُ كَيْنُونَتِهِ سَوَاءٌ.
وَإِجَازَتُهُمْ مَا صَنَعَ الْمَيِّتُ هِبَةٌ مِنْهُمْ لِمَنْ وَهَبُوهُ لَهُ فَمَنْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ جَازَ لَهُ وَلَهُمْ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَدْفَعُوهُ كَمَا
تَكُونُ لَهُمْ أَمْوَالٌ وَدَائِعُ فِي أَيْدِي غَيْرِهِمْ فَيَهَبُونَ مِنْهَا الشَّيْءَ لِغَيْرِهِمْ فَلَا تَتِمُّ لَهُ الْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلِهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَإِنْ قَالُوا أَجَزْنَا مَا صَنَعَ، وَلَا نَعْلَمُهُ وَكُنَّا نَرَاهُ يَسِيرًا انْبَغَى فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَنْ يُقَالَ أَجِيزُوا يَسِيرًا وَاحْلِفُوا مَا أَجَزْتُمُوهُ إلَّا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَهُ هَكَذَا، ثُمَّ لَهُمْ الرُّجُوعُ فِيمَا بَقِيَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا غُيَّبًا، وَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ عَلِمُوهُ جَازَتْ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَازَتَهُمْ بِغَيْرِ قَبْضٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ إذَا أَوْصَى بِثُلُثَيْ مَالِهِ، أَوْ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ إنْ عَلِمُوا كَمْ تَرَكَ كَأَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَقَالَ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَلِفُلَانٍ عَبْدِي فُلَانٌ وَلِفُلَانٍ مِنْ إبِلِي كَذَا وَكَذَا فَقَالُوا قَدْ أَجَزْنَا لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالُوا إنَّمَا أَجَزْنَا ذَلِكَ وَنَحْنُ نَرَاهُ يُجَاوِزُ الثُّلُثَ بِيَسِيرٍ لِأَنَّا قَدْ عَهِدْنَا لَهُ مَالًا فَلَمْ نَجِدْهُ أَوْ عَهِدْنَاهُ غَيْرَ ذِي دَيْنٍ فَوَجَدْنَا عَلَيْهِ دَيْنًا فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ هَذَا يَلْزَمُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَازَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا مَا يَعْرِفُونَ وَمَا لَا يُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِمْ وَالْآخَرُ أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَرُدُّوا الْآنَ هَذَا إنَّمَا يَجُوزُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَيُقَالُ لَهُمْ - إذًا احْلِفُوا -: أَجِيزُوا مِنْهُ مَا كُنْتُمْ تَرَوْنَهُ يُجَاوِزُ الثُّلُثَ سُدُسًا كَانَ أَوْ رُبُعًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ.
[بَابُ اخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي الْوَصِيَّة]
بَابُ اخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِيمَا تَلْزَمُ الْإِجَازَةُ فِيهِ، وَلَمْ يُجِزْ بَعْضُهُمْ جَازَ فِي حِصَّةِ مَنْ أَجَازَ مَا أَجَازَ كَأَنَّ الْوَرَثَةَ كَانُوا اثْنَيْنِ فَيَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِمَّا جَاوَزَ الثُّلُثَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ، أَوْ بَالِغٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَعْتُوهٌ لَمْ يَجُزْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يُجِيزَ فِي نَصِيبِهِ بِشَيْءٍ جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَلِيٍّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ فِي نَصِيبِهِ، وَلَوْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي يَدَيْ مَنْ أُجِيزَ لَهُ أُخِذَ مِنْ يَدَيْهِ وَكَانَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتْبَعَ مَنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِمَا أَعْطَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ مَا لَا يَمْلِكُ.
[الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ]
. الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِقَرَابَتِي أَوْ لِذَوِي قَرَابَتِي، أَوْ لِرَحِمِي، أَوْ لِذَوِي رَحِمِي، أَوْ لِأَرْحَامِي، أَوْ لِأَقْرِبَائِي، أَوْ قَرَابَاتِي فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَالْقَرَابَةُ مِنْ قِبَل الْأُمِّ وَالْأَبِ فِي الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ وَأَقْرَبُ قَرَابَتِهِ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ فِي الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ؛ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ فَاسْمُ الْقَرَابَةِ يَلْزَمُهُمْ مَعًا كَمَا أُعْطِيَ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِاسْمِ الْحُضُورِ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَوْصَى فِي قَرَابَتِهِ فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ كُلُّ مَنْ يُعْرَفُ نَسَبُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَلْقَاهُ إلَى أَبٍ، وَإِنْ بَعُدَ قَرَابَةً، فَإِذَا كَانَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ لِقَرَابَتِي لَا يُرِيدُ جَمِيعَ قُرَيْشٍ، وَلَا مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ وَمَنْ قَالَ: لِقَرَابَتِي لَا يُرِيدُ أَقْرَبَ النَّاسِ، أَوْ ذَوِي قَرَابَةٍ أَبْعَدَ مِنْهُ بِأَبٍ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا صِيرَ إلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ قَوْلِ الْعَامَّةِ ذَوِي قَرَابَتِي فَيُنْظَرُ إلَى الْقَبِيلَةِ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا؟ فَيُقَالُ: مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ يُقَالُ: قَدْ يَتَفَرَّقُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَمِنْ أَيِّهِمْ؟ فَيُقَالُ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ فَيُقَالُ أَيَتَمَيَّزُ بَنُو الْمُطَّلِبِ؟ قِيلَ: نَعَمْ هُمْ قَبَائِلُ فَمِنْ أَيِّهِمْ؟ قِيلَ: مِنْ بَنِي عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فَيُقَالُ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: نَعَمْ هُمْ قَبَائِلُ قِيلَ فَمِنْ أَيِّهِمْ؟ قِيلَ: مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ قِيلَ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟
قِيلَ نَعَمْ هُمْ بَنُو السَّائِبِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ قِيلَ: وَبَنُو شَافِعٍ وَبَنُو عَلِيٍّ وَبَنُو عَبَّاسٍ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي السَّائِبِ، فَإِنْ قِيلَ: أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: نَعَمْ كُلُّ بَطْنٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَمَيَّزُ عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ آلِ شَافِعٍ فَقَالَ لِقَرَابَتِهِ فَهُوَ لِآلِ شَافِعٍ دُونَ آلِ عَلِيٍّ وَآلِ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ يَتَمَيَّزُونَ ظَاهِرَ التَّمْيِيزِ مِنْ الْبَطْنِ الْآخَرِ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إذَا قَصَدُوا آبَاءَهُمْ دُونَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ فِي آبَائِهِمْ، وَفِي تَنَاصُرِهِمْ وَتَنَاكُحِهِمْ وَيَحُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ.
وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِأَقْرَبِ قَرَابَتِي، أَوْ لِأَدْنَى قَرَابَتِي، أَوْ لِأَلْصَقِ قَرَابَتِي كَانَ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءً وَنَظَرْنَا إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ رَحِمًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَأَعْطَيْنَاهُ إيَّاهُ، وَلَمْ نُعْطِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ كَأَنَّا وَجَدْنَا لَهُ عَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ وَبَنِي عَمٍّ وَبَنِي خَالٍ وَأَعْطَيْنَا الْمَالَ عَمَّيْهِ وَخَالَيْهِ سَوَاءٌ بَيْنَهُمْ دُونَ بَنِي الْعَمِّ وَالْخَالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ قَبْلَ بَنِي عَمِّهِ وَخَالِهِ وَهَكَذَا لَوْ وَجَدْنَا لَهُ إخْوَةً لِأَبٍ وَإِخْوَةً لِأُمٍّ وَعَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ أَعْطَيْنَا الْمَالَ إخْوَتَهُ لِأَبِيهِ وَإِخْوَتَهُ لِأُمِّهِ دُونَ عَمَّيْهِ وَخَالَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ الْأَدْنَيَيْنِ قَبْلَ عَمَّيْهِ وَخَالَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ إخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ كَانَ الْمَالُ لَهُمْ دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّا إذَا عَدَدْنَا الْقَرَابَةَ مِنْ قِبَل الْأَبِ وَالْأُمِّ سَوَاءً فَجَمْعُ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ قَرَابَةُ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَانُوا أَقْرَبَ بِالْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَلَدُ وَلَدٍ مُتَسَفِّلٍ لَا يَرِثُ كَانَ الْمَالُ لَهُ دُونَ الْإِخْوَةِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ نَفْسِهِ، وَابْنُ نَفْسِهِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ ابْنِ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ الْمُسْتَفِلِ جَدٌّ كَانَ الْوَلَدُ أَوْلَى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ جَدًّا أَدْنَى.
(قَالَ) : وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ أَوْ الْأُمِّ جَدٌّ كَانَ الْإِخْوَةُ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ الْإِخْوَةُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي مِنْ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ الْمَيِّتَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَيِّتُ إلَى الْجَدِّ، وَلَوْ قَالَ فِي هَذَا كُلِّهِ ثُلُثُ مَالِي لِجَمَاعَةٍ مِنْ قَرَابَتِي فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا فَهُوَ لَهُمْ وَسَوَاءٌ كَانُوا رِجَالًا أَوْ نِسَاءً، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاحِدٌ، أَوْ أَكْثَرُ كَانَ لِلِاثْنَيْنِ الثُّلُثَانِ مِنْ الثُّلُثِ وَلِلْوَاحِدِ فَأَكْثَرَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانُوا وَاحِدًا فَلَهُ ثُلُثُ الثُّلُثِ وَلِمَنْ يَلِيهِ مِنْ قَرَابَتِهِ إنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ثُلُثَا الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ وَاحِدًا وَاَلَّذِي يَلِيهِ فِي الْقَرَابَةِ وَاحِدٌ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الثُّلُثِ وَأَخَذَ الَّذِينَ يَلُونَهُمَا فِي الْقَرَابَةِ وَاحِدَ أَوْ أَكْثَرَ الثُّلُثِ الْبَاقِي سَوَاءً بَيْنَهُمْ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ لِمَا فِي الْبَطْنِ وَالْوَصِيَّةِ بِمَا فِي الْبَطْنِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِي الْبَطْنِ وَلِمَا فِي الْبَطْنِ إذَا كَانَ مَخْلُوقًا يَوْمَ وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَيًّا، فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِي فُلَانَةَ لِفُلَانٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَلَدَتْ جَارِيَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ كَانَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ الْحَمْلُ فَيَكُونُ الْحَمْلُ الْحَادِثُ غَيْرَ الَّذِي أُوصِيَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: وَلَدُ جَارِيَتِي، أَوْ جَارِيَتِي أَوْ عَبْدٌ بِعَيْنِهِ وَصِيَّةٌ لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ امْرَأَةٍ يُسَمِّيهَا بِعَيْنِهَا فَإِنْ وَلَدَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ فَأَكْثَرَ فَالْوَصِيَّةُ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُث حَمْلٌ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَا أَوْصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ غُلَامًا، أَوْ جَارِيَةً، أَوْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ كُلِّهِمْ جَائِزَةً لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ الَّذِي أَوْصَى لَهُ غُلَامًا وَجَارِيَةً، أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ سَوَاءً عَلَى الْعَدَدِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ أَنْ تَلِدَ الَّتِي أَوْصَى لِحَمْلِهَا وَقَفَتْ الْوَصِيَّةُ حَتَّى تَلِدَ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى الشَّيْءِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ أَوْصَى فَقَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَفُلَانٌ - لِعَبْدٍ لَهُ - حُرٌّ وَلِفُلَانٍ كَذَا وَصِيَّةً وَيَتَصَدَّقُ عَنِّي بِكَذَا، ثُمَّ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ فَجْأَةً، أَوْ مِنْ مَرَضٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ بَطَلَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى إلَى أَجَلٍ وَمَنْ أَوْصَى لَهُ وَأَعْتَقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ إذَا حَدَّ فِي وَصِيَّتِهِ حَدًّا فَقَالَ: إنْ مِتُّ فِي عَامِي هَذَا، أَوْ فِي مَرَضِي هَذَا فَمَاتَ مِنْ مَرَضٍ سِوَاهُ بَطَلَ فَإِنْ أَبْهَمَ هَذَا كُلَّهُ وَقَالَ: هَذِهِ وَصِيَّتِي مَا لَمْ أُغَيِّرْهَا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَهِيَ وَصِيَّتُهُ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا وَأَشْهَدَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ ثَابِتَةٌ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ نَافِذَةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَوْصَى فَقَالَ: إنْ حَدَثَ بِي حَدَثُ الْمَوْتِ وَصِيَّةً مُرْسَلَةً، وَلَمْ يُحَدِّدْ لَهَا حَدًّا، أَوْ قَالَ: مَتَى حَدَثَ بِي حَدَثُ الْمَوْتِ، أَوْ مَتَى مِتُّ فَوَصِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ يَنْفُذُ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِمَّا جَازَ لَهُ مَتَى مَاتَ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: 180] الْآيَةَ إلَى " الْمُتَّقِينَ " وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيِ الْمَوَارِيثِ ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] وَذَكَرَ مَنْ وَرِثَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي آيٍ مِنْ كِتَابِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاحْتَمَلَ إجْمَاعُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْأَمْرَانِ مَعًا فَيَكُونَ عَلَى الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ فَيَأْخُذُونَ بِالْوَصِيَّةِ وَيَكُونَ لَهُمْ الْمِيرَاثُ فَيَأْخُذُونَ بِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ نَزَلَ نَاسِخًا لَأَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ ثَابِتَةً فَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخَةٌ بِآيِ الْمَوَارِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَخْبَارٌ لَيْسَتْ بِمُتَّصِلَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِيِّينَ مِنْهَا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا وَصِيَّهُ لِوَارِثٍ» وَغَيْرُهُ يُثْبِتُهُ بِهَذَا الْوَجْهِ وَوَجَدْنَا غَيْرَهُ قَدْ يَصِلُ فِيهِ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي الْبُلْدَانِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْسُوخَةٌ بِآيِ الْمَوَارِيثِ وَاحْتَمَلَ إذَا كَانَتْ مَنْسُوخَةً أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ سَاقِطَةً حَتَّى لَوْ أَوْصَى لَهُمَا لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ وَبِهَذَا نَقُولُ، وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا لَمْ نَعْلَمُ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا مَنْسُوخًا.
وَإِذَا أَوْصَى لَهُمْ جَازَ، وَإِذَا أَوْصَى لِلْوَالِدَيْنِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ فَلَيْسَ بِالْوَصِيَّةِ أَخَذُوا، وَإِنَّمَا أَخَذُوا بِإِعْطَاءِ الْوَرَثَةِ لَهُمْ مَا لَهُمْ؛ لِأَنَّا قَدْ أَبْطَلْنَا حُكْمَ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ فَكَانَ نَصُّ الْمَنْسُوخِ فِي وَصِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ وَسَمَّى مَعَهُمْ الْأَقْرَبِينَ جُمْلَةً فَلَمَّا كَانَ الْوَالِدَانِ وَارِثَيْنِ قِسْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ وَارِثٍ، وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَانَ الْأَقْرَبُونَ وَرَثَةً وَغَيْرَ وَرَثَةٍ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ الْأَقْرَبِينَ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَأَجَزْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْأَقْرَبَيْنِ وَلِغَيْرِ الْوَرَثَةِ مَنْ كَانَ فَالْأَصْلُ فِي الْوَصَايَا لِمَنْ أَوْصَى فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي أَنْ
يُنْظَرَ إلَى الْوَصَايَا، فَإِذَا كَانَتْ لِمَنْ يَرِثُ الْمَيِّتَ أَبْطَلْتهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ أَجَزْتهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ وَمَوْجُودٌ عِنْدِي - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْكِتَابِ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَيْثُ إنَّ مَا لَمْ نَعْلَمْ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا لِئَلَّا يَأْخُذُوا مَالَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا تَرَكَ الْمُتَوَفَّى يُؤْخَذُ بِمِيرَاثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْمَعَ لِوَاحِدٍ الْحُكْمَانِ الْمُخْتَلِفَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَحَالٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِالشَّيْءِ وَضِدِّ الشَّيْءِ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ مَعْنًى غَيْرَهُ فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ إنَّمَا لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ مِنْ قِبَلِ تُهْمَةِ الْمُوصِي لَأَنْ يَكُونَ يُحَابِي وَارِثَهُ بِبَعْضِ مَالِهِ.
فَلَوْلَا أَنَّ الْعَنَاءَ مُسْتَعْلٍ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ مَا كَانَ فِيمَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَب عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِلْجَوَابِ مَوْضِعٌ؛ لِأَنَّ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهِ كَانَ شَبِيهًا أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّ الشَّيْءِ فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ فَأَيْنَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَرَأَيْت امْرَأً مِنْ الْعَرَبِ عَصَبَتُهُ يَلْقَوْنَهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ أَبًا قَدْ قَتَلَ آبَاءَ عَصَبَتِهِ آبَاءَهُ وَقَتَلَهُمْ آبَاؤُهُ وَبَلَغُوا غَايَةَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ بتسافك الدِّمَاءِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ وَالْقَطِيعَةِ وَالنَّفْيِ مِنْ الْأَنْسَابِ فِي الْأَشْعَارِ وَغَيْرِهَا وَمَا كَانَ هُوَ يَصْطَفِي مَا صُنِعَ بِآبَائِهِ وَيُعَادِي عَصَبَتُهُ عَلَيْهِ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ وَيَبْذُلُ مَالَهُ فِي أَنْ يَسْفِكَ دِمَاءَهُمْ وَكَانَ مِنْ عَصَبَتِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ مَنْ قَتَلَ أَبَوَيْهِ فَأَوْصَى مِنْ مَرَضِهِ لِهَؤُلَاءِ الْقَتَلَةِ وَهُمْ وَرَثَتُهُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ عَصَبَتِهِ كَانَ الْوَارِثُ مَعَهُمْ فِي حَالِ عَدَاوَتِهِمْ، أَوْ كَانَ لَهُ سِلْمًا بِهِ بَرًّا وَلَهُ وَاصِلًا، وَكَذَلِكَ كَانَ آبَاؤُهُمَا أَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِأَعْدَائِهِ، وَهُوَ لَا يُتَّهَمُ فِيهِمْ؟ .
فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي فَكَانَ مَوَالِيهِ قَدْ بَلَغُوا بِآبَائِهِ مَا بَلَغَ بِهِمْ وَبِأَبِيهِمْ مَا وَصَفْت مِنْ حَالِ الْقُرْبَى فَأَوْصَى لِوَرَثَتِهِ مِنْ مَوَالِيهِ وَمَعَهُمْ ابْنَتُهُ أَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ، وَهُوَ لَا يُتَّهَمُ فِيهِمْ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا.
قِيلَ: وَهَكَذَا زَوْجَتُهُ لَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً مِنْهُ عَاصِيَةً لَهُ عَظِيمَةَ الْبُهْتَانِ وَتَرْمِيه بِالْقَذْفِ قَدْ سَقَتْهُ سُمًّا لِتَقْتُلَهُ وَضَرَبَتْهُ بِالْحَدِيدِ لِتَقْتُلَهُ فَأَفْلَتَ مِنْ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ مُمْتَنِعَةً مِنْهُ وَامْتَنَعَ مِنْ فِرَاقِهَا إضْرَارًا لَهَا، ثُمَّ مَاتَ فَأَوْصَى لَهَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهَا وَارِثٌ.
فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ: قِيلَ.
وَلَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا مَاتَ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ أَعْظَمَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَتَتَابَعَ إحْسَانُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِمَوَدَّتِهِ فَأَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ أَيَجُوزُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَهَكَذَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَعْدَاءً لَهُ.
فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ كَانَ وَرَثَتُهُ أَعْدَاءً لَهُ، أَوْ غَيْرَ أَعْدَاءٍ.
قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ لِلْوَارِثِ وَأَنَّهُ إذَا خَصَّ بِإِبْطَالِ وَصِيَّتِهِ الْوَارِثَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَعْنًى إلَّا مَا قُلْنَا.
، ثُمَّ كَانَ الْأَصْلُ الَّذِي وَصَفْت لَمْ يَسْبِقْك إلَيْهِ أَحَدٌ يَعْقِلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ شَيْئًا عَلِمْنَاهُ أَمَا كُنْت تَرَكْته؟ أَوْ مَا كَانَ يَلْزَمُك أَنْ تَزْعُمَ أَنَّك تَنْظُرُ إلَى وَصِيَّتِهِ أَبَدًا فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ لِرَجُلٍ عَدُوٍّ لَهُ أَوْ بَغِيضٍ إلَيْهِ، أَوْ غَيْرِ صِدِّيقٍ أَجَزْتهَا، وَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَإِنْ كَانَتْ لَصَدِيقٍ لَهُ، أَوْ لِذِي يَدٍ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرِ عَدُوٍّ فَأَبْطَلْتهَا، وَإِذَا فَعَلْت هَذَا خَرَجْت مِمَّا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِمَّا يَدْخُلُ فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ، أَوَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إلَيْهِ وَأَوْثَقُهُ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يُعْرَفُ بِتَوْلِيجِ مَالِهِ إلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ وَلَدَ وَلَدٍ دُونَ وَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ فَصَارَ وَارِثُهُ عَدُوًّا لَهُ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي وَصِيَّتِهِ أَلَيْسَ يَلْزَمُك أَنْ لَا تُجِيزَ الْعِتْقَ لِشَأْنِ تُهْمَتِهِ فِيهِ حَيًّا إذْ كَانَ يُؤْثِرُهُ بِمَالِهِ عَلَى وَلَدِ نَفْسِهِ وَمَيِّتًا إذْ كَانَ عِنْدَهُ بِتِلْكَ الْحَالِ وَكَانَ الْوَارِثُ لَهُ عَدُوًّا؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ كَانَ وَارِثُهُ لَهُ عَدُوًّا فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَدَعَ الْوَصِيَّةَ فَيَكُونَ الْمِيرَاثُ وَافِرًا عَلَيْك إلَّا حُبَّ أَنْ يُفْقِرَك اللَّهُ، وَلَا يُغْنِيَك.
وَلَكِنِّي أُوصِي بِثُلُثِ مَالِي لِغَيْرِك فَأَوْصَى لِغَيْرِهِ أَلَيْسَ إنْ أَجَازَ هَذَا أَجَازَ مَا
يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ وَرَدَّ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ عَدُوٍّ فِي أَصْلِ قَوْلِهِ؟ أَوَرَأَيْت إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَّا لِوَارِثٍ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُحْظَرَ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ وَارِثٍ بِحَالٍ أَلَيْسَ قَدْ خَالَفْنَا السُّنَّةَ؟ أَوْ رَأَيْت إذَا كَانَ حُكْمُ الثُّلُثِ إلَيْهِ يُنَفِّذُهُ لِمَنْ رَأَى غَيْرَ وَارِثٍ لَوْ كَانَ وَارِثُهُ فِي الْعَدَاوَةِ لَهُ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ الْعَدَاوَةِ، وَكَانَ بَعِيدَ النَّسَبِ، أَوْ كَانَ مَوْلًى لَهُ فَأَقَرَّ لِرَجُلٍ آخَرَ بِمَالٍ قَدْ كَانَ يَجْحَدُهُ إيَّاهُ، أَوْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِالْإِقْرَارِ لَهُ بِهِ، وَلَا الْآخَرُ بِدَعْوَاهُ أَلَيْسَ إنْ أَجَازَهُ لَهُ مِمَّا يُخْرِجُ الْوَارِثُ مِنْ جَمِيعِ الْمِيرَاثِ أَجَابَهُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَارَ الْوَارِثَ؟ وَإِنْ أَبْطَلَهُ أَبْطَلَ إقْرَارًا بِدَيْنٍ أَحَقَّ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدَّيْنِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْأَحْكَامُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْمُغَيَّبِ وَمَنْ حَكَمَ عَلَى النَّاسِ بِالْإِزْكَانِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ مَا حَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا يُوَلِّي الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى الْمُغَيَّبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَكَلَّفَ الْعِبَادَ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْعِبَادِ بِالظَّاهِرِ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِبَاطِنٍ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ كَانَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْعِلْمِ، فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالْبَاطِنِ؟ قِيلَ: كِتَابُ اللَّهِ ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1] قَرَأَ إلَى ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 2] فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَاكَحُونَ وَيَتَوَارَثُونَ وَيُسْهَمُ لَهُمْ إذَا حَضَرُوا الْقِسْمَةَ وَيُحْكَمُ لَهُمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ كُفْرِهِمْ وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهُمْ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً مِنْ الْقَتْلِ بِإِظْهَارِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْإِيمَانِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ.
فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ بِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ النَّارِ» فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَأَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى الْبَاطِنِ وَأَنَّ قَضَاءَهُ لَا يُحِلُّ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ إذَا عَلِمَهُ حَرَامًا.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَكْشِفُهُمْ عَمَّا لَا يُبْدُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّهُمْ إذَا أَبْدَوْا مَا فِيهِ الْحَقُّ عَلَيْهِمْ أُخِذُوا بِذَلِكَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] وَبِذَلِكَ أَوْصَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ، ثُمَّ قَالَ اُنْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ» فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ» ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ عَلَيْهِمَا الدَّلَالَةَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ دَلَالَةٌ أَبْيَنَ مِنْهَا.
، وَذَلِكَ خَبَرُهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ، ثُمَّ جَاءَ الْوَلَدُ عَلَى مَا قَالَ مَعَ أَشْيَاءَ لِهَذَا كُلِّهَا تَبْطُلُ حُكْمُ الْإِزْكَانِ مِنْ الذَّرَائِعِ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُكْم الْإِزْكَانِ فَأَعْظَمُ مَا فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْحُكْمِ بِالْإِزْكَانِ خِلَافُ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَنْ يُحْكَمَ بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ الظَّاهِرِ وَمَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِعْ مَنْ حَكَمَ بِالْإِزْكَانِ إنْ اخْتَلَفَتْ أَقَاوِيلُهُ فِيهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا بِخِلَافِهِ مَا وَصَفْت مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَكْثَرُ أَقَاوِيلِهِ مَتْرُوكَةً عَلَيْهِ لِضَعْفِ مَذْهَبِهِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُزْكَنُ فِي الشَّيْءِ الْحَلَالِ فَيُحَرِّمُهُ ثُمَّ
يَأْتِي مَا هُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَرِّمَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ التَّحْرِيمُ بِالْإِزْكَانِ فَلَا يُحَرِّمُهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمِثْلُ مَاذَا مِنْ الْبُيُوعِ؟ قِيلَ: أَرَأَيْت رَجُلًا اشْتَرَى فَرَسًا عَلَى أَنَّهَا عَقُوقٌ، فَإِنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا مُغَيَّبٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِصِفَةٍ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا بِدِينَارٍ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: أَرَأَيْت إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ بَصِيرَيْنِ فَقَالَا: هَذِهِ الْفَرَسُ تَسْوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ عَقُوقٍ عَشْرَةً إنْ كَانَتْ عَقُوقًا فَأَنَا آخُذُهَا مِنْك بِعَشْرَةٍ، وَلَوْلَا أَنَّهَا عِنْدِي عَقُوقٌ لَمْ أَزِدْك عَلَى خَمْسَةٍ وَلَكِنَّا لَا نَشْتَرِطُ مَعَهَا عُقُوقًا لِإِفْسَادِ الْبَيْعِ فَإِنْ قَالَ: هَذَا الْبَيْعُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْفَرَسِ دُونَ مَا فِي بَطْنِهَا وَنِيَّتُهُمَا مَعًا وَإِظْهَارُهُمَا الزِّيَادَةَ لِمَا فِي الْبَطْنِ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ إذَا لَمْ تُعْقَدْ الصَّفْقَةُ عَلَى مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَلَا أُفْسِدَ الْبَيْعُ هَا هُنَا بِالنِّيَّةِ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَيُفْسَخُ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَإِنْ كَانَ أَعْزَبَ، أَوْ آهِلًا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً وَنَوَى أَنْ لَا يَحْبِسَهَا إلَّا يَوْمًا، أَوْ عَشْرًا إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ مِنْهَا وَطَرًا، وَكَذَلِكَ نَوَتْ هِيَ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّهُمَا عَقَدَا النِّكَاحَ مُطْلَقًا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا يَحِلُّ قِيلَ لَهُ: وَلِمَ تُفْسِدُهُ بِالنِّيَّةِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَلْ تَجِدُ فِي الْبُيُوعِ شَيْئًا مِنْ الذَّرَائِعِ، أَوْ فِي النِّكَاحِ شَيْئًا مِنْ الذَّرَائِعِ تُفْسِدُ بِهِ بَيْعًا، أَوْ نِكَاحًا أَوْلَى أَنْ تُفْسِدَ بِهِ الْبَيْعَ مِنْ شِرَاءِ الْفَرَسِ الْعَقُوقِ عَلَى مَا وُصِفَ وَكُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ سِوَاهَا وَالنِّكَاحُ عَلَى مَا وَصَفْت، فَإِذَا لَمْ تُفْسِدْ بَيْعًا، وَلَا نِكَاحًا بِنِيَّةٍ يَتَصَادَقُ عَلَيْهَا الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُتَنَاكِحَانِ أَيَّمَا كَانَتْ نِيَّتُهُمَا ظَاهِرَةً قَبْلَ الْعَقْدِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، وَقُلْت لَا أُفْسِدُ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ وَعَقْدَ النِّكَاحِ وَقَعَ عَلَى صِحَّةٍ وَالنِّيَّةُ لَا تَصْنَعُ شَيْئًا وَلَيْسَ مَعَهَا كَلَامٌ فَالنِّيَّةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا كَلَامٌ أَوْلَى أَنْ لَا تَصْنَعَ شَيْئًا يَفْسُدُ بِهِ بَيْعٌ، وَلَا نِكَاحٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ نِيَّتُهُمَا، أَوْ كَلَامُهُمَا فَكَيْفَ أَفْسَدْت عَلَيْهِمَا بِأَنْ أزكنت عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا نَوَيَا، أَوْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ فَأَفْسَدْت الْعَقْدَ الصَّحِيحَ بِإِزْكَانِك أَنَّهُ نَوَى فِيهِ مَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ، أَوْ النِّكَاحِ فَسَدَ فَإِنْ قَالَ وَمِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: قِيلَ لَهُ: مِثْلُ قَوْلِك وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ تَفْرِيغِ الْوَصَايَا لِلْوَارِثِ]
[الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ]
بَابُ تَفْرِيغِ الْوَصَايَا لِلْوَارِثِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَكُلُّ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لِوَارِثٍ مِنْ مِلْكِ مَالٍ وَمَنْفَعَةٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ بِأَيِّ هَذَا كَانَ.
الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ قَالَ الرَّبِيعُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، أَوْ مَرَضٍ فَأَذِنُوا لَهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنُوا فَذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنْ وَفَّوْا لَهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَتْقَى لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَأَحْسَنَ فِي الْأُحْدُوثَةِ أَنْ يُجِيزُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِمَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمِيرَاثِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: زَعَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ لَا تَجُوزُ فَأَشْهَدُ لَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ تُبْ تُقْبَلْ شَهَادَتُك، أَوْ إنْ تُبْت قُبِلَتْ شَهَادَتُك قَالَ سُفْيَانُ سَمَّى الزُّهْرِيُّ الَّذِي أَخْبَرَهُ فَحَفِظْته، ثُمَّ نَسِيته وَشَكَكْت فِيهِ فَلَمَّا قُمْنَا سَأَلْت مَنْ حَضَرَ فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَقُلْت هَلْ شَكَكْت
فِيمَا قَالَ:؟ فَقَالَ: لَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ غَيْرَ شَكٍّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَثِيرًا مَا سَمِعْته يُحَدِّثُهُ فَيُسَمِّي سَعِيدًا وَكَثِيرٌ مَا سَمِعْته يَقُولُ عَنْ سَعِيدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
، وَقَدْ رَوَى غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ عَنْ سَعِيدٍ لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَتَابَ الثَّلَاثَةَ فَتَابَ اثْنَانِ فَأَجَازَ شَهَادَتَهُمَا وَأَبَى أَبُو بَكْرٍ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْعِتْقِ]
ِ (قَالَ) : وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ، وَلَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَأَجَازَ لَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَأَبَى بَعْضٌ أَنْ يُجِيزَ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَحِصَّةُ مَنْ أَجَازَ وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلَّذِي أَعْتَقَ لَا لِلَّذِي أَجَازَ إنْ قَالَ: أَجَزْت لَا أَرُدُّ مَا فَعَلَ الْمَيِّتُ، وَلَا أُبْطِلُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَزِمَهُ عِتْقُهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ وَجْهُ ذِكْرِهِ مِثْلُ هَذَا، وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ رَقِيقٍ، وَفِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَقْبَلَ، أَوْ يَرُدَّ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ قِبَلَ عَتَقَ عَلَيْهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَكَانَ لَهُ، وَلَاؤُهُ، وَيُعْتَقُ عَلَى الرَّجُلِ كُلُّ مَنْ وَلَدَ الرَّجُلَ مِنْ أَبٍ وَجَدِّ أَبٍ وَجَدِّ أُمٍّ إذَا كَانَ لَهُ وَالِدًا مِنْ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ، وَإِنْ بَعُدَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ وَلَدٌ بِأَيِّ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ، وَإِنْ بَعُدَ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَخٌ، وَلَا عَمٌّ، وَلَا ذُو قَرَابَةٍ غَيْرُهُمْ.
وَمَنْ أَوْصَى لِصَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ بِأَبِيهِ، أَوْ جَدِّهِ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُعْتَقَ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَهُ، وَلَاؤُهُ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَإِنْ قَبِلَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الصَّبِيِّ وَعَتَقَ مِنْهُ مَا مَلَكَ الصَّبِيُّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَمْرُ الْوَلِيِّ فِيمَا زَادَ الصَّبِيُّ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، أَوْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.
فَأَمَّا مَا يَنْقُصُهُ مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَهَذَا نَقْصٌ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْطَى أَحَدَهُمَا خَمْسِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ، أَوْ يُعْتِقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْخَمْسِينَ وَأَخَذَهَا وَنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَكَانَ لَهُ، وَلَاؤُهُ وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْعَبْدِ بِالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي قَبَضَهَا مِنْهُ السَّيِّدُ، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ قَالَ: إنْ سَلِمَتْ لِي هَذِهِ الْخَمْسُونَ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَكُنْ حُرًّا وَكَانَ لَلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْعَبْدِ وَمَالُهُ بَيْنَهُمَا.
وَمَنْ قَالَ: إذَا مِتُّ فَنِصْفُ غُلَامِي حُرٌّ فَنِصْفُ غُلَامِهِ حُرٌّ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ النِّصْفُ الثَّانِي، وَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ، فَقَدْ انْقَطَعَ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا أَوْقَعَ الْعِتْقَ فِي حَالٍ لَيْسَ هُوَ فِيهَا مَالِكٌ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إلَّا مَا أَوْقَعَ، وَإِذَا كُنَّا فِي حَيَاتِهِ لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ مَمْلُوكٍ وَنِصْفُهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُعْسِرٌ لَمْ نَعْتِقْهُ عَلَيْهِ فَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَمْلِكُ فِي حَالِهِ الَّتِي أَعْتَقَ فِيهَا، وَلَا يُفِيدُ مِلْكًا بَعْدَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ فَبَتَّ عِتْقَهُ فِي مَرَضِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلْكُلِّ، أَوْ الثُّلُثُ، وَإِذَا مَاتَ فَحَمَلَ الثُّلُثُ عِتْقَ كُلِّهِ وَبُدِئَ عَلَى التَّدْبِيرِ وَالْوَصَايَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ مُوسِرٌ وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ عَتَقَ كُلَّهُ وَقُوِّمَ فَدَفَعَ إلَى وُكَلَاءِ شُرَكَائِهِ نَصِيبَهُمْ مِنْ الْعَبْدِ وَكَانَ حُرًّا وَلَهُ، وَلَاؤُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وُكَلَاءُ وُقِفَ ذَلِكَ لَهُمْ عَلَى أَيْدِي مَنْ يَضْمَنُهُ بِالنَّظَرِ مِنْ الْقَاضِي لَهُمْ، أَوْ أَقَرَّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ إنْ كَانَ مَلِيئًا، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ إذَا كَانَ مَلِيئًا مَأْمُونًا إنَّمَا يُخْرِجُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ.
وَإِذَا قَالَ: الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك مِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ خِدْمَةَ سَنَةٍ، أَوْ عَمَلَ كَذَا فَقَبِلَ الْعَبْدُ الْعِتْقَ عَلَى هَذَا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْدُمَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْخِدْمَةِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ: فِي هَذَا أَقْبَلُ الْعِتْقَ، وَلَا أَقْبَلُ مَا جَعَلْت عَلَيَّ لَمْ يَكُنْ حُرًّا، وَهُوَ كَقَوْلِك أَنْتَ حُرٌّ إنْ ضَمِنْت مِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ ضَمِنْت كَذَا وَكَذَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك مِائَةُ دِينَارٍ وَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ عَلَيْك مِائَةُ دِينَارٍ أَوْ خِدْمَةٌ فَإِنْ أَلْزَمَهُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ، أَوْ
لَمْ يُلْزِمْهُ نَفْسَهُ عَتَقَ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ أَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا فَجَعَلَهُ عَلَى رَجُلٍ لَا يَمْلِكُهُ، وَلَمْ يَعْقِدْ بِهِ شَرْطًا فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَضْمَنَهُ لَهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحَالِ الَّتِي أَعْتَقَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَاعَةَ أَعْتَقَهُ أَعْتَقْته وَجَعَلْت لَهُ وَلَاءَهُ وَضَمَّنْته نَصِيبَ شُرَكَائِهِ وَقَوَّمْته بِقِيمَتِهِ حِينَ وَقَعَ الْعِتْقُ وَجَعَلْته حِينَ وَقَعَ الْعِتْقُ حُرًّا جِنَايَتَهُ وَالْجِنَايَةَ عَلَيْهِ وَشَهَادَتَهُ وَحُدُودَهُ وَجَمِيعَ أَحْكَامِهِ أَحْكَامَ حُرٍّ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْقِيمَةَ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ إلَى الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَعْتَقَهُ مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ نَقَصَتْ، ثُمَّ لَمْ يُرَافِعْهُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى تَصِيرَ عَشْرَةً أَوْ زَادَتْ حَتَّى تَصِيرَ أَلْفًا فَسَوَاءٌ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُعْتَقَةُ أَمَةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بَعْدَ الْعِتْقِ فَالْقِيمَةُ قِيمَةُ الْأُمِّ يَوْمَ وَقَعَ الْعِتْقُ حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَلَا قِيمَةَ لِمَا حَدَثَ مِنْ الْحَمْلِ، وَلَا مِنْ الْوِلَادَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ حُرَّةٍ
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَأَعْتَقَهُ الثَّانِي بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ.
وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا فَلَهُ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعِتْقُ الثَّانِي جَائِزٌ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَعْتَقَاهُ جَمِيعًا مَعًا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْعِتْقِ كَانَ حُرًّا وَلَهُمَا، وَلَاؤُهُ وَهَكَذَا إنْ وَلَّيَا رَجُلًا عِتْقَهُ فَأَعْتَقَهُ كَانَ حُرًّا وَكَانَ، وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إذَا أَعْتَقْت فَهُوَ حُرٌّ فَأَعْتَقَهُ صَاحِبُهُ كَانَ حُرًّا حِينَ قَالَ: الْمُعْتِقُ، وَلَا يَكُونُ حُرًّا لَوْ قَالَ: إذَا أَعْتَقْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْعِتْقَ بَعْدَ كَمَالِ الْأَوَّلِ وَكَانَ كَمَنْ قَالَ إذَا أَعْتَقْته فَهُوَ حُرٌّ، وَلَا أَلْتَفِتُ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَنَصِيبُهُ حُرٌّ وَلِلْمُعْتِقِ نِصْفُ مَالِهِ وَلِلَّذِي لَمْ يَعْتِقْ نِصْفُهُ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا كَانَ حُرًّا وَضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَكَانَ مَالُ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَالَ لِلْعَبْدِ إنَّمَا مَالُهُ لِمَالِكِهِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَخَذَهُ وَعِتْقُهُ غَيْرُ هِبَةِ مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ غَيْرُ مَالِهِ، وَهُوَ يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، وَلَا يَقَعُ عَلَى مَالِهِ، وَلَوْ قَالَ: رَجُلٌ لِغُلَامِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَلِمَالِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَانَ الْغُلَامُ حُرًّا، وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ حُرًّا مَا كَانَ الْمَالُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ إلَّا عَلَى بَنَى آدَمَ.
وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ وَلَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ إلَّا أَنَّ الْكُلَّ لَا يَخْرُجُ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا احْتَمَلَ مَالُهُ مِنْهُ وَكَانَ لَهُ مِنْ، وَلَائِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَيَرِقُّ مِنْهُ مَا بَقِيَ وَسَوَاءٌ فِيمَا وَصَفْت الْعَبْدُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ الْمُسْلِمُ وَالنَّصْرَانِيُّ وَسَوَاءٌ أَيَّهُمَا أَعْتَقَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَإِذَا أَعْتَقَهُ النَّصْرَانِيُّ، وَهُوَ مُوسِرٌ فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَهُوَ فِيهِ مِثْلُ الْمُسْلِمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ كَمَا لَا يَرِثُ ابْنَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَرِثَهُ، وَلَا يَبْعُدُ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا مُعْتِقًا فَعِتْقُ الْمَالِكِ جَائِزٌ.
وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَلَا يَكُونُ مَالِكًا لِمُسْلِمٍ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، فَأَمَّا مَالِكُ مُعْتِقٍ يَجُوزُ عِتْقُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ، وَلَاؤُهُ فَلَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ
وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ أَبَاهُ، أَوْ أُمَّهُ بِمِيرَاثٍ عَتَقَا عَلَيْهِ، وَإِذَا مَلَكَ بَعْضَهُمَا عَتَقَ مِنْهُمَا مَا مَلَكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوَّمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَزِمَهُ وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ نَقَلَ مِيرَاثَ الْمَوْتَى إلَى الْأَحْيَاءِ الْوَارِثِينَ.
وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ مَلَكَهُ بِأَيِّ مِلْكٍ مَا شَاءَ غَيْرِ الْمِيرَاثِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهُمَا بِغَيْرِ مِيرَاثٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوَّمَا عَلَيْهِ، وَلَوْ اشْتَرَى بَعْضَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ دَفْعُ هَذَا الْمِلْكِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ إلَّا بِأَنْ يَشَاءَ فَكَانَ اخْتِيَارُهُ الْمِلْكَ مِلْكَ مَا لَهُ قِيمَةٌ، وَالْعِتْقُ يَلْزَمُ الْعَبْدَ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ
وَلَوْ أَعْتَقَ الرَّجُلُ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: عِنْدَ الْقِيمَةِ إنَّهُ آبِقٌ، أَوْ سَارِقٌ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ.
فَإِنْ جَاءَ بِهَا قُوِّمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ شَرِيكُهُ قُوِّمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ شَرِيكُهُ أُحْلِفَ، فَإِنْ حَلَفَ قَوْمٌ بَرِيَا مِنْ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رَدَدْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْمُعْتَقِ فَإِنْ حَلَفَ قَوَّمْنَاهُ آبِقًا سَارِقًا، وَإِنْ نَكَلَ قَوَّمْنَاهُ صَحِيحًا.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهَا بِوَصِيَّةٍ أُخْرَى أُنْفِذَتْ الْوَصِيَّتَانِ مَعًا.
، وَكَذَلِكَ إنْ أَوْصَى بِالْأُولَى فَجَعَلَ إنْفَاذَهَا إلَى رَجُلٍ وَبِالْأُخْرَى فَجَعَلَ إنْفَاذَهَا إلَى رَجُلٍ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ إلَى مَنْ جَعَلَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي الْأُولَى وَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ وَقَضَاءَ دَيْنِهِ وَتَرِكَتَهُ إلَى فُلَانٍ وَقَالَ: فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَا قَالَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ لَيْسَ فِي الْأُخْرَى إلَى الْوَصِيِّ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ وَكَانَ قَضَاءُ دَيْنِهِ وَوِلَايَةُ تَرِكَتِهِ إلَيْهِمَا مَعًا، وَلَوْ قَالَ: فِي إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ أَوْصَى بِمَا فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ إلَى فُلَانٍ وَقَالَ: فِي الْأُخْرَى أَوْصَى بِمَا فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَوِلَايَةِ مَنْ خَلَفَ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ إلَى فُلَانٍ فَهَذَا مُفْرَدٌ بِمَا أَفْرَدَهُ بِهِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَوِلَايَةِ تَرِكَتِهِ وَمَا فِي وَصِيَّتِهِ لَيْسَتْ فِي الْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى وَشَرِيكٌ مَعَ الْآخَرِ فِيمَا فِي الْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى.
[بَابُ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلِلرَّجُلِ إذَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ تَطَوَّعَ بِهَا أَنْ يَنْقُضَهَا كُلَّهَا، أَوْ يُبَدِّلَ مِنْهَا مَا شَاءَ التَّدْبِيرَ، أَوْ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَمُتْ، وَإِنْ كَانَ فِي وَصِيَّتِهِ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ عِتْقٍ بَتَاتٍ فَذَلِكَ شَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ لَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ.
[بَابُ مَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ وَتَغْيِيرًا لَهَا وَمَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا وَلَا تَغْيِيرًا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِذَلِكَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ لِرَجُلٍ فَالْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ قَالَ الْعَبْد الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ لِفُلَانٍ، أَوْ قَدْ أَوْصَيْت بِالْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ لِفُلَانٍ كَانَ هَذَا رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ الْأُولَى وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ الْعَبْدُ كَانَ هَذَا دَلِيلًا ثُمَّ إبْطَالُ وَصِيَّتِهِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْوَصِيَّةَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي عَبْدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِعِتْقِهِ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ مِنْهُ وَعِتْقِهِ كَانَ هَذَا كُلُّهُ إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ بِهِ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ وَهَبَهُ كَانَ هَذَا كُلُّهُ إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ بَعَثَهُ تَاجِرًا إلَى بَلَدٍ، أَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ عَلَّمَهُ كِتَابًا، أَوْ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا، أَوْ صِنَاعَةً، أَوْ كَسَاهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ مَالًا، أَوْ زَوَّجَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُوصِي بِهِ طَعَامًا فَبَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ أَكَلَهُ، أَوْ كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ دَقِيقًا فَعَجَنَهُ أَوْ خَبَزَهُ فَجَعَلَهَا سَوِيقًا كَانَ هَذَا كُلُّهُ كَنَقْضِ الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ مِنْ الْحِنْطَةِ ثُمَّ خَلَطَهَا بِحِنْطَةِ غَيْرِهَا كَانَ هَذَا إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ مِمَّا فِي الْبَيْتِ بِمَكِيلَةِ حِنْطَةٍ ثُمَّ خَلَطَهَا بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ وَكَانَتْ لَهُ الْمَكِيلَة الَّتِي أَوْصَى بِهَا لَهُ.
[تَغْيِيرُ وَصِيَّةِ الْعِتْقِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلَاءً قَالَ: وَلِلْمُوصِي أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِ تَدْبِيرٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطَاءٌ يُعْطِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَتِمَّ لِصَاحِبِهِ بِمَوْتِهِ، قَالَ: وَتَجُوزُ وَصِيَّةُ كُلِّ مَنْ عَقَلَ الْوَصِيَّةَ مِنْ بَالِغٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَغَيْرِ بَالِغٍ لِأَنَّا إنَّمَا نَحْبِسُ عَلَيْهِ مَالَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُشْدَهُ، فَإِذَا صَارَ إلَى أَنْ يُحَوِّلَ مِلْكَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ نَمْنَعْهُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مَالِهِ بِمَا أَجَازَتْ لَهُ السُّنَّةُ مِنْ الثُّلُثِ، قَالَ: وَنَقْتَصِرُ فِي الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ، وَالْحُجَّةُ فِي أَنْ يُقْتَصَرَ بِهَا عَلَى الثُّلُثِ، وَفِي أَنْ تَجُوزَ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنْ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» فَاقْتَصَرَ بِوَصِيَّتِهِ عَلَى الثُّلُثِ وَجَعَلَ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ وَصِيَّةً وَأَجَازَهَا لِلْعَبِيدِ وَهُمْ غَيْرُ قَرَابَةٍ وَأُحِبُّ إلَيْنَا أَنْ يُوصِيَ لِلْقَرَابَةِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ شَيْءٍ مُسَمًّى مِنْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ عَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، وَلَا يَحْتَمِلُ مَا أَوْصَى بِهِ وَمَالٌ غَائِبٌ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا أَوْصَى بِهِ أَعْطَيْنَا الْمُوصِي لَهُ مَا أَوْصَى لَهُ بِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ ثُلُثَ الْمَالِ الْحَاضِرِ وَبَقَّيْنَا مَا بَقِيَ لَهُ وَكُلَّمَا حَضَرَ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ دَفَعْنَا إلَى الْوَرَثَةِ ثُلُثَيْهِ وَإِلَى الْمُوصِي لَهُ ثُلُثَهُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا وَصَايَاهُمْ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَالُ الْغَائِبُ هَلَكَ مِنْهُمْ وَمِنْ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمْ مَعًا وَأَحْسَنُ حَالِ الْمُوصِي لَهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ كَالْوَارِثِ مَا احْتَمَلَتْ الْوَصِيَّةُ الثُّلُثَ، فَإِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا سَقَطَ مَعَهُ فَأَمَّا أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ بِحَالٍ أَبَدًا عَلَى مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا فَلَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ لَهُ الْوَرَثَةُ فَيَهَبُونَ لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَرَأَيْت مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَعَرَضًا غَائِبًا يُسَاوِي أَلْفًا فَقَالَ: أُخَيِّرُ الْوَرَثَةَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا الْمُوصِي لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ كُلَّهَا وَيُسْلَمَ لَهُمْ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ، أَوْ أُجْبِرُهُمْ عَلَى دِرْهَمٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثُ مَا حَضَرَ وَأَجْعَلُ لِلْمُوصِيَّ لَهُ ثُلُثَيْ الثُّلُثِ فِيمَا غَابَ مِنْ مَالِهِ أَلَيْسَ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ وَأَبْعَدَ مِنْ الْفُحْشِ فِي الظُّلْمِ لَوْ جَبْرَهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمًا؟ ، فَإِذَا لَمْ يَحُزْ عِنْدَهُ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى دِرْهَمَيْنِ يَدْفَعُونَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ تَسْلَمَ إلَيْهِ وَصِيَّتُهُ، وَلَمْ تَأْخُذْ الْوَرَثَةُ مِيرَاثَهُمْ كَانَ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ أُلُوفٍ أَحْرَمَ عَلَيْهِ وَأُفْحِشَ فِي الظُّلْمِ، وَإِنَّمَا أَحْسَنُ حَالَاتِ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا أَوُصِيَ لَهُ بِهِ لَا يُزَادَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ النَّقْصُ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَحِلُّ وَلَكِنْ كُلَّمَا حَضَرَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَعْطَيْنَا الْوَرَثَةَ الثُّلُثَيْنِ وَلَهُ الثُّلُثَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ وَصِيَّتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ الْمَيِّتُ غَيْرَهُ إلَّا مَالًا غَائِبًا سَلَّمْنَا لَهُ ثُلُثَهُ وَلِلْوَرَثَةِ الثُّلُثَيْنِ وَكُلَّمَا حَضَرَ مِنْ الْمَالِ الْغَائِبِ شَيْءٌ لَهُ ثُلُثٌ زِدْنَا الْمُوصَى لَهُ فِي الْعَبْدِ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَقَبَتَهُ أَوْ سُقُطَ الثُّلُثُ فَيَكُونُ لَهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ، وَلَا أُبَالِي تَرَكَ الْمَيِّتُ دَارًا، أَوْ أَرْضًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَأْمُونَ فِي الدُّنْيَا قَدْ تَنْهَدِمُ الدَّارُ وَتَحْتَرِقُ وَيَأْتِي السَّيْلُ عَلَيْهَا فَيَنْسِفُ أَرْضَهَا وَعِمَارَتَهَا وَلَيْسَ مِنْ الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَانِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِلْمُوصِيَّ لَهُ ثُلُثٌ تَطَوَّعَا مِنْ الْمَيِّتِ فَيُعْطَى بِالثُّلُثِ مَا لَا تُعْطَى الْوَرَثَةُ بِالثُّلُثَيْنِ.
[بَابُ وَصِيَّةِ الْحَامِلِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْحَامِلِ مَا لَمْ يَحْدُثْ لَهَا مَرَضٌ غَيْرُ الْحَمْلِ
كَالْأَمْرَاضِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا صَاحِبُهَا مُضْنِيًا أَوْ تَجْلِسُ بَيْنَ الْقَوَابِلِ فَيَضْرِبُهَا الطَّلْقُ، فَلَوْ أَجَزْت أَنْ تُوصِيَ حَامِلٌ مَرَّةً، وَلَا تُوصِي أُخْرَى كَانَ لِغَيْرِي أَنْ يَقُولَ إذَا ابْتَدَأَ الْحَمْلُ تَغْثَى نَفْسُهَا وَتُغَيِّر عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ وَتَكْرَهُ الطَّعَامَ فَلَا أُجِيزُ وَصِيَّتَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَأَجَزْت وَصِيَّتَهَا إذَا اسْتَمَرَّتْ فِي الْحَمْلِ وَذَهَبَ عَنْهَا الْغَثَيَانُ وَالنُّعَاسُ وَإِقْهَامُ الطَّعَامِ، ثُمَّ يَكُونُ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ مِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ حَالِهَا قَبْلَ الطَّلْقِ وَلَيْسَ فِي هَذَا وَجْهٌ يَحْتَمِلُهُ إلَّا مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الطَّلْقَ حَادِثٌ كَالتَّلَفِ، أَوْ كَأَشَدِّ وَجَعِ الْأَرْضِ مُضْنٍ وَأَخْوَفُهُ، أَوْ لَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهَا إذَا حَمَلَتْ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا حَامِلًا مُخَالِفَةٌ حَالَهَا غَيْرَ حَامِلٍ، وَقَدْ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ تَجُوزُ هِبَتُهُ وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ فِي كُلٍّ مَا لَمْ يُجْرَحْ، فَإِذَا جُرِحَ جُرْحًا مَخُوفًا فَهَذَا كَالْمَرَضِ الْمُضْنِي أَوْ أَشَدُّ خَوْفًا فَلَا يَجُوزُ مِمَّا صَنَعَ فِي مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ، وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ يَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَا لَمْ يُقْتَلْ، أَوْ يُجْرَحْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا.
[صَدَقَةُ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلَاءً قَالَ: يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ وَعَمَلِهِ ثَلَاثٌ حَجٌّ يُؤَدَّى عَنْهُ وَمَالٌ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُ، أَوْ يُقْضَى وَدُعَاءٌ فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ فَهُوَ لِفَاعِلِهِ دُونَ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهَذَا دُونَ مَا سِوَاهُ اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً وَالْعُمْرَةُ مِثْلُهُ قِيَاسًا، وَذَلِكَ الْوَاجِبُ دُونَ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ فَأَمَّا الْمَالُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا لَهُ الْحَقُّ مِنْ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا فَيُجْزِيه أَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِالْفَرْضِ فِيهِ تَأْدِيَتُهُ إلَى أَهْلِهِ لَا عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِذَا عَمِلَ امْرُؤٌ عَنِّي عَلَى مَا فُرِضَ فِي مَالِي، فَقَدْ أَدَّى الْفَرْضَ عَنِّي، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَدَبَ الْعِبَادَ إلَيْهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُدْعَى لِلْأَخِ حَيًّا جَازَ أَنْ يُدْعَى لَهُ مَيِّتًا وَلَحِقَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَكَهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَاسِعٌ لَأَنْ يُوَفِّي الْحَيَّ أَجْرَهُ وَيُدْخِلَ عَلَى الْمَيِّتِ مَنْفَعَتَهُ، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا تَطَوَّعَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ.
[بَابُ الْأَوْصِيَاءِ]
. بَابُ الْأَوْصِيَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَّا إلَى بَالِغٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ كَذَلِكَ، وَلَا تَجُوزُ إلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا عَبْدِ الْمُوصِي، وَلَا عَبْدِ الْمُوصَى لَهُ، وَلَا إلَى أَحَدٍ لَمْ تَتِمَّ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ مِنْ مُكَاتَبٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى مُشْرِكٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ لَمْ تُجِزْ الْوَصِيَّةَ إلَى مَنْ ذَكَرْت أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَيْهِ؟ قِيلَ: لَا تَعْدُو الْوَصِيَّةُ أَنْ تَكُونَ كَوِكَالَةِ الرَّجُلِ فِي الْحَقِّ لَهُ فَلَسْنَا نَرُدُّ عَلَى رَجُلٍ وَكَّلَ عَبْدًا كَافِرًا خَائِنًا؛ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِمَالِهِ وَنُجِيزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ، وَلَا نُخْرِجُ مِنْ يَدَيْهِ مَا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا نَجْعَلُ عَلَيْهِ فِيهِ أَمِينًا، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُجِيزُ فِي الْوَصِيَّةِ مَا يُجِيزُ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِذَا صَارُوا إلَى أَنْ لَا يُجِيزُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ فَلَا وَجْهَ لِلْوَصِيَّةِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ نَظَرَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِدَيْنٍ وَتَطَوُّعٍ مِنْ وِلَايَةِ وَلَدِهِ فَأَسْنَدَهُ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ فَصَارَ يَمْلِكُهُ وَارِثٌ، أَوْ ذُو دَيْنٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ لَا يَمْلِكُهُ الْمَيِّتُ، فَإِذَا قَضَى عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ لَهُمْ بِسَبَبِهِ قَضَاءٌ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْحَاكِمُ الْقَضَاءَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُمْ أَجَزْته وَكَانَ فِيهِ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ أَسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ مِنْ الثِّقَةِ بِمَوَدَّةٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ لِلْمُوصَى لَهُمْ، فَإِذَا وَلَّى حُرًّا
أَوْ حُرَّةً عَدْلَيْنِ أَجَزْنَا ذَلِكَ لَهُمَا بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يَصْلُح عَلَى الِابْتِدَاءِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّي أَحَدَهُمَا، فَإِذَا لَمْ يُوَلِّ مَنْ هُوَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ بَانَ لَنَا أَنْ قَدْ أَخْطَأَ عَامِدًا، أَوْ مُجْتَهِدًا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا نُجِيزُ خَطَأَهُ عَلَى غَيْرِهِ إذَا بَانَ ذَلِكَ لَنَا كَمَا تُجِيزُ أَمْرَ الْحَاكِمِ فِيمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا، وَلَا نُجِيزُهُ فِيمَا بَانَ خَطَؤُهُ وَنُجِيزُ أَمْرَ الْوَالِي فِيمَا صَنَعَ نَظَرًا وَنَرُدُّهُ فِيمَا صَنَعَ مِنْ مَالِ مَنْ يَلِي غَيْرَ نَظَرٍ وَنُجِيزُ قَوْلَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا، وَلَا نُجِيزُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ شَرَطْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَرِهِ أَنْ يَجُوزَ بِحَالٍ لَمْ يَجُزْ فِي الْحَالِ الَّتِي يُخَالِفُهَا
وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ إلَى مَنْ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ، ثُمَّ حَدَثَ لِلْمُوصَى إلَيْهِ حَالٌ تُخْرِجُهُ مِنْ حَدِّ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ، أَوْ أَمِينًا عَلَيْهِ أَخْرَجْت الْوَصِيَّةَ مِنْ يَدَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمِينًا وَأَضُمُّ إلَيْهِ إذَا كَانَ أَمِينًا ضَعِيفًا عَنْ الْكِفَايَةِ قَوِيًّا عَلَى الْأَمَانَةِ فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ الْأَمَانَةِ أُخْرِجَ بِكُلِّ حَالٍ وَكُلَّمَا صَارَ مَنْ أُبْدِلَ مَكَانَ وَصِيٍّ إلَى تَغَيُّرٍ فِي أَمَانَةٍ، أَوْ ضَعْفٍ كَانَ مِثْلَ الْوَصِيِّ يُبْدَلُ مَكَانُهُ كَمَا يُبْدَلُ مَكَانُ الْوَصِيِّ إذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ أُبْدِلَ مَكَانَ الْمَيِّتِ، أَوْ الْمُتَغَيِّرِ رَجُلٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَرْضَ قِيَامَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ فَمَاتَ الْمُوصَى إلَيْهِ وَأَوْصَى بِمَا أَوْصَى بِهِ إلَى رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ وَصِيُّ الْوَصِيِّ وَصِيًّا لِلْمَيِّتِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْضَ الْمُوصَى الْآخَرَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ فَإِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ، فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى بِمَالِ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِيمَنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْوَصِيُّ الْمَيِّتُ فَإِنْ كَانَ كَافِيًا أَمِينًا، وَلَمْ يَجِدْ آمَنَ مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ فِي الْأَمَانَةِ مِمَّنْ يَرَاهُ أَمْثَلَ لِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ مِنْ ذِي قَرَابَةِ الْمَيِّتِ، أَوْ مَوَدَّةً لَهُ، أَوْ قَرَابَةً لِتَرِكَتِهِ، أَوْ مَوَدَّةً لَهُمْ ابْتَدَأَ لِتَوْلِيَتِهِ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ وَجَدَ أَكْفَأَ وَأَمْلَأَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْهُ وَلَّى الَّذِي يَرَاهُ أَنْفَعَ لِمَنْ يُوَلِّيهِ أَمْرَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ، أَوْ الْمَوْلَيَانِ، أَوْ الْوَصِيُّ، وَلَا مَوْلَى مَعَهُ فِي الْمَالِ قَسَمَ مَا كَانَ مِنْهُ يُقْسَمُ فَجَعَلَ فِي أَيْدِيهِمَا نِصْفَيْنِ وَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ بِمَا لَا يُقْسَمُ مِنْهُ مَعًا
وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِإِنْكَاحِ بَنَاتِهِ إلَى رَجُلٍ فَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُنَّ الَّذِي لَا أَوْلَى مِنْهُ زَوَّجَهُنَّ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ أَوْ الْوَلَاءِ دُونَ الْوَصِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيَّهُنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ، وَفِي إجَازَةِ تَزْوِيجِ الْوَصِيِّ إبْطَالٌ لِلْأَوْلِيَاءِ إذَا كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَهْلَ النَّسَبِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ غَيْرُ ذِي نَسَبٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ يَجُوزُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَنْ يَلِيَ مَا كَانَ يَلِي الْمَيِّتُ؟ فَالْمَيِّتُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى حَيٍّ فَيَكُونُ يَلِي أَحَدٌ بِوِلَايَةِ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ صَارَتْ الْوِلَايَةُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُزَوَّجَةِ مِنْ قِبَل أَبِيهَا بَعْدَهُ أَحَبَّتْ ذَلِكَ، أَوْ كَرِهَتْهُ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لِوَصِيِّ الْأَبِ جَازَ لِوَصِيِّ الْأَخِ وَالْمَوْلَى وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِوَصِيٍّ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يُوَكِّلُ أَبُوهَا الرَّجُلَ فَيُزَوِّجَهَا فَيَجُوزُ؟ قِيلَ: نَعَمْ وَوَلِيُّهَا مَنْ كَانَ وَالْوِلَايَةُ حِينَئِذٍ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ قَدْ أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ بِتَرِكَتِي، أَوْ قَالَ: قَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ بِمَالِي، أَوْ قَالَ: بِمَا خَلَّفْت.
(قَالَ الرَّبِيعُ) أَنَا أُجِيبُ فِيهَا أَقُولُ: يَكُونُ وَصِيًّا بِالْمَالِ، وَلَا يَكُونُ إلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ شَيْءٌ إنَّمَا النِّكَاحُ إلَى الْعَصَبَةِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْمُزَوِّجَةِ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُخْرِجُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كُلَّ مَا لَزِمَ الْيَتِيمَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَجِنَايَتِهِ وَمَا لَا غِنَى بِهِ عَنْهُ مِنْ كِسْوَتِهِ وَنَفَقَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ، وَلَمْ يَبْلُغْ رُشْدَهُ زَوَّجَهُ، وَإِذَا احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ وَمِثْلُهُ يُخْدَمُ اشْتَرَى لَهُ خَادِمًا، وَإِذَا ابْتَاعَ لَهُ نَفَقَةً وَكِسْوَةً فَسُرِقَ ذَلِكَ أَخْلَفَ لَهُ مَكَانَهَا، وَإِنْ
أَتْلَفَ ذَلِكَ فَأْتِهِ يَوْمًا يَوْمًا وَأْمُرْهُ بِالِاحْتِفَاظِ بِكِسْوَتِهِ فَإِنْ أَتْلَفَهَا رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَهُ فِي إتْلَافِهَا وَيُخِيفَهُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ أَنْ يُكْسَى أَقَلَّ مَا يَكْفِيهِ فِي الْبَيْتِ مِمَّا لَا يَخْرُجُ فِيهِ، فَإِذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَدَّبَهُ أَمَرَ بِكِسْوَتِهِ مَا يَخْرُجُ فِيهِ وَيُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ إنْ زَوَّجَهُ وَخَادِمٍ إنْ كَانَتْ لَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَكْسُوهَا، وَكَذَلِكَ يُنْفِقُ عَلَى جَارِيَتِهِ إنْ اشْتَرَاهَا لَهُ لِيَطَأَهَا، وَلَا أَرَى أَنْ يَجْمَعَ لَهُ امْرَأَتَيْنِ وَلَا جَارِيَتَيْنِ لِلْوَطْءِ، وَإِنْ اتَّسَعَ مَالُهُ لِأَنَّا إنَّمَا نُعْطِيهِ مِنْهُ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِمَّا يُخْرِجُ مِنْ حَدِّ الضِّيقِ وَلَيْسَ بِامْرَأَةٍ، وَلَا جَارِيَةٍ لِوَطْءٍ ضِيقٌ إلَّا أَنْ تَسْقَمَ أَيَّتُهُمَا كَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا مَوْضِعٌ لِلْوَطْءِ فَيَنْكِحَ، أَوْ يَتَسَرَّى إذَا كَانَ مَالُهُ مُحْتَمِلًا لِذَلِكَ، وَهَذَا مَا لَا صَلَاحَ لَهُ إلَّا بِهِ إنْ كَانَ يَأْتِي النِّسَاءَ فَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ حَصُورًا فَأَرَادَ جَارِيَةً يَتَلَذَّذُ بِهَا لَمْ تُشْتَرَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ جَارِيَةً لِلْخِدْمَةِ اُشْتُرِيَتْ لَهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا تَلَذَّذَ بِهَا، وَإِنْ أَرَادَ امْرَأَةً لَمْ يُزَوَّجْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِذَا زُوِّجَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ فَأَكْثَرَ طَلَاقَهَا أَحْبَبْت أَنْ يَتَسَرَّى فَإِنْ أَعْتَقَ فَالْعِتْقُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
[الْوَصِيَّةُ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ الشَّافِعِيّ]
ُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ الشَّافِعِيُّ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَالَمَ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَكَفَى بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ شَهِيدًا، ثُمَّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لَمْ يَزَلْ يَدِينُ بِذَلِكَ وَبِهِ يَدِينُ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَيَبْعَثُهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَنَّهُ يُوصِي نَفْسَهُ وَجَمَاعَةَ مَنْ سَمِعَ وَصِيَّتَهُ بِإِحْلَالِ مَا أَحِلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي السُّنَّةِ وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ وَأَنَّ مُجَاوَزَتَهُ تَرْكُ رِضَا اللَّهِ وَتَرْكَ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَهُمَا مِنْ الْمُحَدِّثَاتِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِهِ خَوْفًا لِلَّهِ وَكَثْرَةِ ذِكْرِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30] وَأَنْ تُنْزِلَ الدُّنْيَا حَيْثُ أَنْزَلَهَا اللَّهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا دَارَ مَقَامٍ إلَّا مَقَامَ مُدَّةٍ عَاجِلَةِ الِانْقِطَاعِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا دَارَ عَمَلٍ وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ قَرَارٍ وَجَزَاءٍ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ إنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَأَنْ لَا يُخَالَّ أَحَدًا إلَّا أَحَدًا خَالَّهُ لِلَّهِ فَمَنْ يَفْعَلْ الْخُلَّةَ فِي اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَيُرْجَى مِنْهُ إفَادَةَ عِلْمٍ فِي دِينٍ وَحُسْنِ أَدَبٍ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ زَمَانَهُ وَيَرْغَبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ فِيهِ، وَيُمْسِكَ عَنْ الْإِسْرَافِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ فِي أَمْرٍ لَا يَلْزَمُهُ وَأَنْ يُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا قَالَ: وَعَمِلَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْفِيهِ مِمَّا سِوَاهُ، وَلَا يَكْفِي مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَأَوْصَى مَتَى حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ خَلْقِهِ الَّذِي أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا بَعْدَهُ وَكِفَايَةَ كُلِّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ، أَنْ يَلِيَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ النَّظَرَ فِي أَمْرِ ثَابِتٍ الْخَصِيِّ الْأَقْرَعِ الَّذِي خَلَفَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُفْسِدٍ فِيمَا خَلَّفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ فِيهِ أَعْتَقَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَإِنْ حَدَثَ بِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَثٌ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بَعْدَ أَحْمَدَ فَأَنْفَذَ فِيهِ مَا جُعِلَ إلَى أَحْمَدَ وَأَوْصَى أَنَّ جَارِيَتَهُ الْأَنْدَلُسِيَّةَ الَّتِي تُدْعَى فَوْزُ الَّتِي تُرْضِعُ ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ إذَا اسْتَكْمَلَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ سَنَتَيْنِ وَاسْتَغْنَى
عَنْ رَضَاعِهَا، أَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَرُئِيَ أَنَّ الرَّضَاعَ خَيْرٌ لَهُ أَرْضَعَتْهُ سَنَةً أُخْرَى، ثُمَّ هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يُرَى أَنَّ تَرْكَ الرَّضَاعِ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَمُوتَ فَتُعْتَقُ بِأَيِّهِمَا كَانَ وَمَتَى أُخْرِجَ إلَى مَكَّةَ أُخْرِجَتْ مَعَهُ حَتَّى يُكْمِلَ مَا وَصَفْت مِنْ رَضَاعِهِ، ثُمَّ هِيَ حُرَّةٌ، وَإِنْ عَتَقَتْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ لَمْ تُكْرَهْ فِي الْخُرُوجِ إلَى مَكَّةَ وَأَوْصَى أَنْ تُحْمَلَ أُمُّ أَبِي الْحَسَنِ أُمُّ وَلَدِهِ دَنَانِيرَ وَأَنْ تُعْطِيَ جَارِيَتَهُ سِكَّةَ السَّوْدَاءَ وَصِيَّةً لَهَا، أَوْ أَنْ يُشْتَرَى لَهَا جَارِيَةٌ، أَوْ خَصِيٌّ بِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ يُدْفَعَ إلَيْهَا عِشْرُونَ دِينَارًا وَصِيَّةً لَهَا فَأَيَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا اخْتَارَتْهُ دُفِعَ إلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَ ابْنُهَا أَبَا الْحَسَنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى مَكَّةَ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لَهَا إنْ شَاءَتْهَا، وَإِنْ لَمْ تُعْتِقْ حَتَّى تَخْرُجَ بِأَبِي الْحَسَنِ إلَى مَكَّةَ حُمِلَتْ وَابْنُهَا مَعَهَا مَعَ أَبِي الْحَسَنِ، وَإِنْ مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى مَكَّةَ عَتَقَتْ فَوْزُ وَأَعْطَيْت ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَأَوْصَى أَنْ يُقْسَمَ ثُلُثُ مَالِهِ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا عَلَى دَنَانِيرَ سَهْمَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ مَا عَاشَ ابْنُهَا وَأَقَامَتْ مَعَهُ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ ابْنُهَا أَبُو الْحَسَنِ وَأَقَامَتْ مَعَ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَذَلِكَ لَهَا وَمَتَى فَارَقَتْ ابْنَهَا وَوَلَدَهُ قُطِعَ عَنْهَا مَا أَوْصَى لَهَا بِهِ، وَإِنْ أَقَامَتْ فَوْزُ مَعَ دَنَانِيرَ بَعْدَمَا تُعْتَقُ فَوْزُ وَدَنَانِيرُ مُقِيمَةٌ مَعَ ابْنِهَا مُحَمَّدٍ، أَوْ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وُقِفَ عَلَى فَوْزَ سَهْمٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ مَا أَقَامَتْ مَعَهَا وَمَعَ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَإِنْ لَمْ تُقِمْ فَوْزُ قُطِعَ عَنْهَا وَرُدَّ عَلَى دَنَانِيرَ أُمِّ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وَأَوْصَى لِفُقَرَاءِ آلِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بِأَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يُدْفَع إلَيْهِمْ سَوَاءٌ فِيهِ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ وَذَكَرُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ وَأَوْصَى لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيِّ بِسِتَّةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَأَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ رِقَابٌ بِخَمْسَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَيُتَحَرَّى أَفْضَلَ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ وَأَحْمَدَهُ وَيُشْتَرَى مِنْهُمْ مَسْعَدَة الْخَيَّاطُ إنْ بَاعَهُ مَنْ هُوَ لَهُ فَيُعْتَقُ وَأَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّق عَلَى جِيرَانِ دَارِهِ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُ بِذِي طُوًى مِنْ مَكَّةَ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَدْخُلُ فِيهِمْ كُلُّ مَنْ يَحْوِي إدْرِيسَ وَلَاءَهُ وَمَوَالِي أُمِّهِ ذَكَرُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ مَا يُعْطِي وَاحِدًا مِنْ جِيرَانِهِ وَأَوْصَى لِعُبَادَةَ السِّنْدِيَّةِ وَسَهْلٍ وَوَلَدِهِمَا مَوَالِيَهُ وَسَلِيمَة مَوْلَاةِ أُمِّهِ وَمَنْ أَعْتَقَ فِي وَصِيَّتِهِ بِسَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَجْعَلُ لِعِبَادَةِ ضَعْفَ مَا يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيُسَوِّي بَيْنَ الْبَاقِينَ، وَلَا يُعْطِي مِنْ مَوَالِيهِ إلَّا مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَكُلُّ مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ السَّهْمَانِ مِنْ ثُلُثِهِ بَعْدَمَا أَوْصَى بِهِ مِنْ الْحَمُولَةِ وَالْوَصَايَا يَمْضِي بِحَسَبِ مَا أَوْصَى بِهِ بِمِصْرَ فَيَكُونُ مَبْدَأَ، ثُمَّ يَحْسِبُ بَاقِيَ ثُلُثِهِ فَيُخْرِجَ الْأَجْزَاءَ الَّتِي وَصَفْت فِي كِتَابِهِ وَجَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ إنْفَاذَ مَا كَانَ مِنْ وَصَايَاهُ بِمِصْرَ وَوِلَايَةَ جَمِيعِ تَرِكَتِهِ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقُرَشِيِّ وَيُوسُفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ الْفَقِيهِ وَسَعِيدُ بْنُ الْجَهْمِ الْأَصْبَحِيُّ فَأَيُّهُمْ مَاتَ، أَوْ غَابَ، أَوْ تَرَكَ الْقِيَامَ بِالْوَصِيَّةِ قَامَ الْحَاضِرُ الْقَائِمُ بِوَصِيَّتِهِ مَقَامًا يُغْنِيهِ عَمَّنْ غَابَ عَنْ وَصِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ، أَوْ تَرَكَهَا وَأَوْصَى يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ وَسَعِيدَ بْنَ الْجَهْمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يُلْحِقُوا ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ مَتَى أَمْكَنَهُمْ إلْحَاقُهُ بِأَهْلِهِ بِمَكَّةَ، وَلَا يُحْمَلَ بَحْرًا وَإِلَى الْبِرِّ سَبِيلٌ بِوَجْهٍ وَيَضُمُّوهُ وَأُمَّهُ إلَى ثِقَةٍ وَيُنَفِّذُوا مَا أَوْصَاهُمْ بِهِ بِمِصْرَ وَيَجْمَعُوا مَالَهُ وَمَالَ أَبِي الْحَسَنِ ابْنِهِ بِهَا وَيُلْحِقُوا ذَلِكَ كُلَّهُ وَرَقِيقَ أَبِي الْحَسَنِ مَعَهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْفَعَ إلَى وَصِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بِهَا وَمَا يَخْلُفُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ، أَوْ ابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِمِصْرَ مِنْ شَيْءٍ فَسَعِيدُ بْنُ الْجَهْمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو أَوْصِيَاءَهُ فِيهِ وَوُلَاةُ وَلَدِهِ مَا كَانَ لَهُ وَلَهُمْ بِمِصْرَ عَلَى مَا شَرَطَ أَنْ يَقُومَ الْحَاضِرُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ مَقَامَ كُلِّهِمْ وَمَا أَوْصَلُوا إلَى أَوْصِيَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بِمَكَّةَ وَوُلَاةِ
وَلَدِهِ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إيصَالِهِ، فَقَدْ خَرَجُوا مِنْهُ وَهُمْ قَائِمُونَ بِدَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ قَبَضَا وَقَضَاءَ دَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَيْهَا بِهَا وَبَيْعَ مَا رَأَوْا بَيْعَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَعَلَيْهِ بِمِصْرَ وَوِلَايَةُ ابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ مَا كَانَ بِمِصْرَ وَجَمِيعُ تَرِكَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بِمِصْرَ مِنْ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا وَجَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ، وَلَاءَ وَلَدِهِ بِمَكَّةَ وَحَيْثُ كَانُوا إلَى عُثْمَانَ وَزَيْنَبَ وَفَاطِمَةَ بَنِي مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وَوَلَاءَ ابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ مِنْ دَنَانِيرَ أُمِّ وَلَدِهِ إذَا فَارَقَ مِصْرَ وَالْقِيَامَ بِجَمِيعِ أَمْوَالِ وَلَدِهِ الَّذِينَ سَمَّى وَوَلَدَانِ حَدَثٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ حَتَّى يَصِيرُوا إلَى الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ مَعًا وَأَمْوَالَهُمْ حَيْثُ كَانَتْ إلَّا مَا يَلِي أَوْصِيَاؤُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ إلَى وَصِيَّيْهِ بِمَكَّةَ وَهُمَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُقَرِّظ الصَّرَّافُ فَإِنْ عُبَيْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَصِيَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَائِمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَمُحَمَّدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ الْقَادِرَ عَلَى مَا يَشَاءُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْ يَرْحَمُهُ فَإِنَّهُ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِهِ وَأَنْ يُجِيرَهُ مِنْ النَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ وَأَنْ يَخْلُفَهُ فِي جَمِيعِ مَا يُخْلَفُ بِأَفْضَلَ مَا خَلَفَ بِهِ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ يَكْفِيَهُمْ فَقْدَهُ وَيَجْبُرَ مُصِيبَتَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْ يَقِيَهُمْ مَعَاصِيَهُ وَإِتْيَانَ مَا يَقْبُحُ بِهِمْ وَالْحَاجَةَ إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَشْهَدَ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ أَنَّ سُلَيْمًا الْحَجَّامَ لَيْسَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ، وَهُوَ مَشْهُودٌ عَلَيَّ فَإِنْ بِيعَ فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ فَلَيْسَ مَالِي مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِي، وَلَا يَدْخُلُ فِي ثُلُثِي مَا لَا قَدْرَ لَهُ مِنْ فُخَّارٍ وَصِحَافٍ وَحُصْر مِنْ سَقْطِ الْبَيْتِ وَبَقَايَا طَعَامِ الْبَيْتِ وَمَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا لَا خَطَرَ لَهُ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ.
[بَابُ الْوَلَاءِ وَالْحَلِفِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُنْسَبَ مَنْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مِنْ النَّاسِ نَسَبَيْنِ مَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَبِيهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلْيُنْسَبْ إلَى مَوَالِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَا أَبٍ وَلَهُ مَوَالٍ فَيُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ وَمَوَالِيهِ وَأُولَى نَسَبَيْهِ أَنْ يُبْدَأَ بِهِ أَبُوهُ وَأَمَرَ أَنْ يُنْسَبُوا إلَى الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ مَعَ الْوَلَاءِ، وَكَذَلِكَ يُنْسَبُونَ إلَيْهَا مَعَ النَّسَبِ وَالْإِخْوَةُ فِي الدِّينِ لَيْسَتْ بِنَسَبٍ إنَّمَا هُوَ صِفَةٌ تَقَعُ عَلَى الْمَرْءِ بِدُخُولِهِ فِي الدِّينِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ وَالنَّسَبُ إلَى الْوَلَاءِ وَالْآبَاءِ إذَا ثَبَتَ لَمْ يُزِلْهُ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقٍ، وَلَا مِنْ أَسْفَلَ، وَلَا الْأَبُ، وَلَا الْوَلَدُ وَالنَّسَبُ اسْمٌ جَامِعٌ لَمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيُنْسَبُ الرَّجُلُ إلَى الْعِلْمِ وَإِلَى الْجَهْلِ وَإِلَى الصِّنَاعَةِ وَإِلَى التِّجَارَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ نَسَبٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ وَتَرْكِهِ الْفِعْلَ وَكَانَ مِنْهُمْ صِنْفٌ ثَالِثٌ لَا آبَاءَ لَهُمْ يُعْرَفُونَ، وَلَا وَلَاءَ فَنُسِبُوا إلَى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَإِلَى أَدْيَانِهِمْ وَصِنَاعَاتِهِمْ، وَأَصْلُ مَا قُلْت مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 37] وَقَالَ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ - قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 42 - 43] وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا - إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 41 - 42] وَقَالَ: تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] فَمَيَّزَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُمْ بِالدِّينِ، وَلَمْ يَقْطَعْ الْأَنْسَابَ بَيْنُهُمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَنْسَابَ لَيْسَتْ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ.
الْأَنْسَابُ ثَابِتَةٌ لَا تَزُولُ وَالدِّينُ شَيْءٌ يَدْخُلُونَ فِيهِ، أَوْ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَنَسَبَ ابْنَ نُوحٍ إلَى أَبِيهِ وَابْنُهُ كَافِرٌ وَنَسَبَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلَهُ إلَى أَبِيهِ وَأَبُوهُ كَافِرٌ وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرُهُ ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 27] فَنَسَبَ إلَى آدَمَ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَلَدِهِ وَالْكَافِرَ وَنَسَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَى آبَائِهِمْ كُفَّارًا كَانُوا، أَوْ مُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ نَسَبَ الْمَوَالِي إلَى، وَلَائِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمَوَالِي مُؤْمِنِينَ وَالْمُعْتِقُونَ مُشْرِكِينَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» (أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: " الْوَلَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْخَلْفِ أَقِرَّهُ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا فَقَالَ: أَهْلُهَا نَبِيعُكهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ إنْ أَحَبَّ أَهْلُك أَنْ أُعِدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ، وَلَاؤُك لِي فَعَلْت فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فَقَالَتْ إنِّي قَدْ عَرَضْت عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَائِلُ قَدْ غَلِطَ فِي بَعْضِهَا مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمُكَاتَبِ بِكُلِّ حَالٍّ، وَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ غَلِطَ الْكِتَابَةُ ثَابِتَةٌ، فَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ فَقَالَ: لِي قَائِلٌ بَرِيرَةُ كَانَتْ مُكَاتَبَةً وَبِيعَتْ وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْعَ فَقُلْت لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ فِي كِتَابَتِهَا وَتَذْهَبُ مُسَاوِمَةً بِنَفْسِهَا لِمَنْ يَشْتَرِيهَا وَتَرْجِعُ بِخَبَرِ أَهْلِهَا؟ فَقَالَ: بَلَى وَلَكِنْ مَا قُلْت فِي هَذَا؟ قُلْت إنَّ هَذَا رِضًا مِنْهَا بِأَنْ تُبَاعَ قَالَ: أَجَلْ قُلْت وَدَلَالَةٌ عَلَى عَجْزِهَا، أَوْ رِضَاهَا بِالْعَجْزِ قَالَ: أَمَّا رِضَاهَا بِالْعَجْزِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْبَيْعِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى رِضَاهَا بِالْعَجْزِ، وَأَمَّا عَلَى عَجْزِهَا، فَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ عَاجِزَةٍ وَتَرْضَى بِالْعَجْزِ رَجَاءَ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ فَقُلْت لَهُ وَالْمُكَاتَبُ إذَا حَلَّتْ نُجُومُهُ فَقَالَ: قَدْ عَجَزْت لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ غَيْرُهُ وَرَدَدْنَاهُ رَقِيقًا وَجَعَلْنَا لِلَّذِي كَاتِبَهُ بَيْعَهُ وَيُعْتِقُ وَيُرِقُّ قَالَ: أَمَّا هَذَا فَلَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ رُدَّ رَقِيقًا قُلْت، وَلَا يُعْلَمُ عَجْزُهُ إلَّا بِأَنْ يَقُولَ قَدْ عَجَزْت أَوْ تَحِلَّ نُجُومُهُ فَلَا يُؤَدِّي، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مَالٌ قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنْ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ مَالٍ قُلْت مَسْأَلَتُهَا فِي أُوقِيَّةٍ، وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهَا أَوَاقٍ وَرِضَاهَا بِأَنْ تُبَاعَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا عَجْزٌ مِنْهَا عَلَى لِسَانِهَا قَالَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيَحْتَمِلُ مَا وَصَفْت وَيَحْتَمِلُ جَوَازَ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ قُلْت أَمَّا ظَاهِرُهُ فَعَلَى مَا وَصَفْت وَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَوْ احْتَمَلَ مَا وَصَفْت وَوَصَفْت كَانَ أَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْمُكَاتَب لَا يُبَاعُ حَتَّى يَعْجَزَ، وَلَمْ يُنْسَبْ إلَى الْعَامَّةِ أَنْ يَجْهَلَ مَعْنَى حَدِيثِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مَا لَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ الْعُقُولُ مِنْ أَنَّ الْمَرْءَ إذَا كَانَ مَالِكًا لِرَجُلٍ فَأَعْتَقَهُ فَانْتَقَلَ حُكْمُهُ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ إلَى الْحُرِّيَّةِ فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ وَوَرِثَ وَأَخَذَ سَهْمَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَحُدَّ حُدُودَهُمْ وَحُدَّ لَهُ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحُرِّيَّةُ إنَّمَا تُثْبِتْ الْعِتْقَ لِلْمَالِكِ وَكَانَ الْمَالِكُ الْمُسْلِمُ إذَا أَعْتَقَ مُسْلِمًا ثَبَتَ، وَلَاؤُهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ الْمُعْتِقِ أَنْ يَرُدَّ وَلَاءَهُ فَيَرُدَّهُ رَقِيقًا، وَلَا يَهَبَهُ، وَلَا يَبِيعَهُ، وَلَا لِلْمُعْتَقِ، وَلَا لَهُمَا لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُ النَّسَبِ الَّذِي لَا يُحَوَّلُ وَبَيِّنٌ فِي السُّنَّةِ وَمَا وَصَفْنَا فِي الْوَلَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ بِحَالٍ إلَّا لِمُعْتِقٍ، وَلَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ وَأَنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لِمَنْ سُمِّيَتْ لَهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِغَيْرِهِمْ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَا وَلَاءَ لَهُ وَالَى رَجُلًا أَوْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَوْلًى لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا الْمُوَالَاةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَهُ مَعْبُودًا فَالْتَقَطَهُ وَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ وَلَاءٌ بِنِعْمَةٍ تَجْرِي عَلَيْهِ لِلْمُعْتِقِ فَلَا يُقَالُ لِهَذَا مَوْلَى أَحَدٍ، وَلَا يُقَالُ لَهُ مَوْلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ فَمَا بَالُهُ إذَا مَاتَ كَانَ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ بِالْوَلَاءِ وَرِثُوهُ وَلَكِنْ وَرِثُوهُ بِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ خَوَّلَهُمْ مَا لَا مَالَك لَهُ دُونَهُ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِمِيرَاثِ هَذَا مَالِكٌ بِوَلَاءٍ، وَلَا بِنَسَبٍ، وَلَا لَهُ مَالِكٌ مَعْرُوفٌ كَانَ مِمَّا خُوِّلُوهُ فَإِنْ قَالَ: وَمَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ: الْأَرْضُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لَا مَالَك لَهَا يُعْرَفُ هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِي يَمُوتُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِجَمَاعَتِهِمْ لَا أَنَّهُمْ مَوَالِيه.
، وَلَوْ كَانُوا أَعْتَقُوهُ لَمْ يَرِثْهُ مَنْ أَعْتَقَهُ مِنْهُمْ، وَهُوَ كَافِرٌ وَلَكِنَّهُمْ خُوِّلُوا مَالَهُ بِأَنْ لَا مَالِكَ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الَّذِي لَا، وَلَاءَ لَهُ إذَا مَاتَ أَنَّهُمْ يَرِثُونَهُ بِالْوَلَاءِ حَتَّى كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَيْنَا فِيهِ أَمْرَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَوْلُودًا لَا رِقَّ عَلَيْهِ وَمُسْلِمًا فَيُجْعَلُ وَرَثَتُهُ الْأَحْيَاءَ يَوْمئِذٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَنْ حَدَثَ مِنْهُمْ فَإِنْ مَاتُوا وَرَّثْنَا وَرَثَةَ الْأَحْيَاءِ يَوْمئِذٍ مِنْ الرِّجَالِ مَالَهُ، أَوْ جَعَلْنَا مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ يَمُوتُ وَرَثَتَهُ قَسَمْنَاهُ بَيْنَهُمْ قَسْمَ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ.
، وَلَا نَجْعَلُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ مَالَهُ لِأَهْلِ بَلَدٍ دُونَ أَهْلِ بَلَدٍ وَأَحْصَيْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَعْطَيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَظَّهُ مِنْ مِيرَاثِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِجَمَاعَةٍ لَوْ أَعْتَقَتْ وَاحِدًا فَتَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ وَنَحْنُ وَالْمُسْلِمُونَ إنَّمَا يُعْطُونَ مِيرَاثَهُ أَهْلَ الْبَلَدِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَلَكِنَّا إنَّمَا جَعَلْنَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفْت لَا مِنْ أَنَّهُ مَوْلًى لِأَحَدٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْلًى لِأَحَدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَفِي قَوْلِهِ إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ تَثْبِيتُ أَمْرَيْنِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ بِأَكِيدٍ وَنَفْيُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ إلَّا لِمَنْ أَعْتَقَ، وَهَذَا غَيْرُ مُعْتِقٍ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ سَائِبَةً فَالْعِتْقُ مَاضٍ وَلَهُ، وَلَاؤُهُ.
، وَلَا يُخَالِفُ الْمُعْتَقُ سَائِبَةً فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ وَالْمِيرَاثُ مِنْهُ غَيْرُ السَّائِبَةِ لِأَنَّ هَذَا مُعْتَقٌ، وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ وَهَكَذَا الْمُسْلِمُ يُعْتِقُ مُشْرِكًا فَالْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْتَقُ لَمْ يَرِثْهُ مَوْلَاهُ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكُ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُ الذِّمِّيِّ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ وَالْوَلَاءُ لِلْمُشْرِكِ الْمُعْتِقِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ الْمُعْتَقُ لَمْ يَرِثْهُ الْمُشْرِكُ الذِّمِّيُّ الَّذِي أَعْتَقَهُ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنْ لَا يَرِثَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَكَانَ هَذَا فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ دُونَ الْآخَرِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ: الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ فُلَانٍ
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْحُرِّيَّةِ وَقَبِلَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَسَوَاءٌ، وَهُوَ حُرٌّ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ الَّذِي أَعْتَقَهُ عَنْهُ وَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَكَانَتْ لَهُ قَرَابَةٌ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ تَرِثُهُ بِأَصْلِ فَرِيضَةٍ، أَوْ عَصَبَةٍ، أَوْ إخْوَةٌ لِأُمٍّ يَرِثُونَهُ بِأَصْلِ فَرِيضَةٍ، أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ وَرِثَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ وَالْعَصَبَةُ شَيْئًا إنْ بَقِيَ عَنْهُمْ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ قَامَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ مَقَامَ الْعَصَبَةِ فَيَأْخُذُ الْفَضْلَ عَنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ قَبْلَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَ مَوَالِيهِ، أَوْ لَهُ وَارِثٌ لَا يَحُوزُ مِيرَاثَهُ كُلَّهُ خَالَفَ مِيرَاثُ الْوَلَاءِ مِيرَاثَ النَّسَبِ كَمَا سَأَصِفُهُ لَك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَانْظُرْ فَإِنْ كَانَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتِقِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ أَحْيَاءُ يَوْم يَمُوتُ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ فَاقْسِمْ مَالَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ، أَوْ مَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ مِنْهُ بَيْنَ بَنِي الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ فَلَا تُوَرَّثُ بَنَاتُهُ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَلَا بَنِينَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتِقِ لِصُلْبِهِ وَلَهُ وَلَدُ وَلَدٍ مُتَسَفِّلُونَ، أَوْ قَرَابَةُ نَسَبٍ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ فَانْظُرْ الْأَحْيَاءَ يَوْمَ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ مِنْ وَلَدِ وَلَدِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَقْعُدَ إلَى الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ بِأَبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فَاجْعَلْ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ.
، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُعُودِ فَاجْعَلْ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ شَرْعًا فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ مَاتَ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا وَالِدَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتِقِ وَلَهُ إخْوَةٌ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَةٌ لِأَبِيهِ وَإِخْوَةٌ لِأُمِّهِ فَلَا حَقَّ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ فِي، وَلَاءِ مَوَالِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ وَالْمِيرَاثُ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ، وَلَوْ كَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَاحِدًا.
وَهَكَذَا مَنْزِلَةُ أَبْنَاءِ الْإِخْوَةِ مَا كَانُوا مُسْتَوِينَ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ أَقْعُدَ مِنْ بَعْضٍ فَانْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْقُعْدَدُ لِبَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَاجْعَلْ الْمِيرَاثَ لَهُ.
، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا مِثْلَهُ فِي الْقُعْدَدِ لِمُسَاوَاتِهِ فِي الْقُعْدَدِ وَلِانْفِرَادِهِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ دُونَهُمْ وَمُسَاوَاتِهِ إيَّاهُمْ فِي قَرَابَةِ الْأَبِ فَإِنْ كَانَ الْقُعْدَدِ لِابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ دُونَ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ فَاجْعَلْهُ لِأَهْلِ الْقُعْدَدِ بِالْمَوْلَى الْمُعْتِقِ وَهَكَذَا مَنْزِلَةُ عَصَبَتِهِمْ كُلِّهِمْ بَعُدُوا، أَوْ قَرُبُوا فِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَتْ الْمُعْتِقَةُ امْرَأَةً وَرِثَتْ مَنْ أَعْتَقَتْ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْ، وَلَا تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَ أَبُوهَا، وَلَا أُمُّهَا، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهَا وَغَيْرُ مَنْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْ، وَإِنْ سَفُلُوا وَيَرِثُ وَلَدُ الْمَرْأَةِ الْمُعْتِقَةِ مَنْ أَعْتَقَتْ كَمَا يَرِثُ وَلَدُ الرَّجُلِ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ فَإِنْ انْقَرَضَ وَلَدُهَا وَوَلَدُ وَلَدِهَا الذُّكُورُ، وَإِنْ سَفُلُوا، ثُمَّ مَاتَ مَوْلًى لَهَا أَعْتَقَتْهُ وَرِثَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهَا مِنْ رِجَالِ عَصَبَتِهَا لَا عَصَبَةِ وَلَدِهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مِنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْعَاصِ بْنَ هِشَامٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً اثْنَانِ لِأُمٍّ وَرَجُلٌ لِعَلَّةٍ فَهَلَكَ أَحَدُ الَّذِينَ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَهُ أَخُوهُ الَّذِي لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ مَالَهُ وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ.، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمَوَالِي وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ فَقَالَ: ابْنُهُ قَدْ أَحْرَزْت مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ مِنْ الْمَالِ وَوَلَاءِ الْمَوَالِي: وَقَالَ: أَخُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَحْرَزْت الْمَالَ فَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا، أَرَأَيْت لَوْ هَلَكَ أَخِي الْيَوْمَ أَلَسْت أَرِثُهُ أَنَا؟ فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ فَقَضَى لِأَخِيهِ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ فَاخْتَصَمَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ يُقَالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ كُلَيْبٍ فَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَتَرَكَتْ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَهَا ابْنُهَا وَزَوْجُهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا فَقَالَتْ وَرَثَتُهُ لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ.
وَقَالَ: الجهنيون لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هُمْ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا.، فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَلَنَا، وَلَاؤُهُمْ وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ للجهنيين بِوَلَاءِ
الْمَوَالِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَتُوُفِّيَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا عَتَقَ قَالَ إسْمَاعِيلُ فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ آخُذَ مَالَهُ فَأَجْعَلَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ.
[مِيرَاثُ الْوَلَدِ الْوَلَاءَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَبَنَاتٍ وَمَوَالِيَ هُوَ أَعْتَقَهُمْ فَمَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ وَرِثَهُ ابْنَاهُ، وَلَمْ يَرِثْهُ أَحَدٌ مِنْ بَنَاتِهِ.
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَتَرَكَ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ وَرِثَهُ ابْنُ الْمُعْتِقِ لِصُلْبِهِ دُونَ بَنِي أَخِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ لَوْ مَاتَ يَوْمَ يَمُوتُ الْمَوْلَى كَانَ مِيرَاثُهُ لِابْنِهِ لِصُلْبِهِ دُونَ ابْنِ ابْنِهِ ثُمَّ هَكَذَا مِيرَاثُ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ أَبَدًا، وَإِنْ تَسَفَّلُوا فِي الْمَوَالِي اُنْسُبْ وَلَدَ الْوَلَدِ أَبَدًا إلَى الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ يَوْمَ يَمُوتُ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ بِأَبٍ وَاحِدٍ فَاجْعَلْ لَهُ جَمِيعَ مِيرَاثِ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ
وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ثُمَّ مَاتَ الْبَنُونَ الثَّلَاثَةُ وَتَرَكَ أَحَدُهُمْ ابْنًا وَالْآخَرُ أَرْبَعَةَ بَنِينَ وَالْآخَرُ خَمْسَةَ بَنِينَ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ اقْتَسَمُوا مِيرَاثَ الْمَوْلَى عَلَى عَشْرَةِ أَسْهُمٍ لِلِابْنِ سَهْمٌ وَلِلْأَرْبَعَةِ الْبَنِينَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْخَمْسَةِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ كَمَا يَقْتَسِمُونَ مِيرَاثَ الْجَدِّ لَوْ مَاتَ يَوْمئِذٍ وَهُمْ وَرَثَتُهُ لِاخْتِلَافِ حَالِ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَالْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الْجَدُّ الْمَيِّتَ فَوَرِثَهُ ثَلَاثَةٌ بَنُونَ، ثُمَّ مَاتَ الْبَنُونَ وَتَرَكَ أَحَدُهُمْ ابْنًا وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً وَالْآخَرُ خَمْسَةً، ثُمَّ ظَهَرَ لِلْجَدِّ مَالٌ اقْتَسَمَ بَنُو الْبَنِينَ عَلَى أَنَّهُ وَرِثَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ، ثُمَّ وَرِثَ الثَّلَاثَةَ الْبَنِينَ أَبْنَاؤُهُمْ فَلِلِابْنِ الْمُنْفَرِدِ بِمِيرَاثِ أَبِيهِ ثُلُثُ مِيرَاثِ الْجَدِّ، وَذَلِكَ حِصَّةُ أَبِيهِ مِنْ مِيرَاثِ الْجَدِّ وَلِلْأَرْبَعَةِ الْبَنِينَ ثُلُثُ مِيرَاثِ الْجَدِّ أَرْبَاعًا بَيْنَهُمْ، وَذَلِكَ حِصَّةُ مِيرَاثِ أَبِيهِمْ، وَلِلْخَمْسَةِ الْبَنِينَ ثُلُثُ مِيرَاثِ الْجَدِّ أَخْمَاسًا بَيْنَهُمْ.
وَذَلِكَ حِصَّةُ أَبِيهِمْ مِنْ مِيرَاثِ جَدِّهِمْ.
وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْمَالِ بَنَاتٌ دَخَلْنَ، وَلَا يَدْخُلْنَ فِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ.
فَإِذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا فَمَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَتَرَكَ أَبَاهُ وَأَوْلَادًا ذُكُورًا فَمِيرَاثُ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ لِذُكُورِ وَلَدِهِ دُونَ بَنَاتِهِ وَجَدِّهِ لَا يَرِثُ الْجَدُّ مَعَ وَلَدِ الْمُعْتِقِ شَيْئًا مَا كَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ، وَلَا وَلَدُ وَلَدِهِ، وَإِنْ سَفُلُوا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَتَرَكَ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ لِأَبِيهِ وَأُمَّهُ، أَوْ لِأَبِيهِ فَالْمَالُ لِلْأَبِ دُونَ الْإِخْوَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْقَوْنَ الْمَيِّتَ عِنْدَ أَبِيهِ فَأَبُوهُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي إذَا كَانُوا إنَّمَا يُدْلُونَ بِقَرَابَتِهِ
فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ وَتَرَكَ جَدَّهُ وَإِخْوَتَهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، أَوْ لِأَبِيهِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ وَالْأَخِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمِيرَاثُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُهُ وَالْمَيِّتَ أَبٌ قَبْلَ الْجَدِّ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ: وَكَذَلِكَ ابْنُ الْأَخِ وَابْنُ ابْنِهِ، وَإِنْ سَفُلُوا؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَجْمَعُهُمْ وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ قَبْلَ الْجَدِّ وَبِهَذَا أَقُولُ؛ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الْجَدُّ وَالْأَخُ فِي وَلَاءِ الْمَوَالِي بِمَنْزِلَةٍ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يَلْقَى الْمَوْلَى الْمُعْتِقَ عِنْدَ أَوَّلِ أَبٍ يُنْتَسَبُ إلَيْهِ فَيَجْمَعُهُ وَالْمَيِّتَ الْمُعْتِقَ أَبٌ يَكُونَانِ فِيهِ سَوَاءً، وَأَوَّلُ مِنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ أَبُو الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتُ ابْنُهُ وَالْجَدُّ أَبُوهُ فَذَهَبَ إلَى أَنْ يُشْرِكَ الْجَدَّ وَالْمَيِّتَ الْمُعْتِقَ أَبٌ هُمَا شَرَعَ فِيهِ الْجَدُّ بِالْأُبُوَّةِ وَالِابْنُ بِوِلَادَتِهِ وَيَذْهَبُ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَمَنْ قَالَ: هَذَا قَالَ: الْجَدُّ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي مِنْ بَنَى الْأَخِ إذَا سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَخِ جَعَلَ الْمَالَ لِلْجَدِّ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمَيِّتِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْإِخْوَةُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي مِنْ الْجَدِّ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي مِنْ الْجَدِّ.
فَعَلَى هَذَا الْبَابِ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ، فَأَمَّا إنْ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَتَرَكَ جَدَّهُ وَعَمَّهُ وَمَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ فَالْمَالُ لِلْجَدِّ دُونَ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَّ لَا يُدْلِي بِقَرَابَةٍ إلَّا بِأُبُوَّةِ الْجَدِّ فَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَ مَنْ يُدْلِي بِقَرَابَتِهِ، وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ عَمَّهُ
وَجَدَّ أَبِيهِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا عَلَى قِيَاسِ مَنْ قَالَ: الْإِخْوَةُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي مِنْ الْجَدِّ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ يَلْقَى الْمَيِّتَ عِنْدَ جَدٍّ يَجْمَعُهُمَا قَبْلَ الَّذِي يُنَازِعُهُ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْعَمِّ، وَإِنْ تَسَفَّلُوا؛ لِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ أَبٍ لَهُمْ وُلِدَ قَبْلَ جَدِّ أَبِيهِ وَمَنْ قَالَ: الْأَخُ وَالْجَدُّ سَوَاءٌ فَجَدُّ الْأَبِ وَالْعَمِّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَّ يَلْقَاهُ عِنْدَ جَدِّهِ وَجَدُّ أَبِيهِ أَبُو جَدِّهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ الْمُنَازِعُ لِجَدِّ الْأَبِ ابْنَ الْعَمِّ فَجَدُّ الْأَبِ أَوْلَى كَمَا يَكُونُ الْجَدُّ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْأَخِ لِلْقُرْبِ مِنْ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ، وَلَا وَارِثَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتَقِ وَتَرَكَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ وَابْنَ عَمٍّ قَرِيبٍ، أَوْ بَعِيدٍ فَالْمَالُ لِابْنِ الْعَمِّ الْقَرِيبِ، أَوْ الْبَعِيدِ؛ لِأَنَّ الْأَخَ مِنْ الْأُمِّ لَا يَكُونُ عَصَبَةً، فَإِنْ كَانَ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ مِنْ عَصَبَتِهِ وَكَانَ فِي عَصَبَتِهِ مَنْ هُوَ أُقْعَدُ مِنْهُ مِنْ أَخِيهِ لِأُمِّهِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَصَبَتِهِ كَانَ لِلَّذِي هُوَ أُقْعَدُ إلَى الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ فَإِنْ اسْتَوَى أَخُوهُ لِأُمِّهِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَصَبَتِهِ وَعُصْبَتُهُ فَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ سَاوَى عَصَبَتَهُ فِي النَّسَبِ وَانْفَرَدَ مِنْهُمْ بِوِلَادَةِ الْأُمِّ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي عَصَبَتِهِ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا، لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[الْخِلَافُ فِي الْوَلَاءِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَالَ: لِي بَعْضُ النَّاسِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ وَالْمَعْقُولُ وَالْأَثَرُ عَلَى أَكْثَرِ مَا قُلْت فِي أَصْلِ، وَلَاءِ السَّائِبَةِ وَغَيْرِهِ وَنَحْنُ لَا نُخَالِفُك مِنْهُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ نَقِيسُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مَوَاضِعَ قُلْت: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ إذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ كَانَ لَهُ، وَلَاؤُهُ كَمَا يَكُونُ لِلْمُعْتَقِ قُلْت: أَتَدْفَعُ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْمُنْعِمَ بِالْعِتْقِ يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ كَثُبُوتِ النَّسَبِ؟ قَالَ: لَا.
قُلْت وَالنَّسَبُ إذَا ثَبَتَ فَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ الْوَالِدِ؟ قَالَ نَعَمْ.
قُلْت فَلَوْ أَرَادَ الْوَالِدُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ نَفْيَهُ وَأَرَادَ ذَلِكَ الْوَلَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا، وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ.
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَا أَبَ لَهُ رَضِيَ أَنْ يُنْتَسَبَ إلَى رَجُلٍ وَرَضِيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَتَصَادَقَا مَعَ التَّرَاضِي بِأَنْ يُنْتَسَبَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ وَعُلِمَ أَنَّ أُمَّ الْمَنْسُوبِ إلَى الْمُنْتَسِبِ إلَيْهِ لَمْ تَكُنْ لِلْمُنْتَسِبِ إلَيْهِ زَوْجَةً، وَلَا أَمَةً وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمَا، وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَنْسِبُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفِرَاشُ، وَفِي مِثْلِ مَعْنَاهُ ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالشُّبْهَةِ بِالْفِرَاشِ وَالنُّطْفَةِ بَعْدَ الْفِرَاشِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت، وَلَا نَنْسِبُ بِالتَّرَاضِي إذَا تَصَادَقَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يُنْسَبُ بِهِ، قَالَ: نَعَمْ: قُلْت: وَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ وَيَنْتَقِلُ عَنْ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ.
قَالَ: نَعَمْ قُلْت وَالْوَلَاءُ هُوَ إخْرَاجُك مَمْلُوكَك مِنْ الرِّقِّ بِعِتْقِك وَالْعِتْقُ فِعْلٌ مِنْك لَمْ يَكُنْ لِمَمْلُوكِك رَدُّهُ عَلَيْك؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت وَلَوْ رَضِيَتْ أَنْ تَهَبَ وَلَاءَهُ، أَوْ تَبِيعَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَك؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت، فَإِذَا كَانَ هَذَا ثَبَتَ فَلَا يَزُولُ بِمَا وَصَفْت مِنْ مُتَقَدِّمِ الْعِتْقِ وَالْفِرَاشِ وَالنُّطْفَةِ وَمَا وَصَفْت مِنْ ثُبُوتِ الْحُقُوقِ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، أَفَتَعْرِفُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ فِي تَثْبِيتِ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ لَا يَنْتَقِلُ، وَإِنْ رَضِيَ الْمُنْتَسِبُ وَالْمُنْتَسَبُ إلَيْهِ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَلَا لَهُمَا بِتَرَاضِيهِمَا قَالَ: نَعَمْ.
هَكَذَا السُّنَّةُ وَالْأَثَرُ وَإِجْمَاعُ النَّاسِ فَهَلْ تَعْرِفُ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ؟ .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ فِي وَاحِدٍ مِمَّا وَصَفْت وَوَصَفْنَا كِفَايَةٌ وَالْمَعْنَى الَّذِي حَكَمَ بِذَلِكَ بَيِّنٌ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ: فَمَا هُوَ؟ قُلْت إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَثْبَتَ لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدِ حُقُوقًا فِي الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا وَكَانَتْ الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ تَثْبُتُ لِلْوَالِدِ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، وَلِلْوَلَدِ مِنْ الْأُمِّ عَلَى وَالِدَيْ الْوَالِدِ حُقُوقًا فِي الْمَوَارِيثِ وَوَلَاءَ الْمَوَالِي وَعَقْلَ الْجِنَايَاتِ وَوِلَايَةَ النِّكَاحِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَلَوْ تَرَكَ الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ حَقَّهُمَا مِنْ ذَلِكَ
وَمَا يَثْبُتُ لِأَنْفُسِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَرْكُهُ لِآبَائِهِمَا، أَوْ أَبْنَائِهِمَا أَوْ عَصَبَتِهِمَا، وَلَوْ جَازَ لِلِابْنِ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُ عَنْ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَوْ مَاتَ وَالْقِيَامِ بِدَمِهِ لَوْ قُتِلَ وَالْعَقْلِ عَنْهُ لَوْ جَنَى، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ لِآبَائِهِ، وَلَا أَبْنَائِهِ، وَلَا لِإِخْوَتِهِ، وَلَا عَصَبَتِهِ
؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِآبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ وَعَصَبَتِهِ حُقُوقٌ عَلَى الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ لِلْوَالِدِ إزَالَتُهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَمِثْلُ هَذِهِ الْحَالِ الْوَلَدُ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُثْبِتَ رَجُلٌ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ وَعَصَبَتِهِ نَسَبَ مَنْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَلِدْهُ فَيُدْخِلَ عَلَيْهِمْ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا مِنْ قِبَلِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِيرَاثَ مِنْ نُسِبَ إلَيْهِ مَنْ نُسِبَ لَهُ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ كَالْمَوْلُودِ فِيمَا يَثْبُتُ لَهُ مِنْ عَقْلِ جِنَايَتِهِ وَيَثْبُتُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى وَلَاءِ رَجُلٍ لَمْ يُعْتِقْهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُثْبِتُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ يُثْبِتُ عَلَى وَلَدِهِ وَآبَائِهِ وَعَصَبَتِهِ وِلَايَتَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ عَقْلٍ وَغَيْرِهِ بِأَمْرٍ لَا يَثْبُتُ، وَلَا لَهُمْ بِأَمْرٍ لَمْ يَثْبُتْ.
فَقَالَ: هَذَا كَمَا وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْت فَلِمَ جَازَ لَك أَنْ تُوَافِقَهُ فِي مَعْنًى وَتُخَالِفَهُ فِي مَعْنًى؟ وَمَا وَصَفْت فِي تَثْبِيتِ الْحُقُوقِ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ.
قَالَ: أَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْت وَمَا يَعْرِفُ النَّاسُ فَكَمَا قُلْت لَوْلَا شَيْءٌ أَرَاك أَغْفَلْته وَالْحُجَّةُ عَلَيْك فِيهِ قَائِمَةٌ.
قُلْت وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قُلْت لَهُ لَيْسَ يَثْبُتُ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.
قَالَ: لِأَنَّهُ خَالَفَ غَيْرَهُ مِنْ حَدِيثِك الَّذِي هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ.
قُلْت لَوْ خَالَفَك مَا هُوَ أَثْبُتُ مِنْهُ لَمْ نُثْبِتْهُ وَكَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُثْبِتَ الثَّابِتَ وَنَرُدَّ الْأَضْعَفَ.
قَالَ: أَفَرَأَيْت لَوْ كَانَ ثَابِتًا أَيُخَالِفُ حَدِيثُنَا حَدِيثَك عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَلَاءِ؟ فَقُلْت لَوْ ثَبَتَ لَاحْتَمَلَ خِلَافَهَا وَأَنْ لَا يُخَالِفَهَا؛ لِأَنَّا نَجِدُ تَوْجِيهَ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا لَوْ ثَبَتَ وَمَا وَجَدْنَا لَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ تَوْجِيهًا اسْتَعْمَلْنَاهُ مَعَ غَيْرِهِ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا؟ قُلْت: يُقَالُ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا، وَلَوْ نَقَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِوَجْهِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ شَرْطِ الْوَلَاءِ فِيمَنْ بَاعَ فَأَعْتَقَهُ غَيْرُهُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلَّذِي أَعْتَقَ إذَا كَانَ مُعْتِقًا لَا عَلَى الْعَامِّ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُعْتِقٍ إذْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَاءً لِغَيْرِ مُعْتِقٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ.
قَالَ: هَذَا الْقَوْلُ الْمُنْصِفُ غَايَةَ النَّصَفَةِ فَلِمَ لَمْ تُثْبِتْ هَذَا الْحَدِيثَ فَنَقُولُ بِهَذَا؟ قُلْت؛ لِأَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ وَمُنْقَطِعٌ وَنَحْنُ وَأَنْتَ لَا نُثْبِتُ حَدِيثَ الْمَجْهُولِينَ، وَلَا الْمُنْقَطِعَ مِنْ الْحَدِيثِ.
قَالَ: فَهَلْ يَبِينُ لَك أَنَّهُ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عِتْقٌ؟ قُلْت نَعَمْ، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا وَصَفْنَا مِنْ تَثْبِيتِ الْحَقِّ لَهُ وَعَلَيْهِ بِثُبُوتِ الْعِتْقِ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِثُبُوتِ الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ بِخِلَافِهِ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْت يَثْبُتُ عَلَى الْمُوَالِي بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ الْعِتْقِ، فَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَهُ.
قُلْت: فَمَا تَقُولُ فِي مَمْلُوكٍ كَافِرٍ ذِمِّيٍّ لِغَيْرِك أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْك أَيَكُونُ إسْلَامُهُ ثَابِتًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَفَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَك أَمْ يُبَاعُ عَلَى سَيِّدِهِ وَيَكُونُ رَقِيقًا لِمَنْ اشْتَرَاهُ؟ قَالَ: بَلْ يُبَاعُ وَيَكُونُ رَقِيقًا لِمَنْ اشْتَرَاهُ.
قُلْت فَلَسْت أَرَاك جَعَلَتْ الْإِسْلَامَ عِتْقًا، وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ يَكُونُ عِتْقًا كَانَ لِلْعَبْدِ الذِّمِّيِّ أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الذِّمِّيُّ الْحُرُّ الَّذِي قُلْت هَذَا فِيهِ حُرًّا وَكَانَ إسْلَامُهُ غَيْرَ إعْتَاقِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَك أَنْ يَسْتَرِقُّوهُ، وَلَا يَخْرُجُ بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ قُلْت كَانَ مَمْلُوكًا لِلذِّمِّيِّينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ وَيُدْفَعَ ثَمَنُهُ إلَيْهِمْ قَالَ: لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلذِّمِّيِّينَ وَكَيْفَ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَهُوَ يوارثهم وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَا لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ هُوَ حُرٌّ، قُلْت وَكَيْفَ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالْعِتْقِ؟ قَالَ: بِالْخَبَرِ، قُلْت لَوْ ثَبَتَ قُلْنَا بِهِ مَعَك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقُلْت لَهُ: وَكَيْفَ قُلْت فِي الَّذِي لَا وَلَاءَ لَهُ، وَلَمْ
يُسْلِمْ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ يُوَالِي مَنْ شَاءَ؟ قَالَ: قِيَاسًا أَنَّ عُمَرَ قَالَ: فِي الْمَنْبُوذِ هُوَ حُرٌّ وَلَك، وَلَاؤُهُ، قُلْت أَفَرَأَيْت الْمَنْبُوذَ إذَا بَلَغَ أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَلَائِهِ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْت لَا؛ لِأَنَّ الْوَالِيَ عَقَدَ الْوَلَاءَ عَلَيْهِ قُلْت أَفَيَكُونُ لِلْوَالِي أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْبِقْ بِهِ حُرِّيَّةٌ، وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْت هَذَا حُكْمٌ مِنْ الْوَالِي؟ قُلْت أَوْ يَحْكُمُ الْوَالِي عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ يَكُونُ بِهِ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حَقٌّ، أَوْ يَكُونُ صَغِيرًا يَبِيعُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَمَا يُصْلِحُهُ، وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت أَفَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ بِحُكْمِ الْوَالِي لِلْمُلْتَقَطِ فَقِسْت الْمَوَالِيَ عَلَيْهِ؟ .
قُلْت، فَإِذَا وَالَى فَأَثْبَت عَلَيْهِ الْوَلَاءَ، وَلَا تَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَلَائِهِ مَا لَمْ يُعْقَلْ عَنْهُ فَأَنْتَ تَقُولُ يَنْتَقِلُ بِوَلَائِهِ، قَالَ: فَإِنْ قُلْت ذَلِكَ فِي اللَّقِيطِ؟ قُلْت، فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنْ يَفْسَخَ الْحُكْمَ، قَالَ: فَإِنْ قُلْت لَيْسَ لِلَّقِيطِ، وَلَا لِلْمُوَالَى أَنْ يَنْتَقِلَ، وَإِنْ لَمْ يُعْقَلْ عَنْهُ؟ قُلْت فَهُمَا يَفْتَرِقَانِ، قَالَ: وَأَيْنَ افْتِرَاقُهُمَا؟ قُلْت اللَّقِيطُ لَمْ يَرْضَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِلَا رِضًا مِنْهُ، قَالَ: وَلَكِنْ بِنِعْمَةٍ مِنْ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهِ، قُلْت فَإِنْ أَنْعَمَ عَلَى غَيْرِ لَقِيطٍ أَكْثَرَ مِنْ النِّعْمَةِ عَلَى اللَّقِيطِ فَأَنْقَذَ مِنْ قَتْلٍ وَغَرَقٍ وَحَرْقٍ وَسَجْنٍ وَأَعْطَاهُ مَالًا أَيَكُونُ لِأَحَدٍ بِهَذَا، وَلَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا: قُلْت، فَإِذَا كَانَ الْمُوَالَى لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ إلَّا بِرِضَاهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلَّقِيطِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَيْفَ قِسْته عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلِأَيِّ شَيْءٍ خَالَفْتُمْ حَدِيثَ عُمَرَ؟ قُلْنَا: وَلَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ مِثْلُهُ هُوَ عَنْ رَجُلٍ لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ، وَعِنْدَنَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مَعْرُوفٌ أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَبَتْ وَلَاءَ بَنِي يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ أَجَازَتْ مَيْمُونَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ هِبَةَ الْوَلَاءِ فَكَيْفَ تَرَكْته؟ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ؛ قُلْنَا أَفَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَلَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِنْ احْتَمَلَ غَيْرَهُ، قُلْت: فَإِنْ قَالَ: لَك قَائِلٌ لَا يَجْهَلُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَيْمُونَةُ كَيْفَ وَجْهُ نَهْيِهِ.
قَالَ قَدْ يَذْهَبُ عَنْهُمَا الْحَدِيثُ رَأْسًا فَتَقُولُ لَيْسَ فِي أَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ، قُلْت فَكَيْفَ أَغْفَلْت هَذِهِ الْحُجَّةَ فِي اللَّقِيطِ؟ فَلَمْ تَرَهَا تَلْزَمُ غَيْرَك كَمَا لَزِمَتْك حُجَّتُك فِي أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ؛ وَأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يُحَالُ إلَى بَاطِنٍ، وَلَا خَاصٍّ إلَّا بِخَبَرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ: فَهَكَذَا نَقُولُ: قُلْت نَعَمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي بَعْضِ الْأَمْرِ دُونَ بَعْضٍ، قَالَ: قَدْ شَرَكَنَا فِي هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِك.
قُلْت أَفَحَمِدْت ذَلِكَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا قُلْت فَلَا أَشْرُكُهُمْ فِيمَا لَمْ تَحْمَدْ، وَفِيمَا نَرَى الْحُجَّةَ فِي غَيْرِهِ.
فَقَالَ: لِمَنْ حَضَرْنَا مِنْ الْحِجَازِيِّينَ: أَكَمَا قَالَ: صَاحِبُكُمْ فِي أَنْ لَا وَلَاءَ إلَّا لِمَنْ أَعْتَقَ؟ فَقَالُوا نَعَمْ وَبِذَلِكَ جَاءَتْ السُّنَّةُ، قَالَ: فَإِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُخَالِفُ فِي السَّائِبَةِ وَالذِّمِّيِّ يَعْتِقُ الْمُسْلِمَ، قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَيُكَلِّمُهُ بَعْضُكُمْ أَوْ أَتَوَلَّى كَلَامَهُ لَكُمْ؟ قَالُوا افْعَلْ فَإِنْ قَصُرْت تَكَلَّمْنَا؛ قَالَ: فَأَمَّا أَتَكَلَّمُ عَنْ أَصْحَابِك فِي وَلَاءِ السَّائِبَةِ مَا تَقُولُ فِي وَلَاءِ السَّائِبَةِ وَمِيرَاثِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إلَّا مَنْ سَيَّبَهُ؟ فَقُلْت، وَلَاؤُهُ لِمَنْ سَيَّبَهُ وَمِيرَاثُهُ لَهُ.
قَالَ فَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟ قُلْت الْحُجَّةُ الْبَيِّنَةُ أَمُعْتَقُ الْمُسَيَّبِ لِلْمُسَيِّبِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ مِيرَاثَ الْمُعْتَقِ لِمَنْ أَعْتَقَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ بِأَصْلِ فَرِيضَةٍ.
قَالَ: فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ؟ قُلْت مَا أَحْسَبُ أَحَدًا سَلَكَ طَرِيقَ النَّصَفَةِ يُرِيدُ وَرَاءَهَا حُجَّةً، قَالَ: بَلَى.
وَقُلْت لَهُ: قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: 103] قَالَ: وَمَا مَعْنَى هَذَا؟ قُلْت سَمِعْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُعْتِقُ عَبْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سَائِبَةً فَيَقُولُ لَا أَرِثُهُ، وَيَفْعَلُ فِي الْوَصِيلَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالَحَّامِ أَنْ لَا يُرْكَبَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: 103] عَلَى مَعْنَى مَا جَعَلْتُمْ فَأَبْطَلَ شُرُوطَهُمْ فِيهَا وَقَضَى أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ وَرَدَّ الْبَحِيرَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالَحَّامَ إلَى
مِلْكِ مَالِكِهَا إذَا كَانَ الْعِتْقُ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَى الْبَهَائِمِ، قَالَ: فَهَلْ تَأَوَّلَ أَحَدٌ السَّائِبَةَ عَلَى بَعْضِ الْبَهَائِمِ؟ قُلْت: نَعَمْ.
وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِمَا يَعْرِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ: أَفَرَأَيْت قَوْلَك قَدْ أَعْتَقْتُك سَائِبَةً أَلَيْسَ خِلَافَ قَوْلِك قَدْ أَعْتَقْتُك؟ قُلْت أَمَّا فِي قَوْلِك أَعْتَقْتُك فَلَا، وَأَمَّا فِي زِيَادَةِ سَائِبَةً فَنَعَمْ.
قَالَ: فَهُمَا كَلِمَتَانِ خَرَجَتَا مَعًا فَإِنَّمَا أَعْتَقَهُ عَلَى شَرْطٍ، قُلْت: أَوْ مَا أُعْتِقَتْ بَرِيرَةُ عَلَى شَرْطِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْبَائِعِينَ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّرْطَ؟ فَقَالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» قَالَ: بَلَى: قُلْت، فَإِذَا أَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرْطَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ الْمُعْتِقِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ وَرَدَّهُ إلَى الْمُعْتِقِ فَكَيْفَ لَا يَبْطُلُ شَرْطُ الْمُعْتِقِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْت فَلَهُ الْوَلَاءُ، وَلَا يَرِثُهُ؟ قُلْت فَقُلْ إذًا الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ الْمُشْتَرَطِ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَرِثُهُ، قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ أُثْبِتَ لَهُ الْوَلَاءَ وَأَمْنَعَهُ الْمِيرَاثَ وَدِينَاهُمَا وَاحِدٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَمْلِكُ أَبَاهُ وَيَتَسَرَّى الْجَارِيَةَ وَيَمُوتُ لِمَنْ، وَلَاءُ هَذَيْنِ؟ قَالَ: لِمَنْ عَتَقَا بِمِلْكِهِ وَفِعْلِهِ، قُلْت أَفَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَك قَائِلٌ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَلَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ.
هَذَا وَرِثَ أَبَاهُ فَيُعْتِقُهُ، وَإِنْ كُرِهَ، وَهَذَا وَلَدَتْ جَارِيَتُهُ، وَلَمْ يُعْتِقْهَا بِالْوَلَدِ، وَهُوَ حَيٌّ فَأَعْتَقَهَا بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ وَلَاءٌ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا غَيْرُ مُعْتَقٍ هَلْ حُجَّتُنَا وَحُجَّتُك عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا زَالَ عَنْهُ الرِّقُّ بِسَبَبِ مَنْ يَحْكُمُ لَهُ بِالْمِلْكِ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً مِنْك، وَهَذَا فِي مَعَانِي الْمُعْتَقِينَ، قُلْت فَالْمُعْتَقُ سَائِبَةً هُوَ الْمُعْتَقُ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ الَّذِي فِي مَعَانِي الْمُعْتَقِينَ، قَالَ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَذْكُرُونَ أَحَادِيثَ، قُلْت فَاذْكُرْهَا قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ أَعْتَقَ سَائِبَةً، قُلْت وَنَحْنُ نَقُولُ إنْ أَعْتَقَ رَجُلٌ سَائِبَةً فَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لَهُ، قَالَ: فَيَذْكُرُونَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ وَيَذْكُرُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ رَجُلٌ مِنْ الْحَاجِّ فَأَصَابَهُ غُلَامٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَضَى عُمَرُ عَلَيْهِمْ بِعَقْلِهِ، فَقَالَ: أَبُو الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لَوْ أَصَابَ ابْنِي، قَالَ: إذًا لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَهُوَ إذًا مِثْلُ الْأَرْقَمِ، قَالَ: عُمَرُ فَهُوَ إذًا مِثْلُ الْأَرْقَمِ، فَقُلْت لَهُ هَذَا إذَا ثَبَتَ بِقَوْلِنَا أَشْبَهُ، قَالَ وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَأَى وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ رَأَى عَلَيْهِمْ عَقْلَهُ، وَلَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ رَأَى عَقْلَهُ عَلَى مَوَالِيهِ فَلَمَّا كَانُوا لَا يُعْرَفُونَ لَمْ يَرَ فِيهِ عَقْلًا حَتَّى يَعْرِفَ مَوَالِيَهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا تَأَوَّلُوا، وَكَانَ الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ مَا قَالُوا كَانُوا يُخَالِفُونَهُ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ السَّائِبَةَ لَوْ قُتِلَ كَانَ عَقْلُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِثْلَ مَعْنَى قَوْلِنَا، قَالَ: فَاذْكُرْهُ: قُلْت أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ الْمُرَقَّعِ أَعْتَقَ أَهْلَ بَيْتٍ سَوَائِبَ فَأَتَى بِمِيرَاثِهِمْ، فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَعْطُوهُ وَرَثَةَ طَارِقٍ فَأَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوا، فَقَالَ: عُمَرُ فَاجْعَلُوهُ فِي مِثْلِهِمْ مِنْ النَّاسِ، قَالَ: فَحَدِيثُ عَطَاءٍ مُرْسَلٌ قُلْت يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ آلِ طَارِقٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ عَنْهُمْ فَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ مُرْسَلٌ قَالَ: فَهَلْ غَيْرُهُ؟ قُلْت أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سَائِبَةً فَمَاتَ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ لَك قَالَ: لَا أُرِيدُ قَالَ فَضَعْهُ إذًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ لَهُ وَارِثًا كَثِيرًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو طُوَالَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا عَمْرَةُ بِنْتُ يعار أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةً فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِمِيرَاثِهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ عَمْرَةَ فَأَبَتْ تَقَبُّلَهُ، قَالَ: قَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ قُلْت فَمَا كُنَّا نَحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَاَلَّذِي يَلْزَمُنَا أَنْ نَصِيرَ إلَى أَقْرَبِهَا مِنْ السُّنَّةِ، وَمَا قُلْنَا مَعْنَى السُّنَّةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ، قَالَ: فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا أَعْتَقَ السَّائِبَةَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، قُلْنَا: فَإِنْ قَالَ: قَدْ أَعْتَقْتُك عَنْ نَفْسِي سَائِبَةً لَا عَنْ غَيْرِي وَأَشْهَدُ بِهَذَا الْقَوْلِ قَبْلَ الْعِتْقِ
وَمَعَهُ، فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ يَكْمُلَ أَجْرِي بِأَنْ لَا يَرْجِعَ إلَيَّ، وَلَاؤُهُ، قَالَ: فَإِنْ قَالُوا: فَإِذَا قَالَ: هَذَا؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قُلْنَا هَذَا الْجَوَابُ مُحَالٌ، يَقُولُ أَعْتَقْتُك عَنْ نَفْسِي وَيَقُولُ أَعْتَقَهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، قُلْت أَرَأَيْت لَوْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ أَكَانَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِعِتْقِهِ؟ ، وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا إذَا أَعْتَقَ مَا أَخْرَجَ مِنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَجَزْته؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ مُعْتِقٌ، فَقَدْ قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ: فَمَا حُجَّتُك عَلَيْهِمْ فِي الذِّمِّيِّ يُسْلِمُ عَبْدُهُ فَيُعْتِقُهُ؟ قُلْت مِثْلُ أَوَّلِ حُجَّتِي فِي السَّائِبَةِ أَنَّهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مُعْتَقًا، فَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ، أَوْ يَكُونُ إذَا اخْتَلَفَ الدِّينَانِ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ فَيَكُونُ عِتْقُهُ بَاطِلًا؟ قَالَ: بَلْ هُوَ مُعْتَقٌ وَالْعِتْقُ جَائِزٌ قُلْت فَمَا أَعْلَمُك بَقَّيْت لِلْمَسْأَلَةِ مَوْضِعًا قَالَ: بَلَى لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَرِثْهُ الْمُعْتِقُ قُلْت وَمَا مَنَعَ الْمِيرَاثَ إنَّمَا مَنَعَ الْمِيرَاثَ الَّذِي مَنَعَهُ الْوَرَثَةُ أَيْضًا غَيْرُ الْمُعْتِقِ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُ وَارِثُهُ بِالنَّسَبِ بِاخْتِلَافِ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ قَالَ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءً، وَهُوَ لَا يَرِثُهُ؟ قُلْت نَعَمْ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ أُبُوَّةً، وَهُوَ لَا يَرِثُهُ إذَا اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنْ الذِّمِّيَّ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَلِلذِّمِّيِّ وَلَدٌ مُسْلِمُونَ كَانَ الْوَلَاءُ لِبَنِيهِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ؟ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ فَالْمُعْتَقُ لَهُمْ مِنْ بَنِيهِ أَبْعَدُ أَنْ يَجُوزَ قَالَ: وَأَنْتَ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا؟ قُلْت وَأَيْنَ؟ قَالَ تَزْعُمُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ مُسْلِمُونَ، وَهُوَ كَافِرٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ وَرِثَتْهُ إخْوَتُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَرِثْهُ أَبُوهُ وَبِهِ وَرِثُوهُ قُلْت أَجَلْ فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْك قَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت أَرَأَيْت أُبُوَّتَهُ زَالَتْ عَنْ الْمَيِّتِ بِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا؟ قَالَ لَا، هُوَ أَبُوهُ بِحَالِهِ قُلْت، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَرَّثْته قَالَ نَعَمْ قُلْت، وَإِنَّمَا حَرُمَ الْمِيرَاثُ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَلِمَ لَمْ تَقُلْ فِي الْمَوَالِي هَذَا الْقَوْلَ فَنَقُولُ مَوْلَاهُ مَنْ أَعْتَقَهُ، وَلَا يَرِثُهُ مَا اخْتَلَفَ دِينَاهُمَا، فَإِذَا أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ وَرِثَهُ إنْ مَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا أَعْتَقَهُ الذِّمِّيُّ ثَبَتَ، وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ قُلْت وَكَيْفَ ثَبَتَ، وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُهُمْ أَعْتَقَهُ؟ قَالَ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَرِثُونَهُ؟ قُلْت لَيْسُوا يَرِثُونَهُ وَلَكِنَّ مِيرَاثَهُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ بِعَيْنِهِ قَالَ: وَمَا دَلَّك عَلَى مَا تَقُولُ، فَإِنَّ الَّذِي يُعْرَفُ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهُ إلَّا مِيرَاثًا؟ قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَرِثُوا كَافِرًا؟ قَالَ: لَا قُلْت أَفَرَأَيْت الذِّمِّيَّ لَوْ مَاتَ، وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ لِمَنْ مِيرَاثُهُ؟ قَالَ: لِلْمُسْلِمِينَ قُلْت؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ لَا أَنَّهُ مِيرَاثٌ قَالَ: نَعَمْ قُلْت، وَكَذَلِكَ مَنْ لَا وَلَاءَ مِنْ لَقِيطٍ وَمُسْلِمٍ لَا وَلَاءَ لَهُ، أَوْ، وَلَاؤُهُ لِكَافِرٍ لَا قَرَابَةَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرْت مَا ذَكَرْت فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ عَلَى الْمِيرَاثِ قَالَ: فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَالَفَك فِي مَعْنًى آخَرَ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَعْتَقَ نَصْرَانِيًّا فَمَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَرِثَهُ إنَّمَا قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ فِي النَّسَبِ» فَقُلْت أَمَوْجُودٌ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ فَيَقُولُونَ الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُهُ قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ عَارَضَنَا وَإِيَّاهُمْ غَيْرُنَا فَقَالَ: فَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الْوَلَاءِ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قُلْت وَلِمَ؟ أَلِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَحْتَمِلُهُ؟ قَالَ: بَلْ يَحْتَمِلُهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ هَذَا فِي النَّسَبِ قُلْت لَيْسَ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَهُ فِي النَّسَبِ فَمِنْهُمْ مِنْ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ الْكَافِرَ كَمَا يُجِيزُ لَهُ النِّكَاحَ إلَيْهِ، وَلَا يُوَرِّثُ الْكَافِرَ الْمُسْلِمَ قَالَ: فَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمْلَةً؟ قُلْت أَجَلْ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ وَالْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ: هَذَا فِي بَعْضِ الْكَافِرِينَ فِي النَّسَبِ كَالْحَجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: فِي الْوَلَاءِ قُلْت فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إنْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِهِ فَقُلْت قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ بَنِي يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَهَيَّبُهُ وَقُلْت: إذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمْلَةً فَهُوَ عَلَى جُمْلِهِ، وَلَمْ نُحَمِّلْهُ مَا احْتَمَلَ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَكَذَلِكَ أَقُولُ قُلْت فَلِمَ لَمْ تَقُلْ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ يُعْتِقُ النَّصْرَانِيَّ مَعَ أَنَّ الَّذِي رَوَيْنَا
عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ وَضَعَ مِيرَاثَ مَوْلًى لَهُ نَصْرَانِيٍّ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا أَثْبَتُ الْحَدِيثَيْنِ عَنْهُ وَأَوْلَاهُمَا بِهِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خِلَافُ هَذَا قَالَ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَرْكَ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قُلْت نَعَمْ وَأَظْهَرُ مَعَانِيهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِثَ كَافِرًا وَأَنَّهُ إذَا مَنَعَ الْمِيرَاثَ لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجِ بِالْكُفْرِ كَانَ مِيرَاثُ الْمَوْلَى أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَبْعَدُ مِنْ ذِي النَّسَبِ قَالَ: فَمَا حُجَّتُك عَلَى أَحَدٍ إنْ خَالَفَك فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ عَبْدَهُ عَنْ الرَّجُلِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَقَالَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ دُونَ الْمُعْتِقِ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْعِتْقَ عَنْهُ؟ قُلْت أَصْلُ حُجَّتِي عَلَيْك مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَهَذَا مُعْتِقٌ قَالَ، فَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهُ إنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْآمِرِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ عَبْدُهُ، وَهَذَا مُعْتَقٌ عَنْهُ قُلْت نَعَمْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا أُعْتِقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّمَا مَلَّكَهُ عَبْدَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْهُ بَعْدَمَا مَلِكَهُ قَالَ: أَفَقَبَضَهُ الْمَالِكُ الْمُعْتَقُ عَنْهُ؟ قُلْت إذَا أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَعِتْقُهُ أَكْثَرُ مِنْ قَبْضِهِ هُوَ لَوْ قَبَضَهُ قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت إذَا جَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلَ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَعْتَقَهُ فَجَازَ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ مَاضِي الْأَمْرِ فِيهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ فِي وَكَالَتِهِ وَجَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ مِنْ الرَّجُلِ فَيُعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا عَنْ الْمَقَامِ الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَيَنْفُذُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ جَازَ إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُ الْعَبْدِ عَبْدَهُ أَنْ يُنَفِّذَ عَلَيْهِ عِتْقَهُ وَعِتْقَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ قَالَ: وَالْوَلَاءُ لِلْآمِرِ قُلْت نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ مُعْتِقٌ قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ مُعْتِقًا، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ؟ قُلْت إذَا أَمَرَ بِالْعِتْقِ رَجُلًا فَأَعْتَقَ عَنْهُ فَهُوَ وَكِيلٌ لَهُ جَائِزُ الْعِتْقِ، وَهُوَ الْمُعْتِقُ إذَا وَكَّلَ وَنَفَذَ الْعِتْقُ بِأَمْرِهِ قَالَ: فَكَيْفَ؟ قُلْت فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ عَنْ غَيْرِهِ عَبْدَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ الْعِتْقُ جَائِزٌ قُلْت نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا يَمْلِكُ قَالَ أَرَأَيْت قَوْلَهُ هُوَ حُرٌّ عَنْ فُلَانٍ أَلِهَذَا مَعْنًى؟ قُلْت أَمَّا مَعْنَى لَهُ حُكْمٌ يَرُدُّ بِهِ الْعِتْقَ أَوْ يَنْتَقِلُ بِهِ الْوَلَاءُ فَلَا، قَالَ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا سِوَى مَا ذَكَرْت أَرَأَيْت لَوْ قَالَ: إذَا أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَقَبِلَ الْعِتْقَ كَانَ لَهُ الْوَلَاءُ قُلْت إذًا يَلْزَمُهُ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي لَا نَرْضَى أَنْ نَقُولَهُ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْت يُقَالُ لَهُ هَلْ يَكُونُ الْعِتْقُ إلَّا لِمَالِكٍ؟ قَالَ: يَقُولُ لَا قُلْنَا فَمَتَى مَلَكَ؟ قَالَ: حِينَ قَبِلَ قُلْت أَفَرَأَيْت حِينَ قَبِلَ أَقَبِلَ حُرًّا، أَوْ مَمْلُوكًا؟ قَالَ: فَأَقُولُ بَلْ قَبِلَ حُرًّا قُلْنَا أَفَيُعْتَقُ حُرًّا أَوْ يَمْلِكُهُ قَالَ: فَأَقُولُ بَلْ حِينَ فَعَلَ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا حِين وَهَبَهُ لَهُ قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ قَالَ: لَك قَدْ قَبِلْت وَأَبْطَلْت عِتْقَك أَيَكُونُ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ مَمْلُوكًا لَهُ؟ قَالَ وَكَيْفَ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ؟ قُلْت تَجْعَلُهُ بِإِعْتَاقِهِ إيَّاهُ عَنْهُ مَمْلُوكًا لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَإِذَا مَلَّكْتنِي عَبْدَك، ثُمَّ أَعْتَقْته أَنْتَ، جَازَ تَمْلِيكُك إيَّايَ وَبَطَلَ عَنْهُ عِتْقُك إذَا لَمْ أُحْدِثْ لَهُ عِتْقًا، وَلَمْ آمُرَك تُحْدِثُهُ لِي قَالَ: هَذَا يَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا، وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ مَا يَمْلِكُهُ إيَّاهُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الرِّقِّ وَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الرِّقِّ غَيْرُهُ فَالْوَلَاءُ لَهُ كَمَا قُلْت، وَهَذَا قَوْلٌ قَدْ قَالَهُ غَيْرُك مِنْ أَصْحَابِنَا أَفَتُوَضِّحُهُ لِي بِشَيْءٍ؟ قُلْت نَعَمْ أَرَأَيْت لَوْ أَعْتَقْت عَبْدًا لِي ثُمَّ قُلْت بَعْدَ عِتْقِهِ قَدْ جَعَلْت أَجْرَهُ وَوَلَاءَهُ الْآنَ لَك؟ قَالَ: فَلَا يَكُونُ لِي أَجْرُهُ، وَلَا، وَلَاؤُهُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْأَجْرُ وَالْوَلَاءُ يَوْمَ أَعْتَقْت فَلَمَّا أَعْتَقْت عَنْ نَفْسِك لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى أَجْرِك كَمَا لَا يَنْتَقِلُ أَجْرُ عَمَلِك غَيْرِ هَذَا إلَيَّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ الْوَلَاءُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا مَنْ أَعْتَقَ، وَلَا يَكُونُ لِمَنْ أَعْتَقَ إخْرَاجُهُ مِنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ الَّتِي يُحَوِّلُهَا النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَمْوَالِ مَنْ شَاءُوا قَالَ نَعَمْ قُلْت فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا.
[الْوَدِيعَةُ]
ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: إذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ وَأَرَادَ الْمُسْتَوْدِعُ سَفَرًا فَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ يَجْعَلُهَا عِنْدَهُ فَسَافَرَ بِهَا بِرًّا أَوْ بَحْرًا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ سَفَرًا فَجَعَلَ الْوَدِيعَةَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ إنْ دَفَنَهَا، وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا يَأْمَنُهُ عَلَى مَالِهِ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ إنْ دَفَنَهَا، وَلَمْ يَخْلُفْ فِي مَنْزِلِهِ أَحَدًا يَحْفَظُهُ فَهَلَكَتْ، ضَمِنَ
وَإِذَا أُودَعَ الرَّجُلُ الْوَدِيعَةَ فَتَعَدَّى فِيهَا فَلَمْ تَهْلِك حَتَّى أَخَذَهَا وَرَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الْأَمَانَةِ إلَى أَنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا ضَامِنًا لِلْمَالِ بِكُلِّ حَالٍّ حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ الْمُسْتَوْدِعُ أَمَانَةً مُسْتَقْبَلَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ تَكَارَى دَابَّةً إلَى بَلَدٍ فَتَعَدَّى بِهَا ذَاهِبًا، أَوْ جَائِيًا ثُمَّ رَدَّهَا سَالِمَةً إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَهُ فِي الْكِرَاءِ فَهَلَكَتْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْفَعَهَا كَانَ لَهَا ضَامِنًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا وَمَنْ صَارَ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يَدْفَعَ إلَى مَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ مَالَهُ
وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ دَابَّةً لِرَجُلٍ مِنْ حِرْزِهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى حِرْزِهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَلَا يَبْرَأُ مَنْ ضَمِنَ إلَّا بِدَفْعِ مَا ضَمِنَ إلَى مَالِكِهِ
وَلَوْ أَوْدَعَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَتَعَدَّى مِنْهَا فِي دِرْهَمٍ فَأَخْرَجَهُ فَأَنْفَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ ضَمِنَ الدِّرْهَمَ، وَلَا يَضْمَنُ التِّسْعَةَ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِالدِّرْهَمِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ بِالتِّسْعَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ ضَمِنَهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنْ كَانَ الدِّرْهَمُ الَّذِي أَخَذَهُ، ثُمَّ وَضَعَ غَيْرَهُ مَعْرُوفًا مِنْ الدَّرَاهِمِ ضَمِنَ الدِّرْهَمَ، وَلَمْ يَضْمَنْ التِّسْعَةَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ ضَمِنَ الْعَشَرَةَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الدَّابَّةَ فَأَمَرَهُ بِسَقْيِهَا وَعَلَفِهَا فَأَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ يَسْقِي دَوَابَّهُ وَيَعْلِفُهَا فَتَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ سَقَى دَوَابَّهُ فِي دَارِهِ فَبَعَثَ بِهَا خَارِجًا مِنْ دَارِهِ ضَمِنَ، قَالَ: وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الدَّابَّةَ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِسَقْيِهَا، وَلَا عَلَفِهَا، وَلَمْ يَنْهَهُ فَحَبَسَهَا الْمُسْتَوْدَعُ مُدَّةً إذَا أَتَتْ عَلَى مِثْلِهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ، وَلَمْ تَشْرَبْ تَلِفَتْ فَتَلِفَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَلِفَتْ فِي مُدَّةٍ قَدْ تُقِيمُ الدَّوَابُّ فِي مِثْلِهَا، وَلَا تَتْلَفُ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ مَنْ تَرَكَهَا.
وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ الدَّابَّةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا بِسَرْجٍ فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا تِبْنًا فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا حَدِيدًا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا حَدِيدًا فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا تِبْنًا بِوَزْنِهِ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَرِشُ عَلَيْهَا مِنْ التِّبْنِ مَا يَعُمُّ فَيَقْتُلُ وَيَجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَدِيدِ مَا يَلْهَدُ فيتلعى وَيَرْمِ فَيَقْتُلُ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَرْكَبُ بِسَرْجٍ فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا بِلَا سَرْجٍ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ مَعْرُوفًا أَنَّ السَّرْجَ أُوقَى لَهَا، وَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْقَى لَهَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَهَا خِفَّةً، وَلَوْ كَانَتْ دَابَّةً ضَئِيلَةً فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُطِيقُ حَمْلَهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا فَإِنَّمَا يُسَلِّطُهُ عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ تَحْمِلُهُ فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُهُ ضَمِنَ، وَإِذَا أَمَرَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا بِسَرْجٍ فَأَكْرَاهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا بِإِكَافٍ فَكَانَ الْإِكَافُ أَعُمَّ، أَوْ أَضُرُّ فِي حَالٍ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ أَوْ مِثْلَ السَّرْجِ لَمْ يَضْمَنْ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَأَرَادَ الْمُسْتَوْدِعُ السَّفَرَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ حَاضِرًا، أَوْ وَكِيلٌ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ حَتَّى يَرُدّهَا إلَيْهِ، أَوْ إلَى وَكِيلِهِ، أَوْ يَأْذَنَا لَهُ أَنْ يُودَعَهَا مِنْ رَأَى، فَإِنْ فَعَلَ
فَأُودَعَهَا مَنْ شَاءَ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ إذَا لَمْ يَأْذَنَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَأُودَعَهَا مَنْ يُودِعُ مَالَهُ مِمَّنْ يَكُونُ أُمَّيْنَا عَلَى ذَلِكَ فَهَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ، فَإِنْ أُودَعَهَا مِمَّنْ يُودِعُ مَالَهُ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ أَمَانَةٌ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُودِعُ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوْ حُرًّا، أَوْ عَبْدًا أَوْ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مَالَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مَالَ غَيْرِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِمَالِهِ غَيْرَ أَمِينٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِأَمَانَتِهِ غَيْرَ أَمِينٍ.
وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِمَالِهِ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْوَدِيعَةِ دُونَ مَالِهِ فَهَلَكَتْ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ الْوَدِيعَةِ أَمِينًا لَمْ يَضْمَنْ الْمَيِّتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ.
وَلَوْ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا فِي قَرْيَةٍ آهِلَةٍ فَانْتَقَلَ إلَى قَرْيَةٍ غَيْرِ آهِلَةٍ، أَوْ فِي عُمْرَانٍ مِنْ الْقَرْيَةِ فَانْتَقَلَ إلَى خَرَابٍ مِنْ الْقَرْيَةِ وَهَلَكَتْ ضَمِنَ فِي الْحَالَيْنِ، وَلَوْ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا فِي خَرَابٍ فَانْتَقَلَ إلَى عِمَارَةٍ، أَوْ فِي خَوْفٍ فَانْتَقَلَ إلَى مَوْضِعٍ آمِنٍ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَلَوْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَعَدَّى فَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ فَأَخْرَجَهَا إلَى مَوْضِعٍ أَحْرَزَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ.
وَذَلِكَ مِثْلُ النَّارِ تَغْشَاهُ وَالسَّيْلِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي السَّيْلِ، أَوْ النَّارِ فَقَالَ: الْمُسْتَوْدِعُ لَمْ يَكُنْ سَيْلٌ، وَلَا نَارٌ وَقَالَ: الْمُسْتَوْدَعُ قَدْ كَانَ فَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ ذَلِكَ بِعَيْنٍ تُرَى، أَوْ أَثَرٍ يَدُلُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدِعِ، وَمَتَى مَا قُلْت لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينَ إنْ شَاءَ الَّذِي يُخَالِفُهُ أَحْلَفَهُ
(قَالَ) : وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ: الْمُسْتَوْدِعُ دَفَعْتهَا إلَيْك وَقَالَ: الْمُسْتَوْدَعُ لَمْ تَدْفَعْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ قَالَ: أَمَرْتنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَى فُلَانٍ فَدَفَعْتهَا وَقَالَ الْمُسْتَوْدِعُ لَمْ آمُرْك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدِعِ وَعَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْبَيِّنَةُ.
وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَقَدْ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] فَالْأَوَّلُ إنَّمَا ادَّعَى دَفْعَهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ، وَالثَّانِي إنَّمَا ادَّعَى دَفْعَهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْتَوْدَعِ بِأَمْرِهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أُغْرِمَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَيْرُ الدَّافِعِ.
وَقَدْ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] وَقَالَ: عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] ، وَذَلِكَ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ إنَّمَا هُوَ وَصِيُّ أَبِيهِ، أَوْ وَصِيٌّ وَصَّاهُ الْحَاكِمُ لَيْسَ أَنَّ الْيَتِيمَ اسْتَوْدَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَمْرٌ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: لَمْ أَرْضَ أَمَانَةَ هَذَا، وَلَمْ أَسْتَوْدِعْهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَوْدِعِ كَانَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَبْرَأَ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ، فَإِذَا أَقَرَّ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ بِأَمْرِ الْمُسْتَوْدِع فَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ قَائِمَةً رَدَّهَا، وَإِنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا رَدَّ قِيمَتَهَا، فَإِنْ قَالَ هَلَكَتْ بِغَيْرِ اسْتِهْلَاكٍ، وَلَا تَعَدٍّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يَضْمَنُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الدَّافِعَ إلَيْهِ بَعْدُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ بِقَوْلِ رَبِّ الْوَدِيعَةِ،
قَالَ: وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْمَالَ فِي خَرِيطَةٍ فَحَوَّلَهَا إلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي حَوَّلَهَا إلَيْهَا حِرْزًا كَاَلَّتِي حَوَّلَهَا مِنْهَا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَكُونُ حِرْزًا ضَمِنَ إنْ هَلَكَتْ، وَإِنْ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ عَلَى أَنْ لَا يَرْقُدَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُقْفِلَهُ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَضَعَ عَلَيْهِ مَتَاعًا فَرَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ أَقْفَلَهُ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ مَتَاعًا فَسُرِقَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَوْدَعَهُ عَلَى أَنْ يَدْفِنَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْبَيْتِ، وَلَا يَبْنِيَ عَلَيْهِ فَوَضَعَهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَبَنَى عَلَيْهِ بُنْيَانًا بِلَا أَنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لَهَا مِنْ الْبَيْتِ فَسُرِقَتْ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَهَا بِالْبِنَاءِ حِرْزًا.
وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي بَيْتٍ، وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ فَأَدْخَلَهُ قَوْمًا فَسَرَقَهَا بَعْضُ الَّذِينَ دَخَلُوا، أَوْ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي سَرَقَهَا مِمَّنْ أُدْخِلَهَا فَعَلَيْهِ غُرْمُهَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي سَرَقَ لَمْ يَدْخُلْهُ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ
(قَالَ) : وَإِذَا سَأَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ: مَا اسْتَوْدَعْتنِي شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْت اسْتَوْدَعْتنِي فَهَلَكَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أَخْرُجَ نَفْسَهُ مِنْ الْأَمَانَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلَهُ إيَّاهَا فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَيْك ثُمَّ قَالَ:
بَعْدَ قَدْ ضَاعَتْ فِي يَدِي فَلَمْ أَدْفَعْهَا إلَيْك كَانَ ضَامِنًا، وَلَوْ قَالَ: مَا لَك عِنْدِي شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ كَانَ لَك عِنْدِي شَيْءٌ فَهَلَكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ
(قَالَ) : وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِهِ يُحْرَزُ فِيهِ مَالٌ وَيَرَى النَّاسُ مِثْلَهُ حِرْزًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ دَارِهِ أَحْرَزَ مِنْهُ فَهَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ وَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِهِ لَا يَرَاهُ النَّاسُ حِرْزًا، وَلَا يُحْرَزُ فِيهِ مِثْلُ الْوَدِيعَةِ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ.
وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ ذَهَبَا، أَوْ فِضَّةً فِي مَنْزِلِهِ عَلَى أَنْ لَا يَرْبِطَهَا فِي كُمِّهِ أَوْ بَعْضِ ثَوْبِهِ فَرَبَطَهَا فَخَرَجَ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَلَوْ كَانَ رَبَطَهَا فِي مَكَانِهِ لِيُحْرِزَهَا فَإِنْ كَانَ إحْرَازُهَا يُمْكِنُهُ فَتَرَكَهَا حَتَّى طَرَّتْ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنهُ بِغَلْقٍ لَمْ يَنْفَتِحُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ.
(قَالَ) : وَإِذْ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا خَارِجًا مِنْ مَنْزِلِهِ عَلَى أَنْ يُحْرِزَهَا فِي مَنْزِلِهِ وَعَلَى أَنْ لَا يَرْبِطَهَا فِي كُمِّهِ فَرَبَطَهَا فَضَاعَتْ فَإِنْ كَانَ رَبَطَهَا مِنْ كُمِّهِ فِيمَا بَيْنَ عَضُدِهِ وَجَنْبِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ رَبَطَهَا ظَاهِرَةً عَلَى عَضُدِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ ثِيَابِهِ شَيْئًا أَحْرَزَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَدْ يَجِدُ مِنْ ثِيَابِهِ مَا هُوَ أَحَرَزُ مِنْ إظْهَارِهَا عَلَى عَضُدِهِ، وَإِذَا اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يَرْبِطَهَا فِي كُمِّهِ فَأَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ فَانْفَلَتَتْ مِنْ يَدِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ كَرِهَهُ رَجُلٌ عَلَى أَخْذِهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَذَلِكَ أَنْ يَدَهُ أَحَرَزُ مِنْ كُمِّهِ مَا لَمْ يَجْنِ هُوَ فِي يَدِهِ شَيْئًا هَلَكَ بِهِ
(قَالَ) : وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ انْبَغَى لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَيَجْعَلَهَا دَيْنًا عَلَى الْمُسْتَوْدِعِ وَيُوَكِّلُ الْحَاكِمُ بِالنَّفَقَةِ مَنْ يَقْبِضُهَا مِنْهُ وَيُنْفِقُهَا غَيْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ أَمِينَ نَفْسِهِ، أَوْ يَبِيعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَلَا يُرْجَع عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ لَهُ دَابَّةً ضَالَّةً، أَوْ عَبْدًا آبِقًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَلَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
وَإِذَا خَافَ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ فَحَمَلَهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا يَرْجِعُ بِالْكِرَاءِ عَلَى رَبِّ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ
(قَالَ) :، وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الذَّهَبَ فَخَلَطَهَا مَعَ وَرِقٍ لَهُ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهَا يُنْقِصُهَا ضَمِنَ النُّقْصَانَ، وَلَا يَضْمَنُهَا لَوْ هَلَكَتْ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَطَهَا مَعَ ذَهَبٍ يَتَمَيَّزُ مِنْهَا فَهَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهَا تَمَيُّزًا بَيِّنًا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ.
وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَأَخَذَ مِنْهَا دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا، ثُمَّ رَدَّ مَكَانَهُ بَدَلَهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي رَدَّ مَكَانَهُ يَتَمَيَّزُ مِنْ دَنَانِيرِهِ وَدَرَاهِمِهِ فَضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ كُلُّهَا ضَمِنَ مَا تَسَلَّفَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَضَعَ بَدَلًا مِمَّا أَخَذَ لَا يَتَمَيَّزُ، وَلَا يُعْرَفُ فَتَلِفَتْ الدَّنَانِيرُ ضَمِنَهَا كُلَّهَا.
[قَسْمُ الْفَيْءِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَصْلُ قَسْمِ مَا يَقُومُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طُهُورًا لِأَهْلِ دِينِهِ، قَالَ: اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] الْآيَةَ فَكُلُّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي مَالٍ بِلَا جِنَايَةٍ جَنَاهَا هُوَ، وَلَا غَيْرُهُ مِمَّنْ يَعْقِلُ عَنْهُ، وَلَا شَيْءٍ لَزِمَهُ مِنْ كَفَّارَةٍ، وَلَا شَيْءٍ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ لِأَحَدٍ، وَلَا نَفَقَةٍ لَزِمَتْهُ لِوَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ، أَوْ مَمْلُوكٍ، أَوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذَا فَهُوَ صَدَقَةٌ طُهُور لَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا عَيْنِيِّهَا وَحَوْلِيِّهَا وَمَاشِيَتِهَا وَمَا وَجَبَ فِي مَالِ مُسْلِمٍ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الصَّدَقَةِ فِي كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَقَسْمُ هَذَا كُلِّهِ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةَ وَعَلَى الْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ إيتَاءُ وَاجِبَةٍ فِي كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ نَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَالضِّيَافَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا لَزِمَ بِالْجِنَايَاتِ وَالْإِقْرَارِ وَالْبُيُوعِ وَكُلُّ هَذَا خُرُوجٌ مِنْ دَيْنٍ، أَوْ تَأْدِيَةُ وَاجِبٍ، أَوْ نَافِلَةٍ يُوصَلُ فِيهَا الْأَجْرُ كُلُّ هَذَا مَوْضُوعٌ عَلَى وَجْهِهِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ فِي صِنْفِهِ الَّذِي هُوَ أَمْلِكُ بِهِ.
[قَسْمُ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَا أُخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ غَيْرِ ضِيَافَةِ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا كِلَاهُمَا مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي فِعْلِهِ فَأَحَدُهُمَا الْغَنِيمَةُ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي الْفَيْءُ، وَهُوَ مَقْسُومٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: 6] إلَى قَوْلِهِ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10] فَهَذَانِ الْمَالَانِ اللَّذَانِ خَوَّلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَنْ جَعَلَهُمَا لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ، وَهَذِهِ أَمْوَالٌ يَقُومُ بِهَا الْوُلَاةُ لَا يَسَعُهُمْ تَرْكُهَا وَعَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِيَافَةٌ، وَهَذَا صُلْحٌ صُولِحُوا عَلَيْهِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَهُوَ لِمَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَاصٌّ دُون الْعَامِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَارِجٌ مِنْ الْمَالَيْنِ وَعَلَى الْإِمَامِ إنْ امْتَنَعَ مَنْ صُولِحَ عَلَى الضِّيَافَةِ مِنْ الضِّيَافَةِ أَنْ يُلْزِمَهُ إيَّاهَا.
[جِمَاعُ سُنَنِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: 7] الْآيَةَ، وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: 6] الْآيَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ فِيهِمَا مَعًا الْخُمُسَ مِنْ جَمِيعِهِمَا لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي الْآيَتَيْنِ مَعًا سَوَاءٌ مُجْتَمَعِينَ غَيْرُ مُفْتَرِقِينَ.
قَالَ: ثُمَّ يُتَعَرَّفُ الْحُكْمُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمُسِ بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي فِعْلِهِ فَإِنَّهُ قَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ وَالْغَنِيمَةُ هِيَ الْمُوجَفُ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَالْفَيْءُ، وَهُوَ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ سَنَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُرَى عُرَيْنَةَ الَّتِي أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ يَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَخْتَصِمَانِ إلَيْهِ فِي أَمْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: عُمَرُ «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولَهُ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصًا دُونَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ فَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عِدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَلِيَهَا عُمَرُ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ سَأَلْتُمَانِي أَنْ أُوَلِّيكُمَاهَا فَوَلَّيْتكُمَاهَا عَلَى أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ وَلِيتهَا بِهِ فَجِئْتُمَانِي تَخْتَصِمَانِ أَتُرِيدَانِ أَنْ أَدْفَعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نِصْفًا أَتُرِيدَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ مَا قَضَيْت بِهِ بَيْنَكُمَا أَوَّلًا؟ فَلَا وَاَللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إلَيَّ أَكْفِكُمَاهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: لِي سُفْيَانُ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَلَكِنْ أَخْبَرَنِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قُلْت كَمَا قَصَصْت؟ قَالَ: نَعَمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الَّتِي يَذْكُرُ عُمَرُ فِيهَا مَا بَقِيَ فِي يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْخُمُسِ وَبَعْدَ أَشْيَاءَ قَدْ فَرَّقَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا بَيْنَ رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يُعْطِ مِنْهَا أَنْصَارِيًّا إلَّا رَجُلَيْنِ ذَكَرَا فَقْرًا، وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إنَّمَا حَكَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَهُوَ أَمْضَيَا مَا بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَجْهِ مَا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْمَلُ بِهِ فِيهَا وَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ
لَهُمَا مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْفَيْءِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُمَا كَانَا فِيهِ أُسْوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ سِيرَتُهُمَا وَسِيرَةُ مَنْ بَعْدَهُمَا، وَالْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَنَا عَلِمْته، وَلَمْ يَزَلْ يُحْفَظُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَفِيِّ الْغَنِيمَةِ، وَلَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ مِنْهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ مَضَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَزْوَاجِهِ وَغَيْرِهِنَّ لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: لِوَرَثَتِهِمْ تِلْكَ النَّفَقَةُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ النَّفَقَاتُ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْعَلُ فُضُولَ غَلَّاتِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فِيمَا فِيهِ صَلَاحٌ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ فَيْءٍ لَمْ يُوجَف عَلَيْهِ فَخُمُسُهُ حَيْثُ قَسَمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ سَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا وَصَفْت.
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْتَسِمَنَّ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا هِيَ جَارِيَةٌ بِقُوتٍ مِنْهُ عَلَى أَعْيَانِ أَهْلِهِ وَأَنَّ مَا فَضَلَ مِنْ نَفَقَتِهِمْ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَمَنْ وُقِفَتْ لَهُ نَفَقَةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْرُوثَةً عَنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْجِزْيَةُ مِنْ الْفَيْءِ وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ جَمِيعِ مَا أُخِذَ مِمَّا أُوجِفَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ أَنْ يُخَمَّسَ فَيَكُونَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخُمُسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ بِغَيْرِ إيجَافٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا أُخِذَ مِنْهُ إذَا اخْتَلَفَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَمِثْلُ مَا أُخِذَ مِنْهُ إذَا مَاتَ، وَلَا وَارِثَ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ.
، وَقَدْ كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فُتُوحٌ فِي غَيْرِ قُرَى عُرَيْنَةَ الَّتِي وَعَدَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ فَتْحِهَا فَأَمْضَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهَا لِمَنْ هِيَ، وَلَمْ يَحْبِسْ مِنْهَا مَا حَبَسَ مِنْ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ جِزْيَةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَهَجَرُ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيْءٌ مِنْ غَيْرِ قُرَى عُرَيْنَةَ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ فَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا يُمْضِيهَا حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يُمْضِي مَالَهُ وَأَوْفَى خُمُسَهُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ، فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ: غَيْرُ الشَّافِعِيِّ «قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَابِرٍ لَوْ جَاءَنِي مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَأَعْطَيْتُك هَكَذَا وَهَكَذَا» فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْتِهِ فَجَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَأَعْطَانِي.
[تَفْرِيقُ الْقَسْمِ فِيمَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْخَيْلُ وَالرِّكَابُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَغَنِمُوا أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ فَالسُّنَّةُ فِي قَسْمِهِ أَنْ يَقْسِمَهُ الْإِمَامُ مُعَجَّلًا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ آمِنِينَ لَا يَكُرُّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ فَلَا يُؤَخِّرْ قَسْمَهُ إذَا أَمْكَنَهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي غَنِمَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِلَادَ حَرْبٍ أَوْ كَانَ يَخَافُ كَرَّةَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ أَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ غَيْرَ رَافِقٍ بِالْمُسْلِمِينَ تَحَوَّلَ عَنْهُ إلَى أَرْفَقَ بِهِمْ مِنْهُ وَآمَنَ لَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ قَسَمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ بِلَادَ شِرْكٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ أَمْوَالَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَسَبْيَهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي غَنِمَهُ