مقدمة المصنف
يقول المصنف: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ أَهْلِ الْحَمْدِ وَمُسْتَحِقَّهِ، حَمْدًا يَفْضُلُ عَلَى كُلِّ حَمْدٍ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً قَائِمَةً لِلَّهِ بِحَقِّهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، غَيْرَ مُرْتَابٍ فِي صِدْقِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، مَا جَادَ سَحَابٌ بِوَدْقِهِ، وَمَا رَعَدَ بَعْدَ بَرْقِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَهَذَا كِتَابٌ فِي اَلْفِقْهِ اِخْتَصَرْتُهُ حَسَبَ اَلْإِمْكَانِ، وَاقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ؛ لِيَكُونَ عُمْدَةً لِقَارِئِهِ، فَلَا يَلْتَبِسَ اَلصَّوَابُ عَلَيْهِ بِاخْتِلَافِ اَلْوُجُوهِ وَالرِّوَايَاتِ.
سَأَلَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي تَلْخِيصَهُ؛ لِيَقْرُبَ عَلَى اَلْمُتَعَلِّمِينَ، وَيُسَهِّلَ اَلْحِفْظَ عَلَى اَلطَّالِبِينَ، فَأَجَبْتُهُ لِذَلِكَ مُعْتَمِدًا عَلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي إِخْلَاصِ اَلْقَصْدِ لِوَجْهِهِ اَلْكَرِيمِ، وَالْمَعُونَةِ عَلَى اَلْوُصُولِ إِلَى رِضْوَانِهِ اَلْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ.
وَأَوْدَعْتُهُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً تَبَرُّكًا بِهَا وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا، وَجَعَلْتُهَا مِنَ اَلصِّحَاحِ لِأَسْتَغْنِيَ عَنْ نِسْبَتِهَا إِلَيْهَا)).
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، درس الفقه فيه طول، ولهذا حتى ما استطعنا استيعاب المقدمات في المجلس السابق، فاتني أمر كثير، يعني فاتني التعريف بالمصنف، حتى إنني غلطت باسمه في السابق في المجلس السابق، وطبعاً ابن قدامة يرجع بنسبه إلى... ابن الجوزي يرجع إلى أبي بكر الصديق.
وقبل الشروع ننبه على مسألة، مسألة تقسيم الدين إلى "أصول وفروع"؛ هذه مسألة ضرورية دقيقة قبل الشروع، وإن كانت ستأخذ منا وقتاً على حساب الدرس وعلى حساب المسائل، غير أن هناك مسألتين ننبه عليهما باختصار قدر المستطاع:
المسألة الأولى: تقسيم الدين إلى أصول وفروع
اشتهر عند كثير من الناس أن شيخ الإسلام رحمه الله ينتقد هذا التقسيم (تقسيم الدين إلى أصول وفروع)، وتابعه على ذلك جماعة من أساطين أهل العلم في عصرنا كالشيخ ابن عثيمين والشيخ ناصر رحمهما الله.
والسبب في ذلك قالوا: "كيف تجعلون الصلاة فروعاً؟" مثلا.
كلام شيخ الإسلام المتأمل فيه والناظر فيه أنه جاء يعقب على كلام بعض المتكلمين الذين يقولون: "الأصول لا يُعذر فيها، والفروع يُعذر فيها"، فقال الشيخ رحمه الله: "إن هذه القسمة لا دليل عليها"؛ لِمَ؟ لأن الظهور والخفاء لا يتعلق بكون المسألة غيبية أو عملية.
فعلى سبيل المثال: مشروعية الصلاة، هذه مسألة من "الفروع"، ومشروعية قطع يد السارق، ووضع النصاب لقطع يد السارق، ومشروعية الوتر، وعدم التوارث بين المسلم والكافر؛ هذه كلها مسائل واضحة جداً وعامتها انعقد عليها إجماع، ومَن خالف فيها فهو كافر؛ مَن خالف فيها بعد معرفته بالإجماع وبالأدلة يكفر -بارك الله فيك-.
بيد أن هناك بعض المسائل التي تسمى أو تصنف في مسائل "الأصول" فيها أخذ ورد، مثلاً: إثبات بعض الأسماء الحسنى لله عز وجل في بحث الاشتقاق، أو في بحث بعض الأسماء التي صح فيها الدليل أو لم يصح؛ يأتي شخصان مختلفان: هل ثبت لله اسم (الهادي) أم لم يثبت؟ غير أن هذا الخلاف لا يمكن قبل بلوغ الحجة أو... بعض الخلافيات مثلاً الخلاف في الاشتقاق لا يمكن أن يُبنى عليه تضليل؛ فهذا الذي أراده الشيخ رحمه الله.
ثم إنك إذا نظرت في كتب العقيدة وجدتهم يلحقون بعض المسائل التي مكانها في الفروع بمسائل العقيدة؛ كالمسح على الخفين، والصلاة خلف كل بر وفاجر، وصلاة الجمعة معهم، وغير ذلك؛ يلحقونها مع أن الذي يفهمه المتكلمون أن مسائل العقيدة خاصة بالغيبيات، لماذا؟ لأنها صارت علامة فارقة بين أهل السنة وأهل البدعة.
بل اقرأ "شرح السنة" للبربهاري، تراه يذكر يقول: "ونرى أنه لا نكاح إلا بولي"؛ يريد الرد على من؟ يريد الرد على أهل الرأي، فجعلها عقيدة الآن! يعني هذه علامة فارقة بيننا وبينهم؛ هذا الذي أراده الشيخ رحمه الله.
فالمسائل في الحقيقة إذا قسمنا "أصولاً وفروعاً"، فالمسائل الخفية نجعلها فروعا، والمسائل الواضحة الجلية التي اتضحت أدلتها هذه تسمى أصولا إذا قسمنا.
المسألة الثانية: في تحرير مصطلح "جمهور أهل العلم"
في العادة كثيراً ما تسمع: "جمهور أهل العلم يرون كذا"، ثم هم يذكرون الأربعة فقط، والحق أن أهل العلم كانوا أكثر من ذلك.
فمثلاً مالك كان له قرين وهو الليث بن سعد، وقد جُمعت هذه الأيام "اختيارات الليث بن سعد".
وأبو حنيفة كان هناك رجل أعلم منه وأعلى منه وأجل منه وهو سفيان الثوري في وقته، وهناك الصحابة.
فقولنا: "جمهور أهل العلم" ثم نأتي باثنين من الأربعة أو ثلاثة، هذا خطأ شائع، ينبغي أن تُعاد صياغة كثير من الأبحاث العلمية بهذا الاعتبار.
فإذا نظرت في فقهاء أهل الحديث كابن المنذر وابن عبد البر وغيرهم، لا يقتصرون على ذكر الأربعة.
الآن مثلاً؛ مسألة التسوية في العطية بين الأبناء: يأتي الحنفي يقول: "الجمهور معنا، لا يلزم التسوية في العطية بين الأبناء"، لكنك إذا نظرت إلى مذاهب الصحابة والتابعين وجدت عامتهم مطبقين على أن التسوية واجبة.
لكنهم ماذا ينظرون؟ قال أبو حنيفة، قال مالك، رواية في مذهب كذا.. صاروا هم الجمهور؟ لا، هذا خطأ.
مثلاً نحن نعتد بأبي حنيفة ولا نعتد بإسحاق بن راهويه مثلاً، والحميدي، ولا نعتد حتى بالصحابة؟ هذا غلط.
فإذا قلنا "الجمهور" ينبغي أن يكون جمهور أهل العلم حقاً.
أما أن يُحصر الأمر في أربعة -منهم رجل غيره أحفظ منه وغيره أعلم منه وقيل فيه كلام كثير- نذكره ونعتد به، ثم لا نعتد بإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور -بارك الله فيك- والبخاري؟
كان شيخ الإسلام يقول: "البخاري إمام مجتهد مطلق"، يجري على الاجتهاد المطلق.
كذلك الليث بن سعد؛ حتى الإمام أحمد كما ذُكر في "طبقات الحنابلة" كان يتعجب، قال: "عجبت لأهل الحديث يكون في المسألة عن طاوس والحسن ويذهبون إلى أهل الرأي!".
فنحن لهذا -إن شاء الله- نجري على عدم هذا التوسع في "دعوى الجمهورية" في المسائل؛ كل مسألة "قال الجمهور: كذا"، ثم أنت إذا حققت وبحثت لم تجد الجمهور.
وبعض العلماء يقولون: "عامة أهل العلم" ويقصدون عامة الأربعة، ونحن ننظر إلى القرون الثلاثة الفاضلة، أما ما جاء بعد فالله المستعان، الأزمنة اختلفت.
وقد قال شيخ الإسلام كما في "القواعد النورانية" -قرأناها بالأمس- كلمته قال: "عامة المتفقهة والمتصوفة من المتأخرين يغلب عليهم الشهوة والشبهة"، والمقلد لا يعتد به في خلاف ولا وفاق، رأيتم بارك الله فيكم؟
أما مقدمة المصنف فلن نطيل بها كثيراً، ولكن هو التنبيه على بعض الأمور:
هو يلقب بـ "الموفق"، وشيخ الإسلام كان يلقب بـ "تقي الدين"، وهذه الألقاب ما كانت من هدي السلف؛ شيخ الإسلام رحمه الله في "منهاج السنة" انتقد العباسيين على تلك الألقاب التي كانوا يلقبون بها: كالمعتضد -رأيت بارك الله فيك-، وقال: "إن بني أمية أحسن منهم في هذا الباب؛ كانوا يتسمون بأسمائهم".
وهذا أمرٌ غيرُه أولى منه، لا أعرف أحداً أنكره من أهل العلم في ذلك العصر، لكن نقول: غيره أولى منه.
وهناك ألقاب منكرة أصلاً مثل "محيي الدين"؛ فالنووي كان يغضب من أن يقال عنه "محيي الدين" وإلى هذا اليوم يقال "محيي الدين" وهو كان يغضب.
وأيضاً لقب بها ابن عربي الزنديق الكافر، لُقب بـ "محيي الدين" وما أدري هو أي دين أحياه؟!
يقول المصنف رحمه الله: ((فَهَذَا كِتَابٌ فِي اَلْفِقْهِ اِخْتَصَرْتُهُ حَسَبَ اَلْإِمْكَانِ، وَاقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ؛ لِيَكُونَ عُمْدَةً لِقَارِئِهِ)).
ابن قدامة في الحقيقة لم يكن حنبلياً متعصبا، بل كان رجلا يجري على الاجتهاد، واقرأ كتابه المغني؛ ابن قدامة ألف كتبا أربعة ألف "عمدة الفقه" للمبتدئين، و"المقنع" للمتوسطين، و"الكافي" ليكون كفاية وكذا، و"المغني" سار فيه على طريقة الاجتهاد المطلق، واختار اختيارات خالف فيها المذهب جمع فيها بعض الدكاترة.
وبهذا يمدحه الصرمري يقول:
"وفي عصرنا كان الموفَّقُ حُجَّةً ... على فقهه الثَّبت الأصول معوَّل
كفى الخلق بالكافي، وأقنع طالباً ... بمقنع فقه عن كتاب مطوَّل
وأغنى بمغني الفقه مَنْ كان طالباً ... وعمدته من يعتمدها يحصِّل
وروضته ذات الأصول كروضة ... أماست بها الأزهار أنفاس شمأل"
البيت الأخير أجملها من الناحية الشعرية.
يقول عن "روضة الناظر... وهنا تنبيه يتعلق بـ "روضة الناظر"، كتاب ابن قدامة في الأصول؛ يقولون ابن قدامة أخذه من "المستصفى" للغزالي، نعم هو أخذه وحاول حنبلة المستصفى لكنه ما سرقه، بل جمع بعض الباحثين -يعني ولم أقف على الرسالة لكني فرحت بها- "مخالفات ابن قدامة للغزالي في الأصول".
وبعض الناس تكلم كلاماً كأنه يوحي أن ابن قدامة سرق الغزالي، لا؛ هو أخذ الترتيب، وأمر الترتيب هذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول إن قول الشافعي الذي ينسب له: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة" وهي الصواب: "على أهل العراق"- قال: "في تفريع المسائل لا في معرفة الدلائل"؛ لأنهم ألفوا ورتبوا، فالناس حذوا ترتيبهم وقد خالفوهم، لكن الترتيب هذا الفقهي الذي نراه اليوم في هذه المصنفات أول من سار عليه أهل الرأي، وأما أهل الحديث فكان لهم طريقة أخرى.
نعم، قال إنه أودعها أحاديث صحاحاً، وسيأتي معنا في باب قضاء الحاجة الحديث الضعيف وكذا، فالإمام رحمه الله -يعني- ما وفى بهذا الشرط.