باب قضاء الحاجة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف: ((باب قضاء الحاجة: يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم)).
طيب، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
اليوم ندخل في باب قضاء الحاجة، ويعبر عنه بعض الفقهاء بـ "آداب الاستطابة".
يقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: ((يستحب لمن أراد دخول الخلاء))؛ والخلاء هو المكان الذي تقضى فيه الحاجة، يسمونه اليوم "الحمام"، والحمام آنذاك كان المكان الذي يُستحم به ولا يقضون حاجتهم في المكان الذي يستحمون به كما يُفعل اليوم، فهذا الحكم الآن في المكان الذي يقضى فيه الحاجة، ليتنبه لهذا.
ويحسن بحث: هل يستحب هذا الذكر عند دخول الحمام؟ هذا يعني يحسن بحث هذه المسألة.
يقول: ((يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول بسم الله)) وردت أحاديث في التسمية عند دخول الخلاء، ذكر الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" أنها لا يصح منها حديث، وهذا هو الصواب كما حققناه قديماً.
((أعوذ بالله من الخبث والخبائث))؛ بعضهم يسكنها (يسكن الباء الموحدة التحتانية) وبعضهم يحركها، والذي حركها قال: "الخُبُث: ذكران الشياطين، والخبائث: إناثهم"، ومن سكنها قال: "الخُبْث: الشر، والخبائث: الشياطين عموماً"، والمعنيان متقاربان.
من أحاديث التسمية حديث علي -أريد أن أذكر لفظه تنبيهاً-: «ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله»، وهذا الخبر ضعفه الترمذي لما خرجه، غير أنه ذكر جماعة كابن المنذر والنووي وغيرهم الإجماع على استحباب التسمية عند دخول الخلاء، والاجماع صحيح؛ فقائلون به وإن لم يصح الخبر.
والبخاري لما لم يصح حديث على شرطه في مسألة التسمية عند الوضوء، استدل بحديث -وهذا استدلال لطيف- استدل بحديث: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»، فقاسها قياساً، فيصلح هذا القياس هنا.
((ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم))؛ هذا اللفظ ضعيف، رواه ابن أبي شيبة من حديث أنس وهو ضعيف، واللفظ الثابت: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».
نعم.
((وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)).
أما ((غفرانك))؛ فوردت في حديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وجماعة، وقالوا إن أبا حاتم صححه.
وفي سنده راوٍ أظن أن اسمه يوسف بن أبي بردة، لم يوثقه معتبر، وأبو حاتم قال في حديثه: "أصح شيء في الباب هذا الحديث"، فقال الحافظ ابن حجر: "إن أبا حاتم صححه"، وفي الحقيقة يتعقب على الحافظ هذا؛ لأن كلمة "أصح" لا تعني التصحيح كما نبه عليه النووي وغيره.
غير أن الحديث ما وجدت أحداً من أهل العلم يضعفه، وإن كان الشيخ مقبل كان يميل إلى تضعيفه؛ لأن هذا الراوي عنده في حكم مجهول الحال، والذي وثقه العجلي وابن حبان وهو يعتبرهما من المتساهلين.
أما حديث ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني))؛ فهذا له طرق حسنه بعضهم بها، والصواب ضعفه؛ قد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله وعدد من أهل العلم كالعيني وابن حجر وغيرهم.
نعم.
((ويقدم رجله اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج)).
نعم، تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء لا يوجد فيها دليل مرفوع ثابت ولا موقوف، إنما ذاك في المسجد (تقديم الرجل اليمنى)، غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح عمدة الفقه" ادعى الإجماع على أن هذا هو الأفضل، ولعلهم قاسوا قياس العكس، وكذلك النووي ادعي الإجماع، وما رأيت أحداً تعقبهم.
فدعوى -يعني- بعض إخواننا أن هذا بدعة لا يستقيم، وما ينبغي -يعني- أن يشذ عن إجماع الأمة الذي نقله جماعة من أهل العلم المحققين وما تعقبهم أحد.
وهذه مسألة كما يقال حيوية تعرض للمرء كل يوم، فلو كان أحد من الفقهاء كره الدخول برجل يسرى أو اعتبره بدعة لاشتهر قوله على الأقل؛ لأنه خالف الجمهور، وتعلمون أن المقالات التي يخالف فيها بعض الناس الجمهور تشتهر.
والواقع أننا نرى أن أهل العلم المحققين ما اختلفوا في استحباب هذا الفعل وهو تقديم الرجل اليسرى للخلاء.
وهذا يسمى في علم أصول الفقه بـ "قياس العكس"؛ يضربون له مثلاً: الآن قد نهي عن الخمر والميسر لأنهما يوقعان العداوة والبغضاء، أليس كذلك؟ هذه علة، اعكس؛ يقال إن كل ما يوقع المودة والألفة بين أهل الإيمان مستحب أو واجب بحسبه.
مثلاً نُهي عن المسكر الذي يذهب العقل، فأخذوا منه بقياس العكس استحباب كل شيء يقوي العقل ويقوي الذاكرة، وإن كان -يعني- أن كثرة النسيان ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن نسيان الحقائق الدينية من الشيطان: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].
نعم.
((ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا من حاجة)).
ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا من حاجة؛ قد كره هذا جماعة من الفقهاء، واختلفوا في كراهيته أو حرمته، والأقرب الكراهة لعدم قيام الدليل القوي على الحرمة.
فأقوى ما استدل به أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له خاتم منقوش عليه اسمه وكان يلقيه إذا دخل الخلاء، وهذا خبر منكر استنكره أبو داود رحمه الله تعالى وضعفه عدد من أهل العلم.
وهنا مسألة: إذا كان الإنسان في حال الخلاء هل يرد السلام؟ هل يُشمت العاطس؟ ورد في حديث في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من ذلك في حال كونه يتخلى، لهذا كرهوه قال: «إني كرهت أن أذكر الله على هذه الحال».
وهل يجيب المؤذن؟ مال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه في الأذكار التي فيها مخافتة في السر يذكر في حال الخلاء.
وهنا حادثة طريفة بل هي -يعني- ما يعلي الهمة، لجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عبد السلام، ووالده عبد الحليم، تعلمون كانوا أسرة علمية مباركة؛ فكان عبد الحليم يقرأ على والده عبد السلام، فذهب عبد السلام إلى الخلاء فقال لابنه عبد الحليم: "ارفع صوتك في القراءة حتى أسمع وأستفيد حتى وأنا في الخلاء"، وهذه -يعني سبحان الله- من علو الهمة.
نعم.
وبعض أهل العلم رأوا أنه لا يكره لحديث: «كان يذكر الله على كل أحيانه»، فالذكر النفسي هذا دليل ابن تيمية في قضية إجابة الأذان فقالوا: «على كل أحيانه».
((ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى، وإن كان في الفضاء أبعد واستتر، وارتاد لبوله موضعاً رخواً)).
طيب، ((يعتمد على رجله اليسرى))؛ احتجوا على هذا الأمر بحديث سراقة بن مالك الذي رواه ابن أبي شيبة وابن منيع في مسنديهما وفي سنده جهالة، غير أن أئمتنا يعللون أن هذا الأمر أيسر وأروح وهذا من جهة المعنى.
نعم الإنسان يجلس الجلسة المريحة، وقد أخبروني أن بعض الدكاترة يقول إن الحمامات الإفرنجية هذه -يعني- جلستها ليست مريحة وليست صحية، والأفضل الحمامات العربية التي نعتمدها عادة؛ فلهذا -يعني- إن صح هذا قلنا باستحباب الحمامات العربية تخريجاً، وكراهية الحمامات الإفرنجية.
((وإن كان في الفضاء أبعد واستتر)) وإن كان في الفضاء أبعد واستتر؛ هذا في حال الغائط فقط، قد ورد في حديث المغيرة بن شعبه في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الخلاء أبعد المذهب.
طيب لماذا قلنا إن هذا خاص بالغائط؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة في صحيح مسلم بال في سباطة قومه وكان حذيفة قريباً منه، بل لما أراد أن يبتعد أرجعه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جهة المعنى هذا واضح؛ أمر الغائط ليس كأمر التبول، هذا أمر واضح.
((وارتاد لبوله موضعاً رخواً))؛ لئلا يرتد عليه، وقد ورد في الخبر خبر ابن عباس في الرجلين اللذين يعذبان وما يعذبان بكبير: «أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله»، والإنسان الذي لا يستنزه من بوله ويقع البول على ثيابه يصلي وعليه نجاسة فتفسد صلاته اتفاقاً؛ فالموضع الرخو يتخذ لئلا يرتد عليه البول.
غير أن الأمر ما ينبغي أن يحدث وسوسة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انضح فرجك بالماء ولا يضرك ما وجدت بعد ذلك».
ابن القيم في "إغاثة اللهفان" ذكر أن لبعض الفقهاء تفصيلات أدخلت الناس في الوسوسة، ومن شك رش على ثيابه شيئاً.
وقد ورد حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً»، وهذا الحديث وإن كان في سنده جهالة إلا أنه يعده النظر صحيحاً.
نعم.
((ولا يبولن في ثقب ولا شق ولا طريق ولا ظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة)).
نعم، ((ولا يبولن في ثقب ولا شق))؛ والدليل على ذلك حديث قتادة عن عبد الله بن سرجس: «نهى أن يبال في الجحر»، قالوا لقتادة: "ما يكره من البول في الجحر؟" -يعني ما السبب؟- قال: "كان يقال إنها مساكن الجن".
وهذا الحديث بعضهم ضعفه من أجل عنعنة قتادة، والحق أن عنعنته لا تكون علة.
وطعنوا في سماعه من عبد الله بن سرجس لأن أحمداً تكلم في سماعه من عبد الله بن سرجس، ولكن لأحمد عنه رواية أخرى يصحح سماعه من عبد الله بن سرجس، وقتادة سمع اثنين من الصحابة هما أنس وعبد الله بن سرجس، وزاد ابن المديني ثالثاً وهو أبو الطفيل.
نعم.
((ولا يبولن في ثقب ولا شق ولا طريق ولا ظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة)).
نعم، ((ولا يجوز))؛ لحديث أبي هريرة: «اتقوا اللعانين»، قالوا: "وما اللعانان يا رسول الله؟"، قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم».
ولأنه إذا تخلى في الظل؛ الظل الناس يجلسون فيه، والطريق يأتونه، فيفسد عليهم وينتنه عليهم، ولهذا كل ما كان فيه أذية للعامة -ولو من بعيد- ينبغي أن يُجتنب.
وهذا الحديث يعضده بحث "سد الذريعة" المعروف؛ لأنك إذا تبولت في هذه الأماكن، أو قضيت حاجتك في هذه الأماكن، ربما وطئها إنسان وربما وربما.. وأمر سد الذريعة يعجب المرء أشد العجب ممن ينكره وقد دلت الشريعة بعمومها عليه وفي جميع أبوابها، بل في أول قصة في القرآن، قصة آدم وحواء، قال: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، لم يقل "لا تأكلا" قال قال: {وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ} سداً للذريعة؛ ابتعدا أصالة.
نعم، وورد خبر: «اتقوا الملاعن الثلاث»، عند أبي داود، وفي سنده كلام.
نعم، ((ولا تحت شجرة))؛ نعم هذا يقاس على ذاك، وقد حكى النووي الاتفاق في "المجموع" على كراهية هذا الفعل، ثم قال: "وإنما لم يقولوا بتحريم ذلك لأن تنجس الثمار به غير متيقن".
فالنووي يدعي أن النهي عن التخلي تحت شجرة مثمرة منهي عنه بالاتفاق كراهة تنزيهية ليس تحريماً.
والنووي لا يعتد بخلاف الظاهرية، فلعلنا ننظر، وإن كان الظاهرية لا يصح عندهم حديث ولا يقيسون فلا أظنهم سيوافقون معنا على هذا الأمر.
وجماعة من المزارعين -وهذه فائدة- يستحبون لأصحابهم أن يتخلوا في بساتينهم قبل أن تثمر؛ لماذا؟ لأن العذرة هذه أسمدة.
وهناك خلاف بين الفقهاء: هل يجوز استخدام عذرة الآدمي كأسمدة؟ فمذهب الحنابلة النهي، يستدلون بأثر عن ابن عباس وفيه ضعف، والبقية أجازوا، وهذا اختاره ابن عقيل من الأصحاب، وقالوا: "لأن أصلاً هذه النجاسة تستحيل (تتحول) فلا تبقى نجسة"، وقالوا: ورد عن جابر أنه كان يفعل هذا، وهذا أقرب.
نعم.
((ولا يستقبل شمساً ولا قمراً، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)).
((ولا يستقبل شمساً ولا قمراً))؛ ورد حديث في هذا واعتمده المصنف وهو حديث ضعيف بل منكر، ولا أعرف رواية عن الإمام أحمد -حقيقة- ينص فيها على هذا الأمر، فلعلها من اجتهادات المتأخرين وإلا فالمنهي عن استقبال القبلة واستدبارها، نعم.
((لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها»)) طيب، هذا بحث كبير مشهور في مسألة استقبال القبلة بغائط أو بول واستدبارهما.
هذا النهي، وأبو أيوب (راوي الحديث) فهم أنه يشمل حتى البنيان؛ لأنه قال: "لما ذهبنا إلى الشام وجدنا مراحيض قد بنيت"، فهو نفسه كان ينحرف، ففهم أنها حتى في البنيان.
وعضد القائلون أنه حتى في البنيان، أنه قد نهي أن يفعل تجاه القبلة ما هو أسهل من أمر البول والغائط؛ الذي هو البصاق في القبلة.
وغيرهم قالوا: "لا، نخصصه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم"، إذ إنه استدبر القبلة كما رآه ابن عمر يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة.
وأما استقبال القبلة في هذه الحال؛ فورد من حديث جابر، وورد خبر عن ابن عمر أنه أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقيل: "يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟"، فقال: "بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإن كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس".
غير أن هذا الأثر في سنده الحسن بن ذكوان وهو ضعيف اتفاقاً وذكروا عنه تدليساً، فلا يطمئن القلب حقيقة إلى تمشية خبره هذا عن ابن عمر.
يعني ولا غرو، هذه المسألة من المسائل التي فيها بحث طويل.
غير أن هناك مسألة قل من يذكرها، وهي مسألة استقبال القبلة واستدبارها عند الاستنجاء أو الاستجمار؛ الآن في حال فعل الحاجة علمنا أنه قد نهي عن هذا، وهناك بحث: هل هذا النهي للكراهة أم للتحريم؟ هل هو خاص في البنيان؟ بحث معروف.
لكن الآن الاستنجاء أو الاستجمار؛ المشهور عندنا في المذهب أنهم يكرهون هذا تكريماً للقبلة وقياساً على حال فعل التغوط أو التبول.
وقد صحح الشيخ الألباني حديثاً في "معجم الطبراني الكبير" -وفي القلب منه شيء إذا انفرد به- قد حسنه رحمه الله وهو: «أنه من انحرف عن القبلة في حال التغوط كتبت له حسنة ومحيت عنه خطيئة»، هذا الحديث حسنه الشيخ وفيه انفراد غريب والله المستعان.
نعم.
((ويجوز ذلك في البنيان.
فإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى رأسه)).
طبعاً ابن قدامة اعتمد مذهب ابن عمر؛ ((من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينتره ثلاثاً)).
هذا النتر ثلاثاً الأحاديث فيه ضعيفة ولا يلزم، وقد تكلم ابن القيم في "إغاثة اللهفان" أن بعض كلمات الفقهاء هذه أحدثت وسوسة عند العامة؛ فبعضهم يستحب أن تقفز حتى تتأكد، والأهون من هذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «انضح فرجك بالماء» فقط، وانهِ الأمر وانهِ الموضوع.
((ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بها)).
نعم، هذا حديث متفق عليه: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه»؛ وهذا لتكريم اليمين، ومر معنا في دروس مسلم.
نعم.
((ثم يستجمر وتراً)).
الاستجمار: وهو إزالة الخارج من السبيل بالأحجار أو ما يقوم مقامها، والاستجمار مجمع على مشروعيته، مع أن الاستنجاء أفضل منه.
واختلف في الاستنجاء لأن بعض السلف كان يرى أن الاستنجاء خاص للنساء، هذا وارد عن جماعة من التابعين، والاستجمار هذا للرجال.
نعم، يستجمر وتراً؛ هذا مستحب، وبعض الناس رأوا وجوبه، ولكن يُصرف عن الوجوب بأن المعنى المقصود من هذا الفعل هو إزالة النجاسة.
((ولا يستجمر بأقل من ثلاث))؛ مر معنا حديث سلمان، وذكرنا أن الحجر إذا كان مدبباً له ثلاثة جوانب يقوم مقام ثلاثة أحجار.
رأيت بعض المصنفين في الفقه -وهو عبد الكريم النملة على كلام أخونا عبد الله- يقول: "الاستجمار هذا رخصة، إذا وجد الماء لا يفعل"، هذا خلاف الإجماع؛ بل مجمع على أنه يفعل نعم.
والاستنجاء خير منه، {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]، ورد الخبر؛ غير أن الوارد أنهم اقتدوا باليهود في ذلك ضعيف، ضعفه الشيخ ربيع في تعليقه على "فتح المجيد" وكتبنا فيه بحثاً.
قال: ((ثم يستنجي بالماء)).
إذاً ابن قدامة يرى الجمع بين الاستجمار والاستنجاء، وهذا قال به جماعة من الفقهاء.
وبعضهم فضل الاستجمار على الاستنجاء من جهة أنه أنقى لليد -هم ما كان عندهم هذا الماء الذي يدفق دفقاً- فقال: "هذا أنقى لليد أفضل".
فبعضهم قال لكي نجمع بين فضيلة الاستنجاء وفضيلة الاستجمار يستجمر أولاً، والأثر الباقي يستنجي له.
رأى بعض المعاصرين أن هذا بدعة، لكني ما رأيت متقدماً نص على بدعية الجمع بين الاستنجاء والاستجمار.
رأيت هذا يفعله بعض الناس اليوم يجمع بين الأمرين، والمناديل الورقية الموجودة الآن تحل محل الأحجار ما في إشكال، المناديل الورقية الموجودة الآن يعني هذه مسألة عصرية.
((فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه إذا لم تتعدَّ النجاسة موضع العادة)).
أيوة، يرون أن الاستجمار يجزي في حال إذا كان الخارج لم يتعدَّ موضع العادة.
السلف كان أكلهم قليلاً ليس الحال كحالنا؛ عبد الله بن عمر جاؤوا له بـ "جوارش"، قال: "ما جوارش؟"، قالوا: "هذا شيء يساعد على الهضم"، قال: "إني لم أشبع منذ شهر" أو كذا "فما أحتاج لهذا".
أما اليوم فهذه المسألة حيوية؛ إذا تعدى هذا الموضع (موضع العادة) -يعني وصل إلى حلقة الدبر، كان الخارج كثيراً- فهذا يقولون لا ينقيه إلا الماء، الاستجمار ما ينفعك في هذه الحالة، المناديل الورقية الموجودة الآن لا تفي بالغرض.
نعم.
((ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات منقية)).
هذا حديث سلمان قال: «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم».
نعم.
((ويجوز الاستجمار بكل طاهر إلا الروث والعظام وما له حرمة)).
نعم، قالوا كجثة المسلم.
الأحجار والتراب والمناديل، هذه كلها يجوز الاستجمار بها.
وقالوا ما له حرمة؛ قالوا يعني جسم الإنسان المسلم لا يجوز الاستجمار به.
واختلفوا في الاستجمار بكتب أهل العلم؛ فبعضهم قال -يعني ذكر علي الملا قاري وغيره- قال: "كتب الكلام وكتب الفلسفة يستجمر بها"، وأما كتب العلم التي فيها ذكر الله فلا.
وأما المالكية فقالوا: "لا يستجمر بأي شيء كُتب بالعربية"؛ لأن العربية عندهم لغة مقدسة، يقولون هي في نفسها كانت قرآناً أنزل على هود، وفي الحقيقة هذا التعليل لا دليل عليه؛ لهذا يجوز الاستجمار بكتب الفلسفة وكتب الكلام والروايات لا إشكال إذا لم يكن فيها ذكر الله.
انتهينا -يا سلام!- هذا وصلي اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.