أهل الأثرالأرشيف العلمي

المجلس الحادي عشر: تكملة باب الحيض وباب النفاس

قيد المراجعة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، ندخل في كتاب "عمدة الفقه" ولا زلنا في باب الحيض.

((يقول المصنف: والمبتدأة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله جلست)).

المبتدأة يعني التي يأتيها الحيض لأول مرة في حياتها؛ قال: إذا رأت الحيض لوقت تحيض في مثله جلست، أي عملت ما تعمله الحائض من ترك الصلاة والصيام وإتيان الزوج وقراءة القرآن وما سواها.

وذكرنا في المجلس السابق الخلاف في "أقل الحيض"، ويفيدنا الآن في بحث المبتدأة: امرأة رأت الحيض لأقل من يوم وليلة؛ تعتبره حيضاً أم دم فساد؟ -وهي مبتدأة- يعني: تعتبر نفسها حائضاً بمجرد رؤية الدم أم تنتظر حتى تكمل يوم وليلة ثم تدخل في أحكام الحائض؟ على مذهب الحنابلة: [تنتظر] حتى تكمل يوم وليلة ثم تدخل في أحكام الحائض؛ لماذا؟ لأن أقل الحيض عندهم يوم وليلة.
وعلى مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: بمجرد رؤية الدم؛ لأن عندهم أقل الحيض لا حد له، فلو دفعت دفعة واحدة هكذا ثم [انقطع الدم] انتهى الأمر تعتبر نفسها حائضاً، وتعتد بهذه الحيضة إن كانت مطلقة أو كانت أمة يراد استبراؤها.

((فإن انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض)).

نعم، بناءً على مذهبهم (الحنابلة).
ولكن قلنا إن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب مالك أنه لا حد لأقل الحيض فبناء عليه تعتبره حيضا.

((وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض فهو حيض)).

نعم، ولم يعبر أكثر الحيض الذي هو (15 يوماً) بناءً على فتوى عطاء بن أبي رباح، فهو حيض.
فإن عبر الخمسة عشر يوماً وهي مبتدئة؛ فماذا يكون؟ يكون "استحاضة" ما معنى استحاضة؟ يأتي بحثها قريبا.

((فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة)).

صار عادة بحيث ترجع إليها في وقت الاستحاضة، ما الاستحاضة؟ يأتي بحثها الآن.

((وإن عبر ذلك فالزائد استحاضة)).

نعم، الاستحاضة هي أن يطبق الدم على المرأة أكثر من فترة الحيض المعتادة، وهذا يكون "عرقاً" أو "ركضة شيطان".
طيب ماذا تفعل المرأة؟ ربما يدوم ثلاثة أشهر، ربما يدوم عاماً، ماذا تفعل تبقى دائما لا تصلي؟ تبقى دائما لا تصوم؟ لا، تصلي وتصوم، لكن ما الفارق الذي تجلس فيه "جلوس الحيض" وتفعل فعل "المستحاضة" بعد ذلك؟

قالوا: ترجع إلى ثلاثة: (إلى التمييز، وإلى عادتها القديمة، وإلى عادة نسائها) بهذا الترتيب.

ما معنى هذا؟ معنى هذا قالوا أنها تميز في صفة الحيض لورود الخبر الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دم الحيض أسود يُعرَف» (وفي لفظ: يُعرِف يعني له رائحة)، فإذا رأت الدم الآخر الأحمر الذي هو دم الاستحاضة صلت.

لكن كيف تصلي؟ قبل أن نبحث في مسألة الصلاة نذكر التمييز الآن بين مرحلة الاستحاضة والحيض.

فهذا التمييز يقولون ترجع إلى "التمييز"؛ فطالما ترى الدم الأسود فهذه حائض تعتبر نفسها حائضاً، فإذا رأت الدم الأحمر اعتبرت نفسها مستحاضة؛ فصامت وصلت -على بحث الصلاة الذي سيأتي- وطافت بالبيت، وعلى قول جاز لزوجها أن يأتيها.

فإن لم تستطع أن تميز وصارت "متحيرة"؛ قالوا ترجع إلى "عادتها" إن كان لها عادة قديمة (بأن تكررت ثلاثة أشهر).
ما الدليل على الرجوع للعادة؟ قالوا: حديث فاطمة بنت [أبي] حبيش لما قال لها النبي ﷺ: «اجلسي أيام ما كانت تحبسك حيضتك عن الصلاة»، فقالوا النبي أرجعها للعادة: عادتها القديمة.
وقال ﷺ: «تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً»، فمعنى هذا أنها تجلس العادة قديما كانت تجلس (ستة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة) ترجع إلى العادة القديمة، فحائض مثلا عادتها القديمة تسعة أو عادتها القديمة ثمانية تجلس هذه الفترة حائضا ثم بعد ذلك تعمل بأحكام المستحاضة.

فإن لم يكن لها عادة ولم تستطع أن تميز؛ فبعض الفقهاء قالوا ترجع إلى "عادة نسائها"، وبعضهم قال: لا، هنا تأتي فائدة مبحث "أكثر الحيض" فتجلس (15) يوماً حائضاً ثم (15) يوماً مستحاضة لأن أكثر الحيض عندنا (15).

والتحقيق أنه لا يصح حديث في مسألة "التمييز" باختصار؛ لأن الحديث فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف، والصواب أن المرأة ترجع إلى عادتها؛ وهذه أحاديث الصحيحين كلها تدل على هذا المعنى أنها ترجع للعادة القديمة: «تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً»، «اجلسي ما كانت تحبسك حيضتك» فهذه الأحاديث الثابتة في الصحيح تدل على أنها ترجع للعادة القديمة أو ترجع إلى مسألة أكثر الحيض إذا كانت مبتدأة.

فالآن هي حائض أطبق عليها الدم أكثر من فترة الحيض التي اعتادتها إن كان لها عادة أو أكثر فترة الحيض إذا كانت مستحاضة ثم بعد ذلك تنتقل إلى مسألة أحكام المستحاضة.

ما أحكام المستحاضة؟ المستحاضة تصلي، ولكن كيف؟

من أهل العلم من قال: تتوضأ لكل صلاة؛ لأنها حالة متوسطة بين الطاهر وبين الحائض، فالحائض لا تصلي والطاهر تصلي صلاتين وثلاثة وأربعة بوضوء واحد إن لم تحدث، بقي عندنا من؟ المستحاضة بين بين تتوضأ لكل صلاة، ما دليلكم؟ قالوا دليلنا الحديث الذي في صحيح البخاري -حديث عائشة- أن النبي ﷺ أمر الصحابية التي كانت تستحاض بأن تتوضأ لكل صلاة -كأنها حمنة بنت جحش وقيل بنات جحش كلهن يستحاضن- وهذه الزيادة «توضئي لكل صلاة» مع ورودها في البخاري إلا أن مسلماً يضعفها؛ فأورد الخبر في صحيحه وقال: "في آخره لفظة تركتها عمدا" يعني أنا أضعفها، وضعفها عدد من أهل العلم، والصواب أنها من قول عائشة لا من قول النبي ﷺ، فبعض أهل العلم قالوا ما دام هذا اللفظ لم يصح فالمستحاضة تعامل معاملة الطاهر وهذا اختيار مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية قالوا إذن ماذا؟ لا يلزمها الوضوء لكل صلاة، المستحاضة التي أطبق عليها الدم أكثر من فترات الحيض المعتادة لا يلزمها [الوضوء لكل صلاة] وإنما فقط إذا انتهت فترة حيضها تغتسل -هذا أول حكم يلزمها- وإن كانت ترى دما خلاص مستحاضة هي فتغتسل بعد ذلك انتهى الأمر إن أحدثت توضأت وصلت وإن لم تحدث بقيت على طهارتها الأصلية.
وهذا المذهب قالوا مال إليه الشيخ ابن عثيمين في آخر حياته.

والصواب مذهب أحمد: أنها تتوضأ لكل صلاة ويستحب لها أن تغتسل لكل صلاتين والصورة الأكمل أنها تغتسل لكل صلاة، ما الدليل على هذا؟ -وهذا التفصيل ذكره الإمام أحمد في مسائل ابن هانئ- قالوا الدليل أن عائشة رضى الله عنها أفتت -وهي من أعلم الناس بهذه الأمور- أن المرأة تتوضأ لكل صلاة، طيب فتوى الغسل لكل صلاتين الظهر والعصر غسل والمغرب والعشاء غسل والفجر غسل؟ هذه فتوى عبد الله ابن عباس، طيب فتوى الغسل لكل صلاة؟ هذه فتوى علي رضي الله عنه وقالوا له أن الكوفة أرض باردة قال إن شاء الله أن يبتليها بأكثر من ذلك ابتلاها فلما أرجعوا الأمر لابن عباس والفتوى كانت شديدة أنها تغتسل لكل صلاة قال لا أجد لك رخصة إلا إن شاءت أن تجمع كل صلاتين بغسل، فأحمد رحمه الله على عادته جمع بين فتاوى الصحابة قال الصورة الواجبة أن تتوضأ لكل صلاة والأفضل والمستحب أن تغتسل كل صلاتين والأكثر استحبابا أن تغتسل لكل صلاة لفتوى علي رضي الله عنه هذه باختصار مسألة الاستحاضة.

أما إتيان زوج المستحاضة لها: فمن فقهاء التابعين من قال: "قد أحل الله لها ما هو أعظم من إتيان زوجها وهو الصلاة، فيجوز لها أن يأتيها زوجها".
ومنهم من كرهه "طباً" لأن دم المستحاضة يخرج وإن لم يكن دم حيض؛ وهذه المسألة ترجع للاعتبار الطبي.

((وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض)).

نعم، المستحاضة إذا كان لها عادة؛ عند آخر عادتها وإن كانت ترى الدم يجب أن تغتسل، كما قال النبي ﷺ: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» رواه البخاري ومسلم.

((وتغسل فرجها وتعصبه)).

وهذا "العصب" ورد في حديث عائشة رضي الله عنها لأنه ما ينبغي أن تبقى هكذا.

((وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي)).

هذه تتوضأ لكل صلاة ذكرنا الخلاف في صحة الخبر،

السائل: تتوضأ لكل صلاة يعني تتوضأ قبل وقت الصلاة؟

الشيخ: لا ما يصح، كالمتيمم بالضبط إذا دخل الوقت تتوضأ ما تتوضأ قبل الوقت.

((وكذا حكم من به سلس البول وما في معناه)).

نعم، من به سلس بول أو سلس ريح؛ هذا حكمه حكم المستحاضة؛ يعني يتوضأ لكل صلاة.

((فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر، فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها)).

وهنا قدمت "العادة"، قلنا هي ترجع لما ذا للتمييز أم للعادة؟ في المذهب عندنا يقدمون العادة لأن الأحاديث في العادة أصح.

((وإن لم تكن معتادة وكان لها تمييز -وهو أن يكون بعض دمها أسود ثخيناً وبعضه رقيقاً أحمراً- فحيضها زمن الأسود الثخين)).

قلنا إن حديث: «دم الحيض أسود يُعرِف» أو «يُعرَف» وهذا أعله أبو حاتم بالنكارة، فهذا الحديث ضعيف وإن كان اعتمدوا عليه في المذهب.
وينبغي التنبيه إلى أنه بعد الطهر قد ترى المرأة صفرة أو كدرة؛ ففي هذا تقول أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً».
لكن قبل الطهر لا؛ فعائشة كان يرسلن إليها بالقصات التي فيها هذه فكانت تقول: لا حتى ترى القصة البيضاء.

((وإن كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها ولا تمييز لها، فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة؛ لأنه غالب عادات النساء)).

ولحديث: «تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً» وهذا قوي.
وبعضهم قال: لا، نرجعها لأكثر الحيض وهذا قول الحنابلة هنا احتاطوا.

((والحامل لا تحيض، لأن الحيض يتحول إلى مادة غذائية للطفل إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين فيكون دم نفاس)).

نعم، الحامل لا تحيض؛ ودليل أنها لا تحيض أن النبي ﷺ نهى عن وطء الأمة حتى تحيض فجعل استبراء الرحم بالحيض، فدل أن الحامل لا تحيض لأنه لماذا يكون استبراء الرحم؟ لكي لا تختلط الأنساب ولكي لا تختلط المياه في فرج المرأة أليس كذلك؟ فكون النبي ﷺ جعل الحيض علامة على عدم وجود الحمل دليل أن الحامل لا تحيض.
قالوا إن رأت دماً فهذا [دم] فساد، طيب إذا سقّطت ثم رأت دما بعد ذلك؟ إن كان الطفل مكتمل الخلقة أو أكمل أربعة أشهر -نفخ الروح- فهذا يصير دم نفاس فتأخذ أحكام المنفس، فإن كان قبل ذلك يعدونه دم فساد.


باب النفاس

((وهو الدم الخارج بسبب الولادة، ولا حد لأقله إجماعاً)).

ولا أقل له إجماعا يعني ممكن أن تنفس يومين أو ثلاثة ثم تطهر -وهذا من حظ زوجها- وممكن أسبوع أو أسبوعين.
(بعض الإخوة يشتري دفتراً يحفظ فيه الأربعين النووية كل يوم يحفظ حديثا فيخلص الأربعين النووية وتخلص الأربعين فيكون يعني هذا يوم عيد).

((وأكثره أربعون يوماً)).

لقول أم سلمة: «كانت المرأة تؤمر في زمن النبي ﷺ أن تجلس أربعين».
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة عن ابن عباس بسند قوي أنه قال: «تجلس المرأة أربعين يوماً».
فهذا الحد لأكثره، خلافاً لشيخ الإسلام الذي رأى لا حد لأكثره، ولكن هذه مذاهب الصحابة أن أكثره أربعون يوما وهذا مذهب الجمهور عموما أن أكثر النفاس أربعون يوما.

((وحكمه حكم الحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط به)).

يعني المرة التي فيها نفاس لا تصلي، ولا يقربها زوجها، ولا تطوف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تمس المصحف، هذه كلها النفساء لا تفعلها.

((وأكثره أربعون يوما ولا حد لأقله ومتى رأت الطهر اغتسلت وهي طاهر، وإن عادت في مدة الأربعين فهو نفاس أيضاً)).

يعني انقطع [الدم] قليلا ثم عاد مرة أخرى فلا تعتبره حيضا بل تعتبره نفاسا.
طيب ما معنى لا تعتبره حيضا بل تعتبره نفاسا؟ هذا مبحث دقيق وإن كان لا داعي له الآن والتفصيل هذا لا يفيدكم كثيرا، ولكن على مذهبنا أن أقل الحيض يوم وليلة، إذا اعتبرته حيضاً فلابد بمجرد مرور يوم وليلة أن تترك هذه الأمور وإن اعتبرته نفاسا فإنه يكون بأقل من يوم وليلة وينقطع.

أنهينا الطهارة اليوم والحمد لله.

المجلس الأول: ومقدمة إجابة عن تساؤلات 2

المجلس الثاني: مقدمة المصنف وباب أحكام المياه 17

المجلس الثالث: تتمة باب المياه 32

المجلس الرابع: باب الآنية 44

المجلس الخامس: باب قضاء الحاجة 55

المجلس السادس باب المسح على الخفين 65

المجلس السابع: باب نواقض الإسلام 73

المجلس الثامن: باب الغسل من الجنابة 81

المجلس التاسع: باب التيمم وصفته 89

المجلس العاشر: باب الحيض 98

المجلس الحادي عشر: تكملة باب الحيض وباب النفاس 108

فصول الكتاب · 12 فصل
جارٍ التحميل