باب الغسل من الجنابة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله: ((باب الغسل من الجنابة: الموجب له خروج المني -وهو الماء الدافق- والتقاء الختانين)).
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذا أولاً يتكلم في مسألة الغسل من الجنابة، كنا قد عرضنا لشيء من هذه المسائل في الدرس السابق وفي الإعادة إفادة؛ فذكر أن الموجب للغُسْل -بحيث يصير الغسل واجباً- خروج المني، سواء كان باحتلام أو باستمناء أو بجماع أو بمداعبة شديدة.
ثم ذكر من صفة المني قال: ((وهو الماء الدافق))، ليميزه عن المذي الذي يخرج مع المداعبة الذي لا يكون دافقاً.
ودائماً الفقهاء يحرصون على الإيضاح؛ فابن أبي زيد القيرواني في "الرسالة" يقول في المني: "له رائحة كرائحة الطلع"، هكذا يشرح.
ويذكرون ضابطاً آخر في معرفة المني وهو أنه يعقبه فتور في الشهوة، فهذا إذا خرج أوجب الغسل لمن أراد أن يتعبد عبادة شرطها الطهارة؛ كالصلاة، أو مس المصحف، أو القراءة من المصحف، أو قراءة القرآن عموماً -على المذهب الصحيح أن الجنب لا يقرأ- أو الطواف بالبيت، أو المكث في المسجد على قول من يمنع الجنب من المكث في المسجد.
وهذه مسألة إجماعية: مسألة المني ورد فيها الخبر: «إنما الماء من الماء»، وورد في الخبر: «إذا فضخت الماء فاغتسل».
ثم ذكر: ((والتقاء الختانين)).
ويحصل التقاء الختانين بتغييب الحشفة، والحشفة رأس الذكر.
وذكرنا أن غياب الحشفة يترتب عليه عدة أحكام في عدة أبواب:
- في الطهارة: يترتب عليه وجوب الغسل.
- في الحج: قبل التحلل الأول يترتب عليه فساد الحج.
- في باب النكاح: يترتب عليه وجوب المهر كاملاً.
- في الحدود: يترتب عليه حد الزنا.
وذكرنا في الدرس السابق حديث: «إنما الماء من الماء» وأنه منسوخ بحديث: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل».
وقد روى ابن إسحاق رحمه الله بسنده إلى عمر بن الخطاب أنه جاءه رجل وقال له: "ألا تنظر ما يفتي فلان" -ذكر أحد الصحابة في المسجد- أنه يفتي بكذا وكذا، وذكر له فتيا أنه يفتي بـ «إنما الماء من الماء».
فجمع عمر الصحابة، ثم أرسلوا أبا موسى إلى عائشة رضي الله عنها يسألونها في هذه المسألة فأجابت، ثم قال عمر بعد ذاك: "من رأيته يفتي بخلاف هذا أوجعته ضرباً" أو كلمة نحوها.
فلولا عنعنة ابن إسحاق (ونغتفرها بالموقوف)، فهذا يدل على أن الخلاف حتى في مسائل الفقه مذموم وشر، غير أن عدم الإنكار في المسائل الاجتهادية لا يعني إقرار الخلاف وأنه أفضل من الاجتماع.
وفي هذه المسألة بالذات تنبيه على رد مذهب سوء لأهل الرأي في التعامل مع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمن أصولهم أن "خبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يقبل"، ونصصوا على باب الحدود أيضاً قالوا: "خبر الواحد في باب الحدود وكذا يترك".
فكان مما رد به عليهم الجمهور أن عامة الصحابة قبلوا خبر عائشة في هذه المسألة وهي مما تعم به البلوى.
وقد ذكر الطوفي في "شرح مختصر الروضة" أن هذه من المسائل التي استُشنعت على أهل الرأي، وبسببها تم ذم أهل الرأي وذم إمامهم ذاك.
ثم تولد من هذا الأصل الأصل الاعتزالي كما نبه عليه المعلمي، أن المعتزلة صاروا يقولون: "خبر الواحد في مسائل الاعتقاد لا يقبل" -وأكثرهم كانوا أهل رأي- ففرعوا على هذا الأصل؛ قالوا: "إذا كنا في الفقه لا نقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى، أفنقبله في العقيدة؟ لا".
فلهذا المعلمي رحمه الله لما ذكر كلمة الأوزاعي وسفيان في إمام أهل الرأي وتشنيع الكوثري عليهما وبدأ يعلل؛ فذكر من هذا التعليل قال: "هم لما رأوا هذه الأصول الفاسدة وما تفرع عليها من الشر تكلموا بهذا الكلام حمية على الدين".
((قال رحمه الله: والواجب فيه النية، وتعميم بدنه بالغسل، مع المضمضة والاستنشاق)).
نعم، هذا القدر الواجب؛ النية: «إنما الأعمال بالنيات».
وخالف في هذا أهل الرأي؛ فكانوا يرون أن الاغتسال لا يشترط له نية، يعني أنت لو عممت بدنك في الماء من أجل التنظف ولا تريد أن ترفع الجنابة [أجزأ عندهم].
وهذا جاء من قياس فاسد؛ قاسوا رفع الحدث على إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة إذا كان عندك نجاسة فإزالتها لا يشترط لها نية، فقاسوا رفع الحدث على إزالة النجاسة، وهذا قياس مع الفارق؛ إذ إن رفع الحدث عبادة يشترط لها النية، فخالفهم الجمهور في هذا.
قال: ((وتعميم بدنه بالغسل))؛ والدليل حديث أم سلمة في "صحيح مسلم": «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين»؛ فتعميم البدن بالغسل هذا الواجب.
قال: ((مع المضمضة والاستنشاق))؛ نص على المضمضة والاستنشاق للخلاف المعروف هل تجب؟ وذكرناها نحن في الوضوء، ونحن لا نرجح وجوبها لا في الوضوء ولا في الغسل؛ بل دليل حديث أم سلمة هذا يدل [على عدم الوجوب]، قال: «يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات» وما ذكر مضمضة ولا استنشاقاً.
فهو أشار إلى الخلاف؛ وقال الشافعي كما في "مختصر المزني" -طبعاً لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل هذا الغسل [الغسل المجزي فقط] مع أنه قال إنما يكفيك وإنما كان يغتسل الغسل المعروف الذي يتوضأ أولاً ثم يفيض على رأسه ثلاثاً ثم يعم بدنه بالماء- قال الشافعي: "من اغتسل هذا الغسل (الذي هو فقط يعمم بدنه بالماء) فهو عندي مسيء ويجزئ عنه"؛ قال هو عندي مسيء لأنه خالف السنة، ويجزئ عنه.
واشترط الإمام مالك شرطاً زائداً على بقية الأئمة -والذي هو مجمع عليه أن الواجب تعميم البدن- اشترط "الدلك"؛ وهو إمرار اليد اشترط إمرار اليد في الغسل لكي يجزئ، فأنت إذا انغمست في الماء ولم تمر يدك فعند مالك غسلك هذا ما يجزئ.
وهذا الاشتراط لا دليل عليه، وفيه تشديد رحمه الله، ولا شك أنه إنما أراد بذلك الاحتياط.
وبعض الناس إذا رأى كلمات لبعض الفقهاء فيها شدة يحمل عليهم، وهذا لا ينبغي في الحقيقة؛ هم قصدهم الاتباع واتباع السنة، خصوصاً رجلاً جليلاً مثل الإمام مالك رحمه الله.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" وقال: "كان أحمد لا يرى أن يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي، قال هؤلاء يتبعون الأثر" -طبعا المفهوم أن أهل الرأي لا يتبعون الأثر- فهذا الشرط ذكره الإمام مالك رحمه الله.
هناك مسألة: رجل اغتسل ثم بعد الغسل خرج منه مني.
فعند الحنابلة: إن كان هذا المني الذي خرج بعد البول فيعتبرونه "ودياً" ولا يضر (لا يوجب الغسل)، وأما إن كان قبل البول فيلزمه غسل آخر لأنه خرج الموجب.
وأما الشافعي فيسوي بينهما، والله أعلم.
نعم.
قال رحمه الله: (( وتُسن التسمية، ويدلك بدنه بيده)).
بيستدلون بعموم: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه [ببسم الله فهو أقطع]»، وقياساً على الوضوء.
لكن عامة الفقهاء يذكرونها مع أن الأدلة التي في الباب ضعيفة، ولكن يذكرونها؛ عامتهم يتتابعون بل بعضهم يدعي الإجماع، والمسألة تحتاج إلى تحرير.
طبعا الشخص يقول: "كيف يسمي وهو بالحمام (كيف يذكر الله)؟"، نحن ذكرنا أنه في ذاك الوقت كان "المغتسل" غير "الحش"، أما الآن فحشوشنا ومغتسلنا واحد؛ كان الحش مكاناً يقضون في [حاجتهم] والمغتسل هذا مكان آخر.
قال رحمه الله: ((ويفعل كما روت ميمونة قالت: سترتُ النبي صلى الله عليه وسلم فاغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه، ثم ضرب بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماء على بدنه، ثم تنحى فغسل رجليه)).
نعم، هذه هي الصفة الكاملة المستحبة لغسل الجنابة؛ أن يبدأ فيغسل يديه إن وجد فيهما شيئا.
وذكر ابن دقيق العيد في "الإحكام" فائدة في ابتداء الوضوء والغسل بغسل اليدين، قال: "لأن اليدين ستباشران غسل بقية الجسد فيطهران أولاً لكي تكونا مؤهلتين لتطهير الجسد".
قال: ((فغسل فرجه وما أصابه، ثم ضرب بيده على الحائط))، قالوا: هذا للتنظيف.
((ثم توضأ وضوءه للصلاة))؛ أخّر غسل الرجلين.
وتأخير الرجلين هذا فيه بحث؛ فمن الناس من يرى أن هذا خاص بالحالة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، إذ إنه في حال غسله كانت رجلاه تتقذران بما تحتهما من الأرض، أما الحال اليوم فليس كذلك.
ومن أهل العلم -مثل الشيخ ابن باز- قال: "بل يفعل والعلة غير معقولة".
والثلاث حثيات على الرأس؛ نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "شرح العمدة" جمعاً بين الأخبار أن الثلاث حثيات: واحدة للشق الأيمن من الرأس، والثانية للشق الأيسر، والثالثة يعمم فيها جميع الرأس.
وأما ما يظنه بعض الناس من أنه يغسل أيمن بدنه ثم يغسل أيسر بدنه، فقال: "هذا خطأ"، هذه المسألة متعلقة بالرأس.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدلك حتى يروي أصول رأسه.
ويُروى في ذلك خبر عن علي بن أبي طالب: «تحت كل شعرة جنابة»، قال: "ومن ثَمَّ فلابد أن يغسل كل شعر في رأسه".
فقال علي بعدها -هذا كأنه في سنن أبي داود-: «فمن ثَمَّ عاديتُ شعري»، يعني صرت أحلق شعري لكي أرتاح في غسل الجنابة، (وإن كان علي الذي يذكرونه عنه أنه كان أصلع، ولكن يبدو أنه قالها عندما كان عنده شعر).
وهذا الخبر ضعفه بعض أهل العلم، لأنه من رواية حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، وحماد روى عنه قبل الاختلاط وبعده.
غير أن هناك خبراً موقوفاً على حذيفة يقول هذه الكلمة: «تحت كل شعرة جنابة»، ولا يحضرني الآن الإسناد، ولكن ذكره صاحب كتاب "ما صح من آثار الصحابة في الفقه" (زكريا غلام قادر)، فينتبه الإنسان إلى مسألة التروية.
نعم.
((قال رحمه الله: ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روى أصوله)).
نعم، لحديث أم سلمة: «إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا».
طيب اغسل الحيض؛ تنقضه أم لا؟ هناك حديث عند ابن ماجه: «انقضي رأسك في غسل الحيض»، وهذا الحديث قال أحمد: "منكر"، أخطأ فيه وكيع، دخل عليه حديث أسماء في الحج.
والصواب كما هو مذهب ابن عمر ومن سواه أنه حتى في غسل الحيض لا يلزمها أن تنقض رأسها، بل هذا كانت تفعله نساء ابن عمر أيضاً.
وأما عبد الله بن عمرو فكان يأمرهن أن ينقضن رؤوسهن من غسل الجنابة، فقالت عائشة: «عجباً لابن عمر! ألا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟!» (يعني هذا للمشقة).
والصواب أنه لا يلزم المرأة أن تنقض رأسها لا في جنابة ولا في حيض.
((قال رحمه الله: وإذا نوى بغسله الطهارتين أجزأ عنهما)).
نعم، كما صح عن ابن عمر رضي الله عنه؛ قالوا له: "هل يتوضأ بعد الغسل؟"، قال: "وهل وضوء أبلغ من الغسل؟".
ولا فرق بين الذي اغتسل بالصفة الكاملة (الغسل المستحب) أو غسل التعميم؛ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يأخذ مأخذ العموم في المقال.
وهذا يسمى "أحكام التداخل" يذكرونها في الفقه، والآن أفردت فيها بعض الرسائل، فيذكرون فيها قواعد عامة وإن كان يرد عليها بعض الأمور فيقولون: "المستحب يدخل في الواجب، والواجب لا يدخل على الواجب"، هكذا يقولون.
فمثلاً: نحن إذا رأينا أن غسل الجمعة واجب، واستيقظ إنسان يوم الجمعة جنباً واغتسل للجنابة؛ قالوا: "يغتسل غسلاً آخر للجمعة لا يتداخلان"، لكن لو اعتقد أن غسل الجمعة مستحب قالوا: "يدخل ضمناً"، فالمستحب يدخل داخل الواجب.
وعليها أمثلة كثيرة جداً حتى لا يأخذنا الوقت لا مجال للتفصيل فيها، مسألة أحكام التداخل في العبادات وهذه مسألة جميلة لمن أراد أن يقرأ فيها ويلخص فيها بحثاً يفيدنا.
نعم.
((قال رحمه الله: وكذلك لو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها، وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى)).
نعم، شخص على بدنه نجاسة ثم إنه أيضاً محدث، وليس عنده ماء يزيل به النجاسة ولا ماء يرفع به الحدث؛ فقالوا: بتيمم واحد ينوي الأمرين وينتهي، لا يلزمه أن يتيمم تيممين: تيمم لإزالة النجاسة وتيمم لرفع الحدث، هذا المذهب.
قال: ((وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى))؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
وقال غير واحد: "لا يصح تيمم على نجاسة من بدنه" عند جمهور العلماء إلا أحمد، وهذا من مفردات مذهب أحمد أن التيمم يصلح لإزالة النجاسة.
ومباحث التيمم لها بابها الذي سنتدارسه في المجلس القادم إن شاء الله، وفيها مسائل كثيرة جداً وفي صحيح مسلم عرضنا لكثير منها.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.