باب المسح على الخفين
((باب المسح على الخفين: يجوز المسح على الخفين وما أشبههما من الجوارب الصفيقة التي تثبت في القدمين)).
حسبك، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
الخُفَّان هما ما يلبس على الرجلين من جلد رقيق، هذه تتخذ في الشتاء.
وقد خالف في أمر المسح على الخفين الخوارج والرافضة، وذلك أن المسح على الخفين ليس مذكوراً في القرآن صريحاً، وإن كان بعضهم استنبط من قراءة {وَأَرْجُلِكُمْ} [المائدة: 6] أن فيها إشارة إلى المسح على الخفين.
ووقع الخلاف بين الصحابة في المسح على الخفين؛ فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان ينكر ذلك، وعلى سعة علمه خفيت عليه الأحاديث في هذا الباب.
وعائشة رضي الله عنها كانت قد خفيت عليها هذه السنة، فكما في "صحيح مسلم" كانت تُسأل عن المسألة فتحيل على علي رضي الله عنهما.
ثم بعد ذلك انعقد إجماع أهل السنة على جواز المسح على الخفين، وقد تواترت في ذلك الأحاديث، فلا يجوز لأحد أن يتبع زلة عالم فيها، وصاروا يذكرونها في كتب المعتقد على أنها ميزة لأهل السنة، وكانوا يبرئون المرء من التشيع بهذه المسألة؛ فورد في ترجمة محمد بن فضيل بن غزوان في "تهذيب التهذيب" على لسان أحدهم يبرئه من التشيع يقول: "رأيت آثار المسح على خفيه".
والخف من الجلد.
ووقع خلاف بين أهل العلم في تفاصيل المسح وهذا الذي يبحث في الفقه، فذكر المصنف قال: ((يجوز المسح على الخفين وما أشبههما من الجوارب الصفيقة التي تثبت في القدمين)).
المسح على الجوربين خالف فيهما الشافعية؛ الشافعية أجازوا المسح على الخفين من الجلد، أما الجوربان اللذان يكونان من القطن وغير ذلك أو الصوف فخالف الشافعية وقالوا لا يجوز المسح، وضعفوا حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: «مسح على الخفين والجوربين»، وأصابوا في هذا؛ فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر واضح في المسح على الجوربين، ولكن صح عن ستة من الصحابة أنهم مسحوا على الجوربين، بل صح عن علي أنه مسح على النعلين.
فهذا يدل على رجحان مذهب الشافعي في هذه المسألة وأنه مذهب ضعيف، والصواب معنا.
ومما احتج به المجيزون للمسح على الجوربين الحديث المروي في "سنن أبي داود" -فيما أذكر- أن النبي صلى الله عليه وسلم شُكي له البرد فأذن لهم بالمسح على العصائب والتساخين (حديث ثوبان)، قالوا: "والتساخين كل ما يُسخن به القدم"، وهذا يشمل الخفين والجوربين، غير أن هذا الحديث معلول بالانقطاع بين راشد بن سعد وثوبان؛ وقد نص عدد من الأئمة أنه لم يسمع منه.
ومن هذا الحديث استنبط الأصحاب شرط "صفاقة الجورب"؛ قالوا الجورب لا بد أن يكون صفيقاً (ثخيناً)، يعني الجورب الشفاف في المذهب لا يمسح عليه؛ لِمَ؟ قالوا: "لأنه أصلاً الرخصة جاءت لتدفئة الرجل، وهذا الشفاف لا يدفئ"، هكذا يقولون.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بالمسح على التساخين، وهذا نفس التعليل الأول.
فرأوا أن هذه الجوارب غير الصفيقة لا يمسح عليها.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن كل ما يشمله اسم جورب [يمسح عليه]، بل إن السلف مسحوا على الخفاف المخرقة، وكما قال الحسن البصري: «وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة؟»؛ فكذلك هذا يشمل جواربهم، وهذه رخصة يُتوسع فيها كما وسع الله عز وجل على خلقه.
قالوا: ((التي تثبت في القدمين))؛ فيشترطون عندنا في المذهب أن تكون ثابتة، فإذا كانت لا تُثبت فالذي يثبت بشيء عندهم هذا ما يصلح عليه المسح.
ويقول شيخ الإسلام: "هذا الاشتراط لا دليل عليه" اشتراط أنها تثبت بالقدمين أو إذا ثبتت بعامل خارجي هذه لا يمسح عليها يقول شيخ الإسلام: "هذا لا دليل عليه".
- لماذا يا أبو جعفر تثبت بعامل خارجي؟
- يعني يثبتها بثوبه أو بطرف شيء أو يبقى ماسكاً فيها هكذا، هم يرون هكذا.
((والجراميق التي تجاوز الكعبين في الطهارة الصغرى)).
الجُرموق هو الخف الصغير، ورد في حديث المرأة البغية من بني إسرائيل التي سقت كلباً فنزعت جُرموقها، هذا الجُرموق الخف الصغير، فهذا لا إشكال في المسح عليها.
((يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة للمسافر، من الحدث إلى مثله؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوماً وليلة» ومتى مسح ثم انقضت المدة)).
طيب، في الطهارة الصغرى، في حديث صفوان بن عسال: «أمرنا ألا ننزع خفافنا من نوم أو حدث أو غائط إلا من جنابة».
فالآن هذه المسألة لنصورها بواقع عملي بحيث نفهم؛ أنت لا بد لك إذا لبست الخفين أن تكون متوضئاً، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أدخلتهما طاهرتين»؛ فهذا الشرط الأول (حديث المغيرة بن شعبة).
طيب، المسح على الخفين يغنيك عن غسل رجليك، فتأتي في الوضوء تتوضأ وضوءاً كاملاً حتى إذا وصلت إلى الرجلين تمسح.
طيب، إلى كم يؤذن لك بالاستمرار بهذا المسح؟ إذا كنت مقيماً فيوماً وليلة، بعد أن تنقضي اليوم والليلة (الـ 24 ساعة) ماذا تصنع؟ تنزع الخف، يلزمك أن تنزع الخف ثم تتوضأ مرة أخرى، ثم بعد ذلك إذا أردت أن تلبس أو تستمرنازعا (مفهوم؟).
طيب، بمجرد انتهاء المدة تنتقض طهارتك؟ الجمهور على أن الطهارة تنتقض؟ قالوا وإلا ما فائدة التوقيت؟ يعني تلقائياً -بارك الله فيك- انقضى اليوم والليلة أو ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر تنتقض طهارتك تلقائياً تنتهي ال24 ساعة أو ال72 ساعة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه لا تنتقض، وإنما الفائدة أنك إذا لم تجدد طهارتك تصير آثماً، هذا غاية ما عند الشيخ؛ لأن طهارتك ثبتت فلا تنتفي إلا بدليل (مفهوم هذا الآن؟).
طيب، من أين يبدأ التوقيت؟ من متى؟ -أنا لبست الخفين الآن- في هذا لأهل العلم ثلاثة مذاهب تقريباً: منهم من يرى أن التوقيت يبدأ من بعد الحدث؛ يعني الآن أنت توضأت ولبست الخف الفجر، يبدأ التوقيت؟ لا، أحدثت في الضحى، بدأ التوقيت من الضحى، يعني ينتهي التوقيت في الضحى اليوم الآخر (مفهومة هذه؟) هذا على هذا المذهب، واستدلوا على هذا بحديث صفوان بن عسال: «أمرنا ألا ننزع خفافنا من بول أو غائط أو نوم إلا من جنابة»، فقالوا لما ذكر الحدث دل أن التوقيت متعلق بالحدث (مفهوم؟) الحدث الذي هو بول أو غائط أو فساء أو ضراط، هذا هو القول الأول أن التوقيت يبدأ من الحدث.
القول الثاني -وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-: يبدأ من أول مسح بعد الحدث.
يعني أنت في مثالنا السابق: أحدثت في الضحى، على مذهب شيخ الإسلام لا إلى الآن لا يبدأ التوقيت، جئت توضأت الظهر ومسحت؛ هنا يبدأ التوقيت، فينتهي التوقيت الظهر من اليوم الثاني.
- 24 ساعة ولا؟
- أي نعم هو 24 ساعة ما في إشكال، بس نحن نقول متى يبدأ.
طيب إيش الدليل؟ قالوا دليل اعتبار الحدث حديث صفوان بن عسال الذي ذكرناه، ودليل اعتبار المسح حديث: «يمسح المقيم يوماً وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة..»، فقالوا جمعاً بين الأدلة نشترط أمرين لابتداء التوقيت: الحدث والمسح، وهذا أقوى شيء في المسألة.
وهناك قول ثالث ينسب لأحمد -نسبه ابن المنذر لأحمد ومال إليه ابن المنذر وهو تقريباً مهجور في الكتب الفقهية المتأخرة وإن كان بعض المعاصرين أحياه-: أنه يبدأ من أول مسح بدون اعتبار حدث (مفهوم؟) يعني لو لبست الآن ومسحت مباشرة يبدأ التوقيت، لكن القول الصحيح والآن هذا الذي يفهمه الإنسان ويتعبد لله به أنه يبدأ من أول مسح بعد الحدث.
أنت الآن لبست الخفين (أدخلتهما طاهرتين)، طيب أحدثت؛ بدأ التوقيت؟ لا.
مسحت ولم تُحدث؛ بدأ التوقيت؟ لا.
أحدثت ثم مسحت؛ نعم يبدأ التوقيت الآن.
فإذا جاءك شخص يسألك: "أنا لبست الخف أمس في الفجر وأنا الآ في الفجر، هل انتهت المدة؟"، لا، تستفصل أنت: "عندما لبست متى أحدثت؟ طيب بعد ما أحدثت متى مسحت؟ متى توضأت ومسحت؟"، قال لك: "والله أنا نمت نوم عميق -وهذا النوم حدث- صحيت الظهر توضأت ومسحت الظهر"؛ نقول توقيتك بدأ من الظهر.
وهناك مذهب لشيخ الإسلام ابن تيمية فيه تيسير عجيب؛ يرى أن الرجل المسافر الذي في سفر شديد يمسح أبداً، غير مقيد بثلاثة أيام، ويحتج بأثر عقبة بن عامر أنه أرسل إلى عمر بن الخطاب بريداً -والبريد هذا الرجل الذي يكون معه رسالة مستعجلة فيركب حصاناً هكذا وينطلق عليه، حتى إذا تعب هذا الحصان ركب آخر ثم ركب آخر جلس سبعة أيام يمسح ما نزع الخفين- فقال له عمر: "أصبت السنة".
فقال شيخ الإسلام ابن تيمية إن هذا من جهة اعتبار التشديد الواقع، وهذا مذهب قوي.
((أو خلع قبلها؛ بطلت طهارته)).
نعم، يقول "ومتى مسح ثم انقضت المدة" انقضت المدة التي هي 24 ساعة (يوم وليلة) -متى مسح بعد الحدث على مذهب المصنف وهذا الصواب - "ثم انقضت المدة أو خلع قبلها بطلت طهارته".
نعم يأتيك شخص يقول لك: "أنا لبست الخف في الفجر لكني خلعته في الظهر ولبسته العصر مدتي متى بدأت؟" اترك لبسة الفجر هذه كلها، لأنه منذ خلعك تبطل.
ومن الجنابة (الحدث الأكبر) تبطل: «إلا من جنابة» حديث صفوان بن عسال، رأيت بارك الله فيك.
((ومن مسح مسافراً ثم أقام، أو مقيماً ثم سافر؛ أتم مسح مقيم)).
نعم، يقول: ((ومسح مسافراً ثم أقام، أو مسح مقيماً ثم سافر؛ أتم مسح مقيم)).
هنا المذهب أخذوا بالاحتياط؛ أنت المسافر كم مسحه؟ ثلاثة أيام بلياليهن، والمقيم كم مسحه؟ (يوم وليلة).
فقالوا: مقيم ثم سافر؛ احتياطاً يأخذ الأقل الذي هو مسح المقيم.
طيب، مسافر ثم أقام؛ احتياطاً يرجع لليقين.
ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يمسح مسح مسافر إذا دخل في السفر؛ لأنه ما دام دخل في السفر يترخص برخص السفر شأنها شأن القصر وغيرها.
لكن هم قاسوها على مسألة أخرى، وهذه تذكر في قاعدة "القضاء يحكي الأداء"، يقولون: رجل وجبت عليه الصلاة في الحضر ثم سافر، يعني كيف؟ أنا الآن جالس أذَّن الظهر الآن لزمتني وأنا مقيم، سافرت، فطنت أن عندي صلاة ظهر؛ كيف أصليها؟ المذهب: تصليها تماماً ولا تصليها قصراً، وبعضهم ادعى الإجماع على هذا؛ لِمَ؟ لأنها لما فرضت عليك كنت مقيماً.
لكن أمر المسح هذا يعني رأوا فيه التسهيل.
((ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذؤابة، ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه)).
نعم، هذا يخالف فيه أبو حنيفة، وهذه من المسائل التي رد عليه ابن أبي شيبة فيها إنه لا يرى المسح على العمامة.
العمامة إذا كانت مغطية للرأس ويشق نزعها تأخذ حكم الخف فيُمسح عليها، لكن ليس لها توقيت وليس لها هذا الأمر كله.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة بن شعبة أنه مسح على العمامة، وصح عن بعض أمهات المؤمنين أنها مسحت على الخمار.
بماذا ردوا على الاستدلال بالحديث؟ قالوا: "النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح على الرأس ولكن الراوي غلط وقال مسح على العمامة"، وهذا تأويل لا داعي له.
لكن يقول عندنا في المذهب: ((إلا إذا كانت ذات ذؤابة))، يشترط أنها تكون ذات ذؤابة (هذه التي لها ذيل)؛ لماذا؟ قالوا: هذه التي يشق نزعها، ولأن العمائم التي ليست لها ذوائب من زي العجم وتشبه بالكفار فما نعلق بها هذا.
(انظر عمائم الروافض هذه الموجودة الآن، هذا عند السلف المتقدمين يرونها من عمائم العجم الكفار).
ما هي عمائم العرب؟ عمائم العرب تكون ذات ذؤابة، وبعضهم يشترط في العمامة أن تكون محنكة (يعني تدار تحت الحنك) بحيث إن نزعها يشق شأنها شأن الخف.
أما الشماغ والغترة والطربوش وهذه الأمور؛ هذه لا، هذه نزعها يسير فهذه لا يدخل فيها المسح.
لكن عند أهل اليمن يلبسون هذه العمائم.
((ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة)).
نعم، هذا ذكرناه في حديث المغيرة بن شعبة.
((ويجوز المسح على الجبيرة إذا لم يتعدَّ بشدها موضع الحاجة)).
الجبيرة هذا ما يجبر به الجرح، يكون مثل الجبس مثل الشاش الآن، وهذا لا يوجد فيه حديث صحيح، حتى أنكره بعضهم وقالوا لا يجوز المسح على الجبيرة بل يسقط كل شيء، وهذا مذهب الظاهرية.
لكن صح عن علي رضي الله عنه المسح على الجبيرة.
وهناك مذاهب متشددة تقول: يمسح عليها ويصلي ثم إذا تشافى أعاد الصلاة.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام رائق في أن المسح على الجبيرة لا يقاس بحال على المسح على الخفين، وإنما هو رخصة؛ لا توقيت ولا كذا.
لِمَ؟ يرى الشيخ رحمه الله أن الخف أمر اختياري والجبيرة أمر اضطراري.
ومسألة تعدي موضع الحاجة أو عدم تعديها؛ يعني إذا كانت من أجل مصلحة الجرح فلا إشكال.
((إلى أن يحلها، والرجل والمرأة في ذلك سواء، إلا أن المرأة لا تمسح على العمامة)).
نعم، ولكن تمسح على الخمار.
وإذا كان من عادة النساء في بلد معين أنهن يلبسن عمائم على صفة معينة (مثل عجائز كثير من عجائز العراق)؛ فهذا لا إشكال في المسح عليه.
رأيت بارك الله فيك.
وإذا كان العضو مقطوعاً؛ فهذا يرى بعض الناس أنه يسقط، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم ويفتي به فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين.
طيب، نقف في درس عمدة الفقه.