بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.
نشرع الآن في المدارسة في كتاب "عمدة الفقه" للإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله.
لعلي لم أنبه على مسألة، وهي مسألة الماء إذا تغير بطاهر تغيراً يسيراً كالمتغير بالسدر؛ هذا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه طهور، فذكر حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغسل ابنته بماء وسدر، وحديث الرجل الذي وقصته ناقته، ولا بد إذا داخل السدر الماء أن يغير شيئاً من أوصافه، ولكنه لم يغلب على اسمه فبقي على طهوريته، خلافاً لمن منع ذلك من الفقهاء.
مسائل الاشتباه:
واليوم ندخل في مسائل الاشتباه في الطهارة: ((وإذا شك في طهارة الماء أو غيره، أو نجاسته؛ بنى على اليقين)).
هذه مسألة الشك في طهارة الماء وغيره ونجاسته، قال: ((بنى على اليقين)).
ما اليقين؟ اليقين الأصل الذي كان عندك، وهذه قاعدة فقهية كبيرة اسمها، يقولون: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، و"اليقين لا يزول بشك".
"اليقين لا يزول بشك" هذه قاعدة، و"الأصل بقاء ما كان على ما كان".
فعلى سبيل المثال: ماء أعلم أنه طهور ثم شككت هل وقعت فيه نجاسة غيرته؟ طبعاً هذا الشك في الحقيقة لا يجري على أصل من يشترط التغير إلا في النادر، لكن على مذهب الإمام ابن قدامة أن ما دون القلتين أي نجاسة تخالطه تنجسه، هذه المسائل كلها تصبح حيوية، لكن على مذهبنا أنه لا بد من التغير؛ هذا الشك يندر؛ لأن الماء النجس يختلف كثيراً عن الماء الطهور، يعني الماء النجس نحن نشترط فيه ماذا؟ أن تتغير إحدى أوصافه الثلاثة، في حال تغير إحدى أوصافه الثلاثة هل يحصل شك في العادة أو اشتباه؟نادر هذا.
لكن نحن الآن نتكلم على ما قرره الإمام رحمه الله قال: ((بنى على اليقين)).
طيب، الماء النجس كيف يطهر؟ يطهر بعدة أمور، يطهر بالمكاثرة، يعني يوضع عليه ماء آخر، ماء آخر، ماء آخر، حتى تزول عين النجاسة.
ويطهر بالنزح إذا كانت النجاسة تنزح، وهذه في مسألة يذكرونها في باب الآبار في الفقهيات، أنه إذا سقط آدمي ومات في بئر؛ كم ينزح من البئر؟ كم دلو؟ هناك آثار عن عبد الله بن الزبير، وابن عمر في تحديد الدلاء.
هناك طرفة عند أهل الرأي -الأحناف-، ودائماً هم أصحاب طرف في الفقه عندهم مسألة، يقولون: "إذا فأرة وقعت في بئر هل تنجس أم لا تنجس؟" فيفصل بعضهم يقول: "إذا كان يلحقها هر (يطاردها هر) تنجس، إذا سقطت بدون مطاردة لا تنجس".
كيف يا شيخنا؟ قال: "نعم، لأنها إذا لحقها الهر تكون خائفة، ففي الغالب ستبول في البئر فتنجس".
قال: أما إذا كانت هكذا، الأصل أنها لم تبل، الأصل بقاءها.
((وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها)).
نعم، ((وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره))؛ أنت تيقنت أن هناك نجاسة وقعت على ثوب، لكن لم تعد تميز، آنذاك... في الثياب الملونة إلى حد كبير فممكن يخفى الأمر، فيغسل الموضع الذي يستيقن من خلاله أنه...
هذه مسألة يعني تتبع ما بعدها إن شاء الله: ((وإن اشتبه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما)).
نعم، هذه مسألة، في العادة يظلم المصنف ولا تذكر أدلته بشكل كامل في هذا: اشتباه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تيمم.
أولاً ذكرنا أن مسألة الاشتباه هذه تضيق على مذهب من يرى بأن الماء النجس هو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة، لكن على مذهب المصنف أن ما دون القلتين بمجرد مخالطة النجاسة له ينجس ولو لم يتغير.
طيب، ما الدليل على هذا؟ ما الدليل على أنه ((إذا اشتبه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما))؟
الدليل ليس في هذا الباب، الدليل قياساً على مسألة أخرى في باب آخر، وهو ما روى البخاري من حديث عدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم فسم عليه، فما أمسك لك فكل، فما أكل فلا تأكل؛ فإنما أمسك لنفسه، فإن وجدت كلباً مع كلبك فلا تأكل؛ فإنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر».
الآن في حال الاشتباه، النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنك إذا وجدت كلبك عند الصيد ووجدت معه كلباً آخر فاشتبه: هل كلبك الذي صاد أم الكلب الآخر؟ ماذا أمرك النبي صلى الله عليه وسلم؟ أن تتركه.
هنا قاس الأصحاب، قالوا: "إذا اشتبه ماء نجس بماء طهور تترك الاثنين".
وفرعوا عليها فروعاً حتى في أبواب النكاح والرضاع، مثلاً: جاء رجل خطب امرأة فقالت أمه: "لا أدري، أنا أرضعتها هي أم ابنة عمها؟ لكني أنا جازمة أرضعت واحدة من الاثنتين لكن لا أدري هي أم ابنة عمها"، ماذا يقال؟ يقال: "تترك، الحاظر مقدم على المبيح"، وتحتاط.
فهذا أصل الأصحاب في باب الاحتياط.
بعض الناس يورد حديثاً يقول: "لا، يتحرى"، ما التحري؟ قالوا كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أمر سجود السهو، في حديث عبد الله بن مسعود: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين بعدما يسلم».
فقالوا إن هنا نتحرى.
حديث ابن مسعود ائتِ به من أوله حتى تستبين ماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري.
حديث ابن مسعود في الصحيح يقول: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة -فلا أدري زاد أو نقص-» لا يذكر، فجاءه رجل فتبين أن قصة ابن مسعود هذه هي نفس قصة ذو اليدين، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شك في صلاته فليتحر الصواب» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري؟ أراد ما حصل معه من الأخذ بخبر الثقة، فهذا التحري.ليس التحري أن تجلس تفكر بينك وبين نفسك كما يفهم بعض الناس.
التحري المراد في هذا الحديث، قد يقول شخص: "لا يا أخي، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، لا، هنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم جاء مفسراً لما حصل، وإلا فالإمام ليس بابه هذا.
إذا استطعت أن أتحرى فلم يشتبه أصلاً، لا يورد على ابن قدامة حديث التحري؛ لماذا؟ لأن ابن قدامة يقول لك: "إذا اشتبه"، وفي حال وجود التحري، في حال وجود قرينة أو خبر ثقة (شخص يخبرني يقول هذا الماء ليس فيه كذا)، في حال استطعت بالنظر وبقرائن؛ ما عاد هناك اشتباه.
هو يحدثك عن حال الاشتباه تام الإغلاق، فلا يورد عليه أمر التحري؛ لأن أمر التحري إنما يرد في حال وجود قرائن وأدلة وكذا، في حال وجود قرائن وأدلة لا اشتباه.
بحثنا الآن في المشتبه، طيب يقول شخص: "ألا يصلح أن يتوضأ فيه بالمائين معاً؟" طهور وبالنجس؟ لا، لا يصح، لأنك إذا توضأت بالنجس بعد الطهور صرت متنجسا.
(( وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما))؛ لأنه الطاهر ما راح ينجس، في النهاية أنت توضأت.
لكن طبعاً الطاهر والطهور هذه قسمة الجماعة، قدمنا الكلام فيها.
نعم.
((ومن اشتبهت ثيابه الطاهرة بالنجسة؛ صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس، وزاد صلاة)).
هذه من أصعب المسائل يعني تطبيقاً؛ اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، عندك ثوبان جزمت أن نجاسة وقعت عليهما، وثوبان آخران طاهران، كم ثوب نجس عندك؟ اثنان، تأخذ ثلاثاً وتصلي في كل ثوب صلاة؛ فيقيناً أنت صليت في الطاهر.
هذه هي المسألة، هذه المسألة قليلة الوقوع، صعبة، لكن آنذاك كانت الناس ثيابهم قليلة ابتداءً يعني، يعني جابر -رضي الله عنه- يصلي بإزار بسبب ما قلناه الثوب آنذاك يقولون: "فلان لبس ثوبين"، ثوبي الإحرام (الرداء والإزار)، الإحرام الذي نراه هذا ثوبان هذه حلة عنده، عندهم هذا الرجل يعني بلغ... يعني يرتدي الحلة وكذا، وكثير من الصحابة كان يرتدي إزاراً، هذا إزار ولا يوجد رداء، لهذا يعني ذاك الرجل في حديث سهل بن سعد في المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: «ما عندك؟»، قال: "عندي إزاري"، ما عنده شيء، فقط إزاره حتى رداء ما عنده.
جابر يصلي -يعني بعد ما فتحت الأمور- جابر آخر الصحابة موتا (في مكة) يصلي بثوب واحد فيأتي غلامه ينكر عليه، قال له: "تصلي بثوب واحد بعدما فتح على الناس وصاروا يلبسون!"، قال له: "لكي يراني أحمق مثلك، أو كلنا يجد ثوبين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟".
فرأيت بارك الله فيك فآنذاك يعني ممكن واحد ما يكون عنده إلا ثوبين بس، فيقدر يطبق هذا الذي تكلم عليه ابن قدامة، مثل هذه الفروع الصعبة تجعلنا نميل للقول بالتحري.
((وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب)).
نعم، تغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب.
أما نجاسة الكلب فمنصوصة... وردت رواية «إحداهن بالتراب»، واختلفت الرواية «أولاهن بالتراب» وهذا الحديث رواه أبو هريرة، وأكثر الرواة عنه... فقط ذكر التتريب ابن سيرين، ابن سيرين وحده الذي ذكر التتريب، والعادة عند أهل الحديث أنهم يعتبرون مثل هذا زيادة شاذة، وبعضهم قال إن البخاري اجتنب هذه الزيادة عمدا، ولكن الأمر في طبقة التابعين أهون، خصوصاً إذا كان من رجل جليل مثل ابن سيرين رحمه الله.
وقد ورد في حديث عبد الله بن مغفل: «عفروا الثامنة بالتراب»، و«الثامنة بالتراب»، وظاهر حديث عبد الله بن مغفل لم يقل به إلا الحسن البصري الراوي عن عبد الله بن مغفل، وإلا فحملوه قالوا: "الثامنة هذه هي إحدى السبعة، ولكنها خصت لأنها ليست من جنس الماء".
الآن بحث التتريب «أولاهن» أو «أخراهن» بالتراب؟ والأصح «أولاهن»، الأصح سنداً ونظراً، فهي الأقوى من جهة السند ومن جهة النظر؛ لأننا لو غسلناه في السابعة بالتراب احتجنا إلى غسلة ثامنة.
وردت زيادة رواها علي بن مسهر في صحيح ابن خزيمة قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه»، وهذه الزيادة وإن كانت يعني ثابتة نظراً (لا شك أنك ستريق الماء) غير أنها سنداً ليست ثابتة.
المالكية يبيحون لحم الكلب ولا يرون نجاسته، حتى سؤره لا يقولون بنجاسته، ما أجابوا على هذا الحديث؟ قالوا: "النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسبع، والعادة في النجاسات تغسل بمرة، فدل أن الأمر تعبدي محض فلا يدل على نجاسته" هذا كلام غريب لكن التعصب المذهبي يصنع أكثر من ذلك، يسمع، إذا كانت النجاسة التي تغسل مرة كانت دليلاً على النجاسة، فكيف بالتي تغسل سبعا؟!
أتذكر كأنني قرأتها قديما ذكرها ابن أيبك الصفدي أن بعضهم (شيعياً ومالكياً) تناظرا في مسألة، وظهر الشيعي على المالكي ثم أجلب عليه أنت أنت أنت، فقال له المالكي: "كلني! كلني!"، فقال له الشيعي الخبيث، قال له: "لست على مذهبك" لست على مذهبك في جواز أكل الكلب.
وأما أهل الرأي (الأحناف) فكان لهم مبحث آخر، قالوا: "لا يشترط سبع، بل تغسل مرة"، "سبعة هذه تريدها فضلاً من عندك"، واستدلوا بأمرين: استدلوا برواية موقوفة على أبي هريرة أنه قال "ثلاثة"، وهذه يرويها عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي الملقب بالميزان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة وهذه رواية... وهي موقوفة، ثم إنه على أصولهم بأن خبر الواحد إذا خالف القياس -القياس الفاسد الخبيث- أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يؤخذبه، هذا خبر أبو هريرة خالف القياس، النجاسة تغسل مرة فقط.
أليس أبو هريرة ليس فقيها هو الآخر على مذهبهم!
أما قياس الخنزير فهذا قياس قاسه بعض الفقهاء، ولا يظهر؛ لأنه أمر تعبدي.
وبعض الناس ذكروا أن سؤر الكلب فيه جراثيم معينة، وهذه قد لا توجد في الخنزير.
غير أن الكلب كله طاهر إلا سؤره نجس، هذا الذي رجحه جماعة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قدامة المصنف في "المغني"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في كلب الصيد والماشية والزرع ولم يأمر أهله بالتحرز منه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأصل في الأمور الطهارة، والدليل إنما دل على نجاسة السؤر.
كان بعضهم نظراً قال: "الكلب عادة يلعق جسده وكذا"، ولكن هذا يستحيل، يعني أقصد أن هذا اللعاب وكذا يذهب يستحيل.
هنا كلام لابن رشد الأندلسي في "بداية المجتهد" يقول: "ولعل في سؤره -أي الكلب- خاصية من هذا الوجه، أعني قبل أن يستحكم به الكلب، ولا يستنكر ورود مثل هذا في الشرع، فيكون هذا من باب ما ورد في الذباب إذا وقع في الطعام أن يغمس، وتعليل ذلك بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء".
هذا جيد من ابن رشد، يختار أن الأمر تعبدي لا يقاس على الكلب غيره، وقال لعل الأمر كما في الذباب، واليوم المشتغلون بما يسمى بالإعجاز العلمي في الأمرين أثبتوا ما يسمونه بالإعجاز العلمي في السنة، ولطيف أن ابن رشد ذكرهما معاً.
((ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث)).
نعم، استدلوا بحديث: «إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً»؛ وهذا استدلال فيه نظر لأنه لا يوجد نجاسه بل هذا كما ورد في روايات أخرى، الخبر في الوضوء.
والصواب في إزالة النجاسة -يعني- أن تزول عينها.
واستدلوا أيضاً في أن... استدلوا بحديث الاستجمار «ائتني بثلاثة أحجار»، قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم أمر بـ «ثلاثة أحجار»، ولا بد أن يكون للعدد معنى.
المخالفون لهم قالوا: "أتاه بروثة فقال: «إنها ركس» قالوا: "ولم يأمره أن يأتي بالثالثة"؛ فاستدلوا أنه اكتفى باثنتين.
لا، الظاهر أن الصواب أن ابن مسعود اكتفى بالأمر الأول، وهناك زيادة فيها نظر: «ائتني بغيرها»، ولكنك لو تأملت في الشريعة لوجدت أن المقصود في النجاسة تغييب عينها، قدمنا الأدلة على ذلك خصوصاً في حال الاستنجاء في غسل النجاسة بالماء.
سيأتي حديث الأعرابي، والذي يظهر -وقول الإمام له قوته- ولكن الصواب أن المقصود تغييب عين النجاسة.
((وإن كانت على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صبوا على بول الأعرابي ذَنوباً من ماء)).
نعم، وإن كانت الأرض هكذا فرق بين النجاسة التي لا بد من تغييب عينها ثلاث مرات وبين ما كانت على الأرض هكذا، ولكن هذا التفريق من جهة القياس والنظر لا معنى له؛ المقصود تغييب عين النجاسة وزوال النجاسة حتى لو كان بالتبخير، حتى لو كان بالاستحالة مثلاً.
على قول من يقول بنجاسة الخمر؛ الخمر يتحول خلاً بمعالجتنا وماسواه -طبعاً نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ خلا- لكن لو تحولت خلاً هل يصير هذا الخل طاهراً.
بحيث إذا وقع على ثوبك ونحن لا... اضرب مثالاً: ال... وقع في مملحة فصار ملحاً؛ انتهى، خلاص استحال.
وفي بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: ((ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح)).
النضح رش الماء عليه هذا ورد في الحديث: «بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل».
وبحثوا طبعاً في العلل وكذا، كثير من الفقهاء قالوا: "الطفل إن كان أكبر أو كان ذكر يكون..." وفعلا هذا قد يكون له احتفاء إن كان في هذا... لكن لا نقول الحكم يدور مع علته لأن قد تكون هناك اعتبارات عضوية أصلا، لكنه إذا أكل الطعام صار لا بد من الغسل.
نعم، كذلك المذي وهو سائل يخرج عند المداعبة ولا يعقبه فتور، أما المني يخرج عند الجماع ويعقبه فتور هذا المني، وما يتبع البول هذا الودي، الودي نجس لأمر النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث- أن ينضح فرجه: «أن يتوضأ وينضح فرجه».
وأما زيادة «غسل الأنثيين»؛ فهذه أعلها الإمام أحمد، ...نضح بالماء صار غسله... نعم، وقد ورد في حديث الصحيحين ذكر «انضح» و«اغسل» واحد بالنسبة للفرج.
((يعفى عن يسيره)).
يعني يعفى عن يسير المذي، هذه رواية في المذهب قياساً على الدم.
والواقع أنه لا يعفى عن يسيره لأنه هذا هو يسير، هو يسير نعم، ويسير الدم.. نعم، الدم في المذهب نجس، ليس في المذهب فقط حقيقة يقول الإمام أحمد لا يختلف هذا، وهذه ناقشها شيخ الإسلام نقل... سبعة أو ثمانية.
وأما بعض النصوص التي توهم أن... كخبر عمر وجرحه يثعب دما، عمر لم يكن يمكنه أن يطهر الدم أصلاً، شرب اللبن فخرج؛ هذه حالة مضطر.
وأما الحديث الذي في سنن أبي داود، الصحابي الذي كان -يعني- يحرس فرماه المشرك بسهم فهذا الحديث في سنده بحث؛ لأن في سنده عقيل بن جابر، وقال فيه الحافظ في "التقريب": "مقبول حيث يتابع وإلا فلين"، ثم إنه قد يحمل على خصوصية أنه كان يحرس، يعني لو جعل قليلاً...
وأما خبر الحسن البصري: "ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم"، هذا في حال الحرب، في حال الحرب يعفى عن استقبال القبلة في حال ال...، بل في مذهب بعض المسلمين يصلي ركعة واحدة فقط.
هذا أمر آخر، هذا بحث آخر، هذا دم الآدمي.
وصح عن ابن عمر وابن عباس أن الدم نجس، وقال ابن عباس: " يعفى عن يسيره"، هذا اختاره عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهذا هو المذهب وهذا هو الصواب، أنه يعفى عن يسير الدم؛ هذا بالنسبة لدم الآدمي.
ماذا عن دم الدابة المسفوح؟ ورد خبر عن عبد الله بن مسعود أنه نحر جزوراً ثم صلى ودمها على ثوبه، وهذا يرويه عن ابن مسعود رجل جزار اسمه يحيى الجزار، وهذا الجزار لم يسمع من ابن مسعود ولم يدركه، فيحيى الجزار تكلموا في سماعه من ابن عباس وأم سلمة، وابن مسعود أقدم من هؤلاء وفاة، فابن مسعود مات قبل عثمان، مات سنة اثنتين وثلاثين للهجرة.
وإذا نظرت في "مسند أحمد" في أخبار ابن مسعود وجدت أن هذا الجزار في العادة يروي عن ابن مسعود بواسطتين.
وصح عن أبي موسى الأشعري أنه يرى أن هذا الدم نجس، ولا يعلم له مخالف نعم، ...المسفوح إذا سفح إذا ذبحتها هذا الدم، نعم.
أما دم الحيض فهذا لا خلاف في نجاسته، هذا نجس، ما يُصلى فيه.
لا، الأثر لا يضرك.
رأيت بارك الله فيك.
فيقول ابن قدامة: ((ويعفى عن يسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد)).
هي هذه "اليسير"؛ تعريف اليسير هو ما لا يفحش في النفس يعني أرجعه للعرف، ما لا يفحش في النفس.
ومع نجاسة الدم يجوز نقل الدم للضرورة، لكن لا يجوز بيعه إجماعاً، نقل الإجماع ابن المنذر.
هذا الذي يسمى اليوم تبرع بالدم ثم يأخذ مالا هذا ليس تبرعا، هذا أول شيء معاوضة، هذا بيع، يقول لك: "رايح أتبرع"، ويأخذ فلوس، كيف؟ هذا ليس تبرعا، هذا لا يجوز، ...للإجماع المنعقد على أن الدم لا يجوز بيعه.
((ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر)).
مني الآدمي طاهر لأن عائشة كانت تحكه حكاً، لأنه أصل الآدمي.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلت رطبه ويفركه يابسه، فهذا من باب النظافة لا غير، وأصل الآدمي طاهر.
وذكر السيوطي في كتابه "إرشاد المهتدين إلى نصرة الأئمة المجتهدين" -ومن الأئمة المجتهدون؟ هو السيوطي هو الأئمة المجتهدون- مناظرة لطيفة بين حنفي وشافعي؛ الأحناف يذهبون إلى نجاسته، واستدلوا بقضية الغسل، قالوا: "لأنه يغسل"، وفاتتهم رواية الفرك.
والشافعي يرى طهارته، ويقول الشافعي -يعني سخرية من هذا الحنفي-: "من يعذرني من هذا الرجل؟ أسعى في طهارة أصله وهو يسعى في نجاسته؟ أسعى أن يكون أصلك طاهراً (أصلك مني طاهر) وأنت تقول لا أصلي نجس".
هذا الشافعي، طبعاً هو أورده السيوطي من باب ضرب المثل؛ لأنه قال عن نفسه: "أنا إمام مجتهد"، فقالوا له المقلدة الذين في عصره قالوا: "لا، الاجتهاد انقطع"، فذهب يجمع لهم نصوصاً بأن الاجتهاد فرض على الأمة في كل عصر، وقال: "أنا أحمل عنكم الفرض"، قالوا: "لا، نأثم كلنا ولا تكون أنت الإمام المجتهد أو الإمام المجدد"، وكما يقول عن نفسه: "وقد رجوت أنني المجدد ** فيها ففضل الله ليس يجحد" ولا أظنه كان مجدداً.
((وبول ما يؤكل لحمه طاهر)).
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الصلاة في مرابض الغنم، وهي في الغالب يعني يكون فيها شيء من عذرتها وبولها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين بأن يشربوا من أبوال الإبل.
الشافعية يذهبون إلى نجاسة أبوال الإبل، وهذا من التشديد في مذهبهم،عادة يُتهم الحنابلة بالتشديد، لا الشافعية الآن يشددون، وتأولوا حديث العرنيين تأويلاً غريباً، قالوا: "هذا من باب الطب" يعني ضرورة، فرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رداً قوياً وقال: "إن الله عز وجل لم يجعل الشفاء فيما حرم"، كما ورد عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هذا أمراً محرماً لما جاز التداوي به، إنما لا يتداوى إلا بالطيب.
قوله: ((مأكول اللحم بوله وعذرته طاهرة)).
مرابض الإبل نعم، مرابض الإبل لماذا نهي عن الصلاة فيها؟ لأن لها أوابد كأوابد الوحش، وإنها خلقت من جن، وأنت تدري عندك خبر... إيه، لكن «خلقت من جن» الأخبار الكثيرة، حاول الطحاوي يماحك ويدفع هذا كله لأن مذهبهم جواز هذا، لكن لا هذا الصواب، والعلل كثيرة سواء عقلناها أو لم نعقلها، عندنا أخبار واضحة لكن ليس من نجاسة بولها.
الحديث صحيح أنه أمر العرنيين حديث في الصحيحين، وهذه كانت صفعة للشافعية أنهم شددوا تشديدا...