عمدة الفقه — كتاب الطهارة (شرح أبي جعفر الخليفي)المجلس السابع: باب نواقض الوضوء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المجلس السابع: باب نواقض الوضوء

قيد المراجعة

باب نواقض الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف: ((باب نواقض الوضوء، وهي سبعة: الخارج من السبيلين، والخارج النجس من غيرهما إذا فحش)).

طيب، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
قال رحمه الله في نواقض الوضوء: أولاً الخارج من السبيلين وهما القُبل والدُبر، وهذه مسألة إجماعية وظاهرة في القرآن: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6].
غير أنهم اختلفوا إذا خرج منهما شيء طاهر كالدود؛ فبعض الفقهاء رأى الطهارة وأنه لا ينقض الوضوء قياساً على الاستحاضة، [أي] كان إذا خرج منها هذا الدم -يعني- لا ينقض.

قال: ((والخارج من غير السبيلين النجس إذا فحش)).
يعني إذا خرج البول -وهذا متصور اليوم في مسألة الأنابيب هذه- إذا خرج البول أو الغائط من غير السبيلين هل ينقض الوضوء؟ في مذهب أبي حنيفة أنه لا ينقض، وفي مذهبنا (مذهب الحنابلة) بل مذهب الجمهور (الشافعية والمالكية والحنابلة) أنه ينقض.

والخارج من السبيلين فيما يتعلق بالذكر على أصناف: 1- البول: وهذا لا خلاف فيه.
2- المني: ويعرفونه بأنه سائل كثيف، يقول بعض المالكية له رائحة كرائحة الطَّلْع، يعقبه فتور، ويخرج بسبب قضاء الوطر أو انقضاء الشهوة، وهذا يوجب الغسل، ويفسد الصيام إذا خرج سواء باستمناء أو خرج باحتلام.
3- المذي: وهو السائل الذي يخرج عند المداعبة ولا يخرج بدفق، وهو نجس -أما المني فالراجح فيه الطهارة- وهذا يجب غسله.
واختلفوا: هل يجب معه غسل الأنثيين (وهما الخصيتين)؟ والصواب أنه لا يجب لأن الحديث في هذا الباب ضعيف (ضعفه الإمام أحمد)، غير أنه يجب غسل الذكر كاملاً بخلاف البول الذي يغسل فقط رأس الذكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «انضح فرجك»، -أو قال للمقداد- لما سأله عن هذه المسألة.
4- الودي: وهو السائل الذي يخرج بعد البول في العادة، هو سائل أبيض يخرج بعد البول، هذا كالبول ملحق به.

وإذا اغتسل المرء من الجنابة ثم خرج منه المني ما الحكم؟ يعني بعدما اغتسل خرج شيء.
هذه مسألة تقع في المذهب، قالوا: "إن كان قبل البول فهذا مني فيوجب عليه غسلاً آخر، وأما إن كان بعد البول فهذا ودي لا يوجب غسلاً وإنما تنتقض به الطهارة فقط".
وأما الشافعي فسوى والذي يدل عليه النظر هو المذهب.

طيب، طبعاً اشتراط أن يفحش إذا خرج من غير السبيلين قياساً على الدم؛ لأن ابن عباس رضي الله عنه قال في الدم إذا خرج من الشخص: "يُعفى عن يسيره".
وما ضابط الفحش وعدمه؟ الضابط ما يفحش في النفوس عادة، يعني الضابط راجع للعرف.

وهناك أمر يخرج وهو القيء؛ هل هو ناقض؟ الصواب أنه من نواقض الوضوء؛ روى مالك في الموطأ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «من أصابه رعاف أو قَلَس أو قيء وهو في الصلاة فليترك وليتوضأ ثم ليبنِ»، فجعله ناقضاً وهذا هو الصواب، فالقيء ناقض أيضاً.
نعم.

((وزوال العقل، إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً)).

قال: ((وزوال العقل)) ليدخل فيه الإغماء والنوم.
أما أمر الإغماء فمضبوط، وأما أمر النوم ففيه بحث كثير وإشكالات.
مرّ معنا في حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين قال: «أمرنا أن لا ننزع خفافنا من بول أو غائط أو نوم»، فدل على أن النوم ناقض، وهذا محل اتفاق، لكن أيُّ نوم؟

ورد حديث أنس أن الصحابة كانوا يجلسون وتخفق رؤوسهم -يعني ينامون ويَغطّون- ومع ذلك يقومون يصلون ولا يتوضؤون.
فما الضابط؟ قالوا: النوم العميق الذي يفقد معه الإنسان الشعور هو الذي يكون ناقضاً، الذي يكون شبيهاً بالإغماء.

وأما النوم قائماً أو جالساً... وإلا فأهل الرأي لهم مذهب (الأحناف)، قالوا: "النوم على أي هيئة من هيئات الصلاة -سواء كان قائماً أو راكعاً أو جالساً أو ساجداً- هذا لا ينقض الوضوء، والنوم مضطجعاً مطلقاً ينقض الوضوء"، واحتجوا بأثر عن أبي هريرة ولا يصح.

وابن عبد البر غير مذهبه في المسألة -فيما أذكر- بناءً على حادثة حصلت معه؛ كان جالساً إلى جانب رجل، فهذا الرجل غطّ قليلاً وأحدث في صلاة الجمعة، فقال له ابن عبد البر: "اذهب وجدد وضوءك فقد أحدثت"، قال: "لا، أنا ما أحدثت"، قال: "بلى أحدثت"، قال: "لا ما أحدثت، أنا كنت صاحياً وغفوة بسيطة".
فصار ابن عبد البر يذهب إلى أن النوم مطلقاً ينقض الوضوء بعد هذا الرجل الذي [عاند].

وهناك حديث مروي من حديث علي ومعاوية: «العين وكاء السَّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»، ومعناه أن العين هذه كأنها غطاء للدبر، فإذا غفت انطلق الإنسان.
وهذا الحديث تكلم فيه أبو حاتم وأبو زرعة في "العلل" وإن كان معناه صحيحاً.
عموماً: النوم العميق ينقض الوضوء، وهو الذي يفقد الإنسان معه الشعور، وكذلك الإغماء لأي سبب كان؛ لصرع، أو واحد "ضُرب بآلة" على رأسه، فهذا أيضاً ينقض الوضوء.

نعم، ((ولمس الذكر بيده، ولمس امرأة بشهوة)).

طيب، لمس الذكر باليد؛ هذه مسألة تعارضت فيها الأحاديث عند الناس، فعندنا حديث طَلْق بن علي الصحابي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر فقال: «إنما هو بضعة منك»، وعندنا حديث بُسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ».
ولتعارض هذين الخبرين عند الناس اختلفوا في الجمع:

  • فمن الناس من رجّح حديث طلق على حديث بسرة وقال: "لا ينقض مطلقاً"، وكان هذا مسلك ابن المديني رحمه الله.
  • ومنهم من رجّح حديث بُسرة وقال: "ينقض بإطلاق"، وهذا مسلك أحمد في رواية ومسلك الشافعي، وضعفوا حديث طلق بن علي وقالوا ابنه قيس مضعف، وهذا عندي الصواب؛ فالحديث ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والشافعي، ورجحه يحيى بن معين والبخاري على حديث طلق.

ومن الناس من حاول الجمع بين الحديثين فقال: "الوضوء من مس الذكر مستحب وليس واجباً"، وهذا مسلك أحمد في رواية ومالك ومحمد بن يحيى الذهلي.
ومنهم -وهذا قول حادث في الحقيقة- من قال: "المس بشهوة ينقض والمس بغير شهوة لا ينقض"، وهذا يدفعه الحديث؛ فإن الصحابي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كونه يمس ذكره في الصلاة، وهذا بعيد عن الشهوة، والنبي ما استفصل، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يأخذ مأخذ العموم في المقال.

وأما الشافعي فله مذهب غريب في المسألة، قال: "المس بظاهر اليد (هذه الأصابع) لا ينقض، والمس بباطن اليد ينقض"، واحتج بحديث أبي هريرة: «من أفضى بيده إلى ذكره»، وقال: "الإفضاء لا يكون إلا بباطن اليد".
وهذا غريب؛ لأن الحديث: «من مس ذكره» يشمل جميع أنواع المس.
والصحابة اختلفوا؛ والشافعي رحمه الله قال: "الذين قالوا بأن مس الذكر لا ينقض الوضوء جروا على القياس -حذيفة يقول: لا أبالي مسستُ ذكري أو مسستُ أنفي- فجروا على القياس، وأما الذين قالوا ينقض خالفوا القياس، وهذا يدل على أن معهم نصاً"، وفعلاً وجدنا النص.
فالراجح أن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقاً، هذا الصواب والمسألة فيها أخذ ورد كثير اختصرناه بهذا.

((أو لمس امرأة بشهوة)).
الناس في هذا على ثلاثة مذاهب: 1- مذهب يرى أن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقاً: بشهوة أو بغير شهوة، وهذا مذهب الشافعي وهو أشد المذاهب، ويرد عليه حديث عائشة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويغمز رجلها لكي تكفها.
ويذكرون هنا طرفة أن رجلاً شافعياً حجّ فأراد أن يطوف بالبيت، فوضع في يديه قفازين بحيث إنه لا يمس امرأة فينتقض وضوؤه بناءً على مذهبه، فجاءته امرأة وضربته على جبهته وقالت: "أفشتك يا شافعي"، فانتقض وضوؤه.
2- المذهب الآخر الذي هو على الضد: أنه لا ينقض الوضوء مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، واحتجوا بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ، وهذا الحديث على شهرته ضعفه أحمد وأبو حاتم والدارقطني والبخاري، وتوقف فيه أبو زرعة وقال: "لو صح لقلت به".
ومن المعاصرين الذين يضعفونه الشيخ مقبل والشيخ ربيع.
واحتجوا بأن ابن عباس قال في قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] قال: "الجماع"، قالوا: فدل أنه لا ينقض إلا الجماع.
على أن قول ابن عباس لما قال الجماع لا ينفي أن ما سواه ناقض.

وأما مذهب أحمد الذي فرق بين المس بشهوة والمس بغير شهوة هو الأحظى بالدليل، فهذا مذهب ابن مسعود وابن عمر من الصحابة؛ فابن مسعود فسر قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} قال: "المس بشهوة"، فهنا خالف ابن عباس.
وابن عمر كان يتوضأ من تقبيل نسائه.

ويقول ابن تيمية: "هذا الذي يدل عليه القياس"؛ فإنك مثلاً في باب الحدود إذا مسست امرأة من غير شهوة من حيث لا تشعر ما عليك شيء، وإذا مسستها بشهوة عليك تعزير، وإذا جامعت عليك حد.
وفي باب الحج إذا مسست من غير شهوة امرأتك ما عليك شيء، وإذا مسست بشهوة عليك فدية، وإن جامعت قبل التحلل الأول فسد حجك.
ففي باب الطهارة إذا مسست من غير شهوة لا ينقض، وإذا مسست بشهوة نقض ولزمك الوضوء، وإذا جامعت اغتسلت.
رأيت كيف أن الشريعة متسقة في الأبواب كلها وهذا هو الصواب وهذا هو المذهب الحق.
وبعضهم رجح تفسير ابن عباس قال: {لَامَسْتُمُ} الملامسة مفاعلة وتكون بين شيئين، فادعى أن هذا دليل على الجماع، وهذا غير صحيح؛ بيع الملامسة أنت تلمس ثوباً والثوب لا يلمسك أصلاً، فهذا غير صحيح والراجح تفسير ابن مسعود.

((والردة عن الإسلام، وأكل لحوم الإبل)).

طيب، والردة عن الإسلام؛ هذا مذهب الحنابلة فقط، والجمهور لا يرون الردة ناقضة، والحجة مع الحنابلة؛ الله عز وجل يقول: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]، وهذا يدخل فيه موضوع الوضوء والطهارة، وإلا فالجمهور يخالفون، وهذه من مفردات المذهب.

((وأكل لحوم الإبل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضؤوا منها، قيل: أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ)).

عامة المسائل يذكرها المصنف بدون أدلة، وهذه بالذات جاء بدليلها، لماذا؟ لأن هذا من مفردات المذهب؛ فنحن نخالف الجمهور في هذا، فلا أهل الرأي ولا أهل المدينة ولا الشافعية يرون الوضوء من أكل لحم الإبل، وعامة أهل الحديث يرون هذا.
وهذا من سعة اطلاع الإمام أحمد؛ بل الإمام رحمه الله كان يتعجب من الذين يرون الوضوء من "القهقهة" والحديث فيها ضعيف، ولا يرون الوضوء من أكل لحم الإبل.
وممن يرون الوضوء من مس الذكر والأحاديث فيها تعارض وخلاف بين الصحابة، ثم لا يرون الوضوء من أكل لحم الإبل مع أن الحديث لا معارض له وعامة الصحابة عليه.
وبعضهم تفلسف قال: "الوضوء مما مست النار نُسخ فيدخل معها موضوع الإبل"، وهذا خطأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه يسألونه عن الوضوء من لحم الغنم يقول: «إن شئت»، فهذا دليل أنه قاله بعد نسخ الوضوء مما مست النار.
فالراجح أيضاً أن أكل لحوم الإبل ناقض للوضوء خلافاً للجمهور، لكن نحن معنا الحجة.

ثم اختلفوا في التعليل: لمَ؟ هل لأنها خلقت من جن؟ هل هي كذا؟ هذا ليس بحثنا الآن.
وبعض الشافعية اخترع رواية قال فيها: "إن الصحابة كانوا جالسين فأحدهم أحدث وكان قد أكل لحم إبل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: من أكل لحم الإبل فليتوضأ، مراعاة لمشاعر هذا الشخص"، هذه رواية لا وجود لها وهي من اختراع هذا الشخص.
نعم.

((ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ فهو على ما تيقن منهما)).

نعم؛ هذا "اليقين لا يزول بشك".
أنت الآن توضأت وتيقنت أنك متوضئ، فشككت: "أحدثتُ أم لم أحدث؟"، تبقى على الأصل أنك متوضئ ولا توسوس.
أنت خرجت من الغائط وشككت: "توضأتُ أم لم أتوضأ؟"، ارجع على أن وضوءك منتقض أصلاً، فالأصل العدم.
وهذا يدل عليه حديث: «لا ينصرف أحدكم حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً».
وروي مختصراً: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، وهذا خطأ من شعبة رحمه الله تعالى.

طيب، هناك مسألة هو أجلها للباب الذي يليه وهو باب "التقاء الختانين"، هل هو ناقض للوضوء؟ أجلها لباب غسل الجنابة ولكن هي مناسبة هنا، وهو مجرد الجماع؛ هل ينقض الوضوء؟ نعم ينقضه.
ومعنى التقاء الختانين: "تغييب الحشفة" (التي هي رأس الذكر)، وتغييب الحشفة هذه ينبني عليها أحكام كثيرة جداً؛ ينبني عليها وجوب الغسل، ووجوب المهر كاملاً في حال الزواج، وفساد الحج قبل التحلل الأول، وفساد الصيام ولزوم الكفارة.
على هذه مسألة تغييب الحشفة دائماً يشرحونها لأن بعض الناس لا يعرف ما هو الجماع وما سواه، فإذا غابت الحشفة وإن لم ينزل [انتقض الوضوء ووجب الغسل].
وهناك مسألة طريفة؛ وهي من جامع بهيمة هل ينتقض وضوؤه أم لا؟ أبو حنيفة يقول لا ينتقض، والصواب أنه ينتقض على قول الجمهور.


فصول الكتاب · 12 فصل
جارٍ التحميل