توضيح الأحكام شرح تحفة الحكامصفحات 82-121

باب في النكاح وما يتعلق به

صفحات 82-121

النفقة في مقابلة الاستمتاع وهي قد فوتته عليه فإن لم يباشر الزوج أدبها بنفسه لعدم الفائدة ورفع أمره في ذلك إلى القاضي وطلب إسكانها بدار أمناء كان له ذلك بأي وجه من الوجوه كما في فائق ابن راشد وكذا إذا ادعت الزوجة الضرر وتكرر منها ذلك ولم تقم على دعواها بينة وطلبت السكنى بين قوم صالحين كان لها ذلك أيضًا فإذا أسكنها القاضي بين من يرضونه كلفهم تفقد خبرها وعليه أن يعمل بقول من ائتمنه عليهما رجلًا كان أو امرأة لأنه نائب عنه فإن انكشف له أمرها ورأى الإساءة من الزوج أدبه ونهاه فإن لم ينزجر وتكرر ذلك منه طلقها عليه بلا شيء وإن كان منها ائتمنه عليها إن كان للزوج فيها رغبة وبشر بالصبر لقول النبي صلى الله عليه وسلم من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله ثواب آسية بنت مزاحم امرأة فرعون الحديث فإن لم يصبر على إذايتها خالعها بما يراه القاضي نظرًا وإن كانت الإساءة منهما فرق بينهما على بعض ما أصدقها ولا يستوعبه له كما يأتي قريبًا وإن أشكل عليه أمرهما ولم ينكشف وطال عليه تكرر شكواهما سواء أسكنهما بين قوم صالحين أم لا بعث إليهما حكمين على ما يقتضيه قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ الآية وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وإن ثبوت ضرر تعذرا... لزوجة ورفعها تكررا) (فالحكمان بعد يبعثان... بينهما بمقتضى القرآن) (إن وجدا عدلين من أهلهما... والبعث من غيرهم إن عدما) (وما به قد حكما يمضي ولا... إعذار للزوجين فيما فعلا) يعني أن ضرر أحد الزوجين بصاحبه إذا تعذر ثبوته عند القاضي فإن العمل في ذلك أن يبعث إليهما حكمين عدلين حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن وجدا فإن لم يوجدا فمن غير أهلهما فيختبران أمرهما ويأمرانهما بالصلح ولا يلزم أن يكونا

معهما ملازمين وإنما يدخلان عليهما المرة والمرتين والثلاث قاله المشاور وعليهما أن يجتهدا في ذلك فإن قدرا على الإصلاح فذاك المراد وإلا نظرا في أمرهما بما تحصل عندهما فإن كانت الإساءة من الزوجة ائتمناه عليها إن كان لا يتجاوز الحق فيها عند ظلمها وكانت له رغبة فيها إلا أن يريد الزوج الفراق فيفرق بينهما ولا شيء لها من الصداق (قال) عبد الملك ولو حط عليها بأكثر من الصداق جاز إذا كان سدادًا.
وإن رأيا الإساءة منه فرق بينهما ولا يسقطان عنه من الصداق شيئًا.
وإن كانت الإساءة بينهما بالسوية أو أشكل الأمر عليهما قسما الصداق بينهما نصفين.
وإن كان الظلم من أحدهما أكثر نظرا في ذلك فإن أشكل على الحكمين الحكم في ذلك أتيا إلى القاضي وأخبراه بذلك بمحضر عدلين وإن ما حكما به ماض ولا إعذار للزوجين فيما فعلاه (قال) ابن رشد لأنهما لا يحكمان بالشهادة وإنما يحكمان بما خلص عندهما من أحوالهما بعد الكشف والنظر (وقال) ابن العربي وقد بينا أنهما حكمان لا شاهدان وأن فعلهما ينفذ كما ينفذ فعل الحاكم في الأقضية وكما ينفذ فعل الحكمين في جزاء الصيد وهي أختها والحكمة عندي في ذلك وهي أن القاضي لا يقضي بعلمه فخص الشرع هاتين الواقعتين بحكمين لينفذ حكمهما بعلمهما وترتفع بالتعديد التهمة عنهما (فرع) لو اتفق الزوجان على حكمين وحكما نفذ حكمهما لأن التحكيم عندنا جائز وينفذ فعل الحكم في كل مسألة إلا في تسعة أشياء لا يحكم لفيها إلا القاضي وهي التسفيه والترشيد والنظر في الوصايا والأحباس المعقبة ومال اليتيم وأمر الغائب والأسباب أي البينات والولاء والنظر في الحدود والقصاص هذا إذا كان كل واحد منهما عدلًا بل ولو كان غير عدل فإن حكمه ينفذ على الصحيح قاله ابن العربي وقال ابن راشد ولو علم الزوجان أنهما مستجرحين فرضيًا بهما نفذ حكمهما على المشهور (فرع) إذا اجتمعا على الطلاق نفذ وكان طلقة بائنة وإن لم يرض الزوجان بعد الوقوع ولا ينفذ أكثر من طلقة واحدة أوقعاه بل واحدة منه فقط وتلزم واحدة إن اختلفا في العدد بأن قال واحد أوقعت واحدة وقال الآخر أوقعت اثنتين فلو

انفرد أحدهما بالطلاق لم ينفذ طلاقه (فإن) قيل فلم عدل القضاة عن الحكمين إلى الأمناء مع أن آيتهما محكمة وهو أمر لا ينبغي (أجيب) بأن الحكام وأهل العلم مجمعون على أنها فريضة وآيتها نص في الحكم باقية على ذلك لم تنسخ ولكن ضاق عليهم شرط الله في أن يجدوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها في كل نازلة مع إجماع العلماء على أن الحكمين إنما يتخيران عالمين فقيهين ذكيين ورعين فلما عز هذا المطلب لجأ الحكام فمن لم يجد من هذه صفتهما من أهل المتشاقين إلى إخراجهما إلى من يوثق بدينه وصلاح حاله من الرجال والنساء لتعرف أحوالهما والاطلاع بهما إلى ما يرجى أن يصلح بينهما فكثيرًا ما يكون ذلك بينهما لا على وجه التحكيم لمن عنده من رجل أو امرأة ولا على وجه الفصل بينهما ولا رأيت قط فيما شاهدت قديمًا وحديثًا أحدًا قضى على متشاقين بشهادة أمين ولا أمينة ولكنهم يحبسون الموصوف بالظلم منهما فلربما رجعا عن ذلك وتتاركا ولم يعودا إليه وهم الأكثرون قاله أبو إبراهيم كذا في العيار (قلت) ولا يكفي هذا الجواب لأنه إذا لم يوجد من أهلهما من تتوفر فيه الشروط بعث من غيرهما وإنما الجواب هو أن تقديم دار الأمين لرجاء اصطلاحهما كما هو الجاري به عمل تونس ولا يكون الترافع في ذلك إلا من لفيف الناس ومن لا يعبأ بهم (فرع) وسئل ابن الحاج عمن جعل أمينًا مع الرجل والمرأة على من تكون نفقة الأمين ومؤنته إن كانت على من طلبها أو على المتعدي وكيف إن أشكل الأمر على الحاكم (فأجاب) النفقة على من طلب الأمينة فإذا أشكل الأمر فعلى الزوج الذي تشتكي منه الضرر حتى يتبين غير ذلك والله أعلم اهـ وفي فائق ابن راشد فإن اتفق الزوجان على الأمينة كانت نفقتهما عليهما عند مالك اهـ ثم قال

(فصل في الرضاع)

أقول ينحصر الكلام في هذا الفصل في خمسة أنظار (الأول) في معناه لغة واصطلاحًا (الثاني) في أركانه وهي المرضع واللبن والمحل (الثالث) في الرضاع القاطع للنكاح

(الرابع) فيمن يحرم من الرضاع (الخامس) فيما يثبت به الرضاع (النظر الأول) في معناه لغة واصطلاحًا أما معناه لغة فهو امتصاص الثدي أو الضرع.
ويقال الرضاع والرضاعة بفتح الراء وكسرها فيهما.
ويقال رضع الصبي رضعًا مثل سمع يسمع سمعًا ويقال رضع يرضع رضعًا مثل ضرب يضرب ضربًا.
ويقال رضع يرضع رضعًا من باب تعب ويقال أرضعته أمه إرضاعًا (قال) القاضي عياض وأرضعته أمه وامرأة مرضع أي لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت مرضعة اهـ قال ابن مالك في الكافية وما من الصفات بالأنثى يخص... عن تاء استغنى لأن اللفظ نص وحيث معنى الفعل ينوي التاء زد... كذي غدت مرضعة طفلًا ولد وحاصله أنه إذا أريد أنها ترضع بالقوة فيجرد من التاء وإن أريد أنها ترضع بالفعل فتثبت التاء قال الله تعالى: ﴿يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾.
وفي التوضيح ذكر أهل اللغة أنه لا يقال في لبن بنات آدم لبن وإنما يقال فيه لبان واللبن لسائر الحيوان غيرهن وجاء في الحديث كثيرًا خلاف قولهم اهـ. وأما معناه اصطلاحًا فعرفه الإمام ابن عرفة بقوله الرضاع عرفًا وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعوط والحقنة ولا دليل إلا مسمى الرضاع (فقوله) رحمه الله تعالى وصول جنس يشمل جميع أنواع الواصلات من مائعات وغيرها وإضافته إلى اللبن فصل يخرج به غيره من ريق ونحوه وسواء وصل اللبن بفعل فاعل وهو المرضع أو وصل من غيرها ولهذا قال وصول ولم يقل إيصال.
وإضافة اللبن إلى آدمي فصل يخرج به لبن غيره من البهائم فإنه لا يحرم عندنا.
وقوله لمحل أي جوف جار ومجرور متعلق بوصول ومحل مضاف ومظنة مضاف إليه وكذا ما بعده وغذاء بكسر الغين المعجمة بعدها ذال معجمة وهو ما يتغذى به فصل يخرج به ما لم يصل للجوف بأن رجع من الحلق أو وصل ولم يكن غذاء كما إذا وصل من منفذ ضيق ونحوه كما يأتي.
وقوله آخر صفة لموصوف محذوف أي آدمي آخر فصل يخرج به وصول اللبن

لمحل صاحبته بأن أرضعت نفسها.
وقوله لتحريمهم بالسعوط والحقنة علة لقوله لمحل مظنة الخ والسعوط ما صب من الأنف والحقنة ما يصب من الدبر ثم يصعد إلى المعدة.
وينبغي أن يزيد في التعريف من منفذ واسع قاله البناني لإخراج الواصل من العين والأذن وأن يقيد أيضًا المظنة بغير الحقنة أما هي فلا بد فيها من الغذاء بالفعل ولا تكفي المظنة لقول المدونة وإن حقن بلبن فوصل لجوفه حتى يكون غذاء فإنه يحرم اهـ وهذا التعريف شامل لرضاع الكبير وللبان الصغيرة وللبن الذكر وللبن الميتة وللبن العجوز واللبن المخلوط وسيأتي بيان ذلك.
وقوله ولا دليل إلا مسمى الرضاع أي عرفًا بحث فيه بأن له دليلًا في ذلك وهو إلحاقه بالرضاع أو الاحتياط وبيان ذلك أن الرضاع غلب في المعهود بين الناس على جذب اللبن من الثدي وامتصاصه بالشفتين لكن الفقهاء حكموا بأن الحقنة والسعوط يقع التحريم بهما دل ذلك على أن الرضاع عرفًا شرعيًا صادق عليهما والله أعلم (النظر الثاني في أركانه) وهي المرضع واللبن والمحل (أما) المرضع فيشترط أن تكون آدمية وإن صغيرة أو آيسة أو ميتة إذا تحقق أن لها لبنًا فلا أثر للبن البهيمة كالبقرة عندنا اتفاقًا كما تقدم ولا للبن الرجل على المشهور وقال ابن اللباد يحرم وقال غيره يكره.
وقد أرضع رجل ابنته لما ماتت أمها إثر الولادة في بلدنا تورز وذلك لما ضمها إلى صدره ونام فلما استيقظ من نومه وجدها ترضع من ثديه وبقيت على تلك الحالة إلى أن صارت تتغذى بالطعام والشراب وقد أخبرني من أثق به بأن رجلًا أرضعه في حاضرة تونس وهذا من ألطاف الله تعالى بعبيده وهو على كل شيء قدير (وأما) اللبن فيشترط فيه أن يكون باقيًا على أصل خلقته أو خلط بطعام أو دواء واللبن غالب وعكسه لغو فإن تساويا فقولان التحريم وعدمه واختار أبو الحسن الثاني قال منفعة الطعام بانفراده كمنفعته إذا خلط بلبان اهـ فإن تغير عن أصل خلقته وخرج عن منفعة اللبن كماء أصفر أو أحمر لم يحرم (وأما) المحل الذي هو جوف الصبي فيشترط وصول اللبن إليه كما مر فلا أثر لغير الواصل ولا يشترط عندنا تعدد الرضعات بل يحصل الرضاع

وإن بمصة والمعتبر عندنا وصوله إلى الجوف بأي طريق كان كما تقدم في بيان التعريف (النظر الثالث) في الرضاع القاطع للنكاح في الإسلام والشرك سواء وشرطه وصول اللبن لجوف الطفل في الحولين من ولادته أو بزيادة الشهر والشهرين إن لم يقع الفطام فإن وقع الفطام ولو فبل الحولين ثم وقع الرضاع فيهما بعد الاستغناء عنه وانتقل عيشه إلى الطعام طالت المدة أو قصرت لا يحرم فرضاع الكبير لا يحرم من باب أولى (النظر الرابع) فيمن يحرم من الرضاع وإليه أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله (وكل من تحرم شرعًا بالنسب... فميلها من الرضاع يجتنب) أي يحرم وبعبارة أخرى أن كل امرأة حرمها الشرع العزيز بالنسب وهي السبعة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ فإن مثلها يحرم من الرضاع شرعًا وقد وقع النص على تحريم الأمهات والأخوات في القرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وفي رواية يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (قال) ابن الحاجب فيقدر الطفل خاصة لصاحبة اللبن ولصاحبه إن كان فلذلك جاز أن يتزوج أخوه نسبًا أخته أو أمه من الرضاع.
وقال الشيخ في الرسالة ومن أرضعت صبيًا فبنات تلك المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له اهـ فمن رضع امرأة حرمت عليه لأنها أمه ويحرم عليه كل من ولدته وإن لم ترضعه وكل من رضعها وإن لم تلده لأنهن أخواته ويحرم عليه بناتهن وبنات بناتهن وبنات بنيهن وبنات بنات بنيهن وإن سفلن ويحرم عليه أخواتها لأنهن خالات وأمهاتها لأنهن جدات وزوج المرضعة أبو الرضيع وأبوه جده وأخوه عمه وولده أخوه (تنبيه) إنما يكون الرضيع أخًا لبنات ذلك الفحل من الرضاع إذا كان قد وطئ المرضعة وأنزل قبل الإرضاع حتى يصدق عليه أنه شرب من لبن ذلك الفحل وأما لو رضع منها قبل نكاحه إياها

ثم عقد عليها ووطئها وأنزل بعد انقطاع الرضاع فلا تكون بناته أخوات له لأنه لم يشرب من لبنه حتى يكون ابنًا له لقولهم يجوز للربيب أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره بشرط فطامها قبل نكاح أبيه لأمها (النظر الخامس) فيما يثبت به الرضاع وثبوته بأحد أمرين إما بالإقرار وإما بالإشهاد وقد أشار إلى الأول منهما وله ثلاث حالات فقال (فإن أقر الزوج بالرضاع... فهو إلى فسخ النكاح داع) (ويلزم الصداق بالبناء... ونصفه من قبل الابتناء) (كذاك بالإقرار منهما معا... لا باعتراف زوجة إن وقعا) الحالة الأولى أن الزوج المكلف إذا أقر بعد عقد النكاح أنه أخ لزوجته أو ابنها من الرضاع مثلًا وثبت إقراره بالبينة وأنكرت الزوجة ذلك أخذ بإقراره وفسخ النكاح ولها المسمى إن كان حلالًا وإلا فصداق المثل بالدخول وقد تقدم الكلام على الحد ولحوق الولد في تعريف النكاح وإن أقر بعد العقد وقبل البناء فأنكرت فسخ النكاح أيضًا ولها نصف الصداق لأنه يتهم على إقراره ليفسخ بلا شيء وإن كان إقراره قبل العقد فلا شيء لها في فسخه بعده وقبل البناء لأن نكاحه وقع فاسدًا ولها المسمى بعد البناء (الحالة الثانية) أن يتفق الزوجان على الرضاع فإن النكاح يفسخ ولا صداق لها قبل البناء ولها المسمى بعده.
وقول الناظم كذاك بالإقرار منهما معا التشبيه راجع للحكم السابق وهو فسخ النكاح فقط لا إلى ما وراء ذلك من الصداق فهو غير تام (الحالة الثالثة) أن تعترف الزوجة وحدها بأنهما أخوان من الرضاع وينكر الزوج ذلك ولم تقم على دعواها بينة فلا يلتفت إلى قولها لأنها تتهم على فسخ النكاح فلا يفسخ ولا تقدر على طلب المهر لإقرارها بفساد العقد فإن طلقها قبل البناء فلا شيء لها لإقرارها بفساد النكاح فيكون كالفسخ قبل البناء وإن طلقها بعد البناء فلها الصداق كاملًا (فرع) فو أقر أبوا الذكر والأنثى برضاع ولديهما الصغيرين وأنهما أخوا

رضاع قبل إقرارهما قبل عقد النكاح ويفسخ العقد إن وقع لا بعد العقد فلا يقبل كإقرارهما برضاع ولديهما الكبيرين قبل العقد فلا يمضي عليهما إقرارهما ويكونان شاهدين كأجنبيين فيجري فيهما ما يجري في الثبوت الآتي كما في الزرقاني (قال) ابن راشد وإن كان لا يفسخ نكاحهما لكن يستحب له التنزه عنها وأشار إلى الأمر الثاني الذي يثبت به الرضاع فقال (ويفسخ النكاح بالعدلين... بصحة الإرضاع شاهدين) (وباثنتين إن يكن قولهما... من قبل عقد قد فشا وعلما) (ورجل وامرأة كذا وفي... واحدة خلف وفي الأولى اقتفي) يعني أن النكاح يفسخ إذا ثبت الرضاع بشهادة عدلين وبامرأتين إن كان ذلك فاشيًا من قولهما قبل العقد فإن لم يحصل من قولهما فشو قبل العقد فإن الرضاع لا يثبت على القول المشهور والرجل والمرأة يشهدان بذلك مثل المرأتين في اشتراط الفشو قبل العقد ولا بد من التصريح بالفشو من الشهود عند القاضي والإعذار للزوجين في شهادة الرضاع واجب شرط في الحكم.
وقد اختلف في شهادة المرأة الواحدة ولو مع الفشو فقيل لا يفسخ وهو المشهور وندب التنزه وقيل يفسخ قال ابن فتحون وهو أظهر وإليه أشار الناظم بقوله وفي الأولى بفتح الهمزة اقتفي أي ابتع الفسخ (قال) الشيخ ابن رحال في الحاشية وقد تحصل من إنقال الناس على هذا الكلام ثبوت الرضاع بعدلين دون شرط فشو.
وبرجل وامرأة أو بامرأتين ثبته بهما بشرط الفشو فيها وبلا فشو لا ثبوت فيهما ولكن في ذلك خلاف قوي في الصورتين وإن صرح في التوضيح بأن المشهور فيهما عدم الثبوت وواحدة ولا فشو لا ثبوت اتفاقًا ومعه فيها خلاف والراجح عدم الثبوت والخلاف في العدالة مع وجود الفشو فظهر من ذلك عدم الشرطية لأنه قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
والأمان بعد العقد كالأجنبيين وقبله يثبت بهما الرضاع وإن لم يكن فشو اهـ. وقول الناظم

ورجل وامرأة كذا الخ بالجر معطوفان على العدلين وكذا في موضع الصفة والإشارة راجعة إلى شرط الفشو من قولهما أي ويفسخ النكاح بشهادة رجل وامرأة كاثنين كذا أي في الفشو من قولهما ويجوز أن يكون رجل بالرفع مبتدأ على حذف مضاف وامرأة معطوف عليه والتقدير وشهادة رجل وامرأة كذا أي كشهادة امرأتين في وجوب فسخ النكاح مع فشو الرضاع من قولهما (ولما فرغ) من الكلام على الرضاع شرع يتكلم على عيوب الزوجين فقال

(فصل في عيوب الزوجين وما يردان به)

فقوله وما يردان به من عطف خاص على عام لأن من العيوب ما لا يقع الرد به.
واعلم أن أسباب الخيار في النكاح خمسة (السبب الأول) خيار التروي وقد تقدم الكلام عليه في الشروط التي تقع في النكاح (السبب الثاني) الضرر وقد ذكره الناظم قبل فصل الرضاع وكان حقه أن يذكر هذا الفصل ملاصقًا له (السبب الثالث) العتق وهو الأمة التي تعتق تحت زوجها العبد لا الحر وهذا خاص بالمرأة (السبب الرابع) الغرور بالحرية بأن تتزوج الحرة الرجل على أنه حر فإذا هو عبد وعكسه (السبب الخامس) العيب وإليه أشار الناظم بقوله: (من الجنون والجذام والبرص... والداء في الفرج الخيار يقتنص) (بعد ثبوت العيب أو إقرار... به ورفع الأمر في المختار) يعني أن العيوب التي يثبت بها الخيار لأحد الزوجين في الآخر هي الجنون والجذام والبرص وداء فرج الرجل أو فرج المرأة.
وحاصل العيوب التي توجب الخيار لأحد الزوجين أربعة عشر (أربعة) يشتركان فيها وهي الجنون والجذام والبرص والعذيطة بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة غائط يخرج عند الجماع (قال) في الفائق وقد نزلت في أيام أحمد بن نصر واختلف الزوجان فنفى ذلك كل واحد

منهما عن نفسه فقال أحمد يطعم أحدهما تينًا والآخر فقوسًا فيعلم من هو منهما.
وأما البول في الفراش فلا رد به كما في المواق وبه أفتى العلامة الورزازي من الفاسيين وقيل يقع به الرد.
وخمسة خاصة بالرجل وهي الجب بفتح الجيم والخصاء بكسر الخاء والاعتراض والعنة بضم العين وكبر الذكر جدًا وقد وقع الحكم بالخيار به من قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد الطاهر النيفر بموافقة شيوخ الشورى رحمهم الله تعالى أجمعين.
وخمسة خاصة بالمرأة وهي القرن بفتح القاف وسكون الراء والرتق بفتح الراء والتاء والعفل بفتح العين والفاء والإفضاء وبخر الفرج لأنه منفر خلافًا للأئمة الثلاثة لا بخر الفم على المشهور وسيأتي بيانها في كلام الناظم ويكون الخيار لأحد الزوجين بالعيب بعد ثبوته عند القاضي إما بإخبار من له معرفة بذلك من الأطباء العدول فإن لم يكن عدول قبل غيرهم وإن مشركين ويكفي الواحد الاثنان أولى.
وإما بإقرار المعيب بعيبه فإذا ثبت العيب ولم يبق مقال فيه للزوج المعيب أمره القاضي بطلاقها فإن امتنع منه طلقها الحاكم عليه أو يأمرها فتطلق نفسها في القول المختار وهو المشهور.
وقيل لها أن تطلق نفسها بعد الثبوت بدون احتياج إلى الرفع للقاضي مرة أخرى لأنها فعلت ما يأمرها القاضي بفعله إن لو رفعت أمرها إليه وما شرحت به كلام الناظم أولى من شرح الغير (تنبيهات الأولى) يكون الطلاق واحدة بائنة ولو كان بعد البناء كما يأتي في المعترض ولها جميع الصداق لطول المدة اهـ مواق وتلزمها العدة بعد ذلك كما في التهذيب (الثاني) ظاهر النظم أن الخيار يثبت لأحد الزوجين ولو كان كل واحد منهما معيبًا بعيب صاحبه أو بغيره وهو كذلك على ما في الحطاب.
وقال اللخمي إن اختلف عيبهما كجنونه وبرصها أو العكس كان لكل واحد منهما الخيار وإن كان موافقًا كبرصهما معًا كان له الخيار دونها لأنه بذل صداقًا لسالمة فوجد ما يكون صداقها دون ذلك اهـ بناني (الثالث) إنما يثبت الخيار بالعيب لأحد الزوجين أو لهما معًا إن لم يسبق العلم ولم يرض بقول أو فعل أو تمكين منه (فرع مرتب) إن ادعى المعيب على السالم ما يسقط خياره من سبق علم ونحوه مما تقدم ولا بينة له حلف السالم على

نفي مسقط خياره وبقي على الخيار في الرد والإمساك فإن نكل عن اليمين حلف المعيب وسقط الخيار فإن نكل المعيب أيضًا كان نكوله تصديقًا للناكل الأول على مقتضى القاعدة ويبقى الخيار للسالم كذا حرره البناني على الزرقاني.
وقول الناظم يقتنص بالبناء للنائب معناه يثبت ويحصل كما يحصل الصيد في يد صائده.
ولما فرغ من الكلام على العيوب التي يشترك فيها الزوجان وكيفية المرافعة في ذلك عند القاضي شرع يتكلم على ما يختص بالزوج منها فقال (وداء فرج الزوج بالقضاء... كالجب والعنة والخصاء) (وذاك لا يرجى له زوال... فليس في الحكم به إمهال) يعني أن عيب الزوج إذا كان جبًا أو عنة أو خصاء وكذا كبر الذكر جدًا فإن الحكم فيه يعجل ولا يمهل لأنه لما كان لا يرجى زواله صار الإمهال فيه عبثًا وحينئذ إما أن ترضى الزوجة بالبقاء معه أو تفارق.
والجب هو قطع الذكر والأنثيين معًا.
والعنة صغر الذكر جدًا كزر الثوب بكسر الزاي المعروف بالعقدة عند قوم والقفل عن آخرين من أهل قطرنا التونسي.
والخصاء قطع الذكر أو الأنثيين فقط دون الذكر إن كان لا يمني ومثل قطع الذكر كله قطع حشفته على القول الراجح.
ومحل الخيار في هذه العيوب التي ذكرها الناظم إذا كانت موجودة قبل البناء والوطء ولو مرة أما إذا أصيب بها بعده فإنها مصيبة نزلت بها ولا كلام لها في ضرر ترك الوطء ولو اشتعلت نارًا على الراجح كذا قال بعضهم.
وقوله وداء فرج الزوج مبتدأ ومضافان وبالقضاء متعلق بمحذوف صفة المبتدأ تقديره الموجب للخيار بالقضاء وقوله كالجب خبرًا لمبتدأ والعنة وما بعده بالجر عطف عليه ثم ذكر العيوب التي يمهل فيها الزوج فقال (وحيث عيب الزوج باعتراض... أو برص وقيم عند القاضي) (أجله إلى تمام عام... كذاك في الجنون والجذام)

(وبعد ذا يحكم بالطلاق... إن عدم البرء على الإطلاق) (والعبد في الأصح كالأحرار... وقيل بالتشطير كالظهار) يعني أن عيب الزوج إذا كان مما يرجى برؤه وهو أربعة أشياء الاعتراض وهو عدم انتشار ذكره لعلة أو ربط بسحر.
والبرص.
والجنون بصرع أو وسواس.
والجذام وقامت الزوجة بحقها عند القاضي فلا يحكم عليه بالطلاق ابتداء بل يؤجله سنة للدواء إذا أراد ذلك ويكون الأجل من يوم ثبوت العيب عنده فإن برئ في السنة فواضح إن تمت ولم يحصل له برء كان الخيار للزوجة في الإقامة معه أو الفراق فإن اختارت الفراق حكم القاضي به عليه بالإطلاق أي سواء كان قديمًا أو حادثًا وسواء رجي برؤه بعد ذلك أو لا هذا معنى قوله وبعد ذا يحكم بالطلاق البيت.
والتأجيل في ذلك بالسنة للحر اتفاقًا واختلف في العبد فقيل هو كالحر وهو الأصح وقيل يؤجل شطرها ستة أشهر كالخلاف الواقع في ظهاره من زوجته إذا امتنع من التكفير فيدخل عليه الإيلاء فقيل يؤجل أربعة أشهر كالحر وقيل بالتشطير فيؤجل شهرين فقط (قلت) وفي التشطير على العبد تشديد عليه والمطلوب في حقه التخفيف فلا أقل أن يكون مثل الحر فلهذا كان القول الأول هو الأصح.
وقول الناظم وبعد ذا الخ الظرف متعلق بيحكم والإشارة بذا للسنة وقوله عدم البرء فعل ونائب فاعل وعلى الإطلاق حال من الحكم وقوله (وكالرجال أجل النساء... في هذه الثلاثة الأدواء) (وفي سواها لا يكون الأجل... لهن إلا ما يرى المؤجل) يعني أن الزوجة إذا ظهر بها جنون أو جذام أو برص فإنها تؤجل سنة للدواء وأن القاضي لا يحكم لزوجها بالخيار ابتداء كما مر في الزوج وأما داء فرجها كالرتق فإنها تؤجل للدواء بقدر اجتهاد الحاكم وهو المراد بقوله المؤجل بكسر الجيم وذلك بعد

أن يخبره الطبيب بما يبني عليه اجتهاده (فرع سئل) الفقيه ممد بن عبد القادر الفاسي هل حكم الزوجة في الاعتراض كحكم الرجل أم لا فإن عقدها واعتراضها شائع متعارف عند العرب والبربر (فأجاب) بأن مقتضى عبارتهم أن الاعتراض خاص بالرجل ولا رأينا من ذكره في حق النساء ومقتضى ما فسروا به الاعتراض أن لا يتحقق ذلك في جهة المرأة وإنما هو معتبر في جانب الرجل حيث قالوا المعترض هو الذي لا يقدر على الوطء لعلة معترضة وهو بصفة من يمكنه الوطء وربما اعترض عن امرأة دون أخرى وعلى هذا كلما امتنع من وطئها ولا علة بها هي في الحس فهو معترض لا هي لأن المحل منها سالم حسًا من الآفة فكيف ينسب إليها الاعتراض دونه وبأي شيء يتحقق ويعلم والله أعلم اهـ ثم قال الناظم (ويمنع المبروص والمجذوم من... بنائه وذو الجنون فاستبن) (وذو اعتراض وحده لن يمنعا... وهو مصدق إذا ما نوزعا) (وإن يقل وطئت أثناء الأمد... فقوله مع اليمين معتمد) يعني أن الزوج إذا طلب البناء بزوجته في خلال الأجل المضروب له لمعالجة برصه أو جذامه أو جنونه فإنه لا يجاب إلى ذلك ويمنع منه لأنه يخشى على الزوجة من الإذاية بخلاف المعترض فإنه لا يمنع من البناء إذا طلبه وإليه الإشارة بقوله وذو اعتراض وحده لن يمنعا.
وقوله وهو مصدق إذا ما نوزعا الخ يعني أن الزوجة إذا ادعت على زوجها بالاعتراض وأنكره فإنه مصدق في نفيه مع يمينه فإن نكل عن اليمين حلفت وكانت على حقها من الخيار فإن نكلت هي أيضًا بقيت على لزوم الزوجية.
وقوله وإن يقل وطئت أثناء الأمد البيت يعني أن المعترض إذا أجل سنة للدواء وقال وطئتها أثناء الأجل وكذبته صدق بيمينه فإن نكل حلفت وكان لها الخيار بمضي الأجل وإن نكلت سقط خيارها.
وما درج عليه الناظم من تصديق الزوج بيمينه هو القول المشهور في المسألة وقال البرزلي إذا اختلف الزوجان في المسيس القول

قول الزوج في الثيب وينظر النساء إلى البكر عبد الرزاق وهو أحسن الأقاويل ومذهب المدونة القول قول الرجل مطلقًا اهـ وفي الرهوني على الزرقاني أن العمل على قول سحنون وهو نظر الرجال لعيب الرجال ونظر النساء لعيب النساء في البكارة وغيرها اهـ (قلت) وبهذا القول المعمول به شاهدت العمل بتونس أما إن قال وطئتها بعد انقضاء الأجل وكذبته فإنه لا يصدق.
وقوله (وتمنع الإنفاق ما لم تدخل... إن طلبته في خلال الأجل) يعني أن زوجة المبروص أو المجذوم أو المجنون المضروب له أجل سنة للدواء إذا منعته من الدخول أثناء الأجل وطلبته بالنفقة في الأجل فلا نفقة لها في خلاله لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع وقد منعت نفسها منه لسبب لا قدرة له على دفعه فهو معذور بذلك بخلاف المعترض فإنه لما كان غير ممنوع من البناء كما تقدم فإذا طلبته بالنفقة لزمته لأنه متمكن من الاستمتاع بها ولو في الجملة (فرع) إذا أجلت الزوجة للدواء من عيبها وطلبت النفقة فلا نفقة لها إن امتنع الزوج من ذلك لأنها وإن لم تمنعه هي من الاستمتاع فإنه إذا استمتع بها سقط خياره.
وقوله (والعيب في الرجال من قبل البنا... وبعده الرد به تعينا) (إلا اعتراضًا كان بعدما دخل... والوطء منه هبة مرة حصل) (وبالقديم الزوج والكثير... يرد والحادث واليسير) (إلا حدوث برص منزور... فلا طلاق منه في المشهور) (وزوجة لسابق لعقده... وهو لزوج آفة من بعده) حاصل ما تضمنته الأبيات الخمسة من فقه المسألة كما قاله أبو علي في الحاشية أن العيب الواقع قبل العقد يرد به مطلقًا كان بامرأة أو رجل قليلًا أو كثيرًا لأن من فيه العيب مدلس كان مجنونًا أو غيره وإن حدث بعد العقد فالزوجة لا ترد به

مطلقًا بلا قيد أصلًا وإن حدث بالزوج بعد العقد فالرد ثابت لها في الجذام البين والبرص المضر كان الجنون قبل الدخول أو بعده على خلاف في ذلك وأما الاعتراض فمهما وطئ الزوج مرة سقط حكمه وكذا إذا وطئ مرة ثم قطع ذكره مثلًا.
وقول الناظم الزوج مبتدأ وجملة يرد من الفعل ونائب الفاعل خبره وبالقديم متعلق بيرد والكثير والحادث واليسير بالجر عطف على القديم (ثم) شرع يتكلم على العيوب المختصة بالمرأة فقال (والرتق داء الفرج في النساء... كالقرن والعفل والإفضاء) يعني أن عيب فرج المرأة التي ترد به هو الرتق والقرن والإفضاء ويدخل تحت الكاف العفل وبخر الفرج فالرتق هو التصاق موضع الوطء والتحامه والعفل قيل هو رغوة تحدث في الفرج عند الجماع وقيل العفل في النساء كالأدرة في الرجال وهو بروز لحم في الفرج والقرن شيء يشبه قرن الشاة تارة يكون عظمًا فيعسر علاجه وتارة يكون لحمًا فلا يعسر والإفضاء اختلاط محل الجماع ومجرى البول بزوال الحائل الرقيق بينهما فلا تمسك بولًا ولا نطفة وقيل هو اختلاط محل الجماع ومجرى الغائط (ولما) فرغ من الكلام على العيوب الموجبة لخيار الزوجين مطلقًا شرع يتكلم على العيوب التي لا توجب الخيار لهما إلا بشرط السلامة فقال (ولا ترد من عمى ولا شلل... ونحوه إلا بشرط يمتثل) يعني أن من تزوج امرأة فوجدها عمياء أو عوراء أو شلاء أو عرجاء أو قطعاء أو سوداء أو مقعدة أو منتنة الفم والأنف على المشهور ومقابل المشهور الرد ببخر الفم والأنف ولو بلا شرط واختير أو تبول في الفراش ونحو ذلك من غير العيوب المتقدمة فلا خيار له ولا رد إلا إذا تزوج على شرط السلامة فيعمل بشرطه ويكون له الرد وكذا قوله (والزوج حيث لم يجدها بكرا... لم يرجع إلا باشتراط عذرا)

(ما لم يزل عذرتها نكاح... مكتتم فالرد مستباح) يعني أن من تزوج بكرًا فوجدها ثبًا فلا خيار له ولا رجوع له بالثيوبة لأن لفظ بكر في اللغة يدل على التي لم ينعقد عليها نكاح البتة وهذه كذلك ولا يدل على كونها عذراء وهي التي بخاتم ربها لم تثقب.
ومحل عدم رجوعه بذلك ما لم يشترط أنها عذراء أو أزيلت عذريتها بنكاح كتموه أو لم يجر العرف بعدم الفرق بين بكر وعذراء وأن البكر المراد بها العذراء وإلا فله الرجوع (قال) بعض الشيوخ من المحققين محل الرد بالثيوبة في البكر إذا لم يجر العرف بالرد وأنه لا فرق بين البكر والعذراء أما إذا جرى العرف بذلك فللزوج الرد إذا تزوجها بكرًا فوجدها ثيبًا سواء قالوا هي بكر أو عذراء وبه القضاء وعليه العمل اهـ ويثبت ذلك إما بإقرارها وإما بنظر النساء العارفات الدينات إن وجدن وإلا فبغيرهن مع التحري في ذلك رضيت بالرؤية أو لم ترض على ما به العمل.
وفي نوازل النكاح من البرزلي (سئل) ابن أبي زيد عمن تزوج بكرًا فقال وجدتها ثيبًا (فأجاب) اختلف في ذلك وأحب إلينا نظر النساء إليهن فإن قلن القطع جديد لم يقبل منه وإن قلن قديم فإن زوجها أبوها أو أخوها فعليه صداقها ويرجع به عليها وإن كان غيرهما فهي الغارة فيرجع عليها به إلا ربع دينار اهـ ولا زال عمل تونس جاريًا بتوجيه القوابل في هذه المسألة إلى الآن (فرعان) الأول إذا ادعى الزوج أنها غير بكر وادعت هي اعتراضه أو عنته أو جبه وأنها بكر عذراء فإن النساء ينظرن إليها فإن تبين أنها ثيب كان له الخيار على نحو ما تقدم وإن تبين أنها بكر سقطت دعواه وبقيت على دعواها فإن صدقها في ذلك كان لها الخيار وإن أنكر دعواها فهل لا يصدق ويحلف على نفيه كما مر وتلغى شهادة النساء بالبكارة كما قال بعضهم أو ينظر إليه الرجال كما ينظر النساء إلى النساء خلاف والظاهر القول الثاني ليقع التعادل إذ لا فرق بين المسألتين وبه حكم قاضي الجماعة أبو عبد الله سيدي محمد الطاهر النيفر رحمه الله في النازلة المتقدم ذكرها أول الفصل وبعد كتبي

هذا وجدت ما يعضده نصًا في المسألة قال الرهوني الثاني أي من التنبيهات ظاهر كلام العمليات أن العمل إنما جرى بالنظر لفرج النساء دون الرجال مع أن قول سحنون الذي جرى به العمل غير خاص بالنساء اهـ وتقدم نحوه قريبًا وقد كنت توجهت لأكتب ما أسمعه من القوابل في نازلتين من هذا القبيل فتبين من إحداهما صدق الزوج وتبين من الأخرى صدق الزوجة وأن الزوج وقع له اعتراض عليها كما قالت فعلى من ولاه تعلي من القضاء والعدول التنبه لمثل هذا بقدر الإمكان لفساد أهل الزمان ولهذا قال بعض العلماء لا تقبل دعوى عدم البكارة إلا من الرجل الصالح الثقة (الثاني) في نوازل النكاح من المعيار (سئل) أبو صالح عن المرأة إذا لم يكن لها ثديان هل ترد بذلك في النكاح أم لا (فأجاب) نعم ترد به اهـ. وقول الناظم ما لم يزل عذرتها نكاح الخ فيزول بضم أوله من أزال الرباعي وعذرتها بضم العين مفعول به مقدم ونكاح فاعل مؤخر ثم قال (والقول قول الزوج قبل الابتنا... في قدم العيب الذي تبينا) (والقول بعد في الحدوث قول الأب... والزوج إذ ذاك بيانه وجب) (كذا برد ذي انتساب ألفيا... لغية أو مسترقًا قضيا) يعني أن من تزوج امرأة فوجد بها عيبًا من العيوب التي يقع بها الرد واختلفت مع الزوج فادعى الزوج أن العيب قديم يوجب له الخيار وادعت الزوجة أنه حادث ليكون مصيبة نزلت بالزوج فإن كان اختلافهما قبل البناء فالقول قول الزوج في قدمه مع يمينه إلا أن تأتي الزوجة أو وليها ببينة على حدوثه وإن كان بعد البناء فالقول قول الزوجة أو وليها في حدوثه وحلفت هي أو أبوها إن كانت سفيهة إلا أن يأتي الزوج ببينة أنه قديم.
وقوله كذا برد ذي انتساب البيت يعني أنه كما يقضى للزوجة بأن عيبها المتنازع فيه كان بعد البناء يقضى لها أيضًا برد الزوج الذي تزوجته على أنه ذو نسب فوجدته ابن زنى لا نسب له وهو معنى قوله لغية أو تزوجته حرة على أنه

حر فوجدته عبدًا كله أو بعضه أو الإمضاء في المسألتين وكذلك عكسهما بأن تزوج رجل امرأة على أنها ذات نسب فوجدها بنت زنى أو تزوج امرأة على أنها حرة فوجدها أمة كلها أو بعضها وله الخيار في الوجهين وولد المغرور قبل علمه حر.
ومفهومه أن لو كان ذلك بلا شرط فلا رد وهو كذلك والعرف شرط.
وقوله لغية بفتح الغين وكسرها جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان لألفيا تقديره منسوبًا لغية أي لزنية بلام الجر وكسر الزاي ومعناه ابن زنى كما مر ويجوز تعليق لغية بألفيا وقوله مسترقًا بالنصب عطف على محل لغية وقضيا فيه ضمير مجرور نائب فاعل يعود على الزوجة أي قضى لها وألف تبينا وألفيا وقضيا للإطلاق (تتميم) في بيان حكم الصداق بعد الرد بالعيب وحاصله أن الزوج البالغ إن دخل بزوجته المطيقة للوطء ثم ظهر بها عيب تر به بلا شرط ولم يحصل منه ما يوجب الرضى بالعيب وطلقها بعد الرفع للقاضي كما مر وجب عليه أن يدفع لها جميع ما سماه لها لأنها استحقته بالدخول ولو كان الزوج عنينًا أو مجبوبًا على طريقة ابن الحاجب قائلًا لأن الذي وقع العقد لأجله قد حصل واقتصر عليه صاحب المختصر خلافًا لابن عرفة حيث قصر الكلام على من يتأتى منه الوطء الكامل كالأبرص لا من كان ذكره صغيرًا جدًا أو لا ذكر له وإذا دفع الزوج لها صداقها رجع به على أبيها أو ابنها أو أخيها وكل من غرم من هؤلاء الصداق لا يرجع على الزوجة بشيء منه وتفوز بما قبضته حيث لم تحضر العقد فإن حضرت مجلس العقد رجع الزوج على الولي أو عليها ثم يرجع الولي عليها إن أخذه الزوج منه لا العكس وإن علم السالم بعيب الآخر قبل الدخول وفارق فإنه لا شيء للزوجة من الصداق لأن العيب إن كان بها في غارة وإن كان بالزوج فالفراق جاء من قبلها وسواء كان العيب يوجب الرد مطلقًا أو بمقتضى الشرط.
وأن زوجها ولي بعيد كابن العم ممن يخفى عليه أمرها ودخل بها الزوج غير عالم بعيبها ثم فارقها بسبب العيب فلا رجوع للزوج عليه بشيء مما أخذته الزوجة من الصداق وإنما يرجع الزوج عليها بجميعه بحيث لا يكون لها منه إلا ربع دينار.

لأنه في مقابلة البضع وهو حق لله تعالى أما العيب الذي لا يوجب الرد إلا بشرط فإن كان قبل البناء فلا شيء لها كما مر وإن كان بعد البناء فإنها ترد إلى صداق أمثالها ويسقط عنه ما زاده لأجل السلامة ما لم يكن صداق المثل أكثر من المسمى فيدفع لها المسمى فقط ولا يرجع عليها بجميع الصداق فليس كالعيب الذي يثبت به الخيار بلا شرط (قلت) لو زاد الناظم رحمه الله تعالى بعد قوله.
وإن يقل وطئت أثناء الأمد.
فقوله مع اليمين معتمد.
ببيتين وهما وإن أبى من اليمين طلقت... بعد يمنها وإلا أبقيت وإن نفى الوطء بكل حال... طلقها وإن أبى فالوال ويقول آخر الفصل ويرجع الزوج بكل نقد... عن الولي الأقرب الذي عقد كذا البعيد إن يكن لا يخفى... عليه ذاك ويراه عرفا وعنه أو عنها إذا ما اجتمعا... في مجلس النكاح الزوج رجعا وإلا فالزوج عليها يرجع... وربع دينار فقط لا ينزع إن كان من بعد البنا ذاك حصل... وقبله ليس لها شيء جعل كردها بعيبه قبل البنا... وبعده لها الصداق بينا وإن أتت بولد قل حرا... من زوجها الحر الذي قد غرا (ولما) كان الإيلاء والظهار قد يتسبب عنهما الطلاق كما يتسبب عن عيوب الزوجين ذكرهما عقبة فقال

(فصل في الإيلاء والظهار)

أي هذا فصل في مسائل الإيلاء والظهار.
والأصل في مشروعية الإيلاء قول الله عز وجل: ﴿للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه.

وأما الظهار فلم يقع منه عليه الصلاة والسلام لأنه منكر من القول وزور كما قال الله تعالى وذلك حرام وفعل الحرام في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محال كما في ابن العربي وغيره (والإيلاء) لغة اليمين يقال آلى يؤلي وائتلى يأتلي قال الله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ الآية.
وقال ابن العربي الإيلاء في لسان العرب هو الحلف والجمع ألايا مثل عطية وعطايا قال الشاعر قليل الألايا حافظ ليمينه... فإن سبقت منه الألية برت وآلى إيلاء مثل آتى إيتاء إذا حلف فهو مول وتآلى وائتلى كذلك اهـ (وشرعًا) عرفه الإمام ابن عرفة بقوله حلف الزوج على ترك وطء زوجته يوجب خيارها في طلاقه اهـ (فقوله) زوج يشمل الحر والعبد والمراد به المكلف المسلم لأن الكافر لا ينعقد إيلاؤه عندنا لأنه غير مغفور له إذا فاء.
وقوله على ترك وطء زوجته أخرج به ما إذا حلف على ترك غير الوطء كما إذا حلف على ترك كلامها أو الإنفاق عليها مثلًا على المشهور.. وقال ابن العربي الصحيح أنه مول لوجود المضارة وقد قال الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾.
وقوله زوجته احترز به من الأجنبية أو أمته.
وقوله يوجب خيارها أخرج به الحلف على ترك الوطء الذي لا يوجب خيارها كحلفه على ترك الوطء أربعة أشهر عندنا فأقل اتفاقًا أو كان الزوج لا يتأتى منه الوطء كالعنين والمجبوب كما يأتي في كلام الناظم أو كان يتأتى منه الوطء لكنه غير مكلف أو كانت الزوجة مرضعًا وقصد بذلك إصلاح الصغير أو كانت صغيرة لا توطأ عادة فلا يوجب حلفه على ترك وطئها خيارًا لها في جميعها.
وقد اعترض على الشيخ في قوله يوجب خيارها بأنه من إدخال الحكم في الحد وهو ممنوع عند أهل النظر وأجيب بأجوبة يطول ذكرها منها أن التعريف الذي ذكره الشيخ رسم في الحقيقة لا حد وعليه فلا مانع من ذلك (وعرفه) الشيخ خليل بقوله الإيلاء يمين زوج مسلم مكلف يتصور وقاعه وإن مريضًا يمنع وطء زوجته وإن تعليقًا غير المرضع وإن رجعية أكثر من

أربعة أشهر أو شهرين للعبد ولا ينتقل للعتق بعده كوالله لا أراجعك أولا أطؤك (تنبيه) قال الزرقاني فإن آلى عاقلًا ثم جن وكل الإمام من ينظر له فإن رأى أن لا يفيء طلق عليه وإن رأى أنه يفيء كفر عنه أو أعتق إن كانت يمينه بعتق قاله أصبغ فإن وطء حال جنونه فهل هو فيئة ويحنث ويكفر عنه نظرًا لحال اليمين وهو قول أصبغ أو لا يحنث ويسقط حقها في الوقف ويستأنف له أجل إذا عقل وهو قول اللخمي نظرًا لحال الحنث على قوله يلغز ويقال لنا مول حصلت منه فيئة وسقط طلبه بها مع بقاء الإيلاء عليه واقتصر المواق على ما للخمي وهو المذهب وكلام أصبغ ضعيف اهـ قال البناني إلا أن قوله ويستأنف له أجل إذا عقل وهو قول اللخمي الخ فيه نظر إذ لم يقل اللخمي يستأنف له أجل اهـ. وقد أشار الناظم إلى تعريفه وبعض أحكامه فقال (ومن لوطء بيمين منعه... لزوجة فوق شهور أربعة) (فذلك المولى وتأجيل وجب... له إلى فيئته لما اجتنب) يعني أن الزوج المسلم المكلف الذي يمكن وقاعه إذا حلف على ترك وطء زوجته غير مرضع ولا صغيرة فوق أربعة أشهر إذا كان حرًا أو أكثر من شهرين إذا كان عبدًا فهو المولي وظاهر قوله فوق أربعة أنه يكون موليًا ولو زاد عليها يومًا وهو كذلك كما في أبي الحسن.
وكيفية العمل في ذلك أنه يجب على القاضي إذا قامت زوجة المولي لديه بحقها أن يؤجله أجل الإيلاء الآتي بيانه إلى فيئته ورجوعه إلى وطئها الذي اجتنبه بيمينه والفيئة هي تغييب الحشفة في القبل أو افتضاض البكر أو التكفير عن يمينه فإن وطئ داخل الأجل أو كفر عن يمينه انحل إيلاؤه وإن انقضى الأجل ولم يرجع إلى وطء زوجته أوقفه القاضي فإما فاء وإلا طلق عليه بعد الإمهال إن وعد به واختبر المرة بعد المرة فإن لم يرجع طلق عليه كما لو لم يحصل منه وعد بالوطء فإن ادعى الوطء صدق بيمينه فإن نكل حلفت أنه لم يطؤها ويقع الطلاق عليه إن شاءت فإن نكلت سقطت دعواها لأن نكولها تصديق له (فائدة)

قال ابن العربي قال عبد الله بن عباس كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء حكمي اهـ وهذا دليل لمن يرى أن الإيلاء أربعة أشهر ورد بأمور منها عدم معقولية الذين يولون من نسائهم أربعة أشهر تربص أربعة أشهر قاله ابن العربي (فرع) وفيه إذا قال بالله لا أطؤها مدة كذا إلا أن يشاء الله قال ابن القاسم يكون موليًا وقال عبد الملك بن الماجشون ليس بمول وهذا الخلاف ينبني على أصل وهو معرفة فائدة الاستثناء فرأى ابن القاسم أن الاستثناء لا يحل اليمين وإنما هو بدل من الكفارة ورأى ابن الماجشون أنه يحلها وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح لأنه يتبين به أنه غير عازم على الفعل ولهذه النكتة قال مالك أنه إذا أراد بقوله إلا أن يشاء الله معنى قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله ومورد الأشياء كلها إلى مشيئة الله تعالى فلا ثنيا له لأن الحال في الحقيقة كذلك وإن أراد بهذا القول حل اليمين فإنها تنحل عنه اهـ (قلت) والذي يقصده الناس اليوم هو الثاني أما الأول فلا يعرفونه ولا يلتفتون إليه وإن الذي اختاره ابن رشد كما في إيمان الحاوي نقلًا عن أبي عمران الفاسي أن الاستثناء ينفع في كل يمين حتى في الطلاق والعتاق.
وقول الناظم لوطء اللام زائدة وبيمين متعلق بمنعه وضميره عائد على وطء وقوله (وأجل الإيلاء من يوم الحلف... وحانث من يوم رفعه ائتنف) (ويقع الطلاق حيث لا يفي... إلا على ذي العذر في التخلف) يعني أن الأجل الذي يضربه القاضي للمولي وهو أربعة أشهر للحر وسواء كانت زوجته حرة أو أمة وشهران للعبد كانت زوجته حرة أو أمة أيضًا للرجوع إلى وطء زوجته يكون من يوم الحلف إن كانت يمينه منعقدة على بر سواء كانت يمينه صريحة في م كون المدة أكثر من أربعة أشهر كوالله لا أطؤك أبدًا أو خمسة أشهر أو محتملة لأقل كقوله والله لا أطؤك حتى يقدم زيد أو يموت عمرو وإن كانت يمينه منعقدة على حنث كما

لو قال إن لم أدخل الدار فأنت طالق بناء على أنه يمين فابتداء الأجل من يوم رفعه للحاكم بعد ثبوت ما يترتب عليه الحكم فإن لنقضى الأجل ولم يرجع إلى الوطء أو لم يفعل المحلوف عليه فإن الطلاق يقع عليه بعد الإمهال إن وعد به أو عاجلًا كما مر فيأمره الحاكم بالطلاق فإن امتنع طلق عليه أو يأمر الزوجة به فتطلق نفسها إن شاءت ثم يحكم ومحله إذا كان المولي غير معذور عند انقضاء الأجل كمريض ومسجون وغائب ويرسل إليه أما إن كان معذورًا فلا تطلق عليه بنفس انقضاء الأجل بل يمهل باجتهاد الحاكم حتى يمكنه ذلك فإن أمكنه ولم يرجع طلقت عليه إن طلبت ذلك وقوله (وعادم للوطء للنساء... ليس له كالشيخ من إيلاء) يعني أن العاجز عن الوطء كالشيخ الفاني والمجبوب والعنين ومن قطع ذكره فقط إذا آلى فإن إيلاءه لا ينعقد ولا ينبني عليه حكم.
وقوله (وأجل المولي شهور أربعه) يعني أن من حلف على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر وهو المسمى بالمولي إذا رفعت زوجته أمرها للحاكم فإنه يضرب له أجل الإيلاء أربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿والذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾ وهذا بيان لقوله المتقدم وتأجيل وجب.
له إلى فيئته لما اجتنب.
هذا للحر وأما العبد فأجل إيلائه شهران كما يأتي للناظم وقوله (واشترك التارك للوطء معه) (في ذاك حيث الترك قصدًا للضرر... من بعد زجر حاكم وما انزجر) (بعد تلوم يعني أن الزوج إذا امتنع من وطء زوجته من غير حلف قاصدًا بذلك ضررها ورفعت أمرها للحاكم فإنه يزجره بما يناسب مقامه فإن رجع فلا إشكال وإن لم

يرجع تلوم له بالاجتهاد فإن انقضى التلوم واستمر على امتناعه ضرب له أجل الإيلاء وإليه الإشارة بقوله واشترك التارك للوطء معه أي مع المولي في ذلك التأجيل بأربعة أشهر بعد التلوم.
وما درج عليه الناظم في هذا الفرع خلاف المشهور والقول المشهور أنها تطلق عليه بعد التلوم من غير ضرب أجل (ولما) فرغ من الكلام على الإيلاء شرع يتكلم على الظهار وهو قول الرجل لزوجته أو أمته أنت علي كظهر أمي.
والظهار لغة مأخوذ من الظهر لأن الوطء ركوب والركوب يكون على الظهر غالبًا (وعرفه) الإمام ابن عرفة بقوله الظهار تشبيه الزوج زوجته أو ذي أمة حل وطؤه إياها بمحرم منه أو بظهر أجنبية في تمتعه بهما والجزء كالكل والمعلق كالحاصل اهـ (فقوله) بمحرم بفتح الميم والراء وقوله في تمتعه هو وجه الشبه وباقيه ظاهر.
وعرفه الشيخ خليل بقوله تشبيه المسلم المكلف من تحل أو جزؤها بظهر محرم أو جزئه ظهار اهـ فالمسلم يشمل الزوج والسيد أما الكافر فلا يصح ظهاره ولو رفع أمره إلينا عندنا والمكلف يشمل الحر والعبد.
وتذكير الأوصاف يقتضي أن الظهار لا يقع من المرأة وهو كذلك كما في أحكام ابن العربي.
وحكمه الحرمة لأنه كبيرة قال الله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾ الآية.
وكان طلاقًا في الجاهلية وأول الإسلام حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته فرفعت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا جاء في بعض الروايات وقالت له يا رسول الله إن زوجي أكل شبابي وفرشت له بطني فلما كبر سني ظاهر مني ولي صبية منه صغار إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا وهو عليه الصلاة والسلام يقول لها اتق الله في ابن عمك فما برحت حتى نزل قول الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية فقال عليه الصلاة والسلام

ليعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به صيام قال فيطعم ستين مسكينًا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قال فإني أعينه بفرق من التمر قالت يا رسول الله وأنا سأعينه بفرق آخر قال قد أحسنت فاذهبي وأطعمي ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك الحديث والفرق بالتحريك ستة عشر رطلًا وبالتسكين سبعمائة وعشرون رطلًا والوارد الأول وهو الظاهر (تنبيهات) الأول من غضب فظاهر من امرأته لم يسقط غضبه حكمه.
وفي طرق هذا الحديث قال يوسف بن عبد الله بن سلام حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت قالت كان بيني وبينه شيء فقال أنت علي كظهر أمي ثم خرج إلى نادي قومه فقولها كان بيني وبينه شيء دليل على منازعة أحرجته فظاهر منها والغضب لغو لا يرفع حكمًا ولا يغير شرعًا وكذلك السكران يلزمه حكم الظهار إذا عقل (الثاني) قال ابن العربي فيما أوردناه من هذا الخبر دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في الظهار بالفراق وهو الحكم بالتحريم بالطلاق حتى نسخ الله ذلك بالكفارة وهذا نسخ في حكم واحد في حق شخص واحد في زمانين وذلك جائز عقلًا واقع شرعًا (الثالث) قال الشافعي إذا ظاهر من أجنبية بشرط الزواج لم يكن ظهارًا وعندنا يكون ظهارًا كما لو طلقها كذلك للزمه الطلاق إذا تزوجها لأنها من نسائه حين شرط نكاحها على المشهور اهـ (قلت) ومقابل المشهور وهو القول الشاذ أقوى من جهة الدليل كما سيأتي في باب الطلاق (الرابع) إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة فلا تلزمه إلا كفارة امرأة واحدة (الخامس) إذا قال أنت علي كأمي فإن نوى ظهارًا كان ظهارًا وإن نوى طلاقًا كان طلاقًا وإن لم تكن له نية كان ظهارًا.
وقال الشافعي وأبو حنيفة إن لم ينو شيئًا لم يكن شيء.
وإذا قال أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارًا ولم يكن طلاقًا لأن قوله أنت حرام يحتمل التحريم بالطلاق وهو مطلقه ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيرًا لأحد الاحتمالين فقضي به فيه قاله ابن العربي.
وقيل يؤخذ بالطلاق مع الظهار (السادس) إذا نوى

الطلاق بصريحه كقوله أنت علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا الظهار في الفتوى وكذا في القضاء على الأرجح كما في الدردير قال الدسوقي على قوله وهو الأرجح ما نصه فقد نقل في التوضيح عن المازري أن المشهور عم الانصراف للطلاق وكذا قال أبو إبراهيم الأعرج المشهور في المذهب أن صريح الظهار لا ينصرف للطلاق وأن كل كلام له حكم في نفسه لا يصح أن يضمر به غيره كالطلاق فإنه لو أضمر به غيره لم يصح وأنه لو أضمر هو بغيره لم يصح زاد ابن محرز وكذلك لو حلف بالله وقال أردت بذلك طلاقًا أو ظهارًا لم يكن له ذلك ولا يلزمه إلا ما حلف به وهو اليمين بالله اهـ (السابع) قال ابن العربي الظهار يحرم جميع أنواع الاستمتاع خلافًا للشافعي في أحد قوليه لأن قوله أنت علي كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع اهـ. وحيث كان الظهار من زوجته لا يحل له الاستمتاع بها إلا بعد التكفير فإن امتنع منه ورفعت زوجته أمرها للقاضي فإنه يضرب له أجل الإيلاء ويجري عليه حكم المولي وإليه أشار الناظم بقوله وفي الظهار... لمن أبى التكفير ذاك جار) فالإشارة بذلك للتأجيل بشهور أربعة وقوله (وأجل المظاهر المأثور... من يوم رفعه هو المشهور) (من بعد أن يؤمر بالتكفير... وهي على الترتيب لا التخيير) يعني أن أجل المظاهر الذي يضرب له كأجل الإيلاء يكون منى يوم رفعه للحاكم وهو الرواية المشهورة وقيل من يوم الظهار وذلك بعد أن يؤمر بالتكفير ويمتنع من أداء الكفارة وهي على الترتيب لا على التخيير كما مر في الآية والحديث (تنبيه) من تعدى حدود الله واستمتع قبل أداء الكفارة فإنها لا تتعدد عليه (فرع) لو طلق المظاهر زوجته بعد الظهار ثم عادت إليه بنكاح جديد لم يطأها حتى يكفر خلافًا للشافعي قاله ابن العربي.
وقول الناظم المأثور أي المروي بالرفع نعت لأجل وقوله

(كذاك أيضًا ما له ظهار... من لا على الوطء له اقتدار) يعني أن من لا قدرة له على الوطء كالمجبوب لا يلزم ظهاره ولا يصح كما لا يصح إيلاؤه ولا يلزم وما درج عليه الناظم أحد قولين في المسألة وقيل يصح ظهاره وهو الراجح وبه صدر ابن الحاجب فقال ويصح ظهار العاجز عن الوطء لمانع فيه أو فيها كالمجبوب والرتقاء وقال سحنون لا يصح اهـ (قلت) وهذا الخلاف مبني على قاعدة وهي أن المظاهر هل يمنع من الاستمتاع مطلقًا وقد تقدم قريبًا أو من الوطء فقط خلاف فعلى الأول يصح من المجبوب ونحوه لأن الاستمتاع يقع منه بدون وطء وعلى الثاني لا يصح منه لأنه لا يقدر على الوطء ولكل وجهة هو موليها والله أعلم.
(وإن يكن مظاهر أو مولي... عبدًا يؤجل نصف ذا التأجيل) (ثم الطلاق في انقضاء الأجل... بعد تقضي الموجبات الأول) يعني أن المظاهر أو المولي إذا كان عبدًا فإنه يؤجل نصف أجل الحر وهو شهران ثم إن كفر الحر أو العبد في أثناء الأجل في الظهار أو رجع لوطء زوجته في الإيلاء فالحكم ظاهر وإلا طلقت عليه عند انقضاء الأجل بعد الإمهال إن وعد به كما مر ولا بد من تحصيل الموجبات الأول بضم الهمزة من ثبوت الزوجية والظهار والإيلاء والامتناع من التكفير أو الوطء وعدم رضى الزوجة بالمقامة معه على تلك الحالة والإعذار إليه بأبقيت لك حجة فتقديمها على الحكم شرط في صحته وقوله يؤجل بالسكون (ولما) كان الطلاق في هذه المسألة رجعيًا لقول الفقهاء رحمهم الله تعالى كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة أشار الناظم إلى الفرع الأول منهما بقوله (ويملك الرجعة فيما أصدرا... من فاء في العدة أو من كفرا) منطوق البيت تصوره ظاهر ولا تتوقف رجعتها على إذنها ولا على رضاها كما يأتي

في الرجعة.
ومفهوم قوله فاء في العدة أنه إذا ارتجع في العدة بدون فيئة بوطء ولا تكفير فإن رجعته لا تصح وهو كذلك قال صاحب المختصر وتتم رجعته إن انحل (تنبيه) إنما يكون طلاق المولي رجعيًا إن وقع الدخول بها أو ثبت وطؤها قبل البناء ولم تبلغ الثلاث وإلا فلا رجعة كما في ابن الحاجب وغيره.
وقول الناظم أصدرا ضميره يعود عل الحاكم وألفه للإطلاق كألف كفرا بتشديد الفاء وضمير فاء عائد على من الأولى الواقعة على المولي وفي العدة متعلق به وضمير كفر يعود على من الثانية الواقعة على المظاهر ومتعلقه محذوف أي في العدة دل عليه المذكور ثم قال

(فصل في اللعان)

أي هذا فصل في بيان مسائل اللعان (اعلم) أن مباحث هذا الفصل التي يكون الكلام فيها خمسة (الأول) في بيان معنى اللعان لغة واصطلاحًا (الثاني) في مشروعيته (الثالث) في حكمته (الرابع) في حكمه (الخامس) في أركانه وأسبابه وشروطه وموانعه (فأما) معناه لغة فهو الإبعاد يقال لعنه الله إذا أبعده.
وفي المصباح لعنه لعنًا من باب نفع طرده وأبعده أو سبه فهو لعين وملعون ولعن نفسه إذا قال ابتداء عليه لعنة الله والفاعل لعان قال الزمخشري والشجرة الملعونة هي كل من ذاقها كرهها ولعنها وقال الواحدي والعرب تقول لكل طعام ضار ملعون ولاعنه ملاعنة ولعانًا وتلاعنوا لعن كل واحد الآخر والملعنة بفتح الميم والعين موضع لعن الناس لما يؤذيهم هناك كقارعة الطريق ومتحدثهم والجمع الملاعن ولاعن الرجل زوجته قذفها بالفجور وقال ابن دريد كلمة إسلامية في لغة فصيحة اهـ وهو مشتق من اللعنة التي في خامسة يمين الزوج ولم يسم بالغضب الذي في خامسة يمين الزوجة تغليبًا للمذكر على المؤنث على مقتضى القاعدة ولن الرجل سابق وسبب في لعانها وجانبه أقوى من جانبها لأنه قادر على الائتلاف بالترك لأن العصمة بيده دونها.
واصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله هو حلف الزوج على زنى زوجته أو نفي حملها اللازم

له وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض اهـ (فقوله) الزوج الشامل للحر والعبد احترز به من السيد سواء حرًا أو عبدًا فإنه لا لعان عليه إذا نفى حمل أمته أو أم ولده وهو مصدق بلا يمين ويكن في معنى الزوج من وطئ امرأة اشتبهت عليه بزوجته ولا زوج لها فتأتي بحمل لستة أشهر فأكثر فتدعي أنه منه وينفيه بلعان وأما لرؤية الزنى فلا يتصور (وقوله) على زنى زوجته الخ سواء كان النكاح صحيحًا أو فاسدًا احترز به من رميها بمقدمات الجماع فإنه لا لعان فيه (وقوله) أو نفي حملها زاده ليدخل فيه ما إذا نفى الولد قال شارحه وهذه الصورة هي المقصودة في اللعان كما في التوضيح (وقوله) اللازم احترز به مما لو أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم العقد فإنه منتف عنه من غير لعان (وقوله) إن أوجب نكولها حدها احترز بهما لو ثبت غصبها ونفي الولد فيلاعن فيه هو وحده دون الزوجة ولا حد عليها إن نكلت) وقوله) بحكم قاض احترز به مما لو تلاعنا بدون الزوجة ولا حد عليها إن نكلت (وقوله) بحكم قاض احترز به مما لو تلاعنا بدون حكم فهو كالعدم ولا ينبني عليه حكم من الحكام الآتية وكذا يحترز به مما لو سكت عند الوضع ثم أراد أن ينفيه بلعان فلا يقبل منه كما يأتي في الموانع أو حلف كل واحد منهما يمينًا واحدة فإنه لا يكون لعانًا إذ لا يحكم به القاضي لنقصانه (وأما) مشروعيته فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع (أما) الكتاب فهو قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة احدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾.
وأما السنة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بلعان عويمر العجلاني وزوجته وهلال بن أمية أيضًا فقد رمى الأول زوجته بأنه رآها مع رجل والثاني قذف امرأته برجل.
وأما الإجماع فقد حكاه الفكهاني وغيره.
وأما حكمته فلحفظ الحقوق والأنساب.
وأما حكمه فقد يكون واجبًا لضرورة دفع النسب إذا كان عالمًا أنه ليس منه لأن ترك اللعان فيه مفسدة عظيمة إذ لا يجوز لأحد أن يستلحق بنسبه

من ليس منه قال الله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ الآية ولا ضرورة تدعوه لترك اللعان إذا كان صادقًا كما قاله أبو الحسن وقال ابن عرفة إن كان لنفي نسب وجب وإلا فالأولى تركه بترك سببه فإن وقع صدقًا وجب لدفع معرة القذف اهـ (فقوله) بترك سببه الخ سبب اللعان هو الرمي والقذف بالزنى وتركه بأن يسكت عما رآه فإن لم يترك القذف وكان صادقًا فيه وجب عليه اللعان لدفع المعرة التي تحصل له بالقذف لأنه إذا امتنع من الالتعان مع القذف حد والحد معرة.
وأما أركانه فالزوج والزوجة.
وأسبابه رؤية الزنى أو نفي الحمل.
وشروطه الإسلام والبلوغ والعقل ودعوى الاستبراء أو عدم الوطء في نفي الحمل.
وموانعه السكوت أو الوطء بعد العلم وستمر بك مفصلة إن شاء الله تعالى وبدأ الناظم بالأركان والأسباب وبعض الشروط فقال (وإنما للزوج أن يلتعنا... لنفي حمل أو لرؤية الزنى) (مع ادعائه للاستبراء... وحيضة بينة الإجزاء) يعني أن اللعان لا يكون إلا للزوجين ولو فسد نكاحهما أو نكاح شبهة كما مر أو كانا فاسقين أو رقيقين بشرط إسلام الزوج وتكليفه ولو عنينًا أو هرمًا أو مقطوع الذكر أو الاثنين أو ذاهب البيضة اليسرى أو مجبوبًا لكن في الرؤية والقذف وأما في نفي الحمل فلا لعان على المجبوب ولا على الخصي بقسميه بل ينتفي عليه حملها الذي ادعت به عليه بغير لعان كحمل زوجة الصبي.
ويشترط في الزوجة أن تكون مطيقة للوطء ولو كتابية أو غير مدخول بها أو لم تكن في العصمة بان فارقها فالبالغ تلاعن كالزوج والمطيقة يلاعن زوجها دونها وغير المطيقة لا لعان على واحد منهما ولا حد على الزوج لعدم لحوق المعرة لها.
وسبب اللعان بين الزوجين أمران أحدهما نفي حمل ظهر بها أو ولد ولو ميتًا أو متعددًا (ثانيهما) رؤية الزنى ولو لم يقل رأيت فرج الزاني في فرجها كالمردود في المكحلة بل يكفي أن يقول رأيتها تزني أو تحققت

زناها لأن الرؤية ليست بقيد بل يكفي التيقن ولو من البصير فلو قال الناظم أو تيقن الزنى لكان أشمل فإن الأعمى يلاعن حتى في دعوى الزنى حيث تيقنه بجس أو بحس على المشهور خلافًا لظاهر النظم لأنه يوهم قصره على البصير من تعبيره بالرؤية.
وإنما يلتعن في نفي الحمل إذا ادعى الاستبراء بالوضع أو بالمدة أو بالحيض ولو مرة فإنها تجزئ أو ادعى عدم الوطء بالكلية لا مع عدمها فلا لعان ويحد للقذف كما لا يلتعن عند وجود الموانع الآتية عند قول الناظم وساكت والحمل حمل بين البيت وقوله يلتعنا ألفه للإطلاق ومع ادعائه متعلق به.
وقوله وحيضة بينة الإجزاء مبتدأ وخبر والإجزاء بكسر الهمزة مضاف إليه من أجزأ.
وقوله (ويسجن القاذف حتى يلتعن... وإن أبى فالحد حكم يقترن) يعني أن من رمى زوجته بالزنى أو نفى حملها اللازم له فإنه يلاعن إذا كذبته في ذلك فإن امتنع من اللعان سجن حتى يلتعن فإن أبى حكم عليه بحد القذف.
وقوله فالحد الفاء رابطة لجواب الشرط والحد مبتدأ وحكم خبره وجملة يقترن صفة لحكم ومتعلقه محذوف أي بامتناعه وقوله (وما بحمل بثبوته يقع... وقد أتى لمالك حتى تضع) يعني أن اللعان إذا كان بسبب نفي حمل فإنه يقع بثبوته ثبوتًا ظاهرًا بشهادة امرأتين عارفتين هذا هو المشهور وروي عن مالك تأخير اللعان إلى وضع الحمل خوف انفشاش على ما اعتقد أنه حمل بعد اللعان.
وقوله وما بحمل الخ فما اسم موصول مبتدأ واقع على اللعان وبحمل متعلق بمحذوف تقديره وجب والباء سببية والجملة صلة ما.
وقوله بثبوته متعلق بيقع وجملة يقع خبرًا لمبتدأ وقوله (ويبدأ الزوج بالالتعان... لدفع حد أربع الأيمان) (إثباتًا أو نفيًا على ما وجبا... مخمسًا بلعنة إن كذبا)

(وتحلف الزوجة بعد أربعا... لتدرأ الحد بنفي ما ادعى) (تخميسها بغضب إن صدقا... ثم إذا تم اللعان افترقا) (ويسقط الحد وينتفي الولد... ويحرم العود إلى طول الأمد) (والفسخ من بعد اللعان ماض... دون طلاق وبحكم القاضي) الأبيات الستة تضمنت كيفية اللعان التي يحكم بها القاضي بين الزوجين هو أن يبدأ الزوج باللعان لدفع حد القذف عنه إن كانت الزوجة حرة مسلمة أو الأدب إن كانت أمة أو كتابية فيحلف الأربع الأيمان المذكورة في قول الله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ الآية المتقدمة على الصيغة الواجبة شرعًا إثباتًا في الزنى فيقول أشهد بالله لرأيتها تزني أو تيقنتها تزني أو نفيًا في الحمل فيقول أشهد بالله ما هذا الحمل مني ولا بد من لفظ أشهد على ما جاء في الصيغة مخمسًا باللعنة فيقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تحلف الزوجة على نفي دعواه ليرتفع عنها الحد بعد أن تخوف أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة أربع أيمان نفيًا في الزنى تقول في كل واحدة أشهد بالله ما رآني أزني أو ما زنيت أو إثباتًا في الحمل تقول في الحمل أشهد بالله أنه هذا الحمل منه وتخمس بالغضب فتقول غضب الله عليها إن كان من الصادقين فإن بدأت قبله أعادت على القول الراجح فإذا تم اللعان منهما على الكيفية الواردة شرعًا افترقا من غير احتياج إلى حكم حاكم على المشهور ويسقط الحد وينتفي الولد عن الزوج ويحرم عودها إليه أبدًا وتستحق مهرها ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها قال يا رسول الله مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كذبت عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها قال بعض الشيوخ ففي الحديث دلالة على ثبوت مهر الملاعنة بالدخول

وهذا مجمع عليه كذا في النفراوي.
وحاصل ما ينبني على اللعان ثلاثة أحكام من جهة الزوج وهي درأ الحد عنه ونفي الولد وإيجاب حد المرأة إن لم تلاعن وثلاثة أحكام أيضًا من جهة الزوجة وهي وقوع الفسخ بلا طلاق وسقوط الحد عنها وتأبيد التحريم.
وقول الناظم وبحكم القاضي معطوف على دون والباء بمعنى مع والتقدير أن فرقة المتلاعنين هو فسخ بلا طلاق لكن لا تقع الفرقة حتى يحكم بها القاضي وما ذكره من توقف الفرقة على حكم القاضي شاذ لا يعول عليه والمشهور ما تقدم من أن النكاح يفسخ بينهما بمجرد تمام اللعان من غير طلاق ولا احتياج إلى حكم القاضي والله أعلم (فرع مرتب) وهو إن نكلت الزوجة بعد حلف الزوج رجمت بالحجارة إلى أن تموت إن كانت حرة محصنة بفتح الصاد بوطء تقدم من هذا الزوج الملاعن أو من زوج غيره في نكاح صحيح لازم وحصل فيه وطء مباح بانتشار ذكر المسلم المكلف فإن لم تكن محصنة جلدت مائة جلدة حيث كانت حرة مسلمة مكلفة فإن كانت أمة حدت نصف الحد خمسين جلدة وإن كانت كتابية أدبت باجتهاد الحاكم لأنها آذت زوجها وردت لحكام ديانتها بعد تأديبها لاحتمال استحقاقها الحد عندهم بنكولها وإن نكل الزوج حد لقذفها ثمانين جلدة حيث كان حرًا مكلفًا وكانت الزوجة حرة عفيفة ولحق به الولد لن الولد للفراش لا ينتفي إلا بلعان فإن كان الزوج صبيًا والزوجة بالغة فإن رماها بالزنى فلا لعان وعليها الحد.
وإن كان بالغًا وهي صغيرة فإن لم تطق الوطء فلا حد ولا لعان أيضًا وإن كانت مطيقة للوطء التعن دونها كما مر فإن كان الزوج عبدًا مكلفًا والزوجة حرة مكلفة تلاعنا فإن نكل حد نصف حد الحر للقذف فإن كانت كتابية أو أمة فلا حد عليه كذا في الفواكه الدواني على رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني للعلامة النفراوي.
وقوله (ومكذب لنفسه بعد التحق... ولده وحد والتحريم حق)

(وراجع قبل التمام منهما... يحد والنكاح لن ينفصما) يعني أن من لاعن زوجته وبعد تمام اللعان منهما أكذب نفسه فإن الولد يلحق به ويحد حد القذف إن كانت الزوجة حرة مسلمة عفيفة على نحو ما مر وأما التحريم فإنه أمر واجب قد مضى فلا ترجع له أبدًا.
وإن أكذب نفسه قبل تمام اللعان فإنه يحد كذلك ونكاحهما باق على حاله لم ينفسخ هذا معنى قوله والنكاح لن ينفصما أي لا ينقطع.
وقوله ومكذب نفسه الخ مبتدأ وجملة التحق ولده من الفعل ولفاعل خبره والعائد محذوف تقديره به وبعد مبني على الضم (ثم) شرع في بيان موانع اللعان التي تقدمت الإشارة إليها فقال (وساكت والحمل حمل بين... يحد مطلقًا ولا يلتعن) (ومثله الواطئ بعد الرؤية... ويلحق الولد حد الفرية) يعني أن الزوج المكلف المسلم إذا رأى حملًا بينًا بزوجته وسكت ثم أراد نفيه بلعان فإنه لا يقبل منه ولا يلتعن في ذلك ويلحق به الولد ويحد حد القذف المعبر عنه بالفرية ومعناها الكذبة وسواء كان سكوته كثيرًا وهو ظاهر أو قليلًا كاليوم واليومين وعلى ذلك نبه بالإطلاق فهو راجع لقوله وساكت.
ومثله في عدم قبول قوله الذي رأى زوجته تزني فوطئها ثم أراد أن يلاعن فإنه لا يلتعن ويحد فتحصل من كلامه أن الحمل يمنع من اللعان فيه أحد أمرين إما السكوت أو الوطء وأما الرؤية فلا يمنع اللعان فيها إلا الوطء خاصة لو طال سكوته فلا يضر.
وقوله (وإن تضع بعد اللعان لأقل... من ستة أشهر فالمهر بطل) (وليس للتحريم من تأبيد... إذ النكاح كان كالمفقود) يعني أن من تزوج امرأة ولم يدخل بها وظهر بها حمل قبل البناء فأنكره وادعت أنه منه ولاعن ثم وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم العقد فإن المهر يبطل ولا شيء عليه

منه وإن كان قد دفع نصفه رجع به لظهور كونها في العدة حين العقد ولا يتأبد تحريمها عليه الذي حصل باللعان لأن النكاح الذي وقع كالمعدوم حسًا لأنه معدوم شرعًا للاتفاق على فساده فهو مفسوخ شرعًا مفقود حكمًا لا يصح فيه لعان ولا يترتب عليه طلاق ولا ميراث ولا غيرهما ومفهوم قوله لأقل من ستة أشهر أنها لو وضعته لستة أشهر فأكثر لا يبطل المهر ولا التحريم وهو كذلك كما مر.
ولما فرغ من الكلام على أسباب الطلاق الإجباري شرع يتكلم على الطلاق الاختياري فقال

(باب الطلاق والرجعة وما يتعلق بهما)

أي من الأحكام كعدم افتقار الرجعة إلى الولي والإذن والصداق والجبر عليها إذا طلق في الحيض ونحو ذلك (تمهيد) يتوجه النظر في هذا الباب إلى بيان أصل مشروعية الطلاق وبيان نهاية عدده للحر والعبد وبيان حكمه وأقسامه (فأما) الأصل في مشروعية الرجعة فقول الله عز وجل: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ الآية.
وقد طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما وارتجعها بأمر من الله تعالى نزل عليه جبريل عليه السلام أن راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة.
والرجعة بفتح الراء وكسرها وصوب الجوهري الفتح واستعملها الفقهاء بالكسر قال أبو فارس والرجعة مراجعة الرجل أهله وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته وطلاق رجعي بالوجهين كذا في المصباح وغيره.
واصطلاحًا عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي رفع الزوج أو الحاكم حرمة المتعة بالزوجة بطلاقها فتخرج المراجعة اهـ وذلك لأن الرجعة من الطلاق الرجعي الآتي بيانه والمراجعة من الطلاق البائن ولذلك يعبرون فيها بالمفاعلة لاحتياجها إلى الطرفين الزوج والولي كما سيأتي.
وأدخل

بقوله أو الحاكم صورة ما إذا طلق زمن الحيض وامتنع من الرجعة فإن الحاكم يرتجعها له جبرًا ويجوز له الوطء برجعته لأنه نائب عنه.
وخرج بقوله حرمة الخ رفع الحلية فإنه نفس الطلاق.
وخرج بقوله بطلاقها المتعلق بحرمة رفع حرمة الظهار بالتكفير والله أعلم (وأما) الطلاق فالأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
وقد طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة كما مر والعالية إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن وانعقد الإجماع على جوازهما لنص القرآن والسنة (وأما) معناه لغة فهو الإرسال والانحلال قال الفرابي نعجة طالق بغير هاء إذا كانت مخلاة ترعى وحدها فالتركيب يدل على الحل والانحلال ومن هنا قيل أطلقت القول إذا أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة إذا شهدت من غير تقييد بتاريخ كذا في المصباح.
وقال صاحب القاموس وطلقت من زوجها كنصر وكرم طلاقًا بانت فهي طالق وطالقة وأطلقها وطلقها اهـ فكأن ذات الزوجة موثوقة عند زوجها فإذا طلقها فقد أرسلها من وثاقه ولهذا يقول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك يقصدون بذلك أنها مرتبطة عندك بعقد النكاح ارتباطًا معنويًا كارتباط الناقة الحسي في حبالها ويقال في المحجور كذلك، وقال إمام الحرمين هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره اهـ. واصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الطلاق صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبًا تكثرها مرتين للحر ومرة لذي الرق حرمتها عليه قبل زوج اهـ (فقوله) صفة كالجنس يشمل جميع الصفات سواء كانت وجودية تدرك بالحس كالبياض والسواد أو بالعقل كالعلم والقدرة أو تقديرية لا وجود لها ذهنًا وخارجًا كالطهارة والطلاق إلا أن الشرع قدر وجودها في الشخص وقيامها به فكأنها محيطة به.
وقوله حكيمة احترز به من الصفة الوجودية بقسميها.
وقوله موجبًا تكررها الخ احترز به من رفع الحلية بها بالدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو بالدخول في الاعتكاف أو الصلاة ونحوها

وموجبًا بالنصب على الحال أو من صفة إما من ضمير ترفع جارية على غير صاحبها في المعنى وفي بعض النسخ بالرفع على أنه نعت سببي لصفة.
وقوله تكررها بالرفع فاعل بموجب وتكرر مضاف وضمير الموصوف الذي هو الرابط مضاف إليه.
وحرمتها بالنصب مفعول بموجب.
والتكرر هو ما بعد الطلقة الأولى.
وقوله مرتين إنما قيد به لأن ذلك هو الموجب للتحريم والزائد لا أثر له ويقال الطلاق الثاني تكرر وكذا الثالث ولا يصدق على الأول أنه متكرر إذ التكرر إنما يكون بعد فرد فنهاية طلاق الحر ثلاث ونهاية طلاق العبد اثنتان كما يأتي (وأما) أركانه من جهة توقف الماهية عليه فأربعة (الأول) الزوج إذا أراد أن يوقع الطلاق بنفسه فشرطه أن يكون مسلمًا على المشهور.
وأن يكون بالغًا فينفذ طلاق السفيه دون الصبي ولو ناهز البلوغ على المشهور لأنه غير مكلف.
ودليل الشاذ أن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وأن يكون عاقلًا فلا يصح طلاق المجنون في حال جنونه فهو كالصبي.
وأما السكران بحرام فإنه يلزمه الطلاق مطلقًا ميز أو لم يميز على القول المشهور (وإن) طائعًا فلا ينفذ طلاق المكره وسيأتي الكلام عليه وعلى السكران في كلام الناظم (الثاني) المطلقة بفتح اللام مشددة ويشترط فيها أن يملك المطلق بكسر اللام عصمتها حال الطلاق تحقيقًا أو تعليقًا كما لو قال لأجنبية أو بائن إن تزوجتك فأنت طالق أو قال فلانة طالق ونوى به بعد نكاحها أو لم ينو ودل بساط على التعليق كوقوع مشاجرة مع أهلها مثلًا عند خطبتها فقال هي طالق فإن تزوجها في الصور الثلاث طلقت على المشهور ومقابله لا يلزمه قال ابن راشد دليل عدم لزوم الطلاق المعلق هو قوله صلى الله عليه وسلم لا طلاق قبل النكاح وهو مذهب الإمام الشافعي واختاره جماعة من أشياخنا وقال الترمذي وهو قول أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث خرج عن سبب وهو أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لامرأة إن تزوجتك فأنت طالق ثم أراد أن يتزوجها فأمره عليه السلام بذلك وقال لا طلاق قبل النكاح اهـ هذا كله إن كان التعليق تحقيقًا أو تقديرًا فإن لم

يكن كذلك بل قال هي طالق أو حرام وهي ليست في عصمته ولم يقصد التعليق على أنه إن تزوجها ولا يعرفه فهل تطلق عليه كالصور الثلاث في القول المشهور أو لا تطلق عليه خلاف والذي عليه الجمهور من المتأخرين أنه لا يلزمه الطلاق لأن العامة لا تعرف التعليق كما في نوازل النكاح من البرزلي والمعيار فهذا محصل كلامهما في النازلة باختصار وسيأتي تعليق الحرام قصدًا بأبسط من هذا عند قول الناظم ويلزم الطلاق بالصريح.
وبالكنايات على الصحيح.
البيت عند ذكر الطلاق بلفظ الحرام (الثالث) ما يدل على فك العصمة بين الزوجين وسواء كانت دلالته عليه لفظية وضعية كلفظ فيه الطاء واللام والقاف أم لا كالكتابة والإشارة المفهمة بإصبع أو إصبعين أو ثلاث مثلًا إذا قصد واحدة أو اثنتين أو ثلاث تطليقات ولو من قادر على القول المعتمد فلا يقع الطلاق بمجرد العزم الذي ليس معه لفظ وفي لزومه بكلامه الذي يتحدث به في نفسه وعدم لزومه خلاف والذي نصره أهل المذهب عدم اللزوم وهو المشهور ابن عبد السلام وهو الأظهر لأن الطلاق حل للعصمة المنعقدة بالنية والقول فوجب أن يكون حلها كذلك إنما يكتفى بها في التكاليف المتعلقة بالقلب لا فيما بين الآدميين (تنبيه) إذا أراد الزوج الطلاق بالكتابة فإذا كتب وهو عازم على الطلاق وقع عليه وإن لم يخرج الكتاب من يده وإن كتب غير عازم لم يقع عليه شيء إلا أن يخرجه من يده عازمًا فإن أخرجه من يده غير عازم فله رده ما لم يبلغ المرأة فيلزمه وكيفية الكتب لا يخلو حال الزوجة إما أن تكون من ذوات الأشهر أو من ذوات الأقراء فإن كانت من ذوات الأشهر كالصغيرة والآيسة جاز له أن يكتب بإيقاع الطلاق في الحال وإن كانت من ذوات الأقراء فقال ابن القاسم يكتب إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طلق لا يزيد على ذلك فإن كانت طاهرًا وقع الطلاق وإلا بقيت زوجة قال فإن كانت حاملًا كتب حاملًا أو طاهرًا بعد أن وضعت فأنت طالق لا يزيد على ذلك فإن كانت على ما شرط وقع الطلاق وإلا بقيت زوجة كذا في الفائق (الرابع) قصد النطق باللفظ الدال عليه لا إن سبقه

لسانه بان قصد التكلم بغير الطلاق فتكلم به فقال أنت طالق فلا شيء عليه ويقبل قوله في الفتوى دون القضاء إلا إذا ثبت غلطه فينفعه في القضاء أيضًا كما في الحطاب وغيره أو لقن لفظ الطلاق بلا فهم لمعناه فلا يلزمه شيء لا في الفتوى ولا في القضاء وفي لزومه بالهزل وعدم لزومه خلاف يأتي في كلام الناظم والمشهور اللزوم.
وأما نهاية عدده فهو ثلاث تطليقات للحر سواء كانت الزوجة حرة أو أمة واثنتان للعبد وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة كذلك قال ابن راشد دليل الأول قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (روي) أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم الطلاق مرتان فأين الثالثة قال التسريح بإحسان.
ودليل الثاني طلق مكاتب امرأة حرة تطليقتين فاستفتى عثمان ابن عفان رضي الله عنه فقال حرمت عليك وبذلك أفتاه أيضًا زيد بن ثابت رضي الله عنه وكان يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا طلق العبد امرأته تطليقتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره حرة كانت أو أمة.
واحتج على ذلك بعضهم بقول الله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ قال فكان الواجب أن يكون طلقة ونصفًا فكملت عليه الطلقتان لأن الطلاق لا يتبعض قال ولذلك كانت عدة الأمة حيضتين وفي هذا الاستدلال نظر لأن العبد إذا جلد أربعين فذلك أرفق من جلد الحر إذ الثمانون أشد نكالًا بلا شك وقياس هذا أن يكون للحر طلقتان وللعبد ثلاث تطليقات لأن التطليقتين أضيق من الثلاث وذلك مما لا يقوله أحد فوجب أن يقتصر على الاستدلال على ما ذكرناه والله أعلم اهـ (وأما) حكمه فالأصل فيه الإباحة كما في المتيطية وقد يعرض له الوجوب كما إذا فسد ما بينهما ولا يأمن على دينه أو بدنه معها والاستحباب إن كانت غير عفيفة ولم تتبعها نفسه لخبر إن لي زوجة لا ترد يد لامس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فارقها قال إني أحبها قال فأمسكها صححه النسائي أو توفرت فيه شروط الطلاق السني حيث عزم على الفراق.
والحرمة وإن خيف من ارتكابه الوقوع في كبيرة أو كانت حائضًا أو نفساء.
والكراهة إن كان كل منهما قائمًا

بحق الآخر أو لم تتوفر فيه شروط الطلاق السني الآتية.
وأول من طلق إسماعيل بإشارة من أبيه إبراهيم عليهما السلام (وأما) أقسامه باعتبار السنة والبدعة فأربعة لأنه إما سني وإما بدعي وكل واحد منهما إما بائن وإما رجعي والبائن إما مطلق غير مقيد وإما مملك وإما خلعي وقد أشار الناظم إلى جميعها وبدأ بالطلاق السني إذ هو أولى بالتقديم مع بيان شروطه فقال (من الطلاق الطلقة السنيه... إن حصلت شروطها المرعيه) (وهي الوقوع حال طهر واحده... من غير مس وارتداف زائده) يعني أن الطلاق الذي أباحته السنة هو ما اجتمعت فيه شروط أربعة الأول أن يوقع الطلاق في حال طهر المرأة فإن أوقعه في حيض أو نفاس فإنه بدعي حرام (الثاني) أن تكون واحدة فإن طلق اثنتين أو أكثر في كلمة واحدة فإنه بدعي مكروه في اثنتين حرام في ثلاث (الثالث) أن يكون ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق لم يطأ فيه فإن وقع الطلاق في طهر وطئها فيه كان بدعيًا مكروهًا (الرابع) أن لا تكون هذه الواحدة مردفة في العدة فلو طلقها رجعيًا ثم أردف عليها في العدة طلقة أخرى فهو بدعي مكروه.
وفي الحكام لابن العربي قال علماؤنا طلاق السنة ما جمع سبعة شروط وهي أن يطلقها واحدة وهي ممن تحيض طاهر لم يمسها في ذلك الطهر ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه وخلا عن العوض اهـ. وقوله حصلت بتخفيف الصاد وشروطها فاعل حصلت والمرعية أي المعتبرة شرعًا نعت شروطها.
وقوله (فمنه بائن ومنه الرجعي... يعني أن الطلاق السني ينقسم إلى قسمين بائن كطلقة قبل البناء ولم يظهر بها حمل لازم له أو صادفت آخر الثلاث ورجعي كطلقة بعد البناء بالشروط المذكورة ولم تصادف آخر الثلاث.
وحاصل فقه المسألة كما في قوانين ابن جزي أن البائن يكون في أربعة مواضع وهي طلاق غير المدخول بها وطلاق الخلع وطلاق الثلاث فهذه

جارٍ التحميل