هذا العام وتصح أيضًا بالدين الذي في الذمة وبحمل ناقته أو بقرته ظاهرًا كان أو لم يظهر كقوله ما تلده ناقتي أو فرسي في هذه السنة أو أكثر فهو لفلان وكذلك تصح بالبعير الشارد والمغصوب والمجهور وإن كان في ذلك غرر لأنه تبرع والغرر فيه جائز ولا تجوز بما لا يملك كخمر لمسلم لا كافر وقوله الثمر بفتح الميم مجرور عطف على ما والدين والحمل بالجر كذلك ويظهر بكسر الراء للوزن ثم قال (وامتنعت لوارث إلا متى.... إنفاذ باقي الوارثين ثبتا) يعني أن الوصية لا تجوز لوارث إلا إذا أجازها باقي الورثة فإنها تجور وتكون ابتداء عطية تحتاج إلى حوز وقبول اللفظ أو ما يقوم مقامه كما تقدم في التبرعات وإنما كانت ممنوعة لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (تنبيه) يجوز للإنسان أن يوصي لابن وارثه كما يأتي أو لأحد أقاربه ولم علم أنه يردها للوارث لأن ذلك لا يمنع الوصية لأن مقتضى ملكه لمن أوصى له بعد أن يعطيه لمن شاء فإن قصد ذلك الموصي فهو آثم إلا إذا ثبت أنه تحيل وتوليج فإنها لا تصح وتكون ميراثًا (وقال) في أوائل وصايا المعيار أنه إذا اتهم أن يكون اتفق مع الموصى له أن يردها على الوارث وإن ذلك تحيل على الوصية للوارث فإن الموصى له يحلف للتهمة المذكورة فإن لم يحلف لم يعط الوصية اهـ (فرع) وقعت نازلة في حاضرة تونس وهي رجل أوصى لابن أخيه بثلث ماله على أن يأخذه من ربع زوجتيه حيث لا ولد له ولما مات الموصي وأراد ابن أخيه أخذ الثلث لموصى له بعد أن امتنعت الزوجتان من ذلك ولم توافقا عليه ورفعت النازلة إلى العلم الهمام أبي عبد الله الشيخ محمد الطاهر النيفر فحكم بإبطال الوصية بموافقة شيوخ الشورى له على ذلك لأنها لم تكن جارية على سنن وصايا المسلمين وإنما المقصود منها المضارة فعومل بنقيض مقصوده وهو ظاهر لا خفاء فيه عند المنصفين والله يحب المقسطين (قال في كتاب) الوصايا الثاني من المدونه وإذا أوصى بثلث لوارث وقال إن لم يجزه باقي الورثة فهي في السبيل لم يجز
ذلك وهو من باب الظن كذا في ابن مرزوق على المختصر وقوله إنفاذ بالرفع فاعل بفعل محذوف تقديره ثبت وألف ثبتًا في النظم للإطلاق ثم قال (وللذي أوصى ارتجاع ما يرى... من غير ما بتل أو ما دبرا) يعني أن من أوصى في صحته أو مرضه بعتق أو غيره فله أن يغير من ذلك ما ظهر له ويصنع فيه ما يشاء وله طرح تلك الوصية ويبدل غيرها ولو التزم عدم الرجوع فيها على القول المشهور المعمول به إلا ما بتل عتقه أو عطيته بأن قال أخرجوها عشت أو مت فليس له الرجوع فيها على أحد قولين قال ابن رحال الراجح الرجوع مطلقًا في العتق وغيره على أي وجه كانت الوصية لأنها عدة فلذلك يرجع فيها ولأنها معلقة على الموت ولم يحصل ولأنها وكالة وللموكل بكسر الكاف عزل وكيله قبل إن ينفذ ما وكله وقوله (وفي الذي علم موص تجعل... ودين من عن اليمين ينكل) يعني أن الوصية لا تخرج إلا من المال الذي علم به الموصي في صحته أو مرضه كما تخرج من الدين الذي في ذمته إذا نكل طالبه عن يمين القضاء أو عنها وعن يمين النصاب إذا لم يكن لرب الدين على الموصي إلا شاهد واحد فإذا لم يثبت الدين وبقي للورثة فإنه يجمع لبقية مال الموصي وتخرج الوصية من الجميع وإما المال الذي لم يعلم به وإنما أثبتته لمن ورثته بعد وفاته فإن الوصية لا تخرج منه (فرع) قال ابن زرب لو قال الورثة بعض المال لم يعلم به الموصي وقال الموصى له بل علمه فعلى الموصى له إثبات أنه علمه وإلا فليس له إلا ما أقر الوارث بعلمه اهـ (مسألة) من حبس أو تصدق أو وهب شيئًا من ماله وأوصى بعد ذلك بوصايا ثم بعد وفاته ظهر ما يوجب بطلان ما تصدق به ووقع الحكم ببطلانه فهل تكون الوصايا فيما بطل من التبرعات كمال علم به أم لا قولان والراجح منهما عدم دخول الموصى لهم فيما بطل إذا كان مثله ممن يجهل بطلان عطيته أما إذا كان الموصي عالمًا بأوجه
البطلان وإنها تؤول إليه عند الترافع لدى القضاة فإنهم يدخلون كما وقع الإفتاء بهذا في تركة الإمام ابن عرفة رحمه الله وبه القضاء وقوله
(وصححت لولد الأولاد... والأب للميراث بالمرصاد)
معناه أن الوصية تصح لولد الولد مع وجود الولد وعن وجوده عبر بقوله والأب للميراث بالمرصاد أي يرصد ميراث أبيه ويترقبه يقال رصدته أي ترقبته وإنما صححت لولد الولد لأنه غير وارث ولهذا لو صار وارثًا كما لو مات أبوه قبل موت الموصي الذي هو جده لم تصح (قال) ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل والوارث يصير غير وارث وعكسه الخ ما نصه وقال في المدونة في المسألة الثانية أن أوصى في صحته لامرأة ثم تزوجها ثم مات بطلت الوصية اهـ وظاهر النظم كان ولد الولد الموصى له موجودًا وقت الإيصاء أم لا وهو كذلك كما تقدم عند قوله.
حتى لحمل واضح أو لم يضح... لكنها تبطل إن لم يستهل.
وهذا قد يستغنى عنه بذلك وبمفهوم قوله وامتنعت لوارث وتقدم الكلام على حكم الغلة الحاصلة قبل وجود الأحفاد وغير ذلك من الفوائد واعلم أن هاته المسألة اتسع فيها الكلام جدًا وإذا أردت أن تستوفيها فعليك بتكملة الشيخ مياره رحمه الله فقد أجاد فيها وأفاد وإنما تركت اختصارها لأنه قد يكون مخلًا والإتيان بجميعها يكون مملًا والله الموفق للصواب (ثم شرع يتكلم على الأب إذا أنفق على ابنه الذي تحت نظره ثم أراد الرجوع عليه في حياته أو أراد بقية الورثة الرجوع على الابن بعد وفاة الأب فأشار إلى الصورة الأولى بقوله
(وإن أب من ماله قد أنفقا... على ابنه في حجره ترفقا)
(فجائز رجوعه في الحال... عليه من حين اكتساب المال)
يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الذي في حجره وتحت ولاية نظره فإنه يجوز له أن يرجع عليه بما أنفقه عليه من وقت كسب ابنه للمال فما بعد وأما ما أنفقه عليه
في حال عسره فلا يرجع عليه به لأن نفقته واجبة عليه إلى البلوغ قادرًا على التكسب إذا كان ذكرًا وإلى دخول الزوج إذا كان الولد أنثى وقوله أب فاعل بفعل محذوف يفسره أنفق وترفقا مفعول لأجله وهو راجع لكونه في حجره إذ لو رد إلى الإنفاق لكان نصًا في عدم الرجوع.
وأشار إلى الصورة الثانية مع ما فيها من التفصيل فقال
(وإن يمت والمال عين باق... وطالب الوارث بالإنفاق)
(فما لهم إليه من سبيل... وهو للابن دون ما تعليل)
(إلا إذا أوصى على الحساب... وقيد الإنفاق بالكتاب)
يعني أن الأب إذا أنفق على ابنه الذي في ولايته وللابن وقت إنفاق أبيه عليه مال عين قد وجد في تركة الأب بعد موته وطلب بقية ورثته الابن المنفق عليه بالنفقة فليس لهم ذلك لأن إبقاء الوالد مال ولده العين تحت يده دليل على تبرعه عليه بها لسهولة الأخذ من العين إلا إذا أوصى الأب بمحاسبة الأبن بما أنفق عليه وقيد ذلك في حجة فلهم محاسبته بها.
وقوله وإن يمت الخ فاعل يمت ضمير يعود على الأب وجملة والمال عين باق في محل نصب على الحال وباق نعت لعين وطالب فعل ماض والوارث فاعل والمفعول محذوف أي الابن المنفق عليه بدليل السياق وضمير لهم يعود على الوارث وجمعه باعتبار ما يصدق عليه لأن المراد به جنس الوارث واحدًا كان أو متعددًا وضمير إليه وضمير وهو يعودان على الإنفاق أي المال المنفق من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق والرزق بمعنى المرزوق ثم قال
(وإن يكن عرضًا وكان عنده... فلهم الرجوع فيه بعده)
(إلا إذا قال لا تحاسبوا... وترك الكتب فلن يطالبوا)
(وكالعروض الحيوان مطلقًا... فيه الرجوع بالذي قد أنفقا)
يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الصغير وللابن وقت الإنفاق عليه مال
عرض أو حيوان ولما مات الأب وجد ذلك المال بعينه في تركته وأراد بقية الورثة الرجوع على الابن بالنفقة فلهم ذلك لان في بيعه مشقة ونحوها إلا إذا أوصى وقال لا تحاسبوه ولم يكتبها عليه أو كانت عادة البلد عدم الرجوع بها فلا رجوع لهم عليه.
وقوله الحيوان مطلقًا أي عاقلًا كان أو غير عاقل فإن لم يوجد العرض في تركته وبيع الحيوان فإن الابن يحاسب بالنفقة من باب أولى ولو لم يشهد الأب بعمارة ذمته ثم صرح بمفهوم قوله السابق والمال عين باق وهو أن المال العين إذا لم يبق فلو ذكره عقبه متصلًا به لكان أولى فقال
(وإن يكن عينًا ورسمًا أصدرا... بأنه ذمته قد عمرا)
(فما تحاسب بمستحق... وهو كالحاضر دون فرق)
(وإن يكن في ماله قد ادخله... من غير إشهاد بذلك أعمله)
(مع علم أصله فههنا يجب... رجوع وارث بإنفاق طلب)
يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الصغير وكان للابن حين أنفاق أبيه عليه مال عين إلا أنه لم يوجد في تركة أبيه وأراد بقية الورثة محاسبة الابن بالنفقة فإن أشهد الأب بعمارة ذمته بمال ابنه فإن الابن لا يحاسب بالنفقة لأن ما في الذمة كالموجود وقد تقدم أنه إن وجد مال عين في التركة لم يحاسب الابن إلا إذا أوصى بالمحاسبة وقيد ذلك في حجة وكذلك هنا إذ لا فرق بينهما.
وإن لم يشهد بعمارة ذمته وعلم أصل المال الذي في ذمة الأب فإن الابن يحاسب بالنفقة ويرجع عليه الوارث بها إلا إذا كانت عادة قوم عدم مطالبة أبنائهم بالنفقة فإنه لا يحاسب بها كما مر (قوله) وإن يكن عينًا الخ ففي يكن ضمير يعود على المال اسمها وعينًا خبرها ورسما مفعول مقدم بإصدار وألفه للإطلاق وبأنه متعلق به وضميره يعود على المال وذمته مفعول بعمرا مقدم كالذي قبله وألف للإطلاق وجماعة قد عمرا خبر أن بفتح الهمزة وجملة
فما تحاسب بمستحق المنفية بما في محل جزم جواب إن من قوله وإن يكن عينًا (وقوله) وإن يكن في ماله الخ إن شرطية ويكن فعل الشرط واسم يكن ضمير يعود على لأب ومفعول ادخله يعود على مال الابن وجملة اعمله صفة إشهاد وجملة فههنا يجب رجوع وارث الخ جواب الشرط وجملة طلب صفة إنفاق أي طلب من الابن (هذا) كله فيما قبضه الأب من مال ابنه وأما ما كان للابن من المال ولم يقبضه له أبوه فأشار إليه الناظم بقوله (وغير مقبوض على الإطلاق... كالعرض في الرجوع بالإنفاق) يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الصغير وللابن وقت الإنفاق عليه مال لم يقبضه الأب ممن هو تحت يده حتى مات الأب فإن الابن يحاسب بالنفقة إذا طلب بقية الورثة ذلك كما إذا كان ماله عرضًا ووجد في تركته كما مر إلا إذا أوصى الأب بعدم محاسبته أو كانت عادتهم ذلك فإنه لا يحاسب وسواء كان ذلك المال الذي لم يقبضه عينًا أو عرضًا وإليه أشار الناظم بالإطلاق (ولما) تكلم على موت الأب شرع يتكلم على موت الابن المنفق عليه فقال (وموت الابن حكمه كموت الأب... وقيل في يسر أب حلف وجب) يعني أن حكم موت الابن في حياة أبيه إذا أراد الرجوع عليه بما أنفقه عليه كحكم موت الأب في جميع ما تقدم من كون المال عينًا أو عرضًا موجودًا أو غير موجود إلى غير ذلك ولا يمين على الأب إذا طلب بقية ورثته أحلافه إنه أنفق ليرجع لأنهم قائمون مقام الابن ولا يرثون إلا ما كان له وليس للابن أن يحلف أباه وقيل إذا كان الأب أمينًا وهو معدم فلا يمين عليه وإذا كان موسرًا غير أمين يحلف إنه أنفق ليرجع (قال) ابن أبي زمنين في المقرب قال محمد ولمالك في سماع ابن القاسم انه سئل عن الرجل يموت ولده وقد كان للولد مال فتقوم جدته أو أمه تطلب ميراثها في ذلك فيقول الأب قد أنفقت عليه في كذا وكذا أترى عليه يمينًا فقال إن كان رجلًا
مقلًا مأمونًا فلا أرى ذلك عليه وإن كان موسرًا غير مأمون أرى أن يحلف لأن جل الآباء ينفقون على أبنائهم وإن كانت لهم أموال اهـ ولذا قال السيوري ينظر للعادة وقال الناظم كموت الأب يقرأ لفظ الأب بنقل حركة الهمزة ثم شرع يتكلم على الإقرار فقال
﴿فصل في الإقرار﴾
وهو في اللغة الاعتراف وفي الاصطلاح قال القرافي وغيره الرواية والإقرار والدعوى والشهادة كلها إخبارات (والفرق) بينها إن الأخبار لن كان لا يختص حكمه بمعين فهو الرواية نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لا ينقسم وإن كان خاصًا بمعين فأما أن يقصر حكمه على قائله فهو الإقرار كقول القائل لفلان علي كذا وإن لم يقصر حكمه على قائله بل على غيره فأما أن يكون للمخبر فيه نفع فهو الدعوى كقوله لي على فلان كذا وإن لم يكن للمخبر فيه نفع فهو الشهادة كقول القائل لزيد على عمرو كذا (وقال) ابن راشد الإقرار حقيقته إخبار الرجل عن نفسه بأمر يوجب عليه حكمًا (وقال) ابن عرفة هو خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه اهـ فخرج بقوله خبر الإنشاءات كبعت وما لا يوجب شيئًا كزيد قائم.
وخرج بقوله يوجب حكم صدقه على قائله فقط الرواية والدعوى والشهادة كما علمت.
وخرج به أيضًا قول القائل زيد زان لأنه ولو أوجب حكمًا على قائله فقط وهو حد القذف لكن ليس لما اقتضاه الصدق بل لما اقتضاه كذبه إذ لو كان كما اقتضاه صدقه لوجب جلد زيد مائة جلدة أو رجمه إن كان محصنًا وزاد قوله أو بلفظ نائبه ليدخل إقرار الوكيل عن موكله المالك أمر نفسه (تنبيهان) الأول قال الحطاب (فرع) قال في الكافي في كتاب الوكالة عن ابن خويز منداد وقد اتفق الفقهاء فيمن قال ما أقر به علي فلان فهو لازم لي لا يلزمه اهـ (الثاني) قال الحطاب أيضًا (مسألة) امرأة ادعت على أخيها بميراثها من أبيها في أملاك سمتها فقال وكيل الأخ إن أخاها قد قاسمها
جميع الأملاك وقبضت حصتها من ذلك.
فقال ابن رشد في نوازله إن كان الأخ جعل لوكيله الإقرار فقوله إن موكله قد قاسم أخته في جميع الأملاك التي وقف عليها إقرار منه عليه بمشاركة أخته له في جميعها فيقضى لها بميراثها في سائرها إن كانت في يديه اهـ وفي مسائل الأقضية من البرزلي عن ابن أبي زيد أن من طلبت منه أخته ميراثها من أملاك أبيها فقال بيدي ربع ملكته من أبي وربع ملكته بكسبي وغفل عنه حتى مات إن على ورثته إثبات ما ادعى أنه استفاده بعد موت أبيه وإلا حلفت ما علمت بما استفاده وقسم بينهما اهـ بنصه من أول باب الإقرار (وحكمه) اللزوم وهو أقوى من البينة عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم أحق ما يؤاخذ به المرء إقراره على نفسه الحديث.
وحكمة مشروعيته صيانة الحقوق قاله ابن راشد.
وأركانه أربعة الصيغة والمقر والمقر له والمقر به (فالصيغة) هي صريح اللفظ أو ما يقوم مقامه كالإشارة والكتابة والسكوت قال ابن راشد والإشارة من الأبكم والمريض فلو قيل لمريض لفلان عندك كذا فأشار برأسه أي نعم فهو إقرار إذا فهم عنه مراده والكتابة مثل أن يكتب بيده بمحضر بينة ويقول أشهدوا علي بما فيه وإن لم يشهدهم وقام من أقر له بذلك وشهد أنه خطه لزمه أن كتبه في صحيفة أو لوح أو خرقة ولو كتب ذلك في الأرض لم يلزمه إلا أن يقول أشهدوا بذلك علي.
والسكوت مثل أن يكون له حق على رجل فيموت وتباع تركته وتقسم وهو ساكت فلا قيام له ما لم يكن له عذر اهـ (والمقر) وشرطه أن يكون مالكًا لأمره كما يأتي في النظم بأن يكون بالغًا رشيدًا غير مكره ولا خائف لم يكذبه الذي أقر له فإن كذبه لم يسلم إليه ويترك في يد المقر قاله ابن شاس (والمقر له) وشرطه أن يكون أهلًا للاستحقاق كالولد والزوجة كما يأتي في النظم أيضًا أما لو كان غير أهل للاستحقاق فإنه باطل قال صاحب الجواهر فلو قال لهذا الحجر أو لهذا الحمار علي ألف لبطل (والمقر به) وهو نوعان نسب كالأبوة والبنوة والأخوة ويعبر عنه بالاستلحاق ومال وهو مراد الناظم في هذا الفصل وشرط صحته أن يكون المقر به تحت يد المقر وفي حوزه ثم إن الإقرار تارة يكون في الصحة وتارة
يكون في المرض وفي كل منهما إما أن يكون المقر له وارثا أو أجنبيًا فالأقسام أربعة.
وقد أشار إلى إقرار الصحيح لأجنبي أو وارث مع ذكر بعض الأركان فقال
(ومالك لأمره أقر في... صحته لأجنبي أقتفي)
(وما لوارث ففيه اختلفا... ومنفذ له لتهمة نفى)
(ورأس متروك المقر ألزما... وهو به في فلس كالغرما)
يعني أن من أقر في صحته لأجنبي غير وارث فإن إقراره معمول به نافذ للمقر له ما لم يكذبه كما تقدم.
وإن أقر لوارث فقولان (أحدهما) إن إقراره نافذ أيضًا لأن التهمة منفية عنه بصحته ويلزم المقر ما أقر به من رأس ماله ويكون كالدين الثابت بالبينة يحاصص به الغرماء في الفلس وهذا هو القول المشهور وبه العمل (قال) ابن عبد البر في الكافي كل بالغ جائز الفعل رشيد فإقراره جائز على نفسه في كل ما يقر به في صحته والأجنبي والوارث في ذلك سواء وكذلك القريب والبعيد والعدو والصديق في الإقرار في الصحة سواء (والأخر) إن إقراره غير معمول به للتهمة المفهومة من قول ومنفذ له لتهمة نفي وقوله ومالك الخ مبتدأ وجملة اقتفي من الفعل ونائب الفاعل خبر أي أتبع إقراره إذ لابد من الرابط لوقوع الخبر جملة وقوله ما لوارث الخ ما مبتدأ واقع على الإقرار ولوارث متعلق بمحذوف صلته وجملة ففيه اختلفا خبره وقرن بالفاء لشبه المبتدأ بأداة الشرط وألف اختلفا للإطلاق وقوله ومنفذ له أي لإقراره مبتدأ وجملة نفي من الفعل والفاعل خبره ولتهمة معمول لنفي ولامه زائدة ورأس متروك الخ مفعول به مقدم به منصوب وهو مضاف ومتروك مضاف إليه وألزما فعل وفاعل يعود على قوله منفذ وألفه للإطلاق كذلك وإعراب البقية ظاهرة والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على الإقرار في الصحة لأجنبي أو لوارث شرع في الكلام على الإقرار في المرض لأجنبي غير صديق أو لصديق أو لقريب غير وارث فقال
(وإن يكن لأجنبي في المرض... غير صديق فهو نافذ الغرض)
(ولصديق أو قريب لا يرث... يبطل ممن بكلالة ورث)
(وقيل بل يمضي بكل حال... وعندما يؤخذ بالأبطال)
(قيل بإطلاق ولابن القاسم... يمضي من الثلث بحكم جازم)
يعني أن من أقر في مرضه المخوف لأجنبي غير صديق فإن إقراره معمول به وسواء كان المقر يورث كلالة أم لا وإن كان إقراره لأجنبي صديق ملاطف أو قريب لا يرث ففيه قولان (أحدهما) إن ورث المقر كلالة أي لم يترك والدًا ولا ولدًا ولا ولد ابن وإن سفل فإقراره باطل وإن ورث غير كلالة فإقراره صحيح (وثانيهما) إن إقراره صحيح معمول به ورث كلالة أم لا وهو معنى قوله بكل حال والمشهور الأول وعليه فهل يبطل مطلقًا إن ورث كلالة فلا يؤخذ ما أقر به لا من رأس المال ولا من الثلث أو يمضي من الثلث لا من رأس المال به والفتوى قولان وقول الناظم وعندما يؤخذ بالأبطال مبني على القول بالتفصيل كما علمت ثم شرع في الكلام على الإقرار لوارث وبدأ بالولد فقال
(وحيثما الإقرار فيه للولد... مع غيره فليس فيه من مرد)
(مع ظهور سبب الإقرار... فإن يكن ذاك عن اختيار)
(فذو عقوق وانحراف يحكم... له به وذو البرور يحرم)
يعني أن الأب إذا أقر لولده مع غيره فإنه ينظر في إقراره له فإن كان عن غير اختيار بأن كان لإقراره سبب يوجب له ذلك كان يكون للولد مال أقر له به وشهدت بينة بأن أباه قبضه له وسواء بين الشهود قدر المال أو لم يبينوا فإقراره له مع وجود الوارث لا مراد له اتفاقًا لأن المقصود نفي التهمة والتهمه قد أنتفت بوجود السبب الحامل على الإقرار.
وإن كان إقراره له عن اختيار منه بحسب الظاهر فإن كان الولد
غير بار بوالده فالإقرار صحيح لأنه لا يتهم أن يعطيه بدون سبب ويحرم البار وإن كان بارًا بوالده فلا يصح إقراره له لوجود التهمة (ثم) ثنى بالكلام على حكم الإقرار للزوجة فقال
(وإن يكن لزوجة بها شغف... فالمنع والعكس بعكس يتصف)
(وإن جهلنا عند ذاك حاله... فالمنع ممن ارثه كلاله)
(ومع واحد من الذكور... في كل حال ليس بالمحظور)
(كذاك مع تعدد فيهم ذكر... ما منهم ذو كبر وذو صغر)
(وإن يكن بغير ذاك مطلقًا... قيل مسوغ وقيل متقى)
يعني أن المريض إذا أقر لزوجته فإنه ينظر في حاله معها فإن كان محبًا لها وشغوفًا بها فإقراره لها غير صحيح وإن كان يبغضها فإقراره لها صحيح وإن جهل حاله معها فإن ورث كلالة فإقراره لها غير صحيح وإن ترك ذكرًا واحدًا كبيرًا كان أو صغيرًا منها أو من غيرها صح إقراره لها في كل حال وكذلك يصح إقراره لها إذا تعددت الأولاد وفيهم ذكر سواء كانوا كبارًا أو صغارًا وعلى ذلك نبه بقولهم ما منهم ذو كبر وذو صغر فما نافيه أي ليس منهم كبير يختص بهذا الحكم ولا صغير يختص به بل كبيرهم وصغيرهم في ذلك سواء يكون مصححًا للإقرار.
وإن كان الولد غير ذكر بأن كان بنتًا أو بنات منها أو من غيرها ففي صحة إقراره لزوجته التي جهل حاله معها وعدم صحته قولان أحدهما يقول بجوازه لها نظرًا إلى أنها أبعد من البنت والأخر يقول بمنعه نظرًا إلى أنها أقرب من العصبة فإن ورثه مع العصبة صغيرة أو أكثر منها لم يصح إقراره لها اتفاقًا ولذا قال ولده كان حقه أن يزيد بيتًا فيقول
إلا إذا كن صغارًا أجمعا... منها فحكم ذاك أن يمتنعا
قال التسولي والذي يظهر من كلام الشامل إن الراجح هو القول الأول وقول الناظم
ليس بالمحظور أي الممنوع وقوله مسوغ بفتح الواو (ثم) أشار إلى حكم الإقرار لوارث غيرهما فقال (وإن يكن لوارث غيرهما... مع ولد ففي الأصح لزمًا) (ودونه لمالك قولان... بالمنع والجواز مرويان) يعني أن المريض إذا أقر بنحو دين لوارث غير الولد والزوجة المتقدمين فإن كان للمريض ولد ذكرًا كان أو أنثى فقولان الأصح منهما لزوم إقراره ما لم يظهر ما يخالفه بأن كان الولد غير بار وإلا فيترجح البطلان كما تقدم وإن لم يكن له ولد ففي منع إقراره وجوازه قولان مرويان عن الإمام مالك ومحلهما إن كان المقر له مساويًا كإقراره لأحد أخوته المتساويين في الدرجة والبرور وضده أو كان أقرب كإقراره لأم مع وجود أخ أو عم والراجح منهما المنع وأما إقراره لوارث أبعد مع وجود أقرب غير عاق كإقراره للعصبة مع وجود أم أو أقر لأخ لأب أو أم مع وجود شقيق فإقراره صحيح اتفاقًا والله تعالى أعلم ثم قال (وحالة الزوجة والزوج سوا... والقبض للدين مع الدين استوى) يعني أن حكم إقرار الزوجة لزوجها بدين مثلًا في حال مرضها كحكم إقراره لها في جميع ما تقدم من التفصيل سواء بسواء وإن إقراره أحدهما للآخر بقبض دين له على صاحبه فإنه منزل منزلة الإقرار بالدين ثبوتًا وبطلانًا إلا إقرار الزوج لزوجته بأن كالئي صداقها باق في ذمته فإنه عامل مطلقًا بلا تفصيل وقد أشار الناظم إلى حكم تعدد الإقرار فقال (ومشهد في موطنين بعدد... لطالب ينكر إنه اتحد) (لهم به قولان واليمين... على كليهما له تعيين) (ما لم يكن ذاك برسمين ثبت... فما ادعاه مشهد لا يلتفت)
يعني أن من أشهد على نفسه أن بذمته مائة درهم مثلًا لرجل ثم أشهد مرة أخرى أن بذمته مائة درهم لذلك الرجل الأول ولم يأمرهم بالكتب ولا بين السبب ووقع نزاع بين المدين ورب الدين فأدعى المدين أن جميع الحق مائة واحدة وكرر الإشهاد بها زيادة في التوثق ليطمئن خاطر رب الدين وتنبيهًا للشهود فلربما تقع لهم غفلة في ذلك وادعى رب الدين إن له على المدين مائتين وأنكر اتحاد المشهود به أولًا وثانيًا وقال بل هما حقان ففي المسألة قولان الراجح منهما أن القول قول المدين بيمينه إنه مائة واحدة فإن وقع بيان السبب فتارة يتحد بأن كان من سلف فيهما وتارة لا يتحد بأن كانت إحدى المائتين من سلف والأخرى من بيع فالقول قول المدين في الصورة الأولى والقول لرب الدين في الصورة الثانية كما إذا وقع التعدد برسمين ولو لم يبين السبب مع يمينه ولا يلتفت حينئذ لقول المدين إنه مائة واحدة على القول الراجح وضمير أنه يعود على المشهود به وضمير لهم يعود على الفقهاء وضمير به يعود على الفرع والباء بمعنى في أي في هذا الفرع الذي وقع فيه تكرر الإشهاد في موطنين وضمير كليهما يعود على القولين وضمير لها يعود على اليمين وذلك لأن الإمام مالك لما سئل عن المسألة فقال مرة القول للطالب يمينه وقال مرة القول للمطلوب بيمينه وهو معنى قوله واليمين الخ والقول الثاني هو المرجوع إليه ولهذا كان هو الراجح كما مر وقد اقتصرت على ما سمحت به القريحة في هاته المسألة لما فيها من الاضطراب والله الموفق للصواب ثم قال (ومن أقر مثلًا بتسعه... وصح أن دفع منها السبعه) (ثم أتى من بعد ذا ببينه... بقبض دينارين منه معلنه) (فالقول قوله إن الخصم ادعى... دخول دينارين فيما اندفعا) يعني أن من عليه تسعة دنانير مثلًا دينًا لرجل ثم ثبت أن رب الدين قبض منه سبعة ثم أثبت المدين أيضًا أنه دفع لغريمه دينارين وأدعى المدين أنهما البقية عليه من
التسعة وأنه خلص مع رب الدين في جميع التسعة ولم يبق عليه منها شيء (وادعى) رب المال أن الدينارين من السبعة المدفوعة أولًا وداخلة فيها وإنه بقي له دينارين فإن القول في ذلك قول المدين بيمينه إنها غير داخلة في السبعة وقوله أتى ضميره يعود على المقر بالتسعة وقوله من بعد ذا أي من بعد دفع السبعة وبينة متعلق بأتى ومعلنه نعت لبينة وبقبض متعلق بمعلنه ومنه متعلق بقبض وضميره للمدين والضمير في قوله يعود على الذي أقام البينة بدفع الدينارين وهو المدين والمراد بالخصم رب الدين وقول الناظم (وبيع من حابى من المردود) راجع شرحه وما به العمل في المسألة في فصل في مسائل من أحكام البيع عند قوله فإن يكن حابى به فالأجنبي... من ثلثه يأخذ ما به حبى وما به الوارث حابا منعا... وإن يجزه الوارثون اتبعا وقوله (إن ثبت التوليج بالشهود) (أما بالإقرار أو الإشهاد... لهم به في وقت الانعقاد) (ومع ثبوت ميل بائع لمن... منه اشترى يحلف في دفع الثمن) يعني أن البيع إذا كان توليجًا وهو في الحقيقة عطية في صورة البيع تحيلًا على إسقاط الحوز الذي هو شرط فيها وثبت ذلك إما بإقرار المشتري بعد البيع وبعد حصول المانع للبائع أن البيع إنما هو صورة وفي الحقيقة عطية أو بالإشهاد من البائع والمشتري للشهود بالتوليج وقت العقد فإن هذا العقد مردود غير صحيح فإن لم يحصل مانع للبائع يمنع من ذلك فإنه لا يبطل إن حازه المشتري وسواء كان وارثًا أو غير وارث فإن لم يثبت التوليج بأحد الأمرين المذكورين وبقيت دعوى المدعي مجردة فإن لم
يثبت ميل البائع للمشتري فالبيع صحيح ولا يمين على المشتري وإن ثبت ميل البائع له فإن المشتري يحلف أنه دفع الثمن للبائع وأنه أشترى اشتراء صحيحًا ويثبت البيع فإن نكل بطل البيع بمجرد نكوله لأنها يمين تهمة وليست تنقلب وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين وارث وغيره وهو كذلك وان اردت التوسع في المسألة فعليك بالشيخ ميارة على الزقاقية ففيه ما يشفي الغليل ويبري العليل إن شاء الله الملك الجليل ثم شرع يتكلم على حكم المدين فقال
فصل في حكم المديان
وله حالات أولها قوله (ومن عليه الدين أما موسر... فمطلة ظلم ولا يؤخر) يعني أن المدين إذا كان موسرا في ظاهر الحال وهو من يلبس الثياب الفاخرة وله خدم ولا يعلم له أصول ولا عروض فإن مطلة وتلدده ظلم لقوله عليه الصلاة والسلام مطل الغني ظلم الحديث فإن من كانت حالته هذه لا يجوز تأخيره بل يسجن حتى يؤدي ما عليه من الدين إلا إذا وعد بالقضاء وسال التأخير كاليومين والثلاثة أو أكثر بحسب ما يراه الحاكم فإنه يؤخر إذا أعطى حميلا بالمال أو سال التأخير لثبوت فقره فإنه يؤخر بحميل بالوجه حيث كان غير ملد وأما الملد فسيأتي عند قوله والحبس للملد والمتهم وقوله بمطلة المطل بفتح أوله وسكون ثانيه التسويف (وثانيها) قوله (أو معسر قضاؤه أضرار... فينبغي في شأنه الأنظار) يعني أن المدين إذا كان غير معروف بالدنانير والدراهم ولكن له عروض وأصول يحتاج في بيعها إلى التوسعة في الزمان فإنه يوسع عليه باجتهاد الحكام بحسب قلة المال وكثرته وتبدل الأسواق لأن في القضاء عليه ببيعها اضرار عليه وظاهره أنه يؤخر بدون حميل وهو كذلك لأن سلعته تعقل عليه وتكون رهنا فيه وهو معنى قوله الآتي وسلعة المديان رهنا تجعل إذ هو تتمة ما هنا (وثالثها) قوله
(أو معدم وقد أبان معذرة... فواجب انظاره لميسرة) يعني أن المدين إذا أدعى العدم وأثبت عذره بشهادة بينة لا مطعن فيها بأنه معدم وحلف معها واستظهر بها من أول الأمر لدى القاضي فإنه ينظر وجوبا إلى أن يحصل له اليسر فيؤدي ما عليه لقول الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة الآية (ورابعها) قوله (أو من على الأموال قد تقعدا... فالضرب فالسجن عليه سرمدا) حتى يؤدي ما عليه قعدا يعني أن من كان معلوم الغنا وتقاعد عن أداء ما عليه من الدين لربه فإنه يحكم عليه بالضرب والسجن ولا يخرج منه أبدا ولو ابيضت عيناه حتى يؤدي ما عليه ولا يؤخذ منه حميل لأنه ظالم بمطلة إلا أن يلتزم الحميل بدفع المال في الحال إن عرف أنه من أهل الناض قاله القاضي عياض وليس للإمام أن يبيع كسبه كما يبيع على المفلس لأن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله وهذا ليس كذلك قاله ابن عبد السلام فإذا لم تكن له مكاسب ظاهرة وأدعى العدم وأتى ببينة تشهد له بذلك فلا تنفعه وإلى هذا أشار بقوله (ولا التفات عند ذا لبينة... لما أدعى من عدم مبينة) إلا إذا اثبتت البينة ضياع المال بسبب حرق أو سرقة أو غصب ونحو ذلك فإنها تقبل وقوله (وأن أتى بضامن فبالادا) يعني حالا كما تقدم عن عياض وقوله (حتى يؤدي ما عليه قعدا) هو غاية لقوله بالضرب والسجن كما وصلناه به وقوله مبينه في البيت قبله صفة لبينه (وخامسها) من لم يعلم حاله من يسر أو عسر وهو مجهول الحال وهو أما غير متهم بإخفاء ماله وإما متهم وبدا بالأول منهما فقال (وحيثما يجهل من طلب... وقصد اختياره بما يجب) (فحسبه مقدار نصف شهر... أن يكن الدين يسير القدر)
(والحبس في توسط شهران... وضعف ذين في الخطير الشأن) (وحيث جاء قبل بالحميل... بالوجه ما للسجن من سبيل) يعني أن المدين إذا جهل حاله هل هو معدم أو ملي فإنه يختبر بالسجن بقدر قلة المال وكثرته وتوسطه كما قال الناظم وليست الاجال المذكورة بأمر لازم لا بد منه بل لقضاة الحواضر وحكامها أن يجتهدوا في ذلك لبعدهم عن التهم هذا إن لم يأت بحميل بالوجه فإن أتى به فإنه يؤخر لإثبات فقره ولا يسجن فإن أنقض الأجل ولم يثبته حبس على نحو ما مر من التفصيل وقوله (وسلعة المديان رهنا تجعل... وبيعها عليه لا يعجل) (وحقه مع ذاك أن يؤخرا... بحسب المال لما القاضي يرى) قد تقدم معنى هذين البيتين عند قوله أو معسر قضاؤه إضرار الخ وأشار بهما الناظم إلى قوله ابن رشد في نوازله أنه سئل عن رجل ترتب عليه دين حال وله سلعة يمكن بيعها بسرعة فطلب صاحب الدين أن تباع وطلب صاحبها أن لا تفوت عليه وتوضع رهنا ويؤجل أيامًا ينظر في الدين فقال أن من حقه أن يجعل السلعة رهنا ويؤجل في إحضار المال بقدر قلته وكثرته وما لا يكون فيه ضرر على واحد منهما على ما يؤديه إليه اجتهاد الحاكم في ذلك وهذا هو الذي جرى به الحكم ومضى عليه العمل وتدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه أه وأشار إلى الثاني بقوله (والحبس للملد والمتهم... إلى الأداء أو ثبوت العدم) (وليس ينجيه من اعتقال... إلا حميل ضامن بالمال) (وحبس من غاب على المال إلى... أدائه أو موته معتقلًا) يعني أن المدين الملد المتهم بإخفاء المال على الغرماء وهو من كان ظاهره الغناء وجهل حال باطنه وأدعى الفقر فإنه لا يسمع منه ويسجن إلى الممات ولا ينجيه من السجن
إلا أداء ما عليه من الدين أو إثبات فقره وإذا طلب الخروج منه لإثبات فقره فيأتي بحميل بالمال كما قال الناظم على أحد قولين والمشهور التفصيل وهو أنه إذا سأل التأخير لثبوت فقره فبحميل بالوجه على القول الراجح وإذا وعد بالقضاء فيوجل بحميل بالمال اتفاقا لاعترافه بالقدرة على الأداء وإليه أشار الناظم فقال (وغير أهل الوفر مهما قصدا... تأخيره وبالقضاء وعدا) (مكن من ذاك بضامن وأن... لم يأت بالضامن بالمال سجن) يعني أن المدين إذا كان غير معروف بالمال الكثير إذا طلب تأخيره ووعد بالقضاء فإنه يمكن من ذلك بضامن بالمال فإن لم يجده سجن كما مر وقوله والمتهم بفتح الهاء عطف تفسير على الملد عند ابن رشد إذ معناهما واحد وقوله العدم بفتح الدال ثم صرح بمفهوم قوله وغير أهل الوفو فقال (ومن له وفر فليس يضمن... فإن قضى الحق وإلا يسجن) يعني أن من كان معروفا بالمال الكثير فإنه لا يقبل منه ضامن ولا يؤخر بل يسجن إذا لم يحلف أنه لا مال له حاضر كما في البيت بعده وقد نبه الشيخ ميارة والتولي على ما وقع في تلك الأقسام من التداخل والإطناب وعدم الترتيب والإخلال ببعض القيود وهو أمر لا يخفى ولما قررت الفقه على ما ينبغي بعون الله نعالى تركت ذلك خشية التطويل والله الهادي إلى سواء السبيل وقوله (وأوجب ابن زرب أن يحلفا... من كان باكتساب عين عرفا) يعني أن القاضي أبا بكر بن زرب أوجب الحلف على من كان معروفا باكتساب العين بأن كان من التجار المعتبرين أو من أهل الصنائع المشهورين لأن الغالب عليهم حضور الدراهم والدنانير عندهم وهذه اليمين جارية على أيمان التهم والمعروف من المذهب توجهها من غير فرق بين تاجر وغيره وابن زرب وسط في ذلك فأوجبها على التجار
دون غيرهم وإذا حلف أنه لم يحضره في الوقف ما عرف به من الناض فحينئذ يؤخذ منه الرهن أو الضامن قال الشارح وعلى قوله العمل ثم قال
(ومحمل الناس على حال الملا... على الأصح وبه الحكم خلا)
يعني أن الناس محمولين على الغنا لا على الفقر وجرى به العمل وهذا مما قدم فيه الغالب على الأصل لأن الإنسان أصله أن يولد ولا شيء له لكن الغالب عليه التكسب والحرص على الدنيا ثم أخذ يتكلم على كيفية الشهادة بالعدم وما ينبني عليها فقال
(ويشهد الناس بضعف أو عدم... ولا غنى في الحالتين من قسم)
(بما اقتضاه الرسم لا اليقين... إذ لا يصح بت ذي اليمين)
(ومن نكوله عن الحلف بدا... فإنه يسجن بعد ابدا)
يعني أن المدين قد يشهد الشهود فيه بكونه ضعيف التجر قليل ذات اليد بهذه الحالة عرفوه وقد يشهدون فيه بكونه عديما لا يعلمون له مالا لا ظاهرا ولا باطنا وتقدم أن هذا يجب انظاره والشهادة في الوجهين المذكورين على ما يعلمه الشاهد على المعمول به لا على البت كما تقدم في الشهادات عند قوله
(وغالب الظن به الشهادة... بحيث لا يصح قطع عاده)
وحيث كانت على العلم فلا بد معها من يمين المشهود فيه وهل تكون اليمين على ما اقتضاه رسم الشهادة بأن يحلف على العلم لا على البت إذ قد يكون له مال لا يعلمه وهو ما درج عليه الناظم أو يحلف على البت ولا يجزئه الحلف على العلم قولان والراجح منهما الثاني وعليه فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو لا مال له لا ظاهر ولا خفي ولا يقول لا يعلم وإذا نكل عن هذه اليمين وامتنع منها فإنه يسجن ابدا حتى يؤدي ما عليه أو يحلف.
والمراد بالحالتين حالة الضعف وحالة العدم وهما متغايران فحالة العدم ينبني عليها تسريحه وأنظاره كما مر وحالة الضعف ينبني عليها أخذ ذلك القليل من
يده بعد أن يترك له ما يعيش به هو ومن تجب عليه نفقته عرفا كما صرح به الناظم بعد في قوله وثبت للضعف حال دفعه... لغرمائه بقدر وسعه.
وقوله بما اقتضاه باؤه بمعنى على متعلق بقسم واليقين بالخفض معطوف على ما واليمين بالجر نعت لذي ثم قال
(وحيث تم رسمه وعدما... كان عديما لأولاء الغرماء)
(إلا أن استفاد من بعد العدم... مالا فيطلبونه بالملتزم)
(وينبغي اعلان حال المعدم... في كل مشهد بأمر الحكم)
يعني أن الشهود إذا شهدوا بعدم المدين وتمت شهادتهم وحكم القاضي بعدمه بعد الأعذار للغرماء فسلموا شهادتهم أو عجزوا عن الطعن فيها ولم يكن لهم معارض في ذلك فإن هذا المدين يكون عديما لهؤلاء الغرماء الذين طلبوا تعديمه وحينئذ فلا يجب لهم قبله شيء إلا إذا استفاد بعد ذلك مالًا فإنهم يطلبونه بما التزم لهم به حيث قال في يمينه وأن وجده ليقضين ولا يجبر على التكسب إلا إذا عاملوه عليه بأن كان صاحب صنعة.
وينبغي إعلام الناس بحال المعدم في المشاهد والأسواق بأمر الحاكم على ما جرى به العمل ليعلم الناس حاله فلا يعامله من أراد معاملته إلا على بصيرة من أمره وقوله في كل وبأمر الحكم بفتح الكاف أي الحاكم يتعلقان بإعلان وقوله
(ومثبت للضعف حال دفعه... لغرمائه بقدر وسعه)
معناه أن المدين إذا اثبت ضعف ماليته فإنه يؤدي لغرمائه على قدر وسعه بما يراه الحاكم وقد تقدم الكلام على هذا كما علمت وقوله ومثبت مبتدأ أول وحال مبتدأ ثان وبقدر وسعه بتثليث الواو أي قدرته وطاقته متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر المبتدأ الأول والضمائر كلها عائدة عليه والأخير هو الرابط وقوله
(وطالب تفتيش دار المعسر... ممتنع إسعافه في الأكثر)
معناه أن رب الدين إذا طلب تفتيش دار المدين المعسر فهل يجاب لذلك أم لا وعليه الأكثر قال ابن ناجي وعليه العمل قولان وقوله إسعافه بالدفع نائب فاعل ممتنع أي ممنوع وبقية الإعراب ظاهر والله أعلم ثم شرع يتكلم على الفلس وهو أخر فصول الباب فقال
فصل في الفلس
وهو مشتق من الفلوس قال القاضي عياض لأن المفلس صار ذا فلوس بعد أن كان ذا ذهب وفضة انتهى (واعلم أن من أحاط) الدين بماله لا يخلو من ثلاث حالات (الأولى) قبل قيام الغرماء (والثانية) بعد قيامهم وقبل حكم الحاكم بنزع ماله (والثالثة) حكم الحاكم بنزع ماله فأشار الناظم إلى الأولى بقوله
(ومن بماله أحاط الدين لا... يمضي له تبرع إن فعلا)
يعني أن المدين إذا زاد الدين على ماله أو ساواه فإنه لا يجوز له أن يتصرف في ماله بغير عوض كالهبة ونحوها فإن فعل ما هو ممنوع منه فللغرماء رده ولهم منعه من السفر إن كان الدين يحل بغيبته ولم يوكل من يدفعه عنه ولا ضمنه موسر وإلا فلا يمنع.
ومفهوم قوله أحاط الدين بماله إن من لم يحط الدين بماله فإن حكمه ليس كذلك وقد تقدم الكلام عليه في الفصل قبله.
ومفهوم قوله تبرع أن تصرفه بالبيع والشراء يمضي وهو كذلك إذا لم تكن فيه محاباة وإلا فالدين أحق بالمحاباة لاتهامه (فرع) قال صاحب المعيار (وسئل) القاضي أبو عبد الله ابن الحاج عمن كانت له أصول داينه الناس لأجلها فلما استغرقته الديون تغيب فذهب أصحاب الديون لبيع أصوله فقام في وجوههم عم المديان بعقد تضمن ابتياعه لأصول المديان (فأجاب) إذا شهد الشهود بالبيع ومعاينة القبض للثمن وإنه لم تكن فيه محاباة وأعذر في ذلك كله للغرماء فلم يكن فيه عندهم مدفع فلا سبيل لهم إلى الأصول التي وقع بيعها وإن لم
يشهد الشهود بذلك فالبيع مردود لا يصح اه.
وأشار إلى الثانية وهي تفليس عام فقال
(وإن يكن للغرماء في أمره... تشاور فلا غنى عن حجره)
يعني أن الغرماء إذا قاموا على المدين وتكلموا في تفليسة ولم يحكم الحاكم بخلع ماله ونزعه من يده فلا غنى عن حجزه لهم فلا يمضي له بمد قيامهم عليه بيع ولا شرا.
ولا قضاء بعض الغرماء دون بعض.
وأشار الشيخ خليل إلى الثالثة بقوله ولو مكنهم الغريم فباعوا واقتسموا ثم داين غيرهم فلا دخول للأولين مع الأخيرين كتفليس الحاكم الخ يعني أن فائدة هاته الحالة المعبر عنها بالتفليس الخاص إذا مكنهم المدين من ماله قبل الرفع للحاكم فباعوا واقتسموا ثم داين غيرهم فلا دخول للأولين مع الأخيرين إلا إذا بقي بيده إلا أن يكون فيه فضل ربح أيضا بخلاف الحالة التي قبلها تخصيص فيها حتى يقع الحكم عليه بخلع ماله أو يمكنهم منه فيقع التخصيص كما علمت والله أعلم وقوله
(وحل ما عليه من ديون... إذ ذاك كالحلول بالمنون)
معناه أن الغرماء إذا قاموا على المدين ومكنهم من ماله فأرادوا البيع والقسمة بدون حكم أو قاموا عليه وحكم الحاكم بخلع ماله فإن جميع ما عليه من الديون يحل بواحد من هذين الأمرين كحلوله بالموت قال صاحب المقرب قال ابن وهب قال مالك ومن مات أو فلس فقد حل الدين الذي عليه وإن كان إلى أجل اهـ ثم قال
يعني أن المدين إذا وهب لولده شيئا من أملاكه هبة يصح اعتصارها قبل إحاطة الدين بماله فإذا فلس بعد ذلك فلا يكلف باعتصارها من ولده ليأخذها الغرماء فإن اعتصرها كان للغرماء أخذها ولا يلزمه أيضا قبول غير السلف من العطايا لما يلحقه من المنة وأما السلف فإنه يلزمه قبوله حاضرًا كان أو غائبًا أذن في الأداء عنه أم لا إذا كان ذلك
رفقا لا عتبًا كما تقدم في الضمان أما إذا قصد به العنت والتنكيل عنه بعد أو قال لا أسلفه إلا إذا طلبه مني فإن المدين لا يلزمه القبول ولا الطلب لما في ذلك من الأذية وقوله
(وهو مصدق إذا ما عينا... مالا له وما عليه أمنًا)
معناه أن المفلس إذا قال هذا مالي وهذا أمانة عندي أو قراض أو عارية فلا تقربوه فهو مصدق ويكون للمقر له بيمينه وقيل لا يصدق.
وثالثها المشهور يصدق أن قامت بأصله بينة تشهد أنهم يعلمون أن عنده وديعة أو قراضًا أو عارية وإن لم يعينوها ولا سموا ربها ويكون ربها أحق بها من الغرماء ولو كان ممن يتهم عليه كأخيه وأبنه قيام البينة تنفي التهمة ثم قال
(ورب الأرض المكتراة أن طرق... تفليس أو موت فربها أحق)
(وأحكم بذا لبائع أو صانع... فيما بأيديهم فما من مانع)
يعني أن من أكترى أرضا من إنسان وزرعها ثم أتاه تفليس أو موت فإن رب الأرض أحق بتمن زرعها من سائر غرماء مكتريها حتى يستوفي كرئة كالرهن المحوز وكذلك من باع شيئا ولم يخرج من يده حتى فلس المشتري أو مات أو استؤجر في صبغ ثوب أو خياطته مثلا والشيء المصنوع لا زال بيده حتى فلس ربه أو مات فإن البائع أو الأجير أحق بما بأيديهم من الغرماء حتى يستوفي الأول ثمن سلعته والثاني أجرته.
وقوله وأحكم بذا الإشارة للحكم المتقدم وهو كون رب الأرض أولى بثمن زرعها فيكون البائع والصانع أحق بما بأيديهم من سائر الغرماء كما علمت وليس لهما مانع ولا معارض في ذلك وهو تكميل للبيت وجمع ضمير بأيديهم باعتبار الأفراد إذ كل من لفظ بايع وصانع يصدق على كثيرين ثم صرح بمفهوم قوله وأحكم بذا لبائع وصانع فيما بأيديهم لما فيه من التفصيل فقال
(وما حواه مشتر ويحضر... فربه في فلس مخير)
(إلا إذا ما الغرماء دفعوا... ثمنه فأخذه ممتنع)
يعني أن من باع شيئًا يعرف بعينه وحازه المشتري ولم يقبض البائع ثمنه حتى فلس المشتري أو مات فوجد البائع شيئه حاضرا ففي الفلس يكون البائع مخيرا بين أن يأخذه ولو زاد أو نقص في بدنه أو يحاصص مع الغرماء حيث لم يدفعوا له ثمنه أما إذا دفعوا له ثمنه فلا كلام له فيه وفي الموت فليس للبائع إلا المحاصة مع الغرماء لأنه لو أختص بها في الموت أيضا لعظم الضرر على الغرماء لخراب ذمته بخلاف الفلس فإن الذمة باقية فيكون الضرر خفيفا والفرق بين هاته المسألة ومسألة المنطوق قبلها ظاهر.
وقوله ويحضر الواو للحال ويحضر بضم الضاد فعل مضارع مسند لمبتدأ محذوف تقديره هو يعود على المبيع أي والحال أن المبيع حاضر موجود وما بعد إذا زائدة ثم قال
(وليس من رد بعيب ما اشترى... أولى به في فلس إن اعترى)
يعني أن من اشترى شيئا ودفع ثمنه لبائعه ثم وجد به عيبا يوجب الرد فرده على البائع ففلس قبل أن يرد للمشتري ثمنه فإن المشتري لا يكون أحق بذلك المعيب في مقابلة ثمنه بل يكون أسوة الغرماء.
وقوله من رد من موصول اسم ليس واقع على المشتري المفهوم من قوله أشترى وجملة رد صلته وبعيب متعلق برد وما مفعول به واقع على المبيع لا مضاف إليه وجملة اشترى بالبناء للفاعل صلة ما والعائد محذوف أي اشتراه وضمير أشترى المستتر يعود على من وقوله
(والحلف في سلعة بيع فاسد... ثالثها اختصاصها بالناقد)
معناه أن من أشترى سلعة شراء فاسدا ودفع ثمنها أو أخذها عن دين في ذمة البايع ثم فلس البايع والسلعة لم تفت بأحد المفوتات للبيع الفاسد وقد تقدم بيانها في البيوع فإن البيع يفسخ.
وأختلف هل يكون المشتري أحق بها فيما تقدمن الثمن أو فيما له من الدين وهو القول الراجح أو لا يكون أحق بها أو يكون أحق بها إن كان
نقد ثمنها أما إذا أخذها عن دين كان له على البائع الذي فلس فلا يكون أحق بها بل يكون أسوة الغرماء أقوال ثلاثة ثم قال (وزوجة في مهرها كالغرماء... في فلس لا في الممات فاعلما) يعني أن من تزوج امرأة ودخل بها ولم يدفع لها صداقها ثم فلس أو مات فإن الزوجة تحاصص الغرماء بصداقها في الفلس لا في الموت وما درج عليه الناظم أحد أقوال ثلاثة في المسألة والثاني لا تحاصص فيهما والثالث تحاصص فيهما معا وهو القول المشهور قال الشيخ خليل وحاصت الزوجة بما أنفقت وبصداقها كالموت لا بنفقة الولد أهـ قال الزرقاني لا تحاصص في فلس ولا موت بنفقة الولد لأنها مواساة لكن ترجع عليه بها أن أيسر حال إنفاقها لأنها قامت عليه بواجب وظاهر المصنف عدم محاصتها بنفقه ولو حكم بها حاكم وفي أحمد هذا ما لم تكن بقضية وأنفقت وهو مليء وإلا حاصت أهـ وقول الناظم (وحارس المتاع والزرع وما... أشبهه معهم قد قسما) معناه أن الأجير على حراسة متاع أو زرع أو رعاية غنم ونحو ذلك لا يكون أحق بما في يده حتى يستوفي أجرته من ثمنه إذا فلس رب الشيء بل يقاسم الغرماء في ذلك (و) من المدونة قال مالك أما الأجير على رعاية الإبل أو على رحى الماء فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس اهـ (ولما) ذكر الناظم أن من أحاط الدين بماله يمنع من أحداث شيء فيه يضر بالغرماء ناسب أن يذكر عقبه من أحدث شيئا في ملكه يضر بجاره فإنه يمنع منه فقال
باب في الضرر وسائر الجنايات
أي من غصب وتعد واغتصاب وسرقة وقتل وجرح (ولما) كان الضرر ينقسم إلى قسمين ما يضر بالرقبة وما يضر بالمنفعة أشار إلى الأول منهما فقال
(ومحدث ما فيه للجار ضرر... محقق يمنع من غير نظر)
(كالفرن والباب ومثل الأندر... أو ماله مضرة بالجدر)
يعني أن من أحدث ما فيه ضرر محقق لجاره بشهادة أهل المعرفة فإنه يمنع منه ويزال في الحين من غير نظر ولا توقف لقوله صل الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار فالضرر هو مالك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار بكسر الضاد هو ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وقيل معناهما واحد توكيد في المنع وقيل غير ذلك ثم مثل الناظم لذلك بأمثلة فقال كالفرن أي كأحداث الفرن للفخاريين فإنه يؤذي القريب منه بدخانه أو بناره ومثله الحمام والكوشة للخبازين ومدخنة السنفاجين.
والأصل فيه قول الله عز وجل فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغش الناس هذا عذاب أليم فجعله الله عذابا مؤلما.
وأما دخان التنور أي الطابونة والمطابخ ونحوهما مما لا يستغنى عنه في المعاش فلا يمنع منه كما لا يمنع من القديم المشهور إلا إذا أراد أن يحدث دخانا ويضيفه إلى القديم في مدخنة أخرى فإنه يمنع منه لزيادة الضرر وبه القضاء.
وكذلك يمنع من فتح باب يقابل باب جاره إذا كانت السكة غير نافذة ولو حرف الباب المحدث عن باب جاره بحيث لا يطلع منه على ما في دار جاره ولا يقطع عنه مرفقا على القول الذي به العمل أما إذا كانت السكة نافذة فله فتح الباب وإن كان مقابل لباب جاره وليس له فتح الكوة والشباك والحانوت إلا إذا حرف بحيث لا يطلع منه على ما في دار غيره لأنها أشد ضررا من الباب فلهذا لم يشترط فيه التحريف وبه العمل.
وقوله ومثل الأندر هو بفتح الهمزة والدال كما تقدم فإنه يمنع من أحداثه قابلة باب دار جاره أو بستانه لأن ربه يتضرر بالتبن والغبار عند الذروة كما يمنع من نفض الحصير حذاء باب داره لتضرر المارة أو الجار بغباره وقد يتسبب عنه المرض (وقوله) أو ماله مضرة بالجدر وذلك كحفر مرحاض أو بئر أو بناء حمام أو فرن لتشبيب ذهب أو فضة أو لقلي شعير أو قهوة أو كير لخدمة حديد أو رحى أو
إسطبل ونحوها فإنه يمنع من أحداثه (تنبيه) تقدم أن حفر البئر يمنع إذا كان يضر بالجدار أما إذا كان لا يضر به وإنما يضر ببئر جاره في تقليل مائها ففيه تفصيل وهو إن كانت البئر في الدور فإن أحداثها إذا كان يؤثر في غيره فإنه لا يمنع لأن أهلها يستغنون بالماء القليل عن الماء الكثير وإن كانت في الأرضيين والبساتين فإن أحداثها يمنع إذا كانت تقلل ماء بئر الغير وأولى إذا قطعته بالكلية لأن أهلها يحتاجون إلى كثرة المياه للسقي قاله ابن الرامي التونسي وهو تفصيل حسن للغاية وسمعت جري العمل به.
وأشار إلى الثاني بقوله
(فإن يكن يضر بالمنافع... كالفرن بالفرن فما من مانع)
يعني أن الشيء المحدث إذا كان يضر بالمنافع فقط كمن أحدث فرنا ونحوه بقرب فرن جاره فتقصت غلة الأول أو انقطعت بالكلية أو كان ينقص من ثمنه عند البيع فإنه لا يمنع من ذلك وليس لصاحب القديم اعتراضه على القول المعتمد حتى إن بعضهم حكي الاتفاق عليه لقوته والله أعلم وظاهر النظم أن ضرر الأصوات مثل ما يقع من الحداد عند ضرب الحديد غير معتبر وهو كذلك على القول المشهور قال ابن ناجي ويلغوه مطلقا جرى العمل وقيل يمنع مطلقًا وقيل إن عمل بالنهار فالأول وإن عمل بالليل فالثاني وقيل يجوز أن خف ولم يكن فيه كبير مضرة ثم قال
(وهو على الحدوث حتى يثبتا... خلافه بذا القضاء ثبتا)
يعني أن أمر الضرر إذا أشكل هل هو قديم فيبقى على حاله أو حادث فيزال فإنه يحمل على الحدوث حتى يثبت قدمه وإثبات القدم على مدعيه وبه القضاء وقوله
(وإن يكن تكشفا فلا يقر... بحيث الأشخاص تبين والصور)
معناه أن الضرر إذا كان تكشفا كما لو فتح إنسان كوة أو بابا في غرفة يتشرف منها على ما في دار جاره بحيث تظهر به الذوات والصفات فإنه يزال ولا يقر والذي عليه عمل تونس
أن من أراد الصعود على سطح داره لإصلاح ونحوه يخبر الجيران بذلك حتى يستوفي عمله ثم قال
(وما بنتن الريح يؤذي يمنع... فاعله كالدبغ مهما يقع)
يعني أن الضرر الحادث على الجار إذا كان بنتن الرائحة كالدبغ أو فتح مرحاض بدون غطاء فإن فاعله يمنع منه لأن الرائحة المنتنة تخرق الخياشيم وتصل إلى الأمعاء فتضر وتؤذي الأسنان بالمادة الفاسدة التي تصل إليها.
والأصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقرب مسجدنا فلهذا منع إحداث كل ما له رائحة تؤذي وبه العمل وهذا الحكم في الحقيقة ليس خاصا بالجار بل هو من الحق العام.
وقوله بنتن متعلق بيوذي وجملة يمنع فاعله من الفعل ونائب الفاعل خبر ما الموصلة الواقعة على الضرر وصلتها جملة يؤذي ثم قال
(وقول من يثبته مقدم... على مقال من بنفي يحكم)
يعني أن من أحدث أمرا في ملكه فأدعى جاره أن عليه فيه ضررًا وطلب إزالته وأدعى محدثه أنه لا ضرر عليه فيه وأمتنع من أزالته وأقام كل واحد منهما بينة من أهل البصر والمعرفة على دعواه فبينة من أدعى الضرر مقدمة على من نفاه عند التكافؤ ثم شرع يتكلم على حكم الجدار الساتر بين دارين وشبههما وهو أما أن يكون ملكًا لأحد مالكي الدارين أو يكون مشتركًا بينهما وقد أشار إلى الأول منهما فقال
(وإن جدار ساتر تهدما... أو كان خشية السقوط هدما)
(فمن أبى بناءه لن يجبرا... وقيل للطالب إن شئت استرا)
(وعامد للهدم دون مقتض... عليه بالبناء وحده قضي)
(إن كان ذا وجد وكان ماله... والعجز عنه أدبا أناله)
يعني أن الجدار الساتر إذا كان لأحد مالكي الدارين وهدم فإن أنهدم بنفسه أو هدمه مالكه خوفا من سقوطه فإنه لا يجبر على بنائه فإن طالبه الجار ببنائه فيقال له أن صاحبه لم يقصد ضررك فإن شئت فاستر على نفسك أو أترك الكلام في شأنه وإن هدمه مالكه لغير موجب فإنه يجبر على بنائه وحده لظهور قصد أراده الضرر بالجار هذا إن كان له مال فإن لم يكن له مال أدب وإن كان الجدار مال غيره فعليه إعادته إن كان حبسا وإلا فقيمته وأشار إلى الثاني بقوله
(وإن يكن مشتركا فمن هدم... دون ضرورة بناءه التزم)
(وإن يكن لمقتض فالحكم أن... يبني مع شريكه وهو السنن)
(من غير إجبار فإن أبى قسم... موضعه بينهما إذا حكم)
يعني أن الجدار الساتر إذا كان مشتركا بين الجارين وهدم فإن هدمه أحدهما لغير ضرورة فإنه يلزمه بناؤه وحده لأنه هدم ملكه وملك غيره لا لحاجة تدعوه إلى هدمه وإن هدمه لموجب كخوف سقوطه أو أنهدم وحده فبناؤه يكون عليهما من غير أجبار الممتنع منهما على بنائه على الطريقة المشروعة ثم أن اتفقا على بنائه فالأمر ظاهر وإن لم يتفقا وأمتنع أحدهما من بنائه فإن كان ممكنًا قسم وإلا قضي على الممتنع منهما بالبناء مع صاحبه إن كان له مال فإن لم يكن له مال بيع ليه لمن يبنيه وقيل غير ذلك.
وضمير يكن الأول يعود على الجدار وهدم بالبناء للفاعل صلة من وبناءه مفعول مقدم بقوله التزم أي لذمه أن يبنيه كما كان هذا معناه.
وضمير يكن الثاني يعود على الهدم.
وقوله يبني بالبناء للنائب.
وقوله السنن بفتحتين أي الطريق المشروع كما قررنا به كلامه.
وقوله قسم بالبناء للنائب وموضعه أي الجدار نائب الفاعل.
وقوله حكم مبني للنائب أي أمكن قسمه فعبر بالحكم عن الإمكان لأنه لازمه إذ من لازم الحكم بالقسم إمكانه والله أعلم وقوله
(وإن تداعيات فللقضاء... لمن له العقود والبناء)
هو معنى قول الرسالة ويقضي بالحائط لمن إليه القمط والعقود اهـ يعني إذا وقع نزاع في جدار بين رجلين كل واحد منهما يدعيه أنه ملكه ولا بينة لواحد منهما أو أقاما بينتين وتكافأتا فإنه يقضي به لمن إليه القمط والعقود وإذا كان ذلك من الجهتين قسم بينهما بعد إيمانهما والقمط بكسر القاف وسكون الميم والعقود لفظان مترادفان بمعنى واحد وهما عبارة عن متعاقد الأركان أي يكون الركن الذي يجتمع فيه طرفا الحائط أجره مركب بعضه على بعض كاشتباك الأصابع وقيل غير ذلك ثم قال
فصل في ضرر الأشجار
أي بملك الجار أو بالمارين وأشار إلى الأول بقوله (وكل ما كان من الأشجار... جنب جدار مبدي انتشار) (فإن يكن بعد الجدار وجدا... قطع ما يؤذي الجدار أبدا) (وحيث كان قبله يشمر... وتركه وإن أضر الأشهر) يعني أن من كانت له شجرة أو أشجار جنب جدار جاره وأضرت ذلك الجدار بانتشار أغصانها حتى خرجت عن حدود ملك ربها فلا يخلو الأمر من وجهين أما أن يسبق الجدار الأشجار أو العكس فإن سبق الجدار الأشجار فإنه يقطع ويزبر من أغصانها ما أضر بانتشاره أبدا أي اتفاقًا لأن الضرر حادث على الجدار فيحكم بإزالته وإن سبقت الأشجار الجدار والثاني أنه يترك ولا يقطع وإن أضر قال الناظم وهو الأشهر قال المحققون من شروحه وحواشيه وفيه نظر بل الأشهر هو القول الأول (تتميم) قال الزرقاني عند قول المصنف وبقطع ما أضر من شجرة بجدار الخ وأما ما يضر من جذورها المغيبة في الأرض بجدار غير مالكه فهو مما يدخل في قوله ومضر بجدار وجعل بعضهم قوله وبقطع ما أضر من شجرة أن تجددت الخ شاملا له اهـ
قال البناني ما ذكره الزرقاني من أنه يدخل في قوله ومضر بجدار وفي قوله وبقطع ما أضر إنما يعني به قطع الجذور أي العروق المضرة فقط وأما الشجرة نفسها فلا سبيل لقلعها كما ذكره ابن رشد (وقول) الناظم وكل ما كان الخ كل مبتدأ خبره جملة فإن يكن من الشرط والجواب وأسم كان يعود على ما الواقعة على الأشجار وجنب خبر كان مبدي حال من الأشجار واسم يكن وكان في البيت الثالث يعود على ما ذكر من الأشجار ثم قال
(ومن تكن له بملك شجرة... أغصانها عالية منتشرة)
(فلا كلام عند ذا لجارها... لا في ارتفاعها ولا انتشارها)
(وكل ما يخرج عن هواء... صاحبها يقطع باستواء)
يعني أن من كانت له شجرة في ملكه طالت أغصانها وانتشرت إلى أن صارت بطولها يتشرف منها على دار جاره أو منعت الشمس والريح فإن الجار لا كلام له في ذلك كالبنيان الذي يرفعه المالك في ملكه لكنه يجب عليه عند الصعود إعلام الجار به كما يأتي ما لم تخرج تلك الأغصان عن هواء ملك صاحبها فإن خرجت عنه قطع من أغصانها ما خرج عنه ويكون القطع مسامتا لطرف أرض صاحبها وهو معنى قوله باستواء ثم قال
(وإن يكن بملك من ليست له... وانتشرت حتى أظلت جله)
(فما لرب الملك قطع ما أنتشر... لعلمه بان ذا شأن الشجر)
يعني إن من كان له شجرة في أرض غيره فعظمت وانتشرت أغصانها حتى أظلت جل الملك الذي هي فيه فإن صاحب الملك ليس له قطع ما أنتشر من الشجرة إلا يرضي صاحبها وإنما لم يكن له ذلك بالقضاء لأن شأن الشجر الانتشار فصار هذا الأمر مدخولًا عليه.
وأشار إلى الثاني فقال
(والحكم في الطريق حكم الجار... في قطع ما يؤذي الأشجار)
يعني أنه كما يجب قطع ما أضر من أغصان الشجرة أو الأشجار بالجار كذلك يجب قطع ما أضر منها بالمارين على الطريق لأن الطريق حبس على سائر المارين فلا يجوز فيه إحداث ما يضر بهم ويضيق عليهم شجرا كان أو غيره ولا تعمل فيه الحيازة بخلاف ضرر الجار وإليه أشار الناظم بقوله
فصل في نسقط القيام بالضرر
أي على القول المشهور من أقوال عشرة ذكرها ابن الرامي واقتصر الناظم على ما به العمل منها فقال
(وعشرة الأعوام لامرئ حضر... تمنع أن قام بمحدث الضرر)
(وذا به الحكم وبالقيام... قد قيل بالزائد في الأيام)
قال في المتيطية مسألة ومن أحدث عليه ضرر من إطلاع أو خروج ماء مرحاض قرب جداره ونحو ذلك وعلم بذلك فلم ينكره نحو عشرة أعوام من غير عذر يمنعه من القيام به فلا قيام له كالاستحقاق وهو مذهب ابن القاسم وقاله ابن الهندي وابن العطار وقال أصبغ لا ينقطع القيام في الضرر إلا بعد السكوت عشرين سنة ونحوها وبالأول القضاء إلا أن يكون المحدث عليه صغيرًا أو مولى عليه أو بكرًا غير معنسة فلا يضرهم السكوت وإن طال ذلك حتى يبلغ الصغير وتعنس البكر وينطلق المولى عليه ثم يسكتون بعد ذلك المدة المذكورة على أحد القولين عالمين بما لهم في ذلك من القيام آهـ وفي طور ابن عات وحيازة الضرر على الأقارب والأجنبيين سواء على القول بحيازته ولا يفرق في ذلك بين القرابة والأجنبيين كما فرق بينهما في استحقاق الأملاك بالحيازة قاله ابن زرب في مسائله اهـ وقيل له القيام بعد عشرة أعوام إذا كان بالأيام اليسيرة.
وقول الناظم بمحدث الضرر محدث بفتح
الدال اسم مفعول وهو مضاف والضرر مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف أي الضرر المحدث كما لا قيام بالقديم ثم قال
(ومن رأى بنيان ما فيه ضرر... ولم يقم من حينه بما ظهر)
(حتى رأى الفراغ من إتمامه... مكن باليمين من قيامه)
(فإن يبع بعد بلا نزاع... فلا قيام فيه للمبتاع)
(وإن يكن حين الخصام باعا... فالمشتري يخصم ما استطاعا)
ما ذكره الناظم في هذه الأبيات هو قول ابن سلمون ومن أحدث عليه بناء فيه ضرر فسكت حتى فرغ ثم قام عليه فيه فعليه اليمين أن سكوته لم يكن رضي بإسقاط حقه فيه فإن باعه بعد ما أحدث عليه الضرر ولم يقم به ولا تكلم فيه لم يكن للمبتاع القيام به فإن كان قد تكلم فيه وباعه وهو في الخصام فإن للمبتاع أن يتكلم فيه ويقوم بما كان للبائع أن يقوم به آهـ وظاهره أن هذا البيع جائز وليس هو من بيع ما فيه خصومة لأن معناه أن الحاكم قضى بإزالة الضرر وأعذر وبقي التسجيل والأشهاد يعني على الحكم وأما لو باع وقد بقي شيء من المدافع والحجج لم يجز البيع لأنه بيع ما فيه خصومة والمشهور منعه وقيل غير ذلك كما في ابن رحال وغيره والله أعلم.
وفهم من قوله ولم يقم من حينه أنه إذا قام حين راءاه يبني وأراد منعه من البناء فإنه لا يمنع من إتمام عمله حتى يثبت الضرر فيهدم كما في التبصرة وقوله يخصم بكسر الصاد أي يخاصم ما استطاع لقيامه مقام البائع وحلوله محله وقوله
(ومانع الريح أ, الشمس معا... لجاره بما بني لن يمنعا)
معناه أن من بني بنيانا يمنع جاره من الريح أو الشمس أو هما معا فإنه لا يمنع من ذلك كما مر وما درج عليه الناظم هو أحد أقوال في المسألة وهو المشهور قال ابن ناجي وبه العمل وقال صاحب المختصر لا مانع شمس أو ريح إلا الأندر أي فإنه يمنع من بناء
ما يمنعه الشمس والريح إلا إذا اضطر إلى البناء واحتاج إليه فإنه لا يمنع منه لأن مصلحته مقدمة على مصلحة صاحب الأندر ثم قال
فصل في الغصب والتعدي
قال القاضي عياض أخذ المال بغير حق على ضروب عشرة حرابة وغيلة وغصب وقهر وخيانة وسرقة واختلاس وخديعة وتعد وجحد.
وأسم الغصب يطلق على الجميع في اللغة (فالحرابة) كل ما أخذ بمكابرة ومدافعة.
والغيلة ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة ليأخذ ماله وحكمه حكم الحرابة.
والغصب ما أخذه ذو القدرة والسلطان.
والقهر نحو منه إلا إنه يكون من ذي القوة في جسمه للضعيف ومن الجماعة للواحد.
والخيانة كل ما كان لآخذه قبله أي جهته أمانة أو يد.
والسرقة ما أخذ على وجه الاختفاء.
والاختلاس كل ما أخذ بحضرة صاحبه على غفلة وفر أخذه بسرعة والخديعة كل ما أخذ بحيلة كالتشبه بصاحب الحق وصاحب الوديعة والمتزي بزي الصلاح أي يلبس الأخضر وتطويل اللحية ونحوهما ليأخذ المال بذلك.
والجحد إنكار ما تقرر بذمة الجاحد وأمانته وهو نوع من الخيانة, والتعدي ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو مغيبه وقال الشاطبي الغصب عند الفقهاء هو التعدي على الرقاب والتعدي مختص بالتعدي على المنافع دون الرقاب فإذا قصد الغاصب تملك رقبة المغصوب فهو منهي عن ذلك إثم فيما فعل وهل يتقرر له عليها شبهة ملك بسبب ضمانه لها أم لا خلاف فإن قلنا إنه يتقرر عليها شبهة ملك كالذي في أيدي الكفار من أموال المسلمين كان داخلا تحت قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان فكانت كل غلة وثمن يعلو أو يسفل أو حادث يحدث للغاصب وعليه بمقتضى الضمان كالاستحقاق والبيوع الفاسدة وإن قلنا أنه لا يتقرر عليه شبهة ملك بل المغصوب على ملك صاحبه فكل ما يحدث من غلة ومنفعة فعلى ملكه فهي له فلا بد للغاصب من غرمها لأنه قد غصبها أيضا وأما ما يحدث من نقص فعلى الغاصب بعدائه لأن نقص الشيء المغصوب إتلاف لبعض ذاته فيضمنه كما
يضمن المتعدي على المنافع لأن قيام الذات من جملة المنافع اهـ وإلى كون الغاصب ليس بذي شبة على المذهب ذهب الناظم كغيره من المصنفين فقال
(وغاصب يغرم ما استغله... من كل شيء ويرد أصله)
(حيث يرى بحاله فإن تلف... قوم والمثل بذي مثل ألف)
يعني إن من غصب شيئًا واستغله فإنه يرد الغلة التي استوفاها من الذوات المملوكة لغيره وصفة ردها أن يرد مثلها إن كانت مثلية معلومة القدر كأشجار جذ ثمارها وأغنام جز صوفا وإن جهل قدرها أو كانت مقومة فترد القيمة وكلام الناظم في رد الغلة مجمل وبيانه أن غلة نحو الدابة والدار والأرض وغيرها مما لا ينتفع به إلا بالاستعمال فلا تلزم غلته إلا باستعماله وأما لو عطل هذه المذكورات بأن لم يستعمل الدابة ولا زرع الأرض ولا أكرى الدار فلا يلزمه قراؤها في مدة استيلائه عليها (وأما) الغلة التي تنشأ من غير تحريك كثمر الشجر وصوف الغنم ولبن البقر فهذا يرده الغاصب من غير تردد (وأما) ربح المال المغصوب منه تاجرًا على القول المعتمد.
وظاهر النظم لزوم رد الغاصب الغلة ولو كان المغصوب يحتاج إلى نفقة وليس كذلك بل إذا كان يحتاج إلى نفقة فإنما يرد الزائد منها على النفقة فإن لم يكن للشيء المغصوب غلة ضاعت النفقة على الغاصب ولا يرجع بها في الذات المغصوبة ولا ينظر إلى كونه أدى واجبا على المغصوب منه لأنه ظالم.
وظاهره أيضا لزوم ورد الغلة ولو ذهبت الذات المغصوبة ولزم الغاصب قيمتها وفي المسألة قولان المعتمد منهما أن الغاصب لا يلزمه ردها إلا إذا ردت الذات المغصوبة كما لا يتبع بغلتها إذا فاتت ولزم الغاصب قيمتها لأن قيمتها تعتبر يوم الاستيلاء فقد كشف الغيب أنه أستعمل ملكه.
وقوله ويرد أصله الخ معناه أنه يلزم الغاصب رد أصل الشيء المغصوب إن كان باقيًا على حاله حين الغصب فإن رده بحاله فلا شيء عليه لربه فإن تلف بيده غرم قيمته يوم الغصب وإن تغير بأمر
سماوي لا صنع لأحد فيه فريه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة, وإن كان النقص بتعديه بفعله ولو خطأ كدابة غصبها فاستعملها فتعيبت في بدنها خير ربه أيضا في أخذه ناقصا مع أخذ قيمة نقصه وفي تركه للغاصب وأخذ قيمته يوم الغصب هذا هو المشهور ثم قال
(والقول للغاصب في دعوى التلف... وقدر مغصوب وما به أتصف)
يعني أن الغاصب والمغصوب منه إذا اختلفًا في تلف الشيء المغصوب فأدعى الغاصب تلفه وأدعى المغصوب منه عدم تلفه أو اختلفًا في قدره وكميته أو في صفته وكيفيته فالقول قول الغاصب بيمينه إذا أتى بما يشبه لأنه غارم ومدعي عليه فإن جاء بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه فإن أتيا بما لا يشبه قضي بأوسط القيم هذا هو المشهور وقوله
(والغرم والضمان مع علم يجب... على الذي أنجر أليه ما غصب)
(بإرث أو من واهب أو بائع... كالمتعدي غاصب المنافع)
معناه أن من تملك شيئا مغصوبا بإرث أو بهبة أو بشراء مع علمه بأن من أنجر إليه منه كان غصب ذلك فإنه يتنزل منزلة الغاصب في جميع ما تقدم من رد الغلة والذات على التفصيل الذي ذكرناه هناك فإن لم يعلم بذلك فإن كان المستحق من يده مشتريا فلا يلزمه إلا رد الذات ولا يلزمه رد الغلة لأنه ذو شبهة كما يأتي ولا شيء عليه فيما هلك أو نقص بأمر سماوي وكذا الوارث والموهوب له من غير الغاصب فإن كان ذلك من الغاصب نفسه فلا غلة لهما كما في ابن رحال وغيره (ولما) ذكر بعض أحكام الغصب أفاد هنا في الشطر الأخير من البيت الثاني تعريف المتعدي مشبها له بالغاصب في الضمان.
ويفترقان في أمور (منها) أن غاصب الرقاب لا يضمن الغلة إلا باستعمال الشيء المغصوب وغاصب المنافع يضمن الغلة مطلقا استعمل الشيء الذي أخذه من يد مالكه أو حبسه.
ومنها أنه يضمن القيمة يوم تعديه ولا يضمن الأمر السماوي بخلاف
الغاصب فإنه يضمن القيمة يوم الاستيلاء ويضمن السماوي.
ومنها إذا تعدى على منافع إبل ونحوها فحبسها عن أسواقها فإنه يضمن قيمتها إن شاء ربها وإن شاء ردها سالمة بخلاف الغاصب فإن ربها لا يخير إن جاء بها سالمة (ثم) أشار إلى مفهوم الغاصب والمتعدي وهو من حاز شيئًا بوجه شرعي من بيع ونحوه ولم يعلم بغصبه كما تقدم ثم استحق من يده وأنه لا يرد الغلة وله نظائر في عدم رد الغلة فقال
(وشبهة كالملك في ذا الشأن... لقوله الخراج بالضمان)
(ولا يكون الرد في استحقاق... وفاسد البيع على الإطلاق)
(والرد بالعيب ولا في السلعة... موجودة في فلس والشفعة)
يعني أن شبهة الملك كالملك في كونها توجب لمن حصلت له استحقاق الغلة وهو المراد بقوله في ذا الشأن أي الأمر الذي الكلام فيه وهو لمن تكون الغلة والدليل أن شبهة الملك كالملك قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان والخراج الغلة ومعناه أن من كان ضمان الشيء منه إذا هلك فإن غلته له ولأجل كون الخراج بالضمان أن من أشترى شيئًا من غاصب ولم يعلم بغصبه كما مر ثم استحق من يده وأخذه ربه فلا يرد الغلة مع ذلك الشيء بل تبقى بعيدة كما إذا أشترى شيئا شراء فاسدًا وقد كان استغله ونقض البيع لفساده فلا يرد الغلة مطلقا سواء كان المبيع قائما بيد المشتري أو فات وغرم ثمنه أو قيمته (أو) وجد عيبا فيما أشتراه ورده على بائعه وقد استغله (أو) اشترى شيئا واستغله ولم يدفع ثمنه حتى فلس فجاء البائع فوجد ملكه قائما فأخذه في الثمن فإنه لا يرجع بالغلة على المفلس (أو) اشترى شقصا من جنان مثلًا واستغله ثم جاء شريك فأخذ ذلك الشقص بالشفقة فلا يرد الغلة فهذه مسائل خمسة لا ترد فيها الغلة إذا كان المبيع لا غلة فيه يوم البيع ولا يوم الرد واعتل فيما بين ذلك فإن كانت موجودة يوم البيع فهي أو عوضها للبائع على كل حال إلا إذا اشترطها المشتري كما تقدم في البيوع وإن كانت موجدة يوم رد الملك فقط فهي
للمشتري في الفلس بالجذ.
وفي الرد بالعيب والفساد بالزهو.
وفي الشفقة والاستحقاق باليابس (ولما) ذكر أن المتعدي إذا أتلف ما أخذه على وجه التعدي فإنه يضمنه ذكر حكم تعيبه عنده وهو على وجوه أشار إليها فقال
(ومتلف منفعة مقصودة... مما له كيفية معهودة)
(صاحبه خير في الأخذ له... مع أخذه لأرش عيب حله)
(أو أخذه لقيمة المعيب... يوم حدوث حالة التعييب)
(وليس إلا الأرش حال المنفعة... يسيرة والشيء معها في سعة)
(من بعد رفو الثوب أو إصلاح... ما كان منه قابل الصلاح)
يعني أن من تعدى على ملك غيره وأتلف منه منفعة مقصودة منه على كيفية معهودة عند مالكه فإن صاحب الملك يخير بين أخذ ملكه معيبًا وأخذ قيمة العيب المحدث فيه وبين أن يأخذ قيمة ذلك الملك يوم أحدث فيه ما أحدث على أنه صحيح لا عيب فيه هذا إذا كانت المنفعة التي أتلفت كثيرة فإن كانت يسيرة والملك بعد تلفها في سعة أي قائم ينتفع به كما كان فليس لصاحبه إلا الأرش بعد إصلاح ما يقبل الإصلاح من ذلك كالثوب يرفى والسيف يصلح ما به من فلول والقصعة يرقعها والحلي يصبغه ونحوها وقيل غير ذلك أنظر بسط المسألة في خليل وشروحه تجد فوائد جليلة يطول ذكرها هنا قلت والنظر في ذلك للعادة وجملة حله إي حل به صفة عيب وقوله أو بمعنى الواو أي وفي أخذه لقيمة المعيب ثم قال
فصل في الاغتصاب
وهو وطء بالغ حرة أو أمة جبرًا بغير وجه شرعي وإليه أشار الناظم بقوله (ووطئ لحرة مغتصبًا... صداق مثلها عليه وجبًا)
(إن ثبت الوطء ولو ببينة... بأنه غاب عليها معلنة)
(وقيمة النقص عليه في الأمة... هبها سوى بكر وغير مسلمة)
(والولد استرق حيث علما... والحد مع ذاك عليه فيهما)
يعني أن البالغ إذا وطئ امرأة غصبا عليها فإنه يجب عليه صداق مثلها يوم الوطء بكرًا كانت أو ثيبًا ويتعدد عليه الصداق بتعدد الوطء إن ثبت ذلك عليه إما بإقراره به أو ببينة على الوطء أو ببينة شهدت بأنه احتملها وغاب عليها غيبة يمكن وقوع الوطء فيها وادعته المرأة وإن لم تقع مشاهدة الوطء لها وهذا إذا كانت المرأة حرة وإن كانت أمة فيكون عليه قيمة مت نقصها بكرًا كانت أو ثيبا مسلمة كانت أو كافرة ويكون ولده رقيقا لسيدها إذا علم أنه من وطء الزنا ويلزمه مع ذلك الحد في الحرة والأمة إذا ثبت ذلك عليه بأربعة شهداء عاينوا الوطء بشروطه المتقدمة في باب الشهادات أو أقر بذلك على نفسه ولم يرجع عنه.
وأما إن شهدوا بأنه احتملها وغاب عليها وادعت المرأة الوطء وأنكره فلا حد عليه وإنما عليه الصداق للحرة ولا شيء عليه في الأمة.
واحترز الفقهاء بقولهم البالغ من الصغير يطأ البكر فيكون عليه ما شأنها بالافتضاض ولا شيء عليه في الثيب.
ومفهوم قوله مغتصبا أن الزنا بالطائعة لا صداق فيه وهو كذلك.
وقوله معلنة صفة لبينه أي ولو ببينة معلنة أي شاهدة بأنه احتملها وقوله غير بالنصب عطف على سوى واسترق وعلما مبينان للنائب وألف علما للإطلاق وقوله فيهما الضمير يعود على الحرة والأمة (ولما) ذكر حكم ثبوت الاغتصاب بينة أو أقرار المدعي عليه به ذكر ما إذا كان ذلك بمجرد دعوى المرأة وفي المسألة ست صور لأن المدعي عليه إما أن يكون مشهورًا بالدين والصلاح وإما أن يكون مجهول الحال هل هو عفيف أو فاسق وإما أن يكون مشهورا بالفسق فهذه ثلاث صور في كل منها إما أن تدعي ذلك وقت وقوعه وجاءت متعلقة به وإما أن تدعي ذلك بعد مضي زمان فأشار إلى الأولى والثانية مع القيام عليهما بعد مضي زمان فقال
(وإن يكن ذا الغصب بالدعوى ففي... تفصيله بيان حكمه يفي)
(فحيثما الدعوى على من قد شهر... بالدين والصلاح والفضل نظر)
(فإن تكن بعد التراخي زمنا... حدت لقذف وبحمل للزنا)
(وحيثما رحمها منه بري... فالحد تستوحيه في الأظهر)
(وذاك في المجهول حالا إن جهل... حال لها أو لم تحز صونا نقل)
(وإن تكن ممن لها صون ففي... وجوبه تخريجا الخلف قفي)
(وحيث قيل لا تحد أن نكل... فالمهر مع يمينها لها حصل)
(وما على المشهور بالعفاف... مهر ولا حلف بلا خلاف)
يعني أن المرأة إذا أدعت الاغتصاب على من كان مشهورا بالدين والصلاح وتراخت في دعواها فإنها تحد حد قذفها له وللزنا إن ظهر بها حمل.
وإنما تعدد الحدان لاختلاف موجبها فإن لم يظهر بها حمل ففي وجوب حد الزنا عليها خلاف والأظهر وجوبه كما قال الناظم.
وهذا بالنسبة إلى المرأة وأما الرجل فلا صداق عليه ولا يمين كما صرح به في البيت الأخير في قوله وما على المشهور بالعفاف مهر ولا حلف بلا خلاف وأحرى عدم الحد فحقه أن يذكره هنا بعد قوله وحيثما رحمها منه بري البيت لأنه من تمام الدعوى وكأنه مؤخر من تقديم.
وإن كانت الدعوى على مجهول الحال وتراخى قيامها أيضا فإنه ينظر في
بالدين من أنها تحد للقذف وللزنا وإن علم كونها موصوفة بالصيانة بحيث لا ترضى فضيحة نفسها ففي وجوب القذف عليها للرجل الذي جهل حاله قولان لا نص فيهما وإنما هما مخرجان ومبنيان على الخلاف الواقع بين ابن القاسم وأشهب فيمن أقر بوطء امرأة وصدقته