وما يتعلق بذلك
أي هذا باب في بيان من يقبل من الشهود ومن لا يقبل منهم وبيان ما يقبل من أنواع الشهادات الخمسة وما لا يقبل وبيان ما يتعلق بذلك من تعارض البينات وعقلة المدعى فيه وكيفية العقلة.
والشهود جمع شاهد من الشهادة.
وهي في اللغة الإخبار بما قد شوهد قاله في المصباح.
وقال ابن العربي وغيره وردت الشهادة بأنواع مختلفة (منها) قول الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ قيل معناه احضروا.
ومنها قوله تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ أي قضى.
ومنها شهد بمعنى أقر كقوله والملائكة يشهدون وقوله تعالى ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ وقول الشاعر
ومليحة شهدت لها ضراتها... والفضل ما شهدت به الأعداء
ومنها شهد بمعنى حكم قال الله تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ الآية وفي هاته الآية الشريفة دليل جواز الحكم بالعرف والعادة وقرائن الأحوال وهو الشاهد العرفي الآتي ذكره عند قوله الناظم.
وها هنا عن شهادته قد يغني... إرخاء ستر واحتياز رهن.
البيت.
ومنها شهد بمعنى حلف كما جاء في اللعان.
ومنها شهد بمعنى عام كما قال الله تعالى ﴿ولا تكتم شهادة الله﴾ أي علم الله.
ومنها شهد بمعنى حضر للتحمل كقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ وقيل معناه وصى.
وفي الشرع قال ابن فرحون أخبار يتعلق بمعين وبقيد التعيين تفارق الرواية انتهى.
وقال الإمام ابن عرفة الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه أن عدل قائله مع تعدد أو حلف طالبه (فقول) الشيخ رحمه الله تعالى
قول جنس أعم من الكلام والكلمة والكلم والخبر أخص منه لأنه أخص من الكلام الذي هو أعم من الخبر.
وقوله هو بحيث جملة إسمية صفة لقول وإنما عبر بذلك وأتى بالحيثية ليدخل فيه الشهادة قبل الأداء والشهادة غير التامة.
وقوله يوجب على الحاكم يخرج به الرواية والخبر القسيم للشهادة ولم يقل القاضي لأن الحاكم أعم من القاضي لوجوده في المحكم والأمير وشبه ذلك.
وقوله أن عدل قائله شرط في إيجاب الحكم والجملة حال أخرج به مجهول الحال.
وقوله مع تعدده اخرج به إخبار القاضي بما ثبت عنده قاضيًا آخر فإنه يوجب عليه الحكم بمقتضاه لكن لا يشترط فيه تعدد أو حلف فلو زاد أو ما يقوم مقامه أي مقام القول لشمل التعريف بالشهادة بالخط وشهادة الإيماء كالأخرس ونحوهما كذا في الرصاع (والأصل) في مشروعيتها الكتاب قال الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾.
وقال تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾.
وقال تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون﴾.
وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية﴾ الآية.
والسنة قال عليه الصلاة والسلام شاهداك أو يمينه وقال أنتم شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار وقال لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث (وحكمة) مشروعيتها لطف الله سبحانه وتعالى بعباده لصيانة الحقوق من أنساب وأديان وأعراض وأموال وأبدان فهي من الضروريات الحاجية كالإمامة الكبرى وما يتفرع عنها من القضاء ونحوه والشهادة منصبها عظيم وخطرها جسيم خصوصًا في هذا الزمان فإن كثيرًا ممن يتعاطاها لا يتحاشى عن الأمر الذميم الذي يكون سببًا في عذابه الأليم (وحكمها) له حالتان حالة تحمل وحالة آداء فأما التحمل وهو أن يدعى الشاهد ليشهد ويستحفظ الشهادة كالمنتصبين لها فإنها فرض كفاية يحمله بعض الناس عن
بعض إذا وجد وإلا تعين.
وأما الأداء وهو أن يدعى ليشهد بما في علمه فإن ذلك واجب لقول الله تعالى ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾.
وقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾.
ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا.
ويتوقف أداؤها على الاستدعاء إذا كان المشهود به حقًا لغير الله على خلاف فيه أما إذا كان حقًا لله تعالى فإنه يجب عليه أن يبادر بأدائها عند الحاكم بدون استدعاء اتفاقًا إذا كان مما يستدام تحريمه كحبس وطلاق ورضاع والعفو عن القصاص بقدر الإمكان فإن أمكنه الآداء ولم يبادر فسق وسقطت شهادته.
ولكل واحد من شاهدي الآداء والتحمل شروط بحيث لا تقبل شهادته إلا بها (فشاهد) الأداء يشترط فيه أن يكون بالغًا عاقلًا حرًا مسلمًا عدلًا متيقضًا بحيث لا تتمشى عليه الحيل وإليها أشار الناظم بقوله
(وشاهد صفته المرعية... عدالة تيقض حرية)
إذ لا يخفى أن العدالة تستلزم الإسلام والعقل والبلوغ استلزامًا اصطلاحيًا (فالعدالة) عرفها ابن الحاجب بقوله صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفًا ومعصية غير قليل الصغائر فقوله صفة مظنة أي صفة ذات مظنة.
وقوله لمنع موصوفها متعلق بالمظنة ومنع مضاف وموصوفها مضاف إليه.
والبدعة معلومة شرعًا وهو الأمر المحدث منصوب على أنه مفعول بالمصدر الذي هو المنع.
وقوله عرفًا منصوب على إسقاط الخافض أي في العرف أشار به إلى السلامة من ترك المروءة كالأكل في السوق إلى غير ذلك أخرج به ما لا يشينه في عرفه والعرف في ذلك يختلف بحسب البقاع والمكان والحال والزمان.
وقوله ومعصية بالنصب عطف على البدعة والمعصية تشمل الكبائر والصغائر.
وقوله غير قليل الصغائر بالنصب على الاستثناء والمستثنى منه معصية أخرج به القليل من الصغائر فإنه غير ضار في العدالة إلا إذا كانت صغيرة خسة فإنها تضر كالكبيرة كما يأتي بسطه في البيت بعد هذا (إما) اشتراط تيقض الشاهد فإن لم يكن متيقضًا فطنًا فلا يخلو حاله أما أن يكون بليدًا
أو غبيًا فإن كان بليدًا أبله وهو الذي ليس له فكر يحركه فهذا لا تقبل شهادته في كل شيء البتة وإن كان غبيًا أو غلبت عليه الخيرية والأمانة وهو من له فكر لكن لا يحركه وإن حركه يتفطن فهذا لا تقبل شهادته في الأمور التي تتأتى فيها الحيل كالإقرارات وأما ما لا تتأتى فيه الحيل كقوله رأيت هذا يقطع يد هذا فإنها تقبل وفي قبول شهادة المولى عليه الفطن وعدم قبولها وبه العمل قولان.
وأما اشتراط العدالة فلأن الفاسق بجارحة أو اعتقاد لما كان عاصيًا بمخالفة فروع الإيمان فلا تقبل شهادته لأنه لا يتوقى الكذب.
وقد قال الله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقال ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ فأنبأنا ربنا تعالى بما أنعم به علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطة الشهادة على جميع الخليقة فجعلنا أولًا مكانًا وإن كنا آخرًا زمانًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون فهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ولا ينفد على الغير قول الغير إلا أن يكون عدلًا قاله ابن العربي.
وأما اشتراط الإسلام فلقوله تعالى ﴿شهيدين من رجالكم وممن ترضون من الشهداء﴾ والكافر ليس فيه شيء من هذه الصفات ومن العلماء من أجاز شهادته في الوصية في السفر لقوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾.
وفي آثار المدونة مما أسنده ابن وهب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض وتجوز شهادة المسلمين عليهم انتهى.
وأما اشتراط الحرية على المذهب فلقوله سبحانه وتعالى ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا (قال) أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى قال علماؤنا هذا دليل على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم وهذا أمر انبنى عليه الشرع فعمل به في كل زمن وفهمته كل أمة ومن أمثال العرب في بيته يؤتى الحكم وعلى خروج العبد من جملة الشهداء لأنه لا يمكنه أن يجيب ولا يصح له أن يأبى لأنه لا استقلال له في نفسه وإنما يتصرف بإذن غيره فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منصب الولاية وعن فرض الجمعة انتهى (قلت) إنما ينهض هذا لو جعل دليلًا على سقوط وجوب
المشي لا على قبولها بدليل أنه لو صلى ظهره جمعة مع الجماعة لصحت صلاته تأمل وقيل في تعليل عدم قبول شهادته غير هذا وكله ليس بظاهر ولهذا أجازها بعض العلماء.
وأما اشتراط العقل فلأن عدمه يؤدي إلى عدم الضبط وينافي التكليف.
وأما اشتراط البلوغ فلأن الشاهد مكلف بالأداء ولا تكليف مع الصبي ولأن الصبي لعلمه رفع القلم عنه لا يتوقى الكذب فلا تجوز شهادته ولا اختلاف إلا ما اختلف في ذلك من قبوله في الدماء (وشاهد) التحمل يشترط فيه أن يكون مميزًا متيقضا صغيرًا كان أو كبيرًا حرًا كان أو عبدًا مسلمًا كان أو كافرًا عدلًا كان أو فاسقًا فمن تحمل ي شهادة كانت وإن خطأ أو عقد نكاح لأن الإشهاد ليس بركن منه ولا بشرط في صحته كما في الرهوني وغيره وهو زمن التحمل مميز فطن غير أنه صغير أو عبد أو كافر أو فاسق ثم أدى شهادته بعد زوال المانع فإن بلغ أو عتق أو أسلم أو حسنت حالته وصار عدلًا فإنها تقبل لأن المعتبر عند العلماء زمن الأداء لا زمن التحمل كما يأتي في كلام الناظم إلا العقل فإنه شرط زمن الأداء وزمن التحمل تنبيهات (الأول) ومن المجموعة روى ابن وهب عن مالك في الذي يخنق أن كان يفيق إفاقة يعقلها جازت شهادته وبيعه وابتياعه وطلاقه في إفاقته فأما الذي لا يكاد يفيق فلا يجوز له شيء من ذلك (الثاني) هل يشترط في الشاهد عدم الحجر عليه وهو المختار وبه العمل أو لا يشترط فيه ذلك وقد تقدم ذكره ولعل الناظم ذهب إليه حيث لم يذكره مع الشروط خلاف (الثالث) تجوز شهادة الأعمى في الأقوال دون الأفعال كما يجوز للشاهد البصير أن يشهد على المرأة من وراء حجاب قد عرفها وعرف صوتها وأثبتها.
وتجوز شهادة الأصم في الأفعال دون الأقوال ومثله الأخرس إذا فهمت إشارته (الرابع) كتب الشهادة هل هو فرض على الكاتب أو لا خلاف قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عند قول الله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ الآية يريد يكون صكا ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الآجال
والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشرع الكتاب والإشهاد وكان ذلك في الزمن الأول.
وقوله فاكتبوه إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفاته المبينة له المعربة عنه المعرفة للحاكم فيما يحكم عند ارتفاعهما إليه.
وقوله تعالى ﴿ولا يأبى كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ (فيه) أربعة أقوال الأول أنه فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز قاله الشِعبي (الثاني) أنه فرض على الكاتب في حاله فراغه قاله بعض أهل الكوفة (الثالث) أنه ندب قاله مجاهد وعطاء (الرابع) أنه منسوخ قاله الضحاك.
والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذ حقه.
وقوله تعالى ﴿وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ قال علماؤنا إنما أملى الذي عليه الحق لأنه المقر به الملتزم له فلو قال الذي له الحق لي كذا وكذا لم ينفع حتى يقر الذي عليه الحق فلأجل ذلك كانت البداءة به لأن القول قوله وإلى هاته النكتة وقعت الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقوله تعالى ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا فليملل وليه بالعدل أي ولي السفيه أو الضعيف﴾ وهذا يدل على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه إذا ثبت هذا فلن تصرف السفيه المحجور دون ولي فإن التصرف فاسد إجماعًا مفسوخ أبدًا لا يوجب حكمًا ولا يؤثر شيئًا.
وأن تصرف سفيه لا حجر عليه فاختلف علماؤنا فيه فابن القاسم يجوز فعله وعامة أصحابنا يسقطونه والذي أراه من ذلك أنه أن تصرف بسداد نفذ وإن تصرف بغير سداد بطل وأما الضعيف أي الغبي الأبله فربما بخس في البيع وخدع ولكنه تحت النظر كائن (الخامس) الشاهد الذي ينتصب لكتب الوثائق بين الناس أخص من العدل إذ يشترط فيه شروط أخر قال الونشريسي في المنهج الفايق لا يجوز للولات أن ينصبوا لكتابة الوثائق إلا العدول المرضيين قال مالك رضي الله عنه لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نسفه مأمون لقول الله تعالى ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ وفي الغرناطية يعتبر في الموثق عشر خصال متى
عري عن واحد منها لم يجز أن يكتبها.
وهي أن يكون مسلمًا عاقلًا متجنبًا للمعاصي سميعًا بصيرًا متكلمًا يقضنا عالمًا بفقه الوثائق سالمًا من اللحن وإن تصدر عنه بخط بين يقرأ بسرعة وبسهولة وبألفاظ بينة غير محتملة ولا مجهولة.
وزاد غيره أن يكون عالمًا بالترسيل لأنها صناعة إنشاء فقد يرد عليه ما لم يسبق بمثاله.
وأن يكون عنده حظ من اللغة وعلم الفرائض والعدد ومعرفة النعوت وأسماء الأعضاء.
وعن ابن مغيث يجب على مرسم الوثيقة أن يجتنب في ترسيمها الكذب والزور وما يؤدي إلى ترسيم الباطل والفجور فإن الناقد بصير يسأله عند وقوفه بين يديه عن النقير والقطمير وقد تمالا كثير من الناس على التهاون بحدود الإسلام والتلاعب في طريق الحرام ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.
وقد قال ابن أبي زمنين رحمه الله تعالى
أيا ذا الوثائق لا تغرر... بما في يديك من المرتقب
فإنك مهما تكن عاقدًا... لزور تزخرفه أو كذب
فإن العظيم محيط به... ويعلم من وراء الحجب
فكن حذرًا من عقوبته... ومن هول نار ترى تلتهب
ولا تنس أهوال يوم اللقا... فكم فيه من روعة ترتقب
(ثم قال) الونشريسي اعلم أن علم الوثائق من أجل العلوم قدرًا وأعلاها إقامة وخطرً إذ بها تثبت الحقوق ويتميز بها الحر والرقيق ويتوثق بها ولذا سمي الكاتب الذي يعانيها وثاقا.
وفي صحيح مسلم وغيره أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتب الصلح يوم الحديبية بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم (ابن) فرحون هي صناعة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية وحفظ دماء المسلمين وأموالهم والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم ومجالسة الملوك والاطلاع على أمورهم وعيالهم وبغير هذه الصناعة لا ينال أحد ذلك ولا يسلك هذه المسالك (ابن عبد السلام) بعد كلام له وبالجملة أن الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات
خسيسة وذلك لأنهم ألحقوها بأخس الحروف ولم يتمسكوا من الطلب بأدنى طرف وفي مثلهم قيل
إن الكساد قد استولى على الكتبه... لا عقد في بيع فدان ولا عتبه
أخسس بحرقة قوم رأس مالهم... حبر تبدده في صفحة قصبة
(السادس) لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما يجوز في مذهبه كذا في الزرقاني عند قول المصنف وعوقبا والشهود (قلت) محله إذا لم يأذن له حاكم شرعي يرى في مذهبه جواز ذلك كبيع الكمشة المجهولة وإلا جاز له أن يشهد ويضمن إذنه في الرسم وبه العمل (السابع) اختلف في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة والأصح الجواز وتقدمت الإشارة إليه في كلام ابن العربي عند الكلام على حكم الكتابة وعلى الجواز فتكون بما وقع الاتفاق عليه من قليل أو كثير.
وفي وقتنا هذا جعل لكل كتب من الرسوم أجر معلوم لا يتعداه الشاهد عند التشاح بأمر من الأمير قطعًا للنزاع.
وفي الأحكام للباجي وأجرة كاتب الوثيقة على الدافع أو على من هي المنفعة له ولو كانت لهما جميعًا كانت عليهما وسيأتي الكلام على ما إذا كانت الجماعة في وثيقة واحدة وسهامهم مختلفة عند قول الناظم
وأجر من يقسم أو يعدل... على الرؤس وعليه العمل
كذلك الكاتب للوثيقة... للقاسمين مقتف طريقه
وقيل أنها على قدر الأنصباء كالشفعة وضارب الفريضة قال الباجي في وثائقه وبه العمل فهما قولان عمل بكل منهما والذي تميل إليه النفس قول الباجي قال التسولي وبه العمل اليوم.
وأما أخذ الأجرة على تحمل الشهادة فقول الله تعالى ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ وقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ يقتضي عدم أخذ الأجرة على التحمل وقال في المناهج شهادتهم ساقطة لأنهم لم يفعلوها لله بل الشاهد ساع لنفسه ومقتنم لفلسه.
وأما أخذ الأجرة على الأداء فلا إشكال في التحريم قال الله تعالى ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ قال بعض الأئمة
ولا يستحق الشاهد أجرًا يعني على الأداء من باب الاستتجار على الواجب عليه فيكون من أكل المال بالباطل وهو حرام إجماعًا والعدل لا يرتكب المحرمات ولا ما يخل بالمروءة بل الواجب عليه أن يتجنب جميع ذلك وإليه أشار الناظم بقوله
(والعدل من يجتنب الكبائر... ويتقي في الغالب الصغائر)
(وما أبيح وهو في العيان... يقدح في مروءة الإنسان)
يعني أن الشاهد الذي يستحق أن يسمى عدلًا وأن تجوز شهادته شرعا هو من وجدت فيه القيود المتقدمة ويجتنب معها الذنوب الكبائر الآتي بيانها وصغائر الخسة كسرقة لقمة وكعكة اجتنابًا دائمًا ويتقي في غالب أحواله صغائر غير الخسة كالنظرة للأجنبية لعسر الاحتراز منها ويجتنب ما أبيح بالنظر إلى الأصل في حكم الشرع من الأقوال والأفعال التي صار ارتكابها واستعمالها بحسب العرف والعادة أمرًا مستقبحًا يشين ذوي الهيئات ويسلب عنهم المروءة وكل ما يسلب المروءة وينافيها حرام باعتبار ما يعرض له من القدح فيه وبطلان شهادته لأن من لا مروءة له لا يؤمن على ترك المعاصي وتقدمت الإشارة إلى هذا قريبًا وسيأتي في شرح المروءة أمثلة من ذلك سئل الشاطبي من أولياء الله فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة فإن كانت الشهادة بهذه الصفة فلا شيء أجل منها وإن كانت خطة فلا شيء أخس منها وكان يرى أن جنايات الشاهد في صحيفة من يقدمه لحديث من سن سنة حسنة أه أحمد بابا (قال) أبو عبد الله بن المديني عرف قنون في حواشيه على الزرقاني العدل عند المحدثين من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة وأن عبدًا أو امرأة.
وأما من تقبل شهادته ففي الحطاب هو المجتنب للكبائر المتوقي لأكثر الصغائر إذا كان ذا مروءة وتمييز متيقضا متوسط الحال بين البغض والمحبة يريد لأن الفرط في المحبة يقوي تهمة من شهد له كالآباء والأزواج والفرط في البغض كالعدو والخصم يقوي تهمته في الشهادة عليه اهـ. والكبائر كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق
والسحر وشهادة والزور والغيبة والنميمة (ومعنى) المروءة هي المحافظة على فعل مباح يوجب تركه الذم عرفا كترك الانتعال وتغطية الرأس وعلى ترك مباح يوجب فعله الذم عرفا كالأكل في الشوارع عندنا أو في السوق أو في حانوت الطباخ لغير الغريب والحرف الرديئة لغير أهلها كالجزارة والدباغة هذا أن كان تلبسه بتلك الحرف اختيارًا ولم يكن من أهلها وإلا فلا تكون جرحة فيه قال بعض العلماء فلو مشي الإنسان حافيًا وبغير عمامة بالكلية مما هو مباح لكن العادة خلافه فينظر في أمره فإن أراد بذلك كسر نفسه عن الكبر لم يكن ذلك جرحة في حقه وكذلك أن صنعها ليدخل بها السرور على الفقراء أو يتصدق بما يأخذ في مقابة تلك الصنعة فإنها حسنة وإن كانت على جهة الاستهزاء بالناس وعدم الاكتراث بهم فهو جرحة وأما حمل الإنسان متاعه من السوق فهو من السنة لقوله عليه الصلاة والسلام صاحب الشيء أحق به أن يحمله وذلك حين اشترى السراويل وأراد بعض الصحابة أن يحملها عنه وأظنه السيد أبا بكر رضي الله عنه.
وليس المرد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركوب وحسن الهيئة واللباس بل المراد التصون والسمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق بمثله لا يحافظ معه على دينه وإن لم يكن في نفسه جرحة فمن ترك اللباس المحرم أو المكروه الخارج عن السنة لا يكون جرحة في شهادته كلباس فقهاء هذا الزمن من تكبيرهم العمائم في قنون تنبيه قال ابن مرزوق اضطرب رأي المتأخرين في المروءة هل هي زائدة على حقيقة العدالة حتى أنها كصفات الكمال الزائدة على الحقيقة أو هي من تمام حقيقتها وهو الأظهر خلاف (ولما) كانت كيفية القضاء من أركانه كما تقدم وأن منها معرفة البينة والتعديل والتجريح واليمين شرع في بيان ذلك فقال
(فالعدل ذو التبريز ليس يقدح... فيه سوى عداوة تستوضح)
(وغير ذي التبريز قد يجرح... بغيرها من كل ما يستقبح)
(ومن عليه وسم خير قد ظهر... زكى إلا في ضرورة السفر)
(ومن بعكس حاله فلا غنى... عن أن يزكي والذي قد أعلنا)
(بحالة الجرح فليس تقبل... له شهادة ولا يعدل)
(وإن يكن مجهول حال زكيًا... وشبهة توجب فيما ادعيا)
الأبيات الستة قاعدتان (الأولى) هل الناس عند جهل حالهم محمولون على العدالة أو على الجرحة وهو مذهبنا خلاف (الثانية) هل العدالة حق الله تعالى يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها وعليه أكثر أهل العلم أو حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا خلاف إذا تقرر هذا علمت الفروع التي ذكرها الناظم هنا على ي شيء بنيت (وحاصل) ما ذكره في هاته الأبيات هو أن الشاهد العدل المبرز وهو الفائق في العدالة لا يحتاج فيه إلى تعديل لأن تعديله يؤدي إلى تحصيل الحاصل أو إلى التسلسل وكل منهما محال وأن المشهود عليه إذا طلب الطعن فيه بكل قادح فإنه لا يمكن منه لأن الواقع يكذبه فدعواه لا تسمح وإنما له أن يقدح فيه بالعداوة الدنياوية الواضحة كالخصومة والهجرة الطويلة لا العداوة الدينية فإنها لا تضر وصاحبها مأجور ولهذا جازت شهادة المسلم على الكافر كما تقدم لأنها عداوة عامة وهي لا تؤثر فإن وقعت بينهما عداوة دنيوية فإن شهادته عليه لا تجوز ومثل العداوة الواضحة القرابة الأكيدة كما يأتي في موانع الشهادة.
والشاهد العدل إذا كان غير مبرز فلا يحتاج فيه إلى تعديل كذلك غير أنه يجرح فيه بالعداوة الواضحة والقرابة الأكيدة وغيرهما من كل ما يستقبح كشرب وسرقة وغصب وكذب وترك الصلاة ونحوها من أنواع التجريح أن طلب الخصم ذلك.
والشاهد الذي تظهر عليه علامة الخير والدين بشهود الصلوات في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح ولم تتحقق عدالته فلا بد من تزكيته ولا تقبل شهادته بدونها لحمل الناس على الجرحة لا على العدالة إلا
في السفر فتقبل للضرورة.
والشاهد الذي يعكس حال هذا وهو من ظهر عليه وسم الشر ولم يتحقق فسقه فلا تقبل شهادته حتى يزكى ولو في سفر فهو بالنسبة لما قبله من باب أولى.
والشاهد الذي أعلن بالفسوق والفجور فلا تقبل شهادته ولو علم الحاكم بصدقه كما تقدم لأن العدالة حق الله تعالى فلا يجوز إسقاطها ولا يصح تعديله لأن الواقع يكذبه.
والشاهد الذي يكون مجهول الحال بأن لم يظهر عليه ما يدل على الخير ولا ما يدل على الشر فلا بد من تزكيته كذلك ولو في سفر ولا تقبل شهادته بدونها.
وحيث توقف قبول شهادة المذكورين في الفروع الثلاثة على التزكية فإن شهادتهم لا تلغى قبلها بحيث لا توجب شيئًا بل توجب شبهة في كون المدعى فيه للمدعي وإلى هذا أشار بقوله وشبهة توجب فيما ادعيا فإذا شهد اثنان بحق وكانا ممن لا يحكم بشهادتهما إلا بعد التزكية عقل ذلك الشيء المدعى فيه كما يأتي إلى أن تثبت التزكية فيحكم بها أو يعجز عنها فتضمحل الشبهة باضمحلال الشهادة فترفع العقلة.
وقوله شبهة بالنصب مفعول توجب وفاعله ضمير يعود على الشهادة وألف زكيا وادعيا للإطلاق قوله
(ومطلقا معروف عين عدلا... والعكس حاضرا وإن غاب فلا)
يعني أن الشاهد الذي أريد تعديله أما أن يكون معروفًا عند القاضي أو من يقوم مقامه في تحرير الشهادة أو غير معروف عنده فإن كان معروف العين في البلد بحيث لا يشتبه في اسمه وصفته بغيره فإنه يعدل سواء كان حاضرًا مجلس القاضي أو غائبًا عنه وإن كان غير معروف العين عند القاضي أو من يتنزل منزلته في نقل الشهادة وهو المراد بالعكس فلا يعدل إلا حاضرا على عينه وإن غاب عن مجلس القاضي فلا يجوز ذلك لأنه لا يعرفه والحكم على الشيء فرع تصوره (ففي القرافي) أن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ولا يضركما أن لا أعرفكما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما
تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بها الأرحام قال لا قال ابن أخي ما تعرفهما ائتيان بمن يعرفكما انتهى وفي هذا دليل على أن الناس محمولون على الجرحة وإلا لقبلهما بدون تزكية ثم أشار الناظم إلى القدر الذي يجزئي من شهود التعديل والجرح فقال
(وشاهد تعديله باثنين... كذاك تجريح مبرزين)
(والفحص من تلقاء قاض قنعا... فيه بواحد في الأمرين معا)
يعني أن التعديل أو التجريح لا يكون إلا بشهادة رجلين عدلين مبرزين لا بامرأتين ولو لنساء ولا برجل وامرأتين ولا بواحد ويكونان معتمدين في شهادتهما بالتعديل على طول عشرة بالمجاورة والمخالطة ووقع التساهل اليوم في قبول التعديل والتجريح من مطلق معدل أو مجرح حرصًا على ما يأخذه الناقل الموثق من الأجر وما كان ينبغي لقضاة العدل ذلك بل الواجب عليهم تحرير الشهادة بأنفسهم فرحم الله الشيخ إبراهيم بوعلاق التوزري الزبيدي في قوله
باشر بنفسك أمر الملك سيدنا... فإن توكيل بعض الناس تهميل
ومحل كون التعديل والتجريح لا يكون إلا بمبرزين فيما إذا كان ذلك علانية أما إذا كان البحث عن الشاهدين من جهة القاضي سرا لموجب فإنه يقنع فيه بعدل واحد فيهما لأنه من باب الخير (وكيفية) البحث هو أن يسأل القاضي عن حالة الشاهد من يظن أنه خبير بحاله من جيرانه وأهل خلطته ومكانه وقيل لا يكتفي في الباطن بأقل من عدلين وبه العمل (قال) الشيخ ابن رحال والذي اعتمده الناس اليوم التعديل والتجريح في الظاهر وأهملوا ذلك في السر.
وقال في الاستذكار وأول من سأل سرا ابن شبرمة قال كان الرجل إذا قيل له هات من يزكيك فيأتي القوم فيستحيون منه فيزكونه فلما رأيت ذلك سألت في السر فإذا صحت شهادته قلت هات من يزكيك في العلانية قاله في التوضيح إذا تقرر لك هذا ظهر لك جليًا أن الجمع
بينهما أحوط.
وقوله وشاهد مبتدأ وجملة تعديله باثنين خبر ووصف اثنين محذوف أي مبرزين وكذا كخبر مقدم وتجريح بالتنوين مبتدأ مؤخر ومبرزين يجوز فيه كسر الراء وفتحها صفة لموصوف محذوف أي باثنين مبرزين فهو من باب الاحتباك بحذف كل ما أثبت نظيره في الآخر لا أنه صفة لاثنين المذكور لأنه يؤدي إلى الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو لا يجوز عند النحويين لأنهما كالشيء الواحد وقنع بضم أوله وكسر ثانيه مبني للنائب وفيه متعلق به وبواحد نائب فاعل وفي الأمرين متعلق بقنع أيضا ومعا حال من الأمرين فلو قال الناظم رحمه الله تعالى
وشاهد معدلاه اثنان... أن برزا كذا المجرحان
والفحص من تلقاء قاض لا يقل... عن شاهدين وبه جرى العمل
لكان أولى قوله
(ومن يزكي فليقل عدل رضى... وبعضهم يجيزان يبعضا)
يعني أن التزكية لا تكون إلا بهذين اللفظين معا وهو أن يقول المزكي بكسر الكاف في المزكى بفتحها هو عدل رضى وهذا هو التعديل التام على القول المشهور المعمول به لقول الله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فالعدالة تشعر بسلامة الدين والرضى يشعر بالسلامة من البله.
فلهذا كان الجمع بينهما واجبًا.
ونقل عن بعضهم جواز الاكتفاء بأحد اللفظين.
وفهم من قوله فليقل عدل رضى أنه لو قال ممن تقبل شهادتهم أو يقضي بشهادته أو نعم الرجل أو رجل دين أو خير لا يكون تزكية.
وقد رأيت بعض الموثقين يكتفي بقول المزكي هو رجل مليح خير ويكتب في الرسم بدله عدل رضى حرصًا على أخذ المال القليل العاجل ولا ينظر عقاب الله بوعيده الأجل لأنه من الزور المحض الذي لا يفعله إلا أهل الأهواء والجنون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون تنبيهان (الأول) لا يجب على شاهد التعديل ذكر أسباب العدالة لأنها ظاهرة لا تخفى على أحد ولذلك لم يختلف الناس في الأوصاف الموجبة للعدالة بخلاف الجرح فإنه لا يقبل مجملًا إلا من
عالم بأن يقول هو مجرح بفتح الراء أو مردود الشهادة بل حتى يقول رأيته يفعل كذا أو يترك كذا من أسباب التجريح لئلا يعتقد أن الأمر الذي رآه يفعله يكون جرحة مثلًا مع أنه عند الشرع ليس بجرحة كما إذا رآه يبول قائمًا إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يكون بها التجريح (الثاني) لا تجوز الزيادة على القدر الذي تحصل به الجرحة فلا يقال فيمن هو معروف بالكذب كذاب بصيغة المبالغة بل يقتصر على أصل الفعل فيقول هو كاذب إذ التجريح حصل به والقدر الزائد لا فائدة فيه كما إذا قال هو شارب خمر ويعامل بالربى مثلًا فيكون الزائد عليه غيبة ترد بها شهادته لأنه صار ذا جرحة بالغيبة لكن هذا أن كان عالمًا بأن التجريح يكفي بأصل الفعل أو ببعض ذلك والأصح تجريحه على الأصوب لأنه لم يقصد الغيبة وإنما قصد التجريح فقط قاله ابن راشد في الفائق قوله (وثابت الجرح مقدم على... ثابت تعديل إذا ما اعتدلا) يعني أن الشاهد إذا عدله قوم وجرحه آخرون واستوى الفريقان في العدالة فإن من أثبت الجرح مقدم على من أثبت العدالة أما أن كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى فهي التي تقدم كذا قيل وهو ظاهر كلام الناظم والقول المشهور الراجح خلافه وهو أن بينة الجرح تقدم على بينة التعديل مطلقًا لأنها اطلعت على ما لم تطلع عليه بينة التعديل وبما قررنا به كلام الناظم بناء على أن ما بعد إذا زائدة فيكون منطوقه صورة ومفهومه صورتان كما علمت أما إذا جعلت ما نافية بمعنى لم لا زائدة لأن مجيئها نافية بعد إذا وارد كما في المغنى فيكون التقدير وثابت الجرح مقدم على ثابت تعديل إذا لم يعتدلا فمفهومه إذا اعتدلا فكذلك فمنطوقه صورتان ومفهومه صورة واحدة عكس ما قررنا به أولًا وعلى هذا التقدير فبينة الجرح تقدم على بينة التعديل مطلقًا في الصور الثلاثة فيكون الناظم جاريًا على القول المشهور والراجح وعلى هذا لو قال وثابت الجرح مقدم على... ثابت تعديل يكون مسجلا لكان أحسن وقوله
(وطالب التجديد للتعديل مع... مضي مدة فالأولى يتبع) يعني أن من شهد عند القاضي ولم يعرف عدالته ولا جرحته وقبل شهادته بالتعديل ثم شهد ذلك الشاهد عنده في قضية أخرى وطلب المشهود عليه ثانيًا تجديد تعديله فهل لابد من إعادته حتى يتحقق أمره طال الزمن بين الشهادتين أو لم يطل كما إذا وقعت الثاني قبل مضي سنة أولا تلزم إعادة التعديل ويقبل القاضي شهادته بمقتضى تعديله الأول حيث لم يطل الزمن بمضي سنة وإلا لزم تجديد تعديله قولان وبالأول العمل وإليه أشار بقوله فالأولى يتبع وإنما حملوه على الأول دون الثاني حيث كان يحتملها بقرينة تنوين مدة فإنه للتقليل وفيه خفاء فلو قال وطالب تجديد تعديل مضى... يقضى له في كل حين بالقضا لكان نصًا في طريقة سحنون التي بها العمل قوله (ولأخيه يشهد المبرز... إلا بما التهمة فيه تبرز) يعني أن العدل المبرز يجوز له أن يشهد لأخيه في كل شيء وتقبل شهادته إذا لم يكن في عياله ولم يتهم أما إذا كان في عياله أو لم يكن واتهم في شهادته بأن يظن به الحمية والغضب أو دفع معرة كان يجرح من جرح أخاه أو جلب مصلحة كان يشهد له بمال كثير يكون به غنيًا أو يشهد له بنكاح امرأة يتشرف بنكاحها فإن شهادته لا تقبل أما غير المبرز فإن شهادته لا تقبل لأخيه مطلقًا وأما شهادته عليه فجائزة لأن كل من لا تجوز الشهادة عليه تجوز الشهادة له فإذا شهد له وعليه بطلت في الجميع للقاعدة وهي أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة ردت كلها على المشهور لأن الشهادة لا تتجزى (فقوله) ولأخيه يشهد المبرز إلخ ظاهره سواء كان في عياله أو لم يكن وليس كذلك كما قررنا به كلامه وهاته المسئلة من المسائل التي يشترط في شهودها التبريز وقد نظمتها فقلت واشترطوا التبريز في الإحباس... ونحوها يجري عرف الناس
كذلك في الأجير والصناع... وشاهد الخطوط والإيداع
والابن للأم على الأب نقل... وعكسه كذا الشريك المستقل
ومنفق عليه والملاطف... معدل مجرح يا واصف
وشاهد لزوج بنت ولده... مولى لأعلى يا خليل فأدره
وصاحب النقصان والزيد بها... وذاكر من بعد شك انتهى
وقوله إلا بما التهمة فيه تبرز البيت وفي آثار المدونة الكبرى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب لم يكن سلف المسلمين الصالحين على رد شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا الأخ لأخيه ولا الرجل لامرأته ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت بينهم أمور حملت الولات على اتهامهم فتكرت شهادة من يتهم إذا كان من قرابة المشهود له وكان ذلك من الولد والوالد والزوج والزوجة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.
وقال ابن وهب عن محمد بن أيوب عن محمد بن سعيد مثله (قال) صاحب المباني اليقينية ثم اتسعت التهم الآن فأفتى شيوخنا بسقوط شهادة الخال والأصهار شيخنا البرزلي وغيره وبه العمل وقد قال عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (ولما) كانت التهمة القوية من موانع الشهادة ولها جزئيات وذكر الناظم منها شهادة الأخ لأخيه وما فيها من التفصيل شرع في الكلام على غيرها مما فيه أكيد القرابة أو العداوة الواضحة فقال
(والأب لابنه وعكسه منع... وفي ابن زوجة وعكس ذا اتبع)
(ووالدي زوجة أو زوجة أب... وحيثما التهمة حالها غلب)
(كحالة العدو والظنين... والخصم والوصي والمدين)
يعني أنه لا يجوز للأب أن يشهد لابنه ولا الابن لأبيه ولا الرجل لابن زوجته ولا الرجل لزوج أمه ولا الرجل لوالدي زوجته أو لزوجة أيه وكذا لا تجوز شهادة البنت لأبيها ولا هو لها ولا الأم لولدها ذكرًا كان أو أنثى ولا هو لها ولا بنت الزوجة
لزوج أمها ولا هو لها ولا المراة لزوجة أبيها ولا هي له ولا لزوج البنت بالنسبة لوالديها فلا يشهدان له ولا الزوج لزوجته ولا هي له ولا المرأة لوالدي زوجها ولا هما لها إلى غير ذلك من الأصول وإن علت والفروع وإن نزلت والأصهار والأخوال (والحاصل) أن الشهادة مهمى غلب عليها حال التهمة وقويت الظنة فإنها لا تجوز وترد كالعدو يشهد على عدوه في أمر دنيوي من مال أو جاه أو خصام في أمر جسيم يكون في مثله الشحناء ويوغر الصدور أما ما كان كثمن الثوب ونحوه فإنه لا يضر قال ابن القاسم لا تجوز شهادة الرجل على ابن عدوه ولو كان ابن شريح اهـ وكذا لا تجوز شهادة الظنين وهو المتهم لمن يشهد له كالوصي لمن يلي عليه ولا رب الدين لغريمه المعسر لأنه يجريها لنفسه نفعًا حيث كانت في مال ولا هو له لأنه يتهم أن ذلك لأن يؤخره ويلحق بذلك تزكية كل واحد لمن شهد لمن يتهم له أو تزكية من شهد على من يتهم عليه ولا غير المنتصبين للشهادة مع وجود المنتصبين لها في الأمور المهمة التي يقصد بها أعيان الشهود في العادة كالبيع والابتياع والنكاح والطلاق والشفعة وإسقاطها والقبض والأبراء والوكالة والضمان والحبس والصدقة والهبة والوصية والإجارة والمغارسة ونحوها إذا كان ذلك بالقصد والاستدعاء أما إذا سمعوا شيئًا من ذلك في موطن بدون قصد ولا استدعاء فإنها شهادة جائزة عاملة (وفي لب اللباب) أن المانع للشهادة قسمان قسم يمنع من القبول مطلقًا وقسم يمنع على جهة فالأول كل وصف مناف للعدالة والمروءة أولهما كالفسق وسماع القيان والثاني ما يمنع على جهة ونعني بذلك أن يمنع من القبول مع بقاء العدالة وهو نوعان الأول التغفل والثاني الاتهام وله ستة أبواب (الأول) أن يجر لنفسه منفعة كان يشهد رب الدين لمديانة المعسر بمال على خلاف فيه كما في التوضيح أو يشهد على مورثه الغني المحصن بالزنى أو بالقتل عمدًا أو يدفع عنها مضرة كشهادة العاقلة بفسق شهود القتل خطأ (الثاني) تأكيد الشفقة بالنسب والسبب كالأبوة والبنوة والإصهار والأخوال كذلك (الثالث) العداوة في أمر دنيوي من مال أو جاه أو منصب لا ديني (الرابع) الحرص
على زوال العار وله صورتان الأولى أن تركت شهادته بفسق ثم يصير عدلا فيشهد بها فإنها ترد لتهمته على دفع عار الكذب الثانية التاسي كشهادة المقذوف في القذف (الخامس) الحرص على الشهادة في التحمل والآداء والقبول أما التحمل فالمختفي على أحد قولين والمشهور أن ذلك لا يضر وأما الحرص على الأداء فمثل أن يبدأ بالشهادة قبل أن يطلبه صاحبها بها إلا إذا كانت مما يستدام فيه التجريم فإنه يجب عليه الرفع كالطلاق والعتق والعفو عن القصاص وأما الحرص على القبول فمثل أن يشهد شهادة ويحلف على صحتها (السادس) الاستبعاد والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لا تقبل شهادة البدوي على القوري.
وحمله مالك على الأموال والحقول دون الدماء والجراح وما في معناه وحيث يطلب الخلوات والبعد من العدول انتهى.
وفي ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل ولا أن استبعد كبدوي لحضري بخلاف أن سمعه أو مر به بعد كلام طويل ما نصه شهادة البدوي بين الحضريين جائزة في نحو القذف والجراح والقتل مما لا يقصد فيه الإشهاد وتجوز في المال والنكاح وغيرهما إذا لم يستشهد وقال مررت بهما أو كنت في موضع فسمعته أقر له بكذا أو باع منه سلعة أو جرت منازعة في النكاح فاعترف أحدهما بالعقد ولا يجوز فيما يقصد فيه الاستعداد من نحو الوثائق والصدقات لأنه ريبة أن يترك أخذ خطوط أهل الموضع والاستعداد بشهادتهم إلا أن يعلم أنه مخالط لهم أو يكون جميعهم في سفر وكذا شهادته بين حضري وبدوي لا تجوز إلا كما تقدم بين الحضريين إلا أن يكون البدوي بقرية الشاهد فيشهد بمداينة كانت في قربته أو في الحاضرة إذا كان معروفًا بالعدالة أو ممن يعول في المدينة على مثله قاله اللخمي.
وفي البيان قال ابن وهب رأى قوم أن شهادة الحضري على البدوي لا تجوز وأن أرى جوازها إلا أن يدخلها من الظنة ما دخل شهادة البدوي على الحضري فلا تجوز انتهى (تتمة) كل من لا تجوز الشهادة له تجوز الشهادة عليه أن لم تكن تهمة كما مر ولا تكون شهادة الابن على الأبوين مانعة من برهما بل من برهما أن يشهد عليهما بالحق ويخلصهما من الباطل وهو من قوله تعالى {قوا
أنفسكم وأهليكم نارًا} في بعض معانيه وكل من لا تجوز الشهادة عليه تجوز الشهادة له (لطيفة) فإن قلت عدل لا تجوز شهادته على أحد من الناس كافة وليس فيه مانع من قرابة أو عداوة ولا جرحة في دينه قلت هو العدل المولى عليه قاله ابن القاسم وبه العمل وقال أشهب تجوز شهادته إذا كان عدلًا انتهى من ألغاز ابن فرحون وقد تقدم هذا في شروط الشاهد وقوله
(وساغ أن يشهد الابن في محل... مع أبيه وبه جرى العمل)
يعني أنه يجوز للابن أن ينتصب للشهادة مع أبيه ويشهدان على أمر واحد كأنهما أجنبيان على القول الذي جرى به العمل وعليه أهل تونس الآن.
وفي اختصار المتيطية وإذا شهد والد وولده وهما عدلان فشهادتهما شهادة واحدة وبه جرى العمل وقيل هما بمنزلة شاهدين.
وفي المختصر وشهادة ابن مع أب واحدة (قلت) والأحوط في هذا الزمان العمل بما في المتيطي وقد قواه ونص على العمل به واقتصر عليه الشيخ خليل لقوة التهمة وقلة العدالة وهو أمر ظاهر لا خفاء فيه وما توفيقي إلا بالله (ثم) أن الناظم رحمه الله تعالى استشعر سؤال سائل قال له هل الشروط والموانع المذكورة في جانب الشاهد تعتبر زمن تحمل الشهادة وسماعها أو تعتبر زمن أدائها فأجاب عن ذلك (بقوله)
(وزمن الأداء لا التحمل... صح اعتباره لمقتض جلي)
تقدمت الإشارة إلى هذا البيت أول الباب.
وقوله لمقتض جلي أي ظاهر وبيان ذلك أن الشهادة إنما تظهر فائدتها ويعمل بمقتضاها بالأداء فإن لم تؤد في كالعدم فمن تحمل شهادة ولو عقد نكاح كما مر وهو كافر أو فاسق أو عبد أو صبي أو زوج أو وصي وأداها وهو مسلم أو عدل أو حر أو بالغ أو مفارق للزوجية أو متأخر عن الإيصاء إلى غير ذلك فإن شهادته جائزة مقبولة شرعًا ما لم يشهد واحد منهم قبل زوال المانع فردت شهادته لذلك أما إذا شهد قبل زواله فردت شهادته له فإن شهادته بعد زواله في تلك النازلة ترد ولا تقبل للتهمة كما تقدم في الحرص على القبول
فصل في مسائل من الشهادات
ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل خمس مسائل وهي الإقرار بدون إشهاد هل يجوز لمن سمعه أن يشهد به أولًا وإعادة كتب الشهادة أو أداؤها مرة ثانية والشهادة على الخط والنقص في الشهادة والزيادة فيها والرجوع عنها (مقدمة) أعلم أن الحق الذي يشهد به الشاهد أما أن يكون حصل له العلم به بسبب اختياري أولًا فالأول يسمى تحملًا في العرف وهو ما يكون بالإشهاد قصدًا والثاني وهو ما كان حصوله بسبب غير اختياري كمن قرع سمعه صوت مطلق أو رأى إنسانًا قتل آخر فإنه لا يسمي تحملًا في الاصطلاح (إذا) تقرر هذا علمت وجه تقسيم علماء هذا الفن الشهادة إلى أصلية وإلى استرعائية فالأصلية هي التي يمليها المشهد على الشهود المنتصبين للشهادة قصدا كعقود المقالات والوكالات والأشرية والأحباس والأنكحة لأنها وقعت بسبب اختياري وهو الإشهاد من المشهود عليه.
والاسترعائية هي التي يعلمها الشاهد لا بسبب اختياري بل بسبب اضطراري كما مثلنا ويسردها الشاهد من حفظه إذا سئل عنها بخلاف الأولى وسواء كان موثقًا أولًا فالموثق يكتبها بخطه وغيره تنقل عن كشهادة الوفيات والرشد والفقر والزنى والغيبة وضرر الزوجين والتعديل والتجريح ونحو ذلك وكذلك ما يسمعه الشاهد من الإقرار أو إنشاء عقد ضمان أو بيع ونحوهما بدون قصد ولا استدعاء من المقر أو المنشيء.
ويسئل عنها عند الحاجة إليها وإلى هذا الفرع الأخير وهو المسئلة الأولى في الترجمة أشار الناظم بقوله
(ويشهد الشاهد بالإقرار... من غير إشهاد على المختار)
(بشرط أن يستوعب الكلاما... من المقر البدأ والتماما)
يعني أنه يجوز للشاهد أن يشهد بإقرار من سمعه يقر على نفسه بما يلزمه سواء كان
مالا أو آيلا إليه أو غيرهما مما يوجب حقًا للغير وإن كان المقر لم يشهده بذلك لكن بشرط أن يستوعب الشاهد كلام المقر من أوله إلى آخره لأنه قد يكون قبله أو بعده كلام يبطله قال صاحب المفيد وبه العمل وإليه أشار الناظم بقوله وذا المختار وقال اليزناسني في الإقرار وهو أقوى من البينة على المقر لقوله صلى الله عليه وسلم أحق ما يؤاخذ به المرء إقراره على نفسه.
ومقابل القول المختار أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا أن يقول له المقر اشهد علي بما قلته ومن ذلك مسئلة الشاهد المختفي التي يمثل بها الحرص على التحمل كما مر قريبًا في الموانع وصورتها إنسان له حق على آخر لا يقر له بحقه إلا خاليًا عن الناس فيعد صاحب الحق إلى من يشهد عليه ويجعله في موضع لا يرى فيه ثم يستدعي من عليه الحق إلى ذلك الموضع ويتكلم معه في ذلك فإن أقر بالحق واستوعب الشاهد جميع ما وقع بينهما في النازلة فيجوز له أن يشهد عليه على المشهور المعمول به بشرط أن يكون المشهود عليه غير مخدوع ولا ضعيف أبله ولا خائف وإلا فلا تجوز الشهادة عليه فإن ادعى بعد الشهادة عليه أنه ما أقر إلا لكونه خائفًا أو مخدوعًا فعليه اليمين فإن نكل ثبت إقراره وإن أنكر الإقرار رأسا ثبت عليه الحق بعد الإعذار إليه فيمن شهد عليه وإنما جاز هذا محافظة على ضياع الحق إذ تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
ومثل الإقرار الذي ذكره الناظم لإنشاء فمن كتب بخط يده من حبس أو صدقة أو ضمان أو قاله بلسانه فإنه يلزمه ولو بدون إشهاد كما يأتي عند قوله وكاتب بخطه ما شاءه إلخ قال مالك رضي الله تعالى عنه وإن سمع رجل رجلا يطلق زوجته أو يقذف رجلا فليشهد بذلك وإن لم يشهده وعليه أن يخبر بذلك من له الشهادة ويشهد في الحدود بما سمع أن كان معه غيره قال شارحه وإنما يلزمه أن كان معه غيره وإلا فلا يلزمه ذلك خوف أن يقول المقذوف كذبت وإنما عرضت أنت بقذفي فيجده إذا تقرر هذا ظهر لك جليًا بطلان قول التسولي أن ما كتبه الشخص من حبس أو صدقة أو ضمان أو قاله بلسانه لا يلزم إلا بالإشهاد بل الحق أنه ما قاله الصحيح في حال صحته أو
كتبه بخط يده يؤاخذ به بمجرد الإقرار به نطقًا أو كتابة ولو لم يشهد عليه على أن ذلك لو كان لا يصح إلا بالإشهاد كما قال لصح فيها الرجوع قبله ولم يجبر المعطي على الإقباض قبل الإشهاد وكلا الأمرين باطل وقد صرح الخطاب في كتاب الالتزام بهذا ونصه قال في كتاب المديان من المدونة ومن ضمن لرجل ماله على ميت ثم بدا له فقد لزمه ذلك لأن المعروف كله إذا أشهد به على نفسه لزم انتهى قلت وذكر الإشهاد هن ليس شرطا في اللزوم وإنما خرج مخرج الغالب كما يظهر ذلك مما قبله ومما سيأتي والله أعلم انتهى (الثانية) قوله
(وما به قد وقعت شهادة... وطلب العود فلا إعادة)
اشتمل هذا البيت على مسئلتين إحداهما طلب صاحب الحق من الشاهد أداء الشهادة عند القاضي والغريم حاضر معه يدعي الآداء والثانية طلب صاحب الحق من الشاهد بما في علمه أما بكتب رسم آخر أو بالآداء عند القاضي ولم يعلم ما عند الغريم لكونه لم يأت مع صاحب الحق وإنما جاء وحده (أما) الأولى فأشار بها إلى قول المتيطي قال أبو عمر في كافيه وإذا كتب الشاهد شهادته في ذكر الحق وطولب بها وزعم المشهود عليه أنه قد ودى وذلك الحق لم يشهد الشاهد حتى يؤتى بالكتاب الذي فيه شهادته بخطه لأن الذي عليه أكثر الناس أخذ الوثائق إذ أدوا الديون انتهى وقد نظمها الزقاق فقال
وإن غاب رسم لا تؤدي أن ادعى... غريم أداء لكن أن حضر انجلا
أي أن حضر الرسم ظهر الحق (فرع) قال المتيطي واختلف إذا أحضر المديان الوثيقة وقال إنها لم تصل إليه إلا بدفع ما فيها وقال رب الدين سقطت مني فقيل يشهد له لا مكان ما ذكره وقيل لم يشهد لأن رب الدين لم يأتي بما يشبه في الأغلب لأن الأغلب دفع الوثيقة إلى من هي عليه إذا أدى الدين وأما الحاكم فيجتهد في ذلك أن شهد عنده اهـ نقله الشيخ ميارة.
وأما الثانية فأشار بها إلى قول ابن حبيب سمعت
ابن الماجشون يقول من كتب على رجل كتابا بحق له واشهد عليه شهودا ثم ادعى أن كتاب الحق قد ضاع وسأل الشهود أن يشهدوا له بما حفظوا من ذلك فلا يشهدوا على حرف منه وإن كانوا بجميع ما فيه حافظين لأنه يخاف أن يكون قد اقتضى حقه ودفعه المديان فمحاه وقد اكتفى اليوم كثير من الناس بمحو كتب الحق دون البراءة منها والإشهاد عليها فإن جهلوا وقاموا بشهادتهم لم يسع الحاكم إلا قبولها ويقول للمشهود عليه أقم بينة براءتك وما تدفع به الشهادة.
وقال مطرف لهم أن يشهدوا وإنما الكتاب تذكرة وقاله مالك وقاله أصبغ وقال ابن حبيب وهذا أحب إلي إذا كان المدعي مأمونًا وإن كان غير مأمون فقول ابن حبيب أحب إلي انتهى ميارة وإلى هاته المسألة أشار الزقاق بقوله
ومن يبتغي تكرير كتبك رسمه... لزعم ضياع أو أداء فأهملا
وإلا وقد وديت تمضي (مطرف)... إذا كان مأمونًا فكرر ولا فلا
أي تكرير الكتب أو الأداء فأداء معطوف على تكرير لا على ضياع لفساد المعنى وقوله ويقول للمشهود له أقم بينة براءتك إلخ فإن عجز عن بينة البراءة قضي عليه بعد يمين صاحب الحق وله أن يقلبها على الغريم فإن حلف بريء وإلا قضى ما ثبت عليه من الحق الذي تضمنه الرسم قلت والذي عليه عمل تونس الآن أن الشاهد لا يخرج أي كتب كان مرة ثانية مما يتكرر به الحق إلا بإذن من الحاكم في إخراج بطاقة من دفتره لموجب وإلا عوقب أو عوتب بحسب النازلة وحال الشاهد وهو تحجير حسن وتقدير البيت والحق الذي وقعت به الشهادة إذا طلب صاحبه من الشاهد إعادة شهادته فلا تجوز له إعادتها (الثالثة) الشهادة على الخط وهي في ثلاثة مواضع أحدها الشهادة على خط نفسه المتضمن للشهادة على غيره ثانيها الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب ثالثها الشهادة على خط المقر الميت أو الحي المنكر لخطه أشار إلى الأول منها بقوله
(وشاهد برز خطه عرف... نسي ما ضمنه فيما سلف)
(لا بد من أدائه لذلك... إلا مع استرابة هنالك)
(والحكم في القاضي كمثل الشاهد... وقيل بالفرق لمعنى زائد)
يعني أن الشاهد المبرز إذا عرض عليه خطة في وثيقة حق وعرفه ونسي ما تضمنته الوثيقة فإنه يعتمد على معرفة خطه ويكون كالذاكر لها حيث كان على يقين بأنه خطة ويشهد بها عند القاضي فإن لم يكن على يقين بأنه خطه وحصلت له الريبة فيه والشك فإنه لا يشهد حينئذ ولا يجوز له ذلك وعلى أنه يشهد إذا تيقن أن الخط خطة هل ينفع أو لا قولان ظاهرهما الأول بدليل قوله إلا مع استرابة هنالك وهو قول مطرف قال ابن العربي رحمه الله تعالى قول الله عز وجل ﴿أقوم﴾ للشهادة دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب فلم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من الريبة فيها ولا يؤدي إلا ما يعلم لكنه يقول هذا خطي ولا أذكر الآن ما كتبت فيه وقد اختلف فيه علماؤنا على ثلاثة أقوال (الأول) قال في المدونة يؤديها ولا ينفع وذلك في الدين والطلاق (الثاني) قال في كتاب محمد لا يؤديها (الثالث) قال مطرف يؤديها وينفع إذ لميشك في الكتاب وهو الذي عليه الناس وهو اختيار ابن الماجشون والمغيرة وقد قررناه في كتب المسائل وبينا تعلق من قال أنه لا يجوز لأن خطة فرع من علمه فإذا ذهب علمه ذهب نفع خطه وجبنا بأن خطة بدل الذكرى فإن حصلت وإلا قام مقامها انتهى وقول الناظم والحكم في القاضي كمثل الشاهد إلخ يعني أن القاضي إذا سئل عن حكم في نازلة فلم يذكرها ووجدها مرسومة بدفتره بخطه ونسي صدور الحكم منه في تلك النازلة فإنه يعتمد على معرفة خطه وينفذ ذلك الحكم ويمضه وقيل لا يحكم به ويلغيه وليس هو كالشاهد الذي عرف خطه ونسي النازلة لوجود الفرق بينهما وهو عذر الشاهد الذي عرف خطه ونسي النازلة لوجود الفرق بينهما وهو عذر الشاهد بأنه لا يطالب بأكثر من كتب الرسم وقد كتبه فذلكمقدوره بخلاف القاضي فإنه قادر على أن يشهد على حكمه عدلين فقد ترك مقدوره والراجح الأول.
وقوله برز بفتح أوله وثانيه مشددًا.
وشار إلى الثاني بقوله
(وخط عدل مات أو غاب اكتفى... فيه بعدلين وفي المال اقتفى)
(والحبس أن يقدم وقيل يعتمل... في كل شيء وبه الآن العمل)
(كذاك في الغيبة مطلقًا وفي... مسافة القصر أجيز فأعرف)
يعني أنه اختلف في الشهادة على خط الميت أو الغائب المعروفة عندنا بالرفع هل يعتمل بها في المال والحبس القديم فقط أو يعمل بهما في كل شيء تدعو الحاجة إليه وبه جرى العمل قولان وحيث كانت الشهادة على الخط جائزة في مشهور المذهب المعمول به فلا تقبل إلا من عدلين مبرزين فأكثر عارفين بالخطوط والعقود ممارسين لها ولا يشترط أن يكون الشاهد قد أدرك صاحب الخط وإنما يشترط مع ذلك حضور الخط لأنه عين قائمة لتقع الشهادة على عينه إذ لا تصح الشهادة عليه في غيبته ولهذا لو نظر شاهدان وثيقة وحفظا ما فيها وعرفا خطها وعدالة صاحب الخط وضاعت تلك الوثيقة وشهدا بذلك فإن شهادتهما لا تقبل على الصحيح وبه العمل أما إذا ضمناها في رسم وينص الشاهد على ذلم بقوله وبالوقوف على رسم الإيصاء أو التوكيل أو التقديم أو الشراء ونحوها من الرسوم التي يحتاج إلى تضمينها المقتضى لكذا المؤرخ بكذا بشهادة شهيديه أو فلان وفلان العدلين ببلد كذا فإنها تقبل على ما عليه عمل تونس منذ أزمان وليس العمل على ما اختاره الشيخان ابن عبد السلام وابن عرفة من عدم الاكتفاء بذلك كما في سابع لأجوبة العظومية (وقوله) كذاك في الغيبة التشبيه في ثبوت خط الشاهد الغائب بعدلين وكرره لبيان قدر الغيبة التي هي مسافة القصر.
وقوله مطلقًا أي في المال والحبس القديم وغيرهما (وصفة) العمل في التعريف بالخط أن تكتب الحمد لله يقول من يشهدبعد ويضع عقده واسمه عقب التاريخ أني نظرت إلى شهادة فلان الواقعة بتاريخ كذا بالرسم أعلاه أو يمناه أو محولة وأمعنت النظر فيها وفي إشكال حروفها فتحققت أنها شهادته المعهودة عنه مقيدة بخط يده والعقد المتصل بها عقده والعاطف عليه فيه فلان ويعلم أنهما كانا حين وضعهما
لما فيه من أهل العدالة وقبول الشهادة ولم ينتقلا في علمي عن ذلك إلى الآن وهما غائبانلآن بموضع كذا أو إلى أن ماتا وقيل إلى الآن مطلقًا في الحياة وبعد الممات فمن علم ذلك وتحققه شهد به هنا عن إذن من يجب أعزه الله قاضي كذا بتاريخ كذا وأشار إلى الثالث بقوله
(وكاتب بخطه ما شاءه... ومات بعد أو أبى إمضاءه)
يثبت خطه ويمضي ما اقتضى... دون يمين وبذا اليوم قضا)
يعني أن من استظهر بحجة على أحد كتبها بخطه يتضمن شيئًا من الحقوق يلزمه الإقرار به لمن هو بيده ثم مات وانكر ذلك وارثه أو لم يمت وأنكر هو أن الخط المستظهر به عليه خطه فعلى صاحب الحق أن يثبت الخط بشاهدين على نحو ما تقدم وهو أن الخط خط هذا المنكر أو الميت ويلزمه أو يلزم ورثة الميت الحق الذي تضمنته الحجة فيأخذه القائم بلا يمين تعضد شهادة الشهود وبه القضاء أما يمين القضاء في حق الميت أو الغائب فهي واجبة يحلف يمينًا واحدة إذا كان التعريف بشاهدين فإن كان بشاهد واحد حلف يمينًا واحدة في حق الحي الحاضر تتميمًا للنصاب ويمينين في حق الميت أو الغائب إحداهما تتميم للنصاب والأخرى يمين القضاء قائلًا بالله الذي لا إله إلا هو ما قبض ولا وهب ولا أبرأ ولا وصل إليه حقه بوجه من الوجوه.
وهل إذا لم يجد صاحب الحق من يشهد على خط المنكر يجبر المنكر عن الكتابة بمحضر عدلين عارفين ويكرر الكتابة ثم يقابل ما كتبه مما استظهر به خصمه عليه وهو الأظهر وبه العمل أو لا يجبر خلاف وقوله يثبت ويمضي بضم أولهما وفتح ما قبل آخرهما بالبناء للنائب عن الفاعل (المسألة) الرابعة قوله
(وامتنع النقصان والزيادة... إلا لمن برز في الشهادة)
يعني أن العدل إذا شهد بعشرة لزيد على عمرو مثلا عند القاضي ثم بعد الأداء وقبل الحكم رجع وقال أن الذي نشهد به خمسة أو خمسة عشر لا عشرة فشهادته أولا وثانيًا
ساقطة للتهمة أن كان غير مبرز أما أن كان مبرزًا فإن ذلك لا يكون مانعًا من قبول شهادته الثانية لعدم اتهامه بالتبريز وتكون الأولى كالعدم ادعى نسيانًا أولًا ثم أن الشهادة الثانية أما أن تطابق دعوى المدعي أولًا فإن طابقت الدعوى فالعمل بها ظاهر وإن لم تطابق بأن زادت أو نقصت عنها فإن رفضها المدعي ولم يحتج بها وتمسك بمقاله فهو على دعواه وإن لم يرفضها بأن احتج بها فقد سقطت دعواه وبينته لاضطرابه بمضادة قوله لبينته لأن القائم بحجة قائل بما فيها ولا ينفعه أنقال غلطت أو أن الشهود كتبوا علي ذلك من غير علمي ولا إملائي عليهم أو لم يعلمها كما في عظوم نقلًا عن البرزلي.
وفي المعيار دعوى الغلط في المقال لا ينفعه لأنه موضع التحرز.
وفي المواق عن أبي يونس عن أشهب فإن اختلف قول المدعي في أمر بين لم يكن له شيء.
وقال أصبغ هذا قول مالك وأصحابه قال التاودي فظهر بهذا أن الزيادة والانتقال مبطلان للدعوى فإن زاد الشاهد أو نقص قبل الأداء بأن سمع منه شيء قبل ذلك ثم أنه وقت أداء شهادته زاد أو نقص على ما سمع منه فإن ذلك لا يضر كان مبرزًا أو لا (تنبيه) تفسير المجمل وتخصيص العموم وتقييد المطلق يقبل من الشاهد مطلقًا سواء كان مبرزًا أو لا لأنه ليس من باب النقص والزيادة في الشهادة بل هو من تتمتها فلا تصح بدوته وإذا استدعى لذلك وجبت عليه الإجابة وإلا بطلت شهادته وقولي قبل الحكم فإن كان النقص بعد الحكم فلا يسقط شيئًا مما وقع الحكم به لأنه من الرجوع بعد الحكم ويغرم الشاهد النقص للمحكوم عليه على تفصيل في ذلك ذكره الناظم في (المسألة) الخامسة وهي قوله
(راجع عنها قبوله اعتبر... ما الحكم لم يمض وإن لم يعتذر)
(وإن مضى الحكم فلا واختلفا... في غربمه لما به قد أتلفا)
(وشاهد الزور اتفاقًا يغرمه... في كل حال والعقاب يلزمه)
يعني أن الشاهد إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها فإن رجوعه يقبل ويعمل به
سواء اعتذر بأن قال وقع لي شك أو نسيان مثلًا أو لم يعتذر وتصير كالعدم ولا يلزمه غرم اتفاقًا وتقبل شهادته في المستقبل أن كان مأمونًا وأتى بشبهة وإلا فلا تقبل ولا يؤدب عند أشهب وسحنون مخافة أن لا يرجع أحد وبه العمل وعند ابن القاسم يؤدب (قلت) ما قاله ابن القاسم هو المناسب لأهل هذا الزمان فقد رأينا من يشهد بالأجر ويرجع به وهذا الأمر صار معلومًا عند الناس حتى صعب الوثوق بشهادة شهود الاسترعاء من حيث هي قال أبو البقاء الشيخ يعيش الشاوي ولقد ابتلينا بمخالطة الشهود بانتصابنا للشهادة سنين كثيرة وانتصابنا لخطة القضاء فشهدنا من أحوالهم لفساد الزمان ما يوجب العمل بمذهب ابن القاسم من أن الراجع يؤدب الأدب الوجيع لما في ذلك من الزجر والردع لهم ولغيرهم ومصلحة ذلك لا تخفى على من جالسهم وقد علم من مذهب مالك رضي الله عنه مراعات المصالح العامة والله سبحانه أعلم ثم بعد كتبي هاته الأسطر رأيت نفسي كأنني في المنام ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك العلام.
وإن رجع بعد مضي الحكم ولم يتحقق كذبه فلا يعتبر رجوعه ولا ينقض الحكم لما روى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في شاهد شهد ثم رجع عن شهادته بعد أن حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام تمضي شهادته الأولى لأهلها والأخيرة باطلة وأخذ بها مالك وغيره قاله المواق.
واختلف في غرمه لما أتلف بشهادته من نفس أو مال فإن لم يثبت أنه تعمد الكذب والزور ففي غرمه المال من دية أو غيرها قولان فيغرم عند ابن القاسم وأشهب ولا يغرم عند ابن الماجشون.
وإن ثبت عليه أنه تعمد الكذب والزور فيغرم المال اتفاقًا أن كانت الشهادة في مال وإن كانت في نفس فقال ابن القاسم يغرم الدية لأنه لم يباشر القتل وهو الذي أشار إليه الناظم بقوله في كل حال والعقاب يلزمه زيادة على الغرم وقيل يقتص من الشاهد لأنه تسبب في قتله بالزور فكأنه يباشر ذلك (تنبيهات) الأول هل يشترط في رجوع الشاهد أن يكون عند القاضي أو لا يشترط ذلك ويجزي رجوعهم عند غيره من العدول المنتصبين للشهادة وبه العمل خلاف
(الثاني) قال الحطاب وفي العتبية قال ابن القاسم في شاهدين نثلا شهادة رجل ثم قدم فأنكر أن يكون أشهدهما أو عنده في ذلك علم وقد حكم بها قال مالك يفسخ وفي سماع عيسى الحكم ماض ولا غرم عليهما ولا يقبل تكذيبه لهما ابن يونس وهذا أصوب قال ولو قدم قبل الحكم وقال ذلك سقطت الشهادة ابن يونس كالرجوع عن الشهادة (الثالث) في المواق عن سحنون إذا شهد رجلان بحق والقاضي لا يعرفهما فزكاهما رجلان وقبلهما القاضي فحكم بالحق ثم رجع المزكيان وقالا زكينا غير عدلين فلا ضمان عليهما لأن الحق بغيرهما أخذ ولو رجع الشاهدان ومن زكاهما لم يغرم إلا الشاهدان لأن بهما قام الحق (الرابع) إذا رجع الشاهدان في طلاق أو عتق فإنهما يضمنان قيمة العبد وولاؤه للسيد المنكر وفي الطلاق أن دخل بالزوجة فلا شيء عليهما وإن لم يدخل ضمنا نصف الصداق للزوج قاله ابن القاسم (الخامس) أن المشهود عليه إذا ادعى أن من شهد عليه قد رجع عن شهادته وطلب إقامة البينة على ذلك فإنه يجاب إلى مطلبه ويمكن منه كما إذا التمس لمشهود عليه يمين الشاهدين أنهما لم يرجعا عن شهادتهما فإن حلفا برءًا من الغرامة وإلا حلف المدعي أنهما رجعا وأغرمهما ما أتلفا فإن نكل فلا شيء له عليهما ومحل ذلك إذا أتى المدعي بشبهة في دعوى الرجوع كان يشاع بين الناس أن فلانًا وفلانًا رجعا عن شهادتهما (السادس) الشاهدان إذا شهدا بحق على شخص ثم رجعا عن شهادتهما ثم رجعا عن رجوعهما ذلك فإنه لا يقبل منهما ويغرمان ما أتلفا بشهادتهما كالراجع المتمادي (السابع) أن رجع أحد الشاهدين غرم نصف الحق كرجل مع نساء وإن كثرن واختلف إذا ثبت الحق بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد هل يغرم الجميع وهو مذهب ابن القاسم أو يغرم النصف وهو مذهب غيره خلاف الأول مبني على أن اليمين للاستظهار والثاني مبني على أن اليمين كالشاهد والله تعالى أعلم قوله ما الحكم ما ضر فيه واختلفا بالبناء للنائب وألفه للإطلاق كألف أتلفا وهو مبني للفاعل وغرمه يجوز فيه ضم الغين وفتحهما ويغرمه بفتح الراء
فصل في أنواع الشهادات
يعني أن الشهادة باعتبار ما ينبني عليها من الأحكام تتنوع إلى أنواع فتارة توجب الحق بلا يمين وتارة توجبه بيمين وتارة توجب توقيف الشيء المتنازع فيه فقط وتارة توجب اليمين فقط على المطلوب وتارة لا توجب شيئًا أصلًا فلهذا تنوعت إلى أنواع متعددة وكانت خمسة وإليها أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله (ثم الشهادة لدى الأداء... جملتها خمس بالاستقراء) والاستقراء معناه التتبع فإن علماء هذا الفن من القضاة والموثقين تتبعوا كلام الفقهاء فلم يجدوا إلا خمسة أنواع فلو كان ثم قسم سادس لاطلعوا على شيء منه وقوله لدى الأداء عند الأداء أما قبل أدائها عند القاضي فهي كالعدم ثم شرع في تفصيلها فقال (تختص أولاها على التعيين... أن توجب الحق بلا يمين) (ففي الزنى من الذكور أربعة... وما دعى الزنى ففي اثنين سعة) (ورجل بامرأتين يعتمد... في كل ما يرجع للمال اعتمد) (وفي اثنتين حيث لا يطلع... إلا النساء كالمحيض مقنع) (وواحد يجزئ في باب الخبر... واثنان أولى عند كل ذي نظر) (وبشهادة من الصبيان في... جرح وقتل بينهم قد اكتفى) (وشرطها التمييز والذكورة... والاتفاق في وقوع الصورة) (من قبل أن يفترقوا أو يدخل... فيهم كبير خوف أن يبدل) الأبيات الثمانية يعني أن النوع الأول من أنواع الشهادات الشهادة التي توجب حقًا بدون يمين على القائم بها فلهذا كانت أوليتها متعينة واجبة من جهة الصناعة وتحت
هذا النوع ست مسائل (الأولى) قوله (ففي الزنى من الذكور أربعة) يعني أن الشهادة على الزنى عيانًا لا بد فيها من أربعة رجال عدول يشهدون بزنى واحد مجتمعين في أداء الشهادة غير متفرقين بأنه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة (قال) ابن العربي رحمه الله تعالى عند قول الله عز وجل ﴿فأشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ وهذا حكم ثابت بإجماع من الأمة قال تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية فشرط غاية الشهادة في غاية المعصية لأعظم الحقوق حرمة وتعديد الشهود بأربعة حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا قال النبي صلى الله عليه وسلم ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابني صوريا فتشهدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال فما يمنعكما أن ترجموهما قالا ذهب سلطاننا وكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاؤوا وشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المحكلة فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم برجمهما واشترطوا عدالة الشهود لأن الله عز وجل شرط العدالة في اليبوع والرجعة فهذا أعظم وهو بذلك أولى وهو من باب حمل المطلق على المقيد (تنبيهات) الأول أن قيل أليس القتل أعظم حرمة من الزنى وقد ثبت في الشرع بشاهدين فما هذا (قال) ابن العربي قال علماؤنا في ذلك حكمة بديعة وهو أن الحكمة الإلهية اقتضت الستر في الزنى بتكثير الشهود ليكون أبلغ في الستر وجعل ثبوتت القتل بشاهدين بل بلوث وقسماة صيانة للدماء (الثاني) قال ابن فرحون ظاهر المذهب جواز النظر إلى الفرج قصدا للتحمل وللحاكم أن يسأله كما يسأل الشهود في السرقة ما هي ومن أين وإلى أين (الثالث) في المتيطية لو شهد أربعة بزنى على رجل وتعلقوا به وأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه قال لا أرى أن تجوز شهادتهم وأراهم قذفة فإن كانوا أصحاب شرط موكلين بتغيير المنكر ورفعه فأخذوه وجاءوا به فشهدوا عليه جازت شهادتهم ولأنهم
فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم (الرابع) هل يسقط الحد بشهادة أربع نسوة ببكارة المشهود عليها بالزنى بأنها ارتقاء أو لا يسقط وهو الذي اقتصر عليه صاحب المختصر تقديمًا للمثبتة على النافية كذا علل بعضهم لا أن العلة في ذلك هي ضعف شهادتهن فلا تقاوم شهادة الرجال لأنه لا فرق في المسألة بين شهادة أربع نسوة بالبكارة أو أربعة رجال على التحقيق خلاف قلت ينبغي اعتماد القول بسقوط الحد إذ الشهادة بالبكارة ونحوها شبهة والحدود تدرأ بالشبهات كما في حاشية البناني والله أعلم (الخامس) لو لم يعرف القاضي أحد الشهود فاختلف هل يكتفي في تعديله باثنين أو لا بد من أربعة (السادس) الشهادة على الإقرار بالزنى ولو مرة خلافًا لمن يشترط الإقرار به أربع مرات هل يكفي شهادة رجلين عدلين على المقر أو لا بد من شهادة أربع على الإقرار به لأن الشهادة على الإقرار تؤول إلى إقامة الحد فساوت الشهادة على المعاينة لتتساوى موجبهما ووجه القول الأول أن الأصل في الشهادات على الإقرارات أن يكتفي فيها بشاهدين فإجراء الإقرار بالزنى على ذلك الأصل قولان (السابع) أن لم يتم أحد شهود الزنى الصفة بأن قال رأيت ذكره بين فخذيها فإنه يعاقب باجتهاد الإمام عند ابن القاسم وحد الثلاثة الذين أتموها حد القذف لأنهم قذفة (الثامن) ولمسألة ثبوت الزنى معاينة بأربعة شهداء نظائر منها الشهود الذين يحضرون لعان الزوجين.
ومنها شهود الإبداد في النكاح وذلك إذا أنكح الرجل ابنته البكر ولم يحضرهما شهود بل إنما عقد النكاح وتفرقا وقال كل واحد لصاحبه أشهد من لاقيت فلا تتم الشهادة إلا بأربعة شاهدان على الأرب وشاهدان على الزوج فإن أشهد كل واحد منهما الشهود الذين أشهدهم صاحبه لم تسم هذه شهادة أبداد.
ومنها شهادة الشهود الذين يحضرون عقوبة الزاني أقلهم والترشيد والتسفيه والاسترعاء هل لا بد فيها من أربعة شهداء أو يكتفي فيها بشهادة رجلين عدلين وهو المشهور وبه العمل قولان.
وهل شهود الرضاع لا بد أن
يكونوا أربعة كذلك أو يكتفي فيه بشهادة رجلين عدلين أو امرأتين وهو المشهور المعمول به كسابقة قولان (الثانية) قوله (وما عدى الزنى ففي اثنين سعة) يعني أن ما عدى الزنى مما ليس مالا ولا آيلًا إليه الآتي ذكره يكتفي فيه بشهادة عدلين ذكرين وذلك في النكاح والطلاق والرجعة والعتق والإسلام والردة والبلوغ والولاء والعدة والتعديل والترجيح والعفو عن القصاص والنسب والموت والكتابة والتدبير والشرب والقذف وما يوجب التعزير من شتم ونحوه والحرابة والإحلال والإحصان وقتل العمد وجراحة والحمالة والكفالة والولادة والهبة والصدقة والحبس على غير معين والعطية والنحلة والعرية إلى أجل والإسكان والوصية على غير معين إذا كان المدعى فيه بيد مالكه فإن كان بيد مدعي التبرع وأنكر المالك دعواه حلف استحسانًا وأخذ شيه من يدي المدعي وقيل يأخذه بلا يمين على الأصل وهو أن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها لكن لما حيز عن مالكه ضعف الأصل واستحسنت اليمين وكذلك إسقاط الحضانة على أحد قولين ورؤية هلال رمضان وغيره ونقل الشهادة والترشيد وضده وشهادة السماع فيما أجيزت فيه كل ذلك لا يثبت إلا بعدلين وتقدم نحو هذا كما في التبصرة وغيرها (الثالثة) قوله (ورجل بامرأتين يعتضد... في كل ما يرجع للمال اعتمد) يعني أنه يعتمد على شهادة رجل واحد عدل متقو بشهادة امرأتين عدلتين معه ويقضى بشهادة الجميع في كل ما يرجع للمال وهو في الظاهر ليس بمال كالوكالة على التصرف بالمال لينتفي عنه دعوى التعدي ونحوه إذا باع أو ابتاع أو آجر أو استأجر ونحو ذلك والوصية بالمال على المشهور والآجال والخيار وقتل الخطأ وجراحه وجراح العمد التي لا قصاص فيها كرض الانثيين وكسر الفخذين والشفعة وفسخ العقود ونكاح بعد موت الزوج أو الزوجة بالنسبة للإرث أن لم يكن للميت
وارث ثابت النسب وإلا فلا بد من عدلين كما تقبل شهادتهما مع العدل الواحد في المال كالبيع والقرض ونحوهما أو في المال ولكنه يؤول إلى غير المال عكس كلام الناظم كشهادة عدل وامرأتين على سيد المكاتب بأنه قبض نجوم الكتابة فيعتق فتحصل من كلامه منطوقًا ومفهومًا ثلاث صور حكمها واحد كما رأيت والأصل في هذا قول الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ الآية وقوله يعتضد ويرجع بفتح أولها مبنيان للفاعل واعتمد بضم أوله وثالثه وكسر ما قبل آخره مبني للنائب عن الفاعل ورجل مبتدأ وجملة يعتضد بامرأتين صفة له وهو الذي سوغ الابتداء بالنكرة وجملة اعتمد عليه في كل ما يرجع للمال خبرة وجملة يرجع للمال صلة ما والله أعلم (الرابعة) قوله
(وفي اثنتين حيث لا يطلع... إلا النساء كالحيض مقنع)
يعني أن الشيء الذي لا يطلع عليه إلا النساء كالحيض والولادة والبكارة والنيوبة والحمل والسقط والاستهلال والرضاع وإرخاء الستور وعيوب الحرائر والإيماء وفي كل ما تحت ثيابهن يثبت بشهادة امرأتين عدلتين لأن هذه الأشياء لما كانت مما لا يحضرها الرجاء ولا يطلعون عليها أقيم فيها النساء مقام الرجل للضرورة لأنهن لو لم يقبلن في ذلك للزم أما إبطال الحقوق أو إطلاع الرجال على عورات النساء وهل تقبل شهادة رجل مع امرأة فيما ذكر فيه خلاف.
وفي ابن مرزوق عند قول صاحب المختصر وثبت الإرث إلى قوله والنسب بلا يمين أي فإذا شهدت امرأتان بنحو الولادة والاستهلال ثب الإرث والنسب للمشهود له بذلك وعليه وكذلك يثبت الإرث بشهادتهما بسبقية الموت أو بالموت ولا زوجة ولا مدبر ونحوه أما ثبوت الإرث ففي الموطأ أ. المرأتين تشهدان على استهلال الصبي فيجب بذلك ميراثه حتى يرث ويكون ماله لمن يرثه أن مات الصبي وليس مع المرأتين اللتين شهدتا رجل ولا يمين
وقد يكون ذلك من الأموال العظام من الذهب والورق والرباع والحوائط والرقيق وما سوى ذلك من الأموال انتهى وأما ثبوت النسب فثبوت الإرث يستلزمه إذ لولا ثبوت النسب ما ثبت الإرث انتهى.
وقوله مقوع قال في القاموس شاهد مقنع كمقد به أو بحكمه أو بشهادته انتتهى وهو هنا مصدر ميمي بمعنى قناعة أي اكتفاء.
(الخامسة) قوله
(وواحد يجزئ في باب الخير... واثنان أولى عند كل ذي نظر)
يعني أن خبر المخبر كالقائف والموجه من قبل القاضي للتحليف والحيازة والترجمان والكاشف عن البنيان وقائس الجرح والناظر في العيوب وكاتب القاضي والمحلف والمترجم على الخطوط والقاسم يجزي فيه قول الواحد والاثنان أولى وفي وقتنا يجب.
ودخول هذا القسم في النوع الأول مع أنه ليس من باب الشهادة المحضرة لأنه يوجب الحق بلا يمين وحيث كان ليس من باب الشهادة المحضة قبل فيه للتعذر غير عدول وإن مشركين كما في المختصر.
وقوله واثنان أولى إلخ بناء على أنه من باب الشهادة والأصل في الاكتفاء بقول الواحد في الموجه من قبل الحاكم هو أن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود ثم قد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسًا وقال له أن اعترفت فارجمها وكذلك قال عبد الملك في المدونة قاله ابن العربي (السادسة) قوله
(وبشهادة من الصبيان في... جرح وقتل بينهم قد اكتفى)
(وشرطها التمييز والذكورة... والاتفاق في وقوع الصورة)
(من قبل أن يفترقوا أو يدخلا... فيهم كبير خوف أن يبدلا)
يعني أن شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما يقع بينهم من الجراح والقتل جائزة
يكتفي بها بلا يمين لكن بشروط عشرة ذكر الناظم بعضها ولم يذكر باقيها وهي التمييز والذكورة والاتفاق في وقوع الصورة من صبي م عين والحرية والإسلام والتعدد ومعاينة البدن قتيلًا وإن لا يكونوا أعداء للمشهود عليه ولا أقارب للمشهود له ولا معروفين بالكذب وإن لا يشهدوا على كبير أوله وإن لا يفترقوا أو يدخل فيهم كبير غير عدل خوفًا من تبديل الصورة فإن كان الذي دخل بينهم عدلًا ولما سئل قال لا أدري عمل بشهادتهم وإلا عمل بشهادته مع اليمين لأنه حق يؤول إلى المال وتركت شهادتهم كما إذا اختل شرط من شروطه المذكورة وقد نظمت بقيتها (فقلت)
ونفي تهمة ورق وكذب... أن وجد القتيل إسلام طلب
(فرع) إذا أدوا شهادتهم على الوجه الأتم ثم رجعوا عنها فإن رجوعهم لا يقدح فيها كما لا يقدح فيها تجريحهم بفسق لأنهم غير مكلفين قاله ابن مرزوق.
وقوله جرح هو بضم الجيم إثر الفعل وقوله (فصل) أي هذا فصل في بيان النوع الثاني من أنواع الشهادات وهو ما يوجب الحق مع اليمين وإليه أشار بقوله
(ثانية توجب حقًا مع قسم... في المال وما آل للمال تؤم)
يعني أن النوع الثاني من أنواع الشهادات الخمس الشهادة التي توجب الحق مع اليمين وأنها لا تكون إلا في المال وكل ما يرجع إليه أو في المال ويرجع إلى غير المال وقد تقدمت أمثلتها قريبًا وتحت هذا النوع أربع مسائل (الأولى) قوله (شهادة العدل لمن أقامه) يعني أن المال أو ما يؤول إليه يثبت لمن ادعاه على منكره أو على غائب أو ميت شهادة عدل واحد مع اليمين (الثانية) قوله (وامرأتان قامتا مقامه) أي مقام الرجل العدل بشرط عدالتهما فإذا شهدتا بالمال أو ما يؤول إليه فإن الحق يثبت بشهادتهما مع اليمين (والأصل) في القضاء بالشاهد واليمين ما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد وروى ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقال به الفقهاء السبعة وهم سعيد بن
المسيب بكسر الياء المشددة وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وخارجه بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن نظم أسماءهم بعض الفضلاء فقال ألا كل من لم يقتدي بايمة... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسما... سعيدا أبا بكر سليمان خارجه وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم أما القضاء باليمين مع المرأتين فلأن النص دل على أنهما يقومان مقام الرجل والله تعالى أعلم (الثالثة) قوله (وهاهنا عن شاهد قد يغني... إرخاء ستر واجتياز رهن) (واليد مع مجرد الدعوى أو أن... تكافأت بينتان فاستبن) (والمدعى عليه يأبى القسما... وفي سوى ذلك خلف علما) (ولا يمين مع نكول المدعي... بعد ويقضى بسقوط ما ادعى) يعني أن الشاهد العرفي قد يكتفى به عن الشاهد الحسي في الاحتجاج به فيثبت عن الحق به مع اليمين بناء على أنه كشاهد واحد لا شاهدين على المشهور أي في الغالب ومثل له بخمسة أمثلة (الأول) قوله إرخاء ستر أي على الزوجة بالتخلية بينه وبينها فإن ادعت الوطئ وأنكره فإن القول قولها لأن العادة إذا خلا الرجل بامرأته أول خلوة لا يفارقها في الغالب إلا بعد الوطئ فإرخاء الستر عليها قائم مقام الشاهد الحسي في دعوى المسيس فتحلف على ما ادعته وتستحق الصداق كاملًا ولو قام بها مانع شرعي بأن كانت حائضًا مثلًا وهو من أهل المروءة والصلاح فإن القول قولها على المشهور وستأتي هذه المسألة في فصل التداعي في الطلاق مستوفاة أن شاء الله تعالى (الثانية) قوله واحتياز رهن يعني أن الراهن إذا قبض الرهن من المرتهن ثم قام عليه يطلب دينه كله أو بعضه فزعم الراهن أنه دفعه إليه فيحلف ويبرأ لأن العادة لا يسلم المرتهن الرهن لصاحبه إلى بعد خلاص الدين (الثالثة) قوله واليد مع مجرد الدعوى يعني أن من حاز دارا
مثلا بدعوى الملكية يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه فقام عليه من ادعى ملكيتها ولم تقم على دعاوه بينة فإن الدار تبقى بيد حائزها ويكون الحوز لها كالشاهد يحلف معه ويقضي له باستمرار الحوز وعدم التعدي (الرابعة) قوله (أو أن تكافأت بينتان) يعني أن من حاز جنانا مثلا بدعوى الملكية يتصرف فيه بالوجه المذكور فقام عليه من ادعى ملكيته وقامت له بينة تشهد له بالملكية طبق دعواه فلما ثبتت بينته عند القاضي عارضه المدعى عليه الحائز للجنان ببينة تشهد له بالملكلة وتثبتت كذلك ولم ترجح إحداهما على الأخرى وحصل التكافؤ والتماثل فتسقطان معا ويصيران كالعدم إذ لا يتأتى أعمالهما معًا فيحلف المدعى عليه لترجح جانبه بالحوز ويبقى بيده ويحكم له بنقي التعدي لا بالملك في الصورتين ومعناهما واحد قال القرافي الحجة السابعة عشرة اليد وهي يرجح بها ويبقى المدعى به لصاحبها ولا يقضى له بالملك بل يرجح التقرير فقط وترجح إحدى البينتين وغيرها من الحجاج وهي للترجيح لا للقضاء بالملك وقل قبل هذا أعلم أن اليد إنما تكون مرجحة إذا جهل أصلها أو علم أصلها بحق أما إذا شهدت بينة أو علمنا نحن ذلك أنها بغصب أو عارية أو غير ذلك من الطرق المقتضية وضع اليد من غير ملك فإنها لا تكون مرجحة البتة (تنبيه) اليد عبارة عن القرب والاتصال وأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم استلائه على جميعها انتهى وسيأتي نحو هذا عند قول الناظم والشيء يعديه شخصان معًا الأبيات (وقول الناظم) أو أن بنقل حركة همزة أن المفتوحة إلى الواو وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر والتقدير واليد مع مجرد الدعوى أو مع تكافؤ البينتين حكمهما واحد فإن لم تكن الدعوى مجردة أو لم تتكافأ البينتان بأن ترجحت بينة المدعي فالحكم ما قاله القرافي.
وقوله فاستبن تتميم للبيت وفيه تنبيه على القاضي بأن يمعن النظر في ذلك لأن باب التعارض من الأمور الصعبة والله الموفق للصواب (الخامسة) قوله والمدعى عليه
يأبى القسما.
يعني أن المدعي إذا عجز عن البينة أو نفاها من أول الأمر وكانت دعواه محققة فيما يثبت بالشاهد واليمين وتوجهت اليمين على المدعى عليه فامتنع من الحلف فإن امتناعه منه يكون كالشاهد الحسي للمدعي فيحلف ومعه ويقضى له بما ادعاه أما أن كانت الدعوى غير محققة بأن كانت دعوى اتهام فإن اليمين لا تنقلب ويثبت الحق بمجرد النكول على المشهور كما مر وسيأتي أيضا في باب اليمين.
وقوله (وفي سوى ذلك خلف علما).
يعني أن غير ما ذكر من أمثلة الشاهد العرفي المتقدمة كمعرفة من ضاعت له دراهم مثلا الظرف والخيط في اللقطة وعلامات الاشتراك والانفراد في الجدران وحدود الأرضين ومن ادعى ما يشبه من المتبايعين والمتكاريين والزوجين ونحو ذلك هل الراجح فيها اليمين على من يشهد له العرف أو عدم اليمين خلاف (فائدة) قال ابن العربي عند قول الله تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال أنه من كيدكن أن كيدكن عظيم﴾ قال علماؤنا في هذا دليل على العمل بالعرف والعادة بما ذكر من أخذ القميص مقبلًا ومدبرًا وما دل عليه الإقبال من دعواها والإدبار من صدق يوسف وهذا أمر تفرد به المالكية (فإن) قيل هذا شرع من قبلنا (قلنا) عنه جوابان أحدهما أن شرع من قبلنا شرع لنا الثاني أن المصالح والعادات لا تختلف فيها الشرائع أما أن يجوز أن يختلف وجود المصالح فيكون في وقت دون وقت فإذا وجدت فلا بد من اعتبارها وقد استدل يعقوب بالعلامة فروى العلماء أن الإخوة لما ادعوا أكل الذئب قال أروني القميص فلما رءاه سليمًا قال لقد كان هذا الذئب حليمًا وهكذا فاطردت العادة والعلامة وليس هذا بمناقض لقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر والبينة إنما هي البيان ودرجات البيان تختلف بعلامة تارة وبأمارة أخرى وبشاهد أيضا وبشاهدين ثم بأربع انتهى.
وقوله (ولا يمين مع نكول المدعي.
بعد ويقضي بسقوط ما ادعى).
يعني أن المدعي إذا نكل عن اليمين التي ردت عليه فلا تتوجه اليمين بعد