توضيح الأحكام شرح تحفة الحكامالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لمالكه السعادة والسلامة ... وطول العمر ما غنت حمامه وعز دائم لا ذل فيه ... يصاحبه إلى يوم القيامة الجزء الأول من توضيح الأحكام على تحفة الحكام تأليف العلامة النحرير والدراكة الشهير الشيخ سيدي عثمان بن المكي التوزري الزبيدي أحد أعيان المدرسين من الطبقة العلياء بجامع الزيتونة الأعظم بتونس عمره الله بدوام ذكره آمين اطلب العلم ولا تكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل لا تقل قد ذهب أربابه ... كل من سار على الدرب وصل واحتفل للفقه في الدين ولا ... تشتغل عنه بمال وخول حقوق الطبع محفوظة للمؤلف طبعة أولى بالمطبعة التونسية - نهج سوق البلاط عدد 57 - تونس سنة 1339

الجزء: 1 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الفقير إلى الله عز وجل أحكم الحاكمين عثمان بن بلقاسم بن المكي شهر عثمان بن المكي التوزري الزبيدي وفقه الله تعالى بمنه وكرمه آمين, الحمد لله الذي أوجب على أولي الأمر العدل في القضآء بين الناس وإقامة الميزان.
وحرم الظلم والجور وشهادة الزور وأكل أموال الناس بالباطل وما يخل بعادلة الانسان.
وأمر بحفظ اليمين ومدح من أمر بالصلح بين الخصوم ليزول عنهم الشحنآء والشنئان.
وأباح لنا النكاح.
وحرم علينا الزنى والسفاح.
وأحل الطلاق والبيع وحرم الربا والخدعة والتدليس.
وأمر بالوصية وقسم المواريث بنفسه سبحانه وتعالى بين خلقه ليأخذ كل ذي حق حقه من ذلك بلا نزاع من الخسيس والنفيس.
فيا ويل من منع أصحاب الحقوق من ذلك وما أبعده عن الجنة.
لاقتدائه بعمل الجاهلية في حرمان الاناث من الميراث وتركه ما جاء به الكتاب والسنة.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الشريعة السمحآء الطاهرة.
المؤيد صدقه بالمعجزات والحجج

الجزء: 1 - الصفحة: 2

الباهرة الظاهرة, النبي الأمين والرسول الكريم المختار.
وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابع التابعين السادة الأبرار.
وعلى العلماء الذين هم ورثة الأنبيآء أوليآء الله تعالى الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعلينا معم صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم القرار فريق في الجنة وفريق في النار.
اللهم أني أستغفرك وأتوب إليك وأستعيذك من الشيطان الرجيم ومن شر القرين الغدار.
ومن شر شرار هذه الأمة الدجالين الفجار.
وبعد فهذا شرح لطيف المباني سهل المعاني.
على تحفة الحكام حملني عليه تسهيل طريق العلم للمتعلمين.
وإحياء صناعة التآليف للمعاصرين.
رجاء لتحصيل الأجر والثواب من رب العالمين.
لا لحظوظ النفس واتباع الهوى.
وقد قال عليه الصلاة والسلام إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
سميته (توضيح الاحكام على تحفة الحكام) لخصته من شروحها وغيرها من الكتب المعتمدة بتتبع مسائل كل باب من الأبواب.
متحريا في ذلك بقدر جهدي ومعبرا عن معانيها بعبارات واضجة أشهى من لي اللباب.
عند ذوي الألباب.
ينشرح له صدر الكريم المنصف الودود.
ولا علينا فيما يتقوله اللئيم الحسود.
فكان من الواجب على من استنقصه وازدرى به من أهل الفخفخة الفارغة أن يأتي بأحسن منه لينتفع به الناس.
فهذا القلم والدواة والكتب والقرطاس.
يا أهل السفائف الغمازين الهمازين.
هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين.
وإني على يقين بأنني لست من الكاملين.
وأنه لا ينجو أحد من الخطأ والزلل.
وإلا من عصمه الله عز وجل.
فنسأله سبحانه وتعالى أن ينجينا من العثرات.
ويحفظنا من الهفوات.
وعلى كل حال فالتشبه بالرجال والاشتغال بالعلم خير ونعيم.
والرضى عن النفس والاشتغال بالناس والقيل والقال شر ذميم.
فسوداء ولود خير من حسناء عقيم.
من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
واشتغاله بما له فائدة فيه.
إذ لا يخفى أن منزلة العلم عند الله تعالى من أعلى المنازل.
وفضيلته من أفضل المثائر والفضائل (فصل) فيما جاء في فضل العلم والاشتغال به من الكتاب والسنة وكلام الأئمة.
قال أبو حفص

الجزء: 1 - الصفحة: 3

عمر بن علي اللخمي السكندراني المعروف بابن الفاكهاني ومن افخر ما جاء به الكتاب العزيز في ذكر العلم إعلام الله تعالى نبيه تعظيم منته عليه فقال عز وجل وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما.
وقال تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
إنما يتذكر أولوا الألباب.
ومما يدل على فضل العلم عما دونه من سائر الطاعات قصة آدم والملائكة عليهم السلام إذ قال الله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال أني أعلم ما لا تعلمون﴾ لما ذكرت الملائكة من الاسماء وأراد أن يخصه بذلك رفعا لقدره عليهم وتمييزا لصفته على صفتهم ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين فلما تبين لهم أنهم غير عالمين بما سئلوا عنه قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا فأمر الله تعالى آدم أن ينبئهم فأنبأهم واعلمهم ما لا يعلون فأمروا عند ذلك بإظهار التعظيم له والتفخيم لشأنه بأن يسجدوا له وقيل لهم اسجدوا لآدم فخروا له جميعا ساجدين لم يتخلف عن السجود أحدا إلا إبليس فاستوجب من الله اللعنة إلى يوم الدين.
ومما يدل على فضل العلم وفضيلته على ما عداه من الطاعات قصة موسى صلى الله عليه وسلم نجي الله وصفوته الذي اختاره على أهل زمانه قال له أني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي لما علم صلى الله عليه وسلم أن في الأرض من هو أعلم منه رحل في طلبه هذا مع ما آتاه الله عز وجل من العلم فقال تعالى وكتبنا له فب الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء رحل في طلب زيادة علم فقال لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا أي زمنا غير محدود بل يسير أبدا فلو كان فوق العلم رتبة لكانت نفسه الزكية وعقله الاشرف إلى ذلك أشرق وأرغب في تحصيله مما هو دونه وقد تضمنت قصة موسى عليه السلام ابطال قول من يدعي في المكاشفة والاطلاع على الغيوب وتحصيل العلم أنه يؤخذ من ممارسة

الجزء: 1 - الصفحة: 4

الفكر والتقشف والاقبال على الحق بالكلية وغير ذلك من دعاويهم فلو كان الامر كذلك لدله الخضر عليه السلام على استعمال الفكرة والتقشف وما اشبه ذلك ولم يكتم عليه النصيحة حيث قال له هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت منه رشداً.
ومما يدل على شرف العلم في كتاب الله عز وجل قصة سليمان عليه الصلاة والسلام مع الهدهد حيث قال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لاعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فما راح نبي الله سليمان صلى الله عليه وسلم عن مجلسه أن جاء الهدهد فقال احطت بما لم تحط به انظر استعلاء حجته بالعلم وكيف اطمأنت نفسه وقوي كلامه في مجلس نبي الله وعظيم ملكه الذي وهب له ملك لا ينبغي لاحد من بعده من الجن والانس وتفخيم نفسه عليه بقوله احطت بما لم تحط به فسكن غضبه وهدأ جاشه عما توعده به من العذاب والذبح لمكان ما هو عليه من العلم الذي ادعاه واكرمه وجعله سفيره ورسوله إلى بلقيس ولا يعظم إلا معظما.
ومن اعذب ما وقعت به الاشارة إلى ذلك قوله تعالى ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ إلى قوله ﴿مما لآمسكن عليكم﴾ ومعلوم أنه لا أخس في النفوس من الكلب ثم وقع الاهتمام به فيما يتعلق بعلمه حتى كان فعله معتبرا بأن كان صيده مباحا محترما لا يجوز اتلافه عبثا بخلاف ما قتله كلب غير معلم فانه محرم نجس مبعد مرفوض وصورة القتل والخذ في الموضعين لا تختلف لكن لمكانة علم احد الكلبين فضل عمله والاخر لمكانة جهله دحذ عمله فهذا يدل دلالة واضحة على شرف العلم في نفسه إذ قد شرف غيره به فلولا شرفه في نفسه لما شرف غيره به.
وقد شرف الله العلماء غاية الشرف حيث أوقع ذكرهك في ثالث رتبة منه فقال تعالى شهد الله أنه لا إله الا هو والملائكة واولوا العلم وناهيك بها مزية تخصيصهم بهاته الرتبة دون سائر الخلق.
ومن ذلك قوله تعالى ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ فأشار تعالى إلى أن ترد اليهم الامور المشكلة لكونهم

الجزء: 1 - الصفحة: 5

أعلم باسباب كشف حكم الله في كل معضلة.
وقال تعالى واطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم قال المعتبرون من اهل التفسير أولوا الامر العلماء فقرن طاعتهم بطاعته لكونهم حمال شريعته.
وقال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات فذكر اهل العلم مرتين عموما ثم خصوصا تنويها بذكرهم.
وقال تعالى فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون فامر الجهال بسؤال العلماء لكونهم ورثة الانبياء عليهم الصلاة والسلام إلى غير ذالك من الايات الداله على فضيلة العلم وشرفه.
واما ما جاء في ذلك من السنة فكثير لا يعد ولا بحصى.
من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وفي هذا الحديث من الفقه أن الله سبحانه وتعالى قال أن الدين عند الله الاسلام وكون المراد بالدين هاهنا الاسلام بدليل حديث نبي الاسلام على خمس شهادة أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاه وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا فالفقه في الدين هو الفقه بهذه الخمس وذلك هي عبادة محضة وهي تكمله اسلام المؤمن وما يتفرع منها حاوية شاملة لما تقررت فيه الذاهب اصولا وفروعا.
وقوله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقا يبتغي به علما سلك الله به طرقا من طرق الجنة وان الملائكة لتضع اجنحتها رضى لطالب العلم وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض والحيتان في جوف المآء وان فضل العالم على العابد كفضل القمر في ليلة البدر على سائر الكوكب وان العلمآء ورثة الانبياء وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وورثوا العلم فمن اخذه اخذ بحظ وافر فقوله عليه الصلاة والسلام العلماء ورثة الانبيآء غاية في التفصيل فإن ما خلف الشيء قام مقمه فيشمله من فضل اصله ومعلوم أن العلماء ورثة الانيبآء فيما اوحي إلى الانبياء لأن النبي إنما أرسل ليبين الخليفه.
قال تعالى وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم والعالم يقوم هذا المقام بعد النبي صلى الله عليه وسلم فانه يحفظ الشريعه وما انزل إلى الرسول ويبلغه الناس ويبين لهم ما أشكل عليهم من امر دينهم الذي كان بيانه على الرسول

الجزء: 1 - الصفحة: 6

فسد العلمآء في ذلك مسد الأنبياء وقاموا مقامهم فكأنهم في المعنى انبيآء لانهم يكلمون الناس بما أوحى الله تعالى والوحي اوتي اليهم بواسطة الرسول والتعليم كما أوتي الوحي إلى الرسول بواسطة الملك وقد جعل الله تعالى رتبتهم تلي رتبة الأنبياء.
قال عز وجل وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقيل أولوا الامر علماء الدين كما تقدم إلَّا أن قوله عليه الصلاة والسلام وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم تنبيه على أن جمع الحطام ليس من شيم الانبياء عليهم الصلاة والسلام وحق الوارث لهم والنازل منزلتهم أن يكون فيما ورثه عنهم لا يتخذ العلم سوقا ويجعله لكسب الدنيا طريقا.
قال سحسون رحمه الله لأن اطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلي من أن اطلبها بالدين.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ولفيقه واحد أشد على ابليس من الف عابد ولكل شيء قوام وقوام الدين الفقه ولكل شيء دعامة ودعامة الدين الفقه.
واما ما جاء في ذلك من الاثار عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم فعن معاذ رضي الله عنه أنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه له حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة.
وعن وهب ابن منبه قال يتشعب من العلم الشرف وان كان صاحبه دنيا والعز وان كان مهينا والقرب وان كان قصيا والغنى وان كان فقيرا والمهابة وان كان وضيعاً والسيادة وان كان سفيها.
وعن الفضيل رضي الله عنه عالم معلم يدعي كبيرا في ملكوت السماوات.
وقيل العالم كالعين العذبة نفعها دائم.
وقال الشافعي رحمه الله طلب العلم افضل من صلاة النافلة.
وقال ليس بعد الفرآئض افضل من طلب العلم.
وقال من اراد الدنيا فعليه بالعلم ومن اراد الخرة فعليه بالعلم.
وقال أن لم يكن العلمآء اولياء فليس لله ولي.
وقال البخاري في أول كتاب الفرآئض من صحيحه قال عقبة بن عامر رضي الله عنه تعلموا العلم قبل الظانين قال البخاري يعني الذين يتكلمون بالظن ومعناه تعلموا العلم من الهله المحققين الورعين قبل ذهابهم ومجيء قوم يتكلمون في العلم تميل اليه

الجزء: 1 - الصفحة: 7

نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستند شرعي وفي الفائق لابن راشد القفصي قال سمعت الامام الاوحد ناصر الدين ابن المنسر رحمة الله عليه يقول بالاسكندريه المحروسه أبو الافادة أفضل من أبي الولادة قال لأن الله عز وجل علم آدم الاسماء كلها ثم أمره أن يعلمها الملائكة قال فلما علمهم إياها حصل له عليهم فضل العلم على المتعلم فامرهم الله عز وجل عند ذلك بالسجود له قال فقد أمر الله بالسجود لابي الافادة ولم يأمر به لابي الولادة وما ذكره رحمة الله تعالى عليه من اقوى الادلة على فضل العلم.
واما ماجاء في فضيلة التعليم قول الله تعالى ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون﴾ فقوله لينذروا قومهم المراد به التعليم والارشاد.
وقوله تعالى ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتموه﴾ وهو إيجاب التعليم.
وقال عليه الصلاة والسلام ما اتى الله عالما علما إلَّا اخذ الله عليه من الميثاق ما اخذ على النبيئين أن يبينه للناس ولا يكتمه.
وقال لمعاذ لما بعثه إلى اليمين لا يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها.
ثم قال ابن الفكهاني واعلم أن كل من ذكرنا من الفضل في طلب العلم إنما هو فيمن أراد به وجه الله تعالى لا لغرض من الدنيا ومن اراده لغرض دنيوي مال أو رئاسة أو منصب أو وجاهة أو شهرة أو استمالة الناس اليه أو قهر المناظرين بالحق أو نحو ذلك فهم مذموم حرام.
قال الله تعالى ﴿من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾.
وقال تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما يشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا.
وقال تعالى وما امروا إلَّا ليعبدوا الله مخلصين له الدين.
وقال عليه الصلاة والسلام من طلب العلم ليماريى به السفهاء ويكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس اليه فليتبوأ مقعده من النار وقال صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه.
وعنه صلى الله عليه وسلم شر الناس شرار العلماء.
وعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال يا حملة العلم اعملوا به فانما العالم من

الجزء: 1 - الصفحة: 8

عمل بما علم ووافق علمه عمله فيسكون امرآء يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخاف عملهم علمهم ويخالف سريرتهم علانيتهم يحلقون حلقا يباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضبه على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولائك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى.
وعن حماد ابن سلمة من طلب العلم لغير الله مكر به.
ومن أفضل ما يستعان به على طلب العلم تقوى الله العظيم فانه تعالى يقول واتقوا الله ويعلمكم الله.
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فحصول الفرقان وهو الفرق بين الحق والباطل لا يكون إلَّا بتقوى الله عز وجل انتهى فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجه الكريم أنه على ذلك لقدير وبالإجابه جدير.
وكان ممن شملته عناية الله تعالى فجد في طلب العلم وتحصيل مهماته فتعلم وتحلى بفضيلته وعلم فانتفع الناس بعلومه في حياته وبعد مماته أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي قاضي الجماعة بها العلامة الرئيس كان مولده في يوم الخميس ثاني عشر جمادي الأولى من عام سين وسبعمائة وولى خطة القضآء في صفر من عام عشرين وثمانمائة بمدينة واد ءاش ثم نقل عنها إلى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة وتوفى في يوم الخميس حادي عشر شوال عام تسعة وعشرين وثمانمائة.
ومن شيوخه الاستاذ الشهير أبو سعيد فرج بن لب وله تئاليف عديدة مفيدة تدل على غزارة علمه ومكانة تحصيله.
منها رجز مهيع الوصول في علم الأصول أصول الفقه.
والرجز الصغير سماه مرتقى الاصول في الوصول كذلك.
ونظم اختصار المواقيت.
وقصيدة ايضاح المعاني ف قراءة الداني.
وقصيدة الامل المرقوب في قراءة يعقوب.
وقصيده كنز المفاوض في الفرائض.
ورجز الموجز في النحو مثل رجز ابن مالك.
وكتاب الحدائق في الادب.
واراجيز تحفة الحكام التي.
عم بها النفع بين الأنام في ذيل الديباج وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله (ألحمد الله الذي يقضي ولا ... يقضى عليه جل شأنه وعلا)

الجزء: 1 - الصفحة: 9

(ثم الصلاة بداوم الأبد ... على الرسول المصطفى محمد) (وآله والفئة المتبعه ... في كل ما قد سنه وشرعه) بدأ الناظم رحمه الله تعالى كتابه بحمد الله اقتداء بالكتاب العزيز في فاتحة الكتاب على القول بان البسملة ليست آية منها وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو اقطع وفي رواية بحمد الله وفي روايه بالحمد فهو أقطع وفي رواية كل كلام لا يبدأ فيه بحمد لله فهو أجذم وفي روايه كل امر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو اقطع وفي الفواكه الدواني على رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني لا تعارض بين هاته الروايات لأن المقيد منها يحمل على المطلق في كل لفظ ابتدئ به منها يحصل المقصود لأن الغرض الثناء على الله وهو يحصل بمطلق ذكر ولا يقال القاعدة عكس هذا الحمل لأن المعروف عند الأصوليين حمل المطق على المقيد كما في آيتي الظهار والقتل فانهم حملوا الرقبه المطلقة في الظهار على المقيدة في كفارة القتل بالمؤمنة لأن نقول قاعدة الأصوليين مشروطة بكون القيد واحدا واما إذا تعددت القيود وتخالفت فيرجع للمنطق أو يحمل حديث البسملة على المبدأ الحقيقي وهو جعل الشيء أول عمل يعمل بحيث لم يسبقه شيء وحديث الحمدلة على الاضافي وهو الذي يكون أمام المقصود بالذات أو أن الغرض من الروايات تخيير البادئ في العمل برواية منها لأن الخبرين إذا تعارضا ولم يعلم سبق ولا نسخ فإنه يخير في العمل بإحداهما على رأي بعض أهل العلم كما في الأصول انتهى.
فإن قيل لما لم يبدأ مالك رضي الله عنه في موطاه بحمد الله تعالى كما جاء في الحديث وهو في الحديث ماهر فما وجه تركه لذلك.
أجيب بما أن الذي يقتضيه الحديث أن يحمد لا أن يكتب ولا خفاء في أن مالكا رحمه الله حمد الله بلسانه فإن الحديث مشهور فيبعد خفاؤه عليه أو أن لفظة الحمد ليست متعينة لتسميته حمدا لقولهم الحمد هو الثناء وقد أثنى على الله تعالى في كتابه الموطأ فقال بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء: 1 - الصفحة: 10

قالوا والتسمية من أبلغ الثناء ويؤيد هذا مجيئه في رواية كما تقدم.
وقوله ذي بال أي صاحب شأن وحال يهتم به ومعني اقطع أو إجذم ناقص ومن المعلوم أن الشيء الناقص لا يهتم به ولا يعتبر لأنه قليل البركة ولهذا قال العلماء رحمهم الله تعالى تستحب البداءة بالحمد لله والصلاة على النبي صلي الله علية وسلم لكل مصنف ومدرس وخطيب وخاطب ومتزوج ومزوج وسائر الأمور المهمة وأن تقديم الثناء على الله تعالى بمنزلة هدية المستشفع قبل مسألته رجاء أن ينتفع بذلك في قضاء حاجته.
ومعنى الحمد الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله ولام الله للاستحقاق أي جميع المحامد مستحق لله تعالى ومعنى الله هو المعبود بحق.
قال بعض العلماء يجب علي الإنسان أن يحمد الله في ثمانية أوجه.
الأول أن أوجده من العدم.
الثاني أن خلقه حيواناً ولم يخلقه جماداً.
الثالث أن خلقه ناطقاً ولم يخلقه غير ناطق.
الرابع أن خلقة ذكراً ولم يخلقه أنثى.
الخامس أن خلقه مسلماً ولم يخلقه كافراً.
السادس أن جعله سنياً ولم يجعله بدعيا.
السابع أن جعله من أهل العلم ولم يجعله من أهل الجهل.
الثامن أن وفقه لمعرفة هذا الرب ولم يضلله.
وزيد عليها نعم نيل اللذات.
وسلامة الحواس.
وما ينتفعون به مما تميل إلية طباعهم وتصلح عليه أجسامهم وغير ذلك من النعم التي لا تحصي كثرة ومن حصرها في الثمانية فلعله أراد المهم من ذلك والله أعلم.
وقول الناظم (الذي يقضي ولا يقضى علية جل شأنا وعلا) وصف كمال وعظمة الله تعالي يجب علي كل مكلف اعتقاده ومعناه أنه سبحانه وتعالى يحكم ولا يحكم عليه جل شأنه وعظم أمره وعلي قدره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وفي البيت إشارة لطيفة إلي كون القاضي لما كان مقضيا عليه من الله سبحانه وتعالي ومن السلطان الذي والاه يجب عليه أن يستشعر بذلك الخوف من عاقبة الجور والظلم والحكم بالظن ويتحرى الصواب للعدل قال العلامة الجليل النوازلي الشيخ الزقاق في المنظومة الفرعية ما نصه وفكرك فرغ واطلب النص وافهمن ... فبعد حصول الفهم قطعا لتفصلا

الجزء: 1 - الصفحة: 11

ويتذكر يوم القضاء والفصل الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأن الذي بيده من القضاء يزول ولا يدوم يماثله ما بيد من ولاه من الملوك والسلاطين.
وإنما القضاء الحقيقي لله رب العالمين يقص الحق وهو خير الفاصلين.
وفي البيت أيضا من المحسنات البديعية براعة الاستهلال وهي أن يأتي المتكلم في أول كلامه بما يشعر بمقصوده فإنه لما كان قصده أن يتكلم في أحكام القضاء ذكر وصفا من أوصاف الله تعالى وهو أنه يقضي ولا يقضى عليه.
ولما حمد الله سبحانه وتعالى وأثنى عليه أتبعه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والثناء عليه فقال (ثم الصلاة بدوام الأبد ... على الرسول المصطفى محمد) إلَّا أنه فاته ذكر السلام مع الصلاة الذي هو مستحب على أن الجمع بينهما وبين ذكر الآل والصحب وغيرهما ممكن في بيت واحد كقول الشيخ ابن عاشر في المرشد المعين صلى وسلم على محمد ... وآله وصحبه والمقتدي وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله العزيز أن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
وخص السلام بالمؤمنين في الآية دون الله والملائكة لأن السلام تسليم النبي صلى الله عليه وسلم عما يؤذيه فلما جاءت هذه الآية عقب ذكر ما يؤذيه والاذاية إنما هي من البشر ناسب التخصيص بهم كذا نقله الشريف العمراني عن بعض الفضلاء ومعنى الصلاة والسلام والرسول والمصطفى واضح وقوله بدوام الأبد متعلق بمحذوف حال من الصلاة أي مؤقتة بدوام الأبد.
وآله صلى الله عليه وسلم أقاربه المؤمنون من بني هاشم.
ومعنى الفئة الجماعة والمتبعة يجوز فيه كسر الفاء وفتحها والمراد بالفئة المتبعة الصحابة والتابعون وتابع التابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ولا شك أنهم متبعون بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته مما شرع لهم من الدين قال عليه الصلاة والسلام خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث وجملة شرعه عطف تفسير على جملة سنه.
فائدة الشرع لغة البيان واصطلاحا تجويز الشيء أو تحريمه أي

الجزء: 1 - الصفحة: 12

جعله جائزا أو حراما.
الشارع مبين للأحكام.
الشريعة الطريقة في الدين.
المشروع ما أظهره الشرع.
الدين ما ورد به الشرع من التعدد وقوله (وبعد فالقصد بهذا الرجز ... تقرير الأحكام بلفظ مؤجز) (أثرت فيه الميل للتبيين ... وصنته جهدي من التضمين) (وجئت في بعض من المسائل ... بالخلف راعيا لاشتهار القائل) (فصمته المفيد والمقرب ... والمقصد المحمود والمتخذ) الأبيات الأربعة يعني مهما يكن من شيء بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة علي رسول الله وإله والجماعة المتبعين له فيقول ناظمه أن المقصود بهذا النظم الذي هو من بحر الرجز تقرير الأحكام وتبيينها بلفظ موجز أي بكتاب مختصر قليل الحروف كثير المعاني حالة كونه اختار فيه الميل والركون للتبيين ولو أدي إلى بعض البسط في العبارة خوفا من عيب الإجمال والخفاء والاحتمال إذ الحكم بالمجمل أو المحتمل لا يجوز وأنه صان رجزه وحفظه بقدر جهده وطاقته من عيب التضمين وهو أن لا يتم معني البيت إلا بالذي يليه بأن تتعلق قافيه البيت الأول بالبيت الثاني كقول أبي إسحاق إبراهيم بن الحاج أحد شيوخ الناظم لا معاصر ابن رشد في أرجوزته المسماة بالياقوتة في حكم رجوع الشاهد عن شهادته وإن يك الرجوع بعد الحكم لم ... يجز ويغرم امتثالا للحكم جميع ما اتلف بالشهادة ... فصل وفي بدء وفي إعادة يلزم من يقضي بأن يسعف من ... كلفه الكتب لحكام الزمن بما به قضي إلى آخر ما قال في الأبيات التي تعلق فيها كل من قافية البيت الأول بالثاني وانه في الغالب إذا كانت المسألة خلافية يقتصر فيها علي ذكر قول واحد أما لمشهوريته أو لجريان العمل به وفي غير الغالب يذكر ما جاء من الخلاف في المسألة بأن يحكي

الجزء: 1 - الصفحة: 13

فيها قولين أو أكثر لغرض له في ذلك أما لشهرتها أو لجريان العمل بجميعها أو لكون القائل بها مشهورا بالعلم والديانة له مكانة في تحقيق النوازل تمنع من إهمال قوله فلربما يحتاج إلى العمل به في بعض الأحوال وإن خالف الأقوى منه.
ومعتمد في نقله لرجزه هذا على مفيد الحكام للقاضي أبي الوليد أحمد بن هشام الهلالي الغرناطي المتوفي عام خمسمائة وثلاثين والمقرب والمنتخب لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين بفتح الزاي والميم وكسر النون كان من كبار الفقهاء المتوفي عام ثلاثمائة وتسع وتسعين.
والمقصد المحمود لأبي الحسن علي بن محمد الصنهاجي من بلاد الريف قاضي الجزيرة الخضراء الأندلسية ولهذا نسب إليها فقيل فيه الجزيري المتوفي عام خمسمائة وخمسة وثمانين كما في الديباج وقدمهم على غيرهم في الاعتماد لشهرتهم في علم القضاء وأمانتهم وكمال معرفتهم في نقل من كتبهم المذكورة مسائل مهمة لا أنه ضمن جميع ما فيها وفي تسمية هذه الكتب تورية وإشارة إلى أن هذا النظام مشتمل على هذه الأوصاف وهي كونه مفيدا ومقربا ومنتخبا مقصدا محمودا لمن وفقه الله تعالى للاعتناء به وقوله (نظمته تذكرة وحين تم ... بما به البلوى تعم قد الم) (سميته بتحفة الحكام ... في نكت العقود والأحكام) (وذاك لما أن بليت بالقضا ... بعد شباب مر عني وانقضا) الأبيات الثلاثة أخبر الناظم رحمه الله تعالى أنه لما أبتلي بخطة القضاء بعد مرور الشباب وإنقضائه كما تقدم بيانه في ذكر تاريخه نظم هذا الرجز ليكون تذكرة ومرجعا لمن أراد المراجعة فيه وحين تم وأكمل حالة كونه مشتملا على نفائس المسائل الفقهية ونوادرها التي تكون أحكاما على ما تعم به البلوى بين الناس من منشأ الخصومات وعقود المعاملات سماه تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام.
وقوله نكت جمع نكتة كنقطة ونقط والمراد بها هنا المسائل الغامضة التي لا تدرك إلا بالفكر

الجزء: 1 - الصفحة: 14

والتأمل وإمعان النظر في التطبيق والتنزيل وذاك إسم إشارة إلى النظم والتسمية الواقعة بعده المفهومين من نظمته وسميته.
وأن بفتح الهمز بعد لما صلة وتوكيد ويقال زائدة كما في قول الشاعر فلما أن جرى سمن عليها ... كما طينت بالفدن السياعا أمرت بها الرجال ليأخذوها ... وكنت أظن أن لا تستطاعا وقوله شباب بالجر والتنوين وجملة مر صفته.
وقوله (وأنني اسأل من رب قضا ... به على الرفق منه في القضا) (والحمل والتوفيق أن أكون ... من أمة بالحق يعدلون) (حتى أرى من مفرد الثلاثة ... وجنة الفردوس لي وراثة) الأبيات الثلاثة سأل الناظم من الله سبحانه وتعالى الذي قضى وقدر عليه بخطة القضاء الرفق منه في القضاء والحكم يوم القضاء وأن يرزقه طاقة الحمل لأعباء ومشقة ما كلفه به من أمر العباد بقوة اليقين وغزارة العلم وتطبيق كليات المسائل الفقهية على الجزئيات الحادثة بين يديه وهو أعظم شيء على القاضي وكمال التوفيق لأن يكون من الجماعة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون إلى أن يرى من القسم المفرد من الثلاثة المقابل للقسمين الأخرين في قوله صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل عرف الحق ولم يقض به وجاز فهو في النار ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار (لطيفة) روى أن لقمان الحكيم كان عبدا لرجل من بني إسرائيل وكان يتبع مجالس بني إسرائيل يتعلم منهم العبادة فلما رأى ذلك مولاه اعتقه وقاسمه ماله وزوجه ابنته فاتت إليه الملائكة فقالوا يا لقمان أن الله تعالى يريد أن يستخلفك في الأرض فقال سمعا وطاعة على أنه أن جعل لي ذلك أعانني وعصمني وأعاذني وأن هو تعالى خيرني اخترت العافية قال فاستحسن الرحمان منطقه فغشاه الحكمة من

الجزء: 1 - الصفحة: 15

قرنه إلى قدمه فأصبح أعلم أهل الأرض وعرضت على داود فقبلها ولم يشترط شيئا فكان لقمان إذا دخل عليه قال له داود افلت يا لقمان ووقع داود انتهى.
وقوله قضى به على جملة في محل جر صفة لرب بالتنوين وجملة وجنة الفردوس لي وراثة في موضع نصب على الحال من نائب فاعل أرى ومعنى كونها وراثة له أن يكون من أهلها

فصول الكتاب · 10 فصل
جارٍ التحميل