نكوله عنها مرة ثانية على المدعى عليه وكذلك عكس كلام الناظم وهو نكول المدعى عليه بعد نكول المدعي عن الحلف مع شاهده الحسي أو العرفي فلا تتوجه اليمين مرة ثانية على المدعي للقاعدة المعروفة وهي قولهم النكول بالنكول تصديق للناكل الأول وحينئذ يقضي القاضي بسقوط ما ادعاه المدعي على المدعى عليه في الصورة الأولى وبثبوت ما ادعاه المدعي على المدعى عليه في الصورة الثانية (الرابعة) من المسائل التي توجب الحق مع اليمين قوله
(وغالب الظن به الشهادة... بحيث لا يصح قطع عادة)
يعني أنه يجوز للشاهد أن يستند في شهادته إلى غلبة ظنه من غير تصريح به وذلك في الأمور التي لا يصح فيها القطع والجزم عادة أو يعسر كشهادة عدلين بإعسار المديان وضرر الزوجين واستحقاق الملك ومغيب الزوج عن زوجته وتركها بدون نفقة والتعديل والتجريح والتعريف بالخط والرشد وضده وحصر الورثة ونحو ذلك وإنما وجبت اليمين فيها لأن الشهادة جاءت من الشهود على نفي العلم وذلك مقدورهم ففي الإعسار يقولان لا يعلمان له مالا ظاهرًا ولا باطنًا وحالة متصلة على ذلك حتى الآن وفي ضرر الزوجين لا يعلمان أنه رجع عن الإضرار بها وفي الاستحقاق لا يعلمان خروجه عن ملكه وفي المغيب لا يعلمان أنه ترك لها نفقة وفي التعديل لا يعلمون أنه انتقل من حالة العدالة وقس الباقي وحيث قد يكون المشهود به على خلاف الظاهر استظهر على الباطن باليمين على القول المشهور المعمول به وأنها لا تكون على البت لكن استثنى من ذلك أمور لا يمين فيها وهي حصر الورثة والترشيد وضده واستحقاق الأصول على المشهور والتعديل وضده والتعريف بالخط والأب أن أثبت العسر لينفق عليه ولده.
وذكر الناظم هاته المسئلة مع المسائل السابقة مع كونها ليست من النظائر بل النصاب فيها تام لوقوع المشابهة بينهما في الجملة وهو كونها لا يتم الحق بها إلا بيمين (تنبيهان) الأول أن صرح الشهود بالقطع في المحل الذي لا يصح القطع فيه عادة بأن قالو لا مال له قطعًاأو لا وارث له سوى فلان قطعًا بطلت شهادتهم وإن لم
يصرحوا بشيء بأن قالوا لا مال له ولا وارث له سوى فلان استفسروا أن كانوا أحياء حضورًا وعمل على تفسيرهم ولا فرق فيه بين المبرز وغيره لأنه ليس من باب الزيادة والنقص في الشهادة كما تقدم فإن ماتوا أو غابوا غيبة بعيدة قبلت من أهل العلم لا من غيرهم وهكذا في كل شهادة مجملة وقيل لا تصح الشهادة في ذلك إلا إذا كانت على القطع والبت والله أعلم (الثاني) لا يعمل بشهادة العدل الواحد في العدم والترشيد وضده وضرر الزوجين والتعديل ضده ويعمل به في الباقي لكن يحلف يمينين إحداهما لتكميل النصاب والأخرى للاستظهار ولا يجمعان في يمين واحدة وكلاهما على البت قاله التسولي.
وقوله قطع بالتنوين فاعل يصح وقوله (فصل) أي هذا فصل في بيان النوع الثالث من أنواع الشهادات وهو ما يوجب توقيف المدعي فيه أو يمنع من هو بيده من إحداث التغيير فيه أو تفويته أن قامت للمدعي شبهة ولطخ بما يمكن تصحيح دعواه ويسمى فصل العقلة وفصل الإيقاف (مقدمة) قال في المقدمات ختلف في الحد الذي يدخل به الشيء المستحق في ضمان المستحق وتكون الغلة له ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال (الأول) لا يدخل في ضمانه ولا تجب له غلة حتى يقضى له به وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة أن الغلة للذي هو في يده حتى يقضى بها للطالب وعليه لا يجب وقف الأصل المستحق بحيلولة ولا وقف غلته وهو قول ابن القاسم في المدونة أن الرباع التي لا تحول ولا تزول لا توقف مثل ما يحول وإنما يمنع من الأحداث فيها (الثاني) يدخل في ضمانه وتكون له الغلة ويجب وقفه بالحيلولة أن ثبت له بشاهدين أو بشاهد وامرأتين وهو ظاهر قول مالك في الموطأ الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق وقول غير ابن القاسم في المدونة يجب التوقيف أن أثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه الدفع (الثالث) يدخل في ضمانه وتجب له الغلة والتوقيف بشاهد واحد وهي رواية عيسى عن أبي القاسم في كتاب الدعوى والصلح أنه يحلف مع شاهده والمصيبة منه وروايته عنه في الكتاب المذكور فيمن ادعى زيتونًا وأقام شاهدًا واحدًا أن الثمرة له إذ تؤولت المسئلة
أنه استحق الأصل دون الثمرة وأما على من تأول أنه ادعى الأصل والثمرة وشهد الشاهد بهما فتخرج الرواية من هذا الباب إلى وجه متفق عليه وما وقع في إحكام ابن زياد أن التوقيف يجب في الدار بالقفل وتوقيف الغلة بالشاهد الواحد يأتي على هذا القول والنفقة أيضا تجري على هذا الاختلاف انتهى محل الحاجة وأعلم أن القول الأول هو المشهور والثاني جرى به عمل الأندلسيين كما في ابن ناجي على المدونة نقلًا عن ابن رشد وعليه درج الناظم حيث قال ووقف ما كالدور البيت الآتي (قلت) وتبعهم على هذا العمل قضاة تونس الآن وقال المتيطي اختلف في إيقاف الرباع والعقار بشاهد واحد فمنع منه ابن القاسم في المدونة وغيرها وأجازة سحنون وطرح قول ابن القاسم وكان سحنون ربما أعقل بعدل وربما لا يعقل إلًا باثنين مدة ما يعذر.
وفي أحكام ابن زياد ويجب العقل بعدل في الدور وفي الأرض بالمنع من الحرث.
وفي أحكام ابن بطال لابن لبابة لا تجب العقلة إلا بشاهدين وهو قول ابن القاسم وكان عبيد الله بن يحيى وكثير من أصحابه يرون العقل بالقفل مع الشاهد الواحد.
وفي وثائق ابن العطار لا يجب العقل بشاهد واحد ولكن يمنع المطلوب أن يحدث في العقار شيئًا.
وتقل عن ابن زرب أنه حكى الخلاف في مسائله وأن العقل بالشاهد إنما هو خاصة وبعضهم أوجب عقلها به محتجًا بقول ابن القاسم في مسئلة الزيتون.
قال ابن مرزوق بعد ذكره النصوص المتقدمة (قلت) وهي أي مسئلة الزيتون التي قدمنا عن المقدمات قال أي ابن رزب ولم يرها بعضهم إلا بشاهدين وحيازتهما وبهذا جرى القضاء ببلدنا لأن الغلة بالضمان وهو من المطلوب حتى يقضى عليه انتهى (تكملة) إذا كان الشيء الموقوف بما يحتاج إلى إنفاق عليه في أيام الإيقاف كالعبد والدابة فنفقته على من يقضى له به فإن كانت لذلك الشيء الموقوف غلة كانت أبدًا للذي كان بيده حيث كان ذا شبهة إلى أن يقضى به لغيره خليل والنفقة على المقضي له به والغلة له للقضاء فضمير له الثاني عائد على الحائز المدعى عليه فالمفهوم من السياق ولا يصح عوده على
المقضي له به وإن كان مصرحًا به لأن قوله للقضاء يمنع من ذلك قاله ابن مرزوق وفي حاشية البناني على الزرقاني ما نصه قال الرجراجي فأما ما يوقف وقفًا يمنع من الاستخدام فإن كانت له غلة فنفقته من غلته وإن لم تكن له غلة فقولان أحدهما أن نفقته على من يقضى له به وهو مذهب المدونة والثاني أن النفقة عليهما معًا فمن قضي له به رجع عليه الآخر بما أنفق وهذا القول في غير المدونة وهو أصح وأولى بالصواب اهـ وقوله (ثالثة لا توجب الحق نعم... توجب توفيقًا به حكم الحكم) هذا هو النوع الثالث من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي لا توجب الحق مطلقًا لا بيمين ولا بدون يمين ثم استشعر سؤال سائل قال له حيث كانت هاته الشهادة لا توجب حقًا للمدعي هل توجب توقيف الشيء المدعى فيه لئلا يفوته المدعى عليه فأجاب بقوله نعم توجب توقيفه وبه حكم الحاكم لمن طلبه ثم أن التوقيف تتوقف معرفته وإجراؤه على معرفة أسبابه وكيفياته فأما أسبابه فشهادة عدلين أو عدل واحد أو رجلين يحتاجان إلى التزكية أو قرينة قوية وأما كيفياته فإما بالحيلولة وإما بعدم التفويت في العقار وإما بوضعه أو وضع ثمنه أو وضع قيمته تحت يد أمين وقد أشار الناظم إلى بيان السبب الأول وكيفية التوقيف به فقال (وهي شهادة بقطع ارتضى... وبقي الأعذار فيما تقتضي) (وحيث توقيف من المطلوب... فلا غنى عن أجل مضروب) (ووقف ما كالدور قفل مع أجل... لنقل ما فيها به صح العمل) (وماله كالفرن خرج والرحى... ففيه توقيف الخراج وضحا) (وهو في الأرض المنع من أن تعمرا... والحظ يكرى ويوقف الكرا) (قيل جميعًا أو بقدر ما يجب... للحظ من ذاك والأول انتخب)
يعني أن من شهد له عدلان شهادة قطعية باستحقاق شيء من آخر وبقي للمشهود عليه الأعذار فيها أما بالطعن في شهودها وإما بظهور تناقض في فصولها أو فيما بينها وبين مقال الطالب وقف الشيء المتنازع فيه وحيث جاء توقيفه من جهة المطلوب لأنه لم يسلم الشهادة وطلب الأعذار فيها فلا غنى عن أجل يضربه القاضي له للأعذار وقدره شهر كما تقدم في الآجال فإن انقض الأجل ولم يأت بما تأجل له وتمت الشهادة بالإسقاط عليه مع عدم المعارض قضي بالشيء المتنازع فيه للطالب وإن أتى بما ينفعه قبل انقضاء الأجل رفع الإيقاف ورد الشيء الذي كان موقوفًا ليد صاحبه ولا تسمع للطالب دعوى فيه بعد تعجيزه على نحو ما تقدم ثم ينظر قبل هاته الأعمال على ما جرى به عمل القضاة إلى الشيء المتنازع فيه عند ضرب الأجل فإن كانت الدعوى في دار ليست للخراج اعتقلت بالقفل بعد أن يضرب للمطلوب أجل ثلاثة أيام لإخلائها كما تقدم فإن سأل المعقول عليه أن يبقي في الدار ما يثقل عليه إخراجه أجيب إليه وإن كانت للخراج كالرحى والفرن والحمام والفندق والحانوت وقف كراؤها وهو الظاهر لما فيه من المصلحة وعدم تفويت ما فيه غرض شرعي على صاحبه ومراعاة المصالح الشرعية أمر مطلوب لم أر في ذلك نصًا.
وإن كانت الدعوى في حصة من أرض أو دار اعتقلت تلك الحصة مع الباقي الذي لا نزاع فيه حيث كان الباقي للمقوم عليه بكراء الجميع ووقف الكراء وهل يوقف جميعه وهو المنتخب عند قوم أو يوقف من الكراء بقدر الحصة المتنازع فيها وهو الظاهر عند آخرين لأن توقيف الجميع مشكل خلاف هذا أن كان الباقي للمطلوب كما عملت أما أن كان الباقي لأجنبي فلا يوقف إلا قدر الحظ المتنازع فيه اتفاقًا وإن كانت الدعوى في غير الدور والأرضين بأن كانت في العروض والحيوان وهو مفهوم قوله كالدور فإنه يوقف تحت يد أمين كما يأتي.
وقوله وهي ضمير عائد على ثالثة.
وقولهشهادة بقطع احترز
به من شهادة السماع فإنه لا ينتزع بها من يد حائز وفي ارتضي ضمير يعود على قطع نائب فاعل والجملة من الفعل ونائبه صفة لقطع أي شهادة بقطع مرتضى لكونه بعدلين مقبولين.
وقوله المطلوب يجوز فيه ما مر وهو أن يكون المراد به المدعى عليه ويجوز أن يكون صفة لموصوف محذوف أي في الشيء المطلوب وتكون من بمعنى في أو من الأمر المطلوب خصوصًا إذا كان المتنازع فيه أمة.
وقوله فلا غنى إلخ جواب حيث لتضمنها معنى الشرط ثم شرع في بيان السبب الثاني وكيفية التوقيف به فقال
(وشاهد عدل به الأصل وقف... ولا يزال من يد بها ألف)
(وباتفاق وقف ما يفاد... منه إذا ما أمن الفساد)
يعني أن من ادعى ملكية أصل تحت يد غيره وشهد له به عدل واحد وامتنع من الحلف مع شاهد لرجائه أن له شاهدًا آخر فإن الشيء المتنازع فيه يوقف وكيفية وقفه أن يؤمر المطلوب بعدم تفويته ببيع ونحوه ومن تغيير حاله وهو معنى قوله ولا يزال من يد بها ألف ومثل توقيف الأصل توقيف غلته إذا كانت لا تفسد كتمر وزيتون فإن لم يؤمن فسادها بطول الزمن أو كانت كبر قوق وتفاح بيعت ووقف ثمنها تحت يد أمين كما يأتي (ثم) أخذ يتكلم على السبب الثالث وكيفية التوقيف به وحكى ما يسرع له الفساد فقال
(وحيثما يكون حال البينة... في حق من يحكم غير بينة)
(يوقف القائد لا الأصول... بقدر ما ستكمل التعديل)
(وكل شيء يسرع الفساد له... وقف لا لأن يرى قد دخله)
(والحكم بيعه وتوقيف الثمن... أن خيف في التعديل من طول الزمن)
يعني إذا شهد للمدعي شاهدان لا يعرف القاضي عدالتهما ولا جرحتهما وكان المدعى
فيه أصلًا فإنه لا يوقف وإنما توقف فائدته إلى أن يعدل المشهود له الشهود ويضرب له أجل لتعديلهم بقدر ما يحصل به التعديل باجتهاد الحاكم فإذا تم تعديلهم وقف الأصل أيضا إلى تمام أجل الإعذار كما تقدم ومحل توقيف فائدته إذا كانت غير غلة بأن كانت كراء أما إذا كانت غلة فإن أمن فسادها فكذلك كما مر وإن لم يؤمن فسادها كالفواكه الرطبة والخضر وكذلك غير الغلة كاللحم فإنه ينظر فيه فإن رجي حصول ما لا يتم الحكم إلا به من تعديل وإعذار قبل فساده وقف كذلك وإن خيف فساده قبل ذلك بيع ووقف ثمنه عند أمين وإلى هذا أشار الناظم بقوله وكل شيء يسرع الفساد له وقف لا لأن يرى قد دخله البيتين.
وقوله لأن اللام بمعنى إلى ويجوز في أن كونها مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر والتقدير وكل شيء يسرع الفساد له وقف لرؤية عدم الفساد فيه إلى رؤية دخول الفساد فيه ثم قام يتكلم على السبب الرابع من أسباب التوقيف وكيفية التوقيف به لإقامة البينة على عينه وهو أحد وجهين في المسألة فقال
(والمدعي كالعبد والنشدان... ثبوته قام به برهان)
(أو السماع أن عبده آبق... أن طلب التوقيف فهو مستحق)
(بخمسة أو فوقها يسيرًا... حيث ادعى بينة حضورًا)
(كذاك مع عدل ينشدان شهد... وبعد باقيهم يمينه ترد)
الأبيات الخمسة يعني أن من اعترف عبدًا أو غيره من العروض والحيوان وقامت له بينة تامة تشهد له بالنشدان والتفتيش على ذلك العبد مثلًا أو شهد له بالسماع أن عبده آبق وهرب وطلب التوقيف ليأتي ببينة تشهد له به فإن كان يدعي أن بينته حاضرة أو في حكم الحاضرة فإنه يجاب لمطلبه ويكون التوقيف مستحقًا له بحكم الشرع إلى خمسة أيام أو أكثر إلى الجمعة عند سحنون وعند ابن القاسم باجتهاد الحاكم بدون
تحديد وإن كانت البينة غائبة وليست بحكم الحاضرة فلا يجاب إلى التوقيف ويحلف المطلوب أنه لا يعلم للطالب فيه حقًا ويبقى المدعى فيه بيده حتى يأتي القائم ببينته بدون كفيل وكذا الحكم أن قام له بالنشدان والبحث شاهد واحد عدل وزعم أن له شاهدًا آخر به غائبًا أو أكثر من واحد على بعد فلا توقيف أيضا بل يحلف المطلوب ويبقى بيده كذلك (الوجه الثاني) الذي لميتعرض له الناظم وهو أن من ادعى عبدًا مثلًا بيدرجل وأقام شاهدًا عدلًا أو بينة سمعت أن عبده سرق له أو هرب له وأراد وضع قيمته ليذهب به إلى بلد قاض آخر يهد له على عينه أجيب إلى ذلك لقول مالك رضي الله عنه في المدونة من ادعى عبدًا بيد رجل وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أو أقام بينة يشهدون أنهم سمعوا أن عبده سرق له مثل ما يدعي وإن لم تكن شهادة قاطعة وله بينة ببلد آخر فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينة ليشهدوا عليه عند قاضي تلك البلدة فذلك له وإن لم يقم شاهدًا ولا بينة على سماع ذلك وادعى بينة قريبة بمنزلة اليومين والثلاثة فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينة لم يكن ذلك له ابن القاسم فإن قال أوقفوا العبد حتى آتي ببينتي لم يكن ذلك له إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق أو سماعًا يثبت به دعواه فإن القاضي يوقف العبد ويوكل به حتى يأتي ببينة فيما قرب من يوم فإن جاء ببينة أو سماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينة فإن كانت بينة بعيدة وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه وأسلمه إليه بغير كفيل انتهى وفي ابن مرزوق ونفقة العبد في الإيقاف على من يقضي له به.
وظاهر النظم ونص المدونة أنه إذا لم يكن شاهد ولا بينة سماع فلا يوقف بمجرد الدعوى وهو كذلك على المشهور وقيل يجاب لمطلبه بمجردها ويضع قيمته إذا أراد الخروج به لبينته وسواء كان البلد الذي فيه البينة قريبًا أو بعيدًا ويضرب له القاضي أجلًا بقدر ما يوصله إلى ذلك البلد ويرده وما يقيم فيه بينته فإن لم يأت تلوم لهفإن لم يأت حكم عليه وأخذ المدعى عليه القيمة كما يأخذها إذا هلك في ذهابه وبهذا جرى العمل (فإن ثبت) عند قاضي البلد الذي سافر إليه أنه عبده أنهى للقاضي الأول أنه ثبت عندنا أن هذا العبد
لمدعيه واستحقه وأخذ القيمة الموضوعة عند القاضي ما لم يعارضه المدعى عليه ببينة تشهد له بالملكية أيضا فإن عارضه ببينة تشهد له به وتكافت البينتان رد الحوز ليد المدعى عليه لسقوطهما كما مر ويأخذ المدعي القيمة التي وضعها فقط.
وكذا أن لم يثبت أنه عبده.
وقول المدونة وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أي بأن عبده سرق أو آبق.
وقوله ما القسم عنه ارتفعا كقول ابن القاسم فإن لم يحلف وقف على نحو ما تقدم قال التسولي وظاهره كظاهر المدونة أن اليمين تتوجه عليه سواء كانا ببلد واحد أو أحدهما طارئًا وليس كذلك لأنه إذا ادعى الطارئ على المقيم قال المقيم أنت لا تدعي علي معرفة ذلك وكذا العكس فلا يحلف أحدهما للآخر في طرق أحدهما كما في التبصرة انتهى (قلت) وعليه لو ادعى أحدهما على الآخر المعرفة وكان ممن يظن به ذلك لتوجهت عليه اليمين والله أعلم.
وقوله والنشدان بكسر النون مصدر وتقدم معناه وبرهان أي حجة تامة كما بيناه وآبق بفتح الباء الموحدة وكسرها أي هرب ومستحق بفتح الحاء وكسرها اسم مفعول أو اسم فاعل خبر عن هو الذي هو مبتدأ والضمير تابع للمعنى فإما أن يكون عائدًا على التوقيف وأما أن يكون عائدًا على المدعي هذا إذا كان المدعى فيه غير أمة أما إذا كان أمة فلا بد من الحيلولة بينهما وبين المدعى عليه طلبها المدعي أو لم يطلبها إلا إذا كان أمينًا فإن طلب التوقيف كغيرها حيلت وإلا فلا يجب على القاضي ذلك.
وقوله وبعد بضم أوله وضمير باقيهم يعود على الشاهدين به وترد بفتح أوله وكسر ثانيه من الورود وفيه ضمير مستتر تقديره هي يعود على اليمين (تنبيهان) الأول سئل سيدي عبد القادر الفاسي عمن اعترف دابة وأراد أن يقيم البينة على عينها فقال له من بيده الدابة ضع قيمتها وخذها فما وجد ما يضع فيها فهل يكفيه ضامن المال أو ضامن الوجه (فأجاب) وأما الدابة التي أراد المستحق أن يذهب بها فإنها تقوم بقيمتها وتوضع تلك القيمة تحت يد أمين فإذا قال ليس عندي قيمة وأراد أن يعطي ضامنًا بها قال ابن عبد الرفيع ليس له ذلك إلا أن يرضى من وجدت بيده انتهى (الثاني) قال الحطاب عند
قول صاحب المختصر والغلة له للقضاء (فرع) قال بعض العلماء إذا ألزم المدعى عليه بإحضار المدعى فيه لتشهد عليه البينة فإن ثبت الحق فالمؤنة على المدعى عليه لأنه مبطل ملح وإلا فعلى المدعي لأنه مبطل في ظاهر الشرع ولا تجب أجرة تعطيل المدعى به في مدة الإحضار لأنه حق للحاكم لا تتم مصالح الحكام إلا به انتهى (قلت) وبهذا يبطل ما استظهره التسولي من لزوم أجرة التعطيل على المدعي وقوله (فصل) أي هذا فصل في ذكر النوع الرابع من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي توجب اليمين على المطلوب ولا توجب الحق للطالب وإليها أشار بقوله
(رابعة ما تلزم اليمينا... لا الحق لكن للمطالبينا)
(شهادة العدل أو اثنتين في... طلاق أو عتاق أو قذف يفي)
(وتوقف الزوجة ثم أن نكل... زوج فسجن ولعام العمل)
(وقيل للزوجة إذ يدين... تمنع نفسها ولا تزين)
الأبيات الأربعة يعني أنه إذا شهد عدل واحد أو امرأتان عدلتان بطلاق أو عتق أو قذف فالعمل في ذلك أن زوجة المشهود عليه بالطلاق توقف بالحيلولة بينها وبينه ويؤمر بالحلف إذا أنكر الطلاق لرد الشهادة فإن حلف برئ ولا يلزمه شيء مما نسب إليه وإن نكل عن اليمين قيل تطلق عليه في الحال وقيل لا بل يسجن ويطال سجنه العام وهو القول الذي رجع إليه مالك وجرى به العمل عند القضاة كما في النظم فإن تمادى على نكوله أطلق ويوكل إلى ديانته وتؤمر زوجته بأن تمنع نفسها منه ولا تتزين ولا تمكنه من نفسها إلا بإكراه وإذا قدرت على الافتداء منه افتدت ولو بجميع مالها خير من البقاء معه على الزنى قال بعض العلماء هذا إذا كان الطلاق الذي ادعته بائنًا أما إذا كان رجعيًا فالظاهر أنه لا يحال بينهما لأنه قد يطؤها بنية الارتجاع وذلك حلال له لأن الإشهاد عليه ليس بشرط.
وانظر إذا تعذر سجن العام لموجب هل تطلق عليه في الحال كما قال الإمام أولًا أو يوعض ثم يوكل إلى ديانته
وهو الظاهر لم أر في ذلك نصًا والله أعلم.
وقوله أو عتاق أو قذف ما قيل في الطلاق يقال فيهما من السجن الطويل إذا أنكر المشهود عليه العتق أو القذف قال محمد بن عياض رحمه الله رأيت بخط الشيخ أبي رحمه الله قال قال الداودي فيمن ادعى على رجل أنه شتمه فإن كان يعرف بينه وبينه مشاررة حلف له وإلا سجن حتى يحلف أو يقرر وإن لم يكن بينه وبينه ذلك فلا شيء عليه إلا أن يقيم بينة ورأيت بخطه أيضا قال ابن أبي مريم كنت أقول فيمن أقامت عليه امرأته شاهدًا بالطلاق فنكل عن اليمين بقول ابن القاسم حتى وجدت حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا ادعت المرأة طلاق زوجها وجاءت على ذلك بشاهد عدل واحد استحلفت زوجها فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه قال ابن أبي مريم فأخذت به وهي رواية أشهب عن مالك وبه آخذ فإن نكل ثم أراد أن يحلف بعد لم يكن له ذلك اهـ من الجزء العاشر من المعيار وجملة يفي صفة لقذف.
وفهم من تخصيصه الحكم بهاته الثلاثة أن غيرها مما لا يثبت إلا بعدلين لا يجري فيه هذا الحكم وأنه لا يمين بمجرد الدعوى لقول مالك رضي الله تعالى عنه ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد إلا حلف سيده ولا امرأة إلا حلفت زوجها كل يوم.
وقوله رابعة ما تلزم اليمينا البيت ما اسم موصول واقع على الشهادة وتلزم بضم أوله من الزم الرباعي بمعنى توجب واليمين مفعوله ولا عاطفة والحق معطوف على اليمين ولكن حرف استدراك وابتداء لا عاطفة لعدم وجود شرطها الذي هو تقدم النفي أو النهي وللمطالبين بفتح اللام الأخيرة واللام الأولى بمعنى على والجار والمجرور متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله أي لكن تلزمها للمطلوب لا للطالب كما في النوع الثاني من أنواع الشهادات وتزين بفتح أوله فعل مضارع أصله تتزين بتاءين حذفت إحداهما للتخفيف (فصل) أي هذا فصل في ذكر النوع الخامس من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي لا توجب شيئًا لأحد المتخاصمين أو عليه البتة وإنما ذكرت مع غيرها مما يوجب شيئًا ولو في الجملة كالتنبيه وإليه أشار بقوله
(خامسة ليس عليها عمل... وهي الشهادة التي لا تقبل) (كشاهد الزور والابن للأب... وما جرى مجراهما مما أبى) يعني أن شهادة الزور لا تقبل لعدم العدالة وشهادة الابن للأب لا تقبل للتهمة وما جرى مجراهما مما أبى أي منع فمما جرى مجرى شاهد الزور فاقد العقل أو الحرية أو البلوغ في غير مسئلة الصبيان وعموم اجتناب الكبائر وقد تقدم الكلام عليها عند قوله وشاهد صفته المرعية الأبيات الثلاثة ومما جرى مجرى شهادة الابن للأب ظهور العداوة الدنيوية وتهمة الجر والدفع ونحوها مما تقدم أيضا (وفي) حاشية المهدي (تتمة) يكفي في رد الشهادة استرابة القاضي لها وحده ففي أحكام ابن سهل ما نصف وفي أحكام ابن زياد في رجل تردد على القاضي مشتكيًا برجلين عدلين حينًا ثم قام على المشتكي بهما رجل بدعوى فسأله القاضي بينة على دعواه فقال يشهد لي شاهدان وسمى ذينك الرجلين الذين تشكاهما المطلوب وتظلم منهما فقل له القاضي هل لك غيرهما فقال لا فاستراب القاضي ذلك وسأل الفقهاء عنه فقالوا التثبت في الشهود من أولى الأشياء وأحقها لما ظهر من كثير من الناس من الشهادة بغير الحق والذي استرابه القاضي وفقه الله مستراب إلا في العدول المبرزين في العدالة المعروفين بالخير واستقامة الطريقة على طوال الأيام ومرور المدد انتهى (قلت) لا مانع من كون المشتكي هو المتراب وكثيرًا ما يقع في هذا الزمان وقد شاهدنا ذلك مرارًا عديدة وعلى كل حال لما كانت القضاة في وقتنا هذا لا يستندون لعلمهم في شيء وهو الأحوط بهم وبالناس فإن النازلة التي تقع مثل هذه تجري مجراها على ما يقتضيه القانون الشرعي من الإعذار فيها بالوجه الذي يجرحان به بحسب الظاهر والله الموفق للصواب وقوله
فصل في شهادة السماع
قال الإمام ابن عرفة شهادة السماع لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع من غير معين انتهى فتخرج شهادة البت والنقل أي تخرج شهادة البت بقوله بإسناد شهادته لسماع وتخرج شهادة النقل بقوله من غير معين وسميت بذلك لأن المنقول عنه يقول للناقل أشهد على شهادتي.
وهل شهادة السماع ترجع إلى النوع الأول من أنواع الشهادات الخمس بناء على أنها توجب حقًا بلا يمين أو إلى النوع الثاني بناء على أنها توجب حقًا بيمين أو هي غير داخلة فيها ويكون على الناظم درك في إسقاطها من التقسيم تردد.
وعن ابن رشد أن لشهادة السماع ثلاث مراتب (الأولى) تفيد العلم واليقين وهي المعبر عنها بالتواتر كالسماع بأن مكة موجودة فهي بمنزلة الشهادة بالرؤية وغيرها مما يفيد العلم (الثانية) شهادة الاستفاضة وهي تفيد ظنًا يقرب من القطع ويرتفع عن السماع مثل الشهادة بأن عبد الرحمن هو ابن القاسم والهلال إذا رآه الجم الغفير من أهل البلد فالشهادة المستندة إليه في هاتين المرتبتين تكون على البت لا بالسماع (الثالثة) شهادة السماع التي لم يبلغ الخبر فيها مبلغ العلم أو مبلغ الظن القوي وأنه لا يجوز فيها الجزم كالمرتبة الأولى والثانية بل يصرح فيها شهودها بالسماع وهي المصطلح عليها عند الفقهاء بحيث إذا أطلقت عندهم لا تنصرف إلا إليها ولا تجوز إلا في مواضع مخصوصة بصفة مخصوصة وشروط لا تصح إلا بها لأنها جاءت على خلاف قول الله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وإنما قبلت للضرورة إليها لأن طول الزمان مظنة هلاك الشهود وقد ذكر الناظم من تلك المواضع المخصوصة عند الفقهاء تسعة عشر موضعًا وإليها أشار بقوله
(وأعلمت شهادة السماع... في الحمل والنكاح والرضاع)
(والحيض والميراث والميلاد... وحال إسلام أو ارتداد)
(والجرح والتعديل والولاء... والرشد والتسفيه والإيصاء)
(وفي تملك لملك بيد... يقام فيه بعد طول المدد)
(وحبس جاز من السنين... عليه ما يناهز العشرين)
(وعزل حاكم وفي تقديمه... وضرر الزوجين من تتميمه)
الأبيات الستة يعني أن شهادة السماع تجوز ويعمل بها في ثبوت الحمل وصفة الشهادة فيه كغيره مما عطف عليه أن يقول الشهود سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرهم أن الأمة فلانة حملت من سيدها فلان حملًا ظاهرًا لا خفاء فيه فتصير بذلك أم ولد أن ادعت سقوطه وتصدق في ذلك أن مات سيدها أو كان حيًا وأقر بوطئها فإن أنكر وطئها فلا ينفعها ذلك.
وفي ثبوت أصل النكاح وقع التداعي فيه من رجل أو امرأة حيث كانت المرأة في دعوى الرجل تحت يده وفي حوزه أو ليست بيد أحد فإن كانت بيد أحد بالزوجية لم يعمل ببينة السماع لأنه لا ينزع بها من يد حائز قاله البرزلي.
وفي ثبوت الرضاع لتقع به الحرمة حيث كانت الشهادة قبل العقد عليها وإلا فلا تؤثر شيئًا لأن شهادة السماع لا ينتزع بها من يد حائز كما يأتي قريبًا.
وفي ثبوت الحيض ليثبت البلوغ والخروج من العدة فتنبني عليه أحكامها وفي ثبوت الميراث أن لم يكن له وارث ثابت النسب وإلا فلا يعمل بها كما لا يعمل بها في المناسخات (وصفة العمل في هذا) الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكرهم فلانًا معرفة صحيحة تامة ويشهدون أنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرهم أنه ابن عم فلان المعروف عندهم المعرفة التامة يجتمع معه في جدة فلان ويعلمون أنه توفي منذ كذا فأحاط بميراثه زوجته فلانة وابن عمه فلان المذكور لا يعلمون له وارثًا ولا عاصبًا سوى من ذكر وقيدوا إلخ.
وفي ثبوت الولادة لتخرج من العدة وتصير به الأمة أم ولد وتخرج من الاستبراء.
وفي ثبوت إسلام الكافر وكفر المسلم لتنبني عليهما أحكامهما من إرث وعدمه.
وفي ثبوت جرحة الشاهد
فترد شهادته والتعديل فتقبل حيث لم يدرك الشهود زمن الذي جرحوه أو عدلوه فإن أدركوا زمنها فلابد من شهادة القطع وإلا فلا يعمل بها قاله ابن سلمون وبه تعلم سقوط قول من قال من أهل العصر في فتواه بغير نص ولو خارج المذهب أن الشاهد إذا مات لا يجرح فيه فهو كلام بعيد لا يلتفت إليه ألم يعلم أن الروات يجرحون بعد الممات لينبذ ما قالوه من الروايات فكيف لا يكون ذلك في باب الشهادات.
وفي ثبوت الولاء المشهور الشائع حيث شهدت البينة أنه مولاه لتجري عليه أحكام الولاء.
وفي ثبوت الرشد فتمضي أفعاله.
وفي ثبوت التسفيه فترد أفعاله.
وفي ثبوت الإيصاء مطلقًا سواء كان بالنظر على الأولاد فتجري عليه أحكام التصرف في مالهم أو بالمال كالهبة.
وفي استمرار تملك لملك بيد إنسان يقم عليه فيه بعد مدة طويلة كعشرين سنة أو قربها على ما به العمل وذلك فيما إذا قدم إنسان من المغيب أو بلغ الصبي مثلًا وأثبت بعد ذلك أن الملك له قد انجر له من أبيه أو جده وأثبت الموت والوراثة وتناسخ الوراثات أن كان ثم تناسخ فقال الذي بيده الملك أنه اشتراه من قوم قد انقرضوا وانقرضت البينة وأتى ببينة تشهد على السماع بأنه اشتراه من أبي القائم أو جده فإن هاته الشهادة تنفعه ويبقى الملك بيده.
وفي ثبوت حبس بيد مدعيه أو لم يكن تحت يد أحد وقد مضى عليه زمن طويل يقارب عشرين سنة (وصفة العمل فيها) كما في ابن عرضون الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكر أسمائهم عقب التاريخ جميع الدار مثلًا التي بموضع كذا يحدها كذا ويشهدون مع ذلك بأنهم لم يزالوا يسمعون سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرم أن جميع الدار المذكورة المحدودة حبس على كذا ويعلمون أنها تحاز بما تحاز به الأحباس وتحترم بحرمتها واتصل ذلك في علمهم حتى الآن ويحوزونها بالوقوف عليها متى دعوا إلى ذلك وقيدوا بذلك شهادتهم مسئولة منهم.
وإن كان حبسًا خاصًا بالعقب وأن الزوجة لا تدخل فيه زدت وأنهم يعرفون أن من مات منهم لا تدخل في نصيبه زوجته وتهلك ابنة الميت فلا يدخل ولدها في ذلك ولا زوجها وإن ضمنت إقرار
الساكنين فيها بأن سكناهم فيها على وجه الحبس فهو أتم انتهى وقوله ويعلمون أنها تحاز بما تحاز به الأحباس إلخ هكذا تكون على القطع فإن أدخلت تحت السماع بطلت على القول المعمول به (فرع) قال في الكافي والشهادة على السماع عاملة في أن بني فلان لم يكن لهم دخل في حبس فلان انتهى (تنبيه) وفي الغرناطي الاسترعاء بمعرفة الحبس لابد أن تذكر فيه يحاز بما تحاز به الأحباس وأنه يحترم باحترامها ولا تذكر المحبس له لئلا يكلف القائم بالحبس إثبات موت المحبس وتتناسخ ورثاته وملكه له انتهى ومثله في نوازل البرزلي.
وقولنا بيد مدعيه احتراز عما إذا كان بيد مدعي ملكيته وأنكر الحبيسة فإن بينة الحبس بالسماع لا تفيده لأنه لا ينتزع بها من يد حائز على القول المشهور المعمول به كما مر.
وأعملت في عزل حاكم فلا يمضي حكمه وفي ثبوت تقديمه فيمضي حكمه.
وفي ثبوت ضرر الزوج بزوجه لينبني عليه الزجر والطلاق ورد الخلع كما هو مبين في موضعه (وصفة العمل في ذلك) الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكرهم فلانًا بن فلان وفلانة بنت فلان معرفة تامة ويعلمون بالسماع الفاشي المستفيض على السنة اللفيف من النساء والجيران وغيرهم أن فلانًا الزوج المذكور لم يزل يضر بزوجه المذكورة في نفسها ومالها ويسيء عشرتها ويتكرر ذلك لها منه المرة بعد المرة من غير ذنب تستوجب به ذلك ولا يعلمون أنه رجع عن ذلك بوجه إلى الآن إلخ قاله ابن سلمون (وزيد) على ما ذكره الناظم مواضع أخر تجوز فيها شهادة السماع وهي حل النكاح بطلاق أو غيره وإلا باق واللوث بأن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا أن فلانًا قتل فلانًا والإعسار والعتق والأسر أي أن فلانًا أسره العدو والهبة والحرابة بأن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العدل وغيرهم أن فلانًا محاربًا وكذا في الرهن قاله الحطاب وقد نظمتها فقلت
والحل للنكاح والآباق... واللوث والإعسار والعتاق
والأسر والهبة والحرابة... والرهن منها فاعلم الإصابة
وأنهاها بعضهم إلى نيف وستين لكن لما كان فيها تداخل كما في ابن مرزوق اقتصرت
على هذا القدر ومن أراد الزيادة على هذا فليراجع شرح الشيخ التاودي (ولما) فرغ من ذكر المواضع التي تجوز فيها شهادة السماع شرع في بيان شروط صحتها فقال
(وشرطها استفاضة بحيث لا... يحصر من عنه السماع نقلا)
(مع السلامة من ارتياب... يفضي إلى تغليظ أو إكذاب)
(ويكتفي فيها بعدلين على... ما تابع الناس عليه العملا)
الأبيت الثلاثة ذكر فيها لصحة شهادة السماع أربعة شروط (الأول) الاستفاضة والمراد بها هاهنا أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور ولا الاستفاضة المتقدمة المنقولة عن ابن رشد (الثاني) عدم تسمية المنقول عنه كما نبه عليه بقوله بحيث لا يحصر بقية البيت (الثالث) انتفاء الريبة والتهمة كان يشهد اثنان بالسماع وفي القبيلة والبلد مائة أو أكثر من أسنانهما لا يعرفون شيئًا من ذلك لم تقبل لغلطهما أو كذبهما إلا أن يكونا شيخين كبيرين قد باد جيلهما فتقبل لسلامتها من ريبة الغلط أو الكذب (الرابع) تعدد الشهود اثنان فأكثر وأقل ما يجزيء فيها عدلان على القول المعمول به وقيل لا يجزيء فيها أقل من أربعة شهود أما العدل الواحد فلا يجزيء فيها اتفاقًا لضعف أصلها.
وقد زيد عليها شروط أربعة طول المدة في جميع أفرادها ما عدى ضرر الزوجين كما في ابن رحال ولا يجب في الشهادة بيان مدة السماع على ما جرى به العمل عند غير واحد من الموثقين كما في المتيطية.
وصفتها قال الإمام ابن عرفة الباجي وشرط شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصحح انتهى والاستفاضة هي الفشو كما في ابن عاشر وقيل الجمع فيها بين أهل العدل وغيرهم ليس شرطًا والعمل على الأول (قلت) لعل العمل على الأول في غير ضرر الزوجين.
وأن تكون لمن الشيء تحت يده كما مر عند قوله وحبس جاز من السنين البيت وقد يستفاد هذا من قول الناظم وفي تملك لملك بيد إلخ (قال) الشيخ عظوم القيرواني في المباني اليقينية شهادة السماع على
أرض أو دار في يد غير المشهود له بها فلا تنزع من هذا ليتمكن منها القائم بمجرد شهادة السماع إلا أن يشهد العدول على البت أو أنهم سمعوا من العدول أو أشهدهم بذلك العدول فيكون هذا من باب النقل الصحيح انتهى (قلت) قوله فيكون هذا من باب النقل الصحيح ظاهر فيما إذا أشهدهم العدول بذلك أما إذا لم يشهدوهم بذلك فهي مسألة شهادة السماع فلا بد من استفتاء شروطها.
وفي حاشية الشيخ المهدي قال الشيخ الرماصي المالكية مطبقون على التعبير بأنه لا ينزع بها من يد حائز وإنما تجوز للحائز وتحليف المشهود له على ما قال بعضهم لأن السماع ضعيف فلابد معه من اليمين ولا يقال لعل السماع وقع من شاهد واحد فلهذا وجبت اليمين لأنه لو كان كذلك لاقتضى خروج ما لا يثبت إلا بشاهدين قاله الزرقاني.
وقوله لا يحصر من عنه السماع نقلا البيت لا نافية ويحصر فعل مضارع مبني للنائب ومن اسم موصول نائب فاعل والسماع مبتدأ وجملة نقلًا من الفعل ونائب الفاعل المضمر العائد على المبتدأ خبره وعنه جار ومجرور متعلق بنقلا وألفه للإطلاق والجملة من المبتدأ والخبر ومتعلقه صلة من لا محل لها من الإعراب والرابط بين الصلة والموصول ضمير عنه (وقوله).
فصل في مسائل من الشهادات
ذكر الناظم في هذا الفصل أربع مسائل القيام بالشهادة الناقصة والاستظهار بالبينة بعد إنكار المدعى عليه وتعارض البينات وكيفية العمل في الشيء إذا ادعاه شخصان فالأولى قوله (ومن لطالب بحق شهدا... ولم يحقق عند ذاك العددا) (فمالك عنه به قولان... للحكم في ذاك مبينان) (إلغاؤها كأنها لم تذكر... وترفع الدعوى يمين المنكر)
(أو يلزم المطلوب أن يقرأ... ثم يؤدي ما به اقرأ)
(بعد يمينه وأن تجنبا... تعيينا أو عين والحلف أبى)
(كلف من يطلبه التعيينا... وهو له أن أعمل اليمينا)
(وما على المطلوب إجبار إذا... ما شاهدوا في أصل ملك هكذا)
الأبيات الثمانية يعني أن من شهد لرجل مثلًا بحق على آخر وكان مما يعد ولم يحقق عدده وقت أداء الشهادة ففي إلغاء شهادته وأعمالها قولان منقولان عن الإمام مالك مبينان للحكم في الذي شهد الشهادة المذكورة أي في شهادته (أحدهما) إلغاؤها لكونها كالعدم وعلى المطلوب المنكر يمين يرفع بها دعوى المدعي على الأصل وله قلبها على الطالب (وثانيهما) أن يكلف المدعى عليه بتعيين ما في ذمته لوجود قرينة قوية عند المدعي فإن عين قدرا حلف عليه وأداه وإن لم يعين شيئًا أو عين وامتنع من الحلف هدد فإن استمر على إبايته قيل للطالب عين مالك عليه فإن عين قدرًا وكان مما يشبه حلف عليه ويلزم المطلوب ما عينه وإن لم يعين شيئًا أو عين وأبى الحلف بطل حقه والقول الأول هو الأعرف لكن القول الثاني هو الذي به القضاء وتقدمت الإشارة إليه عند قول الناظم والمدعى فيه له شرطان.
واعترض على الناظم بأن كلامه مخالف للنقل حيث أشار إلى أن المدعى عليه يكلف بالإقرار إذا أباه قبل أن يؤمر المدعي بالتعيين وليس كذلك بل لا يكلف إلا إذا امتنع الطالب من التعيين لعدم علمه بقدر الحق فقد نقل عن ابن يونس عن ابن حبيب عن مالك أنه إذا جحد المطلوب قيل للطالب أن عرفته فاحلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي أو أعرفه ولا أحلف فيسجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه فإن أقر بشيء ولم يحلف أخذ منه وحبس حتى يحلف اهـ فلم يبطل حق الطالب إذا قال لا أحلف أو قال لست أعرفه (قلت) فلو قال ظم عقب قوله وترفع الدعوى البيت
أو يؤمر الطالب بالتبيين... ويستحقه مع اليمين
فإن أبى من البيان والحلف... الزم مطلوب بأن قد يعترف
فإن بشيء قد أقر لزمه... بعد يمينه عليه فاعلمه
فإن أبى من كل ما قد وصفا... سجنه القاضي إلى أن يحلفا
والأول اختيار بعض من مضى... والثاني أولى وبه جرى القضا
لكان نصًا في المسألة هذا كله إذا كانت الشهادة في الحقوق المالية المتعلقة بالذمة أما إذا كانت في معين كحصة من دار مثلًا فإنه يكلف المطلوب بتعيينه فإن أبى أو عينه وامتنع من الحلف فإنه يحال بينه وبين الدار حتى يحلف فإن أقر بشيء منها أخذ منه ووقف الباقي وهكذا إلى أن يحلف كما تقدم في الدعوى.
وقوله وما على المطلوب إجبار يعني لا يجبر بالسجن كما في المسألة الأولى على ما في النقل وهو مفهوم من قوله أو يلزم والإلزام لا يكون إلا بذلك بل يجبر بالحيلولة كما قررنا به كلامه.
وقوله ومن لطالب إلخ من بفتح الميم اسم موصول بمعنى الذي تضمن معنى الشرط وذاك إشارة لوقت أداء الشهادة وجملة فمالك عنه إلخ جواب الشرط وضمير عنه يرجع لمالك وضمير به يرجع للفرع المسؤول عنه وذاك الثاني إشارة إلى من ومبينان يجوز فيه كسر الياء وفتحها صفة لقولان والغاؤها بدل من قولان بدل مفصل عن مجمل وهو القول الأول ويمين بالرفع فاعل ترفع.
وقوله أو يلزم أو حرف عطف ويلزم بضم أوله وفتح ما قبل آخره فعل مضارع مبني للنائب منصوب بأن مضمرة جوازًا لوقوعها بعد عاطف مسبوق باسم خالص على حد قول الله عز وجل ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا﴾ في قراءة من قرأ من السبعة بنصب يرسل فإن المحذوفة وما دخلت عليه في تأويل مصدر عطف على قوله الغاؤها أي إلغاؤها أو إلزام المطلوب.
وقوله المطلوب نائب فاعل وقوله والحلف بفتح الحاء وسكون اللام وذاك الأعرف إشارة إلى الأول لا للقول الثاني لأنه لو أراد الثاني لقال وهذا الأعرف وإنما حمله الشارح على الثاني ليكون موافقًا لما به القضاء (والثانية) قوله
(ومنكر للخصم ما ادعاه... اثبت بعد أنه قضاه)
(ليس على شهوده من عمل... لكونه كذبهم في الأول)
يعني أن من قام لدى القاضي بدعوى دين مثلًا على آخر فأجاب المدعى عليه بالإنكار فلما استظهر المدعي بالبينة ورأى المدعى عليه من نفسه العجز عن الطعن فيها أو تذكر أن له بينة عليه في ذلك رجع عن إنكاره واعترف بالدين وادعى أنه كان قضاه له وله بينة تشهد بذلك فالعمل على عدم سماع بينته على الأشهر لكونه أسقطها بإنكاره ولأن كل من اضطرب كلامه وتناقضت مقالته سقطت دعواه وحجته إذ لا فرق في هذا بين المدعي والمدعى عليه.
وظاهر النظم أن بينته لا تنفعه مطلقًا سواء كان عالمًا بأن ذلك يضره أو لا وسواء نفى أصل المعاملة أو نفى الدين فقط وسواء كانت لدعوى في الأصول والحدود أو في غيرهما وليس كذلك بل المسألة فيها تفصيل (ففي) الحطاب عند قول صاحب المختصر وإن أنكر القبض فقامت البينة فشهدت بينة بالتلف ما نصه قال ابن فرحون في الباب السادس والخمسين من القسم الثاني من تبصرته من ادعى على رجل دينا من سلف أو قراض أو وديعة أو بضاعة أو رسالة أو رهن أو عارية أو هبة أو صدقة أو حق من الحقوق فجحد أن يكون عليه شيء من ذلك فلما خاف أن تقوم عليه البينة أقر وادعى فيه وجهًا من الوجوه يريد إسقاط ذلك عن نفسه لم ينفعه ذلك وإن قامت له البينة على ما زعم أخيرًا لأن جحوده أولا أكذب البينة فلا تسمع وإن كانوا عدولًا (تنبيه) وكذلك الحكم أن لم يقر ولكن قامت بذلك بينة فأقام هو بينة أيضا على رد السلف أو الوديعة أو القراض أو البضاعة أو الرسالة أو على هلاك ذلك فلا ينفعه لأنه بإنكاره مكذب لذلك كله هذا قول الرواة أجمعين ابن القاسم وأشهب وابن وهب ومطرف وابن الماجشون (فرع) وأما أن قال ما لك علي سلف ولا ثمن سلف ولا لك عندي وديعة ولا قراض ولا بضاعة فلما ثبت وذلك قبله بالبينة أقر بذلك وزعم أنه رد الوديعة والسلعة أو غير ذلك مما يدعى عليه أو
ادعى هلاكه وأقام على ذلكبينة فههنا تنفعه البراءة لأن قوله ما لك شيء يريد في وقته هذا وأما في الصورة الأولى إذا قال ما أسلفتني ولا أودعتني فليس مثل قوله هنا ما لك علي سلف (قال) ابن حبيب وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا عند الرواة إلا أني رأيت في كتاب الأقضية من السماع شيئًا يخالف هذا وأظن له وجهًا يصحح معناه أن شاء الله وذلك أنه سئل مالك عن رجل بعث معه رجل بعشرين دينارًا يبلغها إلى الجار والجار موضع وكتب إليه كتابًا وأشهد عليه عند دفعه إليه فحمل الكتاب وبلغه إلى من أرسل إليه فلما قرأه سأله عن الذهب فجحده إياه ثم أنه قدم المدينة فسأله الذي أرسل معه الذهب وقال له أني أشهدت عليك فقال له أن كنت دفعت إلي شيئًا فقد ضاع فقال مالك ما أرى عليه إلا يمينه وأرى هذا من مالك إنما هو في الجاهل الذي لا يعرف أن الإنكار يضره وأما العالم الذي يعلم أنه يضره ثم يندم عليه بعد ذلك فلا يعذر من كتاب الرعيني اهـ كلام ابن فرحون وهذا كله كلام الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار غير أن الرعيني زاد بعده ورأيت لابن مزين لفظة أنه قبل بينة على القضاء وإن جحدوه وقال ما أسلفتني قط شيئًا والأول أصوب أن شاء الله.
وفي مسائل العيوب من البرزلي فيمن قيم عليه بعيب فأنكر البيع فلما ثبت عليه زعم أن المشتري اعتمر وعرض للبيع بعد اطلاعه على العيب فقال هاشم بن محمد هذا تناقض لأنه كذب بينته قلت هذه المسئلة تجري على مسئلة من طولب بشيء فأنكره وأقيمت عليه البينة فأتى بحجة توجب قبول قوله وفيها خلاف مشهور في المدونة من مسئلة اللعان والتخيير والوديعة وغيرها حكاه ابن رشد وغيره انتههى وادعى ما يسقط ذلك فلا تسمع دعواه ولا بينته ولو كانت بينة عادلة بخلاف ما إذا قال ما لك علي سلف ولا وديعة ولا قراض أو قال ما لك عندي حق ثم أقر بعد ذلك أو قامت عليه البينة فادعى ما يسقط ذلك فإنه تسمع دعواه أو بينته وقد صرح بذلك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح وبذلك صرح المصنف
في باب الأقضية وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة ثم لا تقبل بينة بالقضاء بخلاف لا حق لك علي انتهى وينبغي أن يقيد ذلك أيضا بما قاله الرعيني وهو أن يكون المدعى عليه يعرف أن الإنكار يضره وأما أن كان يجهل ذلك ولا يفرق بين قوله ما أسلفتني وما أودعتني وبين قوله ما لك عندي سلف ولا وديعة فيعذر بالجهل إلا إذا حقق عليه وقدر عليه وقيل له أنت تنكر هذا أصلا فإذا قامت عليه البينة فلا تسمع بينتك فإذا استمر على ذلك فحينئذ لا تسمع بينته وينبغي أن يقيد ذلك بغير الحدود والأصول لأن هذا قول ابن القاسم وابن كنانة انتهى قال الشدادي وبهذا القيد جرى العمل وفي جواب لأبي القاسم السيوري اختلاف قول المؤتمن يوجب ضمانه لما اؤتمن عليه كما في وكالات الحاوي.
وقول الناظم كغيره كذبهم يعني بالتضمن لا بالتصريح لأن بينة القضاء تتضمن الإقرار بالمعاملة التي تفرع القضاء عنها وإنكاره المعاملة أو لا تكذيب لبينة القضاء وقال بعضهم المراد بتكذيب البينة إسقاطها بالإعراض عنها أولا فإذا استظهر بها في نازلة أخرى فإنها تقبل فلو قال الناظم بدل كذبهم أسقطهم لكان أظهر.
واعلم أن الخلاف الجاري بين أهل المذهب في المسئلة مبني على قاعدة وهي مضمن الإقرار وهل هو كصريحه أولا فمن قال هو كصريحه أسقط دعواه وبينته إذا انتقل من الإنكار إلى الإقرار وادعى الخلاص أو الضياع ومن قال مضمن الإقرار ليس كصريحه قال ينفعه ذلك ولا يضره الانتقال من الإنكار إلى الإقرار وإذا أردت بسط المسئلة فانظرها في شرح المنجور على الزقاقية الأصلية وقد علم مما تقدم أن المعول عليه من الخلاف هو التفصيل المذكور (والثالثة) قوله
(وفي ذوي عدل يعارضان... مبرزًا أتى لهم قولان)
(وبالشهيدين مطرف قضى... والحلف والأعدل أصبغ ارتضى)
(وقدم التاريخ ترجيح قبل... لا مع يد والعكس عن بعض نقل)
(وإنما يكون ذاك عند ما... لا يمكن الجمع لنا بينهما)
ولما ذكر ما يسقط الشهادة من تجريح ورجوع ونقصان شرع يتكلم على ما يسقطها من جهة التعارض والتعارض لغة هو التدافع والتمانع والتنافر كل ذلك متقارب قاله الرصاع وفي الاصطلاح هو أن تشهد بينة بشيء ثم تشهد الأخرى بنقيضه فإنه لا يصح إعمالهما معً لأن فيه جمعا بين نقيضين وهو محال فلا بد من طرح إحداهما وإعمال الأخرى لمرجح يقتضي تقديم المعملة أو طرحها معا أن عدم الترجيح وتعذر الجمع بينهما فالترجيح يكون بأمور (منها) بيان سبب الملك كالنسج والنتاج فإن شهدت إحدى البينتين بأنه ملك لزيد نسجه أو نتج عنده وشهد الأخرى بأنه ملكه فإنها تقدم على من أطلقت لأنها زادت بيان سبب الملك من نسج أو نتاح (ومنها) زيادة عدالة لا عدد إلا إذا كثر العدد جدًا في إحدى البينتين وهل يحلف مقيمها بناء على أن زيادة العدالة كشاهد واحد وهو الراجح أو لا يمين عليه بناء على أنها كشاهدان قولان (ومنها) شهادة الملك فإنها تقدم على شهادة الحوز فقط ولو كان تاريخ الحوز سابقًا لأن الحوز قد يكون عن ملك وغيره فهو أعم من الملك والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف العكس إلا إذا شهدت بينة ولو بالسماع أن هذا الحائز أو من ورثها الحائز عنه أو من اشتراها الحائز منه ابتاعها من هذا القائم أو ممن ورثها القائم منه أو ممن اشتراها منه فحينئذ تقدم على بينة الملك كذا في ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل وجازت بسماع فشا عن ثقات وغيرهم بملك لحائز متصرف طويلا وقدمت بينة الملك إلا بسماع أنه اشتراها أي الدار مثلا من كأبي القائم اهـ (ومنها) الناقلة على المستصحبة فإذا شهدت بينة أن هذه الدار مثلًا لزيد أنشأها من ماله لا يعلمون أنها خرجت عن ملكه بناقل شرعي وشهدت أخرى أن عمر اشتراها من زيد مثلًا لأن من علم شيئًا يقدم على من لم يعلم وفي الحقيقة ليس هنا تعارض لأن قول المستصحبة لا يعلمونها خرجت عن ملكه لا يقتضي عدم الخروج لأنه يفيد نفي العلم بالخروج لا نفي الخروج وإنما يحصل التعارض الحقيقي لو شهدت المستصحبة بأنها باقية على ملكه إلى الآن أو أنها لم تنتقل عن ملكه
إلى الآن بناء على القول المرجوح وهو أن الشهادة لا تقبل إلا على القطع (ومنها) المثبتة على النافية كان تشهد إحدى البينتين بأن هندا بالغ أو أن الزوج كفؤ لها أو أن زيدًا باع أو طلق زوجته بوقت كذا وشهدت الأخرى بأنها غير بالغ أو الزوج غير كفؤ أو لم يتلفظ بالبيع أو الطلاق في ذلك الوقت.
أو شهدت إحدى البينتين بمعاينة حوز الصدقة وشبهها يتصرف فيها المتصدق عليه إلى مرض موت المتصدق وشهدت الأخرى برؤية المتصدق بتصرف فيه إلى مرض الموت فإن بينة الحوز اعمل لأنها أوجبت حقًا كذلك إلا إذا سقط من الشهادة الأولى الاستمرار إلى مرض الموت فإن النافية تقدم عليها.
وكذا إذا شهدت إحدى البينتين بأن زيدًا قتل عمرًا يوم كذا في وقت كذا وشهدت الأخرى بأنه كان في ذلك الوقت من ذلك اليوم ببلد بعيد فإن شهادة القتل اعمل لأنها أوجبت حكمًا وهو القصاص ابن رشد هذا مشهور المذهب وقال القاضي إسماعيل يقضي ببينة البراءة أن كانت أعدل وإن استويتا في العدالة سقطتا ابن عبد البر هذا هو الصحيح إذ لا ينبغي أن يقدم على الدم إلا بيقين دون شك ومال إليه الحطاب واعتمده ابن رحال وقال لا ينظر للأعدلية لأنها إنما ينظر إليها فيما يثبت بالشاهد واليمين (ومنها) الشهادة الحسية على الشهادة العرفية ويكون ذلك عند اختلاف الزوجيت في متاع البيت فما كان صالحا للرجال فهو للزوج ما لم تشهد بينة بأن المرأة هي التي اشترته من مالها فيكون لها وما كان صالحًا للنساء فهو للزوجة ما لم تشهد بينة للزوج بأنه اشتراه من ماله فيكون له إلا ما يكتبه الناس في عقود الأنكحة والبيوع على الطوع وعرف البلد على الشرط فإنه تقدم فيه الشهادة العرفية على الحسية على القول المعمول به كما في الفتاوي البرزلية والزقاقية (ومنها) بينة الصحة والفساد فبينة الصحة اعمل لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة ما لم يغلب الفساد (ومنها) بينة التسفيه والترشيد فبينة السفه اعمل بالنسبة لإطلاقه من الحجر وأما بالنسبة للبيع ونحوه فتقدم بينة الترشيد لأنها أوجبت صحة العقد (ومنها) بينة التعديل والتجريح فبينة التجريح اعمل كما تقدم (ومنها) بينة الصحة والمرض
فبينة الصحة اعمل من بينة المرض (ومنها) بينة الطوع والإكراه فبينة الإكراه اعمل وكذا كل ضرر ولو أدى ذلك لفسخ العقود إذ لا ثمرة لها إلا ذلك (ومنها) بينة العدم والملا فتقدم بينة الملا بينت أم لا على ما به العمل (ومنها) شهادة عدلين على شهادة شاهد أعدل منهما مع يمين على واحد قولين لقول ابن رشد إذ من أهل العلم من لا يرى الشاهد واليمين إلى هذا الفرع أشار الناظم بقوله
(وفي ذوي عدل يعارضان... مبرزًا أتى لهم قولان)
(وبالشهيدين مطرف قضى)
يعني أن مطرف بن عبد الله الهلالي ابن أخت مالك وتلميذه قدم شهادة الشهيدين العدلين على الشاهد مع اليمين ولو كان أعدل أهل زمانه وقاله ابن الماجشون ورواه أصبغ عن ابن القاسم واستظهره ابن رشد كما تقدم.
ومقابله قوله (والحلف والأعدل أصبغ ارتضى) يعني أن أصبغ ابن الفرج تلميذ ابن القاسم وأشهب وابن وهب وشيخ ابن المواز وابن حبيب وغيرهما اختار تقديم شهادة الشاهد الأعدل مع اليمين على الشاهدين ابن رشد وهذا بعيد عن القياس وقوله الحلف بفتح الحاء وسكون اللام بالنصب مفعول ارتضى مقدم والأعدل معطوف عليه وأصبغ بالرفع مبتدأ وجملة ارتضى خبره.
وكذا تقدم شهادة عدلين على شهادة عدل واحد وامرأتين لأن المرأتين في الرتبة الثانية بعد الشاهدين قال الله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ قاله ابن مرزوق فإن كان الذي معهما مبرزًا قدم عليهما (ومنها) المؤرخة فإنها تقدم على غير المؤرخة (ومنها) قدم التاريخ بأن كان تاريخ إحداهما أقدم من الأخرى فإنها ترجح بذلك القدم لأن الملك ثبت للأقدم والأصل بقاء ما كان على ما كان وإلى هذا الفرع أشار الناظم بقوله (وقدم التاريخ ترجيح قبل) ولو كانت المتأخرة أعدل من المتقدمة.
وقوله (لا مع يد) أي قبل وقدم قدم التاريخ على حادثة التاريخ مع عدم يد الآخر لا مع يده أما إذا كان المتنازع فيه بيد صاحب
حديثة التاريخ فإنه لا ينتزع من يده لأن تركه تحت يده يتصرف فيه كيف شاء وهو ينظر إليه يكون قاطعًا لحجته هذا هو مراد الناظم وحمله عليه الشارح وهو الصواب كما في حاشية الشيخ المهدي.
وقوله (والعكس عن بعض نقل) يعني تقديم ذات التاريخ الأقرب ولو كان الشيء بيد الآخر قيل وهو نقل غريب (قال) الشيخ البناني لا يقال أن حديثة التاريخ ناقلة لأنا نقول شرط الترجيح بالنقل أن تكون شهادته مشتملة على ذكر سبب النقل وهنا أن ما شهدت بالملك غير أن إحداهما قالت ملكه منذ عامين والأخرى قالت ملكه منذ عام واحد فالأصل الاستصحاب انتهى فإن لم يكن مرجح لإحدى البينتين سقطتا معا وبقي الحوز بيد حائزه بيمين فإن رجحت بينة مقابلة أخذه بيمين كذلك على القول المشهور وقيل أن الحائز لا ينتفع بينته مطلقًا وإن بينة المدعي هي المعتبرة لتخصيص البينة به في الحديث هذا كله أن تعذر مطلقًا وإن بينة المدعي هي المعتبرة لتخصيص البينة به في الحديث هذا كله أن تعذر الجمع بين البينتين فإن أمكن الجمع بينهما جمع وإليه أشار الناظم بقوله
(وإنما يكون ذاك عندما... لا يمكن الجمع لنا بينهما)
مثاله من قال لرجل أسلمت إليك هذا الثوب في مائة ويبة قمحا وقال الآخر بل هذين الثوبين في مائة ويبة قمحا وأقام كل واحد منهما بينة وكانتا في مجلسين فيقضي بالثلاثة الأثواب في مائتين قال الشيخ أحمد الدردير إنما يتم هذا لو ادعى المسلم بالمائتين وإلا فكيف يقضي له بما لم يدعه انتهى فإن كانتا في مجلس واحد وكل واحدة تنفي أ. يكون تكلم بغير ما شهدت به فهو تكاذب يحكم بأعدل البينتين فإن تكافأنا سقطتا (فرعان الأول) قال ابن عبد البر في الكافي ما نصه وإذا شهد شهود على رجل بقتل رجل فاقر غير المشهود عليه بقتل ذلك الرجل فأولياؤه مخيرون في قتل من شاؤوا منهما وقد قيل يقتلان جميعًا أحدهما بالشهادة والآخر بالإقرار لأنه يمكن أن يكونا شريكين في قتله وقيل بل يقتل المقر وحده انتهى وقد رأيت في بعض الكتب المعتمدة ولم يحضرني الآن أن القول الأخير هو الراجح ورجحانه ظاهر
وهو أن شرط أعمال الشهادة أن تكون سالمة من الريبة التي تقضي إلى تغليظ وإكذاب ومن المعلوم أن الريبة من القوادح المعتبرة ولما كانت المسئلة فيها نوع إشكال فعلى الحاكم إمعان النظر فيها والتأني فإن الدماء أمرها خطير لا يقدم عليها إلا بأمر لا شبهة فيه (الثاني) سمع عيسى ابن القاسم من قدم للقتل بقسامة فقال رجل أنا قتلته فقال رجل يقتل هذا أولًا بالقسامة وهذا بإقراره ولا آخذ به قال ابن القاسم في المجموعة أن شاؤوا قتلوا الأول أو قتلوا المقر بإقراره ولا يقتلون إلا واحد منهما وقال أصبغ وابن عبد الحكم كقول ربيعة أنهما يقتلان معا وفي قتل المقر بقسمة أو دونها قولان لابن القاسم انتهى قلشاني على الرسالة.
وقوله وإنما يكون ذاك إلخ الإشارة راجعة للتعارض الموجب لترجيح إحدى البينتين على الأخرى وما مصدر به وجملة لا يمكن الجمع صلتها وهي مع صلتها في تأويل مصدر أي عند عدم إمكان الجمع (والرابعة) وهي من متعلقات ما قبلها (قوله)
(والشيء يدعيه شخصان معا... ولا يد ولا شهيد يدعى)
(يقسم ما بينهما بعد القسم... وذاك حكم في التساوي ملتزم)
(في بينات أو نكول أو يد... والقول قول ذي يد منفرد)
(وهو لمن أقام فيه البينة... وحالة الأعدل منها بينة)
الأبيات الأربعة يعني أن الشيء عقارا كان أو منقولا إذا دعاه شخصان مثلا كل واحد منهما يدعي جميعه لنفسه وليس لكل واحد منهما يد عليه ولا شهادة تصدق دعواه فإنه يقسم بينهما نصفين بعد اليمين وهكذا الحكم إذا استظهر كل واحد منهما ببينة وتعارضتا ولم يكن مرجح فإنهما تسقطان وتبقى الدعوى مجردة فيقسم بينهما نصفين بعد حلفهما أو نكولهما أو كان تحت أيديهما جميعًا ويقضي به للحالف على الناكل كما يقضي به لمن انفرد بوضع يده عليه بعد يمينه حيث لم تكن للآخر بينة بالملك وإلا قدمت على الحوز المجرد كما تقدم فإن أقام صاحب اليد بينة أيضا فإن كانت أرجح
من الأخرى أو كانت مساوية لها قضي به لصاحب اليد هذا معنى قوله وحالة الأعدل منها بينة فضمير منها يعود على البينة فتجري على نحو ما تقدم.
وقوله والشيء يدعيه إلخ الشيء مبتدأ وجملة يقسم خبره وجملة يدعيه يجوز أن تكون في محل نصب على الحال من المبتدأ نظرًا لصورة التعريف ويجوز أن تكون في محل رفع نعت له نظرًا للمعنى لأن المعرف بال الجنسية في معنى النكرة مثل قول الشاعر
ولقد أمر على اللئيم يسبني... فمضيت ثم قلت لا يعنيني
فافهم وذاك إشارة إلى قسم الشيء الذي تنازعا فيه بينهما بعد القسم (تنبيهات) الأول قال الشيخ التاودي ومفهوم قوله يدعيه شيئان أحدهما أن يتفقا على أن لكل واحد منهما حظًا لكنهما يجهلانه والحكم أن الشيء يقسم بينهما نصفين كما هو الأصل في الشركة قاله ابن لب الثاني أن يدعيه أحدهما ويدعي الآخر نصفه فإن لميكن بيد واحد منهما قسم على الدعوى اتفاقًا وإن كان بأيديهما معا فقيل كذلك أي يقسم على الدعوى أيضا وهو المشهور وقال أشهب وسحنون يقسم بينهما نصفين وحيث قيل يقسم على الدعوى فقيل كالعول فيضرب مدعي الكل باثنين ومدعي النصف بواحد ويقسم على الثلث والثلثين وقيل على الدعوى والتسليم فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع لأن النصف يسلمه له صاحبه والنصف الآخر هو محل النزاع فيقسم بينهما والله أعلم (الثاني) اعترض على الناظم من وجهين أحدهما أن كلامه يقتضي قسمة الشيء المتنازع فيه عاجلا وليس كذلك بل فيه تفصيل فإن كان يخشى فساده كالحيوان والرقيق والطعام فإنه يستأنى به قليلًا فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسم بينهما لأنه يحول ويزول وهو معنى الفساد وإن كان مما لا يخشى عليه الفساد كالدور فإنه يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه إلا أن يطول الزمان ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولا فإنه يقسم بينهما لأن ترك ذلك ووقفه ضرر (ثانيهما) لا مفهوم لقوله الأعدل بل غير الأعدلية من المرجحات كذلك فلو أبدل الأعدل بالأرجح لكان شاملًا لجميع المرجحات المتقدمة وقد تقدم أن الترجيح بالأعدلية إنما يعمل به فيما يثبت
بالشاهد واليمين (الثالث) قال القرافي فرع قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما أجرته إياها وقال الآخر أودعته إياها صدق.
من علم سبق كرائه أو إيداعه ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة للآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره ولم ينكر فيقضي له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهب فلو شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع قضي لصاحب الغصب لتضمين بينة اليد السابقة (فرع) قال في النوادر لو كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثًا أن كان العبد تاجرًا وإلا فنصفين لأن العبد في يد مولاه انتهى (الرابع) قال المواق عند قول صاحب المختصر أو لمن يقوله ما محصله أن كان بيد ثالث وادعاه لنفسه بعد تكافؤ بينتهما فقيل يبقى بيد حائزة لتجريح كل من البينتين الأخرى وعلى هذا القول أن اعترف به لأحدهما فهو لمن أقر بيده اهـ (الخامس) قال القاضي المكناسي في مجالسه ما نصه دعوى رجلين نكاح امرأة وإنكاره إياهما تعقد المقال وجميع المطالب وإنكاره فبعد الإشهاد بذلك يكلف كل واحد من المدعيين البينة على دعواه ويؤجلان على ما تقدم ذكره من ضرب الأجل وتجعل المرأة في خلال تلك الآجال عند أمينة حيث يوثق ولا حمالة عليها فإن أثبتاها معا فيعذر لكل واحد منهما في بينة صاحبه وتوقف المرأة خلال ذلك الأجل عند الأمينة كما تقدم فإن ثبتت بينة منهما وسقطت بينة الآخر ثبتت الزوجة لمن ثبتت بينته وعجز صاحبه ولا يمين على الذي ثبتت بينته ومكن من زوجته هذا إذا كانت الزوجة غير مدافعة لهما معا فإن كانت مدافعة لهما مكذبة لقولهما عقدت الأجل في دفع بينة كل واحد منهما عليها وعلى المتأجل فإن ثبتت البينتان وتكافأتا سقطتا قال ابن دبوس ناقلا عن ابن القاسم والمرأة مقرة أو منكرة قال إقرارها وإنكارها سواء فإن كان لم يدخل بها واحد منهما وكان الشهود عدولا انفسخ النكاحان جميعًا وكانت الفرقة تطليقة وإن كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى جعلت النكاح للأعدل وقال غيره وإن كانت إحداهما
أعدل سقطتا أيضا عند مالك وقال سحنون يثبت بالأعدل منهما فانظر التفصيل في محل الخلاف حيث هو أن كانت في مجلس أو مجلسين فإن لم يعلم الأول منهما وأقرت بأحدهما فلا يقبل قولها وهو مذهب المدونة ويفرق بينهما بطلقة وتأخذ من أحبت منهما أو من غيرهما وقيل يقبل قولها نقله اللخمي عن محمد بن عبد الحكم ونقله ابن دبوس عن أشهب انتهى (قال) المواق عند قول صاحب المختصر وأعدلية متناقضتين ملغات ولو صدقته المرأة ما نصه ابن عرفة فلو أقام كل بينة سقطتا ابن شاس المشهور أنه لا يرجح هاهنا بمزيد العدالة بخلاف البيع إذ لا يثبت نكاح بشاهد ويمين ويثبت به البيع ومزيد العدالة هاهنا كشاهد واحد ثم قال ولما ذكر ابن الحاجب أنه لا يقضي بالأعدل قال ولا عبرة بتصديق المرأة انتهى (وقال) صاحب الفروق فإن قيل لم يحكم بأعدل البينتين فيما عدى النكاح ولا يحكم بذلك في النكاح وفي الموضعين وجد الأعدل فما الفرق بينهما (أجيب) بأن الفرق بينهما أن غير النكاح يصح فيه أن يملكه شخصان فأكثر فيكون فيه التداعي وإذا وجدت البينة لكل واحد أو عدمت البينة فيحلفان ويقسم بينهما كما علمت بخلاف النكاح فإنه لا يكون كذلك ولأن البضع لا يقر على الشك في مراعات الترجيح لأن مراعات الترجيح الاجتهاد والاجتهاد لا ينبني على صحة المجتهد فيه فافترقا انتهى (خاتمة) لا بد في الشهادة بالملك من خمسة أمور يعتمد عليها الشاهد ويصرح بها وتكتب مفسرة لا مجملة على ما به العمل وهي كون الشيء محوزًا بيد المشهود له بالملكية وأنه ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه.
وأنه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه بالهدم والاستغلال أو نحوهما.
وطول المدة وأنه لا منازع له فيه ولا معارض.
وأن يزيد الشهود أنه لم يخرج من ملكه في علمهم وقيل هو شرط كمال فقط وقيل شرط صحة أن كان المشهود له بالملك ميتًا وإلا فكمال وإلى هذا أشار الشيخ علي بن قاسم شهر الزقاق بقوله
يد نسبة طول كعشرة أشهر... وفعل بلا خصم الملك يجتلا
وهل عدم التفويت في علمهم كما... لام صحة للحي للميت ذا اجعلا
قال التاودي قال أبو الحسن ينبغي أن يكون هذا الاختلاف في الحسي وأما الميت فشرط صحة قطعا وإليه أشار بقوله للميت ذا اجعلا قال ابن مرزوق وما قاله أبو الحسن ظاهر حسن يعني لأن الحي يحلف على البت الوارث يحلف على نفي العلم فإن قطعوا بالشهادة وقالوا لم تخرج عن ملكه كانت زورا قاله في المدونة والمراد لم تقبل وقد تغتفر للعوام انتهى وفي الحطاب (تنبيه) اليد عبارة عن القرب والاتصال فاعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها وتليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها والدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم الاستيلاء على جميعها قال بعض العلماء فيقدم أقوى اليدين على أضعفهما فلو تنازع الساكنان الدار سوي بينهما بعد إيمانها والراكب مع الراكب والسايق قيل يقدم الراكب مع يمينه اهـ فتأمله اهـ (وفي ابن سلمون) المستحقات على نوعين أصول وغيرها فأما الأصول فتكتب فيها الحمد لله يعرف شهوده فلانا ابن فلان الفلاني كمعرفتهم لعين جميع الدار أو الموضع بكذا حدودها كذا ويشهدون مع ذلك بأنها ملك من أملاكه ومال من ماله تحت يده منذ مدة كذا وأنه يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه ينسبها لنفسه وينسبها الناس إليه لا يعلمون له فيها منازعا ولا مخاصما ولا يعلمون له فيها بيعا ولا تفويتا ولا أنها خرجت عن ملكه بوجه إلى الآن ويحوزونها بالوقوف إليها متى دعوا إلى ذلك وقيدوا على ذلك شهادتهم في كذا مسئولة منهم لسائلها عن إذن الخ هذ إذا كان المشهود له حيا فإن كان ميتا كتبت بدل إلى الآن إلى أن مات فأحاط بميراثه زوجة فلانة وبنوه منها فلان وفلان وفلان لا يعلمون له وارثا غير من ذكر ولا يعلمون لأحد من الورثة في ذلك بيعا ولا تفويتا بوجه حتى الآن ومن علم ذلك على حسبه وعرف من ذكر ويحوز الملك ويعينه أدى شهادته مسؤولة منه لسائلها في كذا عن إذن من يجب إلخ.
وأما غير الأصول (فتكتب) الحمد لله يعرف شهوده فلانا كمعرفتهم
لعين جميع الفرس الأدهم أو الأشهب إلخ صفاته المحتاج إلى بيانها ويشهدون مع ذلك بأنه ملك من أملاكه ومال من ماله تحت يده وفي حوزه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه منذ مدة كذا ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه ولا يعلمون له فيه منازعًا ولا مخاصمًا ولا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملك مالكه إلى الآن أو إلى أن ضاع له من بلد كذا أو فر من بلد كذا وألفاه الآن بيد فلان وعلى عين الفرس المذكور أدوا شهادتهم إلخ فإذا تم هذا العقد لصاحبه ولم يكن لخصمه فيه مدفع ولا معارض ثبت له ويحلف في غير الأصول على القول المعمول به بالله الذي لا إله إلا هو لا يعلم لخصمه المذكور فيه حقًا قائمًا مستقبلا في المسجد الجامع أن كان الحالف مسلمًا وإلا فحيث يعظم انتهى ببعض زيادة للبيان لما يقتضيه أسلوب أهل هذا الزمان.
ولما ذكر الناظم مسئلة الدعوى وأن الشيء يقسم بين المتداعيين على حسب دعواهما بعد اليمين ناسب أن يأتي بباب اليمين عقب ذلك فقال.