الباب الثالث في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر (1) رضي الله عنه والصخرة وغير ذلك:
- فقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أعدد ستًّا بين يدَىْ الساعة، فذكر منها فتح بيت المقدس 2، ففتحه عمر - رضي الله عنه - صلحًا لخمسٍ خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة بعد موت سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (77/ أ) بخمس سنين وأشهُر.
- قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: لما فتح عمر - رضي الله عنه - بيت المقدس، وجد النصارى قد ألقت على الصخرة زبالة عظيمة؛ لأنَّ النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلُّون إليها، فأزالها ونظَّفها، وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلَّى المسلمين، فقال: خلف الصخرة فزجره عمر - رضي الله عنه -، وقال: خالطتك يهودية، بل إنما نبنيه أمامها فإن لنا صدور المجالس، فبناه في قبلي المسجد، وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم الأقصى.
والأقصى: اسم للمسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام كله في هذا المصلَّى الذي بناه عمر - رضي الله عنه - أفضل منها في سائر المسجد. - وقد رُوي: أن عمر - رضي الله عنه - صلى في محراب داود عليه1
الجزء: 1 - الصفحة: 309
السلام، وأما الصخرة فلم يصلِّ عندها عمر - رضي الله عنه - ولا الصحابة رضي الله عنهم.
ولهذا؛ لما قَدِمَ الأوزاعي بيت المقدس، توضأ، ثمَّ جعل الصخرة وراء ظهره، وصلَّى ثماني ركعات وصلَّى الخمس صلوات، ثمَّ قال: هكذا فعل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، ولم يأتِ شيئًا من تلك الأماكن.
- وروى الإمام أحمد في "مسنده" أن عمر بن الخطَّاب رضي الله [عنه] كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، قال عُبيد بن آدم: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة؛ فكان القدس كلها بين يديك فقال عمر: ضاهيت اليهودية! ولكن أصلي حيث صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقدم إلى القبلة فصلَّى، ثمَّ جاء فبسط رداءه فكنَس الكناسة في ردائه، وكنَس الناس 3.
- وقد كانت الصخرة مكشوفة في خلافة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ومروان، ولكن؛ لما أخذ عبد الملك بن مروان الشام ووقع بينه وبين ابن الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير، فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير، فبنى لهم القبة على الصخرة، وكساها في (77/ أ) الشتاء والصيف؛ ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس، ويصّدهم بذلك عن ابن الزبير.
- وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين؛ فلم يكونوا يعظِّمون الصخرة؛ فإنها كانت قِبْلة ثمَّ نُسخت - كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى عليه السلام ثمَّ نسخ في شريعة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصّوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة - كما يفعله اليهود والنصارى، وكذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 310
الصخرة؛ إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى.
وما يذكره بعض الجهال: أن هناك أثر قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأثر عمامته أو غير ذلك: فكله كذب.
وكذلك المكان الذي يذكر أنَّه مهد عيسى عليه السلام: كذب؛ وإنما كان موضع معمودية النصارى.
وكذلك من زعم؛ أن هناك الصراط والميزان والسور الذي يضرب به بين الجنة والنار، هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد.
وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها: ليس مشروعًا، وليس بيت 4 المقدس مكان تفضله العبادة سوى المسجد الأقصى.
- وقد ذكر طائفة من المتأخرين: أن اليمين تغلظ عند الصخرة، وليس هذا في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، فليس له أصل؛ بل تغلظ هناك عند المنبر - كما في سائر المساجد.
- وليس ببيت المقدس مكان يسمى: حرمًا، ولا بقرية الخليل، ولا بغير ذلك من البقاع؛ إلا ثلاثة أماكن:
أحدها: حرم باتفاق المسلمين، وهو حرم مكة.
والثاني: حرم عند جمهور العلماء - كمالك، والشافعيُّ، وأحمد، وهو: حرم المدينة.
والثالث: وجّ: وهو واد بالطائف؛ فإن هذا رُوي فيه حديث رواه أحمد في "المُسْند" 5، وليس في الصحاح؛ فهو حرم: عند الشافعي؛ لاعتقاده
الجزء: 1 - الصفحة: 311
صحة الحديث.
وليس حرمًا عند أكثر العلماء.
وأحمد ضعَّف الحديث المروي فيه، ولم يأخذ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 312