تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزيصفحات 725-760

بَابُ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ

صفحات 725-760

784 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الْقُرَشِيُّ أَبُو زَكَرِيَّا، ثنا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنُحَدِّثُ أَنْفُسَنَا بِأَشْيَاءَ لَأَنْ يَخِرَّ أَحَدُنَا مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟ قَالَ: «ذَاكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ»

785 - حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ النَّاسَ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي يَجِدُهَا أَحَدُهُمْ لَأَنْ يَسْقُطَ مِنْ عِنْدِ الثُّرَيَّا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي الْعَبْدَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ فَإِذَا عَصَمَ مِنْهُ وَقَعَ فِيمَا هُنَالِكَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ يَعْنِي أَنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي نَفْسِهَا هِيَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ، إِنَّمَا يَعْنِي مَا أَظْهَرُوا لَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ عَنِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذِ اخْتَارُوا لِأَنْ يَخِرُّوا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ وَلَا تَطِيبُ نَفْسُ أَحَدٍ بِأَنْ تَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ وَأَنْ تَصِيرَ حُمَمَةً إِلَّا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَذَلِكَ الْخَوْفُ هُوَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْوَسْوَسَةَ مِنْ طَرِيقِ الشِّرْكِ نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الْعَذَابِ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ تَكُونَ حُمَمَةً لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِالْيَقِينِ كَانَ مَا دُونَهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَأَخَفُّ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَقِينٌ، وَالْآخَرُ شَكٌّ، وَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ يَقِينٌ فَهُوَ إِقْرَارٌ وَتَصْدِيقٌ، وَمَا كَانَ مِنْهُ شَكٌّ فَهُوَ طَاعَةٌ لَا إِيمَانَ فَقَدْ أَخْطَأْتُمْ عَلَى اللُّغَةِ أَيْنَ وَجَدْتُمُ الْخَوْفَ إِقْرَارًا فِي لُغَةٍ أَوْ تَصْدِيقًا؟ فَأَمَّا قَوْلُكُمْ: يَقِينٌ فَلَعَمْرِي إِنَّ الْيَقِينَ يُوجِبُ الْخَوْفَ، وَإِنَّ الْخَوْفَ الَّذِي هُوَ شَكٌّ مَا أَوْجَبَهُ إِلَّا الْيَقِينُ

لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَأَنَّ لَهُ عَذَابًا يُعَذِّبُ بِهِ مَنْ عَصَاهُ، مَا خَافُوهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ فَإِنَّمَا أَوْجَبَ هَذَا الْيَقِينَ بِمَا يَخَافُ، وَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 51] فَقَدْ أَيْقَنُوا بِالْحَشْرِ لَكِنَّهُمْ يَخَافُونَ مَا يَقَعُ فِي الْحَشْرِ فَخَوْفُهُمْ عَنْ يَقِينِ، وَلِذَلِكَ يَرْجُونَ لِقَاءَ رَبِّهِمْ عَنْ يَقِينِ، إِنَّمَا يَرْجُونَ أَنْ يَرْحَمَهُمْ عِنْدَ لِقَائِهِ لَا أَنَّ الْخَوْفَ فِي نَفْسِهِ يَقِينٌ، وَلَا أَنَّ الرَّجَاءَ يَقِينٌ، وَلَكِنَّهَا عَنْ يَقِينِ فَإِنْ سَمَّيْتُمُوهَا إِيمَانًا فَكَذَلِكَ كُلُّ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ عَنْ يَقِينِ فَهُوَ إِيمَانٌ، وَلَوْ جَازَ مَا قُلْتُمْ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ النَّارِ يَخَافُونَ النَّارَ، وَهُمْ فِيهَا لِأَنَّهُمْ قَدْ أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرْجُونَ الْجَنَّةَ وَهُمْ فِيهَا وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْمَعْقُولِ وَاللُّغَةِ إِذَا وَقَعَ الْعَذَابُ زَالَ الْخَوْفُ، وَإِذَا وَقَعَ الظَّفَرُ زَالَ الرَّجَاءُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنِّي قَدْ أَرْجُو أَنْ يُنْجِزَ اللَّهُ وَعْدَهُ لَا يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَقْصِيرٍ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ إِنْ ذَهَبَ إِلَى تَقْصِيرٍ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِهِ وَقَعَ الشَّكُّ لِأَنَّهُ لَا يُسَاهِلُ الْوَعْدَ، وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَرْجُو أَنَّ اللَّهَ يَفِي بِمَا قَالَ وَوَعَدَ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ

، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُدْخِلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا الْجَنَّةَ لَكَانَ هَذَا حُمْقًا، يَسْتَعْمِلُ الْخَوْفَ فِيمَا قَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ فَاعِلُهُ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ اللَّذَيْنِ سَمَّيْتُمُوهُمَا إِيمَانًا لَيْسَا يَقِينًا، وَلَكِنَّهُمَا إِشْفَاقٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَلٌ يَبْعَثَانِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيُزْعِجَانِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ إِشْفَاقٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَلٍ لَهُ يَبْعَثَانِ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُزْعِجَانِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ

786 - حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيَّ، يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بِاللَّهِ أَعْرَفَ كَانَ مِنَ اللَّهِ أَخْوَفَ» ، قَالَ أَحْمَدُ: صَدَقَ وَاللَّهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ أَخْبِرُونَا عَنِ الْحُبِّ لِلَّهِ إِيمَانٌ هُوَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، قِيلَ لَهُمْ: فَمَا ضِدُّ الْحُبِّ؟ فَإِنْ قَالُوا: الْبُغْضُ، وَلَابُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُمْ: فَالْبُغْضُ لِلَّهِ إِذًا لَيْسَ بِكُفْرٍ لِأَنَّ الْكُفْرَ ضِدُّ الْإِيمَانِ، وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ لَيْسَ ضِدُّهُ إِيمَانًا لِأَنَّ اسْمَ

الطَّاعَةِ عِنْدَكُمْ يَجْمَعُ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا الْمُفْتَرَضَةَ وَغَيْرِهَا فَاسْمُ الْإِيمَانِ طَاعَةٌ، وَضِدُّهُ مَعْصِيَةُ كُفْرٍ وَالْفَرَائِضُ طَاعَةٌ وَضِدُّهَا مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ، وَالنَّوَافِلُ طَاعَةٌ وَضِدُّهَا نَقْصٌ لَا مَعْصِيَةٌ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُمْ: فَالْبُغْضُ لِلَّهِ إِذًا لَيْسَ بِكُفْرٍ لِأَنَّ الْكُفْرَ ضِدُّ الْإِيمَانِ، وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ لَيْسَ ضِدُّهُ إِيمَانًا لِأَنَّ اسْمَ الطَّاعَةِ عِنْدَكُمْ يَجْمَعُ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا الْمُفْتَرَضَةَ وَغَيْرِهَا فَاسْمُ الْإِيمَانِ طَاعَةٌ، وَضِدُّهُ مَعْصِيَةُ كُفْرٍ وَالْفَرَائِضُ طَاعَةٌ وَضِدُّهَا مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ، وَالنَّوَافِلُ طَاعَةٌ وَضِدُّهَا نَقْصٌ لَا مَعْصِيَةٌ وَلَا كُفْرٌ، فَإِذَا كَانَ الْحَبُّ طَاعَةً لَا إِيمَانًا فَالْبُغْضُ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ.
فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ بُغْضُ اللَّهِ كُفْرًا فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ كَانَ مُؤْمِنًا فَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَإِنْ أَصَابَ الْمَعَاصِي فَهُمْ يَرْجُونَ لَهُ الْعَفْوَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالرَّحْمَةَ فَمَنْ أَبْغَضَ لِلَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ يَرْجُونَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ جَنَّتَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] فَأَخْبَرَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَهُ مُحِبُّونَ وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مَنْ أَبْغَضَهُ بَعْدَ أَنْ يُقَرِّبَهُ وَبِمَا قَالَ.
وَإِنْ قَالُوا: مَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ فَهُوَ كَافِرٌ، قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ أَثْبَتُّمُ الْبُغْضَ كُفْرًا فَكَذَلِكَ الْحَبُّ إِيمَانٌ لِأَنَّ الْإِيمَانَ ضِدُّ الْكُفْرِ فَمَا نَفَى الْكُفْرَ فَهُوَ إِيمَانٌ وَمَا نَفَى الْإِيمَانَ فَهُوَ كُفْرٌ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْكُفْرَ يَنْفِي مَا لَيْسَ بِإِيمَانٍ فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَنْفِي مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَإِذَا كَانَ كَافِرًا بِبَعْضِ الْمَعَانِي ثُمَّ أَتَى بِالْإِيمَانِ لَمْ يَنْتِفِ مِنْهُ الْكُفْرَ وَكَانَ مُؤْمِنًا بَعْدَ الْكُفْرِ

، وَكَذَلِكَ إِنْ أَتَى بِالْكُفْرِ لَمْ يَنْتِفِ مِنْهُ الْإِيمَانَ وَكَانَ كَافِرًا مُؤْمِنًا وَهَذَا التَّنَاقُضَ وَالْإِحَالَةَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَوْلِكُمْ لَا يَخْرُجُ الْمُؤْمِنُ مِنْهُ إِلَّا بِتَرْكِهِ وَلَا يَتْرُكُهُ إِلَّا بِأَخَفِّ ضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ.
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْحُبَّ لِلَّهِ إِيمَانٌ وَالْبُغْضَ لَهُ كُفْرٌ قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ أَضَفْتُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ ثَالِثًا وَهُوَ حُبُّ اللَّهِ فَزَعَمْتُمْ أَنَّهُ إِيمَانٌ ثُمَّ أَزَلْتُمُ التَّصْدِيقَ وَالْإِقْرَارَ بِزَوَالِ الْحُبِّ فَقَدْ جَعَلْتُمُ الْحُبَّ تَصْدِيقًا وَإِقْرَارًا، وَالْبُغْضَ جَحْدًا لِأَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ الْعَبْدَ إِلَّا بِالْجَحْدِ عِنْدَكُمْ، وَلَا يُؤْمِنُ إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ وَقَدْ كَفَرَ بِالْبُغْضِ وَهُوَ جَحْدٌ عَلَى قَوْلِكُمْ، وَآمَنَ بِالْحُبِّ فَقَدْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِكُمْ إِنَّ الْحُبَّ تَصْدِيقٌ وَالْبُغْضَ جَحْدٌ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللُّغَةِ وَالْمَعْقُولِ فَأَيْنَ اللُّغَةُ الَّتِي بِهَا اعْتَلَلْتُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: مُحَالٌ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ فَلَا يَكُونُ لَهُ مُحِبًّا لِأَنَّهُ يُصَدِّقُ بِهِ بِمَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ حُبِّهِ وَلَا يَعْرِضُ فِي قَلْبِهِ الْبُغْضَ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي فِطَرِنَا إِنَّا نَعْرِفُ مِنْ دُونِ اللَّهِ بِالْقُدْرَةِ، وَالْحِلْمِ، وَالْكَرَمِ، وَالْجُودِ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيْنَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْنَا، وَالْعِلْمِ، وَالْحِكْمَةِ فِي نَفْسِهِ فَلَا تَمْتَنِعُ

قُلُوبُنَا أَنْ نُحِبَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَمُحَالٌ أَنْ يُسَاوِي اللَّهَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي صِفَاتِهِ وَمَدْحِهِ فَإِذَا كَانَتْ فِطَرُنَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ حُبِّ مَنْ هُوَ دُونَ اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ إِذَا عَرَفْنَا بِبَعْضِ الْمَدْحِ وَكَانَ إِلَيْنَا مُحْسِنًا فَمُحَالٌ أَنْ يَمْتَنِعَ قَلْبُ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَصَدَّقَ بِهِ وَأَنَّهُ الْمُحْسِنُ إِلَيْهِ وَأَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِحْسَانٌ قَطُّ إِلَّا مِنْهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ حُبِّهِ فَمَسْأَلَتُكُمْ إِيَّانَا مُحَالٌ إِذْ سَأَلْتُمُونَا عَنْ مَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ وَصَدَّقَ بِهِ فَأَوْجَدْنَاكُمْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فَإِنَّ قَوْلَكُمْ صَدَقَ وَهُوَ مُبْغِضٌ مُتَنَاقِضٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَأَنَّكُمْ قُلْتُمْ صَدَقَ وَهُوَ مُكَذِّبٌ لِأَنَّ الْبُغْضَ لَا يَكُونُ مِنْ مُكَذِّبٍ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْبُغْضُ مِنْ مُصَدِّقٍ لِحَالَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّا لَمْ نَرَ وَلَمْ نَسْمَعْ مُؤْمِنًا كَذَلِكَ وَلَمْ نَجِدْهُ فِي فِطَرِ عُقُولِنَا أَنَّا لَا نَمْتَنِعُ مِنْ حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ أَهْلًا لِلْحُبِّ فَكَيْفَ مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَهْلًا لِأَنْ يُحِبَّ بَلْ لَا تَمْتَنِعُ قُلُوبُنَا مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ أَنْ نُحِبَّ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَيْنَا، بَلْ نَبْذُلَ لَهُ مِنْ أَمْوَالِنَا وَنُؤْثِرُهُ عَلَى أَنْفُسِنَا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْخِصَالُ: الْكَرَمُ، وَالْعِلْمُ، وَالتُّقَى، وَالنَّزَاهَةُ مِنْ كُلِّ

مَكْرُوهٍ، وَكَانَ إِلَيْنَا مُحْسِنًا كَانَ حُبُّهُ فِي قُلُوبِنَا كَامِلًا لِمَا عَرَفْنَاهُ بِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَاوِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كَرَمِهِ وَجُودِهِ وَحِلْمِهِ وَعِلْمِهِ بَلْ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ، وَكُلُّ إِحْسَانٍ فَمِنْهُ وَإِنْ جَرَى عَلَى أَيْدِي الْخَلَائِقِ فَمُحَالٌ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّصْدِيقُ لِلَّهِ وَالْبُغْضُ لَهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يُزِيلَ التَّصْدِيقُ الْحُبَّ قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ أَجَبْتُمُونَا بِجَوَابٍ يَلْزَمُكُمْ فِي مَعْنَى جَوَابِكُمْ هَذَا أَنْ تَقُولُوا بِقَوْلِنَا قَدْ وَافَقْتُمُونَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُونَ لِأَنَّكُمْ وَصَفْتُمُ الْمَعْرِفَةَ وَالتَّصْدِيقَ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْعَارِفَ الْمُصَدِّقَ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَتَرْكِ الْبُغْضِ لَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ فَجَعَلْتُمْ مَا يَكُونُ عَنِ التَّصْدِيقِ إِيمَانًا وَهَذَا الَّذِي خَالَفْتُمُونَا مِنْ أَجْلِهِ لِأَنَّكُمُ اعْتَلَلْتُمْ بِاللُّغَةِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَا يُسَمُّونَ الْحُبَّ تَصْدِيقًا وَلَا إِيمَانًا، وَلَا الْبُغْضَ كُفْرًا لِأَنَّ الْحُبَّ عَنِ التَّصْدِيقِ يَكُونُ، وَالْبُغْضَ عَنِ الْإِنْكَارِ وَالْجَحْدِ فَقَدْ أَضَفْتُمْ إِلَى الْإِيمَانِ مَا أَوْجَبَهُ الْإِيمَانُ وَكَانَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ كُلَّمَا أَوْجَبَهُ الْإِيمَانُ وَكَانَ عَنْهُ فَهُوَ إِيمَانٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا أَصْدَرْتَ اللُّغَةَ بِالْعِبَارَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا مُوجِبٌ لِلْآخَرِ عَرَفْتَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مُتَقَدِّمَةٌ لِلْحُبِّ بِالْبُغْضِ

. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ عَرَفْتُ فُلَانًا بِالشَّرِّ وَالْإِسَاءَةِ فَأَبْغَضْتُهُ، وَعَرَفْتُ فُلَانًا بِالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ فَأَحْبَبْتُهُ، وَلَا يَقُولُ الْعَرَبُ أَبْغَضْتُهُ وَعَرَفَتُهُ بِالْإِسَاءَةِ وَالشَّرِّ وَلَا أَحْبَبْتُهُ وَعَرَفَتْهُ بِالْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ هَذَا مُحَالٌ فِي لُغَتِهَا لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَتَقَدَّمُهَا وَلَيْسَتْ بِهَا فَقَدْ جَعَلْتُمْ مَا كَانَ الْإِيمَانُ سَبَبَهُ إِيمَانًا فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ الْإِيمَانُ سَبَبُهُ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ أَوْ جَارِحِهِ فَهُوَ إِيمَانٌ وَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا اعْتَلَلْتُمْ وَوَافَقْتُمْ مُخَالِفِيكُمْ فِي مَعْنَى الْجَوَابِ الَّذِي بِهِ أَجَبْتُمْ.
فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ الْمُبْغِضَ لَا يُبْغِضُ مُبْغِضًا إِلَّا لِخِصَالٍ ثَلَاثٍ إِمَّا لِمَعْرِفَتِهِ بِالشَّرِّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ خَبِيثٌ يَسْتَحِقُّ الْبُغْضَ لِأَفْعَالِهِ الْخَبِيثَةِ وَلِطَبْعِهِ اللَّئِيمِ.
وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِلَئِيمٍ فِي طَبْعِهِ قَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، وَآذَاهُ وَظَلَمَهُ فَيُبْغِضُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْ حَسَدَهُ فَيُوَرِّثُهُ الْحَسَدُ لَهُ الْبُغْضَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لِلَّهِ لِأَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِكَرِيمٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ الْحَسَنَ فَقَدِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ وَلَمْ يَعْرِفْ، وَكَذَلِكَ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَدْ ظَلَمَهُ وَجَارَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَافِرٌ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ لِأَنَّ الْجَائِرَ

الظَّالِمَ الْمُعْتَدِي هُوَ الْمُحْتَاجُ الْعَاجِزُ الْمَنْقُوصُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الظُّلْمِ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا لَخَصْلَتَيْنِ اجْتِرَارُ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفَعُ مَضَرَّةٍ مِنْ شَيْءٍ عَنْهُ لَا يَمْلِكُهُ أَوْ دَفْعُ أَذَى مَنْ يَخَافُهُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ فَيُبَادِرُهُ بِالظُّلْمِ بِأَنْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَجَلَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا الْحَسَدُ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَحْسِدُ إِلَّا مَخْلُوقًا مِثْلَهُ يُقَاسُهُ عَلَيْهِ إِذْ صَارَ إِلَى خَيْرٍ مِنْ دِينٍ أَوْ دُنْيَا لَمْ يَصِلْ هُوَ إِلَيْهِ، أَوْ عَدَاوَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وَلَيْسَ الْخَلْقُ فِي الْإِلَهِيَّةِ مَعْنًى يُعَظِّمُونَ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَنَالُوا مِنْهَا بَلْ هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مَصْنُوعُونَ مُحْدَثُونَ فَالْحَسَدُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْخَالِقِ خَارِجٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَأَمَّا الْحَسَدُ عَنِ الْعَدَاوَةِ فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ كُفْرٌ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ مُضَادَّةٌ وَمُعَانَدَةٌ وَذَلِكَ كُفْرٌ كُلُّهُ قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ قَدْ صَدَقْتُمْ فِي جَوَابِكُمْ أَنَّ الْبُغْضَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذَلِكَ وَأَشْبَاهِهِ فَلَمْ نَسْأَلْكُمْ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَنْ أَنْزَلَ اللَّهَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَلَمْ يَعْرِفُهُ وَلَكِنْ سَأَلْنَاكُمْ عَنِ الْبُغْضِ الَّذِي أَوْجَبَتْهُ هَذِهِ الْخَلَّالُ الَّتِي هِيَ جَحْدٌ وَكُفْرٌ فَجَعَلْتُمُ الْبُغْضَ كُفْرًا وَلَيْسَ هَذِهِ الْخِلَالُ بِبُغْضٍ فِي عَيْنِهِ وَلَكِنَّ الْبُغْضَ عَنْهَا يَكُونُ وَهِيَ سَبَبٌ لِلْبُغْضِ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللَّهِ، وَأَضَفْتُمْ إِلَى الْكُفْرِ عَلَى دَعْوَاكُمْ مَا

كَانَ الْكُفْرُ سَبَبًا لَهُ وَعَنْهُ لَا يَكُونُ هُوَ فِي عَيْنِهِ فَقَدْ وَافَقْتُمْ مُخَالِفِيكُمْ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيَلْزَمُكُمْ أَيْضًا مَا ادَّعَيْتُمْ أَنْ كَانَ مَا أَوْجَبَهُ كُفْرًا فَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَتْهُ أَضْدَادُهَا إِيمَانٌ لِأَنَّ أَضْدَادَهَا مَعْرِفَةٌ بِاللَّهِ إِنَّهُ الْكَرِيمُ ذُو الْإِحْسَانِ وَالْجُودِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّهُ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ وَإِنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ، وَعَادِلٌ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعَدْلَ لَا يَنْصَرِفُ مِنْ عَدْلٍ إِلَى جَوْرٍ أَبَدًا فَهَذِهِ الْخِلَالُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُبِّ لِلَّهِ فَكَذَلِكَ الْحَبُّ لِلَّهِ إِيمَانٌ بِهِ كَمَا كَانَ الْبُغْضُ كُفْرًا عَنِ الْكُفْرِ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ الْحُبَّ لِلَّهِ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، وَالْبُغْضَ لَهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَلَكِنَّهُمَا خَلْقَانِ عَنِ الْكُفْرِ أَوِ الْإِيمَانِ وَلَا يَكُونُ الْبُغْضُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ وَلَا يَكُونُ الْحُبُّ إِلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ.
قِيلَ لَهُمْ: فَالْبُغْضُ لِلَّهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ فِي عَيْنِهِ وَلَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ فَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ لَمْ يَكْفُرْ لِبُغْضِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ.
قِيلَ لَهُمْ: لَمْ نَسْأَلْكُمْ عَنْ مَا أَوْجَبَهُ وَلَا مِمَّنْ يَكُونُ وَلَكِنْ سَأَلْنَاكُمْ عَنِ الْبُغْضِ هَلْ هُوَ فِي عَيْنِهِ كُفْرٌ أَوْ غَيْرُ كُفْرٍ؟

. فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ هُوَ فِي عَيْنِهِ كُفْرٌ.
قِيلَ لَهُمْ: فَكُلُّ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَجَائِزٌ لِلَّهِ أَنْ يُبِيحَهُ لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ سِوَى الْكُفْرِ فَجَائِزٌ أَنْ يُبِيحَهَا اللَّهُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةٍ، وَيُحِلَّهُ وَيَتَعَبَّدُ خَلْقَهُ بِمَا يَشَاءُ.
فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَتْ كُلُّ الْمَعَاصِي يَجُوزُ فِيهَا النَّسْخُ قِيلَ لَهُمْ: مِثْلُ مَاذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: كَالظُّلْمِ مِنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ.
قِيلَ لَهُمْ: قَدْ أَكْذَبَكُمُ الْكِتَابُ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمَّى إِخْوَةَ يُوسُفَ عُصَاةً خَاطِئِينَ بِتَغَيُّبِهِمْ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَادَ لِيُوسُفَ عَنْ أَخِيهِ بِمَا احْتَالَ بِالْصُوَاعِ إِذْ دَسَّ الصُّوَاعَ فِي وِعَاءِ أَخِيهِ لِيَقْطَعَهُ عَنْهُمْ وَيَحْبِسَهُ عَنْ أَبِيهِ وَيَرْجِعُوا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ مَعَهُمْ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: 76] فَأَظْهَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ سَرَقَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ وَحَبَسَهُ عَنْ أَبِيهِ فَازْدَادَ لِذَلِكَ حُزْنًا وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ يُوسُفَ بِذَلِكَ عَاصِيًا بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَلِيَ لَهُ كَيْدَ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ بِأَنْ

ضَمَّ أَخَاهُ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا فَقَالَ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: 30] فَحَرَّمَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا، وَأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا ثُمَّ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ جَعَلَ تَوْبَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي يَغْفِرُ لَهُمْ بِهَا وَيَقْبَلُهُمْ قَتْلَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَقَالَ: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾

787 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: " قَالُوا: يَا مُوسَى سَلْ رَبَّكَ: مَا تَوْبَتُنَا؟ فَسَأَلَ رَبَّهُ، فَقَالَ: تَوْبَتُهُمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالُوا: هَذَا وَلَكِنْ أَمْرٌ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا هُوَ غَيْرُهُ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ، مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مَنْ قَتَلَ أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ أَوْ أَخَاهُ حَتَّى قُتِلَ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَمُوسَى قَائِمٌ يَنْظُرُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ مُرْهُمْ أَنْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ فَقَدْ غُفِرَ لِمَنْ قُتِلَ، وَتُبْتُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَكَفُّوا أَيْدِيَهُمْ "

788 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَا: أنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: " ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ مَا يُبَالِي الرَّجُلُ قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ قَتَلَ أَخَاهُ أَوْ قَتَلَ ابْنَهُ وَلَا أَحَدًا حَتَّى نَزَلَتِ التَّوْبَةُ " زَادَ إِسْحَاقُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَأَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَا: «قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ لَا يَحِنُّ رَجُلٌ عَلَى قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِيَدِهِ فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ فَيُكْشَفُ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ»

789 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي قُرَّةَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كَانَ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ نَاسًا مِنْهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْعِجْلَ بَاطِلٌ فَلَمْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا إِلَّا مَخَافَةَ الْقِتَالِ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَجَعَلَ اللَّهُ الْقَتْلَ لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهَادَةً، وَكَانَ تَوْبَةً لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَغَ قَتْلُهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ الْقَتْلَ عَنْهُمْ، وَتَابَ عَلَيْهِمْ

790 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [البقرة: 54] ابْتُلُوا - وَاللَّهِ - بِشَدِيدَةٍ مِنَ الْبَلَاءِ تَنَاحَرُوا بِالشِّفَارِ صَفَّيْنِ فَلَمَّا بَلَغَ مِنْهُمْ نِقْمَتَهُ سَقَطَتِ الشِّفَارُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَكَانَ لِلْمَقْتُولِ مِنْهُمْ شَهَادَةً وَلِلْحَيِّ تَوْبَةً "

791 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ،: " ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: قَامُوا صَفَّيْنِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا.
قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَتْ شَهَادَةً لِلْمَقْتُولِ، وَتَوْبَةً لِلْحَيِّ "

792 - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، ثنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 54] قَالَ: كَانَ مُوسَى أَمَرَ قَوْمَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ أَبَاهُ وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ: وَالْعِجْلُ حُلِيُّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: أَحْرِقُوهُ فَأَحْرَقُوهُ، وَكَانَ السَّامِرِيُّ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَطَرَحَهَا فِيهِ فَانَسَبَكَ فَكَانَ لَهُ كَالْجَوْفِ تَهْوِي فِيهِ الرِّيحُ، فَقَالَ السَّامِرِيُّ: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ".

793 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا رَوْحٌ، ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ كَانَ الْبُغْضُ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَجَائِزٌ

أَنْ يُبِيحَ اللَّهُ بُغْضَهُ لِمَنِ اعْتَقَدَ مَعْرِفَتَهُ.
فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ مُحَالٌ أَنْ يُفَارِقَ الْكُفْرُ الْبُغْضَ.
قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ مُحَالٌ أَنْ يُفَارِقَ الْإِيمَانُ الْحُبَّ وَكَانَ عَزِيزًا أَنْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَارِقَ الْبُغْضُ الْكُفْرَ، فَالْحُبُّ الْإِيمَانُ لَا غَيْرُهُ، وَالْبُغْضُ مِنَ الْكُفْرِ جُزْءٌ لَا غَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ خَلَّتَانِ: الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْعَارِفَ قَدْ يَعْرِفُ وَيَجْحَدُ، وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ.
فَإِنْ قَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: لَيْسَ الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَلَكِنَّهُ الْخُضُوعُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ.
قِيلَ لَهُمُ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا فِي الْخُضُوعِ كَالْمَسْأَلَةِ فِي الْحُبِّ إِذْ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لَا يَكُونُ إِيمَانًا إِلَّا بِخُضُوعٍ، وَلَيْسَ الْخُضُوعُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَقَدْ أَضَفْتُمُوهُ إِلَيْهَا فَكَذَلِكَ الْحُبُّ يَقُومُ بِالْخُضُوعِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا وَلَوْ كَانَ الْحُبُّ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا الْبُغْضُ جُزْءًا مِنَ الْكُفْرِ لَجَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فَيَكُونُ إِيمَانٌ بِلَا حُبٍّ، وَبُغْضٌ بِلَا كُفْرٍ، لِأَنَّكُمْ وَإِنِ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا يَكُونُ إِيمَانًا إِلَّا

وَمَعَهَا خُضُوعٌ فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ لَيْسَ مَعَهُ مَعْرِفَةٌ وَلَا خُضُوعٌ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ مَعْرِفَةً وَخُضُوعًا وإِقْرَارًا بِاللِّسَانِ، وَلَا يَتِمُّ الْمَعْرِفَةُ وَالْخُضُوعُ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَالْإِقْرَارُ هُوَ إِيمَانٌ فِي عَيْنِهِ فَجَازَ أَنْ يُوجَدَ بَعْضُ الْإِيمَانِ فِي زَوَالِ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَزُولَ الْحُبُّ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ لِأَنَّ الْحُبَّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَالْإِقْرَارُ فِي نَفْسِهِ إِيمَانٌ، وَكَمَا وُجِدَ إِقْرَارٌ بِلَا تَصْدِيقٍ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يُوجَدَ تَصْدِيقٌ بِلَا حُبٍّ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ فَرْعٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَكَذَلِكَ الْحُبُّ فَرْعٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَمَا وُجِدَ فَرْعٌ بِلَا أَصْلٍ، فَجَائِزٌ أَنْ يُوجَدَ حُبٌّ بِلَا تَصْدِيقٍ.
فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ مُحَالٌ.
قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ ثَبَتُّمْ أَنَّ الْحُبَّ لِلَّهِ أَوْجَبُ أَنْ يَكُونَ إِيمَانًا مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ إِذْ كَانَ الْإِقْرَارُ قَدْ يَنْفَرِدُ دُونَ التَّصْدِيقِ فَيَكُونُ إِقْرَارًا وَلَا تَصْدِيقٌ وَلَا يَنْفَرِدُ الْحُبُّ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يُفَارِقُهُ فَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ يَنْفَرِدُ مِنَ التَّصْدِيقِ فَإِنْ يَقْدُمُهُ التَّصْدِيقُ صَارَ الْإِقْرَارُ إِيمَانًا، وَإِذَا انْفَرَدَ لَمْ يَصِرْ إِيمَانًا، فَالْحُبُّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ إِيمَانًا إِذْ لَا جَائِزَ أَنْ يَنْفَرِدَ مِنَ التَّصْدِيقِ، فَالْحُبُّ عَلَى دَعْوَاكُمْ أَوْكَدُ

مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ أَنْ يَكُونَ إِيمَانًا، وَكَذَلِكَ الْبُغْضُ أَوْكَدُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَخَّصَ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَدُوِّ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْجَحْدَ بِلِسَانِهِ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا وَقَدْ أَتَى مَا يَجْحَدُ بِلِسَانِهِ وَبَقِيَ التَّصْدِيقُ فِي قَلْبِهِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُفَارِقَ الْبُغْضَ لِلَّهِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ الْجَحْدُ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الرُّخْصَةِ مِنَ التَّصْدِيقِ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا وَلَا يَنْفَرِدُ الْبُغْضُ مِنَ التَّصْدِيقِ إِلَّا كَانَ كُفْرًا نَاقِضًا لِلتَّصْدِيقِ فَالْجَحْدُ بِاللِّسَانِ لِلرُّخْصَةِ لَا يَنْقُضُ التَّصْدِيقَ، وَالْبُغْضُ لَا يَكُونُ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا إِلَّا كَانَ نَاقِضًا لِلتَّصْدِيقِ فَالْبُغْضُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا فَقَدْ نَاقَضْتُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ فِي دَعْوَاكُمْ مَعَ خُرُوجِكُمْ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ الْبُغْضَ لِلَّهِ فِي عَيْنِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَأَنَّ الْحُبَّ لَيْسَ بِإِيمَانٍ.
فَإِنْ قَالُوا: الْحُبُّ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، وَالْبُغْضُ كُفْرٌ لِأَنَّ الْبُغْضَ شَتْمٌ.
قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحُبُّ مَدْحٌ.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّا قَدْ نُحِبُّ مَنْ يَسْتَأْهِلُ عِنْدَنَا وَلَا يَسْتَأْهِلُ، وَلَا نُبْغِضُ إِلَّا مَنْ يَسْتَأْهِلُ الْبُغْضَ فَالْبُغْضُ شَتْمٌ.
قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحُبُّ مَدْحٌ عَلَى قَوْلِكُمْ، وَلَا جَائِزٌ

لِلْعَاقِلِ أَنْ يُحِبَّ مَنْ لَا يَسْتَأْهِلُ الْحُبَّ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، كَمَا لَا جَائِزَ أَنْ يُبْغِضَ إِلَّا مَنْ يَسْتَأْهِلُ الْبُغْضَ وَمَعَ ذَلِكَ إِنَّكُمْ قَدْ فَرَّقْتُمْ فَزَعَمْتُمْ أَنَّ اثْنَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أَحَدُهُمَا ضِدٌّ لِلْآخَرِ، وَأَحَدُهُمَا كُفْرٌ وَضِدُّهُ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، فَإِذَا كَانَ قَدْ تَأْتِي بِالْحُبِّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ إِيمَانًا ضِدًّا لِلْكُفْرِ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبُغْضِ، وَلَا يَكُونُ الْإِيمَانُ يُخْرِجُهُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبُغْضُ كُفْرًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ إِيمَانًا، لِأَنَّ الْإِيمَانَ ضِدُّهُ الْكُفْرُ وَأَحَدُهُمَا يَنْفِي الْآخَرَ فَإِذَا كَانَ الْبُغْضُ فِي عَيْنِهِ كُفْرًا يَنْفِي الْإِيمَانَ فَكَذَلِكَ الْحُبُّ فِي عَيْنِهِ إِيمَانٌ يَنْفِي الْكُفْرَ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَفْهَمُ الْمَعْقُولَ وَيَعْقِلُ اللُّغَةَ.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْحُبَّ إِيمَانٌ، وَالْبُغْضَ كُفْرٌ.
قِيلَ لَهُمْ: وَأَيْنَ وَجَدْتُمْ هَذَا فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْحُبَّ تَصْدِيقٌ، وَأَنَّ الْبُغْضَ جَحْدٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: وَإِنْ لَمْ نَجِدْهُ فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ لَا يُفَارِقُ الْحُبَّ وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقٌ إِلَّا مُحِبًّا، وَالْبُغْضُ لَا يُفَارِقُ الْكُفْرَ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مُبْغِضٌ إِلَّا كَافِرًا.
قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ جَعَلْتُمْ مَا أَوْجَبَهُ الْإِيمَانُ إِيمَانًا، وَمَا

أَوْجَبَهُ الْكُفْرُ كُفْرًا، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَكَانَا سَبَبًا لَهُ فَهُوَ إِيمَانٌ أَوْ كُفْرٌ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا اعْتَلَلْتُمْ، وَوَافَقْتُمْ مُخَالِفِيكُمْ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الَّتِي قَالَتْ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْخُضُوعُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ فَكُلُّ خَاضِعٍ مُطِيعٌ.
قِيلَ: وَأَيْنَ وَجَدْتُمُ الْخُضُوعَ فِي اللُّغَةِ إِيمَانًا؟ فَإِنْ قَالُوا: وَجَدْنَا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَكَمَ لِمَنْ فَعَلَهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَكَفَرَ مَنْ لَمْ يَخْضَعْ.
قِيلَ لَهُمْ: فَلَمْ تَأْخُذُوا ذَلِكَ عَنِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُ عَنِ اللَّهِ فَإِنْ كَانَ الْخُضُوعُ مِنَ الْإِيمَانِ فَكُلُّ خُضُوعٍ إِيمَانٌ إِذَا اتَّبَعْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ، وَخَرَجْتُمْ مِمَّا تَعْقِلُونَ مِنَ اللُّغَةِ فَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] فَثَبَتَ الْخُضُوعُ لِلْأَعْنَاقِ، فَحَيْثُ مَا يُوجَدْ خُضُوعٌ لِلَّهِ فَهُوَ إِيمَانٌ، وَحَيْثُ وُجِدَ إِبَاءٌ وَاسْتِكْبَارٌ أَوْ تَرْكٌ لِأَمْرِهِ فَهُوَ كُفْرٌ، فَالتَّرْكُ مَعَ الْإِبَاءِ كُفْرٌ كَمَا كَانَ الْفِعْلُ بِالْخُضُوعِ وَالْإِرَادَةِ إِيمَانًا، فَإِنْ كَانَتِ الْمُرْجِئَةُ إِنَّمَا قَالَتْ: إِنَّ الْإِقْرَارَ إِيمَانٌ مَعَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ تَحْقِيقٌ لِلتَّصْدِيقِ فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا لَوْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ: آمِنْ بِاللَّهِ وَاشْهَدْ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ قَالَ: آمِنْ وَأَقِرَّ بِلِسَانِكَ، فَقَالَ

بِلِسَانِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي قَلْبِهِ لَكَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى تَحْقِيقِ مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يَلِي عِلْمَ السَّرَائِرِ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: آمِنْ بِاللَّهِ وَقُمْ فَصَلِّ فَبَادَرَ إِلَى الْوُضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِقْرَارًا، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ مَالِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَقُلْ نَعَمْ فَبَادَرَ فَأَعْطَاهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ مُحَقِّقًا لِمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ إِذْ أَبْدَى الطَّاعَةَ وَسَارَعَ إِلَيْهَا كَمَا سَارَعَ إِلَيْهَا الْمُقِرُّ بِلِسَانِهِ فَقَدْ قَامَتِ الْجَوَارِحُ مَقَامَ اللِّسَانِ فِي التَّحْقِيقِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَ اللِّسَانُ أَعْظَمَ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ بِالشَّهَادَةِ فَكُلٌّ يُحَقِّقُ لِلْمَعْرِفَةِ.
قَالَ: وَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ رَجُلًا زِنْدِيقًا أَوْ نَصْرَانِيًّا كَانَ جَالِسًا فِي سَفِينَةٍ أَوْ رَأْسِ جُرُفٍ مُطِلًّا عَلَى الْمَاءِ فَتَدَبَّرَ وَتَفَكَّرَ فِي الْخَلْقِ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْهُ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فَغَرِقَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ بِلِسَانٍ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُؤْمِنًا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ؟

فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَأَيْنَ الْإِقْرَارُ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ إِلَى أَنْ يُؤَدِّي الْإِقْرَارَ.
قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ شَهِدْتُمْ بِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِلَا إِقْرَارَ إِيمَانٌ كَامِلٌ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقْرَارَ فَلَمْ يُقِرَّ أَيَنْقُصُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ عِنْدَكُمْ؟ فَإِنْ أَقَرَّ كَمُلَ الْإِيمَانُ فَشَهِدْتُمْ لَهُ بِالْكَمَالِ فِي وَقْتٍ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مُكْمِلٌ فِي وَقْتٍ ثَانٍ فَكَيْفَ يَكْمُلُ مَا قَدْ كَمُلَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا كَمُلَ الْمُفْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ إِنْ لَمْ يَبْقَ فَإِنْ بَقِيَ فَأَقَرَّ زَادَ كَمَالًا إِلَى كَمَالِهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَامِلًا مِنْ جِهَةِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ كَامِلًا مِنْ جِهَةِ مَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفِي فَصَدَّقَ وَأَقَرَّ.
قِيلَ لَهُمْ: فَهَذَا الَّذِي زَعَمْتُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْفَرْضَ مِنَ الْإِيمَانِ إِذَا لَزِمَ الْعَبْدُ فَأَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ بِبَاقِي الْفَرْضِ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي لَزِمَ غَيْرَهُ فَإِنْ بَقَى إِلَى وَقْتٍ ثَانٍ فَأَدَّى مِنَ الْفَرْضِ مَا أَدَّى غَيْرُهُ كَانَ زِيَادَةً عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الْمُصَدِّقِ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ ثُمَّ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ ثَانٍ وَلَوْ أَتَى وَقْتٌ ثَانٍ فَشَهِدَ فِيهِ كَانَ زِيَادَةً عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ

. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الَّذِي صَدَقَ ثُمَّ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ إِنْ نَوَى أَنْ يُقِرَّ بِاللَّهِ وَيَشْهَدَ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ قِيلَ لَهُمْ فَقَدْ ضَمِنْتُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ النِّيَّةَ، وَلَيْسَتْ فِي اللُّغَةِ وَتَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ صَدَقَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ فَعُوجِلَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَمَاتَ أَمُؤْمِنٌ هُوَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا فَالَّذِي نَوَى فَعُوجِلَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الْإِقْرَارِ أَيْضًا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا إِذْ لَمْ يَأْتِ الْوَقْتُ الَّذِي يُمْكِنُهُ فِيهِ الْإِقْرَارَ قَبْلَ تَصْدِيقِهِ لِأَنَّهُ عَجَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ عُوجِلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ عُوجِلَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِ وَقْتٌ يَنْوِي فِيهِ فَقَدْ جَعَلُوا الْإِيمَانَ تَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ مَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُ عَمَلِ جَارِحِهِ، فَإِذَا أَتَى وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ التَّشَهُّدَ كَانَ التَّشَهُّدُ فِيهِ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ جَمِيعُ عَمَلِ الْجَوَارِحِ إِذَا أَتَى أَوْقَاتُهَا فَأَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهَا كَانَ قِيَامُهُ بِهَا زِيَادَةٌ عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ.
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ بِقَلْبِهِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثُمَّ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ التَّشَهُّدَ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَدْ كَفَّرُوا مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ فِي اللُّغَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: 260]

فَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ إِيمَانٍ قَدْ كَانَ قَبْلَ الْعِبَادَةِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَقَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17] أَيْ مُصَدِّقٍ فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي اللُّغَةِ كَافِرٌ بِغَيْرِ تَرْكٍ مِنْهُ لِلْإِقْرَارِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَكَفَّرُوهُ بِغَيْرِ جُحُودٍ وَلَا إِبَاءٍ لِلْإِقْرَارِ، وَلَا امْتِنَاعٍ مِنْهُ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ اللُّغَةِ وَمِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ إِذِ الْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا جُحُودًا بِالْقَلْبِ أَوْ تَكْذِيبًا بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ إِبَاءً أَوِ امْتِنَاعًا بِاسْتِكْبَارٍ وَاسْتِنْكَافٍ.
فَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا عِنْدَ الْبُلُوغِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُسْلِمٌ اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ثُمَّ أَفْلَجَ قَبْلَ أَنْ يَجِئَ وَقْتُ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ فَيَبُسَتْ يَدَاهُ وَلِسَانُهُ فَمَكَثَ بِذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَلَا الْإِشَارَةُ بِجَارِحِهِ فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ عَاشَ كَافِرًا حَتَّى مَاتَ وَهَذَا الْخُرُوجُ مِنَ اللُّغَةِ، وَمِنْ قَوْلِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا.
فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا فُرْقَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَدِّقِ وَالْمُعَاجِلِ بِالْفَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ الْإِقْرَارَ، وَكَذَلِكَ إِنْ صَدَّقَ ثُمَّ جُنَّ فَزَالَ عَقْلُهُ مَعَ آخِرِ وَقْتِ التَّصْدِيقِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ الْإِقْرَارَ لَا فُرْقَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَاجِلِ بِالْفَرْضِ فَقَدْ تَرَكُوا

قَوْلَهُمْ وَنَقَضُوا أَصْلَهُمْ، وَأَقَرُّوا بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ بَعْدَ مَا شَهِدُوا لَهُ بِالْكَمَالِ.
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ فَهَذَا دَعْوَى ادَّعَوْهَا لِيُثْبِتُوا بِهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2] و ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ إِلَّا بَعْدَ الْكَمَالِ، وَأَنَّ الْجُزْءَ الثَّانِي إِذَا ضُمَّ إِلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَ بِزِيَادَةٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَعْلُومٌ فَإِذَا ضَمَّ جُزْءًا إِلَى جُزْءٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْإِيمَانِ حَتَّى يُتِمَّ فَإِذَا تَمَّ جَارَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنَ الْقَوْلِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا تَمَّ ثُمَّ ضُمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ مَا كَانَ جُزْءًا مِنْهُ لَا أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانُوا قَدْ أَتَوْا بِالْإِيمَانِ كَامِلًا ثُمَّ ازْدَادُوا مَعْرِفَةً فِيمَا ادَّعَوْا، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْإِيمَانِ فَكَيْفَ زَادَ فِيمَا هُوَ كَامِلٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَمْ يُسَمَّ بِهِ وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ إِيمَانٌ مَعَ الْإِقْرَارِ فَقَدْ جَاءُوا بِالْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ وَذَلِكَ هُوَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ جَاءَ بِمَعْرِفَةٍ وَقَدْ كَمُلَتِ الْمَعْرِفَةُ وَلَمْ تَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ يَأْتِي بِهَا الْعَارِفُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ

وَعِنْدَهُمْ فَإِذَا كَمُلَ الْمَعْلُومُ ثُمَّ جِئَ بِثَانٍ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْإِيمَانِ الْمَعْلُومِ إِلَّا أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ فَرْضٌ وَنَافِلَةٌ، وَالنَّافِلَةُ تَرْكُهَا مُبَاحٌ، وَفِعْلُهَا قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ فَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ مِنْهُ مُفْتَرَضٌ، وَمِنْهُ نَافِلَةٌ فَضِدُّهُمَا جَمِيعًا الْكُفْرُ فَكَمَا كَانَ تَرْكُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ بَعْدَ مَا يَتْرُكُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ نَافِلَةٌ مُبَاحٌ فَتَرْكُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ عِنْدَهُمْ فَكُفْرٌ بِاللَّهِ مُبَاحٌ، وَكُفْرٌ مُحَرَّمٌ وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ إِلَّا مُخْتَلِطٌ.
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَمَّوُا الزِّيَادَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْرِفَةٍ وَالْمَعْرِفَةُ هِيَ الْإِيمَانُ.
قِيلَ لَهُمْ: قَدْ غَلَطْتُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ الزَّائِدَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُفْتَرَضَةً أَوْ غَيْرِ مُفْتَرَضَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْتَرَضَةٍ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ، وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ مَا لَا يَزِيدُ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مُفْتَرَضَةً فَقَدْ ثَبَتُّمْ إِيمَانًا بِالْإِبَاحَةِ وَهَلْ أَبَاحَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ تَرْكَ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ ضِدَّهُ وَكَانَ كُفْرٌ مُبَاحٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا هَلْ يُوصَلُ إِلَى هَيْبَةِ شَيْءٍ، وَتَعْظِيمِهِ، وَخَوْفِهِ، وَرَجَائِهِ، وَحُبِّهِ إِلَّا بِخَصْلَتَيْنِ إِمَّا بِمُعَايَنَةٍ وَإِمَّا بِإِيمَانٍ لَهُ بِخَبَرٍ صَادِقٍ أَوْ

دَلِيلٍ يَلْزَمُ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يُوصَلُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُنَالُ إِلَّا بِمَا ذَكَرْتَ.
قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ عَنِ الْعِبَادِ فَلَمْ يُعَايِنْ أَحَدٌ مِنْهُمُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَمْ يَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ إِلَّا مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْعِبَادِ وَسِيلَةٌ يَنَالُوا بِهَا الْخَوْفَ، وَالرَّجَاءَ، وَالتَّعْظِيمَ، وَالْإِجْلَالَ إِلَّا الْإِيمَانَ فَلَمْ يُفَاوِتِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا فِي الطَّاعَاتِ مِنَ الْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالْهَيْبَةِ، وَالْحُبِّ، وَالْيَقِينِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ إِذْ زَالَ الْعِيَانُ، وَلَا وَسِيلَةَ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ وَلَا أَصْلَ لَهَا يَنْبَعِثُ مِنْهُ، وَيَهِيجُ مِنْهُ إِلَّا الْإِيمَانُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْنًى ثَالِثٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنَالُ خَوْفٌ وَلَا رَجَاءٌ، وَلَا حُبٌّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُعَايَنَةٍ أَوْ إِيمَانٍ فَلَمْ يُفَاوِتُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فَرَأَيْنَا بَعْضَهُمْ خَائِفًا مِنَ اللَّهِ مَرْعُوبًا مُجِلًّا لَهُ مُشْفِقًا رَاجِيًا لَهُ رَاغِبًا فِيمَا عِنْدَهُ قَدْ أَزْعَجَهُ خَوْفُهُ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَحَمَلَهُ رَجَاؤُهُ وَرَغْبَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ.
وَرَأَيْنَا آخَرِينَ مُقِرِّينَ لِلَّهِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ لَا يُزَايِلُهُمُ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ وَهُمْ فِي عَامَّةِ أُمُورِهِمْ آمِنُونَ لَا يَخَافُونَ اللَّهَ عِنْدَ مَعْصِيَةٍ يَرْكَبُونَهَا وَلَا يَبْذِلُونَ لِلَّهِ الْحَقَّ فِيمَا يَرْجُونَ

ثَوَابَهُ فَوَجَدْنَاهُمْ أَقَلَّ خَوْفًا وَرَجَاءً وَإِجْلَالًا لِلَّهِ وَهَيْبَةً مِنَ الْآخَرِينَ.
وَكُلٌّ قَدْ يُفَارِقُهُمُ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ جَمِيعًا قَدِ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ زَايَلُوا بِهِ الْجَحْدَ وَالتَّكْذِيبَ، وَأَنَّهُمْ قَدْ تَفَاضَلُوا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ فِي كَثْرَةِ الْإِيمَانِ وَقِلَّتِهِ وَعَظِيمِ قَدْرِهِ فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَعْظِيمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ إِذْ لَا تَبْلُغُ لَهُ غَايَةَ مَعْرِفَةٍ فَيُسَاوِيهِ بِالْعِلْمِ بِنَفْسِهِ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى فَدَلَّ تَبَايُنُهُمْ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَايَنُوا الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاحِدًا إِذْ كَانُوا لَا يَنَالُونَ مَا تَبَايَنُوا فِيهِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ إِذْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ فَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَايَنُوا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَهُمْ حَقٌّ لَا بَاطِلٌ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَمَا قَالَ صِدْقٌ لَا كَذِبٌ وَبِمَا وَعَدَ وَتَوَعَّدَ مِنْ عِقَابِهِ وَثَوَابِهِ فَاسْتَوَوْا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَمَا قَالَ وَمَا تَوَاعَدَ وَوَعَدَ وَلَوْ دَخَلَ بَعْضُهُمُ الرَّيْبَ فِي ذَلِكَ لَكَفَرَ، وَالتَّفَاضُلُ لَا يَقَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى يَكُونَ فِي الْمَفْضُولِ مِنْهُمَا مَعْنًى يُسَاوِي بِهِ التَّفَاضُلَ يَسْتَحِقُّ بِهِ مَعَ الِاسْمِ ثُمَّ يَفْضُلُ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَفْضَلَ مِمَّا عِنْدَ

الْأَخَرِ فَيُدْرِكُ بِفَضْلِهِ لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ صَحِيحٌ أَقْوَى بَصَرًا مِنْ فُلَانٍ الْأَعْمَى، وَلَا فُلَانٌ السَّمِيعُ أَقْوَى سَمْعًا مِنْ فُلَانٍ الْأَصَمِّ فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فُلَانٌ الْمُؤْمِنُ أَقْوَى إِيمَانًا مِنْ فُلَانٍ الْكَافِرِ هَذَا سَاقِطٌ فِي التَّفَاضُلِ لَا يَقُولُهُ ذُو لُغَةٍ وَلَا مَعْقُولٍ فَإِذَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي يُزَايِلُ بِهِ الْعَمَى الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَصَرِ، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ قَلِيلِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ اسْمَ الْبَصَرِ فَيُزَايِلُ بِهِ اسْمَ الْعَمَى فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ الْبَصِيرُ أَقْوَى بَصَرًا مِنْ فُلَانٍ إِذْ لِلْمَفْضُولِ مِنَ الْبَصَرِ مَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْبَصَرِ وَكَذَلِكَ الْقُوَّةُ وَالسَّمْعُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِبَانَةِ الْأَشْيَاءِ وَإِبْصَارِهَا إِلَّا بِبَصَرٍ وَلَا حَمْلِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِقُوَّةٍ وَلَا إِدْرَاكَ الْأَصْوَاتِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا إِلَّا بِسَمَاعٍ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَصِيرَيْنِ نَظَرَ أَحَدُهُمَا اسْتَبَانَ شَيْئًا عَلَى قَدْرِ مِيلٍ وَأَبْصَرَهُ بَيِّنًا وَلَا يَتَبَيَّنُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ وَنَظَرَ الْآخَرُ إِلَيْهِ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ فَأَبْصَرَهُ وَتَبَيَّنَهُ وَأَبْصَرَ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَرَهُ لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ اضْطِرَارًا عَلَى أَنَّ الْمُتَبَيِّنَ لِلشَّيْءِ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ أَقْوَى بَصَرًا مِنَ الَّذِي لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ الشَّيْءُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ مِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ تَوَلَّى عَنْهُمَا فَجَعَلَا يَسْتَبِينَانِهِ جَمِيعًا

حَتَّى بَلَغَ رَأْسَ الْمِيلِ ثُمَّ خَفِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَرَهُ وَجَعَلَ الْآخَرُ يَتَبَيَّنُهُ حَتَّى رَآهُ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ أَنَّ هَذَا أَقْوَاهُمَا بَصَرًا إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُمَا إِلَى الِاسْتِبَانَةِ إِلَّا بِبَصَرٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ أَحَدُهُمَا مِئَةَ رَطْلٍ فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ فَأَلْقَاهَا وَلَمْ يُطِقْهَا وَزِيدَ عَلَى الْآخَرِ خَمْسُونَ أُخْرَى لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ بِأَنَّ هَذَا أَشَدُّهُمَا قُوَّةً وَإِنْ كَانَ عِنْدَ هَذَا مِنَ الْقُوَّةِ مَا زَايَلَ بِهِ الزَّمَانَةَ.
وَكَذَلِكَ السَّمْعُ فَلَمَّا كَانَتِ الْأَبْصَارُ لَا يُنَالُ بِهَا اسْتِبَانَةُ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِقَدْرِ قُوَاهَا، وَلَا الْقَوِيُّ يَنَالُ بِهَذَا الْحِمْلِ إِلَّا بِقَدْرِ الْقُوَى.
وَكَذَلِكَ إِدْرَاكُ الْأَصْوَاتِ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِقَدْرِ قُوَى الْأَسْمَاعِ فَلَمَّا تَفَاوَتُوا فِي ذَلِكَ شَهِدَتِ الْقُلُوبُ بِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِيهَا مُسْتَوِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهَا لَا يَتَفَاوَتُونَ فَكَذَلِكَ شَهِدَتِ الْعُقُولُ إِذَا تَدَبَّرَتِ الْإِيمَانَ وَعَلِمَتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يُنَالُ خَوْفٌ وَلَا رَجَاءٌ لِلَّهِ وَلَا إِجْلَالٌ وَلَا هَيْبَةٌ وَلَا مُسَارَعَةٌ إِلَى طَاعَةٍ إِلَّا بِالْإِيمَانِ إِذْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ فَكَانَ مَا يُنَالُ بِهِ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ كُلِّهَا إِيمَانًا لَا غَيْرَهُ

فَإِذَا تَدَبَّرَتِ الْعُقُولُ ذَلِكَ شَهِدَتْ أَنَّهُمْ لَوْلَا أَنَّ الْخَائِفِينَ وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ فَضُلُوا الْعَاصِينَ الَّذِينَ قَلَّ خَوْفُهُمْ مِنْهُ وَتَعْظِيمُهُمْ لَهُ فِي الْإِيمَانِ لَمَا تَفَاوَتُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتُونَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانُوا فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالْإِجْلَالِ، وَالْهَيْبَةِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي الْإِيمَانِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ إِلَّا بِهِ وَمِنْهُ ثُمَّ يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ لَجَازَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي قُوَى الْأَبْصَارِ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الِاسْتِبَانَةِ مِنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَيَسْتَوُوا فِي الْقُوَى وَيَخْتَلِفُوا فِي الْحَمْلِ وَالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ فَيَكُونَانِ جَمِيعًا فِي الْقُوَّةِ يَسْتَوِيَانِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْحَمْلِ فَيَحْمِلُ أَحَدُهُمَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ، وَالْآخَرُ لَا يُطِيقُ إِلَّا مِائَةً فَإِنِ اسْتَحَالَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْإِيمَانِ مُسْتَحِيلٌ لَا فُرْقَانَ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ قَالَ جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ وَلَا التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ بِالْمَعْقُولِ وَلَا كَيْفَ أُصُولُ الطَّاعَاتِ فَقَالَ: إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ بِالتَّوْفِيقِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَفَّقَ بَعْضَهُمْ وَلَمْ يُوَفِّقِ الْآخَرَ

. قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ فِي الْقَدْرِ نَازَعْنَاكُمْ وَقَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ بِالتَّوْفِيقِ وَلَكِنْ كَيْفَ وَفَّقَ مَنْ كَثُرَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَقَوَّى تَعْظِيمَهُ وَثِقَتَهُ وَتَوَكُّلَهُ بِأَنْ أَلْزَمَ قَلْبَهُ ذَلِكَ كَمَا أَلْزَمَهُ نَاظِرَ عَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا خُوِّفَ بِهِ وَلَا عَنْ ذِكْرٍ لِلَّهِ وَلَا هُوَ مُخْتَارٌ لَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُكْتَسِبٍ وَلَا عَامِلٍ إِلَّا وَفَّقَهُ بِأَنْ وَهَبَ لَهُ التَّذَكُّرَ وَالتَّفَكُّرَ فَعَقَلَ عَنْهُ مَا قَالَ فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ مَعْرِفَتُهُ وَقَوِيَ بِهِ إِيمَانُهُ فَعَظُمَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ.
قَالُوا: جَائِزٌ أَنْ يَلْزَمَ ذَلِكَ قَلْبَهُ بِلَا تَذَكُّرٍ وَلَا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا خُوِّفَ بِهِ وَلَا اخْتِيَارٍ لَهُ كَالسَّحَرَةِ أَلْزَمَ قُلُوبَهُمُ الْخَوْفَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنْهُمْ وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا ذِكْرٌ وَلَا اخْتِيَارٌ.
قِيلَ لَهُمْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ عَمَلًا وَلَا مُدِحُوا بِهِ كَمَا لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ جَمَالُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ عَمَلًا وَلَا صِحَّةُ أَجْسَامِهِمْ.
فَإِنْ قَالُوا: كُلُّ حَسَنٍ يُلْزِمُهُ اللَّهُ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لَيْسَ مِنَ الطَّاعَاتِ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ بِعَمَلٍ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا أُلْزِمَ مِنَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ فَهُوَ لَهُ عَمَلٌ.
قِيلَ لَهُمُ: الْعِلَّتَانِ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا أَنْتُمْ تَدَّعُونَ وَلَمْ تَأْتُوا بِتَفْرِقَةٍ وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى خِلَافِ مَا قُلْتُمْ لِأَنَّ اللَّهَ

وَصَفَ الْخَائِفِينَ بِالتَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ بِمُتَذَكِّرٍ وَلَا مُتَفَكِّرٍ فَقَالَ: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3] فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْ عَقَلَ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ كَانَ اللَّهُ فِيمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةً فَقَدْ عَارَضَ اللَّهَ، وَمَا قَالَ بِرَدٍّ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ السَّحَرَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ دَعْوَاكُمْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه: 73] فَلَا شَاهِدَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ يُخْبِرُكَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِقَصْدٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَاخْتِيَارٍ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: 74] فَعَبَّرُوا عَنْ عَقْلِهِمْ عَنِ اللَّهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ فَهَذَا الِاكْتِسَابُ وَمَا سِوَاهُ اضْطِرَارًا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ قَالُوا: بَلْ وَفَّقَهُمْ بِأَنْ وَهَبَ لَهُمُ التَّذَكُّرَ وَالتَّفَكُّرَ فَعَقَلُوا عَنْهُ فَخَافُوهُ.
قِيلَ: فَكَذَلِكَ وَفَّقَهُمْ حَتَّى عَقَلُوا عَنْهُ فَصَدَّقُوا بِهِ جَمِيعًا أَنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ تَفَاوَتُوا فِي التَّصْدِيقِ حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ كَأَنَّمَا يُعَايِنُ مَا صَدَّقَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ

794 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: " كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَرَأَ رَجُلٌ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا وَقَرَأَ صَاحِبُهُ غَيْرَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأَا» فَقَرَأَا، فَقَالَ: أَحْسَنْتُمَا وَأَصَبْتُمَا، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ سَقَطَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي فَارْفَضَّيْتُ عَرَقًا وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَبِّي، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا أُبَيُّ إِنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ".

جارٍ التحميل