بَابُ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ
557 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ
يَعْرِضُ عَلَى مَمْلُوكِهِ الْبَاءَةَ وَيَقُولُ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ زَوَّجْتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَزْنِي زَانٍ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ نُورَ الْإِيمَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَمْنَعُهُ مَنَعَهُ»
558 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا فُضَيْلٌ يَعْنِي ابْنَ غَزْوَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِغِلْمَانِهِ: يَا فُلَانُ أُزَوِّجُكَ؟ يَا فُلَانُ أُزَوِّجُكَ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ زَانِ يَزْنِي إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ نُورَ الْإِيمَانِ "
559 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فَقَالَ فِيهِ قَائِلٌ: مَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ، فَغَضِبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَقَالَ: يَمْنَعُنَا هَؤُلَاءِ الْأَنَّانُ أَنْ نُحَدِّثَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلَّمَا جَهِلْنَا مَعْنَى حَدِيثٍ تَرَكْنَاهُ، لَا بَلُ نَرْوِيهِ كَمَا سَمِعْنَا، وَنُلْزِمُ الْجَهْلَ أَنْفُسَنَا
مَبْحَثُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِزَالَةَ اسْمِ الْإِيمَانِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا يُزِيلُ
عَنْهُ اسْمَهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَقَالُوا: إِذَا زَنَى فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ , وَهُوَ مِسْلِمٌ , وَاحْتَجُّوا لِتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] فَقَالُوا الْإِيمَانُ خَاصٌ يَثْبُتُ الِاسْمُ بِهِ بِالْعَمَلِ بِالتَّوْحِيدِ , وَالْإِسْلَامُ عَامٌّ يَثْبُتُ الِاسْمُ بِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْخُرُوجُ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ وَاحْتجُّوا بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي:
560 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطَى رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ
تُعْطِ فُلَانًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَ مُسْلِمٌ؟ حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا وَالنَّبِيُّ يَقُولُ أَوَ مُسْلِمٌ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا وَأَمْنَعُ آخَرِينَ هُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَنَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ
561 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا مُعْتَمِرٌ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
562 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ
. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَاحْتَجُّوا بِإِنْكَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالْإِيمَانِ فَقَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَجُلُّ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «يَخْرُجُ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَإِنْ رَجَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ» وَبِمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَبِمَا رَوَى الْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: «مُسْلِمٌ وَيَهَابَانِ مُؤْمِنٌ» وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ الَّذِي:
563 - حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: " هَذَا الْإِسْلَامُ وَدَوَّرَ دَارَةً وَاسِعَةً وَقَالَ: هَذَا الْإِيمَانُ وَدَوَّرَ دَارَةً صَغِيرَةً فِي وَسَطِ الْكَبِيرَةِ قَالَ: وَالْإِيمَانُ مَقْصُورٌ فِي الْإِسْلَامِ فَإِذَا زَنَى أَوْ سَرَقَ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]
564 - فَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ فَقُلْتُ: إِنَّ رَجُلًا خَاصَمَنِي يُقَالُ لَهُ: سَعِيدٌ الْعَنَزِيُّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَيْسَ بِالْعَنْزِيِّ وَلَكِنَّهُ زُبَيْدِيُّ، قَوْلُهُ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] فَقَالُوا: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا هُوَ الْإِسْلَامُ "
565 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَا، هُوَ الْإِسْلَامُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ»
566 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ»
567 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثنا مُؤَمَّلٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا، يَقُولُ: كَانَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: مُسْلِمٌ، وَيَهَابَانِ مُؤْمِنٌ "
568 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثنا أَبُو سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، وَشَرِيكٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: «الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ، وَالْإِقْرَارُ، وَالْعَمَلُ إِلَّا أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ يَجْعَلُ الْإِيمَانَ خَاصًّا وَالْإِسْلَامَ عَامًّا» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالُوا: فَلَنَا فِي هَؤُلَاءِ أُسْوَةٌ، وَبِهِمْ قُدْوَةٌ مَعَ مَا يُثْبِتُ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ اسْمَ الْمُؤْمِنِ اسْمَ ثَنَاءٍ وَتَزْكِيَةٍ وَمِدْحَةٍ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَّامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 44] وَقَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: 12] الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: 8]
وَقَالَ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257] وَقَالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: ثُمَّ أَوْجَبَ اللَّهُ النَّارَ عَلَى الْكَبَائِرِ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ زَائِلٌ عَنْ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً، قَالُوا: وَلَمْ نَجِدِ اللَّهَ أَوْجَبَ الْجَنَّةَ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ فَثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْإِسْلَامِ لَهُ ثَابِتٌ عَلَى حَالِهِ، وَاسْمَ الْإِيمَانِ زَائِلٌ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: لَيْسَ الْإِيمَانُ ضِدَّ الْكُفْرِ.
قَالُوا: الْكُفْرُ ضِدٌّ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا وَفَرْعًا، فَلَا يَثْبُتُ الْكُفْرُ حَتَّى يَزُولَ أَصْلُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكُفْرِ.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: فَالَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزَالَ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ، هَلْ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ أَصْلُهُ ثَابِتٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَفَرَ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنْكَرَ عَلَى الَّذِي شَهِدَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، يُخْبِرُكَ أَنَّهُ قَدْ آمَنَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْمُؤْمِنِ إِذْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُقَصِّرٌ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ عِنْدَهُ إِلَّا مَنْ أَدَّى مَا وَجَبَ، وَانْتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُوجِبَاتِ لِلنَّارِ الَّتِي هِيَ الْكَبَائِرُ.
قَالُوا: فَلَمَّا أَبَانَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَدِ اسْتَحَقَّ
الْجَنَّةَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ الْجَنَّةَ عَلَيْهِ، وَعَلِمْنَا أَنَّا قَدْ آمَنَّا وَصَدَّقْنَا لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ التَّكْذِيبِ إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ وَلَسْنَا بِشَاكِّينَ وَلَا مُكَذِّبِينَ وَعَلِمْنَا أَنَّا لَهُ عَاصُونَ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذَابِ وَهُوَ ضِدُّ الثَّوَابِ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى اسْمِ الْإِيمَانِ، عَلِمْنَا أَنَّا قَدْ آمَنَّا وَأَمْسَكْنَا عَنِ الِاسْمِ الَّذِي أَثْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِالْجَنَّةِ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ اسْمُ ثَنَاءٍ وَتَزْكِيَةٍ، وَقَدْ نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نُزَكِّيَ أَنْفُسَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَأَوْجَبَ لَنَا الْعَذَابَ بِعِصْيَانِنَا، فَعَلِمْنَا أَنَّا لَسْنَا بِمُسْتَحِقِّينَ بِأَنْ نَتَسَمَّى مُؤْمِنِينَ إِذْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى اسْمِ الْإِيمَانِ الثَّنَاءَ، وَالتَّزْكِيَةَ، وَالرَّحْمَةَ، وَالرَّأْفَةَ، وَالْمَغْفِرَةَ، وَالْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْكَبَائِرِ النَّارَ، وَهَذَانِ حُكْمَانِ يَتَضَادَّانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَمْسَكْتُمْ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ أَنْ تُسَمَّوْا بِهِ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَمَا قَالَهُ صِدْقٌ؟ . قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ سَمَّوُا الْأَشْيَاءَ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ فَسَمَّوُا الزَّانِيَ فَاسِقًا، وَالْقَاذِفَ فَاسِقًا، وَشَارِبَ الْخَمْرِ فَاسِقًا، وَلَمْ يُسَمُّوا وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مُتَّقِيًا وَلَا وَرِعًا، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ فِيهِ أَصْلَ التُّقَى وَالْوَرَعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَتَّقِي أَنْ يَكْفُرَ أَوْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ يَتَّقِي اللَّهَ أَنْ يَتْرُكَ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ أَوِ الصَّلَاةِ، وَيَتَّقِي أَنْ يَأْتِيَ أُمَّهُ فَهُوَ فِي
جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَّقٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ وَالْمُوَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَهُ مُتَّقِيًا وَلَا وَرِعًا إِذَا كَانَ يَأْتِي بِالْفُجُورِ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ أَصْلَ التُّقَى وَالْوَرَعِ ثَابِتٌ فِيهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ فِيهِ فُرُوعًا بَعْدَ الْأَصْلِ كَتَوَرُّعِهِ عَنْ إِتْيَانِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ لَا يُسَمُّونَهُ مُتَّقِيًا وَلَا وَرِعًا مَعَ إِتْيَانِهِ بَعْضَ الْكَبَائِرِ، وَسَمُّوهُ فَاسِقًا وَفَاجِرًا مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بَعْضَ التُّقَى وَالْوَرَعِ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ التُّقَى اسْمَ ثَنَاءٍ وَتَزْكِيَةٍ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمَغْفِرَةَ وَالْجَنَّةَ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ لَا نُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا، وَنُسَمِّيهِ فَاسِقًا زَانِيًا، وَإِنْ كَانَ أُصِّلَ فِي قَلْبِهِ اسْمُ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ أَثْنَى اللَّهُ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَزَكَّاهُمْ بِهِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا: مُسْلِمٌ، وَلَمْ نَقُلْ: مُؤْمِنٌ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُوَحِّدِينَ يَسْتَحِقُّ أَنْ لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ إِيمَانٌ وَلَا إِسْلَامٌ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ لَكَانَ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ أَهْلَ النَّارِ الَّذِينَ دَخَلُوهَا، فَلَمَّا وَجَدْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» ثَبَتَ أَنَّ شَرَّ الْمُسْلِمِينَ فِي قَلْبِهِ
إِيمَانٌ، وَلَمَّا وَجَدْنَا الْأُمَّةَ يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُكَفِّرُونَهُمْ، وَلَا يَشْهَدُونَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ثَبَتَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ إِذْ أَجْمَعُوا أَنْ يُمْضُوا عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يُسَمَّوْا مُؤْمِنِينَ، إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ ثَبْتًا لِلْمِلَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْمُسْلِمُ مِنْ جَمِيعِ الْمِلَلِ فَتَزُولُ عَنْهُ أَسْمَاءُ الْمِلَلِ إِلَّا اسْمَ الْإِسْلَامِ وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَتَزُولُ عَنْهُ أَحْكَامُ جَمِيعِ الْمِلَلِ.
فَإنْ قَالَ لَهُمْ قَائِلٌ: لِمَ لَمْ تَقُولُوا: كَافِرُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، تُرِيدُونَ بِهِ كَمَالَ الْكُفْرِ، كَمَا قُلْتُمْ: مُؤْمِنِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تُرِيدُونَ بِهِ كَمَالَ الْإِيمَانِ؟ . قَالُوا: لِأَنَّ الْكَافِرَ مُنْكِرٌ لِلْحَقِّ، وَالْمُؤْمِنَ أَصْلُ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ فَيَنْتَظِرُ بِهِ الْحَقَائِقَ.
وَالْإِيمَانُ أَصْلُهُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ يَنْتَظِرُ بِهِ حَقَائِقَ الْأَدَاءِ لِمَا أَقَرَّ وَالتَّحْقِيقُ لِمَا صَدَّقَ، وَمَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا حَقٌّ لِرَجُلٍ فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عِنْدِي حَقٌّ فَأَنْكَرَ وَجَحَدَ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ مَنْزِلَةٌ يُحَقِّقُ بِهَا مَا قَالَ إِذْ جَحَدَ وأَنْكَرَ وَسَأَلَ الْآخَرَ حَقَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، لَكَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَلَيْسَ إِقْرَارُهُ بِالَّذِي
يَصِلُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ حَقُّهُ دُونَ أَنْ يُوَفِّيَهُ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لَهُ أَنْ يُحَقِّقَ مَا قَالَ إِلَّا بِأَدَائِهِ، وَيَصْدُقُ إِقْرَارُهُ بِالْوَفَاءِ، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ كَانَ كَمَنْ جَحَدَهُ فِي الْمَعْنَى، إِذَا اسْتَوَيَا فِي التَّرْكِ لِلْأَدَاءِ فَتَحْقِيقُ مَا قَالَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، فَإِنْ أَدَّى جُزْءًا مِنْهُ حَقَّقَ بَعْضَ مَا قَالَ وَوَفَى بِبَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَكُلَّمَا أَدَّى جُزْءًا ازْدَادَ تَحْقِيقًا لِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ الْأَدَاءُ أَبَدًا لِمَا أَقَرَّ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَمْ يَقُلْ: كَافِرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قَوْلُ طَائِفَةٍ ثَانِيَةٍ فِي مُغَايَرَةِ الْإِيمَانِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ مَقَالَةِ هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَنَّهُمْ سَمَّوْهُ مُسْلِمًا لِخُرُوجِهِ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ، وَلِإِقْرَارِهِ بِاللَّهِ وَبِمَا قَالَ، وَلَمْ يُسَمُّوهُ مُؤْمِنًا وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَعَ تَسْمِيَتِهِمْ إِيَّاهُ بِالْإِسْلَامِ كَافِرٌ لَا كَافِرٌ بِاللَّهِ،
وَلَكِنْ كَافِرٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَمَلِ، وَقَالُوا: كُفْرٌ لَا يَنْقُلُهُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَقَالُوا: مُحَالٌ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ فَيُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ إِلَّا وَاسْمُ الْكُفْرِ لَازِمٌ لَهُ لِأَنَّ الْكُفْرَ ضِدُّ الْإِيمَانِ إِلَّا أَنَّ الْكُفْرَ كُفْرَانِ: كُفْرٌ هُوَ جَحْدٌ بِاللَّهِ وَبِمَا قَالَ فَذَلِكَ
ضِدُّهُ الْإِقْرَارُ بِاللَّهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَبِمَا قَالَ، وَكُفْرٌ هُوَ عَمَلٌ ضِدُّ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ، أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» قَالُوا: فَإِذَا لَمْ يُؤْمِنْ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ كُفْرٌ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ إِذْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ، لِأَنَّهُ لَا يُضَيِّعُ الْمُفْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَيَرْكَبُ الْكَبَائِرَ إِلَّا مِنْ خَوْفِهِ، وَإِنَّمَا يَقِلُّ خَوْفُهُ مِنْ قِلَّةِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ، وَوَعِيدِهِ فَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْإِيمَانِ التَّعْظِيمَ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالْوَرَعُ عَنِ الْخَوْفِ فَأَقْسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: «لَا يُؤْمِنُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ثُمَّ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ» وَأَنَّهُ قَالَ: " إِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ، فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِ أَخَاهُ كَافِرًا، وَبِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَافِرُ كَافِرًا وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ دُونَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُ مَنِ احْتَجَّ عَلَيْنَا فَزَعَمَ أَنَّا إِذَا سَمَيْنَاهُ كَافِرًا لَزِمَنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ فَنَسْتَتِيبُهُ وَنُبْطِلُ الْحُدُودَ عَنْهُ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَرَ فَقَدْ زَالَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ وَحُدُودِهِمْ وَفِي ذَلِكَ إِسْقَاطُ الْحُدُودِ وَأَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كُلِّ
مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَإِنَّا لَمْ نَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى حَيْثُ ذَهَبُوا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لِلْإِيمَانِ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، وَضِدُّ الْإِيمَانِ الْكُفْرُ فِي كُلِّ مَعْنًى فَأَصْلُ الْإِيمَانِ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ وَفَرْعُهُ إِكْمَالُ الْعَمَلِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، فَضِدُّ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ الْكُفْرُ بِاللَّهِ وَبِمَا قَالَ وَتَرْكُ التَّصْدِيقِ بِهِ وَلَهُ، وَضِدُّ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ وَلَيْسَ هُوَ إِقْرَارٌ كُفْرٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ بِاللَّهِ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَكِنْ كُفْرٌ يُضَيِّعُ الْعَمَلَ كَمَا كَانَ الْعَمَلُ إِيمَانًا، وَلَيْسَ هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ إِقْرَارٌ بِاللَّهِ فَكَمَا كَانَ مَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ إِقْرَارٌ بِاللَّهِ كَافِرًا يُسْتَتَابُ وَمَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ مِثْلُ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ أَوْ تَرَكَ الْوَرَعَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا فَقَدْ زَالَ عَنْهُ بَعْضُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ مَنْ خَالَفَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ وَعَمَلٌ إِلَّا الْخَوَارِجَ وَحْدَهَا فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ بِقَوْلِنَا كَافِرٌ مِنْ جِهَةِ تَضْيِيعِ الْعَمَلِ أَنْ يُسْتَتَابَ، وَلَا يَزُولُ عَنْهُ الْحُدُودُ وَكَمَا لَمْ يَكُنْ بِزَوَالِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ اسْتِتَابِتُهُ، وَلَا إِزَالَةُ الْحُدُودِ عَنْهُ إِذْ لَمْ يَزُلْ أَصْلُ الْإِيمَانِ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا اسْتِتَابَتُهُ وإِزَالَةُ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ عَنْهُ بِإِثْبَاتِنَا لَهُ اسْمَ الْكُفْرِ مِنْ قِبَلِ الْعَمَلِ إِذْ لَمْ يَأْتِ بِأَصْلِ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ جَحَدٌ بِاللَّهِ، أَوْ بِمَا قَالَ
قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ إِيمَانًا، وَالْجَهْلُ بِهِ كُفْرًا، وَكَانَ الْعَمَلُ بِالْفَرَائِضِ إِيمَانًا، وَالْجَهْلُ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَعْدَ نُزُولِهَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا لَيْسَ بِكُفْرٍ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقَرُّوا بِاللَّهِ فِي أَوَّلِ مَا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَعْمَلُوا الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتُرِضَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ جَهْلُهُمْ ذَلِكَ كُفْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْفَرَائِضَ فَكَانَ إقْرَارُهُمْ بِهَا وَالْقِيَامُ بِهَا إِيمَانًا، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ جَحَدَهَا لِتَكْذِيبِهِ خَبَرَ اللَّهِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ مَا كَانَ بِجَهْلِهَا كَافِرًا، وَبَعْدَ مَجِئِ الْخَبَرِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِالْخَبَرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكُنْ بِجَهْلِهَا كَافِرًا، وَالْجَهْلُ بِاللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ كُفْرٌ قَبْلَ الْخَبَرِ وَبَعْدَ الْخَبَرِ قَالُوا: فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا: إنَّ تَرْكَ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ كُفْرٌ بِهِ، وَإنَّ تَرْكَ الْفَرَائِضِ مَعَ تَصْدِيقِ اللَّهِ أَنَّهُ أَوْجَبَهَا كُفْرٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ بِاللَّهِ إِنَّمَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْحَقِّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: كَفَرْتَنِي حَقِّي وَنِعْمَتِي، يُرِيدُ ضَيَّعْتَ حَقِّي، وَضَيَّعْتَ شُكْرَ نِعْمَتِي، قَالُوا: وَلَنَا فِي هَذَا قُدْوَةٌ بِمَنْ رَوَى عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّابِعِينَ إِذْ جَعَلُوا لِلْكُفْرِ فُرُوعًا دُونَ أَصْلِهِ، لَا تَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا ثَبَتُوا لِلْإِيمَانِ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ فَرَعًا لِلْأَصْلِ لَا يَنْقُلُ تَرْكُهُ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
569 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ يَعْنِي ابْنَ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: " ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ "
570 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] قَالَ هِيَ بِهِ كُفْرٌ " قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ
571 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هُوَ بِهِ كُفْرُهُ، وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»
572 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: " مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ؟ قَالَ: هُوَ بِهِ كُفْرُهُ، وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ "
573 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ»
574 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: «لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ»
575 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ»
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالُوا: وَقَدْ صَدَقَ عَطَاءٌ قَدْ يُسَمَّى الْكَافِرُ ظَالِمًا، وَيُسَمَّى الْعَاصِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ظَالِمًا، فَظُلْمٌ يَنْقُلُ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَظُلْمٌ لَا يَنْقُلُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]
576 - فَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ بِذَلِكَ أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾ [لقمان: 13] لَظُلْمٌ عَظِيمٌ "
577 - قَالَ إِسْحَاقُ: أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ
578 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، عَنْ
حَمَّادٍ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ، فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَرَأَ فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَانْتَعَلَ وَأَخَذَ رِدَاءَهُ ثُمَّ أَتَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَيْتُ قَبْلُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] وَقَدْ تَرَى أَنَّا نَظْلِمُ وَنَفْعَلُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِذَلِكَ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] إِنَّمَا ذَلِكَ الشِّرْكُ "
579 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ، أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
أَنْوَاعُ الْفِسْقِ، وَالشِّرْكِ، وَالْكُفْرِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالُوا: وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ فِسْقَانِ فِسْقٌ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَفِسْقٌ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ فَيُسَمَّى الْكَافِرُ فَاسِقًا، وَالْفَاسِقُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاسِقًا، ذَكَرَ اللَّهُ إِبْلِيسَ، فَقَالَ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] وَكَانَ ذَلِكَ الْفِسْقُ مِنْهُ كُفْرًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: 20] يُرِيدُ الْكُفَّارَ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 20] وَسُمِّيَ الْقَاذِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاسِقًا، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] وَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْفُسُوقِ هَهُنَا: هِيَ الْمَعَاصِي قَالُوا: فَكَمَا كَانَ الظُّلْمُ ظُلْمَيْنِ، وَالْفُسُوقُ فِسْقَيْنِ، كَذَلِكَ
الْكُفْرُ كُفْرَانِ: أَحَدُهُمَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَالْآخَرُ لَا يَنْقُلُ عَنْهَا فَكَذَلِكَ الشِّرْكُ شِرْكَانِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَشِرْكٌ فِي الْعَمَلِ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ وَهُوَ الرِّيَاءُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُرَاءَاةَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَهَذَانِ مَذْهَبَانِ هُمَا فِي الْجُمْلَةِ مَحْكِيَّانِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُوَافِقِيهِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ
580 - حَكَى الشَّالِنْجِيُّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الْمُصِرِّ، عَلَى الْكَبَائِرِ يَطْلُبُهَا بِجُهْدِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ هَلْ يَكُونُ مُصِرًّا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ؟ قَالَ: هُوَ مُصِرٌّ مِثْلَ قَوْلِهِ: «لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَيَقَعُ فِي الْإِسْلَامِ وَمِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: «لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» ، وَمِنْ نَحْوِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الْكُفْرُ؟ قَالَ: كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ مِثْلُ الْإِيمَانِ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، فَكَذَلِكَ الْكُفْرُ حَتَّى يَجِيءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ
581 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» ، لَا يَكُونُ مُسْتِكْمِلَ الْإِيمَانِ يَكُونُ نَاقِصًا مِنْ إِيمَانِهِ
582 - قَالَ: وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ، فَقَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْإِسْلَامُ إِقْرَارٌ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ
583 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: لَا يَكُونُ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِإِيمَانٍ، وَلَا إِيمَانَ إِلَّا بِإِسْلَامٍ، وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ الْإِيمَانَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ الْإِسْلَامَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ
584 - قَالَ: وَحَكَى الْمَيْمُونِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ رَأْيِهِ، فِي مُؤْمِنٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَقُولُ: مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَقُولُ: مُسْلِمٌ، وَلَا أَسْتَثْنِي
585 - وَقَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ؟ فَقَالَ لِي: نَعَمْ، قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَحْتَجُّ؟ قَالَ لِي: قَالَ اللَّهُ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] وَذَكَرَ أَشْيَاءَ
586 - وَقَالَ الشَّالِنْجِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ مَنْ، قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ، عِنْدَ نَفْسِي مِنْ طَرِيقِ الْأَحْكَامِ وَالْمَوَارِيثِ وَلَا أَعْلَمُ مَا أَنَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِمُرْجِئٍ
587 - وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزٌ قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ، وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَذَلِكَ عِنْدِي جَائِزٌ وَلَيْسَ بِمُرْجِئٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ
588 - وَحَكَى غَيْرُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فَقَالَ: مِنْ أَيِّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ مِثْلِهِنَّ أَوْ فَوْقِهِنَّ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَلَا أُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا، وَمَنْ أَتَى دُونَ ذَلِكَ يُرِيدُ دُونَ الْكَبَائِرِ سَمَّيْتُهُ مُؤْمِنًا نَاقِصَ الْإِيمَانِ