[فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِث ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» وَنَحْوُهُ فَمِنْ خَصَائِصِهِ انْتِسَابُ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ إلَيْهِ
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى عَقِبِهِ أَوْ) وَقَفَ عَلَى (نَسْلِهِ أَوْ) (وَقَفَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ) وَقَفَ عَلَى (ذُرِّيَّتِهِ لَمْ يَدْخُلْ) فِيهِمْ (وَلَدُ بَنَاتٍ) وَلَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْوَقْفِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ (إلَّا بِقَرِينَةٍ كَ) قَوْلِهِ (مَنْ مَاتَ) عَنْ وَلَدٍ (فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَنَحْوِهِ) كَقَوْلِهِ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانَةَ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَنَحْوِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ لِوَلَدِ الذَّكَرِ سَهْمَيْنِ وَلِوَلَدِ الْأُنْثَى سَهْمًا وَنَحْوِهِ.
وَأَصْلُ النَّسْلِ مِنْ النَّسَالَةِ وَهُوَ شَعْرُ الدَّابَّةِ إذَا سَقَطَ عَنْ جَسَدِهَا، وَالذُّرِّيَّةُ مِنْ ذَرَأَ إذَا زَرَعَ قَالَ الشَّاعِرُ:
شَقَقْتَ الْقَلْبَ ثُمَّ ذَرَأْتَ فِيهِ
. أَوْ مِنْ ذَرَّ إذَا طَلَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ (وَ) مَنْ وَقَفَ (عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ) أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ تَعَاقَبُوا، الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَنَحْوُهُ، أَوْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ (فَتَرْتِيبُ جُمْلَةٍ عَلَى مِثْلِهَا لَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ.
فَيُتَّبَعُ فِيهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ (فَلَوْ قَالَ وَمَنْ مَاتَ) مِنْهُمْ (عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ) فَهُوَ دَلِيلُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى التَّشْرِيكَ لَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ وَلَوْ جَعَلْنَا لِوَلَدِ الِابْنِ سَهْمًا كَأَبِيهِ ثُمَّ دَفَعْنَا إلَيْهِ سَهْمَ أَبِيهِ صَارَ لَهُ سَهْمَانِ وَلِغَيْرِهِ سَهْمٌ وَهُوَ يُنَافِي التَّسْوِيَةَ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَفْضِيلِ وَلَدِ الِابْنِ عَلَى الِابْنِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ مُرَادِ الْوَاقِفِ خِلَافُهُ فَيَكُونُ تَرْتِيبًا بَيْنَ كُلِّ وَلَدٍ وَوَالِدِهِ فَإِذَا مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مَنْ لَهُ وَلَدٌ (اسْتَحَقَّ كُلُّ وَلَدٍ بَعْدَ أَبِيهِ نَصِيبَهُ الْأَصْلِيَّ وَالْعَائِدَ) سَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ أَمْ لَا.
فَلَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةً وَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِلْآخَرِينَ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ وَلَدٍ كَانَ النِّصْفُ لِوَلَدِهِ فَإِذَا مَاتَ الثَّانِي عَنْ وَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ فَنَصِيبُهُ لَهُمْ (وَ) إنْ أَتَى الْوَاقِفُ (بِالْوَاوِ) بِأَنْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ كَانَتْ الْوَاوُ (لِلِاشْتِرَاكِ) لِأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ بِلَا تَفْضِيلٍ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ (وَ) إنْ قَالَ (عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَالْوَقْفُ مُرَتَّبٌ) كَالْأَمْثِلَةِ قَبْلَ الْأَخِيرِ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ (فَهُوَ) أَيْ نَصِيبُهُ (لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ) أَيْ الْمَيِّتُ (مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ) الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ دُونَ بَاقِي الْبُطُونِ، وَدُونَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ فِي الْوَقْفِ.
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لَهُ.
وَمَنْ مَاتَ
عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنٍ وَالثَّانِي عَنْ ابْنَيْنِ، وَبَقِيَ الثَّالِثُ وَلَهُ ابْنٌ فَأَكْثَرُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ عَنْ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الْمَيِّتِ أَوَّلًا وَبَنِي عَمِّهِ الْحَيِّ.
فَنَصِيبُهُ لِأَخِيهِ.
وَلِابْنِ عَمِّهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ دُونَ عَمِّهِ الْحَيِّ وَأَوْلَادِهِ (وَكَذَا إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبُطُونِ) لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَخُصَّ بِنَصِيبِهِ أَهْلَ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ لِهَذَا الشَّرْطِ فَائِدَةٌ: وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ قَصَدَ شَيْئًا يُفِيدُ.
(فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ) مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا تَظْهَرُ بِهِ فَائِدَتُهُ (فَيَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ) مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (فِي مَسْأَلَةِ الِاشْتِرَاكِ) لِأَنَّ التَّشْرِيكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ.
وَتَخْصِيصُ بَعْضِ الْبُطُونِ يُفْضِي إلَى عَدَمِهَا (وَيَخْتَصُّ) الْبَطْنُ (الْأَعْلَى بِهِ) أَيْ بِنَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ (فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ) لِأَنَّ الْوَاقِفَ رَتَّبَ فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ (وَإِنْ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ (عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَكَذَلِكَ) أَيْ فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ اخْتَصَّ بِهِ الْأَعْلَى، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعَةُ بَنِينَ فَوَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ دُونَ الرَّابِعِ، وَقَالَ: عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ.
فَمَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ.
فَنَصِيبُهُ بَيْنَ أَخَوَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ دُونَ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ أَشْبَهَ ابْنَ عَمِّهِمْ، وَحَيْثُ كَانَ نَصِيبُ مَيِّتٍ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ (فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إخْوَتُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَبَنُو عَمِّهِ وَبَنُو بَنِي عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوِهِمْ) كَبَنِي بَنِي بَنِي عَمِّ أَبِي أَبِيهِ لِأَنَّهُمْ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْقُرْبِ إلَى الْجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُهُمْ.
وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ (إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْوَاقِفُ (يُقَدَّمُ) مِنْهُمْ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إلَى الْمُتَوَفَّى وَنَحْوِهِ) كَقَوْلِهِ: إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ (فَيَخْتَصُّ بِالْأَقْرَبِ) فَلَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخٌ لِأَبٍ فَمُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ: يُقَدَّمُ الشَّقِيقُ فِيمَا إذَا قَالَ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَبِالْإِخْوَةِ إذَا قَالَ: لِإِخْوَتِهِ (وَلَيْسَ مِنْ الدَّرَجَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَى) مِنْ الْمَيِّتِ كَعَمِّهِ (أَوْ أَنْزَلُ مِنْهُ) كَابْنِ أَخِيهِ (وَالْحَادِثُ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْآيِلِ نَصِيبُهُ إلَيْهِمْ.
كَالْمَوْجُودِينَ حِينَهُ) أَيْ الْمَوْتِ (فَيُشَارِكُهُمْ) لِوُجُودِ الْوَصْفِ فِيهِ (وَعَلَى هَذَا) الْقَوْلِ، وَهُوَ مُشَارَكَةُ الْحَادِثِ
لِلْمَوْجُودِينَ (لَوْ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ الْمَوْجُودِينَ وَشَرَطَ) الْوَاقِفُ (اسْتِحْقَاقَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى.
أَخَذَهُ مِنْهُمْ) أَيْ أَخَذَ الْحَادِثُ مَا آلَ إلَى النَّازِلِينَ عِنْدَ عَدَمِهِ، عَمَلًا بِالشَّرْطِ.
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَمَنْ يَحْدُثُ لَهُ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ، وَمَاتَ أَوْلَادُهُ، وَانْتَقَلَ الْوَقْفُ لِأَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ أَخَذَ الْوَقْفَ مِنْ أَوْلَادِ إخْوَتِهِ
(وَ) مَنْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا (عَلَى وَلَدِي) بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ (فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِي، وَلَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى) الْوَلَدَيْنِ (الْمُسَمَّيَيْنِ وَ) عَلَى (أَوْلَادِهِمَا وَأَوْلَادِ الثَّالِثِ) لِدُخُولِهِ فِي وَلَدِ وَلَدِهِ (دُونَهُ) أَيْ الثَّالِثِ.
فَلَا يَدْخُلُ عَمَلًا بِالْبَدَلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَنْصُوصُ: دُخُولُ الْجَمِيعِ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
(وَ) إنْ قَالَ: وَقَفْتُ (عَلَى زَيْدٍ وَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُ فَعَلَى الْمَسَاكِينِ.
كَانَ) الْوَقْفُ (بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ لِأَوْلَادِهِ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى الْمَسَاكِينِ) لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُ فَعَلَى الْمَسَاكِينِ: عَلَى دُخُولِهِمْ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَوَقُّفِ اسْتِحْقَاقِ الْمَسَاكِينِ عَلَى انْقِرَاضِهِمْ فَائِدَةٌ.
(وَ) إنْ قَالَ: وَقَفْتُ (عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ فَقَطْ، ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَرَكَ وَلَدًا وَإِنْ سَفَلَ فَنَصِيبُهُ لَهُ) هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْوَاقِفِ (فَمَاتَ أَحَدُ الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَتَرَكَ بِنْتًا ثُمَّ مَاتَتْ) الْبِنْتُ (عَنْ وَلَدٍ.
فَلَهُ مَا اسْتَحَقَّتْهُ) أُمُّهُ (قَبْلَ مَوْتِهَا) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا، وَمَالَ إلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
لِأَنَّهُ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ.
وَالِاسْتِحْقَاقُ فِيهَا مَشْرُوطٌ لِوَلَدِ الظَّهْرِ فَقَطْ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْبُطُونِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ الْبِنْتِ مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ أَيْضًا بِأَنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِابْنِ عَمِّهَا (وَلَوْ قَالَ) وَاقِفٌ (وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ.
ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ عَمَّنْ لَمْ يُعْقِبْ) مِنْ إخْوَتِهِ.
ثُمَّ نَسْلِهِمْ (وَمَنْ أَعْقَبَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ) أَيْ ذُرِّيَّتُهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ.
فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ قَطْعًا (وَيَصِحُّ) أَنْ يَقِفَ (عَلَى وَلَدِهِ وَمَنْ يُولَدُ لَهُ) نَصًّا.
كَعَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَبَدًا لِدُخُولِهِمْ تَبَعًا
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى بَنِيهِ أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَ) هُوَ (لِلذُّكُورِ خَاصَّةً) لِأَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ وُضِعَ لِذَلِكَ حَقِيقَةً.
قَالَ تَعَالَى ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153] وَقَالَ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14] وَإِنْ وَقَفَ عَلَى بَنَاتِهِ اخْتَصَّ بِهِنَّ.
وَلَا يَدْخُلُ الْخُنْثَى فِي الْبَنِينَ وَلَا الْبَنَاتِ إلَّا
إنْ اتَّضَحَ (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ بَنُو فُلَانٍ (قَبِيلَةً) كَبَنِي هَاشِمٍ وَتَمِيمٍ (دَخَلَ نِسَاؤُهُمْ) لِأَنَّ اسْمَ الْقَبِيلَةِ يَشْمَلُ ذَكَرَهَا وَأُنْثَاهَا رُوِيَ " أَنَّ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قُلْنَ:
نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ... يَا حَبَّذَا مُحَمَّدًا مِنْ جَارِ
(دُونَ أَوْلَادِهِنَّ) أَيْ نِسَاءِ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ (مِنْ) رِجَالِ (غَيْرِهِمْ) لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُنْسَبُونَ لِآبَائِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا يَدْخُلُ مَوَالِيهِمْ.
لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ حَقِيقَةً كَمَا لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ نَصًّا، لِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي (وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى عِتْرَتِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ فَكَمَا) لَوْ وَقَفَ (عَلَى قَبِيلَتِهِ) قَالَ فِي الْمُقْنِعِ: الْعِتْرَةُ هِيَ الْعَشِيرَةُ انْتَهَى لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ فِي مَحْفِلِ الصَّحَابَةِ " نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ " وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ قَرَابَةِ زَيْدٍ فَ) هُوَ (لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ) وَهُمْ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ (وَ) أَوْلَادُ (جَدِّهِ) وَهُمْ أَبُوهُ وَأَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُهُ (وَ) أَوْلَادُ (جَدِّ أَبِيهِ) وَهُمْ جَدُّهُ وَأَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُ أَبِيهِ فَقَطْ.
لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى» فَلَمْ يُعْطِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا.
وَإِنَّمَا أَعْطَى بَنِي الْمُطَّلِبِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوهُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ وَلَمْ يُعْطِ قَرَابَتَهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ شَيْئًا مِنْهُ.
وَيُسَوِّي بَيْنَ مَنْ يُعْطِي مِنْهُمْ.
فَلَا يُفَضِّلُ أَعْلَى وَلَا فَقِيرًا وَلَا ذَكَرًا عَلَى مَنْ سِوَاهُ.
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ) عَلَى (قَوْمِهِ أَوْ) عَلَى (نِسَائِهِ أَوْ) عَلَى (آلِهِ أَوْ) عَلَى (أَهْلِهِ كَعَلَى قَرَابَتِهِ) أَمَّا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي» فَجُعِلَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ فَكَانَ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ أَهْلَ بَيْتِهِ.
احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَيُقَاسُ عَلَيْهِمْ الْبَاقِي.
وَقَالَ ابْنُ الْجَعْدِ: الْقَوْمُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، سُمُّوا قَوْمًا لِقِيَامِهِمْ بِالْأُمُورِ
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ فَ) هُوَ (لِكُلِّ قَرَابَةٍ لَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ (مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ) عَصَبَةً كَانُوا كَالْآبَاءِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ أَوْ لَا، كَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْعَمِّ.
(وَ) لِكُلِّ قَرَابَةٍ مِنْ جِهَةِ (الْأُمَّهَاتِ) كَأُمِّهِ وَأَبِيهَا وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ وَإِنْ عَلَوْا (وَ) لِكُلِّ قَرَابَةٍ مِنْ جِهَةِ (الْأَوْلَادِ) كَابْنِهِ وَبِنْتِهِ وَأَوْلَادِهِمْ.
لِأَنَّ الرَّحِمَ يَشْمَلُهُمْ (وَ) إنْ قَالَ: وَقَفْتُ (عَلَى الْأَيَامَى أَوْ) عَلَى (الْعُزَّابِ فَ) هُوَ (لِمَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] وَيُقَالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ وَامْرَأَةٌ عَزَبٌ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَزَبًا
بِالِانْفِرَادِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ انْفَرَدَ فَهُوَ عَزَبٌ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: أَعْزَبُ.
وَرُدَّ بِأَنَّهَا لُغَةٌ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «وَكُنْتُ شَابًّا أَعْزَبَ» وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَغَيْرِهِ (وَالْأَرَامِلِ) جَمْعُ أَرْمَلَةٍ (النِّسَاءُ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ) نَصًّا.
لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ (وَبِكْرٌ وَثَيِّبٌ وَعَانِسٌ) أَيْ مَنْ بَلَغَ حَدَّ التَّزْوِيجِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ (أُخُوَّةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (وَعُمُومَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى) وَالرَّهْطُ لُغَةً: مَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ خَاصَّةً وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
وَالْجَمْعُ أَرْهُطٌ وَأَرْهَاطٌ وَأَرَاهِطُ وَأَرَاهِيطُ.
وَفِي كَشْفِ الْمُشْكَلِ: الرَّهْطُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ.
وَكَذَا قَالَ: النَّفَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ
(وَإِنْ وَقَفَ أَوْ وَصَّى) بِشَيْءٍ (لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ) لِ (قَرَابَتِهِ أَوْ إخْوَتِهِ وَنَحْوِهِمْ) كَأَعْمَامِهِ وَجِيرَانِهِ (لَمْ يَدْخُلْ) فِيهِمْ (مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ أَوْ الْمُوصِي.
لِأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَقَ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ.
وَلَمْ تَشْمَلْ الْمُخَالِفَ لِلدِّينِ فَكَذَا هُنَا.
وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْوَاقِفِ أَوْ الْمُوصِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا (إلَّا) بِنَصٍّ عَلَى دُخُولِهِمْ أَوْ (بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِمْ.
فَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ مُخَالِفِينَ لِدِينِهِ دَخَلُوا كُلُّهُمْ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى رَفْعِ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ عَلَى دِينِهِ وَالْبَاقُونَ يُخَالِفُونَهُ، فَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ وَجَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى وَاحِدٍ بَعِيدٌ جِدًّا
(وَ) مَنْ وَقَفَ (عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقٍ) أَعْتَقُوهُ (وَ) لَهُ مَوَالٍ (مِنْ أَسْفَلَ) أَعْتَقَهُمْ (تَنَاوَلَ) اللَّفْظُ (جَمِيعَهُمْ) وَاسْتَوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ إنْ لَمْ يَفْضُلْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ (وَمَتَى عَدِمَ) أَيْ انْقَرَضَ (مَوَالِيهِ فَ) الْوَقْفُ (لِعَصَبَتِهِمْ) أَيْ عَصَبَةِ مَوَالِيهِ.
لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَكُونُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ) حِينَ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ (فَ) الْوَقْفُ (لِمَوَالِي عَصَبَتِهِ) لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُمْ مَجَازًا مَعَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ إذْ ذَاكَ مَوَالٍ فَانْقَرَضُوا لَمْ يَرْجِعْ الْوَقْفُ لِمَوَالِي عَصَبَتِهِ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ غَيْرَهُمْ.
فَلَا يَعُودُ إلَيْهِمْ إلَّا بِعَقْدٍ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ) كَبَنِيهِ أَوْ إخْوَتِهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ، وَلَيْسُوا قَبِيلَةً أَوْ مَوَالِيهِ أَوْ مَوَالِي فُلَانٍ (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ) بِالْوَقْفِ (وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) فِيهِ لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ ذَلِكَ.
وَإِمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ (كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ) بِشَيْءٍ.
وَيُوَضِّحُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] (وَلَوْ أَمْكَنَ) التَّعْمِيمُ (ابْتِدَاءً ثُمَّ تَعَذَّرَ) لِكَثْرَةِ أَهْلِهِ
(كَوَقْفِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَمَّمَ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ) وُجُوبًا.
لِأَنَّ التَّعْمِيمَ وَالتَّسْوِيَةَ كَانَا وَاجِبَيْنِ فِي الْجَمِيعِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَا فِي بَعْضٍ وَجَبَا فِيمَا لَمْ يَتَعَذَّرَا فِيهِ كَوَاجِبٍ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهِ (وَإِلَّا) يَكُنِ الْوَقْفُ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، كَقُرَيْشٍ أَوْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ لَمْ يَجِبْ تَعْمِيمُهُمْ لِتَعَذُّرِهِ.
وَ (جَازَ التَّفْضِيلُ) بَيْنَهُمْ.
لِأَنَّهُ إذَا جَازَ حِرْمَانُ بَعْضِهِمْ جَازَ تَفْضِيلُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
(وَ) جَازَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ) مِنْهُمْ.
لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ عَدَمُ مُجَاوَزَةِ الْجِنْسِ.
وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالدَّفْعِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَكَالزَّكَاةِ (إنْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى جَمْعٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، بِخِلَافِ مَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ابْتِدَاءً ثُمَّ تَعَذَّرَ كَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَصَارُوا قَبِيلَةً.
فَيُعَمَّمُ مَنْ أَمْكَنَ وَيُسَوِّي بَيْنَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ) عَلَى (الْمَسَاكِينِ تَنَاوَلَ الْآخَرَ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى إذَا اجْتَمَعَا فِي الذِّكْرِ (وَلَا يَدْفَعُ إلَى وَاحِدٍ) مِنْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِمْ (أَكْثَرَ مِمَّا يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ، كَالْفُقَرَاءِ أَوْ الرِّقَابِ أَوْ الْغَارِمِينَ أَوْ الْغُزَاةِ.
لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا.
فَيُعْطَى فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ عَائِلَتِهِمَا سَنَةً.
وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا.
وَهَكَذَا (وَمَنْ وَجَدَ فِيهِ صِفَاتٍ) كَفَقِيرٍ هُوَ ابْنُ سَبِيلٍ وَغَارِمٍ (اسْتَحَقَّ بِهَا) أَيْ بِصِفَاتِهِ فَيُعْطِي مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ وَيُوصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ وَتَمَامُ كِفَايَتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً كَالزَّكَاةِ (وَمَا يَأْخُذُ الْفُقَهَاءُ مِنْهُ) أَيْ الْوَقْفِ (كَرِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ.
وَكَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْمُوصَى بِهِ أَوْ الْمَنْذُورِ لَهُ (لَا كَجُعْلٍ وَلَا كَأُجْرَةٍ) فَلَا يُنْقَصُ بِهِ الْأَجْرُ مَعَ الْإِخْلَاصِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَعَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِشَرْطٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا فِي الْأَوْقَافِ الْحَقِيقِيَّةِ.
أَمَّا الْأَوْقَافُ الَّتِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَأَوْقَافِ السَّلَاطِينِ فَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ التَّنَاوُلُ مِنْهَا.
وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْمَشْرُوطَ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ بِالْمُوَافَقَةِ لِبَعْضِ الْمُعَامِرِينَ لَهُ.
وَأَوْضَحْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى الْقُرَّاءِ فَلِلْحُفَّاظِ) لِلْقُرْآنِ (وَعَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ.
فَلِمَنْ عَرَفَهُ) وَلَوْ حَفِظَ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا لَا بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ (وَعَلَى الْعُلَمَاءِ.
فَلِحَمَلَةِ الشَّرْعِ) وَلَوْ أَغْنِيَاءَ.
وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ فُقَهَاءَ وَمُتَفَقِّهَةً كَعُلَمَاءَ.
(وَ) إنْ وَقَفَ (عَلَى سُبُلِ الْخَيْرِ.
فَلِمَنْ أَخَذَ مِنْ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ) كَفَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ وَابْنِ
سَبِيلٍ وَعَلَى أَعْقَلِ النَّاسِ تَوَجَّهَ أَنَّهُمْ الزُّهَّادُ.
وَذَكَره فِي الْفُرُوعِ.
وَالزُّهْدُ تَرْكُ فُضُولِ الْعَيْشِ وَمَا لَيْسَ بِضَرُورَةٍ فِي بَقَاءِ النَّفْسِ.
وَعَلَى هَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَإِنْ جَعَلَ وَقْفَهُ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ شَمِلَ الْقُرَبَ كُلَّهَا.
وَأَفْضَلُهَا الْغَزْوُ وَيَبْدَأُ بِهِ نَصًّا.
وَيُعْطِي مَنْ صَارَ مُسْتَحِقًّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَى فِي السَّبِيلِ: يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ الشُّرْبُ مِنْهُ (وَيَشْمَلُ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ) كَالْمُسْلِمِينَ (وَضَمِيرُهُ الْأُنْثَى) تَغْلِيبًا (لَا عَكْسُهُ) فَلَا يَشْمَلُ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ كَالْمُسْلِمَاتِ الْمُذَكَّرِ
(وَ) إنْ وَقَفَ لِيَصْرِفَ وَقْفَهُ (لِجَمَاعَةٍ أَوْ لِجَمْعٍ مِنْ الْأَقْرَبِ إلَيْهِ فَلِثَلَاثَةٍ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ فِي أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالِ (وَيُتَمِّمُ) الْجَمْعَ (مِمَّا بَعْدَ الدَّرَجَةِ الْأُولَى) إنْ لَمْ يَبْلُغْ أَهْلُهَا الثَّلَاثَةَ، بِأَنْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بِقُرْعَةٍ يُضَمُّ لِابْنَيْنِ وَيُعْطُونَ الْوَقْفَ.
ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ (وَشَمِلَ أَهْلَ الدَّرَجَةِ وَإِنْ كَثَرُوا) فَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ بَنِينَ وُزِّعَ الرِّيعُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِهِمْ (وَوَصِيَّةٌ كَوَقْفٍ) فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى لَفْظِ الْمُوصِي كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَقْفِ إلَى لَفْظِ وَاقِفِهِ (لَكِنَّهَا) أَيْ الْوَصِيَّةَ (أَعَمُّ) مِنْ الْوَقْفِ عَلَى مَا يَأْتِي.
فَيَصِحُّ لِمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمَا.
[فَصْلٌ وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ.
وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ.
أَشْبَهَ الْعِتْقَ.
وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ أَوْ لَا، حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ لَا.
لِحَدِيثِ «لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ (لَا يُفْسَخُ) الْوَقْفُ (بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ (وَلَا يُبَاعُ) فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ.
وَلَا يَصِحُّ وَلَا الْمُنَاقَلَةُ بِهِ (إلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ الْمَقْصُودَةُ) مِنْهُ (بِخَرَابٍ وَلَمْ يُوجَدْ) فِي رِيعِ الْوَقْفِ (مَا يَعْمُرُ بِهِ) فَيُبَاعُ (أَوْ) تَتَعَطَّلُ مَنَافِعُهُ الْمَقْصُودَةُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْخِرَابِ، كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ نَصًّا (وَلَوْ كَانَ) الْوَقْفُ (مَسْجِدًا) وَتَعَطَّلَ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ (بِضِيقِهِ عَلَى أَهْلِهِ) نَصًّا.
قَالَ فِي الْمُغْنِي.
وَلَمْ تُمْكِنْ تَوْسِعَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ (أَوْ) كَانَ تَعْطِيلُ نَفْعِهِ (بِخَرَابِ مَحَلَّتِهِ) وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: يُحَوَّلُ الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنْ اللُّصُوصِ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذَرًا.
قَالَ
الْقَاضِي: يَعْنِي إذَا كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَيُبَاعُ (أَوْ) كَانَ الْوَقْفُ (حَبِيسًا لَا يَصْلُحُ لِغَزْوٍ فَيُبَاعُ) لِأَنَّ الْوَقْفَ مُؤَبَّدٌ.
فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَبْقَيْنَا الْغَرَضَ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ عَلَى الدَّوَامِ فِي عَيْنٍ أُخْرَى.
وَاتِّصَالُ الْإِبْدَالِ يَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ.
وَجُمُودُنَا عَلَى الْعَيْنِ مَعَ تَعَطُّلِهَا تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ، كَذَابِحِ الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمَوْضِعٍ آخَرَ.
فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ بِالْكُلِّيَّةِ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا أَمْكَنَ.
وَقَوْلُهُ " فَيُبَاعُ " أَيْ وُجُوبًا، كَمَا مَالَ إلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَنُقِلَ مَعْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَالْمُوَفَّقِ وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ
(وَلَوْ شَرَطَ) وَاقِفُهُ (عَدَمَ بَيْعِهِ وَشَرْطُهُ) إذْنٌ (فَاسِدٌ) نَصًّا وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ وَمَنْفَعَةٌ لَهُمْ (وَ) حَيْثُ بِيعَ وَقْفٌ بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ (يُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) إنْ أَمْكَنَ (أَوْ) فِي (بَعْضِ مِثْلِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ) أَيْ الْمَوْقُوفِ الْخَرَابِ (لِإِصْلَاحِ بَاقِيهِ) لِأَنَّهُ حَيْثُ جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ فَالْبَعْضُ أَوْلَى (إنْ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ) فَإِنْ اخْتَلَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ (إنْ كَانَ الْوَقْفُ (عَيْنَيْنِ) كَدَارَيْنِ خَرِبَتَا فَتُبَاعُ إحْدَاهُمَا لِتُعَمَّرَ بِهَا الْأُخْرَى (أَوْ) كَانَ (عَيْنًا) وَاحِدَةً (وَلَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ) بِالتَّشْقِيصِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ بِبَيْعِ الْبَعْضِ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً وَنَقَصَتْ الْقِيمَةُ بِالتَّشْقِيصِ (بِيعَ الْكُلُّ) كَبَيْعِ وَصِيٍّ لِدَيْنٍ أَوْ حَاجَةِ صَغِيرٍ، بَلْ هَذَا أَسْهَل لِجَوَازِ تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ
(وَلَا يُعَمَّرُ وَقْفٌ مِنْ آخَرَ) وَلَوْ عَلَى جِهَتِهِ (وَأَفْتَى) الشَّيْخُ (عُبَادَةَ) مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا (بِجَوَازِ عِمَارَةٍ مِنْ رِيعٍ) وَقْفٍ (آخَرَ عَلَى جِهَتِهِ) قَالَ (الْمُنَقِّحِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) .
وَفِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ قَوِيٌّ، بَلْ عَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ.
لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا: يَعْنِي ابْنَ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: إنَّ كَلَامَهُ فِي الْفُرُوعِ أَظْهَرُ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَمَا عَدَا الْمَسْجِدَ مِنْ الْأَوْقَافِ يُبَاعُ بَعْضُهُ لِإِصْلَاحِ مَا بَقِيَ (وَيَجُوزُ نَقْضُ مَنَارَةِ مَسْجِدٍ وَجَعْلُهَا فِي حَائِطِهِ لِتَحْصِينِهِ) نَصًّا مِنْ نَحْوِ كِلَابٍ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ.
(وَ) يَجُوزُ (اخْتِصَارُ آنِيَةٍ) مَوْقُوفَةٍ، كَقُدُورٍ وَقِرَبٍ وَنَحْوِهِمَا.
إذَا تَعَطَّلَتْ (وَإِنْفَاقُ الْفَضْلِ) مِنْهَا (عَلَى الْإِصْلَاحِ) فَإِنْ تَعَذَّرَ الِاخْتِصَارُ اُحْتُمِلَ جَعْلُهَا نَوْعًا آخَرَ مِمَّا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ تُبَاعَ وَتُصْرَفَ فِي آنِيَةٍ مِثْلِهَا وَهُوَ الْأَقْرَبُ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَقِبَهُ: وَهُوَ الصَّوَابُ (ويَبِيعُهُ) أَيْ الْوَقْفَ حَيْثُ جَازَ بَيْعُهُ (حَاكِمٌ إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ) كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَنَحْوِهَا.
لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِعَقْدٍ لَازِمٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، فَتَوَقَّفَ عَلَى الْحَاكِمِ، كَالْفُسُوخِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا (وَإِلَّا) يَكُنْ
الْوَقْفُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ.
بَلْ كَانَ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ مَنْ يَؤُمُّ أَوْ يُؤَذِّنُ أَوْ يَقُومُ بِهَذَا الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ (فَ) يَبِيعُهُ (نَاظِرٌ خَاصٌّ) إنْ كَانَ (وَالْأَحْوَطُ إذَنْ حَاكِمٌ لَهُ) لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيْعَ عَلَى مَنْ سَيَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ.
أَشْبَهَ الْبَيْعَ عَلَى الْغَائِبِ (وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَلِ) لِجِهَةِ الْوَقْفِ (يَصِيرُ وَقْفًا كَبَدَلِ أُضْحِيَّةٍ وَ) بَدَلِ (رَهْنٍ أُتْلِفَ) لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ، وَشِرَاءُ الْوَكِيلِ يَقَعُ لِمُوَكِّلِهِ.
فَكَذَا هُنَا يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْجِهَةِ الْمُشْتَرَى لَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا وَقْفًا (وَالِاحْتِيَاطُ وَقْفُهُ) لِئَلَّا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَرَى وَقْفَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ
[تَتِمَّةٌ لَا بَأْسَ بِتَغْيِيرِ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ إنْ عَرَضَ لَهَا مَرَمَّةٌ]
(تَتِمَّةٌ) فِي الْفُنُونِ لَا بَأْسَ بِتَغْيِيرِ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ إنْ عَرَضَ لَهَا مَرَمَّةٌ لِأَنَّ كُلَّ عَصْرٍ احْتَاجَتْ فِيهِ إلَيْهِ قَدْ فُعِلَ، وَلَمْ يَظْهَرْ نَكِيرٌ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ الْآيَةُ لَمْ يَجُزْ كَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ وَلَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ، كَآيِ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا عَنْ سُورَةٍ هِيَ مِنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ إلَّا بِنَصٍّ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ «ضَعُوهَا فِي سُورَةِ كَذَا» قَالَ: وَلِهَذَا حَسَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّة التَّغْيِيرِ فِي إدْخَالِ الْحَجَرِ إلَى الْبَيْتِ.
وَيُكْرَهُ نَقْلُ حِجَارَتِهَا عِنْدَ عِمَارَتِهَا إلَى غَيْرِهَا.
كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ تُرَابِ الْمَسَاجِدِ لَبِنًا فِي غَيْرِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّى أَبْنِيَتُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ عُلُوِّهَا وَإِنَّهُ يُكْرَهُ الصَّكُّ فِيهَا وَفِي أَبْنِيَتِهَا إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ الْبِنَاءُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا الْمُعَارَضُ فِي زَمَنِهِ لَفَعَلَهُ كَمَا فِي خَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّوَابِ لِأَجْلِ قَالَةِ النَّاسِ.
وَرَأَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَرْكُهُ أَوْلَى لِئَلَّا يَصِيرَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ
(وَفَضْلُ غَلَّةٍ مَوْقُوفٌ عَلَى مُعَيَّنٍ) كَزَيْدٍ أَوْ وَلَدِهِ (اسْتِحْقَاقُهُ مُقَدَّرٌ) بِأَنْ قَالَ: يُعْطِي مِنْ رِيعِهِ كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَرِيعُهُ أَكْثَرُ (يَتَعَيَّنُ إرْصَادُهُ) أَيْ الْفَضْلُ لِأَنَّهُ رُبَمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ بَعْدُ (وَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاخْتَلَّ) الثَّغْرُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (صَرَفَ) مَا وَقَفَ عَلَيْهِ (فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ وَعَلَى قِيَامِهِ) أَيْ الثَّغْرِ (مَسْجِدٌ وَرِبَاطٌ وَنَحْوُهُمَا) كَسِقَايَةٍ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ الصَّرْفُ فِيهَا صَرَفَ فِي مِثْلِهَا تَحْصِيلًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ حَسَبَ الْإِمْكَانَ (وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ (فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَانْحَرَفَ الْمَاءُ بِرَصْدٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ) أَيْ الْمَاءُ إلَى الْقَنْطَرَةِ فَيَصْرِفُ عَلَيْهَا مَا وَقَفَ عَلَيْهَا (وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) أَيْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَسْجِدًا كَانَ أَوْ رِبَاطًا وَنَحْوَهُ (مِنْ حُصْرِ وَزَيْتٍ وَمَغَلٍّ وَأَنْقَاضٍ وَآلَةٍ) جَدِيدَةٍ (وَثَمَنِهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إنْ بِيعَتْ (يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي مِثْلِهِ) فَإِنْ فَضَلَ عَنْ مَسْجِدٍ صُرِفَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى رِبَاطٍ فَفِي رِبَاطٍ.
(وَ) يَجُوزُ صَرْفُهُ (إلَى فَقِيرٍ) نَصًّا.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ الْحَجَبِيَّ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِخِلْقَانِ الْكَعْبَةِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْهُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ مَالُ اللَّهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَصْرِفٌ فَجَازَ صَرْفُهُ لِلْفُقَرَاءِ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَ صَرْفِهِ فِي مِثْلِهِ وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ وَبِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رِيعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ قَالَ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ رِيعَهُ يَفْضُلُ عَنْهُ دَائِمًا وَجَبَ صَرْفُهُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فَسَادٌ وَلَا مَانِعَ مِنْ إعْطَائِهِ فَرْقَ مَا قَدَّرَهُ لَهُ وَالْوَاقِفِ.
لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَلَامُ غَيْرِهِ مَعْنَاهُ.
وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ
(وَيَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ) بِمَسْجِدٍ وَلَوْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ.
(وَ) يَحْرُمُ (غَرْسُ شَجَرَةٍ بِمَسْجِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ حَفَرَ الْبِئْرَ أَوْ غَرَسَ الشَّجَرَةَ (طُمَّتْ) الْبِئْرُ نَصًّا (وَقُلِعَتْ) الشَّجَرَةُ نَصًّا.
قَالَ أَحْمَدُ: غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقِّ ظَالِمٍ غَرَسَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ قَلْعُهَا بِوَاحِدٍ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ لِلْإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ تُقْلَعْ) الشَّجَرَةُ وَأَثْمَرَتْ (فَثَمَرَتُهَا لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ (وَإِنْ غُرِسَتْ) الشَّجَرَةُ (قَبْلَ بِنَائِهٍ) أَيْ الْمَسْجِدِ (وَوُقِفَتْ) الشَّجَرَةُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْمَسْجِدِ (فَإِنْ عَيَّنَ) الْوَاقِفُ (مَصْرِفَهَا) بِأَنْ قَالَ: تُصْرَفُ ثَمَرَتُهَا فِي حُصْرٍ أَوْ زَيْتٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِ (عُمِلَ بِهِ) أَيْ بِمَا عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ (وَإِلَّا) يُعَيَّنْ مَصْرِفُهَا (فَكَ) وَقْفٍ (مُنْقَطِعٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفَهَا (وَيَجُوزُ رَفْعُ مَسْجِدٍ أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ) أَيْ جِيرَانُ الْمَسْجِدِ (ذَلِكَ) أَيْ رَفْعَهُ (وَجَعْلَ سُفْلِهِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ) يُنْتَفَعُ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَ (لَا) يَجُوزُ (نَقْلُهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ إلَى مَكَان غَيْرِ مَكَانَهُ الْأَوَّلِ وَلَوْ خَرِبَ (مَعَ إمْكَانَ عِمَارَتِهِ) وَلَوْ (دُونَ) الْعِمَارَةِ (الْأُولَى) بِحَسَبِ النَّمَاءِ.
قَالَهُ فِي الْفُنُونِ.
وَغَلِطَ جَمَاعَةٌ أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمَسْجِدِ وَلَا مِحْرَابِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
وَمَنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِسَطْحِهِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ لَا.
وَأَنَّهُ جَعَلَ السَّطْحَ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِأَسْفَلِهِ.
لِأَنَّ السَّطْحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُفْلٍ.
ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يَخْرُجُ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ وَاقِفِي الْمَسَاجِدِ مِنْ الْبُيُوتِ الَّتِي بِجَوَانِبِهِ، وَبَعْضُهَا عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمَسْجِدِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمَهُ.
[بَابُ الْهِبَةِ]
ِ وَأَصْلُهَا مِنْ هُبُوبِ الرِّيحِ أَيْ مُرُورِهِ يُقَالُ: وَهَبْتُ لَهُ وَهْبًا بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا وَهِبَةً وَهُوَ وَاهِبٌ وَوَهَّابٌ وَوَهُوبٌ وَوَهَّابَةٌ وَالِاسْمُ الْمُوهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا، وَالِاتِّهَابُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالِاسْتِيهَابُ سُؤَالُهَا وَتَوَاهَبُوا وَهَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَهِيَ شَرْعًا (تَمْلِيكُ) خَرَجَ بِهِ الْعَارِيَّةُ (جَائِزِ التَّصَرُّفِ) أَيْ: مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ (مَالًا مَعْلُومًا) خَرَجَ بِهِ الْكَلْبُ وَنَحْوُهُ (مَعْلُومًا) يَصِحُّ بَيْعُهُ (أَوْ) مَالًا (مَجْهُولًا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ) كَدَقِيقٍ اخْتَلَطَ بِدَقِيقٍ لِآخَرَ فَوَهَبَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مِلْكَهُ مِنْهُ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ لِلْحَاجَةِ.
وَفِي الْكَافِي تَصِحُّ هِبَةُ ذَلِكَ وَكَلْبٌ وَنَجَاسَةٌ يُبَاحُ نَفْعُهُمَا (مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْدُومِ كَمَا تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ، وَلَا هِبَةُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَآبِقٍ وَشَارِدٍ كَبَيْعِهِ (غَيْرَ وَاجِبٍ) عَلَى مُمَلِّكٍ.
فَلَا تُسَمَّى نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ وَنَحْوِهِمَا هِبَةً لِوُجُوبِهَا (فِي الْحَيَاةِ) خَرَجَ الْوَصِيَّةُ (بِلَا عِوَضٍ) فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَبَيْعٌ وَيَأْتِي (بِمَا يُعَدُّ هِبَةً) مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَإِرْسَالِ هَدِيَّةٍ وَدَفْعِ دَرَاهِمَ لِفَقِيرٍ، وَنَحْوِهِ (عُرْفًا) لِمُعَاطَاةٍ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ وَالْعَطِيَّةُ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ وَكُلُّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ (فَمَنْ قَصَدَ بِإِعْطَاءٍ) لِغَيْرِهِ (ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَقَطْ فَ) الْمَدْفُوعُ (صَدَقَةٌ وَ) مَنْ قَصَدَ بِإِعْطَائِهِ (إكْرَامًا وَتَوَدُّدًا وَنَحْوَهُ) كَمَحَبَّةٍ فَالْمَدْفُوعُ (هَدِيَّةٌ وَإِلَّا) يَقْصِدُ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (فَ) الْمَدْفُوعُ (هِبَةٌ وَعَطِيَّةٌ وَنِحْلَةٌ) أَيْ: تُسَمَّى بِذَلِكَ فَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقَةٌ مَعْنًى وَحُكْمًا وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَمَحْثُوثٌ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَهَادُوا تَحَابُّوا» وَمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي الْمُشْرِكِ أَلَيْسَ يُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ وَقَبِلَ وَقَدْ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيَعُمُّ جَمِيعَهَا) أَيْ: الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْهِبَةِ (لَفْظُ الْعَطِيَّةِ) لِشُمُولِهِ لَهَا (وَقَدْ يُرَادُ بِعَطِيَّةٍ الْهِبَةِ) أَيْ: الْمَوْهُوبُ (فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) كَمَا يَأْتِي
(وَمَنْ أَهْدَى لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِحَدِيثِ الْمُسْتَفْزِزُ يُثَابُ مِنْ هِبَةٍ (لِغَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ [المدثر: 6] وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْحِرْصِ وَالْمِنَّةِ
(وَوِعَاءُ هَدِيَّةٍ كَهِيَ) فَلَا يُرَدُّ (مَعَ عُرْفٍ) كَقَوْصَرَةِ التَّمْرِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ رَدَّهُ (وَكُرِهَ رَدُّ هِبَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ) ;
لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ هِبَةٍ وَلَوْ جَاءَتْ بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْ: الْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَعَنْهُ يَجِبُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الزَّكَاةِ لِلْخَبَرِ
(وَيُكَافِئُ) الْمُهْدَى لَهُ (أَوْ يَدْعُو) لَهُ.
وَفِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ دَعَا لَهُ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَحَكَى أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى عَنْ وَهْبٍ قَالَ تَرْكُ الْمُكَافَأَةِ مِنْ التَّطْفِيفِ وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ (إلَّا إذَا عَلِمَ) الْمُهْدَى لَهُ (أَنَّهُ) أَيْ: الْمُهْدِي (أَهْدَى حَيَاءً فَيَجِبُ الرَّدُّ) أَيْ: رَدُّ هَدِيَّتِهِ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَهُوَ قَوْلٌ: حَسَنٌ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ فِي الْعُقُودِ عِنْدَنَا مُعْتَبَرَةٌ
(وَإِنْ شُرِطَ فِيهَا) أَيْ: الْهِبَةِ عِوَضٌ مَعْلُومٌ صَحَّ نَصًّا كَشَرْطِهِ فِي عَارِيَّةٍ (وَصَارَتْ بَيْعًا) بِلَفْظِ الْهِبَةِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ كَمَا لَوْ شُرِطَ فِي عَارِيَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ عِوَضٌ مَعْلُومٌ فَتَصِيرُ إجَارَةً
(وَإِنْ شُرِطَ) فِي هِبَةٍ (ثَوَابٌ مَجْهُولٌ لَمْ تَصِحَّ) كَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ وَحُكْمُهَا كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَتُرَدُّ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ زَوَائِدُهَا ضَمِنَهَا بِبَدَلِهَا فَإِنْ أُطْلِقَتْ الْهِبَةُ لَمْ تَقْتَضِ عِوَضًا سَوَاءٌ كَانَتْ لِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ وَقَوْلُ عُمَرَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا خَالَفَهُ ابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ
وَإِنْ اخْتَلَفَا أَيْ: الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي شَرْطِ عِوَضٍ فِي الْهِبَةِ فَقَوْلٌ مُنْكَرٌ لَهُ وَهُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصَّادِرِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ وَهَبْتَنِي مَا بِيَدِي فَقَالَ مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ قَبْلُ بَلْ بِعْتُكَهُ وَلَا هِبَةَ لِأَحَدِهِمَا يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ وَلَا هِبَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا بَيْعَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا
وَتَصِحُّ الْهِبَةُ بِعَقْدٍ وَتُمْلَكُ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ بِعَقْدٍ أَيْ: إيجَابٍ وَقَبُولٍ فَالْقَبْضُ مُعْتَبَرٌ لِلُزُومِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا لِانْعِقَادِهَا وَإِنْشَائِهَا حَكَاهُ فِي الْقَوَاعِدِ عَنْ الْمُغْنِي وَالِانْتِصَارِ وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ فِي الشَّرْحِ مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالْإِيجَابِ فِي غَيْرِهَا وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ أَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ فِيهَا مُرَاعًى فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَبُولِهِ وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى
ذَلِكَ النَّمَاءُ وَالْفِطْرَةُ
فَيَصِحُّ تَصَرُّفُ مَوْهُوبٍ لَهُ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ قَبْضٍ عَلَى الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَالنَّمَاءُ لِلْمُتَّهِبِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَبِيعُ بِخِيَارٍ لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ زَمَنَهُ فَهُنَا أَوْلَى وَلِعَدَمِ تَمَامِ الْمِلْكِ
وَتَصِحُّ هِبَةٌ وَتَمَلُّكٌ بِمُعَاطَاةٍ بِفِعْلٍ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى إلَيْهِ وَيُعْطِي وَيُعْطَى لَهُ وَأَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ لَفْظُ إيجَابٍ وَلَا قَبُولٍ وَلَا أَمْرٍ بِهِ وَلَا بِتَعْلِيمِهِ لِأَحَدٍ وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ نَقْلًا مَشْهُورًا «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُمَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بِعْنِيهِ فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ وَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمَرَ وَلَا قَبُولُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الرِّضَا بِنَقْلِ الْمِلْكِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَتَجْهِيزُ بِنْتِهِ بِجِهَازٍ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ لِوُجُودِ الْمُعَاطَاةِ بِالْفِعْلِ وَهِيَ أَيْ: الْهِبَةُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي تَرَاخِي قَبُولٍ عَنْ إيجَابٍ وَفِي تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وَفِي غَيْرِهِمَا كَاسْتِثْنَاءِ وَاهِبٍ نَفْعَ مَوْهُوبٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَبَيْعٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) يَحْصُلُ قَبُولٌ هُنَا وَفِي وَصِيَّةٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَى الرِّضَا لِمَا تَقَدَّمَ
وَقَبْضُهَا أَيْ: الْهِبَةُ كَ قَبْضِ مَبِيعٍ فَفِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَذْرُوعٍ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ زَرْعٍ وَفِيمَا يُنْقَلُ بِنَقْلِهِ وَمَا يُتَنَاوَلُ بِتَنَاوُلِهِ وَمَا عَدَاهُ بِالتَّخْلِيَةِ وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ هِبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ وَاهِبٍ فِيهِ لِأَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى وَاهِبٍ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَأَصْلِ الْعَقْدِ وَكَالرَّهْنِ
وَلَهُ أَيْ: الْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ وَفِي إذْنٍ فِي قَبْضِهَا قَبْلَهُ أَيْ: الْقَبْضِ وَلَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِ مُتَّهِبٍ
وَيَبْطُلُ إذْنُ وَاهِبٍ فِي قَبْضِ هِبَةٍ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَيْ: الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ كَالْوَكَالَةِ وَإِنْ مَاتَ وَاهِبٌ قَبْلَ قَبْضِ هِبَتِهِ وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ أَوَّلًا فَوَارِثُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إذْنٍ فِي قَبْضٍ وَفِي رُجُوعٍ فِي هِبَتِهِ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ يَئُولَ إلَى اللُّزُومِ كَالرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ خِيَارٌ بِخِلَافٍ نَحْوِ الْوَكَالَةِ
وَتَلْزَمُ هِبَةٌ بِقَبْضٍ بِإِذْنِ وَاهِبٍ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِعَائِشَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَا بُنَيَّةُ إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وُسْقًا وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ وَحُزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يُجَوِّزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ وَكَالطَّعَامِ الْمَأْذُونِ فِي أَكْلِهِ كَمَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ بِعَقْدٍ فِيمَا بِيَدِ مُتَّهِبٍ أَمَانَةً كَوَدِيعَةٍ أَوْ مَضْمُونَةً كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ
وَلَا يُحْتَاجُ لِمُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ لِأَنَّ الْقَبْضَ مُسْتَدَامٌ فَأَغْنَى عَنْ الِابْتِدَاءِ
وَتَبْطُلُ هِبَةٌ بِمَوْتِ مُتَّهِبٍ بَعْدَ عَقْدٍ وَقَبْلَ قَبْضٍ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَبُولِ فَإِذَا مَاتَ قَبْلَهُ بَطَلَ الْعَقْدُ كَمَا إذَا مَاتَ مَنْ أُوجِبَ لَهُ بَيْعٌ قَبْلَ قَبُولِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ فَلَوْ أَنْفَذَهَا أَيْ: الْهِبَةَ وَاهِبٌ مَعَ رَسُولِهِ أَيْ: الْوَاهِبِ ثُمَّ مَاتَ مَوْهُوبٌ لَهُ أَيْ: الْمُرْسَلُ إلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهَا بَطَلَتْ الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ «لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَ مِسْكٍ وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ فَإِنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَكِ قَالَتْ فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُدَّتْ إلَيْهِ هَدِيَّتُهُ فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ مِسْكٍ وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَاهِبٌ وَمَتَى بَلَّغَ الرَّسُولُ مَوْتَهُ أَيْ: مَوْتَ الْوَاهِبِ فِي أَثْنَاءِ طَرِيقٍ فَلَيْسَ لَهُ حَمْلُهَا إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْوَارِثُ وَهِيَ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ مِنْهُ لِبُطْلَانِ الْهِبَةِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْقَبُولِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ وَلَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ إنْ كَانَتْ مَعَ رَسُولٍ مَوْهُوبٍ لَهُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ قَبْضَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَبْضِهِ فَيَكُونُ الْمَوْتُ بَعْدَ لُزُومِهَا بِالْقَبْضِ فَلَا يُؤَثِّرُ
وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ لِحَمْلٍ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ تَعْلِيقٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا وَالْهِبَةُ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ
(وَيَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لِصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) وَسَفِيهٍ وُهِبَ لَهُمْ شَيْءٌ (وَلِيٌّ) وَهُوَ أَبٌ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ لِأَنَّهُ قَبُولٌ لِلْمَحْجُورِ فِيهِ حَظٌّ فَكَانَ إلَى الْوَلِيِّ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَإِنْ عُدِمَ الْوَلِيُّ فَمَنْ يَلِيهِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِئَلَّا يَضِيعَ وَتَهْلَكَ وَيَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ قَبْضُ مَأْكُولٍ يُدْفَعُ مِثْلُهُ لِلصَّغِيرِ
فَإِنْ وَهَبَ هُوَ أَيْ: الْوَلِيُّ لِمُوَلِّيهِ وَكَّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ الْهِبَةَ مِنْهُ إنْ كَانَ غَيْرَ الْأَبِ وَيَقْبِضُ هُوَ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لِلصَّبِيِّ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا بُدَّ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ وَيَقْبِضُ لَهُ فَيَكُونُ الْإِيجَابُ مِنْهُ وَالْقَبُولُ وَالْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَلَا يَحْتَاجُ أَبٌ وَهَبَ مُوَلِّيَهُ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ إلَى تَوْكِيلٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ الْأَبَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ هُنَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصْدُرُ مِنْهُ وَمِنْ وَكِيلِهِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ كَالْأَبِ وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُغْنِي وَالْإِنْصَافِ أَنَّ تَوْكِيلَ غَيْرِ الْأَبِ يَكُونُ فِي الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَظَاهِرُ
كَلَامِ التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْقَبُولِ فَقَطْ وَيَكُونُ الْإِيجَابُ وَالْقَبْضُ مِنْ الْوَاهِبِ
وَمَنْ أَبْرَأَ مَدِينَهُ مِنْ دَيْنِهِ أَوْ وَهَبَهُ أَيْ: الدَّيْنَ لِمَدِينِهِ أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ أَوْ تَرَكَهُ لَهُ أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَيْ: الدَّيْنِ عَلَيْهِ أَيْ: الْمَدِينِ أَوْ عَفَا عَنْهُ أَيْ: الدَّيْنَ صَحَّ ذَلِكَ جَمِيعُهُ وَكَانَ مُسْقِطًا لِلدَّيْنِ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْطَيْتُكَهُ وَإِنَّمَا صَحَّ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ انْصَرَفَ إلَى مَعْنَى الْإِبْرَاءِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَةٌ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِهِ أَيْ: الدَّيْنِ أَوْ اعْتَقَدَ رَبُّ دَيْنٍ مُسْقِطٍ لَهُ عَدَمَهُ أَيْ: الدَّيْنِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ أَوْ نَحْوَهُ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ
وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَنَحْوُهُ إنْ عَلَّقَهُ رَبُّ دَيْنٍ بِشَرْطٍ نَصًّا فِي إنْ مِتَّ بِفَتْحِ التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ وَإِنْ قَالَ إنْ مِتُّ بِضَمِّ التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ فَهُوَ وَصِيَّةٌ لِلْمَدِينِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ وَيَبْرَأُ مَدِينٌ بِإِبْرَاءِ رَبِّ الْحَقِّ لَهُ بِأَحَدِ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ مُنَجَّزًا وَلَوْ رَدَّ الْمَدِينُ الْإِبْرَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ بِخِلَافِ هِبَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مُنَجَّزًا وَلَوْ جَهِلَ رَبُّ الدَّيْنِ قَدْرَهُ وَصِفَتَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ لَا إنْ عَلِمَهُ مَدِينٌ فَقَطْ وَكَتَمَهُ مِنْ رَبِّ دَيْنٍ خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ إنْ عَلِمَهُ رَبُّ الدَّيْنِ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ وَهُوَ إذْنٌ كَالْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ
وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مَعَ إبْهَامِ الْمَحَلِّ الْوَارِدِ عَلَيْهِ الْإِبْرَاءُ كَ أَبْرَأْتُ أَحَدَ غَرِيمَيْ أَوْ أَبْرَأْتُ غَرِيمِي هَذَا مِنْ أَحَدِ دَيْنَيْ كَ وَهَبْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوْ كَفَلْتُ أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ
وَمَا صَحَّ بَيْعُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ صَحَّتْ هِبَتُهُ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ فَتَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَيَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِي الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَيْسَ هِبَةً حَقِيقَةً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَيَظْهَرُ لِي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ قَوْلًا وَاحِدًا
وَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ نَفْعِهِ أَيْ: الْمَوْهُوبِ فِيهَا أَيْ: الْهِبَةِ عِنْدَ عَقْدِهَا زَمَنًا مُعَيَّنًا نَحْوَ شَهْرٍ وَسَنَةٍ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَيُعْتَبَرُ لِقَبْضِ مُشَاعٍ يُنْقَلُ أَيْ: لِجَوَازِهِ أَوْ انْتِفَاءِ ضَمَانِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ
ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ أَذِنَ شَرِيكٌ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَتَكُونُ حِصَّتُهُ أَيْ: الشَّرِيكِ وَدِيعَةً مَعَ قَابِضٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَإِنْ أَبَى شَرِيكٌ تَسْلِيمَ نَصِيبِهِ قِيلَ لِمُتَّهَبٍ وَكِّلْ شَرِيكَكَ فِي قَبْضِهِ لَكَ فَإِنْ أَبَى نَصَّبَ حَاكِمٌ مَنْ يَكُونُ بِيَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ فَيَحْصُلُ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ وَيَتِمُّ بِهِ عَقْدُ شَرِيكِهِ فِيهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَيْ: الْقَابِضُ فِي التَّصَرُّفِ أَيْ الِانْتِفَاعِ بِمَا مِنْهُ الشِّقْصُ الْمَوْهُوبُ مَجَّانًا بِلَا عِوَضٍ فَحِصَّةُ الشَّرِيكِ مَضْمُونَةٌ كَعَارِيَّةٍ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِأُجْرَةٍ فَنَصِيبُ شَرِيكِهِ أَمَانَةٌ كَأُجْرَةٍ فَإِنْ قَالَ اسْتَعْمِلْهُ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِ فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لَا ضَمَانَ فِيهَا
وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَجْهُولٍ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ نَصًّا لِأَنَّهُ كَحَمْلٍ فِي بَطْنٍ وَلَبَنٍ فِي ضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى ظَهْرٍ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَمْ تَصِحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْبَيْعِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ صَحَّتْ هِبَتُهُ كَالصُّلْحِ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ
وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَا فِي ذِمَّةِ مَدِينٍ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَمَغْصُوبٍ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ أَوْ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ كَبَيْعِهِ
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا أَيْ: الْهِبَةِ عَلَى شَرْطٍ غَيْرِ مَوْتِ الْوَاهِبِ فَيَصِحُّ وَتَكُونُ وَصِيَّةً لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ فِي الْحَيَاةِ فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ كَالْبَيْعِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَوَعْدٌ لَا هِبَةٌ وَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِيهَا كَأَنْ لَا يَبِيعَهَا الْمُتَّهَبُ أَوْ لَا يَهَبَهَا وَنَحْوَهُمَا كَلَا يَلْبِسُ الثَّوْبَ الْمَوْهُوبَ وَتَصِحُّ هِيَ أَيْ الْهِبَةُ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْسَرَ
وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مُؤَقَّتَةً كَ وَهَبْتُكَهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِانْتِهَاءِ الْهِبَةِ فَلَا تَصِحُّ مَعَهُ كَالْبَيْعِ إلَّا فِي الْعُمْرَى فَتَصِحُّ مَعَ التَّوْقِيتِ بِالْعُمْرِ لِأَنَّهُ شَرْطُ رُجُوعِهَا هُنَا عَلَى غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ وَارِثُهُ بِخِلَافِ التَّوْقِيتِ بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ وَمَعْنَاهَا شَرْطُ الْوَاهِبِ عَلَى الْمُتَّهِبِ عَوْدَ مَوْهُوبٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِهَا بِالْعُمْرِ كَ أَعْمَرْتُكَ أَوْ أَرْقَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ الْفَرَسَ أَوْ هَذِهِ الْأَمَةَ يُقَالُ أَعْمَرْتُهُ وَعَمَّرْتُهُ مُشَدَّدًا إذَا جَعَلْتُ لَهُ الدَّارَ مُدَّةَ عُمُرِكَ أَوْ عُمُرِهِ وَأَرْقَبْتُكَ أَعْطَيْتُكَ وَنَصُّهُ أَيْ: أَحْمَدَ فِيمَنْ يَعْمُرُ أَمَةً لَا يَطَؤُهَا نَقَلَهُ يَعْقُوبُ وَابْنُ هَانِئٍ وَحَمَلَ أَيْ: حَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْوَرَعِ لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ فَلَمْ يَرَ لَهُ وَطْأَهَا لِهَذَا وَبَعَّدَهُ ابْنُ رَجَبٍ قَالَ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى قَاصِرٌ أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ أَوْ حَيَاتَكَ أَوْ
جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَى أَوْ رُقْبَى أَوْ مَا بَقِيت أَوْ أَعْطَيْتُكَهَا عُمُرَكَ أَوْ حَيَاتَكَ أَوْ عُمْرَى أَوْ رُقْبَى أَوْ مَا بَقِيت فَتَصِحُّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا فَالنَّهْيُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ بِنُفُوذِهَا لِلْمُعْمَرِ وَالْمُرْقَبِ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَتَكُونُ لِمُعْطِي وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ إنْ كَانُوا لِلْخَبَرِ كَتَصْرِيحِهِ أَيْ: الْمُعْمِرِ بِأَنَّ الْعُمْرَى بَعْدَ مَوْتِ مُعْمَرٍ لِوَرَثَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَقَارًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُمَا وَإِلَّا يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَهِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ نَصًّا كَسَائِرِ الْمَالِ الْمُخَلَّفِ وَإِنْ أَضَافَهَا لِعُمْرِ غَيْرِهِ كَوَهَبْتُكَهَا عُمْرَ زَيْدٍ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا هِبَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ الْعُمْرَى
وَإِنْ شَرَطَ وَاهِبٌ عَلَى مَوْهُوبٍ لَهُ رُجُوعَهَا أَيْ: الْهِبَةِ بِلَفْظِ إرْقَابٍ أَوْ غَيْرِهِ لِمُعْمِرٍ أَيْ وَاهِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ مُطْلَقًا أَوْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ أَيْ الْوَاهِبِ إنْ مَاتَ مَوْهُوبٌ لَهُ قَبْلَهُ أَيْ: الْوَاهِبِ أَوْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَى غَيْرِهِ كَوَرَثَةِ وَاهِبٍ إنْ مَاتَ قَبْلَ مَوْهُوبٍ لَهُ وَهَذِهِ هِيَ الرُّقْبَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ الرُّقْبَى هِيَ لَكَ حَيَاتَكَ فَإِذَا مِتُّ فَهِيَ لِفُلَانٍ أَوْ رَاجِعَةٌ إلَيَّ وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ أَوْ شَرَطَ وَاهِبٌ رُجُوعَهَا مُطْلَقًا أَيْ: بِلَا تَقْيِيدٍ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ إلَى آخَرِهِمَا مَوْتًا لَغَا الشَّرْطُ وَصَحَّتْ الْهِبَةُ لِمُعْمَرٍ اسْمِ مَفْعُولٍ وَبَعْدَهُ لِوَرَثَتِهِ كَالْأَوَّلِ أَيْ: كَالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَغَا وَصَحَّ الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَأَمَّا قَوْلُ جَابِرٍ إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ فَأَمَّا إذَا قَالَ هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ نَفْسِهِ فَلَا يُعَارِضُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَلَا يَصِحُّ إعْمَارُ الْمَنَافِعِ وَلَا إرْقَابُهَا فَلَوْ قَالَ مَنَحْتُكَهُ عُمُرَكَ فَعَارِيَّةٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ مَنَحَهُ النَّاقَةَ: جَعَلَ لَهُ وَبَرَهَا وَلَبَنَهَا وَوَلَدَهَا وَهِيَ الْمِنْحَةُ وَالْمَنِيحَةُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ عَنْ بَيْتِهِ سُكْنَاهُ لَكَ عُمُرَكَ وَكَذَا لَوْ قَالَ عَنْ بُسْتَانِهِ وَنَحْوُهُ غَلَّتُهُ لَكَ عُمُرَكَ وَعَنْ قِنِّهِ خِدْمَتُهُ لَكَ عُمُرَكَ عَارِيَّةٌ لَهُ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ إنَّمَا تُسْتَوْفَى شَيْئًا فَشَيْئًا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا تَلْزَمُ إلَّا فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ
[فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَى وَاهِبٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى تَعْدِيلٌ بَيْنَ مَنْ يَرِثُ]
ُ مِنْ وَاهِبٍ بِقَرَابَةٍ مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ كَآبَاءٍ وَإِخْوَةٍ وَأَعْمَامٍ وَبَنِيهِمْ وَنَحْوِهِمْ فِي هِبَةِ شَيْءٍ غَيْرِ تَافِهٍ نَصًّا حَتَّى لَوْ زَوَّجَ بَعْضَ بَنَاتِهِ وَجَهَّزَهَا أَوْ بَعْضَ بَنِيهِ وَأَعْطَى عَنْهُ الصَّدَاقَ وَالتَّعْدِيلُ الْوَاجِبُ لِكَوْنِهَا أَيْ: الْهِبَةِ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ نَصًّا لِحَدِيثِ جَابِرٍ.
قَالَ «قَالَتْ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ أَعْطِ ابْنِي غُلَامًا وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، فَقَالَ: أَلَهُ إخْوَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَوَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إلَّا عَلَى حَقٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَقَالَ فِيهِ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ إنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» .
وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ» فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ وَسَمَّى تَخْصِيصَ بَعْضِهِمْ: جَوْرًا وَالْجَوْرُ حَرَامٌ وَقِيسَ عَلَى الْأَوْلَادِ بَاقِي الْأَقَارِبِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَوَالِي وَلَا يَجِبُ عَلَى مُسْلِمٍ التَّعْدِيلُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذِّمِّيِّينَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَّا فِي نَفَقَةٍ فَتَجِبُ الْكِفَايَةُ دُونَ التَّعْدِيلِ نَصًّا لِأَنَّهَا لِدَفْعِ الْحَاجَةِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ وَلَهُ أَيْ: الْمُعْطِي التَّخْصِيصُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ مِنْ أَقَارِبِهِ بِإِذْنِ الْبَاقِي مِنْهُمْ لِانْتِفَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْقَطِيعَةِ إذَنْ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ الْمَنْعِ وَكَذَا التَّفْضِيلُ فَإِنْ خَصَّ بَعْضَ أَقَارِبِهِ الْوَارِثِينَ بِشَيْءٍ أَوْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ بِلَا إذْنِ الْبَاقِي (رَجَعَ) فِيمَا خَصَّ بِهِ بَعْضَهُمْ أَوْ فَضَّلَهُ بِهِ إنْ أَمْكَنَ (أَوْ أَعْطَى) الْبَاقِيَ (حَتَّى يُسَوَّوْا) بِمَنْ خَصَّهُ أَوْ فَضَّلَهُ نَصًّا وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.
لِأَنَّهُ تَدَارُكٌ لِلْوَاجِبِ.
وَيَجُوزُ لِلْأَبِ تَمْلِيكُهُ بِلَا حِيلَةٍ، قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ (فَإِنْ مَاتَ) مُعْطٍ (قَبْلَهُ) أَيْ التَّعْدِيلِ (وَلَيْسَتْ) الْعَطِيَّةُ (فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمُعْطِي الْمَخُوفِ (ثَبَتَتْ لِآخِذٍ) فَلَا رُجُوعَ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ نَصًّا.
لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ.
وَكَمَا لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ انْفَرَدَ.
فَإِنْ كَانَتْ بِمَرَضِهِ الْمَخُوفِ تَوَقَّفَتْ عَلَى إجَازَةِ الْبَاقِي وَيَأْتِي (وَتَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَخْصِيصٍ أَوْ تَفْضِيلٍ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً إنْ عَلِمَ) الشَّاهِدُ بِهِ.
لِحَدِيثِ (لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ) وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي) فَهُوَ تَهْدِيدٌ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى بَشِيرٌ لَبَادَرَ إلَى الِامْتِثَالِ وَلَمْ يَرُدَّ الْعَطِيَّةَ (وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ عِنْدَهُ) أَيْ: الشَّاهِدِ.
فَتَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَشْهَدُ وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ
(وَتُبَاحُ قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ وَارِثِهِ) عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى لِعَدَمِ الْجَوْرِ فِيهَا (وَيُعْطَى) وَارِثٌ (حَادِثٌ حِصَّتَهُ) مِمَّا قُسِّمَ (وُجُوبًا) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ الْوَاجِبُ
(وَسُنَّ أَنْ لَا يُزَادَ ذَكَرٌ عَلَى أُنْثَى) مِنْ أَوْلَادٍ وَإِخْوَةٍ وَنَحْوِهِمْ (فِي وَقْفٍ) عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ (وَيَصِحُّ) مِنْ مَرِيضِ مَرَضَ مَوْتٍ مَخُوفٍ (وَقْفُ ثُلُثِهِ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ فِي الْوَقْفِ.
وَبِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ أَيْ مُطْلَقًا.
فَلَوْ وَقَفَ دَارًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا عَلَى ابْنِهِ وَبِنْتِهِ بِالسَّوِيَّةِ فَرْدًا.
فَثُلُثُهَا وَقْفٌ بَيْنَهُمَا لَا يَحْتَاجُ لِإِجَازَةٍ بِالسَّوِيَّةِ وَثُلُثَاهَا مِيرَاثٌ، وَإِنْ رَدَّ الِابْنُ وَحْدَهُ فَلَهُ ثُلُثَا الثُّلُثَيْنِ إرْثًا.
وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُهُمَا وَقْفًا.
وَإِنْ رَدَّتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا فَلَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إرْثًا.
وَلِلِابْنِ نِصْفُهُمَا وَقْفًا وَسُدُسُهُمَا إرْثًا لِرَدِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ رَدَّ التَّسْوِيَةَ فَقَطْ دُونَ أَصْلِ الْوَقْفِ وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُهُمَا وَقْفًا.
وَ (لَا) يَنْفُذُ (وَقْفُ مَرِيضٍ وَ) لَوْ كَانَ وَقْفُهُ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِ) جُزْءٍ (زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ: ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ، بَلْ يَقِفُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَلَوْ) وَقَفَ ذَلِكَ (حِيلَةً كَ) وَقْفِ نَحْوِ مَرِيضٍ (عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْوَارِثِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ وَبُطْلَانِهَا
(وَلَا) يَصِحُّ (رُجُوعُ وَاهِبٍ) فِي هِبَتِهِ (بَعْدَ قَبْضٍ) وَلَوْ نُقُوطًا أَوْ حُمُولَةً فِي نَحْوِ عُرْسٍ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِلُزُومِهَا بِهِ (وَيَحْرُمُ) الرُّجُوعُ بَعْدَهُ.
لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ عَوَّضَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْ، لِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي ثَوَابًا (إلَّا مَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا) شَيْئًا (بِمَسْأَلَتِهِ) إيَّاهَا (ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَتَزْوِيجٍ عَلَيْهَا نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا وَهَبَتْ لَهُ مَهْرَهَا فَإِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ رَدَّهُ إلَيْهَا رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ.
لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إضْرَارًا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَأَلَهَا وَتَبَرَّعَتْ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَغَيْرُ الصَّدَاقِ كَالصَّدَاقِ (وَ) إلَّا (الْأَبُ) لِحَدِيثِ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا
«لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَسَوَاءٌ أَرَادَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ بِالرُّجُوعِ أَوْ لَا.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَافِرًا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْوَلَدُ.
وَمَنَعَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَنْ.
وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِخِلَافِهَا (وَلَوْ تَعَلَّقَ بِمَا وَهَبَهُ) الْأَبُ لِوَلَدِهِ (حَقٌّ كَفَلَسٍ) بِأَنْ أَفْلَسَ الْوَالِدُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ (أَوْ) تَعَلَّقَ بِهِ (رَغْبَةً كَتَزْوِيجٍ) بِأَنْ زُوِّجَ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ رَغْبَةً فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ كَالْهِبَةِ (إلَّا إذَا وَهَبَهُ) أَيْ: وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ (سُرِّيَّةً لِلْإِعْفَافِ) فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا (وَلَوْ اسْتَغْنَى) الِابْنُ عَنْهَا بِتَزَوُّجِهِ أَوْ شِرَائِهِ غَيْرَهَا وَنَحْوِهِ.
وَإِنْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ نَصًّا لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَةِ (أَوْ) أَيْ: وَإِلَّا (إذَا أَسْقَطَ) الْأَبُ (حَقَّهُ مِنْهُ) أَيْ: الرُّجُوعِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ فَيَسْقُطُ، خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مُجَرَّدُ حَقِّهِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَرْأَةِ لِإِثْمِهِ بِالْعَضْلِ (وَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ (نَقْصُ) عَيْنٍ مَوْهُوبَةٍ بِيَدِ وَلَدٍ سَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَوْ ذَاتُهَا بِتَآكُلِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا أَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا أَوْ جَنَى فَتَعَلَّقَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ وَنَحْوِهِ.
فَإِنْ رَجَعَ فَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْأَبِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ لَهُ، وَأَرْشُ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ لِلِابْنِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَمْنَعُهُ (زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ) كَوَلَدٍ وَثَمَرَةٍ وَكَسْبٍ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ (وَهِيَ) أَيْ الزِّيَادَةُ (لِلْوَلَدِ) لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ، وَلَا تُتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ فَكَذَا هُنَا (إلَّا إذَا حَمَلَتْ الْأَمَةُ) الْمَوْهُوبَةُ لِلْوَلَدِ (وَوَلَدَتْ) عِنْدَهُ (فَيُمْنَعُ) الرُّجُوعُ (فِي الْأُمِّ) الْمَوْهُوبَةِ لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا (وَتَمْنَعُهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ لِزِيَادَةٍ (الْمُتَّصِلَةُ) كَسِمَنٍ وَكِبَرٍ وَحَمْلٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّهَا إنْمَاءُ مِلْكِهِ وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ.
فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ.
وَإِذَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا امْتَنَعَ فِي الْأَصْلِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ رَضِيَ بِبَذْلِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَإِنْ زَادَ بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صَمَمٍ مُنِعَ الرُّجُوعُ كَسَائِرِ الزِّيَادَاتِ (وَيُصَدَّقُ أَبٌ فِي عَدَمِهَا) أَيْ: الزِّيَادَةِ.
لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَهَا.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا.
(وَ) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (رَهْنُهُ) اللَّازِمُ لِمَا وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ.
لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إبْطَالًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَإِضْرَارًا بِهِ (إلَّا أَنْ يَنْفَكَّ) الرَّهْنُ بِوَفَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ إذَنْ، لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ لَمْ يَزُلْ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ.
(وَ) تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (هِبَةُ الْوَالِدِ) مَا وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ (لِوَلَدِهِ) لِأَنَّ فِي رُجُوعِ الْأَوَّلِ إبْطَالًا لِمِلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ) أَيْ: الثَّانِي فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ فَلِلْأَوَّلِ الرُّجُوعُ إذَنْ لِعَوْدِ الْمِلْكِ إلَيْهِ بِالسَّبَبِ) الْأَوَّلِ (وَ) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (بَيْعُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ لِمَا وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ، وَكَذَا هِبَتُهُ وَوَقْفُهُ وَنَحْوُهُ، مِمَّا يَنْقُلُ الْمِلْكَ أَوْ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ كَالِاسْتِيلَاءِ.
وَكَذَا لَا رُجُوعَ لَهُ فِي دَيْنٍ أَبْرَأَ وَلَدَهُ مِنْهُ أَوْ مَنْفَعَةٍ أَبَاحَهَا لَهُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا كَسُكْنَى دَارٍ وَنَحْوِهَا (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْمَبِيعُ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَلَدِ (بِفَسْخٍ أَوْ فَلَسِ مُشْتَرٍ) فَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ إذَنْ لِعَوْدِهِ لِلْوَلَدِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ.
أَشْبَهَ الْفَسْخَ بِالْخِيَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ الْوَلَدُ أَوْ اتَّهَبَهُ وَنَحْوَهُ فَلَا رُجُوعَ لِلْأَبِ فِيهِ.
لِأَنَّهُ عَادَ لِلْوَلَدِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ فَلَمْ يَمْلِكْ إزَالَتَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا.
وَ (لَا) يُمْنَعُ رُجُوعُ الْأَبِ فِي رَقِيقٍ وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (إنْ دَبَّرَهُ) الْوَلَدُ (أَوْ كَاتَبَهُ) لِأَنَّهُمَا لَا يُمْنَعَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّقَبَةِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
أَشْبَهَا مَا لَوْ زَوَّجَهُ أَوْ آجَرَهُ (وَيُمَلِّكُهُ) أَيْ: الْأَبُ الرَّقِيقَ الَّذِي رَجَعَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَاتَبَهُ وَلَدُهُ (مُكَاتَبًا) لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ كِتَابَتِهِ.
فَكَذَا مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ وَكَذَا إجَارَةٌ وَتَزْوِيجٌ وَنَحْوُهُمَا.
وَمَا أَخَذَهُ الْوَلَدُ مِنْ دَيْنِ كِتَابَةٍ أَوْ مَهْرِ أَمَةٍ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ أَبُوهُ.
وَمَا حَلَّ بَعْدَ رُجُوعِ أَبٍ فَلَهُ.
وَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ وَطْءُ الْأَمَةِ إنْ لَمْ تَحْمِلْ مِنْ الِابْنِ وَلَا تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ وَلَا الْمُزَارَعَةُ عَلَى أَرْضٍ مَوْهُوبَةٍ أَوْ مُسَاقَاةٌ عَلَى شَجَرٍ مَوْهُوبٍ وَنَحْوُهُ
(وَلَا يَصِحُّ رُجُوعٌ إلَّا بِقَوْلٍ) نَحْوَ رَجَعْتُ فِي هِبَتِي، أَوْ ارْتَجَعْتُهَا أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ عُدْتُ فِيهَا.
لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَقِينًا، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ صَرِيحُ الرُّجُوعِ.
فَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِالْقَوْلِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ نَوَى بِهِ الرُّجُوعَ.
[فَصْلٌ وَلِأَبٍ حُرٍّ مُحْتَاجٍ وَغَيْرِهِ تَمَلُّكُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ]
ِ بِعِلْمِهِ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى رَاضِيًا أَوْ سَاخِطًا.
لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مُطَوَّلًا.
وَرَوَاهُ غَيْرُهُ وَزَادَ «إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ قَالَا
«جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ لِي مَالًا وَعِيَالًا وَلِأَبِي مَالٌ وَعِيَالٌ وَأَبِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ (مَا لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ: يَضُرُّ الْأَبُ وَلَدَهُ بِمَا يَتَمَلَّكُهُ مِنْهُ.
فَإِنْ ضَرَّهُ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ حَاجَةُ الْوَلَدِ بِهِ كَآلَةِ حِرْفَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ يَتَمَلَّكْهُ.
لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ.
فَلَأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ أَوْلَى.
وَكَذَا لَا يَتَمَلَّكُهُ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ رَهْنٍ أَوْ فَلَسٍ.
ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ
(إلَّا سُرِّيَّتَهُ) أَيْ: أَمَةُ الِابْنِ الَّتِي وَطِئَهَا فَلَيْسَ لِأَبِيهِ تَمَلُّكُهَا (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَةِ نَصًّا (أَوْ) إلَّا إذَا تَمَلَّكَ الْأَبُ (لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدٍ آخَرَ) فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ نَصًّا.
لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْآخَرِ أَوْلَى (أَوْ) إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّمَلُّكُ (بِمَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) الْمَخُوفِ.
فَلَا يَصِحُّ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْإِرْثِ.
وَلَيْسَ لِلْأُمِّ وَلَا لِلْجَدِّ التَّمَلُّكُ مِنْ مَالِهِ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَقَارِبِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لِلْأَبِ الْكَافِرِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ.
قَالَ الْإِنْصَافُ: وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْأَشْبَهُ أَنَّ الْأَبَ الْمُسْلِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا
(وَيَحْصُلُ) تَمَلُّكَ أَبٍ (بِقَبْضِ) مَا تَمَلَّكَهُ نَصًّا (مَعَ قَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَوْ قَرِينَةٌ.
لِأَنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ لِتَمَلُّكٍ وَغَيْرِهِ، فَاعْتُبِرَ مَا يُعَيِّنُ وَجْهَ الْقَبْضِ
(فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ: الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ: الْقَبْضِ (وَلَوْ) كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ (عِتْقًا) نَصًّا، لِتَمَامِ مِلْكِ الِابْنِ عَلَى مَالِهِ.
وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ
(وَلَا يَمْلِكُ) الْأَبُ (إبْرَاءَ نَفْسِهِ) مِنْ دَيْنٍ لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ كَإِبْرَائِهِ لِغَرِيمِهِ وَقَبْضِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَمْلِكْهُ (وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ إبْرَاءَ (غَرِيمِ وَلَدِهِ وَلَا قَبْضِهِ) أَيْ: دَيْنِ وَلَدِهِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ غَرِيمِ وَلَدِهِ (لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (إلَّا بِقَبْضِهِ) مِنْ غَرِيمِهِ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ أَقَرَّ الْأَبُ بِقَبْضِهِ) أَيْ: دَيْنِ وَلَدِهِ مِنْ غَرِيمِهِ (وَأَنْكَرَ الْوَلَدُ) أَوْ أَقَرَّ (رَجَعَ) الْوَلَدُ (عَلَى غَرِيمِهِ) بِدَيْنِهِ لِبَقَائِهِ بِذِمَّتِهِ.
(وَ) رَجَعَ (الْغَرِيمُ عَلَى الْأَبِ) بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ.
لِأَنَّ أَخْذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ
(وَإِنْ أَوْلَدَ) الْأَبُ (جَارِيَةَ وَلَدِهِ) قَبْلَ تَمَلُّكِهَا (صَارَتْ لَهُ) أَيْ: لِلْأَبِ (أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّ إحْبَالَهُ لَهَا يُوجِبُ نَقْلَ مِلْكِهَا إلَيْهِ.
فَصَادَفَ وَطْؤُهُ مِلْكًا.
فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ (وَوَلَدُهُ) أَيْ: الْأَبِ مِنْ أَمَةِ وَلَدِهِ (حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) لِوَلَدِهِ رَبِّ الْجَارِيَةِ الَّتِي انْتَقَلَ مِلْكُهَا إلَيْهِ بِعُلُوقِهَا.
فَهِيَ إنَّمَا أَتَتْ بِهِ فِي مِلْكِ الْأَبِ (وَلَا مَهْرَ) عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ.
لِأَنَّ
الْوَطْءَ سَبَبُ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا.
وَإِيجَابُ قِيمَتِهَا لِلْوَلَدِ كَمَا يَأْتِي، فَهُوَ كَالْإِتْلَافِ.
فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْمَهْرُ (وَلَا حَدَّ) عَلَى أَبٍ بِوَطْءِ أَمَةِ وَلَدِهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (وَيُعَزَّرُ) الْأَبُ لِوَطْئِهِ الْمُحَرَّمِ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ بِإِحْبَالِ جَارِيَةِ وَلَدِهِ (قِيمَتُهَا) لِوَلَدِهِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ.
لَكِنْ لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِهَا كَمَا يَأْتِي (وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا) أَيْ: أَمَةِ الْوَلَدِ الَّتِي أَحْبَلَهَا أَبُوهُ (إنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا) الِابْنُ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَلَيْسَتْ مَحَلًّا لِتَمَلُّكِهِ (فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ) إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ نَصًّا (وَمَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ قِنٌّ.
وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ حُدَّ) لِأَنَّ الِابْنَ لَيْسَ لَهُ تَمَلُّكٌ عَلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ.
فَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْوَطْءِ
(وَلَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا) لِ (وَرَثَتِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (مُطَالَبَةُ أَبٍ بِدَيْنٍ) كَقَرْضٍ وَثَمَنٍ مَبِيعٍ (أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ) كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ حَرَقَهُ لِوَلَدِهِ (أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ) عَلَى وَلَدِهِ، وَكَقَلْعِ سِنِّهِ وَقَطْعِ طَرْفِهِ (وَلَا) بِشَيْءٍ (غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِلِابْنِ عَلَيْهِ) كَأُجْرَةِ أَرْضٍ زَرَعَهَا أَوْ دَارٍ سَكَنَهَا وَنَحْوِهِ.
لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (إلَّا بِنَفَقَتِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (الْوَاجِبَةِ) عَلَى أَبِيهِ لِفَقْرِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ.
قَالَ فِي الْوَجِيزِ.
لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا وَحَبْسُهُ عَلَيْهَا (وَ) إلَّا (بِعَيْنِ مَالٍ لَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (بِيَدِهِ) أَيْ: الْأَبِ فَيُطَالِبُهُ الْوَلَدُ وَوَرَثَتُهُ بِعَيْنِ مَالٍ لَهُ بِيَدِهِ (وَيَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: لِلْوَلَدِ فِي ذِمَّةِ وَالِدِهِ (الدَّيْنُ) مِنْ ثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ وَقَرْضٍ (وَنَحْوِهِ) كَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ (وَإِنْ وَجَدَ) الْوَلَدُ (عَيْنَ مَالِهِ الَّذِي أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ) لِأَبِيهِ (وَنَحْوَهُ) كَالْغَصْبِ (بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ) أَيْ الْوَلَدِ الَّذِي بَاعَ أَبَاهُ أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ وَالِدُهُ (أَخْذُهُ) أَيْ: أَخْذُ ذَلِكَ الْقَرْضِ أَوْ الْمَبِيعِ، حَيْثُ جَازَ الرُّجُوعُ أَوْ الْمَغْصُوبُ دُونَ بَقِيَّةِ وَرَثَةِ الْأَبِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْوَلَدُ (انْتَقَدَ ثَمَنَهُ) مِنْ أَبِيهِ.
وَقَدْ أَوْضَحْتُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ وَالشَّرْحِ (وَلَا يَسْقُطُ دَيْنُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (الَّذِي عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ) أَيْ: الْأَبِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ (بَلْ) تَسْقُطُ (جِنَايَتُهُ) أَيْ: الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ أَيْ: أَرْشُهَا.
فَلَا يَرْجِعُ بِهِ فِي تَرِكَتِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْجِنَايَةَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا عَلَى مَالٍ أَوْ نَفْسِ الْوَلَدِ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا كَوْنُ الْأَبِ أَخَذَ عَنْ هَذَا عِوَضًا.
بِخِلَافِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِمَوْتِهِ أَيْضًا دَيْنُ الضَّمَانِ إذَا ضَمِنَ غَرِيمَ وَلَدِهِ (وَمَا قَضَاهُ) الْأَبُ (فِي مَرَضِهِ) لِوَلَدِهِ مِنْ دَيْنِهِ عَلَيْهِ (أَوْ وَصَّى) الْأَبُ (بِقَضَائِهِ) مِنْ دَيْنِ وَلَدِهِ (فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ كَدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ.
[فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ وَمُحَابَاتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
َ (وَعَطِيَّةُ مَرِيضٍ) مَرَضًا (غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَوْ) كَانَ مَرَضُهُ (مَخُوفًا أَوْ) كَانَ مَرَضُهُ (غَيْرَ مَخُوفٍ كَصُدَاعٍ) أَيْ: وَجَعِ رَأْسٍ (وَ) كَ (وَجَعِ ضِرْسٍ وَنَحْوِهِمَا) كَحُمَّى يَوْمٍ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَكَإِسْهَالٍ يَسِيرٍ بِلَا دَمٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا بِأَنْ لَا يُمْكِنَ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ، وَإِلَّا كَانَ مَخُوفًا وَلَوْ سَاعَةً (وَلَوْ صَارَ مَخُوفًا وَمَاتَ بِهِ كَ) عَطِيَّةِ (صَحِيحٍ) تَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ.
لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا يُخَافُ مِنْهَا فِي الْعَادَةِ وَاعْتِبَارًا بِحَالِ الْعَطِيَّةِ
(وَ) عَطِيَّةُ مَرِيضٍ (فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ كَالْبِرْسَامِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَهُوَ بُخَارٌ يَرْتَقِي إلَى الرَّأْسِ يُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ فَيَخْتَلُّ بِهِ الْعَقْلُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ وَرَمٌ فِي الدِّمَاغِ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَيَهْذِي (وَذَاتِ الْجَنْبِ) قُرُحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ (وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ) لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ فَتَذْهَبُ الْقُوَّةُ (وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارِكِ) أَيْ: الْإِسْهَالِ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ وَلَوْ كَانَ سَاعَةً لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ، وَكَذَا إسْهَالٌ مَعَهُ دَمٌ، لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْقُوَّةَ (وَالْفَالِجِ) دَاءٌ مَعْرُوفٌ (فِي ابْتِدَائِهِ.
وَالسِّلِّ) بِكَسْرِ السِّينِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ (فِي انْتِهَائِهِ.
وَمَا قَالَ عَدْلَانِ) لَا وَاحِدٌ وَلَوْ عُدِمَ غَيْرُهُ (مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ إنَّهُ مَخُوفٌ) كَوَجَعِ الرِّئَةِ وَالْقُولَنْجِ، وَهُوَ مَعَ الْحُمَّى أَشَدُّ خَوْفًا.
وَكَذَا الطَّاعُونُ وَهَيَجَانُ الصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ (كَوَصِيَّةٍ) تُنَفَّذُ فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ لِأَجْنَبِيٍّ.
وَتَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ.
وَلِوَارِثٍ بِشَيْءٍ (وَلَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عِتْقًا) لِبَعْضٍ وَكَذَا عَفْوُهُ عَنْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَالَ (أَوْ مُحَابَاةً) كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، وَهِيَ أَنْ يُسَامِحَ أَحَدُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ الْآخَرَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِبَعْضِ مَا يُقَابِلُ الْعِوَضَ كَأَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِثَمَانِيَةٍ أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي ثَمَانِيَةً بِعَشَرَةٍ (لَا) إنْ كَانَ الصَّادِرُ مِنْ الْمَرِيضِ (كِتَابَةً) لِرَقِيقِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمُحَابَاةٍ (أَوْ) كَانَ (وَصِيَّةٍ بِهَا) أَيْ: كِتَابَتِهِ (بِمُحَابَاةٍ) فَالْمُحَابَاةُ فِيهِمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
هَذَا مُقْتَضَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَعَارَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ كَلَامَ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ وَالْفُرُوعِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكِتَابَةَ نَفْسَهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ هَلْ هِيَ كَالْوَصِيَّةِ فَتُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى الْأَدَاءِ.
فَكَانَتْ مِنْ الثُّلُثِ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ،
لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ كَالْبَيْعِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ.
وَقَالَ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَيْضًا مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْحَارِثِيِّ.
قُلْتُ: هُوَ أَيْضًا صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَهُ كَكَلَامِ الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ.
وَهُوَ وَاضِحٌ (وَإِطْلَاقُهَا) أَيْ: إذَا أَوْصَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ فُلَانًا وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُكَاتَبُ (بِقِيمَتِهِ) جَمْعًا بَيْنَ حَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقِّهِ.
(وَ) الْأَمْرَاضُ (الْمُمْتَدَّةُ كَالسِّلِّ) لَا فِي حَالِ انْتِهَائِهِ (وَالْجُذَامِ وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ إنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَمَخُوفَةٌ.
وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ صَاحِبَ الْفِرَاشِ يُخْشَى تَلَفُهُ.
أَشْبَهَ صَاحِبَ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ لِلْمَوْتِ (وَكَمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ مَنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ وَقْتَ حَرْبٍ) أَيْ اخْتِلَاطِ الطَّائِفَتَيْنِ لِلْقِتَالِ (وَكُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُكَافِئٌ) لِلْأُخْرَى (أَوْ) كَانَ الْمُعْطِي (مِنْ) الطَّائِفَةِ (الْمَقْهُورَةِ) لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ إذَنْ كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ وَسَوَاءٌ تَبَيَّنَ دِينَ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ لَا (وَمَنْ بِاللُّجَّةِ) بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: لُجَّةِ الْبَحْرِ (عِنْدَ الْهَيَجَانِ) أَيْ: ثَوَرَانِ الْبَحْرِ بِرِيحٍ عَاصِفٍ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ) لِخَوْفِهِ (أَوْ قُدِّمَ لِقَتْلٍ) قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ لِظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ (أَوْ حُبِسَ لَهُ) أَيْ: الْقَتْلِ (وَأَسِيرٌ عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ) لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ (وَجَرِيحٌ) جُرْحًا (مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ (اعْهَدْ إلَى النَّاسِ.
فَعَهِدَ إلَيْهِمْ وَوَصَّى) وَعَلِيٌّ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنِ مُلْجِمٍ لَهُ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى.
فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَقْلُهُ فَلَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ بَلْ وَلَا لِكَلَامِهِ (وَحَامِلٌ عِنْدَ مَخَاضٍ) أَيْ: طَلْقٍ نَصًّا (مَعَ أَلَمٍ حَتَّى تَنْجُوَ) مِنْ نِفَاسِهَا.
لِأَنَّهَا قَبْلَ ضَرْبِ الْمَخَاضِ لَا تَخَافُ الْمَوْتَ.
فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ الْمَرَضِ الْمُمْتَدِّ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ صَاحِبَ فِرَاشٍ.
فَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ وَالْمَشِيمَةُ وَحَصَلَ هُنَاكَ وَرَمٌ أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ رَأَتْ دَمًا كَثِيرًا فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْجُ بَعْدُ.
وَالسِّقْطُ كَالْوَلَدِ التَّامِّ.
وَإِنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً فَعَطَايَاهَا كَعَطَايَا الصَّحِيحِ (وَكَمَيِّتِ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ أُبِينَتْ حُشْوَتُهُ) أَيْ: أَمْعَاؤُهُ.
فَلَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ لَا خَرْقِهَا وَقَطْعِهَا فَقَطْ أَوْ خُرُوجِهَا بِلَا إبَانَةٍ.
وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ فِي فَتَاوِيهِ: إنْ خَرَجَتْ حُشْوَتُهُ وَلَمْ تَبِنْ ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ وَرِثَهُ.
وَإِنْ أُبِينَتْ فَالظَّاهِرُ يَرِثُهُ.
لِأَنَّ الْمَوْتَ زَهُوقُ النَّفْسِ وَخُرُوجُ الرُّوحِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَلِأَنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ وَيُورَثُ بِمُجَرَّدِ اسْتِهْلَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ أُثْبِتَ مِنْ حَيَاةِ هَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ ذُبِحَ لَيْسَ كَمَيِّتٍ مَعَ بَقَاءِ رُوحِهِ
(وَلَوْ عَلَّقَ صَحِيحٌ عِتْقَ قِنِّهِ) عَلَى شَرْطٍ (فَوُجِدَ) الشَّرْطُ (فِي مَرَضِهِ) أَيْ: مَرَضِ مَوْتِهِ
(الْمَخُوفِ (فَ) الْعِتْقُ (مِنْ ثُلُثِهِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ وُجُودِ الصِّفَةِ (وَتُقَدَّمُ عَطِيَّةٌ اجْتَمَعَتْ مَعَ وَصِيَّةٍ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا مَعَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ) لَهُمَا.
لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ (وَإِنْ عَجَزَ) الثُّلُثُ (عَنْ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنَجَّزَةِ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ) مِنْهَا (فَالْأَوَّلِ) عِتْقًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ.
لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمُنَجَّزَةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي.
فَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ لَزِمَتْ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ.
فَلَوْ شَارَكَتْهَا الثَّانِيَةُ لَمَنَعَ ذَلِكَ لُزُومَهَا فِي حَقِّ الْمُعْطِي.
لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ بَعْضِهَا بِعَطِيَّةٍ أُخْرَى (فَإِنْ وَقَعَتْ) الْعَطَايَا الْمُنَجَّزَةُ (دَفْعَةً) وَاحِدَةً كَأَنْ قَبِلَهَا الْكُلُّ مَعًا أَوْ وَكَّلُوا وَاحِدًا قَبِلَ لَهُمْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ (قُسِّمَ) الثُّلُثُ (بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ) لِتَسَاوِي أَهْلِهَا فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِحُصُولِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ (وَلَا يُقَدَّمُ عِتْقٌ) عَلَى غَيْرِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ
(وَأَمَّا مُعَاوَضَتُهُ) أَيْ: الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَتَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَلَوْ) كَانَتْ (مَعَ وَارِثٍ) لِعَدَمِ الْمُحَابَاةِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْوَرَثَةِ فِيهَا كَمَا لَوْ وَقَعَتْ مَعَ غَيْرِ وَارِثٍ (وَإِنْ حَابَى) مَرِيضٌ (وَارِثَهُ) فِي نَحْوِ بَيْعٍ (بَطَلَتْ) الْمُعَاوَضَةُ (فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الْمُحَابَاةِ لِأَنَّهَا كَالْهِبَةِ.
وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ لِوَارِثٍ بِغَيْرِ إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ (وَصَحَّتْ) الْمُعَاوَضَةُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ قَدْرِ الْمُحَابَاةِ (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ الْمُحَابَاةُ.
وَهِيَ فِي غَيْرِ قَدْرِهَا مَفْقُودَةٌ.
فَلَوْ بَاعَ لِوَارِثِهِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَشَرَةٍ فَلَمْ يُجِزْ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ بِالْعَشَرَةِ وَالثُّلُثَانِ كَعَطِيَّةٍ (وَلَهُ الْفَسْخُ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ إلَّا إنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْوَارِثِ الْمُشْتَرِي (شَفِيعٌ وَأَخَذَهُ) أَيْ: مَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ مِنْ شِقْصٍ مَشْفُوعٍ بِالشُّفْعَةِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْفَسْخِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إذَنْ (وَلَوْ حَابَى) الْمَرِيضُ (أَجْنَبِيًّا) وَخَرَجَتْ الْمُحَابَاةُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ (وَشَفِيعُهُ وَارِثٌ أَخَذَ بِهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (حِيلَةً) عَلَى مُحَابَاةِ الْوَارِثِ (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ) أَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَقَلَ الشِّقْصُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ مِنْ غَيْرِ الْمُوَرِّثِ وَكَمَا لَوْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ
(وَإِنْ آجَرَ) مَرِيضٌ (نَفْسَهُ وَحَابَى الْمُسْتَأْجِرَ صَحَّ) الْعَقْدُ (مَجَّانًا) بِلَا رَدِّ مُسْتَأْجِرٍ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَجِّرْ نَفْسَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ (وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُهُ) أَيْ: مَالِ الْمُعْطِي فِي الْمَرَضِ (عِنْدَ مَوْتٍ) لَا عِنْدَ عَطِيَّةٍ أَوْ مُحَابَاةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ عِتْقٍ
(فَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (مَا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَلَكَ مَا يَخْرُجُ) الْعَتِيقُ (مِنْ ثُلُثِهِ تَبَيُّنًا عَتَقَهُ كُلَّهُ) لِخُرُوجِهِ مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ (وَإِنْ) أَعْتَقَهُ ثُمَّ (لَزِمَهُ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ) أَيْ الْعَتِيقَ (لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ كَالْوَصِيَّةِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا، وَحُكْمُ هِبَتِهِ كَعِتْقِهِ.
وَلَا يَبْطُلُ تَبَرُّعُهُ بِإِقْرَارِهِ بِدَيْنٍ نَصًّا.
وَفِي الِانْتِصَارِ: لَهُ لُبْسُ نَاعِمٍ وَأَكْلُ طَيِّبٍ لِحَاجَتِهِ.
وَإِنْ فَعَلَهُ لِتَفْوِيتِ الْوَرَثَةِ مُنِعَ.
[فَصْلٌ تُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ]
ٍ أَحَدُهَا (أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) أَيْ: الْعَطَايَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَوُجِدَ دَفْعَةً وَاحِدَةً (الثَّانِي: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْعَطِيَّةِ) بَعْدَ لُزُومِهَا بِالْقَبْضِ وَإِنْ كَثُرَتْ.
لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لَا لِحَقِّهِ.
فَلَمْ يَمْلِكْ إجَازَتَهَا وَلَا رَدَّهَا (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) فَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا.
لِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا قَبْلَ الْمَوْتِ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبُولِ (الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُ عَطِيَّةٍ عِنْدَهَا) لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَاعْتُبِرَتْ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ (وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَلَا حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلَا رَدِّهَا قَبْلَهُ (الرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي عَطِيَّةٍ مِنْ حِينِهَا) أَيْ: حِينِ وُجُودِهَا بِشُرُوطِهَا (مُرَاعًى) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ هَذَا مَرَضُ الْمَوْتِ أَوْ لَا، وَلَا نَعْلَمُ هَلْ يَسْتَفِيدُ مَالًا أَوْ يَتْلَفُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ؟ (فَإِذَا) مَاتَ وَ (خَرَجَتْ) الْعَطِيَّةُ (مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتٍ تَبَيُّنًا) إذَنْ (أَنَّهُ) أَيْ: الْمِلْكَ (كَانَ ثَابِتًا) مِنْ حِينِ الْعَطِيَّةِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُ
(فَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ قِنًّا فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ (أَوْ وَهَبَ) مَرِيضٌ (قِنًّا فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ) كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ (ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ فَكَسْبُ مُعْتَقٍ لَهُ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا مِنْ حِينِ الْعِتْقِ، فَكَسْبُهُ لَهُ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ (وَ) كَسْبُ (مَوْهُوبٍ لِمَوْهُوبٍ لَهُ) لِأَنَّ الْكَسْبَ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ لِمَوْهُوبٍ لَهُ (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أَيْ: الْعَتِيقِ أَوْ الْمَوْهُوبِ مِنْ الثُّلُثِ دُونَ بَقِيَّتِهِ (فَلَهُمَا) أَيْ: الْعَتِيقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْ الثُّلُثِ.
فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ رُبْعُ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ رُبْعُ كَسْبِهِ وَبَاقِيهِ لِوَرَثَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ نِصْفَهُ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ وَهَكَذَا وَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ
(فَلَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ قِنًّا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَكَسَبَ) الْعَتِيقُ (مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ) فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ مِنْ حِينِ عِتْقِهِ وَبَاقِيهِ لِسَيِّدِهِ.
فَيَزِيدُ بِهِ مَالُ السَّيِّدِ وَتَزْدَادُ الْحُرِّيَّةُ لِذَلِكَ
وَيَزْدَادُ حَقُّهُ مِنْ كَسْبِهِ.
فَيَنْقُصُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ مِنْ الْكَسْبِ.
وَيَنْقُصُ بِذَلِكَ قَدْرُ الْمُعْتَقِ مِنْهُ فَيُسْتَخْرَجُ بِالْجَبْرِ (فَ) يُقَالُ (قَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُهُ (وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ) مِنْهُ وَمِنْ كَسْبِهِ، لِأَنَّ لَهُمْ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهُ.
وَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَى الْمُكْتَسِبِ مَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ فَيَكُونُ لِلْمُكْتَسِبِ شَيْئَانِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ مِنْهُ وَمِنْ كَسْبِهِ (فَصَارَ) الْمُكْتَسِبُ (وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا) أَيْ: نِصْفُ الْمُكْتَسِبِ وَنِصْفُ كَسْبِهِ.
فَلَوْ كَانَ الْقِنُّ فِي الْمِثَالِ قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَكَسَبَ مِائَةً فَالشَّيْءُ خَمْسُونَ (وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيْئَانِ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلَاهُ (وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ) فَيُقَسَّمُ هُوَ وَكَسْبُهُ أَخْمَاسًا (يُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) وَهُوَ خُمُسَاهُ وَخُمُسَا كَسْبِهِ (لِلْوَرَثَةِ) وَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ الثُّلُثُ مِنْهُ وَمِنْ كَسْبِهِ (وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُ نِصْفِهِ (وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ) فَالْأَشْيَاءُ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، اُبْسُطْهَا أَنْصَافًا تَكُنْ سَبْعَةً لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا (فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ) فَلَهُمْ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَكَسَبَ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ وَلِلْوَرَثَةِ مِائَتَا شَيْءٍ.
فَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائِةٍ وَتِسْعَةِ أَجْزَاءٍ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (وَفِي هِبَةٍ) يَكُونُ (لِمَوْهُوبٍ لَهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ) مِنْهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ (وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ) وَإِنْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ وَكَسْبُهُ صُرِفَا فِي الدَّيْنِ، وَلَا عِتْقَ وَلَا هِبَةَ لِتَقَدُّمِ الدَّيْنِ عَلَى التَّبَرُّعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهُمَا الدَّيْنُ صَرَفَ مِنْ قِيمَتِهِ وَكَسْبِهِ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا قُسِّمَ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْقِنِّ الْكَامِلِ وَكَسْبِهِ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ صُرِفَ فِيهِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ كَسْبِهِ وَقُسِّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْعَتِيقِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفَيْنِ
(وَإِنْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (أَمَةً) لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا (ثُمَّ وَطِئَهَا) بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً (وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ يُعْتَقُ) مِنْهَا (ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا) سُبُعٌ بِمِلْكِهَا لَهُ فِي نَفْسِهَا بِحَقِّهَا مِنْ مَهْرِهَا.
وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَسُبْعَانِ بِإِعْتَاقِ الْمَيِّتِ.
قَالَ فِي
الْمُبْدِعِ: لَكِنَّ فِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَسْبَ يَزِيدُ بِهِ مِلْكُ السَّيِّدِ.
وَذَلِكَ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعِتْقِ، وَالْمَهْرُ يُنْقِصُهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الْعِتْقِ (وَلَوْ وَهَبَهَا) الْمَرِيضُ (لِمَرِيضٍ آخَرَ لَا مَالَ لَهُ) أَيْضًا (فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ) وَمَاتَا (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ بِ) الْهِبَةِ (الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِ) وَرَثَةِ (الْأَوَّلِ شَيْئَانِ) فَاضْرِبْ الشَّيْئَيْنِ وَالثُّلُثَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ لِيَزُولَ الْكَسْرُ تَكُنْ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ الْأَمَةَ الْمَوْهُوبَةَ (فَلَهُمْ) أَيْ: وَرَثَةِ الْأَوَّلِ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) سِتَّةٌ (وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا) شَيْئَانِ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِصِحَّةِ الْهِبَةِ فِي ثُلُثِ الْمَالِ وَصِحَّةِ هِبَةِ الثَّانِي فِي ثُلُثِ الثُّلُثِ، فَتَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَاضْرِبْهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ، أَسْقِطْ السَّهْمَ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ تَبْقَ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ
(وَإِنْ بَاعَ) الْمَرِيضُ (قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي) الْقَفِيزُ (ثَلَاثِينَ) دِرْهَمًا (بِقَفِيزٍ) مِنْ جِنْسِهِ (يُسَاوِي عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ (وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَأَسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِيءِ) عَشَرَةً (مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ) ثَلَاثِينَ (ثُمَّ اُنْسُبْ الثُّلُثَ إلَى الْبَاقِي) بَعْدَ إسْقَاطِهِ قِيمَةَ الرَّدِيءِ (وَهُوَ) أَيْ الثُّلُثُ (عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ) الَّتِي هِيَ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ (تَجِدْهُ) أَيْ: الثُّلُثَ (نِصْفَهَا) أَيْ: الْعِشْرِينَ (فَيَصِحُّ) الْبَيْعُ (فِي نِصْفِ) الْقَفِيزِ (الْجَيِّدِ وَبِنِصْفِ) الْقَفِيزِ (الرَّدِيءِ وَيَبْطُلُ) الْبَيْعُ (فِيمَا بَقِيَ) بَعْدَ نِصْفِهِمَا (لِئَلَّا يُفْضِيَ) تَصْحِيحُ الْبَيْعِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِأَقَلَّ مِنْ الْآخَرِ (إلَى رِبَا الْفَضْلِ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ (فَلَوْ لَمْ يُفْضِ) إلَى رِبًا (كَعَبْدٍ) بَاعَهُ الْمَرِيضُ (يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَبْدٍ يُسَاوِي عَشَرَةً) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ الْمُسَاوِي ثَلَاثِينَ (بِالْعَشَرَةِ) أَيْ: بِالْعَبْدِ الْمُسَاوِي لَهَا (وَالثُّلُثَانِ) مِنْ الْعَبْدِ الْمُسَاوِي ثَلَاثِينَ (كَالْهِبَةِ) لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لَهُمَا (لِلْمُبْتَاعِ نِصْفَهُمَا لَا إنْ كَانَ) الْمُبْتَاعُ (وَارِثًا) لِلْمَرِيضِ وَلَهُ الْخِيَارُ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فَسَخَ وَطَلَبَ قَدْرَ الْمُحَابَاةِ أَوْ طَلَبَ الْإِمْضَاءَ فِي الْكُلِّ، وَتَكْمِيلَ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ (وَإِنْ أَقَالَ مَنْ) أَيْ: مَرِيضُ مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (أَسْلَفَهُ) أَيْ: أَسْلَمَهُ (عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ مَثَلًا (فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَقِيمَتِهِ) أَيْ: الْكُرِّ (عِنْدَ الْإِقَالَةِ ثَلَاثُونَ) مِنْ جِنْسِ الْعَشَرَةِ، وَلَا مِلْكَ لَهُ غَيْرُ الْكُرِّ (صَحَّتْ) الْإِقَالَةُ (فِي نِصْفِهِ) أَيْ: الْكُرِّ (بِخَمْسَةٍ) مِنْ الْعَشَرَةِ وَبَطَلَتْ فِي الْبَاقِي لِئَلَّا يُفْضِيَ صِحَّتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ بِزِيَادَةٍ إلَّا إنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَارِثًا وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ.
فَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ لِوَارِثٍ
(وَإِنْ أَصْدَقَ)
الْمَرِيضُ (امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا وَصَدَاقُ مِثْلِهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ (خَمْسَةٌ فَمَاتَتْ) تَحْتَهُ فَوَرِثَهَا (ثُمَّ مَاتَ) وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَ مَا أَصْدَقَهَا دَخَلَهَا الدَّوْرُ (فَ) يُقَالَ (لَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ) الَّتِي هِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا.
(وَ) لَهَا (شَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ) بَقِيَ لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ (رَجَعَ إلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (نِصْفُهُ) أَيْ: الَّذِي لَهَا وَهُوَ الْخَمْسَةُ وَشَيْءٌ (بِمَوْتِهَا) وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَمْسَةٌ إلَّا شَيْئًا، وَوَرِثَ اثْنَيْنِ وَنِصْفًا وَنِصْفَ شَيْءٍ (يَعْدِلُ) ذَلِكَ (شَيْئَيْنِ اُجْبُرْهَا) أَيْ السَّبْعَةَ وَنِصْفًا إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ (بِنِصْفِ شَيْءٍ) بِأَنْ تُقَدِّرَ إضَافَةَ نِصْفِ شَيْءٍ إلَى ذَلِكَ فَتَصِيرُ سَبْعَةً وَنِصْفًا تَامَّةً (وَقَابِلِ) الْجَبْرَ بِتَقْدِيرِ إضَافَةِ نِصْفِ شَيْءٍ عَلَى الشَّيْئَيْنِ فَتَصِيرُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا (مَخْرَجُ الشَّيْءِ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّ السِّتَّةَ تُقَابِلُ شَيْئَيْنِ وَالْوَاحِدُ وَنِصْفٌ تَكْمِلَةُ السَّبْعَةِ وَنِصْفٌ تُقَابِلُ نِصْفَ شَيْءٍ (فَلِوَرَثَتِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (سِتَّةٌ) لِأَنَّ لَهُمْ شَيْئَيْنِ (وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ رَجَعَ إلَى وَرَثَتِهِ نِصْفُهَا، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ (وَإِنْ مَاتَ) زَوْجُهَا (قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ) أَيْ: وَرِثَتْ فَرْضَهَا مِنْهُ بِالزَّوْجِيَّةِ (وَسَقَطَتْ الْمُحَابَاةُ) أَيْ بَطَلَتْ نَصًّا إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ لِأَنَّهَا كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ.
فَإِنْ لَمْ تَرِثْهُ لِنَحْوِ مُخَالَفَةٍ فِي دَيْنٍ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَثُلُثُ مَا حَابَاهَا بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَ ذَلِكَ
(وَمَنْ وَهَبَ زَوْجَتَهُ كُلَّ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ) ثُمَّ مَاتَ (فَلِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَلِوَرَثَتِهَا خُمُسُهُ) وَطَرِيقُهُ: أَنْ تَقُولَ: صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ يَبْقَى لِوَرَثَتِهِ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ.
فَإِذَا جَبَرْتَ وَقَابَلْتَ خَرَجَ الشَّيْءُ خُمُسَ الْمَالِ وَهُوَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ، فَحَصَلَ لِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَلِوَرَثَتِهَا خُمُسُهُ.
وَوَجْهُ إفْضَائِهِ إلَى الدَّوْرِ: أَنَّا تَبَيَّنَّا بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ قَبْلَهُ أَنَّ الْهِبَةَ لِغَيْرِ وَارِثٍ.
فَتَصِحُّ فِي ثُلُثِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ صَحَّتْ فِي قَدْرٍ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الْهِبَةِ وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْمِيرَاثِ فَيَزِيدُ ثُلُثُهُ بِذَلِكَ.
وَإِذَا زَادَ ثُلُثُهُ زَادَ الْقَدْرُ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ فَيَدُورُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ حَتَّى يُعْلَمَ الْمِيرَاثُ، وَلَا يُعْلَمُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُعْلَمَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ مَرِيضٌ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَنَّهُ أَعْتَقَ ابْنَ عَمِّهِ فِي صِحَّتِهِ]
فَصْلٌ وَلَوْ أَقَرَّ مَرِيضٌ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ أَوْ ابْنَ ابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوَهُ فِي مَرَضِهِ مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (أَنَّهُ أَعْتَقَ ابْنَ عَمِّهِ أَوْ نَحْوَهُ فِي صِحَّتِهِ) عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَوَرِثَهُ (أَوْ مَلَكَ) الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأَخِيهِ وَابْنِهِ (بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهِ، إذْ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَطِيَّةِ أَوْ الْإِتْلَافِ أَوْ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا.
وَالْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشَّرْعِ فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ.
وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلٌ لِشَيْءٍ تَلِفَ بِتَحْصِيلِهِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ فِي ثَمَنِهِ (وَوَرِثَ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ وَصِيَّةً وَإِلَّا لَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ.
(فَلَوْ اشْتَرَى) الْمَرِيضُ (ابْنَهُ وَنَحْوَهُ) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِمِائَةٍ وَ) ابْنُهُ وَنَحْوُهُ (يُسَاوِي أَلْفًا فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ) الصَّادِرَةِ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمَرِيضِ وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي التَّرِكَةِ وَلَا عَلَيْهَا وَعَتَقَ بِالشِّرَاءِ إنْ خَرَجَ ثَمَنُهُ مِنْ الثُّلُثِ (وَالثَّمَنُ) الَّذِي هُوَ الْمِائَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ (وَثَمَنُ كُلِّ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَرِيضِ إذَا اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ (مِنْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ عَتَقَ فِي الْمَرَضِ فَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَتِيقُ أَجْنَبِيًّا فَلَوْ كَانَ ابْنًا وَاشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَلَهُ غَيْرُهُ ابْنٌ حُرٌّ وَأَلْفَانِ عَتَقَ وَشَارَكَ أَخَاهُ فِي الْأَلْفَيْنِ (وَيَرِثُ) مِنْ الْمَرِيضِ ذُو رَحِمِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ وَعَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ نَصًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ أَشْبَهَ غَيْرَهُ
(فَلَوْ اشْتَرَى) الْمَرِيضُ (أَبَاهُ بِكُلِّ مَالِهِ) وَمَاتَ (وَتَرَكَ ابْنًا عَتَقَ ثُلُثُ الْأَبِ) بِمُجَرَّدِ شِرَائِهِ (عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ) أَيْ: الثُّلُثِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِسَبَبِ عِتْقِهِ (وَوَرِثَ) الْأَبُ (بِثُلُثِهِ الْحُرِّ مِنْ نَفْسِهِ ثُلُثَ سُدُسِ بَاقِيهَا الْمَرْقُوقِ) لِأَنَّ فَرْضَهُ السُّدُسُ لَوْ كَانَ تَامَّ الْحُرِّيَّةِ فَلَهُ بِثُلُثِهَا ثُلُثُ السُّدُسِ (وَلَا وَلَاءَ) لِأَحَدٍ (عَلَى هَذَا الْجُزْءِ) الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ نَفْسِهِ (وَبَقِيَّةُ الثُّلُثَيْنِ) وَهِيَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْأَبِ وَثُلُثَا سُدُسِهِ (تَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ) بِمِلْكِهِ لَهَا مِنْ جَدِّهِ (وَلَهُ وَلَاؤُهَا) لِعِتْقِهَا عَلَيْهِ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ تِسْعَةٌ مِنْهَا وَهِيَ الثُّلُثُ تَعْتِقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَلَاؤُهَا، وَسَهْمٌ مِنْهَا يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَهُوَ ثُلُثُ سُدُسِ الثُّلُثَيْنِ، وَيَبْقَى سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا يَرِثُهَا الِابْنُ تَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَهُ وَلَاؤُهَا (وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْمَرِيضُ أَبَاهُ وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ (تِسْعَةَ دَنَانِيرَ وَقِيمَتُهُ) أَيْ الْأَبِ (سِتَّةٌ تَحَاصَّا) أَيْ: الْبَائِعُ وَالْأَبُ فِي ثُلُثِ التِّسْعَةِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرِيضِ لِأَبِيهِ مُقَارَنٌ لِمِلْكِ الْبَائِعِ بِثَمَنِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَطِيَّةٌ مُنْجَزَةٌ فَتَحَاصَّا لِتَقَارُنِهِمَا (فَكَانَ ثُلُثُ الثُّلُثِ) وَهُوَ دِينَارٌ (لِلْبَائِعِ مُحَابَاةً وَثُلُثَاهُ لِلْأَبِ عِتْقًا يُعْتَقُ بِهِ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ) مِنْ الْمُحَابَاةِ (دِينَارَيْنِ) لِبُطْلَانِهَا فِيهِمَا (وَيَكُونُ ثُلُثَا) رَقَبَةِ
(الْأَبِ مَعَ الدِّينَارَيْنِ) اللَّذَيْنِ رَدَّهُمَا الْبَائِعُ (مِيرَاثًا) يَرِثُ مِنْهُ الْأَبُ بِثُلُثِهِ الْحُرِّ ثُلُثَ سُدُسِ ذَلِكَ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بَاقِي جَدِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَكَلَامُهُ فِي شَرْحِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلِابْنِ وَلَيْسَ عَلَى الْقَوَاعِدِ
(وَإِنْ عَتَقَ) مَنْ اشْتَرَاهُ الْمَرِيضُ مِنْ أَقَارِبِهِ (عَلَى وَارِثِهِ) دُونَهُ بِأَنْ يَكُونَ أَخًا لِابْنِ عَمِّهِ الْوَارِثِ لَهُ فَاشْتَرَاهُ (صَحَّ) شِرَاؤُهُ (وَعَتَقَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَخِيهِ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِإِرْثِهِ لَهُ مِنْ ابْنِ عَمِّهِ فَلَا يَرِثُ مَعَهُ
(وَإِنْ دَبَّرَ) الْمَرِيضُ (ابْنَ عَمِّهِ وَنَحْوَهُ) كَابْنِ عَمِّ أَبِيهِ (عَتَقَ) بِمَوْتِهِ (وَلَمْ يَرِثْ) مِنْهُ.
لِأَنَّ الْإِرْثَ قَارَنَ الْحُرِّيَّةَ وَلَمْ يَسْبِقْهَا.
فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْإِرْثِ حِينَئِذٍ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمَرِيضُ لِابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوَهُ (أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي) ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ (عَتَقَ) ابْنُ عَمِّهِ وَنَحْوُهُ لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهِ (وَوَرِثَ) لِسَبْقِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ (بِخِلَافِ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ قَرِيبِهِ) كَقِنٍّ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ إنْ مَاتَ أَخُوكَ الْحُرُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا مَاتَ أَخُوهُ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُرًّا حَالَ الْإِرْثِ (وَلَيْسَ عِتْقُهُ) أَيْ: الْمَقُولِ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي (وَصِيَّةً لَهُ) حَتَّى تَكُونَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ.
فَتَبْطُلُ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي آخِرِ الْحَيَاةِ وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ
(وَلَوْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ) ثُمَّ مَاتَ (وَرِثَتْهُ) نَصًّا حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَتَعْتِقُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ) لِحُرِّيَّتِهِ التَّامَّةِ (وَإِلَّا) تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ (عَتَقَ) مِنْهَا (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ (وَبَطَلَ النِّكَاحُ) لِظُهُورِ أَنَّهُ نَكَحَ مُبَعَّضَةً يَمْلِكُ بَعْضَهَا وَالنِّكَاحُ لَا يُجَامِعُ الْمِلْكَ
(وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقَهَا مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا ثُمَّ مَاتَ صَحَّ الْعِتْقُ) وَالنِّكَاحُ (وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا ثُمَّ يَبْطُلُ صَدَاقُهَا) لِأَنَّهَا إنْ اسْتَحَقَّتْ الصَّدَاقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ سِوَى قِيمَةِ الْأَمَةِ الْمُقَدَّرِ بَقَاؤُهَا فَلَا يُنَفَّذُ الْعِتْقُ فِي كُلِّهَا.
وَإِذَا بَطَلَ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ النِّكَاحُ فَيَبْطُلُ الصَّدَاقُ.
وَإِنْ أَعْتَقَهَا وَأَصْدَقَ الْمِائَتَيْنِ غَيْرَهَا وَمَاتَ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مَالٌ صَحَّ الْإِصْدَاقُ وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْ الْأَمَةِ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْمَوْتِ، وَكَذَا إنْ تَلِفَتْ الْمِائَتَانِ حَالَ مَوْتِهِ
(وَلَوْ تَبَرَّعَ) الْمَرِيضُ (بِثُلُثِهِ) فِي الْمَرَضِ (ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ وَنَحْوَهُ) كَأُمِّهِ وَأَخِيهِ (مِنْ الثُّلُثَيْنِ صَحَّ الشِّرَاءُ) لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ (وَلَا عِتْقَ) لِمَا اشْتَرَاهُ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْوَرَثَةِ بِتَقْدِيرِ مَوْتِهِ (فَإِذَا مَاتَ) الْمَرِيضُ (عَتَقَ) الْأَبُ وَنَحْوُهُ (عَلَى وَارِثِ) الْمَرِيضِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَبُ وَنَحْوُهُ (مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) أَيْ: وَارِثِ الْمَرِيضِ لِمِلْكِهِ لَهُ
بِإِرْثِهِ (وَلَا إرْثَ) لِلْعِتْقِ إذَنْ (لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ) بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَمِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ حُرِّيَّةُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ تَبَرَّعَ الْمَرِيضُ بِمَالٍ أَوْ عِتْقٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لَمْ يَبْطُلْ تَبَرُّعُهُ وَلَا عِتْقُهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْمُتَّهَبُ أَوْ الْعَتِيقُ صُدُورَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ فَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ الصِّحَّةَ فَقَوْلُهُمْ، نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي الْعِتْقِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُتَّهَبُ: وَهَبَنِي زَمَنَ كَذَا صَحِيحًا فَأَنْكَرُوا صِحَّتَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ قُبِلَ قَوْلُ الْمُتَّهَبِ.
ذَكَرَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ أَوْ جِنَايَةِ رَقِيقِهِ وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَمَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
وَكَذَا النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَشِرَاءُ جَارِيَةٍ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَوْ كَثِيرَةَ الثَّمَنِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا.
وَالْأَطْعِمَةُ الَّتِي لَا يَأْكُلُ مِثْلُهُ مِثْلَهَا فَيَجُوزُ وَيَصِحُّ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْوَصِيَّةِ]
كِتَابُ الْوَصِيَّةِ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أَصِيهِ إذَا وَصَلْتُهُ.
لِأَنَّ الْمَيِّتَ وَصَلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ مَمَاتِهِ.
وَوَصَّى وَأَوْصَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
وَالِاسْمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِصَايَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ لُغَةً: الْأَمْرُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] وَقَالَ ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151] وَشَرْعًا (الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ) كَوَصِيَّتِهِ إلَى مَنْ يُغَسِّلُهُ أَوْ يُصَلِّي عَلَيْهِ إمَامًا، أَوْ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِغَارِ أَوْلَادِهِ أَوْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ وَنَحْوِهِ.
وَقَدْ وَصَّى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَوَصَّى بِهَا عُمَرُ لِأَهْلِ الشُّورَى.
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: " أَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ مِنْ مَالِهِ " وَقَوْلُهُ: بَعْدَ الْمَوْتِ: مُخْرِجٌ لِلْوَكَالَةِ.
(وَ) الْوَصِيَّةُ (بِمَالٍ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ) بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
(وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ (الْقُرْبَةُ) لِصِحَّتِهَا لِمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيّ بِدَارِ حَرْبٍ كَالْهِبَةِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعِمَارَةِ قُبُورِ الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاءِ
وَفِي التَّبْصِرَةِ إنْ أَوْصَى لِمَا لَا مَعْرُوفَ فِيهِ وَلَا بِرَّ، كَكَنِيسَةٍ أَوْ كُتُبِ التَّوْرَاةِ لَمْ تَصِحَّ (وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مُطْلَقَةً) كَوَصَّيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا.
(وَ) تَصِحُّ (مُقَيَّدَةً) كَإِنْ مِتَّ فِي مَرَضِي أَوَعَامِي هَذَا فَلِزَيْدٍ كَذَا.
لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْلِكُ تَنْجِيزَهُ فَمَلَكَ تَعْلِيقَهُ كَالْعِتْقِ
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: مُوصٍ وَوَصِيَّةٌ وَمُوصًى بِهِ وَمُوصًى لَهُ.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (مِنْ مُكَلَّفٍ لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ) فَإِنْ عَايَنَهُ لَمْ تَصِحَّ.
لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَنَا خِلَافٌ هَلْ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ مَلَكَ الْمَوْتِ، أَوْمَا دَامَ مُكَلَّفًا أَوْ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ؟ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ.
وَالصَّوَابُ تُقْبَلُ مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا.
.
وَفِي مُسْلِمٍ
وَغَيْرِهِ " «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمَلُ الْغِنَى.
وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا.
وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» " قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إمَّا مِنْ عِنْدَهُ أَوْ حِكَايَةٍ عَنْ الْخَطَّابِيِّ: وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ، إذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (وَلَوْ) كَانَ مُوصٍ (كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا) أَوْ امْرَأَةً أَوْ قِنًّا فِيمَا عَدَا الْمَالَ.
وَفِيهِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ.
فَلَا وَصِيَّةَ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ، وَكَذَا مُكَاتَبٌ وَنَحْوُهُ (أَوْ أَخْرَسَ) بِإِشَارَةٍ لِصِحَّةِ هِبَتِهِمْ فَوَصِيَّتُهُمْ أَوْلَى.
وَ (لَا) تَصِحُّ إنْ كَانَ مُوصٍ (مُعْتَقَلًا لِسَانُهُ بِإِشَارَةٍ) وَلَوْ مَفْهُومَةً نَصًّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ.
أَشْبَهَ النَّاطِقَ (أَوْ) كَانَ (سَفِيهًا) وَوَصَّى (بِمَالٍ) فَتَصِحُّ لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ بِلَا ضَرَرٍ كَعِبَادَاتِهِ.
وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ وَلَا إضَاعَةَ فِيهَا لَهُ.
لِأَنَّهُ إنْ عَاشَ فَمَالُهُ لَهُ.
وَإِنْ مَاتَ فَلَهُ ثَوَابُهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ سَفِيهٍ (عَلَى وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى (وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُوصٍ إنْ كَانَ (سَكْرَانَ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
وَطَلَاقُهُ إنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (مُبَرْسَمًا) فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ.
لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.
أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا وَوَصَّى فِي إفَاقَتِهِ صَحَّتْ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ) يَعْقِلُهَا لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ كَإِسْلَامِهِ وَصَلَاتِهِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهَا بَعْدَ غِنَاهُ مِنْ مَالهِ، فَلَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ مِنْ (طِفْلٍ) لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْوَصِيَّةَ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَأَشَارَ إلَى الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ (بِلَفْظٍ) مَسْمُوعٍ مِنْ الْمُوصِي بِلَا خِلَافٍ (وَبِخَطٍّ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (ثَابِتٍ) أَنَّهُ خَطُّ مُوصٍ (بِإِقْرَارِ وَرَثَةٍ أَوْ) إقَامَةِ (بَيِّنَةٍ) أَنَّهُ خَطُّهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: ثُبُوتُ الْخَطِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْحَاكِمِ لِفِعْلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَمَلٌ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْعَمَلِ طَرِيقُهَا الرُّؤْيَةُ نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ.
وَالْمُقَدَّمُ الْأَوَّلُ.
وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا.
وَلِهَذَا صَحَّ تَعْلِيقُهَا.
وَ (لَا) تَصِحُّ (إنْ خَتَمَهَا) مُوصٍ (وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا) مَخْتُومَةً وَلَمْ يُعْلِمْ الشَّاهِدَ مَا فِيهَا (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا) أَيْ الْوَصِيَّةَ (بِخَطِّهِ) أَيْ الْمُوصِي.
لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا فِيهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا فِيهَا، كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.
فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا خَطُّهُ عُمِلَ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِوَصِيَّةٍ ثَبَتَتْ بِشَهَادَةٍ أَوْ إقْرَارِ وَرَثَةٍ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا.
لِأَنَّ حُكْمَهَا لَا يَزُولُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَالْأَوْلَى كِتَابَتُهَا وَالْإِشْهَادُ عَلَى مَا فِيهَا لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا.
وَعَنْ أَنَسٍ " كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهُ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ.
فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ
(وَتُسَنُّ) الْوَصِيَّةُ.
(لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] فَنُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّركَ وَأُزَكِّيَكَ» " (وَهُوَ) أَيْ الْخَيْرُ (الْمَالُ الْكَثِيرُ عُرْفًا) فَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ (بِخُمْسِهِ) أَيْ خُمْسِ مَالِهِ مُتَعَلِّقٌ بِ تُسَنُّ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ " رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِنَفْسِهِ " يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]
(لِقَرِيبٍ فَقِيرٍ) غَيْرِ وَارِثٍ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26] " وَقَوْلِهِ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 177] وَكَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ فَقِيرٌ وَتَرَكَ خَيْرًا (فَ) الْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِي (لِمِسْكِينٍ وَعَالِمٍ) فَقِيرٍ (وَدَيِّنٍ) فَقِيرٍ (وَنَحْوِهِمْ) كَابْنِ سَبِيلٍ وَغَازٍ
(وَتُكْرَهُ) وَصِيَّةٌ (لِفَقِيرٍ) أَيْ مِنْهُ إنْ كَانَ (لَهُ وَرَثَةٌ) قَالَ (الْمُنَقِّحُ: إلَّا مَعَ غِنَى الْوَرَثَةِ) وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ) مُطْلَقًا (بِجَمِيعِ مَالِهِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَارِثِ وَهُوَ مَعْدُومٌ
(فَلَوْ وَرِثَهُ) أَيْ الْمُوصِي (زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ وَرَدَّهَا) أَيْ رَدَّ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ الْوَصِيَّةَ (بِالْكُلِّ) أَيْ بِكُلِّ الْمَالِ (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ (فِي قَدْرِ فَرْضِهِ) أَيْ الرَّادِّ (مِنْ ثُلُثَيْهِ) أَيْ الْمَالِ.
فَإِنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا بَطَلَتْ فِي الثُّلُثِ.
لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الثُّلُثَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَةَ بَطَلَتْ فِي السُّدُسِ لِأَنَّ لَهَا رُبْعَ الثُّلُثَيْنِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ لَا
يُرَدُّ عَلَيْهِمَا.
وَالثُّلُثُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ الثُّلُثَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضِهِمَا (فَيَأْخُذُ وَصِيٌّ الثُّلُثَ ثُمَّ) يَأْخُذُ (ذُو الْفَرْضِ) زَوْجًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (فَرْضَهُ مِنْ ثُلُثَيْهِ) أَيْ الْمَالِ (ثُمَّ تُتَمَّمُ) الْوَصِيَّةُ (مِنْهُمَا) لِمُوصًى لَهُ.
لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَا أَوْلَى بِهِ مِنْ الْمُوصَى لَهُ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمُوصٍ وَارِثٌ زَوْجًا أَوْ غَيْرَهُ مُطْلَقًا
(وَلَوْ وَصَّى أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (لِلْآخَرِ) بِكُلِّ مَالِهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ (فَلَهُ) أَيْ الْمُوصَى لَهُ (كُلُّهُ) أَيْ كُلُّ الْمَالِ فَيَأْخُذُ جَمِيعَهُ (إرْثًا وَوَصِيَّةً) كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ بِلَا بَيِّنَةٍ ذِكْرُهُ) أَيْ الْحَقِّ سَوَاءٌ كَانَ لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ لِئَلَّا يَضِيعَ
(وَتَحْرُمُ) الْوَصِيَّةُ (مِمَّنْ يَرِثُهُ غَيْرُ زَوْجٍ أَوْ) غَيْرُ (زَوْجَةٍ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ وَلِوَارِثٍ بِشَيْءٍ) نَصًّا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ.
أَمَّا تَحْرِيمُ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ وَارِثٍ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ «فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ فَالشَّطْرُ؟ قَالَ لَا.
قَالَ: فَالثُّلُثُ.
قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» الْحَدِيثِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا لِلْوَارِثِ بِشَيْءٍ فَلِحَدِيثِ " «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ (وَتَصِحُّ) هَذِهِ الْوَصِيَّةُ الْمُحَرَّمَةُ (وَتَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» " وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ» " رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ.
فَإِذَا رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ نَفَذَ.
وَتَصِحُّ لِوَلَدِ وَارِثِهِ.
فَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ الْوَارِثِ لَمْ يَجُزْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
(وَلَوْ وَصَّى) مَنْ لَهُ وَرَثَةٌ (لِكُلِّ وَارِثٍ) مِنْهُمْ (بِمُعَيَّنٍ) مِنْ مَالِهِ (بِقَدْرِ وَارِثِهِ) صَحَّ.
أَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ.
فَلَوْ وَرِثَهُ ابْنُهُ وَبِنْتُهُ فَقَطْ.
وَلَهُ عَبْدٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَأَمَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ فَوَصَّى لِابْنِهِ بِالْعَبْدِ وَلِابْنَتِهِ بِالْأَمَةِ صَحَّ.
لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ لِصِحَّةِ مُعَاوَضَةِ الْمَرِيضِ بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا جَمِيعَ مَالِهِ بِثَمَنٍ مِثْلَهُ وَلَوْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ جَمِيعَ الْمَالِ
(أَوْ) وَصَّى (بِوَقْفِ ثُلُثِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ (صَحَّ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَجَازَ ذَلِكَ بَاقِي الْوَرَثَةِ أَوْ رَدُّوهُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ نَصًّا.
لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُمْلَكُ مِلْكًا تَامًّا لِتَعَلُّقِ حَقِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الْبُطُونِ بِهِ (وَكَذَا وَقْفٌ زَائِدٌ) عَلَى الثُّلُثِ (أُجِيزَ) فَيَنْفُذُ فَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ لَمْ
يَنْفُذْ الزَّائِدُ (وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا) وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ.
لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَدَّهُ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ.
فَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى نَفْسِهِ
(وَمَنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِوَصَايَاهُ أُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ) مِنْ الْمُوصَى لَهُمْ (بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ وَإِنْ) كَانَتْ وَصِيَّةُ بَعْضِهِمْ (عِتْقًا) كَتَسَاوِيهِمْ فِي الْأَصْلِ وَتَفَاوُتِهِمْ فِي الْمِقْدَارِ كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ.
فَلَوْ وَصَّى لِوَاحِدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ وَلِثَالِثٍ بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، وَبِثَلَاثِينَ لِفِدَاءِ أَسِيرٍ وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ.
وَكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ مِائَةً وَبَلَغَ مَجْمُوعُ الْوَصَايَا ثَلَاثُمِائَةٍ نُسِبَتْ مِنْهَا الثُّلُثُ فَهُوَ ثُلُثُهَا.
فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثَ وَصِيَّتِهِ
(وَإِنْ أَجَازَهَا) أَيْ الْوَصِيَّةَ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ (وَرِثَهُ بِلَفْظِ إجَازَةٍ) كَ أَجَزْتُهَا (أَوْ) بِلَفْظِ (إمْضَاءٍ) كَأَمْضَيْتُهَا (أَوْ) بِلَفْظِ (تَنْفِيذٍ) كَنَفَّذْتُهَا (لَزِمَتْ) الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فَلَزِمَتْ بِإِجَازَتِهَا كَمَا تَبْطُلُ بِرَدِّهِمْ (وَهِيَ) أَيْ الْإِجَازَةُ (تَنْفِيذٌ) لِمَا وَصَّى بِهِ الْمَوْرُوثُ لَا ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] فَ (لَا يَثْبُتُ لَهَا) أَيْ الْإِجَازَةِ (أَحْكَامُ هِبَةٍ فَلَا يَرْجِعُ أَبٌ) وَارِثٌ مِنْ مُوصٍ (أَجَازَ) وَصِيَّةً لِابْنِهِ.
لِأَنَّ الْأَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ.
وَالْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ لِمَا وَهَبَهُ غَيْرُهُ لِابْنِهِ (وَلَا يَحْنَثُ بِهَا) أَيْ الْإِجَازَةِ (مَنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهِبَةٍ (وَوَلَاءُ عِتْقٍ) مِنْ مُورِثٍ (مُجَازٌ) أَيْ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِجَازَةِ تَنْجِيزًا، كَأَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَاتَ، أَوْ مُوصًى بِهِ كَوَصِيَّتِهِ بِعِتْقِ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ.
فَعِتْقُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِي ثُلُثَيْهِ.
فَإِذَا أَجَازُوهُ نَفَذَ.
وَوَلَاؤُهُ (لِمُوصٍ تَخْتَصُّ بِهِ عَصَبَتُهُ) لِأَنَّهُ الْمُعْتِقُ.
وَالْإِجَازَةُ لِتَنْفِيذِ فِعْلِهِ (وَتَلْزَمُ) الْإِجَازَةُ (بِغَيْرِ قَبُولٍ) مُجَازٍ لَهُ (وَ) بِغَيْرِ (قَبْضٍ وَلَوْ) كَانَتْ الْإِجَازَةُ (مِنْ سَفِيهٍ وَمُفْلِسٍ) لِأَنَّهَا تَنْفِيذٌ لَا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ.
(وَ) تَلْزَمُ الْإِجَازَةُ (مَعَ كَوْنِهِ) أَيْ الْمُجَازِ (وَقْفًا عَلَى مُجِيزِهِ) وَلَوْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى نَفْسِ الْوَاقِفِ.
لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ مَنْسُوبًا لِلْمُجِيزِ.
إنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لَهُ.
(وَ) تَلْزَمُ الْإِجَازَةُ (مَعَ جَهَالَةِ الْمُجَازِ) لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ غَيْرِهِ (وَيُزَاحَمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِ) قَدْرِ (مُجَاوِزٍ لِثُلُثِهِ الَّذِي لَمْ يُجَاوِزُهُ) كَأَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِالثُّلُثِ وَلِعَمْرٍو بِالنِّصْفِ وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ لِعَمْرٍو خَاصَّةً فَيُزَاحِمُهُ زَيْدٌ بِنِصْفٍ كَامِلٍ فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ لِزَيْدٍ خُمُسَاهُ وَلِعَمْرٍو ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ (لِقَصْدِهِ) أَيْ الْمُوصِي (تَفْضِيلَهُ كَجَعْلِهِ الزَّائِدَ لِثَالِثٍ) بِأَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِالثُّلُثِ وَلِبَكْرٍ بِالسُّدُسِ فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ، ثُمَّ يُكْمِلُ
لِصَاحِبِ النِّصْفِ فِي الْأُولَى نِصْفُهُ.
وَمَنْ قَالَ: الْإِجَازَةُ عَطِيَّةٌ عَكَسَ الْأَحْكَامَ الْمُتَقَدِّمَةَ.
وَقَالَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: إنَّمَا يُزَاحِمُهُ بِثُلُثٍ خَاصَّةً لِأَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ يُكْمِلُ إذْ الزِّيَادَةُ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ مِنْ الْوَرَثَةِ لَمْ تَتَلَقَّ مِنْ الْمَيِّتِ فَلَا يُزَاحِمُ بِهَا الْوَصَايَا.
فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يُكْمِلُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ نِصْفُهُ بِالْإِجَازَةِ (لَكِنْ لَوْ أَجَازَ مَرِيضٌ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ.
قُلْتُ: وَكَذَا مَنْ أَلْحَقَ بِهِ وَصِيَّةً تَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةٍ (فَ) إجَازَتُهُ (مِنْ ثُلُثِهِ) لِتَرْكِهِ حَقًّا مَالِيًّا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَتْرُكَهُ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ (كَمُحَابَاةِ صَحِيحٍ فِي بَيْعِ خِيَارٍ لَهُ) بِأَنْ بَاعَ مَا يُسَاوِي مِائَةً وَعِشْرِينَ بِمِائَةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ إلَى شَهْرٍ مَثَلًا (ثُمَّ مَرِضَ) الْبَائِعُ (زَمَنَهُ) أَيْ فِي الشَّهْرِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ لَهُ وَلَمْ يَخْتَرْ فَسْخَ الْبَيْعِ حَتَّى لَزِمَ.
فَإِنَّ الْعِشْرِينَ تُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِهَا بِالْفَسْخِ فَتَعُودُ لِوَرَثَتِهِ.
فَلَمَّا لَمْ يَفْسَخْ كَانَ كَأَنَّهُ اخْتَارَ وُصُولَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي.
أَشْبَهَ عَطِيَّتَهُ فِي مَرَضِهِ (وَ) كَ (إذْنِ) مَرِيضٍ (فِي قَبْضِ هِبَةٍ) وَهَبَهَا وَهُوَ صَحِيحٌ، لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَ (لَا) تُعْتَبَرُ مُحَابَاةٌ فِي (خِدْمَتِهِ) مِنْ الثُّلُثِ بِأَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ بِدُونِ أَجْرِ مِثْلِهِ ثُمَّ مَرِضَ فَأَمْضَاهَا بَلْ مُحَابَاتُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
لِأَنَّ تَرْكَهُ الْفَسْخَ إذَنْ لَيْسَ بِتَرْكِ مَالٍ (وَالِاعْتِبَارُ بِكَوْنِ مَنْ وَصَّى) لَهُ بِوَصِيَّةٍ (أَوْ وَهَبَ لَهُ) هِبَةً مِنْ مَرِيضٍ (وَارِثًا أَوْ لَا عِنْدَ الْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ مُوصٍ وَوَاهِبٍ.
فَمَنْ وَصَّى لِأَحَدِ إخْوَتِهِ أَوْ وَهَبَهُ فِي مَرَضِهِ، فَحَدَثَ لَهُ وَلَدٌ صَحَّتَا إنْ خَرَجَتَا مِنْ الثُّلُثِ، لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِوَارِثٍ.
وَإِنْ وَصَّى أَوْ وَهَبَ مَرِيضٌ أَخَاهُ وَلَهُ ابْنٌ فَمَاتَ قَبْلَهُ وَقَفْنَا عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
(وَ) الِاعْتِبَارُ (بِإِجَازَةِ) وَصِيَّةٍ أَوَعَطِيَّةً (أَوْ رَدٍّ) لِأَحَدِهِمَا (بَعْدَهُ) أَيْ الْمَوْتِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ رَدٍّ أَوْ إجَازَةٍ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّ الْمَوْتَ هُوَ وَقْتُ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ، وَالْعَطِيَّةُ فِي مَعْنَاهَا (وَمَنْ أَجَازَ) مِنْ وَرَثَةِ عَطِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَكَانَتْ جُزْءًا (مُشَاعًا) كَنِصْفٍ أَوْ ثُلُثَيْنِ (ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَجَزْتُ) ذَلِكَ (لِأَنِّي ظَنَنْتُهُ) أَيْ الْمَالَ الْمُخَلَّفَ (قَلِيلًا) ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَثِيرٌ (قُبِلَ) قَوْلُهُ ذَلِكَ (بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ.
وَالظَّاهِرُ مَعَهُ (وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ) لِإِجَازَتِهِ مَا فِي ظَنِّهِ.
فَإِذَا كَانَ الْمَالُ أَلْفًا وَظَنَّهُ ثَلَاثَمِائِةٍ وَالْوَصِيَّةُ بِالنِّصْفِ.
فَقَدْ أَجَازَ السُّدُسَ وَهُوَ خَمْسُونَ فَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ مَعَ ثُلُثِ الْأَلْفِ فَلِمُوصًى لَهُ ثَلَاثُمِائِةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثٌ وَالْبَاقِي لِلْوَارِثِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ) الْمُخَلَّفُ (ظَاهِرًا لَا يَخْفَى) عَلَى الْمُجِيزِ (أَوْ تَقُومُ) بِهِ (بَيِّنَةٌ) عَلَى الْمُجِيزِ (بِعِلْمِهِ بِقَدْرِهِ) فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ (وَإِنْ كَانَ) الْمُجَازُ مِنْ عَطِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ (عَيْنًا) كَعَبْدٍ مُعَيَّنٍ (أَوْ) كَانَ (مَبْلَغًا مَعْلُومًا) كَمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ (أَوْ قَالَ) مُجِيزُهُ (ظَنَنْتُ الْبَاقِي) بَعْدَهُ (كَثِيرًا لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ.
فَلَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ قِيمَتَهُ أَلْفًا فَبَانَ أَكْثَرَ قُبِلَ وَلَيْسَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَقَالَ: وَإِنْ أَجَازَ وَقَالَ: أَرَدْتُ أَصْلَ الْوَصِيَّةِ قُبِلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ مَا وَصَّى بِهِ لِغَيْرِ مَحْصُورٍ كَفُقَرَاءَ أَوْ غُزَاةٍ لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ]
(فَصْلٌ وَمَا وَصَّى بِهِ لِغَيْرِ مَحْصُورٍ كَفُقَرَاءَ أَوْ غُزَاةٍ وَبَنِي هَاشِمٍ) (أَوْ) وَصَّى بِهِ لِ (مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَثَغْرٍ وَرِبَاطٍ وَحَجٍّ (لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ) لِتَعَذُّرِهِ فَتَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ (وَإِلَّا) تَكُنْ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ بَلْ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ وَلَوْ عَدَدًا يُمْكِنُ حَصْرُهُ (اُشْتُرِطَ) قَبُولُهُ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لَهُ كَالْهِبَةِ.
وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ.
بَلْ يَجْزِي مَا قَامَ مَقَامَهُ كَأَخْذٍ وَمَا دَلَّ عَلَى الرِّضَا.
وَفِي الْمُغْنِي وَطْؤُهُ قَبُولٌ كَرَجْعَةٍ وَبَيْعِ خِيَارٍ وَيَجُوزُ فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا (وَمَحَلُّهُ) أَيْ الْقَبُولِ (بَعْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ قَبْلَهُ (وَيَثْبُتُ مِلْكُ مُوصًى لَهُ مِنْ حِينِهِ) أَيْ الْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ تَمْلِيكَ عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ فَلَمْ يَسْبِقْ الْمِلْكُ الْقَبُولَ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مِنْ تَمَامِ السَّبَبِ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ الْمُوصَى لَهُ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ الْقَبُولِ بِبَيْعٍ وَلَا رَهْنٍ وَلَاهِبَةٍ وَلَا إجَارَةٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا غَيْرِهَا لِعَدَمِ مِلْكِهِ لَهَا (وَمَا حَدَثَ) مِنْ عَيْنٍ مُوصًى بِهَا بَعْدَ مَوْتِ مُوصٍ وَقَبْلَ قَبُولِ مُوصًى لَهُ بِهَا (مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ) كَكَسْبٍ وَثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ (فَ) هُوَ (لِوَرَثَةِ) أَيْ وَرَثَةِ مُوصٍ لِمِلْكِهِمْ الْعَيْنَ حِينَئِذٍ (وَيَتْبَعُ) الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا نَمَاءٌ (مُتَّصِلٌ) كَسِمَنٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ
(وَإِنْ كَانَتْ) الْوَصِيَّةُ (بِأَمَةٍ فَأَحْبَلَهَا وَارِثٌ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبُولِ وَبَعْدَ مَوْتِ مُوصٍ (صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ لَهَا (وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى قِيمَتُهَا لِلْوَصِيِّ لَهُ) أَيْ الْمُوصَى لَهُ بِهَا إذَا قَبِلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ (كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا) لِثُبُوتِ حَقِّ التَّمَلُّكِ لَهُ فِيهَا بِمَوْتِ الْمُوصِي.
وَالِاسْتِيلَادُ أَقْوَى مِنْ الْعِتْقِ.
وَلِذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ وَإِنْ لَمْ يُنَفَّذْ إعْتَاقُهُمَا.
وَإِنْ غَرَسَ