«إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمْك اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ.
فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا، فَإِنَّ نَكِيرًا وَمُنْكَرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ» ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ، بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ وَرَجَّحَهُ فِي الْإِقْنَاعِ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُكَلَّفِ.
(وَ) سُنَّ (الدُّعَاءُ) لَهُ أَيْ الْمَيِّتِ (بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ الْقَبْرِ) نَصًّا فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ (وَ) سُنَّ (رَشُّهُ) أَيْ الْقَبْرِ (بِمَاءٍ) بَعْدَ وَضْعِ الْحَصْبَاءِ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْحَصْبَاءَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِئَلَّا يَذْهَبَ تُرَابُهُ.
وَالْحَصْبَاءُ صِغَارُ الْحَصَى.
(وَ) يُسَنُّ (رَفْعُهُ) أَيْ الْقَبْرِ عَنْ الْأَرْضِ (قَدْرَ شِبْرٍ) لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ فَيَتَوَقَّى وَيَتَرَحَّمُ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» (وَكُرِهَ) رَفْعُهُ (فَرْقُهُ) أَيْ الشِّبْرِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْته وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْته» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ
وَالْمُشْرِفُ: مَا رُفِعَ كَثِيرًا، لِقَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي صِفَةِ قُبُورِ النَّبِيِّ «صَلَّى وَصَاحِبَيْهِ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ» (وَ) كُرِهَ (زِيَادَةُ تُرَابِهِ) أَيْ الْقَبْرِ نَصًّا لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ فِي الْفُصُولِ: إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ (وَ) كُرِهَ (تَزْوِيقُهُ) أَيْ الْقَبْرِ (وَتَخْلِيقُهُ) أَيْ طَلْيُهُ بِالطِّينِ (وَنَحْوِهِ) كَدَهْنِهِ ; لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَغَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ (وَ) كُرِهَ (تَجْصِيصُهُ وَاتِّكَاءٌ عَلَيْهِ وَمَبِيتٌ) عِنْدَهُ (وَحَدِيثٌ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَتَبَسُّمٌ عِنْدَهُ، وَضَحِكٌ أَشَدُّ) كَرَاهَةً مِنْ تَبَسُّمٍ (وَكِتَابَةٌ) عَلَى الْقَبْرِ (وَجُلُوسٌ) عَلَيْهِ (وَوَطْءٌ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِلَا نَعْلٍ، قَالَ
بَعْضُهُمْ: إلَّا لِحَاجَةٍ (وَبِنَاءُ) قُبَّةٍ وَغَيْرِهَا عَلَيْهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَزَادَ " وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَدْ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ» وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالتَّبَسُّمَ عِنْدَهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ.
(وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ عَلَيْهِ) أَيْ الْقَبْرِ يَعْنِي الْمَشْيَ بَيْنَ الْقُبُورِ (بِنَعْلٍ) لِلْخَبَرِ (حَتَّى بِالتُّمُشْكِ - بِضَمِّ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ) نَوْعٌ مِنْ النَّعْلِ (وَسُنَّ خَلْعُهُ) إذَا دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ.
لِحَدِيثِ «بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَعَهُمَا، فَرَمَى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَاحْتِرَامًا لِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
(إلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرَارَةِ الْأَرْضِ أَوْ بُرُودَتِهَا، فَلَا يُكْرَهُ لِلْعُذْرِ، وَلَا يُسَنُّ خَلْعُ خُفٍّ لِأَنَّهُ يَشُقُّ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّهُ وَمَا حَمَلْت عَلَيْهِ كَلَامَهُ أَوْلَى مِنْ شَرْحِهِ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُ أَوَّلًا
وَكَلَامَ الْأَصْحَابِ.
(وَلَا بَأْسَ بِتَطْبِيقِهِ) أَيْ الْقَبْرِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ " يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءَ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ " (وَ) لَا بَأْسَ (بِتَعْلِيمِهِ) أَيْ الْقَبْرِ نَصًّا (بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَبِلَوْحٍ) «لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَلَّمَهُ بِحَجَرٍ وَضَعَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ قَبْرَ أَخِي حَتَّى أَدْفِنَ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَتَسْنِيمُ) الْقَبْرِ (أَفْضُلُ) مِنْ تَسْطِيحِهِ «لِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ رَأَيْت قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ أَشَبَهُ بِبِنَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا (إلَّا) مَنْ دُفِنَ (بِدَارِ حَرْبٍ إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (فَتَسْوِيَتُهُ) أَيْ قَبْرِهِ بِالْأَرْضِ (وَإِخْفَاؤُهُ) أَفْضَلُ حَتَّى مِنْ تَسْنِيمِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ فَيُنْبَشَ، فَيُمَثَّلُ بِهِ.
(وَيَحْرُمُ إسْرَاجُهَا) أَيْ الْقُبُورِ لِحَدِيثِ «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ وَمُغَالَاةٍ فِي
تَعْظِيمِ الْأَمْوَاتِ.
يُشْبِهُ تَعْظِيمُ الْأَصْنَامِ.
(وَ) يَحْرُمُ (التَّخَلِّي) عَلَى الْقُبُورِ وَبَيْنَهَا لِحَدِيثِ «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ وَلَا أُبَالِي أَوَسَطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسَطَ السُّوقِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ (وَ) يَحْرُمُ (جَعْلُ مَسْجِدٍ عَلَيْهَا وَبَيْنَهَا) أَيْ الْقُبُورِ لِلْخَبَرِ.
(وَدَفْنٌ بِصَحْرَاءَ أَفْضَلُ) مِنْ دَفْنٍ بِعُمْرَانٍ «لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ» وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَقْبُرُونَ فِي الصَّحَارَى، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ (سِوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَدُفِنَ بِبَيْتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ " لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِمَا رُوِيَ «تُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ» وَصِيَانَةً لَهُ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ (وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا وَلَمْ يُزَدْ) عَلَيْهِمَا (لِأَنَّ الْخَرْقَ) بِدَفْنِ غَيْرِهِمَا عِنْدَهُ (يَتَّسِعُ وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ) فَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا بِدْعِيٌّ ضَالٌّ.
وَكُرِهَ جَعْلُ خَيْمَةٍ أَوْ فُسْطَاطٍ عَلَى قَبْرٍ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فِي كِسْوَةِ الْقَبْرِ بِالثِّيَابِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُنْكَرٌ إذَا فُعِلَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ .
(وَمَنْ وَصَّى بِدَفْنِهِ بِدَارٍ) فِي مِلْكِهِ (أَوْ) فِي (أَرْضٍ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَرَثَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ (وَ) قَالَ (لَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ) فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا: أَنَّ الْأُولَى إذَا كَانَ بِالْعُمْرَانِ، وَالثَّانِيَةَ إذَا كَانَ بِالصَّحْرَاءِ.
إذْ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ بِالْبَقِيعِ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ) وَارِثٍ (مَا دُفِنَ فِيهِ) الْمَيِّتُ (مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ) أَيْ يَصِير (مَقْبَرَةً) نَصًّا لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ فَإِنْ جُعِلَتْ مَقْبَرَةً صَارَتْ وَقْفًا.
(وَيُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ) الْمَوْتَى فِي مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيمِ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ (وَ) يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي (الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْت ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» وَقَالَ عُمَرُ " اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِك " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَيُسْتَحَبُّ مَا كَثُرَ فِيهِ الصَّالِحُونَ لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ.
(وَيُدْفَنُ) مَيِّتٌ (فِي مُسَبَّلَةٍ وَلَوْ بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا وَلَا مِنَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُكَفَّنَ مِنْ أَكْفَانِ الْمُسْلِمِينَ (وَيُقَدَّمُ فِيهَا) أَيْ الْمُسْبَلَةِ عِنْدَ ضِيقٍ (بِسَبْقٍ) لِأَنَّهُ سَبْقٌ إلَى مُبَاحٍ (ثُمَّ) مَعَ تَسَاوٍ فِي سَبْقٍ يُقَدَّمُ ب (قُرْعَةٍ) لِأَنَّهَا لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ (وَيَحْرُمُ الْحَفْرُ فِيهَا) أَيْ الْمُسْبَلَةِ (قَبْلَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مَا سَبَقَ فِي الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ.
(وَ) يَحْرُمُ (دَفْنُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ) أَيْ مَيِّتٍ عَلَى آخَرَ (حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ) أَيْ الْأَوَّلَ (صَارَ تُرَابًا) فَيَجُوزُ نَبْشُهُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ وَالْبِلَادِ وَالْهَوَاءِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ ثُمَّ إنْ وُجِدَ فِيهِ عِظَامٌ لَمْ يَجُزْ دَفْنُ آخَرَ عَلَيْهِ وَتَحْرُمُ عِمَارَةُ قَبْرٍ دَائِرٍ ظُنَّ بِلَاءُ صَاحِبِهِ فِي مُسَبَّلَةٍ لِئَلَّا يُتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْجَدِيدِ، فَيُمْتَنَعُ مِنْ الدَّفْنِ بِهِ (وَ) يَحْرُمُ أَنْ يُدْفَنَ غَيْرُهُ (مَعَهُ) فِي لَحْدٍ وَاحِدٍ ; «لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ بِقَبْرٍ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ (إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ) كَكَثْرَةِ مَوْتَى بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلْعُذْرِ (وَسُنَّ حَجْزٌ بَيْنَهُمَا بِتُرَابٍ) يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَكْفِي الْكَفَنُ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يُقَدَّمَ إلَى الْقِبْلَةِ مَنْ يُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامَةِ) لَوْ اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثْرَةُ الْجِرَاحَاتِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: احْفِرُوا وَوَسِّعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ جُعِلَ لَهُمْ شِبْهُ النَّهْرِ وَجُعِلَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.
(وَ) الْمَيِّتُ (الْمُتَعَذِّرُ إخْرَاجُهُ مِنْ بِئْرٍ إلَّا مُتَقَطِّعًا وَنَحْوَهُ) كَمُمَثَّلٍ بِهِ (وَثَمَّ حَاجَةٌ إلَيْهَا) أَيْ الْبِئْرِ (أُخْرِجَ) مُتَقَطِّعًا لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ طَمِّهَا (وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ إلَى الْبِئْرِ (طَمَّتْ) عَلَيْهِ فَتَصِيرُ قَبْرَهُ دَفْعًا لِلتَّمْثِيلِ بِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِلَا تَقْطِيعٍ بِمُعَالَجَةٍ بِأَكْسِيَةٍ وَنَحْوِهَا تُدَارُ فِيهَا تَجْتَذِبُ الْبُخَارَ أَوْ بِكَلَالِيبٍ وَنَحْوِهَا بِلَا مُثْلَةٍ، وَجَبَ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِ غُسْلِهِ وَيُعْرَفُ زَوَالُ بُخَارِهَا بِبَقَاءِ السِّرَاجِ بِهَا فَإِنَّ النَّارَ لَا تَبْقَى عَادَةً إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ.
(وَيَحْرُمُ دَفْنٌ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوَهُ) كَمَدْرَسَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ لَهُ (وَيُنْبَشُ) وُجُوبًا مَنْ دُفِنَ بِهِ وَيُخْرَجُ نَصًّا.
(وَ) يَحْرُمُ دَفْنٌ (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) مَا لَمْ يَأْذَنْ مَالِكُهُ فِيهِ فَيُبَاحُ (وَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ إنْ لَمْ يَأْذَنْ (نَقْلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ مِلْكِهِ وَإِلْزَامُ
دَافِنِهِ بِنَقْلِهِ لِتَفْرِيغِ مِلْكِهِ (وَالْأَوْلَى) لَهُ (تَرْكُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ لِئَلَّا يَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ.
(وَيُبَاحُ نَبْشُ قَبْرِ حَرْبِيٍّ لِمَصْلَحَةٍ) «لِأَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ بِنَبْشِهَا وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا» (أَوْ لِمَالٍ فِيهِ) أَيْ قَبْرِ الْحَرْبِيِّ لِحَدِيثِ «هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ إنْ رَأَيْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَأَخْرَجُوا الْغُصْنَ» .
وَ (لَا) يُبَاحُ نَبْشُ قَبْرِ (مُسْلِمٍ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ (بِأَنْ كُفِّنَ بِغَصْبٍ) نُبِشَ وَأُخِذَ مَعَ بَقَائِهِ لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ إنْ تَعَذَّرَ غُرْمُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا (أَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ وَيَبْقَى) كَالذَّهَبِ وَنَحْوِهِ (وَطَلَبَهُ رَبُّهُ وَتَعَذَّرَ غُرْمُهُ) مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِلْحَيْلُولَةِ: نُبِشَ وَشُقَّ جَوْفُهُ، وَدُفِعَ الْمَالُ لِرَبِّهِ تَخْلِيصًا لِلْمَيِّتِ مِنْ إثْمِهِ، فَإِنْ كَانَ بَلَعَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ أَوْ لَا يَبْقَى أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ رَبُّهُ أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ غُرْمُهُ لَمْ يُنْبَشْ (أَوْ وَقَعَ وَلَوْ) كَانَ وُقُوعُهُ (بِفِعْلِ رَبِّهِ فِي الْقَبْرِ مَا) أَيْ شَيْءٌ (لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا) وَإِنْ قُلْت (نُبِشَ وَأُخِذَ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ جَازَ أَنْ يُنْبَشَ.
وَ (لَا) يُنْبَشُ (إنْ بَلَعَ) الْمَيِّتُ (مَالَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَبْلَ) الْمَيِّتُ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِهِ فِي حَيَاتِهِ أَشْبَهَ إتْلَافَهُ، فَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَبَقِيَ الْمَالُ أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ (إلَّا مَعَ دَيْنٍ) عَلَى بَالِعِ مَالِ نَفْسِهِ فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ وَيُوَفَّى مُبَادَرَةً إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ (وَيَجِبُ نَبْشُ مَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَمْكَنَ) تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ فَيُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ مَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ (أَوْ) دُفِنَ بِلَا (صَلَاةٍ) عَلَيْهِ، فَيُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُرَدُّ إلَى مَضْجَعِهِ نَصًّا مَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ لِأَنَّ مُشَاهَدَتَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَقْصُودَةٌ وَلِذَلِكَ لَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) دُفِنَ بِلَا (كَفَنٍ) فَيُخْرَجُ وَيُكَفَّنُ نَصًّا اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وُجُوبًا لِعَدَمِ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَإِنْ كَانَ كُفِّنَ بِحَرِيرٍ فَوَجْهَانِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى عَدَمُ نَبْشِهِ (أَوْ) دُفِنَ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) فَيُنْبَشُ وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ (وَيَجُوزُ) نَبْشُ
مَيِّتٍ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَتَحْسِينِ كَفَنِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَنَحْوِهِ) كَإِفْرَادِ مَنْ دُفِنَ مَعَ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ " دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْته فَجَعَلْته فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ ". (وَ) يَجُوزُ نَبْشُهُ ل (نَقْلِهِ لِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ وَمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ " إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا " وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ " مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَهُنَا وَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَهُنَا وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ " ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (إلَّا شَهِيدًا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ) فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ قَالَهُ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ» .
(وَدَفْنُهُ) أَيْ الشَّهِيدِ (بِهِ) أَيْ بِمَصْرَعِهِ (سُنَّةٌ) لِلْخَبَرِ (فَيُرَدُّ) الشَّهِيدُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَصْرَعِهِ (لَوْ نُقِلَ) مِنْهُ مُوَافَقَةً لِلسُّنَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَجِبُ نَقْلُهُ لِضَرُورَةٍ نَحْوِ كَوْنِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، أَوْ مَكَان يُخَافُ نَبْشُهُ وَتَحْرِيقُهُ أَوْ الْمُثْلَةِ بِهِ.
(وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ) بِمَنْ يُرْجَى حَيَاتُهُ (حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) لِلْحَمْلِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ; لِأَنَّهُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مُتَوَهَّمَةٍ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَزَادَ " فِي الْإِثْمِ ".
(وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ مَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ) بِأَنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً وَانْفَتَحَتْ الْمَخَارِجُ، وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِنَّ إخْرَاجُهُ (لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى يَمُوتَ) الْحَمْلُ لِحُرْمَتِهِ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِ مَا يُمَوِّتُهُ وَلَا يُخْرِجُهُ الرِّجَالُ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهَا (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أَيْ الْحَمْلِ (حَيًّا شُقَّ) بَطْنُهَا (ل) خُرُوجِ (الْبَاقِي) لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوْهُومَةً (فَلَوْ مَاتَ) الْحَمْلُ (قَبْلَهُ) أَيْ شَقِّ بَطْنِهَا.
(أُخْرِجَ) لِيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إخْرَاجُهُ (غُسِّلَ مَا خَرَجَ) مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السِّقْطِ (وَلَا يُيَمَّمُ لِلْبَاقِي) لِأَنَّهُ حَمْلٌ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَمْلِ خَرَجَ بَعْضُهُ أَوْ لَا (مَعَهَا) أَيْ مَعَ أُمِّهِ الْمُسْلِمَةِ بِأَنْ يُنْوَى الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (فَ) يُصَلَّى (عَلَيْهَا دُونَهُ) أَيْ الْحَمْلِ.
(فَإِنْ مَاتَتْ كَافِرَةٌ) ذِمِّيَّةً أَوْ لَا (حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) بِبَطْنِهَا كَمَبْلُوعٍ بِبَطْنِ بَالِعِهِ (وَدَفْنُهَا) أَيْ الْكَافِرَةِ الْحَامِلِ (بِمُسْلِمٍ) مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا (مُنْفَرِدَةً) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ نَصًّا، حَكَاهُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ (إنْ أَمْكَنَ) إفْرَادُهَا (وَإِلَّا) يُمْكِنُ إفْرَادُهَا (فَمَعَنَا) لِئَلَّا يُدْفَنَ الْجَنِينُ الْمُسْلِمُ مَعَ الْكَافِرِ، وَتُدْفَنُ (عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ مُسْتَدْبِرَةً الْقِبْلَةَ) لِيَكُونَ الْجَنِينُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمُصَابِ.
(وَسُنَّ لِمُصَابٍ) بِمَوْتِ نَحْوِ قَرِيبٍ (أَنْ يَسْتَرْجِعَ فَيَقُولَ: إنَّا لِلَّهِ) أَيْ نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ (وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَيْ نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الرَّدِيئَةِ (اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أَجِرْنِي: مَقْصُورٌ وَقِيلَ: مَمْدُودٌ، وَأَخْلِفْ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ.
قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَجَمَاعَةٌ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45] (وَ) أَنْ (يَصْبِرَ) عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَالصَّبْرُ: الْحَبْسُ، وَيَجِبُ مِنْهُ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ مُحَرَّمٍ.
وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَوْتِ الْوَلَدِ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ (وَلَا يَلْزَمُهُ الرِّضَا بِفَقْرٍ وَعَاهَةٍ وَمَرَضٍ) تُصِيبُهُ، وَهِيَ عَرَضٌ مُفْسِدٌ لِمَا أَصَابَهُ، لِأَنَّهَا مِنْ الْمُقْضَى (وَيَحْرُمُ) الرِّضَا (بِفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ) كَفِعْلِ غَيْرِهِ لَهَا، لِوُجُوبِ إزَالَتِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
فَالرِّضَا أَوْلَى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا نَظَرَ إلَى إحْدَاثِ الرَّبِّ لِذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا رَضِيَ لِلَّهِ بِمَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، فَيَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ مَفْعُولًا مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى، يَبْغُضُهُ وَيَكْرَهُهُ فِعْلًا لِلْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ اللَّهِ (وَكُرِهَ لِمُصَابٍ تَغْيِيرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَاءٍ وَنَحْوِهِ) كَعِمَامَةٍ (وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ) بِنَحْوِ غَلْقِ حَانُوتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَمَشَّ مَعَ الْقَدْرِ لَمْ يَتَهَنَّ بِعَيْشٍ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ (بُكَاؤُهُ) أَيْ الْمُصَابِ قَبْلَ الْمُصِيبَةِ
وَبَعْدَهَا لِلْأَخْبَارِ، وَأَخْبَارُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى بُكَاءٍ مَعَهُ نَدْبٌ أَوْ نِيَاحَةٌ.
قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ كُرِهَ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ وَالدَّوَامُ عَلَيْهِ أَيَّامًا كَثِيرَةٍ (وَ) لَا يُكْرَهُ (جَعْلُ عَلَامَةٍ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَابِ (لِيُعْرَفَ فَيُعَزَّى) لِتَتَيَسَّرَ التَّعْزِيَةُ الْمَسْنُونَةُ لِمَنْ أَرَادَهَا.
(وَ) لَا يُكْرَهُ (هَجْرُهُ) أَيْ الْمُصَابِ (الزِّينَةَ وَحَسَنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْدَادِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ، هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ.
(وَحَرُمَ نَدْبٌ) أَيْ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِلَفْظِ النُّدْبَةِ، نَحْوُ وَاسَيِّدَاهُ، وَاجَمَلَاهُ، وَانْقِطَاعَ ظَهْرَاهُ (وَ) حَرُمَتْ (نِيَاحَةٌ) : قِيلَ هِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ، وَقِيلَ ذِكْرُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ وَأَحْوَالِهِ (وَ) حَرُمَ (شَقُّ ثَوْبٍ وَلَطْمُ خَدٍّ، وَصُرَاخٌ وَنَتْفُ شَعْرٍ وَنَشْرُهُ وَنَحْوُهُ) كَتَسْوِيدِ وَجْهٍ وَخَمْشِهِ لِلْأَخْبَارِ مِنْهَا: حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالسَّخَطِ مِنْ فِعْلِهِ تَعَالَى، صَحَّتْ الْأَخْبَارُ بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِالنِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ،
وَحُمِلَ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ إذَا كَانَ عَادَةَ أَهْلِهِ، أَوْ عَلَى مَنْ كَذَّبَ بِهِ حِينَ يَمُوتُ، أَوْ عَلَى تَأَذِّيهِ بِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى الْبُكَاءِ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ وَنِيَاحَةٌ، وَنَحْوُ هَذَا وَمَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ مِنْ وَعْظٍ وَإِنْشَادِ شِعْرٍ مِنْ النَّاحِيَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَعْنَاهُ فِي الْفُنُونِ.
(وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ) مُصَابٍ (وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا) قَبْلَ دَفْنٍ وَبَعْدَهُ لِحَدِيثِ «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ كَمِثْلِ أَجْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَتَحْرُمُ تَعْزِيَةُ كَافِرٍ، وَهِيَ التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ.
(وَتُكْرَهُ) تَعْزِيَةُ رَجُلٍ (لِشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ (إلَى ثَلَاثِ) لَيَالٍ بِأَيَّامِهِنَّ فَلَا يُعَزَّى بَعْدَهَا لِأَنَّهَا مُدَّةُ الْإِحْدَادِ الْمُطْلَقِ قَالَ الْمَجْدُ إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ.
قَالَ النَّاظِمُ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ (فَيُقَالُ) فِي تَعْزِيَتِهِ (ل) مُسْلِمٍ (مُصَابٍ بِمُسْلِمٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك.
وَ) لِمُسْلِمٍ مُصَابٍ (بِكَافِرٍ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) لِأَنَّ الْغَرَضَ الدُّعَاءُ لِلْمُصَابِ وَمَيِّتِهِ إلَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَيُمْسِكُ عَنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
(أَوْ) يُقَالُ (غَيْرُ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ.
وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ «عَزَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى وَلَدِهِ، فَقَالَ: آجَرَكَ اللَّهُ وَأَعْظَمَ لَك الْأَجْرَ» .
(وَكُرِهَ تَكْرَارُهَا) أَيْ التَّعْزِيَةِ نَصًّا فَلَا يُعَزِّي عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلُ وَلَهُ الْأَخْذُ بِيَدِ مَنْ يُعَزِّيهِ وَإِنْ رَأَى الرَّجُلَ قَدْ شَقَّ ثَوْبَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ عَزَّاهُ وَلَمْ يَتْرُكْ حَقًّا لِبَاطِلٍ وَإِنْ نَهَاهُ فَحَسَنٌ (وَ) كُرِهَ (جُلُوسٌ لَهَا) أَيْ التَّعْزِيَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ بِمَكَانٍ لِيُعَزَّى أَوْ يَجْلِسَ الْمُعَزِّي عِنْدَ الْمُصَابِ بَعْدَهَا لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْحُزْنِ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ جُلُوسُ الْمُعَزِّي (بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ) خَارِجًا عَنْهَا (لِيَتَّبِعَ الْجِنَازَةَ) إذَا خَرَجَتْ (أَوْ لِيَخْرُجَ وَلِيُّهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (فَيُعَزِّيَهُ) لِأَنَّهُ لِطَاعَةٍ بِلَا مَفْسَدَةٍ لَكِنْ إنْ كَانَ الْجُلُوسُ خَارِجَ مَسْجِدٍ عَلَى نَحْوِ حَصِيرٍ مِنْهُ كُرِهَ نَصًّا.
بَلْ مُقْتَضَى مَا فِي الْوَقْفِ: يَحْرُمُ لِأَنَّهَا إنَّمَا وُقِفَتْ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا فِيهِ (وَيَرُدُّ مُعَزًّى) عَلَى مَنْ عَزَاهُ (ب) قَوْلِهِ (اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ) رَدَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَسُنَّ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ مَيِّتٍ) حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، وَأَتَاهُمْ نَعْيُهُ (طَعَامًا يَبْعَثُ) بِهِ (إلَيْهِمْ ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا لِحَدِيثِ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» مُخْتَصَرٌ
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَ (لَا) يُصْلَحُ الطَّعَامُ (لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْمَيِّتِ (فَيُكْرَهُ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَهُمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا، وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ جَرِيرٍ " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ " (ك) مَا يُكْرَهُ (فِعْلُهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْمَيِّتِ (ذَلِكَ) الطَّعَامَ (لِلنَّاسِ) يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُمْ، قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: إلَّا لِحَاجَةٍ (وَكَذَبْحٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَأَكْلٍ مِنْهُ) فَيُكْرَهُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ.
«لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ أَحْمَدُ " كَانُوا إذَا مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ نَحَرُوا جَزُورًا فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ " وَفِي مَعْنَى الذَّبْحِ عِنْدَهُ: الصَّدَقَةُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ وَفِيهِ رِيَاءٌ.
.
[فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ مُسْلِمٍ]
سُنَّ لِرَجُلٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ نَصًّا ذَكَرًا وَأُنْثَى بِلَا سَفَرٍ لِحَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» وَالتِّرْمِذِيِّ " فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ " وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُرَجِّحُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ إنْ كَانَ وَارِدًا بَعْدَ الْحَظْرِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقِفُ زَائِرٌ أَمَامَهُ) أَيْ الْقَبْرِ (قَرِيبًا مِنْهُ) عُرْفًا.
(وَتُبَاحُ) زِيَارَةُ مُسْلِمٍ (لِقَبْرِ كَافِرٍ) وَوُقُوفٌ عِنْدَهُ «لِزِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَبْرِ أُمِّهِ وَكَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَدْعُو لَهُ، بَلْ يَقُولُ: أَبْشِرْ بِالنَّارِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ.
(وَتُكْرَهُ) زِيَارَةُ قُبُورٍ (لِنِسَاءٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَلِمْنَ) أَيْ النِّسَاءُ (أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ) بِزِيَارَتِهِنَّ (حَرُمَتْ) زِيَارَتُهُنَّ لَهَا لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْمُحَرَّمِ (إلَّا) زِيَارَةَ النِّسَاءِ (لِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (فَتُسَنُّ) كَالرِّجَالِ، لِعُمُومِ " مَنْ حَجَّ فَزَارَنِي " وَنَحْوَهُ.
(وَلَا يُمْنَعُ كَافِرٌ زِيَارَةَ قَبْرِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ) كَعَكْسِهِ.
(وَسُنَّ لِمَنْ زَارَ قُبُورَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أَوْ) يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) وَيَقُولُ بَعْدَ كُلٍّ مِنْ الصِّيغَتَيْنِ (وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ اللَّاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) لِلْأَخْبَارِ، وَقَوْلُهُ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لِلتَّبَرُّكِ أَوْ فِي الْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي الدَّفْنِ عِنْدَهُمْ وَنَحْوِهِ مِمَّا أُجِيبَ بِهِ إذْ الْمَوْتُ مُحَقَّقٌ فَلَا يُعَلَّقُ بِأَنْ (وَيُخَيَّرُ فِيهِ) أَيْ السَّلَامِ (عَلَى حَيٍّ بَيْنَ تَعْرِيفٍ وَتَنْكِيرٍ) لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ السَّلَامُ (سُنَّةُ) عَيْنٍ مِنْ مُنْفَرِدٍ (وَمِنْ جَمْعٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (سُنَّةُ كِفَايَةٍ) لِحَدِيثِ " أَفْشُوا السَّلَامَ " وَمَا بِمَعْنَاهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُسَلِّمُوا كُلُّهُمْ، وَلَا يَجِبُ إجْمَاعًا، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ وَيُكْرَهُ فِي الْحَمَّامِ وَعَلَى مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يُقَاتِلُ، أَوْ يَبُولُ، أَوْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَتْلُو، أَوْ يَذْكُرُ أَوْ يُلَبِّي، أَوْ يُحَدِّثُ، أَوْ يَعِظُ أَوْ يَسْتَمِعُ لَهُمْ وَمَنْ يُكَرِّرُ فِقْهًا أَوْ يَدْرُسُ، أَوْ يَبْحَثُ فِي
الْعِلْمِ، أَوْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ، أَوْ يَتَمَتَّعُ بِأَهْلِهِ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ وَنَحْوُهُمْ (وَرَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ ابْتِدَاؤُهُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَرَدُّ السَّلَامِ سَلَامٌ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِلَفْظِ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ،
وَلَا تَجِبُ زِيَادَةُ الْوَاوِ فِيهِ وَلَا تُسَنُّ زِيَادَةٌ فِي ابْتِدَاءِ وَرَدٍّ عَلَى: وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَيَجُوزُ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْأَوْلَى لَفْظُ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا وَلَا يَسْقُطُ بِرَدِّ غَيْرِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ وَمَنْ بُعِثَ مَعَهُ السَّلَامُ بَلَّغَهُ وُجُوبًا إنْ تَحَمَّلَهُ، وَيَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ الْبَلَاغِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الرَّسُولِ فَيَقُولَ: عَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ (كَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ حَمِدَ) اللَّهَ تَعَالَى.
(وَ) ك (إجَابَتِهِ) أَيْ الْعَاطِسِ لِمَنْ شَمَّتَهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَنَّ التَّشْمِيتَ تَحِيَّةٌ فَحُكْمُهُ كَالسَّلَامِ، وَلِهَذَا لَا يُشَمَّتُ الْكَافِرُ كَمَا لَا يُبْتَدَأُ بِالسَّلَامِ فَيَقُولُ الْعَاطِسُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَوْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ وَيُجِيبُ بِقَوْلِهِ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ لَمْ يُشَمَّتْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَسْمَعُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ» وَلَا يُشَمِّتُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ التَّشْمِيتِ لَا بِعَدَدِ الْعَطَسَاتِ وَيُعَلَّمُ صَغِيرٌ الْحَمْدَ إذَا عَطَسَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَوَبِوَرِكِ فِيكَ، وَمَنْ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ
فَلَا بَأْسَ بِتَذْكِيرِهِ.
(وَيَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَةِ الْمَيِّتِ أَحْوَالَ أَهْلِهِ وَأَحْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَجَاءَتْ الْآثَارُ بِأَنَّهُ يَرَى أَيْضًا
وَيَدْرِي بِمَا فُعِلَ عِنْدَهُ: وَيُسَرُّ بِمَا كَانَ حَسَنًا وَيَتَأَلَّمُ بِمَا كَانَ قَبِيحًا (وَيَعْرِفُ) الْمَيِّتُ (زَائِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قَالَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ يَعْرِفُهُ كُلَّ وَقْتٍ وَهَذَا وَقْتٌ آكَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِرَ مَتَى جَاءَ عَلِمَ بِهِ الْمَزُورُ وَسَمِعَ سَلَامَهُ، وَأَنِسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الضَّحَّاكِ الدَّالِّ عَلَى التَّوْقِيتِ انْتَهَى يُشِيرُ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ قَالَ " مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ
بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " وَنَحْوُهُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ " بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ مَنْ زَارَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ " (وَيَتَأَذَّى بِالْمُنْكَرِ عِنْدَهُ وَيَنْتَفِعُ بِالْخَيْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ (وَسُنَّ) لِزَائِرِ مَيِّتٍ فِعْلُ (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ فِي الْقَبْرِ) لِلْخَبَرِ، وَأَوْصَى بِهِ بُرَيْدَةَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) لَوْ (بِذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَبْرِ لِخَبَرِ الْجَرِيدَةِ لِأَنَّهُ إذَا رُجِيَ التَّخْفِيفُ بِتَسْبِيحِهَا فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى وَعَنْ ابْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبُّ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، رَوَاهُ اللَّالَكَائِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» . وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَوْ أَحَدِهِمَا فَقَرَأَ عِنْدَهُ يس غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ أَوْ حَرْفٍ» رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ (وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا مُسْلِمٌ وَجَعَلَ) الْمُسْلِمُ (ثَوَابَهَا لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ حَصَلَ) ثَوَابُهَا (لَهُ وَلَوْ جَهِلَهُ) أَيْ الثَّوَابَ (الْجَاعِلُ) لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ كَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَوَاجِبٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ إجْمَاعًا وَكَذَا الْعِتْقُ وَحَجُّ التَّطَوُّعِ وَالْقِرَاءَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهِ لِلْأَخْبَارِ.
وَمِنْهَا مَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَمَّا أَبُوك فَلَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْت أَوْ تَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ» رَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ " " أَنَّهُمَا كَانَا يُعْتِقَانِ عَنْ عَلِيٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ " وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِهْدَاءِ وَنَقْلِ الثَّوَابِ نِيَّتُهُ بِهِ ابْتِدَاءً بَلْ يَتَّجِهُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ لَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَهَدَاهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: إنْ كُنْت أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا فَاجْعَلْ ثَوَابَهُ لِفُلَانٍ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ إهْدَاءً مَا لَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُهُ لِأَنَّهُ يَظُنُّهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ.
وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا وَأَهْدَى ثَوَابَهُ لِمَيِّتٍ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَشْهَرِ وَقَالَ الْقَاضِي يَصِحُّ وَبَعُدَ (وَإِهْدَاءُ الْقُرَبِ مُسْتَحَبٌّ) قَالَ فِي الْفُنُونِ وَالْمَجْدِ: حَتَّى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
" تَتِمَّةٌ ".
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ «أَنَّ مَوْتَ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْفَاجِرِ» وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا.
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
الزَّكَاةُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» مِنْ زَكَا يَزْكُو إذَا نَمَا لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُؤَدِّيهَا مِنْ الْإِثْمِ، أَيْ تُنَزِّهُهُ عَنْهُ، وَتُنَمِّي أَجْرَهُ أَوْ تُنَمِّي الْمَالَ أَوْ الْفُقَرَاءَ وَأَجْمَعُوا عَلَى فَرِيضَتِهَا وَاخْتَلَفُوا هَلْ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ؟ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا وَبَعْثُ السَّعَادَةِ لِقَبْضِهَا بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ: فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَفِي تَارِيخِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ: أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَهِيَ (حَقٌّ وَاجِبٌ) مِنْ عُشْرٍ أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ رُبْعِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَأْتِي مُفَصَّلًا (فِي مَالٍ خَاصٍّ) يَأْتِي (لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةَ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَاجِبٌ: الْحُقُوقُ الْمَسْنُونَةُ، كَالسَّلَامِ وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَبِقَوْلِهِ: فِي مَالٍ خَاصٍّ: رَدُّ السَّلَامِ وَالنَّفَقَةُ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَبِقَوْلِهِ: لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ: الدِّيَةُ.
وَبِقَوْلِهِ: (بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ تَمَامُ الْحَوْلِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَنَحْوُهُ النَّذْرُ بِمَالٍ خَاصٍّ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ (وَالْمَالُ الْخَاصُّ) الْمَذْكُورُ (سَائِمَةُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (وَ) سَائِمَةُ (بَقَرِ الْوَحْشِ وَغَنَمِهِ) لِشُمُولِ اسْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَهُمَا (وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ الْأَهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَالسَّائِمِ (وَغَيْرِهِ) كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ، وَبَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ (وَالْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ) مِنْ حُبُوبٍ وَثِمَارٍ وَمَعْدِنٍ وَرِكَازٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَ) مِنْ
النَّحْلِ وَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَيْلٍ وَرَقِيقٍ وَغَيْرِهِمَا لِحَدِيثِ «عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» وَحَدِيثِ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الرَّأْسِ عَشَرَةً وَمِنْ الْفَرَسِ عَشَرَةً وَمِنْ الْبِرْذَوْنِ خَمْسَةً " فَشَيْءٌ تَبَرَّعُوا بِهِ وَعَوَّضَهُمْ مِنْهُ رِزْقُ عَبِيدِهِمْ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَشُرُوطُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ خَمْسَةٌ (وَلَيْسَ مِنْهَا) أَيْ الشُّرُوطِ (بُلُوغٌ، وَ) لَا عَقْلٌ فَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ.
لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ مَرْفُوعًا «انْتَمُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تُذْهِبُهَا - أَوْ لَا تَسْتَهْلِكُهَا - الصَّدَقَةُ» وَكَوْنُهُ مُرْسَلًا غَيْرُ ضَارٍّ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُهُ الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ
وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، وَالْعَقْلِ وَلَا تَجِبُ فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ لِلْجَنِينِ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ وَ) الثَّانِي (الْحُرِّيَّةُ) .
وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (كَمَالُهَا) أَيْ الْحُرِّيَّةِ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (عَلَى مُبَعَّضٍ بِقَدْرِ مِلْكِهِ) مِنْ الْمَالِ بِجُزْئِهِ، لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ زَكَاةٌ (عَلَى كَافِرٍ) لِحَدِيثِ «مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى كَافِرٍ كَالصِّيَامِ (وَلَوْ كَانَ) الْكَافِرُ (مُرْتَدًّا) لِأَنَّهُ كَافِرٌ فَأَشْبَهَ الْأَصْلِيَّ فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ لِزَمَنِ رِدَّتِهِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَلَا تَجِبُ زَكَاةٌ عَلَى (رَقِيقٍ) وَلَوْ قِيلَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ (وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ وَمَتَى عَتَقَ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ بِمَا بَقِيَ لَهُ إنْ بَقِيَ نِصَابًا (وَلَا يَمْلِكُ رَقِيقٌ غَيْرَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (وَلَوْ مَلَكَ) مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ كَالْبَهَائِمِ فَمَا جَرَى فِيهِ صُورَةُ تَمْلِيكٍ مِنْ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ.
(وَ) الثَّالِثُ (مِلْكُ نِصَابٍ) وَهُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَيْضًا فَلَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا، لِمَا يَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ وَيَكُونُ النِّصَابُ (تَقْرِيبًا فِي أَثْمَانٍ، وَ) قِيَمِ (عُرُوضِ) تِجَارَةٍ، فَتَجِبُ مَعَ نَقْصٍ يَسِيرٍ، كَحَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، أَشْبَهَ نَقْصَ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ (وَتَحْدِيدًا فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي
فَإِنْ نَقَصَ نِصَابُهَا، وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ لَمْ تَجِبْ لَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ يَدْخُلُ فِي الْكَيْلِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ مِلْكِ نِصَابٍ (لِغَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حُكْمًا وَلَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ.
(وَلَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَغْصُوبًا) بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ تَالِفًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ، فَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى (وَيَرْجِعُ) رَبُّهُ (بِزَكَاتِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (عَلَى غَاصِبِهِ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِيَدِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ (أَوْ) كَانَ (ضَالًّا) فَيُزَكِّيهِ مَالِكُهُ إذَا وَجَدَهُ لِحَوْلٍ مِنْ التَّعْرِيفِ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (لَا) يُزَكِّيهِ رَبُّهُ (زَمَنَ مِلْكِ مُلْتَقِطٍ) بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُلْتَقِطِ
فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ (وَيَرْجِعُ) رَبُّ مَالٍ ضَالٍّ وَجَدَهُ (بِهَا) أَيْ بِزَكَاتِهِ (عَلَى مُلْتَقِطٍ أَخْرَجَهَا) أَيْ زَكَاةً (مِنْهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ وَلَوْ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ لِتَعَدِّيهِ بِالْإِخْرَاجِ وَلَا تَجْزِيءُ عَنْ رَبِّهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّهَا بِشَيْءٍ (أَوْ) كَانَ (غَائِبًا) فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَالْحَاضِرِ وَ (لَا) تَجِبُ (إنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ) لِعَدَمِ تَيَقُّنِ السَّبَبِ لَكِنْ مَتَى وَصَلَ إلَى يَدِهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى مُطْلَقًا (أَوْ) كَانَ (مَسْرُوقًا أَوْ مَدْفُونًا مَنْسِيًّا) بِدَارِهِ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ مَوْرُوثًا جَهِلَهُ) أَيْ أَنَّهُ لَهُ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَوْتِ مُورَثِهِ (أَوْ) مَوْرُوثًا جُهِلَ (عِنْدَ مَنْ هُوَ) بِأَنْ عَلِمَ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ مَوْرُوثُهُ
(وَنَحْوَهُ) كَالْمَوْهُوبِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَيُزَكِّيهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (إذَا قَدَرَ) رَبُّهُ (عَلَيْهِ) بِأَخْذِهِ مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مُلْتَقِطِهِ أَوْ سَارِقِهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ حُضُورِ غَائِبٍ، أَوْ عِلْمِهِ بِمَدْفُونٍ، أَوْ مَوْرُوثٍ وَقَبْضِ مَوْهُوبٍ لِأَنَّ الزَّكَاةَ
مُوَاسَاةٌ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَرْهُونًا) فَتَجِبُ فِيهِ كَغَيْرِهِ (وَيُخْرِجُهَا) أَيْ زَكَاةَ الْمَرْهُونِ (رَاهِنٌ مِنْهُ) أَيْ الْمَرْهُونِ (بِلَا إذْنِ) مُرْتَهِنٍ
(إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ) أَيْ الْمَرْهُونِ، بِأَنْ كَانَ غَيْرُهُ غَائِبًا، أَوْ مَغْصُوبًا وَنَحْوَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي جِنَايَةِ رَاهِنٍ عَلَى دَيْنِهِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَى حَقِّ مَالِكِهِ فَكَذَا عَلَى حَقِّ مُرْتَهِنٍ (وَيَأْخُذُ مُرْتَهِنٌ) مِنْ رَاهِنٍ أَخْرَجَ زَكَاةَ رَهْنٍ مِنْهُ (عِوَضَ زَكَاةٍ إنْ أَيْسَرَ) رَاهِنٌ بِأَنْ حَضَرَ مَالُهُ الْغَائِبُ، أَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَتْلَفَ الرَّهْنَ أَوْ بَعْضَهُ (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (دَيْنًا) عَلَى مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ عَلَى الْمَلِيءِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ فِي الدَّيْنِ الْمَظْنُونِ " إنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُزَكِّهِ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ، فِي مَادَّةِ " ظَنَّ " بِالْمُعْجَمَةِ: وَكَصَبُورٍ مِنْ الدُّيُونِ مَا لَا يَدْرِي أَيَقْبِضُهُ آخِذُهُ أَمْ لَا؟ (غَيْرَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إذَا كَانَتْ دَيْنًا لِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِيهَا
فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا (أَوْ) غَيْرِ (دِيَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى قَاتِلٍ، أَوْ عَاقِلَتِهِ فَلَا تُزَكَّى، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ مَالًا زَكَوِيًّا لِأَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ، أَوْ أَحَدُ الْأُصُولِ (أَوْ) غَيْرِ (دَيْنِ سَلَمٍ) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ.
وَالْحَوَالَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ) دَيْنُ السَّلَمِ (أَثْمَانًا) فَتَجِبُ فِيهَا لِوُجُوبِهَا فِي عَيْنِهَا (أَوْ) يَكُنْ دَيْنُ السَّلَمِ (لِتِجَارَةٍ) فَتَجِبُ فِي قِيمَتِهَا، كَسَائِرِ عُرُوضِهَا (وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي قُلْنَا تَجِبُ زَكَاتُهُ (مَجْحُودًا بِلَا بَيِّنَةٍ) لِأَنَّ جَحْدَهُ لَا يُزِيلُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ (وَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ) أَيْ الدَّيْنِ (إنْ سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا إسْقَاطٍ) كَصَدَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ بِفَسْخٍ مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ تَنَصَّفَ لِطَلَاقِهِ.
وَكَدَيْنٍ بِذِمَّةِ رَقِيقٍ يَمْلِكُهُ رَبُّ الدَّيْنِ، وَكَثَمَنِ نَحْوِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِتَلَفٍ قَبْلَ قَبْضِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلَا تَلْزَمُ فِي شَيْءٍ تَعَذَّرَ حُصُولُهُ قُلْت: وَمِثْلُهُ مَوْهُوبٌ لَمْ يُقْبَضْ رَجَعَ فِيهِ وَاهِبٌ بَعْدَ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ (وَإِلَّا) يَسْقُطُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا إسْقَاطٍ (فَلَا) تَسْقُطْ زَكَاتُهُ (فَيُزَكِّي) الدَّيْنَ (إذَا قَبَضَ) أَوْ عُوِّضَ عَنْهُ أَوْ أَحَالَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ (أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ لِمَا مَضَى) مِنْ السِّنِينَ، وَلَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَيَجْرِي إخْرَاجُهَا) أَيْ زَكَاةِ الدَّيْنِ (قَبْلَ) قَبْضِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ لِقِيَامِ الْوُجُوبِ عَلَى رَبِّهِ، وَعَدَمُ إلْزَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ إذَنْ رُخْصَةٌ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ (وَلَوْ قَبَضَ) رَبُّ دَيْنٍ مِنْهُ (دُونَ نِصَابٍ) زَكَّاهُ.
وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ (أَوْ كَانَ بِيَدِهِ) دُونَ نِصَابٍ (وَبَاقِيهِ) أَيْ النِّصَابِ (دَيْنٌ، أَوْ غَصْبٌ، أَوْ ضَالٌّ زَكَّاهُ) أَيْ مَا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ مَالِكُ نِصَابٍ مِلْكًا تَامًّا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ كُلَّهُ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ كُلِّهِ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا ظَنَّ رُجُوعَهُ، أَيْ الضَّالِّ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ زَكَّتْ) امْرَأَةٌ (صَدَاقَهَا كُلَّهُ) بَعْدَ الْحَوْلِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهَا.
(ثُمَّ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ (بِطَلَاقِهِ) أَيْ الزَّوْجِ أَوْ خُلْعِهِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ (رَجَعَ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِكُلِّ حَقِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ فَلَوْ أَصْدَقَهَا ثَمَانِينَ فَحَالَ الْحَوْلُ وَزَكَّتْهَا أَوْ لَا رَجَعَ بِأَرْبَعِينَ وَتَسْتَقِرُّ الزَّكَاةُ عَلَيْهَا (وَلَا تُجْزِئُهَا زَكَاتُهَا مِنْهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (بَعْدَ) طَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (وَيُزَكِّي مُشْتَرٍ مَبِيعًا مُعَيَّنًا) كَنِصَابِ سَائِمَةٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ مِنْ قَطِيعٍ مُعَيَّنٍ (أَوْ) مَبِيعًا (مُتَمَيِّزًا) كَهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ قَالَ: فَكُلُّ مُتَمَيِّزَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَيِّنَةٍ مُتَمَيِّزَةً (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ) - أَيْ الْمَبِيعَ الْمُتَعَيِّنَ وَالْمُتَمَيِّزَ - مُشْتَرٍ (حَتَّى انْفَسَخَ) الْبَيْعُ (بَعْدَ الْحَوْلِ) لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ لَا مِنْ أَصْلِهِ (وَمَا عَدَاهُمَا) أَيْ الْمُتَعَيِّنِ وَالْمُتَمَيِّزِ، كَأَرْبَعِينَ شَاةً مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَحَلَّ الْحَوْلُ قَبْلَ قَبْضِهَا يُزَكِّيهَا (بَائِعٌ) لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرٍ إلَّا بِقَبْضِهَا لِعَدَمِ تَعْيِينِهَا، قُلْت: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ إنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ أَوْ أَثَمَانًا زَكَّاهُ مُشْتَرٍ، وَفِي تَمْثِيلِهِ فِي شَرْحِهِ بِنِصْفِ زُبْرَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَزْنُهَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ: نَظَرٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا لَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِتَعْيِينِ مَحَلِّهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَوَاشِي ابْنِ قُنْدُسٍ وَكَيْفَ تَجِبُ زَكَاةُ مَالٍ مُعَيَّنٍ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ؟ .
(وَ) الرَّابِعُ (تَمَامُ الْمِلْكِ) فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي مُقَابَلَةِ تَمَامِ النِّعْمَةِ، وَالْمِلْكُ النَّاقِصُ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ تَامَّةٍ (وَلَوْ) كَانَ تَمَامُ الْمِلْكِ (فِي مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ سَائِمَةٍ) نَصًّا إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَلِأَنَّ
الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلَاكِهِ وَمِنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَغَلَّةٍ شَجَرٍ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ نَصًّا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَيْسَا وَقْفًا بِدَلِيلِ بَيْعِهِمَا وَيُخْرِجُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهَا أَيْ السَّائِمَةِ فَيُخْرِجُ عَنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَشَجَرٍ مِنْهَا لِمَا مَرَّ، وَأَمَّا السَّائِمَةُ فَيُخْرِجُ عَنْهَا لَا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْمَوْقُوفِ.
وَمَعْنَى تَمَامِ الْمِلْكِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَفَوَائِدُهُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي بِمَعْنَاهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى سَيِّدِ مُكَاتَبٍ فِي دَيْنِ كِتَابَةٍ لِنَقْصِ مِلْكِهِ فِيهِ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ بِحَالٍ وَعَدَمِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ وَضَمَانُهُ وَمَا قَبَضَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْحَوْلَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَكَمُسْتَفَادٍ.
وَكَذَا إنْ عَجَزَ وَبِيَدِهِ شَيْءٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حِصَّةِ مُضَارِبٍ مِنْ رِبْحٍ قَبْلَ قِسْمَةٍ وَلَوْ مُلِّكَتْ حِصَّتُهُ لَهُ بِالظُّهُورِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَمِلْكُهُ نَاقِصٌ وَيُزَكِّي رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ رِبْحٍ نَصًّا كَالْأَصْلِ تَبَعًا لَهُ كَأَنْ دَفَعَ أَلْفًا مُضَارَبَةً عَلَى النِّصْفِ فَحَالَ الْحَوْلُ وَرَبِحَ أَلْفَيْنِ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ وَإِذَا أَدَّاهَا - أَيْ زَكَاةَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ - رَبُّهُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ مَا يُنْقِصُهُ وَإِنْ أَدَّى زَكَاتَهُ مِنْهُ تُحْسَبُ زَكَاتُهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ وَمِنْ قَدْرِ حِصَّتِهِ أَيْ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ فَيُنْقِصُ رُبْعَ عَشْرِ رَأْسِ الْمَالِ مَعَ رُبْعِ عُشْرِ حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ وَلَا تُحْسَبُ كُلُّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَحْدَهُ وَلَا مِنْ الرِّبْحِ وَحْدَهُ.
وَلَيْسَ لِعَامِلٍ إخْرَاجُ زَكَاةٍ تَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ بِلَا إذْنِهِ نَصًّا فَيَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ وَلِيًّا لَهُ وَلَا وَكِيلًا عَنْهُ وَيَصِحُّ شَرْطُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ زَكَاةِ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ الرِّبْحِ وَثُمُنَ عُشْرِهِ مَثَلًا، وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ زَكَاةِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ زَكَاةِ بَعْضِهِ مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّهُ قَدْ يُحَطُّ بِالرِّبْحِ كَشَرْطِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِنِصَابٍ إذَا حَالَ الْحَوْلُ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِهَذَا النِّصَابِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ فِي الْحَوْلِ، وَيُجْزِئُهُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ وَيَبْرَأُ نَاذِرٌ مِنْ زَكَاةٍ وَنَذْرٍ بِقَدْرِ مَا يُخْرِجُ مِنْهُ أَيْ النِّصَابِ الْمَنْذُورِ الصَّدَقَةَ بِهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ بِنِيَّتِهِ أَيْ: الْمُخْرِجِ (عَنْهُمَا) أَيْ:
الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَقَةٌ كَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ.
وَ (لَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) نِصَابٍ (مُعَيَّنٍ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) أَوْ بِبَعْضِهِ، وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَالَ الْحَوْلُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ نَقْصِهِ.
وَمَفْهُومُهُ: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنِصَابٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَحَالَ الْحَوْلُ تَجِبُ زَكَاتُهُ لَكِنْ يَأْتِي: لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (مَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَعَلَى الْفُقَرَاءِ (أَوْ) مَوْقُوفٍ عَلَى (مَسْجِدٍ) أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَالِكِ (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (غَنِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ) مِنْ أَجْنَاسٍ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَسْمَهَا بِرَأْيِهِ فَيُعْطِي كُلًّا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءَ بِخِلَافِ مِيرَاثٍ (إلَّا) إنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ، فَبِعَقْدِ الْحَوْلِ عَلَيْهَا (إنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ) فِي الْغَانِمِينَ (نِصَابًا) لِتَعَيُّنِ مِلْكِهِ فِيهِ.
(وَلَا) تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا (إنْ بُنِيَ عَلَى الْخُلْطَةِ) وَيَأْتِي: أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُخْرَجُ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالدَّيْنِ (وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) مَالِ (فَيْءٍ وَ) لَا فِي (خُمُسِ) غَنِيمَةٍ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصَّرْفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (وَ) لَا فِي (نَقْدٍ مُوصًى بِهِ فِي وُجُوهِ بِرٍّ، أَوْ) مُوصَى (أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ وَقْفًا، وَلَوْ رَبِحَ) لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَالِكِهِ (وَالرِّبْحُ كَأَصْلٍ) لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ فَيُصْرَفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَيَضْمَنُ إنْ خَسِرَ نَصًّا.
وَالْمَالُ الْمُوصَى بِهِ يُزَكِّيهِ مَنْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ وَيُحْتَمَلُ: لَا زَكَاةَ إنْ وَصَّى بِهَا أَبَدًا ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَلَا) زَكَاةَ (فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ (بِنَقْصِ النِّصَابِ) بَاطِنًا كَانَ الْمَالُ، كَأَثْمَانٍ وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ، أَوْ ظَاهِرًا، كَمَاشِيَةٍ وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ.
لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ".
وَفِي لَفْظٍ " مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ ; وَلْيَتْرُكْ بَقِيَّةَ مَالِهِ " وَقَدْ قَالَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يُنْكِرُوهُ،.
وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغَنِيِّ وَحَاجَةُ الْمَدِينِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ كَحَاجَةِ الْفَقِيرِ أَوْ أَشَدَّ.
وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حَاجَةِ الْمَالِكِ لِدَفْعِ حَاجَةِ غَيْرِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (كَفَّارَةً وَنَحْوَهَا) كَنَذْرٍ (أَوْ) كَانَ (زَكَاةَ غَنَمٍ عَنْ إبِلٍ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، فَمُنِعَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.
وَفِي الْحَدِيثِ «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» وَالزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ تَمْتَنِعُ بِالْأَوْلَى (إلَّا مَا) أَيْ دَيْنًا
(بِسَبَبِ ضَمَانٍ) فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّهُ فَرْعُ أَصْلٍ فِي لُزُومِ الدَّيْنِ فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِأَصْلِهِ: لِتَرَجُّحِهِ.
وَفِي مَنْعِ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِهِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَلَا قَائِلَ بِتَوْزِيعِهِ عَلَى الْجِهَتَيْنِ فَلَوْ غَصَبَ أَلْفًا، ثُمَّ غَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ اسْتَهْلَكَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَلْفٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الثَّانِي وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْأَلْفَ لَرَجَعَ بِهِ عَلَى الثَّانِي (أَوْ) إلَّا دَيْنًا بِسَبَبِ (حَصَادٍ، أَوْ جِذَاذٍ، أَوْ دِيَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَتَصْفِيَةٍ، لِسَبْقِ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ الدَّيْنُ النِّصَابَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ لِمَا سَبَقَ وَيُزَكِّي مَا فِيهِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَمَتَى بَرِئَ) مَدِينٌ مِنْ دَيْنٍ بِنَحْوِ قَضَاءٍ مِنْ مَالٍ مُسْتَحْدَثٍ أَوْ أُبْرِئَ (ابْتَدَأَ حَوْلًا) مُنْذُ بَرِئَ لِأَنَّ مَا مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنَعَ انْعِقَادَ الْحَوْلِ وَقَطَعَهُ.
(وَيَمْنَعُ أَرْشُ جِنَايَةِ عَبْدِ التِّجَارَةِ زَكَاةَ قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ جَبْرًا لَا مُوَاسَاةً بِخِلَافِ الزَّكَاةِ.
(وَمَنْ لَهُ عَرْضُ قِنْيَةٍ يُبَاعُ لَوْ أَفْلَسَ) أَيْ لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، بِأَنْ كَانَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ (يَفِي) الْعَرْضُ (بِدَيْنِهِ) الَّذِي عَلَيْهِ وَمَعَهُ مَالٌ زَكَوِيٍّ (جَعَلَ) الدَّيْنَ (فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ (وَلَا يُزَكِّيهِ) لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ وَلِأَنَّ عَرْضَ الْقِنْيَةِ كَمَلْبُوسِهِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ لِتِجَارَةٍ زُكِّيَ مَا مَعَهُ نَصًّا (وَكَذَا مَنْ بِيَدِهِ أَلْفٌ) لَهُ (وَلَهُ عَلَى مَلِيءٍ دَيْنُ أَلْفٍ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ) دَيْنٌ فَيَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بِيَدِهِ فَلَا يُزَكِّيهِ يُزَكِّي الدَّيْنَ إذَا قَبَضَهُ (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ) وُجُوبَ (خُمُسِ زَكَاةٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ حَقِيقَةً كَمَا يَأْتِي فِي بَيَانِ مَصْرِفِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِصَابٌ.
(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ (لِ) وُجُوبِ زَكَاةٍ فِي (أَثْمَانٍ وَمَاشِيَةٍ) وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ: مُضِيُّ حَوْلٍ عَلَى نِصَابٍ تَامٍّ لِحَدِيثِ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رِفْقًا بِالْمَالِكِ وَلْيَتَكَامَلْ النَّمَاءُ فَيُوَاسِي مِنْهُ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضَابِطٍ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَارِبِ فَيَفْنَى الْمَالُ.
أَمَّا الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالْمَعْدِنُ وَنَحْوُهُ فَهِيَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا، تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا عِنْدَ وُجُودِهَا ثُمَّ لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْدِنُ أَثْمَانًا وقَوْله تَعَالَى ﴿: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] يَنْفِي اعْتِبَارَ الْحَوْلِ فِي الْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا " (وَيُعْفَى فِيهِ) أَيْ الْحَوْلِ (عَنْ نِصْفِ يَوْمٍ) صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
وَكَمَا يُعْفَى فِي
نِصَابِ أَثْمَانٍ عَنْ حِبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ (لَكِنْ يَسْتَقْبِلُ) أَيْ يَبْتَدِئُ الْحَوْلَ (بِصَدَاقٍ وَأُجْرَةٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ مُعَيَّنَيْنِ وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْ عَقْدٍ) لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ فَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ مَنْ وَجَبَ لَهُ (وَ) يَسْتَقْبِلُ (بِمِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ (مِنْ) حِينِ (تَعْيِينٍ) لَا عَقْدٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفٌ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ إلَّا بِهِ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ النِّصَابَيْنِ، أَوْ عَلَى نِصَابٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي رَجَبٍ مَثَلًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ إلَّا فِي الْمُحَرَّمِ، فَهُوَ ابْتِدَاءُ حَوْلِهِ وَلَوْ أَجَرَ وَنَحْوَهُ بِمَوْصُوفٍ فِي ذِمَّةٍ وَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ فَدَيْنٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقِيَاسُهُ نَحْوَ ثَمَنٍ وَعِوَضِ صُلْحٍ (وَيَتْبَعُ نِتَاجُ) بِكَسْرِ النُّونِ (السَّائِمَةِ) الْأَصْلَ فِي حَوْلِهِ، إنْ كَانَ نِصَابًا لِقَوْلِ عُمَرَ " اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلَا تَأْخُذُهَا مِنْهُمْ " رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ " عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ " وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِلَادَتِهَا فَإِفْرَادُ كُلٍّ بِحَوْلٍ يَشُقُّ فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّاتِهَا، كَمَا تَبِعَتْهَا فِي الْمِلْكِ (وَ) يَتْبَعُ (رِبْحُ التِّجَارَةِ) وَهِيَ التَّصَرُّفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلرِّبْحِ وَهُوَ الْفَضْلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ (الْأَصْلَ) أَيْ رَأْسَ الْمَالِ (فِي حَوْلِهِ إنْ كَانَ) الْأَصْلُ (نِصَابًا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ: وَمَا عَدَا النِّتَاجَ وَالرِّبْحَ مِنْ الْمُسْتَفَادِ وَلَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَيُضَمُّ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَصْلُ نِصَابًا (فَحَوْلُ الْجَمِيعِ) أَيْ الْأُمَّاتِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ رَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ (مِنْ حِينِ كَمُلَ) النِّصَابُ فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ بَقَرَةً فَوَلَدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا فَحَوْلُهَا مُنْذُ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ أَوْ مَلَكَ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِضَّةً وَرَبِحَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَنِصَابُهَا مُنْذُ كَمُلَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فَنُتِجَتْ سَخْلَةٌ انْقَطَعَ الْحَوْلُ وَكَذَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ جَنِينُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نُتِجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ (وَحَوْلُ صِغَارٍ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مِنْ حِينِ مَلَكَ ك) حَوْلِ (كِبَارٍ) لِعُمُومِ نَحْوِ حَدِيثِ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلِأَنَّهَا تُعَدُّ مَعَ غَيْرِهَا فَتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً كَالْأُمَّاتِ.
وَقَيَّدَهُ فِي الْإِقْنَاعِ - كَالْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ بِمَا إذَا كَانَتْ تَتَغَذَّى بِغَيْرِ اللَّبَنِ لِاعْتِبَارِ السَّوْمِ وَلَا يَبْنِي وَارِثٌ عَلَى حَوْلِ مُورَثِهِ (وَمَتَى نَقَصَ) النِّصَابُ مُطْلَقًا
انْقَطَعَ حَوْلُهُ (أَوْ بِيعَ) النِّصَابُ بَيْعًا صَحِيحًا وَلَوْ بِخِيَارٍ انْقَطَعَ حَوْلٌ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ (أَوْ أُبْدِلَ مَا) أَيْ نِصَابٌ (تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَإِبْدَالِ بَقَرٍ بِغَيْرِهَا أَوْ إبِلٍ بِغَيْرِهَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِ: مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ: مَا تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ، كَعُرُوضِ تِجَارَةٍ فَلَا يَنْقَطِعُ حَوْلُهَا بِبَيْعِهَا أَوْ إبْدَالِهَا (لَا فِرَارًا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (انْقَطَعَ حَوْلُهُ) أَيْ النِّصَابِ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ إقَالَةٍ أَوْ فَسْخٍ بِنَحْوِ عَيْبٍ وَرُجُوعِ وَاهِبٍ فِي هِبَةٍ، وَوَقْفٍ وَهِبَةٍ، وَجَعَلَهُ ثَمَنًا وَمُثَمَّنًا، أَوْ صَدَاقًا أَوْ أُجْرَةً وَنَحْوَهُ (إلَّا فِي ذَهَبٍ) بِيعَ أَوْ أُبْدِلَ (بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسِهِ) كَفِضَّةٍ بِذَهَبٍ،
فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ فَهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ (وَيُخْرِجُ) مَنْ أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسِهِ (مِمَّا مَعَهُ) عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْآخَرِ كَمَا يَأْتِي (وَ) إلَّا (فِي أَمْوَالِ الصَّيَارِفِ) فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِإِبْدَالِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ يَنْمُو وَوُجُوبُهَا فِي مَالٍ لَا يَنْمُو،
وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي عَكْسَهُ وَ (لَا) يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ إذَا بِيعَ أَوْ أُبْدِلَ مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ (بِجِنْسِهِ) نَصًّا وَإِنْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُ لِأَنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْلِ فَبَنَى حَوْلَهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ كَالْعُرُوضِ (فَلَوْ أَبْدَلَهُ) أَيْ النِّصَابَ (بِأَكْثَرَ) مِنْ جِنْسِهِ (زَكَّاهُ) أَيْ الْأَكْثَرَ (إذَا تَمَّ حَوْلُ) النِّصَابِ (الْأَوَّلِ كَنِتَاجٍ) نَصًّا فَمِنْ عِنْدَهُ مِائَةٌ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةً فَأَبْدَلَهَا بِمِائَتَيْنِ زَكَّاهُمَا وَبِالْعَكْسِ يُزَكِّي مِائَةً وَبِأَنْقَصَ مِنْ نِصَابٍ انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
(وَإِنْ فَرَّ) مِنْهَا أَيْ الزَّكَاةِ فَتَحَيَّلَ عَلَى إسْقَاطِهَا فَنَقَصَ النِّصَابُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَبْدَلَهُ (لَمْ تَسْقُطْ بِإِخْرَاجِ) النِّصَابِ أَوْ بَعْضِهِ (عَنْ مِلْكِهِ) وَلَا بِإِتْلَافِهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ كَوَارِثٍ قَتَلَ مُورَثَهُ وَمَرِيضٍ طَلَّقَ فِرَارًا وَقَدْ عَاقَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَارِّينَ مِنْ الصَّدَقَةِ كَمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ ﴿: إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17]- الْآيَاتِ " وَلِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى إسْقَاطِهَا جُمْلَةً لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ الشُّحِّ.
(وَيُزَكِّي) مَنْ نَقَصَ النِّصَابَ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فِرَارًا (مِنْ جِنْسِ) النِّصَابِ (الْمَبِيعِ) وَنَحْوِهِ (لِذَلِكَ الْحَوْلِ) الَّذِي فَرَّ فِيهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ الَّذِي انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْوُجُوبِ دُونَ مَا بَعْدَهُ (وَإِنْ اُدْعِي) مَالِكُ نِصَابٍ نَقَصَ مِنْهُ
أَوْ بَاعَ وَنَحْوَهُ (عَدَمَهُ) أَيْ الْفِرَارِ (وَثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (قَرِينَةُ) فِرَارٍ (عُمِلَ بِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ وَرُدَّ قَوْلُهُ لِدَلَالَتِهَا عَلَى كَذِبِهِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ (قُبِلَ قَوْلُهُ) فِي عَدَمِ الْفِرَارِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِذَا مَضَى) الْحَوْلُ أَوْ بَدَا صَلَاحُ حَبٍّ وَثَمَرٍ وَنَحْوِهِ (وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي تُجْزِئُ زَكَاتُهُ مِنْهُ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ فَأَكْثَرَ سَائِمَةٍ وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24] «وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَقَوْلِهِ «: فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَنَظَائِرِهَا " وَفِي " لِلظَّرْفِيَّةِ أَصَالَةً
، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْمَالِ وَصِفَاتِهِ حَتَّى وَجَبَ فِي الْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ بِحَسَبِهِ فَكَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِهِ لَا بِالذِّمَّةِ وَعَكْسُ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَجَوَازُ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ عَيْنِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ رُخْصَةٌ (فَفِي نِصَابٍ) فَقَطْ كَعِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً أَوْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً (لَمْ يُزَكِّ) ذَلِكَ النِّصَابَ (حَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ حَوْلَيْنِ (زَكَاةً وَاحِدَةً) لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ مَلَكَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِنَقْصِهِ عَنْ النِّصَابِ بِمَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ (إلَّا مَا زَكَاتُهُ الْغَنَمُ مِنْ الْإِبِلِ) كَمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا إذَا مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ وَلَمْ يُزَكِّهِ (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةٌ) لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِذِمَّتِهِ لَا بِالْمَالِ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ إبِلٍ وَمَضَى أَحْوَالٌ لَمْ يَجِبْ غَيْرُ شَاةٍ لِلْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا، لِأَنَّهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ فَيَنْقُصُ بِهَا النِّصَابُ فِيمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَيَنْقَطِعُ.
(وَمَا زَادَ عَلَى نِصَابٍ) مِمَّا زَكَاتُهُ فِي عَيْنِهِ (يُنْقَصُ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَوْلٍ) مَضَى (بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ فَيَنْقُصُ بِقَدْرِهَا فَلَوْ مَلَكَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ غَنَمٍ، وَمَضَى حَوْلَانِ فَأَكْثَرُ فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ شَاتَانِ وَلِمَا بَعْدَهُ شَاةٌ، حَتَّى تَنْقُصَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ وَمَضَى أَحْوَالٌ فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلِمَا بَعْدَهُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَتَعَلُّقُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ بِمَا تَجِبُ فِيهِ (ك) تَعَلُّقِ (أَرْشِ جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ جَانٍ (لَا كَ) تَعَلُّقِ (دَيْنٍ بِرَهْنٍ أَوْ) تَعَلُّقِ دَيْنٍ (بِمَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ وَلَا) كَ (تَعَلُّقِ شَرِكَةٍ) بِمَالٍ مُشْتَرَكٍ (فَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (إخْرَاجُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ النِّصَابِ كَمَا لِسَيِّدِ الْجَانِي فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ ثَمَنِهِ (وَالنَّمَاءُ بَعْدَ وُجُوبِهَا) أَيْ
الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ الْمَالِكِ، كَوَلَدِ الْجَانِيَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَكَذَا نَمَاءُ النِّصَابِ وَنِتَاجُهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ فَلَا تَكُونُ الْفُقَرَاءُ فِيهِ شُرَكَاءَ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ النِّصَابَ مَالِكُهُ (لَزِمَهُ مَا وَجَبَ فِيهِ) مِنْ الزَّكَاةِ (لَا قِيمَتُهُ) أَيْ النِّصَابِ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَانِي مَالِكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ (وَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (التَّصَرُّفُ) فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ) كَهِبَةٍ أَوْ صَدَاقٍ كَمَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي الْجَانِي بِخِلَافِ رَاهِنٍ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَشَرِيكٍ.
(وَلَا يَرْجِعُ بَائِعٌ) لِمَا تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهِ (بَعْدَ لُزُومِ بَيْعِهِ فِي قَدْرِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ كَبَائِعِ الْجَانِي (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ) أَيْ إنَّ تَعَذَّرَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ إذَنْ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ كَمَا لَوْ بَاعَ جَانِيًا وَأَعْسَرَ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ (وَلِمُشْتَرٍ الْخِيَارُ) بِرُجُوعِ بَائِعٍ بِقَدْرِهَا لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ مُشْتَرٍ جَانٍ.
وَلِبَائِعٍ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ فَيَبْطُلُ فِي قَدْرِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ) لِوُجُوبِ زَكَاةٍ (إمْكَانُ أَدَائِهَا) مِنْ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَالْغَائِبِ وَالضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ لِلْعُمُومَاتِ وَكَدَيْنِ الْآدَمِيِّ لَكِنْ يُعْتَبَرُ لِلُزُومِ الْإِخْرَاجِ فَلَا يَلْزَمُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ حُصُولٍ بِيَدِهِ وَتَقَدَّمَ (وَلَا) يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا أَيْضًا (بَقَاءُ مَالٍ) وَجَبَتْ فِيهِ فَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِهِ فَرَّطَ أَوْ لَا لِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا بِيَدِهِ كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْجَانِيَ (إلَّا إذَا تَلِفَ ثَمَرٌ أَوْ زَرْعٌ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ) فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا كَمَا سَقَطَ الثَّمَنُ إذَا تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ بِجَائِحَةٍ وَأَوْلَى وَعِبَارَةُ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ: قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَهِيَ أَنْسَبُ بِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ وَعِبَارَةُ الْمَجْدِ وَمُتَابِعِيهِ: قَبْلَ أَخْذِهِ وَتَقَدَّمَ تَسْقُطُ زَكَاةُ الدَّيْنِ إذَا سَقَطَ بِغَيْرِ قَبْضٍ وَلَا إبْرَاءٍ وَلَا يَضْمَنُ زَكَاةَ دَيْنٍ فَاتَ بِمَوْتِ مَدِينٍ مُفْلِسٍ وَنَحْوِهِ.
(وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصًّا وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا كَالْعُشْرِ وَلِحَدِيثِ " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " وَلِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ أَشْبَهَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ.
(وَ) زَكَاةً (مَعَ دَيْنٍ بِلَا رَهْنٍ وَضِيقِ مَالٍ) تَرَكَهُ مَيِّتٌ عَنْ زَكَاةٍ وَدَيْنٍ (يَتَحَاصَّانِ) أَيْ الزَّكَاةُ وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ نَصًّا لِلتَّزَاحُمِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، قُلْت: مُقْتَضَى تَعَلُّقِهَا بِعَيْنِ الْمَالِ تَقْدِيمُهَا عَلَى دَيْنٍ بِلَا رَهْنٍ (وَ) دَيْنٍ (بِهِ) أَيْ بِرَهْنٍ
(يُقَدَّمُ) فَيُوفِي مُرْتَهِنٌ دَيْنَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَهُ شَيْءٌ صُرِفَ فِي الزَّكَاةِ وَكَذَا جَازَ (بَعْدَ نَذْرٍ) لِصَدَقَةٍ (بِمُعَيَّنٍ) وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَتَحَاصَّانِ، فَإِنْ كَانَ نَذْرٌ بِمُعَيَّنٍ قُدِّمَ لِوُجُوبِ عَيْنِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ (أُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ) فَإِنْ كَانَتْ قُدِّمَتْ مُطْلَقًا لِتَعْيِينِهَا فَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَبْحٍ وَتَفْرِقَةٍ وَأَكْلٍ (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ حَيٌّ) وَلَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ فَيَخْرُجُ ثُمَّ دَيْنٌ بِرَهْنٍ ثُمَّ يُتَحَاصُّ بَقِيَّةُ دُيُونِهِ مِنْ زَكَاتِهِ وَغَيْرِهَا.
[بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ]
زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ.
وَبَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِالصِّدِّيقِ فِي كَتْبِهِ لِأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ مُفَرَّقًا.
وَخَرَجَ بِالسَّائِمَةِ الْمَعْلُوفَةُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِمَفْهُومِ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ،
وَحَدِيثِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا «وَفِي الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ» الْحَدِيثُ وَفِي آخِرِهِ أَيْضًا «إذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» فَقَيَّدَ بِالسَّوْمِ وَأَبْدَلَ الْبَعْضَ مِنْ الْكُلِّ وَأَعَادَ الْمُقَيَّدَ مَرَّةً أُخْرَى وَذَلِكَ دَلِيلُ اشْتِرَاطِهِ خُصُوصًا مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مُنَاسَبَةٍ.
(وَلَا تَجِبُ إلَّا فِيمَا) أَيْ سَائِمَةٍ (لِدَرٍّ وَنَسْلٍ وَتَسْمِينٍ) فَلَا تَجِبُ فِي سَائِمَةٍ لِلِانْتِفَاعِ بِظَهْرِهَا كَإِبِلٍ تُكْرَى وَتُؤَجَّرُ وَبَقَرِ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ أَكْثَرَ الْحَوْلِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ (وَالسَّوْمُ) الْمُشْتَقُّ مِنْهُ السَّائِمَةُ (أَنْ تَرْعَى) فَالسَّائِمَةُ الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إذَا رَعَتْ وَأَسَمْتهَا إذَا رَعَيْتهَا، وَمِنْهُ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10] " (الْمُبَاحَ) غَيْرَ الْمَمْلُوكِ (أَكْثَرَ الْحَوْلِ) نَصًّا لِأَنَّ عَلَفَ السَّوَائِمِ يَقَعُ عَادَةً فِي السَّنَةِ كَثِيرًا
وَيَنْدُرُ وُقُوعُهُ فِي جَمِيعِهَا لِعُرُوضِ مَوَانِعِهِ مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ وَثَلْجٍ فَاعْتِبَارُهُ فِي كُلِّ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي بَعْضِ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ وَاعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ تَعْدِيلٌ بَيْنَهُمَا وَدَفْعٌ لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا وَالْأَكْثَرُ أَلْحَقُ بِالْكُلِّ فِي
أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ (وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ) أَيْ السَّوْمِ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي سَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا) كَمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زَرْعٍ حَمَلَ السَّيْلَ بَذْرَهُ إلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا (أَوْ) سَائِمَةً (بِفِعْلِ غَاصِبِهَا) بِأَنْ أَسَامَهَا الْغَاصِبُ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَزَرْعٍ غُصِبَ حَبُّهُ فَزَرَعَهُ فَنَبَتَ فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ.
وَ (لَا) تَجِبُ (فِي مَعْتَلَفَةٍ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ غَاصِبٍ لَهَا) أَيْ الْبَهَائِمِ (أَوْ) بِفِعْلِ غَاصِبٍ (لِعَلَفِهَا) مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا أَوْ زَرَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُهُ أَوْ جَمَعَهُ مِنْ مُبَاحٍ فَلَا زَكَاةَ لِعَدَمِ السَّوْمِ (وَعَدَمُهُ) أَيْ السَّوْمِ (مَانِعٌ) مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ وُجُودَهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا.
كَمَا أَنَّ السَّقْيَ بِكُلْفَةٍ أَكْثَرَ الْحَوْلِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْعُشْرِ كُلِّهِ (فَيَصِحُّ أَنْ تُعَجَّلَ) الزَّكَاةُ (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ السَّوْمِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ إذَنْ وَهُوَ الْعَلَفُ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ فَأَكْثَرَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَصِحُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ (وَيَنْقَطِعُ السَّوْمُ شَرْعًا) أَيْ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ (بِقَطْعِهَا) أَيْ الْمَاشِيَةِ (عَنْهُ) أَيْ السَّوْمِ (بِقَصْدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِهَا) أَيْ الْمَاشِيَةِ (وَنَحْوِهِ) كَقَصْدِ جَلْبِ خَمْرٍ أَوْ امْرَأَةٍ يُزْنَى بِهَا عَلَيْهَا (ك) انْقِطَاعِ (حَوْلِ التِّجَارَةِ بِنِيَّةِ قِنْيَةِ عَبِيدِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (لِذَلِكَ) أَيْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) نِيَّةِ قِنْيَةٍ (ثِيَابِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (الْحَرِيرِ لِلُبْسِ مُحَرَّمٍ لَا) يَنْقَطِعُ حَوْلُ السَّوْمِ (بِنِيَّتِهَا) أَيْ السَّائِمَةِ (لِعَمَلٍ) مِنْ حَمْلٍ أَوْ كِرَاءٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْعَمَلِ الَّذِي نَوَيْت لَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَا شَيْءَ فِي إبِلٍ) سَائِمَةٍ (حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) لِحَدِيثِ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» وَبَدَأَ بِالْإِبِلِ تَأَسِّيًا بِكِتَابِ الشَّارِعِ، حِينَ فَرَضَ زَكَاةَ الْأَنْعَامِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ النِّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا (فَفِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا لِحَدِيثِ «وَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَتَكُونُ الشَّاةُ (بِصِفَةِ) إبِلٍ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً (غَيْرَ مَعِيبَةٍ) فَفِي إبِلٍ كِرَامٍ سِمَانٍ شَاةٌ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ.
(وَفِي) الْإِبِلِ (الْمَعِيبَةِ) شَاةٌ (صَحِيحَةٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ) كَشَاةِ الْغَنَمِ، فَمَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا وَقُوِّمَتْ لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا بِمِائَةٍ، وَكَانَتْ الشَّاةُ فِيهَا قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ، ثُمَّ قُوِّمَتْ مِرَاضًا بِثَمَانِينَ، كَانَ نَقْصُهَا بِسَبَبِ الْمَرَضِ عِشْرِينَ، وَذَلِكَ خُمُسِ قِيمَتِهَا صِحَاحًا لَوْ كَانَتْ، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، وَهُوَ الْخُمُسُ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ (وَلَا يُجْزِي) عَنْ خَمْسٍ مِنْ إبِلٍ (بَعِيرٌ)
نَصًّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (وَلَا بَقَرَةٌ) وَلَوْ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ
أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (وَلَا) يُجْزِئُ (نِصْفَا شَاتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَشْقِيصٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ مِنْهُ سُوءُ الشَّرِكَةِ (ثُمَّ) إنْ زَادَتْ إبِلٌ عَلَى خَمْسٍ فَ (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَتَجِبُ) فِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ; وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَجَبَتْ (بِنْتُ مَخَاضٍ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ) أَيْ بِنْتُ الْمَخَاضِ (مَا تَمَّ لَهَا سَنَةٌ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ.
وَالْمَخَاضُ الْحَامِلُ وَهُوَ تَعْرِيفٌ لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ،
(فَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُزَكِّي (وَهِيَ) أَيْ: بِنْتُ الْمَخَاضِ الَّتِي عِنْدَهُ (أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ (خُيِّرَ) مَالِكُهَا (بَيْنَ إخْرَاجِهَا) عَنْهُ (وَ) بَيْنَ (شِرَاءِ مَا) أَيْ بِنْتِ مَخَاضٍ (بِصِفَتِهِ) أَيْ: الْوَاجِبِ وَيُخْرِجُهَا وَلَا يُجْزِئُهُ ابْنُ لَبُونٍ إذَنْ لِوُجُودِ بِنْتِ الْمَخَاضِ صَحِيحَةً فِي مَالِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (مَعِيبَةً أَوْ لَيْسَتْ فِي مَالِهِ فَذَكَرَ) ابْنَ لَبُونٍ (أَوْ خُنْثَى وَلَدِ لَبُونٍ وَهُوَ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهُ قَدْ وَضَعَتْ غَالِبًا فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ.
(وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ وَلَدِ اللَّبُونِ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ قِيمَةِ بِنْتِ الْمَخَاضِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (أَوْ حَقُّ مَا تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرْكَبَ وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى: حِقَّةٌ لِذَلِكَ وَلِاسْتِحْقَاقِهَا طَرْقَ الْفَحْلِ لَهَا (أَوْ جَذَعٍ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: (مَا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنَّةُ ذَكَرِهِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ اسْمٌ لَهُ فِي زَمَنٍ لَيْسَ بِسِنٍّ تَنْبُتُ وَلَا تَسْقُطُ (أَوْ ثَنِيٌّ مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ (وَ) الْحِقُّ وَالْجَذَعُ وَالثَّنِيُّ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ لِزِيَادَةِ سِنِّهِ (بِلَا جُبْرَانٍ) فِي الْكُلِّ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَلَا يُجْبَرُ نَقْصُ الذُّكُورِيَّةِ بِزِيَادَةِ السِّنِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يُجْزِئُ حِقٌّ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَا جَذَعٌ عَنْ حِقَّةٍ وَلَا ثَنِيٌّ عَنْ جَذَعَةٍ مُطْلَقًا، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ مَكَانَ بِنْتِ الْمَخَاضِ لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنَّةٍ عَلَيْهَا يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرْعَى الشَّجَرَ
بِنَفْسِهِ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ (أَوْ) يُخْرِجُ مَنْ عَدِمَ بِنْتَ مَخَاضٍ صَحِيحَةً (بِنْتَ لَبُونٍ) عَنْهَا (وَيَأْخُذُهُ) أَيْ: الْجُبْرَانَ وَيَأْتِي (وَلَوْ وُجِدَ ابْنُ لَبُونٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَيَأْتِي (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ (وَتُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ و) مَا (فَوْقَهَا) عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ (بِلَا جُبْرَانٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الثَّنِيَّةِ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) إجْمَاعًا (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِيمَا كَتَبَ لَهُ الصِّدِّيقُ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ.
(وَيَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ) بِالنِّصَابِ كُلِّهِ (حَتَّى بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الْفَرْضُ) لِأَنَّهَا مِنْ النِّصَابِ (وَلَا شَيْءَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ) وَيُسَمَّى: الْعَفْوَ وَالْوَقَصَ وَالشَّنَقَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ، فَلَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِهِ فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إبِلٍ مَغْصُوبَةٌ وَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ أَدَّى عَنْهُ خُمُسَ شَاةٍ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ مَرْفُوعًا «إنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا» وَلِأَنَّهُ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ كَمَا لَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ الْأَوَّلِ.
وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ مَالِ السَّرِقَةِ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا حَالَةٌ مُنْتَظَرَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ فَوَقَفَ عَلَى بُلُوغِهَا (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ إذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) لِلْأَخْبَارِ فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (مَا) أَيْ: عَدَدًا (يَتَّفِقُ فِيهِ الْفَرْضَانِ كَمِائَتَيْنِ) فِيهَا أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبِعِينَاتٍ (أَوْ أَرْبَعِمِائَةٍ) فِيهَا ثَمَانُ خَمْسِينَاتٍ وَعَشْرُ أَرْبَعِينَاتِ (خَيْرُ) مَخْرَجٍ (بَيْنَ الْحِقَاقِ وَبَيْنَ بَنَاتِ اللَّبُونِ) لِوُجُودِ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنْ الْفَرْضَيْنِ، الْأَوْلَى يَتِمُّ يَأْتِي (وَيَصِحُّ) فِي إخْرَاجٍ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةٍ (كَوْنُ الشَّطْرِ) أَيْ: النِّصْفِ (مِنْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ وَالشَّطْرِ مِنْ) النَّوْعِ (الْآخَرِ) بِأَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ.
وَلَا يُجْزِئُ عَنْ مِائَتَيْنِ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ
وَنِصْفٌ لِلتَّشْقِيصِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ النَّوْعَيْنِ (نَاقِصًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ) وَالْآخَرُ كَامِلًا بِأَنْ كَانَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ وَفِيهِ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ (تَعَيَّنَ الْكَامِلُ) وَهُوَ الْحِقَاقُ ; لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الْأَصْلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ (وَمَعَ عَدَمِهِمَا) أَيْ: النَّوْعَيْنِ (أَوْ عَيْبِهِمَا أَوْ عَدَمِ) كُلِّ سِنٍّ وَجَبَ (أَوْ عَيْبِ كُلِّ سِنٍّ) أَيْ: ذَاتِ سِنٍّ مُقَدَّرٍ (وَجَبَ) فِي إبِلٍ، وَلَهُ أَسْفَلُ كَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ (فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى مَا) أَيْ: سِنٍّ (يَلِيهِ مِنْ أَسْفَلَ وَيَخْرُجُ مَعَهُ جُبْرَانًا أَوْ) كَانَ لَهُ أَعْلَى، كَبِنْتِ مَخَاضٍ، وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ أَنْ يَعْدِلَ (إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ فَوْقُ وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ فِي الصَّدَقَاتِ قَالَ " وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةَ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنْ اسْتَيْسَرَتَا أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ - أَيْ: آخِذُ الصَّدَقَةِ - عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَشَاتَيْنِ " إلَى آخِرِهِ.
(فَإِنْ عُدِمَ مَا) أَيْ: سِنٌّ (يَلِيهِ) أَيْ: الْوَاجِبَ مِنْ مَالٍ مُزَكًّى بِأَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ فَعَدِمَهَا وَالْحِقَّةَ (انْتَقَلَ إلَى مَا بَعْدَهُ) وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِي الْمِثَالِ (فَإِنْ عَدِمَهُ) أَيْ مَا يَلِيهِ وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِيهِ (أَيْضًا انْتَقَلَ إلَى ثَالِثٍ) وَهُوَ بِنْتُ الْمَخَاضِ فَيُخْرِجُهَا عَنْ جَذَعَةٍ مَعَ الْعَدَمِ، وَيُخْرِجُ مَعَهَا ثَلَاثَ جُبْرَانَاتٍ (بِشَرْطِ كَوْنِ ذَلِكَ) الْمُخْرَجِ مَعَ جُبْرَانٍ فَأَكْثَرَ فِي مِلْكِهِ لِلْخَبَرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ فِي مِلْكِهِ (تَعَيَّنَ الْأَصْلُ) الْوَاجِبُ فَيُحَصِّلُهُ وَيُخْرِجُهُ (وَالْجُبْرَانُ شَاتَانُ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا) لِلْخَبَرِ (وَيُجْزِئُ فِي جُبْرَانٍ) وَاحِدٍ (وَ) فِي (ثَانٍ وَثَالِثٍ النِّصْفُ دَرَاهِمَ وَالنِّصْفُ شِيَاهٍ) لِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ،
فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشْرَةٍ جَازَ، وَكَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ مِنْ جِنْسَيْنِ (وَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) وَسَفِيهٍ (إخْرَاجٌ أَوْ دُونَ مُجْزِئٍ) مُرَاعَاةً لِحَظِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (وَلِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ وَلِيِّ مَنْ ذُكِرَ (دَفْعُ سِنٍّ أَعْلَى إنْ كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا) بِلَا أَخْذِ جُبْرَانٍ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ أَقَلُّ مِنْهُ، فَإِذَا دَفَعَ السَّاعِي فِي مُقَابَلَتِهِ جُبْرَانًا كَانَ حَيْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِلْمَالِكِ دَفْعُ سِنٍّ أَسْفَلَ مَعَ الْجُبْرَانِ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْحَيْفِ عَلَيْهِ كَإِخْرَاجِ أَجْوَدَ بِخِلَافِ وَلِيِّ نَحْوِ يَتِيمٍ (وَلَا مَدْخَلَ لِجُبْرَانٍ فِي غَيْرِ إبِلٍ) لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا،
وَغَيْرُهَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَمَنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ وَوَجَدَ دُونَهَا لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى فَإِنْ أَحَبَّ دَفَعَهُ مُتَطَوِّعًا وَإِلَّا حَصَلَ الْوَاجِبُ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ]
فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ، وَدَخَلَتْهَا الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ وَالْبَقَرَاتُ الْجَمْعُ وَالْبَاقِرُ جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْت الشَّيْءَ إذَا شَقَقْته لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحَرْثِ (وَأَقَلُّ نِصَابِ بَقَرٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ ثَلَاثُونَ) «لِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَمَرَنِي الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَنِي إلَى الْيَمَنِ أَنْ لَا آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْئًا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ» " (وَفِيهَا) أَيْ: الثَّلَاثِينَ (تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ: التَّبِيعِ وَالتَّبِيعَةِ (سَنَةٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَهُوَ جَذَعُ الْبَقَرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ وَحَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا (وَيُجْزِي) عَنْ تَبِيعٍ (مُسِنٌّ) وَأَوْلَى.
(وَ) يَجِبُ (فِي أَرْبَعِينَ) مِنْ بَقَرٍ (مُسِنَّةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَفِيهِ «وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ (وَلَهَا) أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سَنَتَانِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَلَقَتْ سِنًّا غَالِبًا وَهِيَ الثَّنِيَّةُ وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرُ هَذَيْنِ السِّنَّيْنِ (وَتُجْزِي أُنْثَى) مِنْ بَقَرٍ (أَعْلَى مِنْهَا) أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سِنًّا) عَنْهَا بِالْأَوْلَى و (لَا) يُجْزِي (مُسِنٌّ) عَنْ مُسِنَّةٍ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَلَا) يُجْزِي عَنْ مُسِنَّةٍ (تَبِيعَانِ) لِذَلِكَ (وَفِي سِتِّينَ) مِنْ بَقَرٍ (تَبِيعَانِ ثُمَّ) إنْ زَادَتْ فَ (فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ و) فِي (كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ مَا) أَيْ: عَدَدًا (يَتَّفِق فِيهِ الْفَرْضَانِ كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَكَإِبِلٍ) .
فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَةَ أَتْبِعَةٍ وثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ لِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ عَنْ «مُعَاذٍ وَفِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، قَالَ: وَأَمَرَنِي الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ سِنًّا إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوْقَاصَ لَا فَرِيضَةَ فِيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَلَا يُجْزِئُ ذَكَرٌ فِي زَكَاةٍ إلَّا هَهُنَا) وَهُوَ التَّبِيعُ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَالْمُسِنُّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ (وَ) إلَّا
(ابْنُ لَبُونٍ وَحِقٌّ وَجَذَعٌ) وَمَا فَوْقَهُ (عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ مَخَاضٍ) عَنْهَا.
وَتَقَدَّمَ (وَ) إلَّا (إذَا كَانَ النِّصَابُ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ كُلُّهُ ذُكُورًا) لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ فَلَا يُكَلِّفُهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ.
[فَصْلٌ زَكَاةِ الْغَنَمِ]
فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُؤَنَّثٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ (وَأَقَلُّ نِصَابِ غَنَمٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ أَرْبَعُونَ) إجْمَاعًا فِي الْأَهْلِيَّةِ فَلَا شَيْءَ فِيمَا دُونَهَا.
(وَ) تَجِبُ (فِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا فِي الْأَهْلِيَّةِ (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاتَانِ) إجْمَاعًا (وَفِي وَاحِدَةٍ وَمِائَتَيْنِ ثَلَاثُ) شِيَاهٍ (إلَى أَرْبَعِمِائَةِ) شَاةً (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ (وَاحِدَةٌ عَنْ كُلِّ مِائَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فِي كِتَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَاتِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، حَتَّى تَوَفَّى، وَعُمَرُ حَتَّى تَوَفَّى وَفِي الْغَنَمِ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا زَادَتْ شَاةً فَفِيهَا شَاتَانِ، إلَى مِائَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَإِذَا زَادَتْ بَعْدُ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ بَعْدُ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ فَإِذَا كَثُرَتْ الْغَنَمُ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ» .
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.
فَفِي خَمْسِمِائَةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ وَفِي سِتِّمِائَةٍ سِتُّ شِيَاهٍ وَهَكَذَا (وَيُؤْخَذُ مِنْ مَعْزٍ ثَنِيٌّ) هُنَا وَفِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ وَفِي جُبْرَانٍ (و) هُوَ مَا تَمَّ (لَهُ سَنَةٌ و) يُؤْخَذُ (مِنْ ضَأْنٍ) كَذَلِكَ (جَذَعٌ و) هُوَ مَا تَمَّ (لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) لِحَدِيثِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ «أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّةَ مِنْ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يُجْزِيَانِ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَكَذَا هُنَا، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ وَلَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ فَإِنْ وَجَدَ الْفَرْضَ فِي الْمَالِ أَخَذَهُ السَّاعِي وَإِنْ كَانَ أَعْلَى خَيَّرَ مَالِكٌ بَيْنَ دَفْعِهِ وَبَيْنَ تَحْصِيلِ وَاجِبٍ فَيُخْرِجُهُ (وَلَا يُؤْخَذُ) فِي زَكَاةٍ (تَيْسٌ حَيْثُ يُجْزِي ذَكَرٌ) لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ (إلَّا تَيْسَ ضِرَابٍ) فَلِسَاعٍ أَخْذُهُ (لِخَيْرِهِ بِرِضَى رَبِّهِ) حَيْثُ تُجْزِي ذَكَرٌ (وَلَا) يُؤْخَذُ فِي زَكَاةٍ (هَرِمَةٌ) أَيْ: كَبِيرَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ (وَلَا مَعِيبَةٌ لَا يُضَحَّى بِهَا) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ كَذَلِكَ) هَرِمَاتٍ أَوْ مَعِيبَاتٍ فَيُجْزِيه مِنْهُ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ فَلَا يُكَلَّفُ إخْرَاجَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ.
(وَلَا)
تُؤْخَذُ (الرُّبَّى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ وَقِيلَ هِيَ الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (حَامِلٌ) لِقَوْلِ عُمَرَ " لَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضُ " (وَلَا) تُؤْخَذُ (طَرُوقَةُ الْفَحْلِ) لِأَنَّهَا تَحْمِلُ غَالِبًا (وَلَا) تُؤْخَذُ (كَرِيمَةٌ) وَهِيَ النَّفِيسَةُ لِشَرَفِهَا (وَلَا) تُؤْخَذُ (أَكُولَةٌ) لِقَوْلِ عُمَرَ " وَلَا أَكُولَةٌ " وَمُرَادُهُ السَّمِينَةُ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أَيْ: الرُّبَّى، وَالْحَامِلُ أَوْ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، أَوْ الْكَرِيمَةُ أَوْ الْأَكُولَةُ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَحِقَهُ وَلَهُ إسْقَاطُهُ (وَتُؤْخَذُ مَرِيضَةٌ مِنْ) نِصَابٍ كُلُّهُ (مِرَاضٌ) وَتَكُونُ وَسَطًا فِي الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عَنْ الْمِرَاضِ إخْلَالٌ بِهَا (وَ) تُؤْخَذُ (صَغِيرَةٌ مِنْ صِغَارِ غَنَمٍ) لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهَا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَدُّونَ الْعَنَاقَ وَيَتَصَوَّرُ كَوْنَ النِّصَابِ صِغَارًا بِإِبْدَالِ كِبَارٍ بِهَا فِي أَثَنَاءِ الْحَوْلِ، أَوْ تَلِدُ الْأُمَّهَاتُ، ثُمَّ تَمُوتُ وَيَحُولُ الْحَوْلُ عَلَى الصِّغَارِ.
و (لَا) تُؤْخَذُ صَغِيرَةٌ مِنْ صِغَارِ (إبِلٍ وَبَقَرٍ فَلَا يُجْزِي فُصْلَانٌ و) لَا (عَجَاجِيلُ) لِفَرْقِ الشَّارِعِ بَيْنَ فَرْضِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِزِيَادَةِ السِّنِّ وَكَذَلِكَ بَيْنَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ (فَيُقَوَّمُ النِّصَابُ مِنْ الْكِبَارِ وَيُقَوَّمُ فَرْضُهُ ثُمَّ تُقَوَّمُ الصِّغَارُ وَيُؤْخَذُ عَنْهَا) أَيْ: الصِّغَارِ (كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ) مُحَافَظَةً عَلَى الْفَرْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِلَا إجْحَافٍ بِالْمَالِكِ (وَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي نِصَابٍ (صِغَارٌ وَكِبَارٌ وَصِحَاحٌ وَمَعِيبَاتٌ وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا أُنْثَى صَحِيحَةً كَبِيرَةً عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) أَيْ: الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَالصِّحَاحِ وَالْمَعِيبَاتِ أَوْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَرِيمَةِ، لِقَوْلِهِ " وَلَكِنْ مِنْ أَوْسَطِ أَمْوَالِهِمْ " وَلِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُخْرَجِ - لَوْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا - عِشْرِينَ وَقِيمَتُهُ - لَوْ كَانَ صِغَارًا مِرَاضًا - عَشْرَةً وَكَانَ النِّصَابُ نِصْفَيْنِ أَخْرَجَ صَحِيحَةً كَبِيرَةً قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ (إلَّا) شَاةً (كَبِيرَةً مَعَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَخْلَةً فَيُخْرِجُهَا أَيْ: الْكَبِيرَةَ وَيُخْرِجُ سَخْلَةً و) إلَّا شَاةً (صَحِيحَةً مَعَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَعِيبَةً فَيُخْرِجُهَا) أَيْ: الصَّحِيحَةَ.
(وَ) يُخْرِجُ (مَعِيبَةً) لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ (فَإِنْ كَانَ) النِّصَابُ (نَوْعَيْنِ) وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ (كَبَخَاتِيٍّ) الْوَاحِدُ بُخْتِيٌّ وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةٌ قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إبِلٌ غِلَاظٌ ذَاتُ سِنَامَيْنِ (وَعِرَابٍ) هِيَ إبِلٌ جُرْدٌ مُلْسٌ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ (أَوْ كَبَقَرٍ وَجَوَامِيسَ أَوْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ أَوْ أَهْلِيَّةٍ وَوَحْشِيَّةٍ) مِنْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ (أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ النَّوْعَيْنِ (عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاءً وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَا عَشَرَ وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ ضَمُّ الْأَنْوَاعِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ (وَ) يَجِبُ (فِي) نِصَابِ (كِرَامٍ وَلِئَامٍ أَوْ) نِصَابِ (سِمَانٍ وَمَهَازِيلَ الْوَسَطُ) نَصًّا.
لِلْخَبَرِ مِنْ أَيْ: النَّوْعَيْنِ شَاءَ (بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) أَيْ: الْكِرَامِ وَاللِّئَامِ أَوْ السِّمَانِ وَالْمَهَازِيلِ عَدْلًا بَيْنَ الْمَالِكِ وَأَهْلِ الزَّكَاةِ (وَمَنْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ) الزَّكَوِيِّ (مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ) كَمَنْ عِنْدَهُ بَقَرٌ فَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ جَوَامِيسَ، أَوْ ضَأْنٌ فَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ الْمَعْزِ بِالْعَكْسِ (جَازَ) لِأَنَّ الْمُخْرَجَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ النَّوْعَانِ فِي مَالِهِ وَأَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) أَيْ: الْمُخْرَجِ (عَنْ الْوَاجِبِ) فِي النَّوْعِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ فَإِنْ نَقَصَ لَمْ تَجُزْ (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (سِنٍّ أَعْلَى مِنْ فَرْضٍ) عَلَيْهِ (مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ: الْفَرْضِ ; لِأَنَّ فِيهِ الْوَاجِبَ وَزِيَادَةً و (لَا) تُجْزِئُ (الْقِيمَةُ) أَيْ: قِيمَةُ مَا وَجَبَ فِي السَّائِمَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ حَبٍّ وَثِمَارٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَتُجْزِئُ بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَحِقَّةٌ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ وَجَذَعَةٌ عَنْ حِقَّةٍ) وَثَنِيَّةٌ عَنْ جَذَعَةٍ (وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُخْرِجِ (الْوَاجِبُ) لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْك فَإِنْ تَطَوَّعْت بِخَيْرٍ آجَرَك اللَّهُ فِيهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
[فَصْلٌ فِي زَكَاة الْخُلْطَةِ]
فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ وَإِذَا اخْتَلَطَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِهَا أَيْ: أَهْلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلَا تَأْثِيرَ لِخُلْطَةِ كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا وَمُكَاتَبٍ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرَقٌ (فِي نِصَابٍ) فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِي نَحْوِ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ شَاةً (مَاشِيَةً) فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِي غَيْرِهَا لِمَا يَأْتِي (لَهُمْ) فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةِ مَغْصُوبٍ (جَمِيعَ الْحَوْلِ) فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِي بَعْضِهِ وَلَوْ أَكْثَرَهُ (خُلْطَةَ أَعْيَانٍ بِكَوْنِهِ) أَيْ النِّصَابِ (مَشَاعًا) بَيْنَ الْخَلِيطَيْنِ أَوْ الْخُلَطَاءِ بِأَنْ مَلَكُوهُ بِنَحْوِ إرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَاسْتَمَرَّ بِلَا قِسْمَةٍ مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاضِلًا (أَوْ) خُلْطَةَ (أَوْصَافٍ بِأَنْ تَمَيَّزَ مَا) أَيْ: الَّذِي (لِكُلٍّ) مِنْ الْخَلِيطَيْنِ أَوْ الْخُلَطَاءِ، كَأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا شَاةٌ وَلِآخَرَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَوْ لِأَرْبَعِينَ إنْسَانًا أَرْبَعُونَ شَاةً لِكُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ نَصَّ عَلَيْهِمَا وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِرَعْيِ أَرْبَعِينَ شَاةً بِشَاةٍ مِنْهَا مُتَمَيِّزَةٍ وَلَمْ يُفْرِدْهَا حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ وَإِنْ كَانَ لِثَلَاثَةٍ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً، لِكُلٍّ أَرْبَعُونَ فَعَلَيْهِمْ شَاةٌ (وَاشْتَرَكَا فِي مُرَاحٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُوَ الْمَبِيتُ وَالْمَأْوَى) لِلْمَاشِيَةِ.
(وَ) فِي (مَسْرَحٍ وَهُوَ مَا تَجْتَمِعُ السَّائِمَةُ فِيهِ لِتَذْهَبَ إلَى الْمَرْعَى وَمَحْلَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَلْبِ) بِأَنْ تُحْلَبَ كُلُّهَا بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ (وَفِي فَحْلٍ بِأَنْ لَا يَخْتَصَّ بِطَرْقِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ) الْمَخْلُوطَيْنِ إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُمَا (وَ) فِي (مَرْعًى وَهُوَ مَوْضِعُ الرَّعْيِ وَوَقْتُهُ، فَكَوَاحِدٍ) جَوَابُ " إذَا " فِي الزَّكَاةِ إيجَابًا وَإِسْقَاطًا لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَا يُجْزِئُ التَّرَاجُعُ إلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ وَقَوْلُهُ " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ " إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْمَالُ لِجَمَاعَةٍ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَضُمُّ مَالَهُ إلَى بَعْضٍ
وَإِنْ كَانَ فِي أَمَاكِنَ، وَلِأَنَّ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا فِي تَخْفِيفِ الْمُؤْنَةِ فَجَازَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي الزَّكَاةِ كَالسَّوْمِ (وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْخُلْطَةِ) بِنَوْعَيْهَا كَنِيَّةِ السَّوْمِ وَالسَّقْيِ بِكُلْفَةٍ، فَتُؤَثِّرُ خُلْطَةٌ وَقَعَتْ اتِّفَاقًا أَوْ بِفِعْلِ رَاعٍ (وَلَا اتِّحَادُ مَشْرَبٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ.
أَيْ: مَكَانِ الشُّرْبِ (وَ) لَا اتِّحَادُ (رَاعٍ) وَاعْتَبَرَهُ فِيهِمَا فِي الْإِقْنَاعِ، وَلَا خَلْطُ لَبَنٍ.
(وَإِنْ بَطَلَتْ) خُلْطَةٌ (بِفَوَاتِ أَهْلِيَّةِ خَلِيطٍ) كَكَوْنِهِ كَافِرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مَدِينًا مُسْتَغْرِقًا دَيْنُهُ مَالَهُ (ضَمَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مَالَهُ) الْخَاصَّ بِهِ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ (زَكَاةً إنْ بَلَغَ نِصَابًا) وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْخُلْطَةِ كَعَدَمِهَا (وَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ لِخَلِيطَيْنِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ بَعْضَ الْحَوْلِ بِأَنْ مَلَكَا نِصَابًا مَعًا) بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَتَمَّ الْحَوْلُ بِلَا قِسْمَةٍ (زَكَّيَاهُ زَكَاةَ خُلْطَةٍ) لِوُجُودِ شُرُوطِ الْخُلْطَةِ مِنْ انْعِقَادِ السَّبَبِ إلَى الْوُجُوبِ.
(وَإِنْ ثَبَتَ) حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَلَوْ قَلَّ (لَهُمَا) أَيْ: الْخَلِيطَيْنِ (بِأَنْ خَلَطَا فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْحَوْلِ (ثَمَانِينَ شَاةً) لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَرْبَعُونَ (زَكَّيَا) لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ (كَمُنْفَرِدَيْنِ) كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً لِوُجُودِ خُلْطَةٍ وَانْفِرَادٍ فِي الْحَوْلِ، فَقَدَّمَ الِانْفِرَادَ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ (وَفِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ زَكَاةُ خُلْطَةٍ) إنْ اسْتَمَرَّتْ ; لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِهِ
فَيَثْبُتُ حُكْمُهَا (فَإِنْ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا فَعَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ شَاةٌ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَالِ (عِنْدَ تَمَامِ) حَوْلِ (هِمَا) لِاتِّفَاقِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: حَوْلَاهُمَا (فَعَلَى كُلٍّ) مِنْهُمَا (نِصْفُ شَاةٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْحَوْلِ لَا يَمْنَعُ حَقِيقَةَ الْخُلْطَةِ وَلَا يَرْفَعُ الْمَقْصُودَ مِنْهَا فِيمَا عَدَا الْحَوْلَ الْأَوَّلَ، فَلَا مَعْنَى لِامْتِنَاعِ حُكْمِهَا فِيهِ (إلَّا إنْ أَخْرَجَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ (الْأَوَّلُ) أَيْ: الَّذِي تَمَّ حَوْلُهُ أَوَّلًا (مِنْ الْمَالِ) الْمُخْتَلَطِ وَهُوَ الثَّمَانُونَ (فَيَلْزَمُ الثَّانِيَ ثَمَانُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ الشَّاةِ) لِأَنَّ حَوْلَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً وَنِصْفِ شَاةٍ، فَتُبْسَطُ أَنْصَافًا فَتَكُنْ مِائَةً وَتِسْعَةً وَخَمْسِينَ فِيهَا شَاةٌ عَلَيْهِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهَا وَهُوَ أَرْبَعُونَ شَاةً مَبْسُوطَةً أَنْصَافًا، وَالْبَاقِي زَكَاةُ مَالِكِهِ أَوَّلًا (ثُمَّ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ) أَيْ الْمَالِ الْمُخْتَلِطِ.
(وَإِنْ ثَبَتَ) حُكْمُ الِانْفِرَادِ (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْخَلِيطَيْنِ (وَحْدَهُ) أَيْ: دُونَ خَلِيطِهِ (بِأَنْ مَلَكَا نِصَابَيْنِ) ثَمَانِينَ شَاةً كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ (فَخَلَطَاهُمَا) أَيْ: النِّصَابَيْنِ (ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا نَصِيبَهُ) مِنْهُمَا وَهُوَ أَرْبَعُونَ شَاةً (أَجْنَبِيًّا) أَيْ: غَيْرَ خَلِيطَةٍ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ مَنْ لَمْ يَبِعْ لَزِمَهُ زَكَاةُ انْفِرَادٍ: شَاةٌ) لِانْفِرَادِهِ عَنْ خَلِيطِهِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي) وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ (لَزِمَهُ زَكَاةُ خُلْطَةِ نِصْفِ شَاةٍ) لِأَنَّهُ خَلِيطٌ فِي جَمِيع الْحَوْلِ (إلَّا إنْ أَخْرَجَ) الْخَلِيطُ (الْأَوَّلُ) الَّذِي لَمْ يَبِعْ (الشَّاةَ) الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ (مِنْ الْمَالِ) أَيْ الثَّمَانِينَ شَاةً (فَيَلْزَمُ الثَّانِيَ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ) لِأَنَّ حَوْلَهُ إذَا تَمَّ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً عَلَيْهِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا.
وَهُوَ أَرْبَعُونَ وَالْبَاقِي أَخْرَجَ شَرِيكُهُ زَكَاتَهُ.
(ثُمَّ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْخَلِيطَيْنِ (لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ) أَيْ: الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي مَالِ الْخُلْطَةِ (كُلِّهِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ) أَيْ: مَالِ الْخُلْطَةِ (وَيَثْبُتُ أَيْضًا حُكْمُ الِانْفِرَادِ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْخَلِيطَيْنِ (يَخْلِطُ مَنْ لَهُ دُونَ نِصَابٍ) كَثَلَاثِينَ شَاةً (بِنِصَابٍ لِآخَرَ بَعْضَ الْحَوْلِ) فَمَالِكُ النِّصَابِ عَلَيْهِ شَاةٌ لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَرَبُّ الثَّلَاثِينَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ إذَا تَمَّ حَوْلُ الْخُلْطَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ لَهُ حَوْلٌ قَبْلَ الْخُلْطَةِ لِنَقْصِ نِصَابِهِ (وَمِنْ بَيْنِهِمَا ثَمَانُونَ شَاةً خُلْطَةً) لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ (فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) كُلَّهُ بِنَصِيبِ الْآخَرِ، أَوْ بَاعَ (دُونَهُ) أَيْ: بَعْضَهُ (بِنَصِيبِ الْآخَرِ) كُلِّهِ (أَوْ دُونَهُ وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُمَا) وَلَا خُلْطَتُهُمَا لِمَا مَرَّ أَنَّ إبْدَالَ النِّصَابِ بِجِنْسِهِ لَا يَقْطَعُ الْحَوْلَ فَلَا تَنْقَطِعُ الْخُلْطَةُ
(وَعَلَيْهِمَا) إذَا حَالَ الْحَوْلُ (زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَفْرَدَاهَا، ثُمَّ تَبَايَعَاهَا، ثُمَّ اخْتَلَطَا، أَوْ كَانَ مَالُ كُلٍّ مُنْفَرِدًا فَاخْتَلَطَا وَتَبَايَعَا فَعَلَيْهِمَا لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ زَكَاةُ انْفِرَادٍ، تَغْلِيبًا لَهُ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا دُونَ حَوْلٍ، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ) أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (مَشَاعًا) غَيْرَ فَارٍّ (أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ: النِّصَابِ (وَبَاعَهُ) أَيْ الْبَعْضَ الْمُعَلَّمَ عَلَيْهِ (مُخْتَلِطًا أَوْ) بَاعَهُ (مُنْفَرِدًا ثُمَّ اخْتَلَطَا انْقَطَعَ الْحَوْلُ) بِالْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ وَمَا لَمْ يَبِعْهُ لِنَقْصِهِ (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ) كَثَمَانِينَ مِنْ غَنَمٍ (ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا) أَيْ: النِّصَابَيْنِ (مَشَاعًا) بِأَنْ بَاعَ نِصْفَ الثَّمَانِينَ (قَبْلَ الْحَوْلِ ثَبَتَ لَهُ) أَيْ الْبَائِعِ (حُكْمُ الِانْفِرَادِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا قَبْلَ الْبَيْعِ (وَعَلَيْهِ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ مُنْفَرِدٍ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ لَهُ (وَعَلَى مُشْتَرٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ خَلِيطٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ أَصْلًا وَكَذَا إنْ أَعْلَمَ عَلَى النِّصْفِ وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، وَإِنْ أَفْرَدَهُ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ.
(وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا ثُمَّ) مَلَكَ (أَخَّرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ كَأَرْبَعِينَ شَاةً مَلَكَهَا فِي الْمُحَرَّمِ ثُمَّ) مَلَكَ (أَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ فَقَطْ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَزِدْ الْوَاجِبُ عَلَى شَاةٍ كَمَا لَوْ اتَّفَقَ الْحَوْلَانِ (وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ) أَيْ بِمَا مَلَكَهُ ثَانِيًا الْفَرْضُ (كَمِائَةٍ) مَلَكَهَا فِي صَفَرٍ بَعْدَ مِلْكِهِ أَرْبَعِينَ فِي الْمُحَرَّمِ (زَكَّاهُ) أَيْ النِّصَابَ الثَّانِيَ وَهُوَ الْمِائَةُ (إذَا تَمَّ حَوْلُهُ) كَمَا لَوْ اتَّفَقَ.
حَوْلَاهُمَا (وَقَدْرُهَا) أَيْ زَكَاةِ الثَّانِي (بِأَنْ يُنْظَرَ إلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ) وَهُوَ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ فِي الْمِثَالِ (فَيَسْقُطُ مِنْهَا) أَيْ: زَكَاةِ الْجَمِيعِ (مَا وَجَبَ فِي) النِّصَابِ (الْأَوَّلِ) وَهُوَ شَاةٌ (وَيَجِبُ الْبَاقِي) مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيع (فِي) النِّصَابِ (الثَّانِي وَهُوَ شَاةٌ) وَلَوْ مَلَكَ مِائَةً أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَفِيهَا أَيْضًا شَاةٌ فَقَطْ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا.
(وَإِنْ تَغَيَّرَ) الْفَرْضُ (بِهِ) أَيْ بِمَا مَلَكَهُ ثَانِيًا (وَلَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا كَثَلَاثِينَ بَقَرَةً) مَلَكَهَا (فِي الْمُحَرَّمِ وَعَشْرٍ) مِنْ بَقَرٍ أَيْضًا مَلَكَهَا (فِي صَفَرٍ فَفِي) الثَّلَاثِينَ إذَا أُتِمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي (الْعَشْرِ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ) لِأَنَّ حَوْلَهَا تَمَّ عَلَى أَرْبَعِينَ، وَفِيهَا مُسِنَّةٌ وَقَدْ زَكَّى الثَّلَاثِينَ، فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ بِقِسْطِهَا مِنْ الْمُسِنَّةِ وَهُوَ رُبْعُهَا (وَإِنْ) كَانَ مِلْكُهُ بَعْدَ النِّصَابِ (لَمْ يُغَيِّرْهُ) أَيْ الْفَرْضَ (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا كَخَمْسِ) بَقَرَاتٍ مَلَكَهَا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ بَقَرَةً (فَلَا شَيْءَ فِيهَا) أَيْ: الْخَمْسِ لِأَنَّهَا وَقْصٌ، وَكَمَا لَوْ مَلَكَ الْجَمِيعَ مَعًا (وَمَنْ لَهُ سِتُّونَ شَاةً كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا) مُخْتَلِطَةٌ (مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ) بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِلَادٍ مُتَقَارِبَةٍ (فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ) لِأَنَّ الْخُلْطَةَ صَيَّرَتْهُ
كَمَالٍ وَاحِدٍ (نِصْفُهَا) أَيْ: الشَّاةِ (عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ) شَاةً (وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ) عَلَى كُلِّ خَلِيطٍ سُدُسٌ بِنِسْبَةِ مَالِهِ، وَيَأْتِي إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، فَمَتَى كَانَ بَعْضُ مَالِ الْإِنْسَانِ مُخْتَلِطًا وَبَاقِيهِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُخْتَلِطًا مَعَ آخَرَ صَارَ مَالُهُ كُلُّهُ كَالْمُخْتَلَطِ إنْ بَلَغَ مَالُ الْخُلْطَةِ نِصَابًا (وَإِنْ كَانَتْ) السِّتُّونَ (كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا) مُخْتَلِطٌ (مَعَ عَشْرٍ لِآخَرَ فَعَلَيْهِ) أَيْ صَاحِبِ السِّتِّينَ (شَاةٌ) لِمِلْكِهِ نِصَابًا (وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ) لِعَدَمِ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا، وَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِيمَا دُونَ نِصَابٍ.
فَصْلٌ وَلَا أَثَرَ لِتَفْرِقَةِ مَالٍ زَكَوِيٍّ (لِ) مَالِكٍ (وَاحِدٍ غَيْرَ سَائِمَةٍ بِمَحَلَّيْنِ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ) نَصًّا فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ اجْتِمَاعُ مَالِ الْجَمَاعَةِ حَالَ الْخُلْطَةِ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ وَمَقَاصِدِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ الْمُعْتَادَةِ فَصَيَّرَهُ كَمَالٍ وَاحِدٍ وَجَبَ تَأْثِيرُ الِافْتِرَاقِ الْفَاحِشِ فِي الْمَالِ الْوَاحِدِ، حَتَّى يَجْعَلَهُ كَمَالَيْنِ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ تَخْرُجُ زَكَاتُهُ بِبَلَدِهِ فَيَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِذَلِكَ الْبَلَد، فَإِنْ جُمِعَ أَوْ فُرِّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ لِلْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دُونَ الْمَسَافَةِ أَوْ كَانَتْ التَّفْرِقَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ لَمْ تُؤَثِّرْ إجْمَاعًا (فَلِكُلِّ مَا) أَيْ سَائِمَةٍ (فِي مَحَلٍّ مِنْهَا) أَيْ: الْمَحَالِّ الْمُتَبَاعِدَةِ (حُكْمٌ بِنَفْسِهِ فَعَلَى مَنْ لَهُ سَوَائِمُ بِمَحَالَّ مُتَبَاعِدَةٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فِي كُلِّ مَحَلٍّ) مِنْ تِلْكَ الْمَحَالِّ (شِيَاهٌ بِعَدَدِهَا) أَيْ الْمَحَالِّ (وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَا يَجْتَمِعُ لَهُ نِصَابٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) أَيْ: الْمَحَالِّ الْمُتَبَاعِدَةِ (غَيْرُ خَلِيطٍ) لِأَهْلِهَا فِي نِصَابِهَا (فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الشَّخْصِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (سِتُّونَ شَاةً) بِثَلَاثِ مَحَالَّ مُتَبَاعِدَةٍ (فِي كُلِّ مَحَلٍّ عِشْرُونَ) مِنْهَا (خُلِطَتْ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ لَزِمَ رَبَّ السِّتِّينَ شَاةٌ وَنِصْفُ) شَاةٍ.
(وَ) لَزِمَ (كُلَّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُلْطَةٌ مَعَ أَهْلِهَا فِي نِصَابٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ سَائِمَةٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ السَّائِمَةِ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِهَا تَارَةً وَتَكْثُرُ أُخْرَى لِمَا فِيهَا مِنْ الْوَقْصِ.
فَتُؤَثِّرُ نَفْعًا تَارَةً وَضَرَرًا أُخْرَى.
وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ لَا وَقْصَ فِيهَا، فَلَوْ أَثَّرَتْ لَأَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ (وَ) يَجُوزُ (لِسَاعٍ) يُجْبِي الزَّكَاةَ (أَخْذُ) وَاجِبٍ فِي مَالِ خُلْطَةٍ (مِنْ مَالِ أَيْ: الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ مَعَ حَاجَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً (وَ) مَعَ (عَدَمِهَا) أَيْ: الْحَاجَةِ نَصًّا، بِأَنْ أَمْكَنَ
أَخْذُ زَكَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِهِ فَلَا تَشْقِيصَ لِحَدِيثِ «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَجَّعَانِ بِالسَّوِيَّةِ» أَيْ: إذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِنِسْبَةِ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الْمَالَيْنِ صَارَا كَمَالٍ وَاحِدٍ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا فِي أَخْذِهَا.
(وَلَوْ) كَانَ أَخَذَ سَاعِي الزَّكَاةِ (بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ أَيِّهِمَا شَاءَ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ الْقِسْمَةَ.
وَظَاهِرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا مَا عَلَى الْآخَرِ بَعْدَ انْفِرَادٍ فِي خُلْطَةِ أَوْصَافٍ (وَمَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَذِمِّيٍّ) وَمُكَاتَبٍ وَمَدِينٍ مُسْتَغْرَقٍ (لَا أَثَرَ لِخُلْطَتِهِ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ) أَيْ: أَخْذِ سَاعِي الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ نَحْوِ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ خُلْطَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي ضَمِّ أَحَدِ الْمَالَيْنِ إلَى الْآخَرِ فَأَشْبَهَا الْمُنْفَرِدَيْنِ.
(وَيَرْجِعُ) خَلِيطٌ مِنْ أَهْلِهَا (مَأْخُوذٌ مِنْهُ) زَكَاةُ جَمِيعِ مَالِ خُلْطَةٍ (عَلَى خَلِيطِهِ بِقِيمَةِ الْقِسْطِ الَّذِي قَابَلَ مَالَهُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ (مِنْ الْمُخْرِجِ) زَكَاةٌ لِلْخَبَرِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ الْأَخْذِ) أَيْ: أَخْذِ سَاعٍ لَهُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ إذَنْ عَنْهُ (فَيَرْجِعُ رَبُّ خَمْسَةَ عَشْرَ بَعِيرًا مِنْ) أَصْلِ (خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ) بَعِيرًا خُلْطَةً (عَلَى رَبِّ عِشْرِينَ) مِنْهَا (بِقِيمَةِ أَرْبَعَةِ أَسْبَاعِ بِنْتِ مَخَاضٍ) أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ ; لِأَنَّ الْعِشْرِينَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ لِلْخَمْسَةِ وَالثَّلَاثِينَ (وَبِالْعَكْسِ) بِأَنْ أَخَذَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ مِنْ مَالِ رَبِّ الْعِشْرِينَ، رَجَعَ عَلَى رَبِّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (بِثَلَاثَةِ أَسْبَاعِهَا) لِأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ الْمَالِ، وَعَلَى نَحْوِ هَذَا حِسَابُهَا.
(وَمِنْ بَيْنِهِمَا ثَمَانُونَ شَاةً نِصْفَيْنِ، وَعَلَى أَحَدِهِمَا دَيْنٌ بِقِيمَةِ عِشْرِينَ مِنْهَا فَعَلَيْهِمَا شَاةٌ) لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ يَبْلُغُ نِصَابًا (عَلَى الْمَدِينِ) مِنْهَا (ثُلُثُهَا) أَيْ: الشَّاةِ لِمَنْعِ الدَّيْنِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيمَا قَابَلَهُ فَكَأَنَّهُ مَالِكٌ عِشْرِينَ خُلِطَتْ بِأَرْبَعِينَ، فَهِيَ ثُلُثٌ (وَعَلَى الْآخَرِ ثُلُثَاهَا) أَيْ: الشَّاةِ بِنِسْبَةِ مَالِهِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَرْجُوعٍ عَلَيْهِ فِي قِيمَةِ) مُخْرَجٍ مِنْ خَلِيطِهِ (بِيَمِينِهِ إنْ عُدِمَتْ بَيِّنَةٌ) بِالْقِيمَةِ (وَاحْتُمِلَ صِدْقُهُ) فِيمَا ادَّعَاهُ قِيمَةً ; لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَمُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ ; فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ عَمِلَ بِهَا أَوْ لَمْ يُحْتَمَلْ صِدْقُهُ، لِمُخَالَفَةِ الْحِسِّ، رُدَّ قَوْلُهُ (وَيَرْجِعُ) مَأْخُوذٌ مِنْهُ الزَّكَاةُ عَلَى خَلِيطٍ (بِقِسْطٍ زَائِدٍ) عَنْ وَاجِبٍ (أَخَذَهُ سَاعٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ) كَأَخْذِ صَحِيحَةٍ عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ كَبِيرَةٍ عَنْ صِغَارٍ.
وَكَذَا لَوْ أَخَذَ قِيمَةَ الْوَاجِبِ ; لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ فَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، قَالَ الْمَجْدُ: فَلَا يُنْقَضُ كَمَا فِي الْحَاكِمِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمُنْزِلَةِ الْوَاجِبِ، وَلِأَنَّ فِعْلَ السَّاعِي
فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ سَائِغٌ نَافِذٌ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِسَوَغَانِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ أَيْ: فِي أَخْذ الْقِيمَةِ، وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَهُ انْتَهَى.
وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ خَلِيطٍ بِدُونِ إذْنِ خَلِيطِهِ فِي غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ.
وَالِاحْتِيَاطُ: بِإِذْنِهِ.
و (لَا) يَرْجِعُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ بِقِسْطٍ زَائِدٍ أَخَذَهُ سَاعٍ (ظُلْمًا) بِلَا تَأْوِيلٍ كَأَخْذِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً مُخْتَلِطَةً شَاتَيْنِ، أَوْ عَنْ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا جَذَعَةً مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا، فَلَا يَرْجِعُ فِي الْأُولَى إلَّا بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ وَفِي الثَّانِيَةِ إلَّا بِقِيمَةِ نِصْفِ بِنْتِ مَخَاضٍ.
لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ظُلْمٌ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ، أَوْ مُتَسَبِّبٍ فِي ظُلْمِهِ.
[بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ وَمَعْدِنٍ وَرِكَازٍ]
(وَ) زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنْ (النَّحْلِ) وَهُوَ عَسَلُهُ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا فِي ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " حَقُّهُ الزَّكَاةُ فِيهِ مَرَّةً الْعُشْرُ وَمَرَّةً نِصْفُ الْعُشْرِ " وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] الْآيَةَ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
(تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ) نَصًّا.
وَيَدُلُّ لِاعْتِبَارِ الْكَيْلِ حَدِيثُ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْكَيْلِ لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا.
وَيَدُلُّ لِاعْتِبَارِ الِادِّخَارِ: أَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخِرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ مَآلًا (مِنْ حَبٍّ) كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَبَاقِلَّاءَ وَأُرْزٍ وَحِمَّصٍ وَجُلُبَّانٍ وَذُرَةٍ وَدُخْنٍ وَعَدَسٍ وَلُوبْيَا وَتُرْمُسٍ وَسِمْسِمٍ وَقِرْطِمٍ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَالطَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ - وَلَوْ كَانَ الْحَبُّ (لِلْبُقُولِ ك) حَبِّ (الرَّشَادِ و) حَبِّ (الْفُجْلِ) وَالْخَرْدَلِ وَنَحْوِهِ وَحُلْبَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
(وَلَوْ) كَانَ الْحَبُّ (لِمَا لَا يُؤْكَلُ ك) حَبِّ (أُشْنَانٍ و) حَبِّ (قُطْنٍ وَنَحْوِهِمَا) كَحَبِّ كَتَّانٍ وَنِيلَةٍ (أَوْ) كَانَ الْحَبُّ (مِنْ الْأَبَازِيرِ كَالْكُسْبَرَةِ وَالْكَمُّونِ) وَالشَّمَرِ (وَبَزْرِ الرَّيَاحِينِ وَ) بَزْرِ (الْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِمَا) كَبِزْرِ بِطِّيخٍ بِأَنْوَاعِهِ وَبَذْرِ خِيَارٍ وَهَنْدَبَا وَبَاذِنْجَانِ وَدُبَّاءٍ ; وَهِيَ الْقَرْعُ بِنَوْعَيْهِ، أَوْ أَنْوَاعِهِ.
وَخَسٍّ وَجَزَرٍ
وَلِفْتٍ وَنَحْوِهَا (أَوْ) وَمِنْ (غَيْرِ حَبٍّ كَصَعْتَرٍ وَأُشْنَانٍ وَسِمَاقٍ أَوْ) مِنْ (وَرَقِ شَجَرٍ يَقْصِدُ كَسِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَآسٍ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ أَشْبَهَ الْبُرَّ (أَوْ) مِنْ (ثَمَرٍ كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَلَوْز) نَصًّا.
وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَكِيلٌ (وَفُسْتُقٍ وَبُنْدُقٍ) لِأَنَّهُ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ.
.
و (لَا) تَجِبُ فِي (عُنَّابٍ وَزَيْتُونٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِادِّخَارٍ (وَ) لَا فِي (جَوْزٍ) نَصًّا لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ (وَ) لَا فِي (تِينٍ وَتُوتٍ) وَمِشْمِشٍ (وَ) لَا فِي (بَقِيَّةِ الْفَوَاكِهِ) كَتُفَّاحٍ وَإِجَّاصٍ وَكُمَّثْرَى وَرُمَّانٍ وَسَفَرْجَلٍ وَنَبْقٍ وَمَوْزٍ وَخَوْخٍ وَيُسَمَّى الْفِرْسِكَ، وَأُتْرِجٍّ وَنَحْوِهَا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ الصَّدَقَةُ» وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَعْنَاهُ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ " كَتَبَ إلَى عُمَرَ - وَكَانَ عَامِلًا لَهُ عَلَى الطَّائِفِ - أَنَّ قِبَلَهُ حِيطَانًا فِيهَا مِنْ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنْ الْكُرُومِ أَضْعَافًا فَكَتَبَ يَسْتَأْمِرُ فِي الْعُشْرِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمَا عُشْرٌ وَقَالَ: هِيَ مِنْ الْعُفَاةِ كُلُّهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا عُشْرٌ " (وَ) لَا فِي (طَلْعِ فُحَّالٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ النَّخْلُ.
(وَقَصَبٍ وَخَضْرٍ) كَلُفْتٍ وَكُرُنْبٍ وَنَحْوِهِمَا (وَبُقُولٍ) كَفُجْلٍ وَثُومٍ وَبَصَلٍ وَكُرَّاثٍ (وَوَرْسٍ وَنُبُلٍ وَحِنَّاءٍ) فِي الْأَصَحِّ (وفوة وَبَقَّمٍ) وَلَا فِي قُطْنٍ وَقُنَّبٍ وَكَتَّانٍ (وَ) لَا فِي (زَهْرٍ كَعُصْفُرٍ وَزَعْفَرَانٍ) وَوَرْدٍ وَنَحْوِهِ.
وَكَذَا نَحْوُ تِينٍ (وَ) لَا فِي (نَحْوِ ذَلِكَ) كَجَرِيدِ نَخْلٍ وَخُوصِهِ وَلِيفِهِ (بِشَرْطَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ ب تَجِبُ.
أَحَدُهُمَا (أَنْ يَبْلُغَ) الْمَكِيلُ الْمُدَّخَرُ (نِصَابًا) لِلْخَبَرِ (وَقَدْرُهُ) أَيْ: النِّصَابِ (بَعْدَ تَصْفِيَةِ حَبٍّ) مِنْ قِشْرِهِ وَتِبْنِهِ (وَ) وَبَعْدَ (جَفَافِ ثَمَرٍ، و) جَفَافِ (وَرَقٍ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ خَاصُّ يَقْضِي عَلَى كُلِّ عَامٍّ وَمُطْلَقٌ وَلِأَنَّهَا زَكَاةُ مَالٍ فَاعْتُبِرَ لَهَا النِّصَابُ، كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ (هِيَ) أَيْ: الْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ (ثَلَاثُمِائَةِ صَاعٍ) لِأَنَّ الْوَسْقَ سِتُّونَ صَاعًا إجْمَاعًا لِنَصِّ الْخَبَرِ.
(و) هِيَ (بِالرِّطْلِ الْعِرَاقِيِّ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ) رِطْلٍ لِأَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ (وبِ) الرِّطْلِ (الْمِصْرِيِّ أَلْفُ) رِطْلٍ (وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ) رِطْلٍ مِصْرِيٍّ (وَبِ) الرِّطْلِ (الدِّمَشْقِيِّ ثَلَاثُمِائَةِ) رِطْلٍ (وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ) رِطْلٍ دِمَشْقِيٍّ (وب) الرِّطْلِ (الْحَلَبِيِّ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ) رِطْلٍ حَلَبِيٍّ (وب) الرِّطْلِ (الْقُدْسِيِّ مِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَسُبْعُ رِطْلٍ) قُدْسِيٍّ (وَالْأُرْزُ وَالْعَلْسُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ (يُدَّخَرَانِ فِي قِشْرِهِمَا) عَادَةً لِحِفْظِهِمَا (فَنِصَابُهَا مَعَهُ) أَيْ: الْقِشْرِ (بِبَلَدٍ خُبِرَا) أَيْ: الْأُرْزُ وَالْعَلْسُ فِيهِ (فَوُجِدَا) بِالِاخْتِبَارِ (يَخْرُجُ مِنْهَا مُصَفَّى النِّصْفِ مَثَلًا ذَلِكَ) فَنِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي قِشْرِهِ إذَنْ عَشْرَةُ أَوْسُقٍ وَإِنْ زَادَا أَوْ نَقَصَا فَبِالْحِسَابِ، وَإِنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ ذَلِكَ نِصَابًا خَيَّرَ مَالِكٌ بَيْنَ إخْرَاجِ عُشْرِهِ احْتِيَاطًا، وَبَيْنَ إخْرَاجِهِ مِنْ قِشْرِهِ لِيَتَحَقَّقَ حَالُهُ كَمَغْشُوشِ أَثْمَانٍ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ غَيْرِهِمَا فِي قِشْرِهِ، وَلَا إخْرَاجُهُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ لِعَدَمِ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ (وَالْوِسْقُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا (وَالصَّاعُ وَالْمُدُّ مَكَايِيلُ) أَصَالَةً (نُقِلَتْ إلَى الْوَزْنِ) أَيْ: قُدِّرَتْ بِهِ (لِتُحْفَظَ مِنْ الزِّيَادَةِ) وَالنَّقْصِ (وَ) لِ (تُنْقَلَ) مِنْ الْحِجَازِ إلَى سَائِرِ الْبِلَادِ (وَالْمَكِيلُ) يَخْتَلِفُ.
فَ (مِنْهُ ثَقِيلٌ كَأُرْزٍ) وَتَمْرٍ (وَ) مِنْهُ (مُتَوَسِّطٌ كَبُرٍّ) وَعَدَسٍ (وَ) مِنْهُ (خَفِيفٌ كَشَعِيرٍ) وَذُرَةٍ.
وَأَكْثَرُ التَّمْرِ أَخَفُّ مِنْ الْحِنْطَةِ إذَا كِيلَ غَيْرَ مَكْبُوسٍ (وَالِاعْتِبَارُ) مِنْ هَذِهِ الْمَكِيلَاتِ (بِمُتَوَسِّطٍ) وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالْعَدَسُ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي خَفِيفٍ) بَلَغَ نِصَابًا كَيْلًا (قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ) أَيْ: الْوَزْنَ.
لِأَنَّهُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ، وَلَا تَجِبُ فِي ثَقِيلٍ بَلَغَهُ وَزْنًا لَا كَيْلًا (فَمَنْ اتَّخَذَ مَا) أَيْ مَكِيلًا (يَسَعُ صَاعًا) وَتَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ (مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ) وَهُوَ الرَّزِينُ مِنْهُ الْمُسَاوِي لِلْعَدَسِ فِي وَزْنِهِ ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ (عَرَفَ بِهِ مَا بَلَغَ حَدَّ الْوُجُوبِ) أَيْ: النِّصَابِ (مِنْ غَيْرِهِ) الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ، وَمَتَى شَكَّ فِي بُلُوغِهِ لِلنِّصَابِ احْتَاطَ وَأَخْرَجَ وَلَا يَجِبُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَمْ يَثْبُتْ مَعَ الشَّكِّ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ (وَتُضَمُّ أَنْوَاعُ الْجِنْسِ) بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (مِنْ زَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ) وَلَوْ تَعَدَّدَ الْبَلَدُ، كَعَلْسٍ إلَى حِنْطَةٍ ; لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَسُلْتٍ إلَى شَعِيرٍ ; لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْحُبُوبَ بِهِ فِي صُورَتِهِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ.
(وَ) مِنْ (ثَمَرَتِهِ) أَيْ: الْعَامِ الْوَاحِدِ كَتَمْرٍ مَعْقِلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمِيٍّ، فَيُضَمَّانِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَكَالْمَوَاشِي وَالْأَثْمَانِ (وَلَوْ) كَانَتْ الثَّمَرَةُ (مِمَّا) أَيْ: شَجَرٍ (يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ) فَيُضَمُّ بَعْضُهَا (إلَى بَعْضٍ) لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ كَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ مُرَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا كَحَمْلِ الذُّرَةِ و (لَا) يُضَمُّ (جِنْسٌ) مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ (إلَى) جِنْسٍ (آخَرَ) فِي تَكْمِيل النِّصَابِ، فَلَا تُضَمُّ حِنْطَةٌ إلَى شَعِيرٍ، وَلَا الْقُطْنِيَّاتُ