[فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِث ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ] .
يُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّرْكَ يَكْثُرُ فِيهِ النِّسْيَانُ فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
(وَمَنْ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ) أَيْ الْحَالِفِ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَغُلَامِهِ وَنَحْوِهِمْ (وَقَصَدَ) بِيَمِينِهِ (مَنْعَهُ كَهُوَ) أَيْ الْحَالِفِ فَمَنْ حَلَفَ عَلَى نَحْوِ زَوْجَتِهِ لَا تَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَتْهَا نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً بِيَمِينِهِ فَعَلَى مَا سَبَقَ يَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ فَقَطْ، وَإِنْ قَصَدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَفَعَلَهُ مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ، ثُمَّ إنْ حَلَفَ عَلَى مَنْ لَا يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ كَأَجْنَبِيٍّ وَذِي سُلْطَانٍ حَنِثَ بِالْمُخَالَفَةِ مُطْلَقًا.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا أَوْ) حَلَفَ (لَا يُكَلِّمُهُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ) أَيْ فُلَانٍ (أَوْ) حَلَفَ لَا (يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ) حَقَّهُ (فَدَخَلَ) الْحَالِفُ (بَيْتًا هُوَ) أَيْ فُلَانٌ (فِيهِ) وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ (أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ (أَوْ) سَلَّمَ (عَلَى قَوْمٍ هُوَ) أَيْ فُلَانٌ (فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ) الْحَالِفُ (بِهِ أَوْ قَضَاهُ فُلَانٌ حَقَّهُ فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ أَحَالَهُ) فُلَانٌ (بِهِ) أَيْ بِحَقِّهِ (فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ حَنِثَ) الْحَالِفُ لِفِعْلِهِ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ قَاصِدًا لَهُ (إلَّا فِي السَّلَامِ) إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
(وَ) إلَّا فِي (الْكَلَامِ) بِأَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ أَوْ كَلَّمَهُمْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا حِنْثَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بِسَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْحَالِفُ (بِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي سَلَامٍ) أَوْ كَلَامٍ بِأَنْ عَلِمَهُ فِيهِمْ (وَلَمْ يَنْوِهِ) بِالسَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ (وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ بِقَلْبِهِ حَنِثَ) ; لِأَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَالِمًا بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يَفْعَلَ جَمِيعَهُ) ; لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنَاوَلَتْ فِعْلَ الْجَمِيعِ فَلَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِهِ فَمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ الرَّغِيفَ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يَدْخُلَهَا بِجُمْلَتِهِ (و) إنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ (لَا يَفْعَلُهُ أَوْ) حَلَفَ عَلَى (مَنْ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ كَزَوْجَةٍ وَقَرَابَةٍ) لَا يَفْعَلُ شَيْئًا (وَقَصَدَ مَنْعَهُ) مِنْ فِعْلِهِ (وَلَا نِيَّةَ) تُخَالِفُ ظَاهِرَ لَفْظِهِ (وَلَا سَبَبَ وَلَا قَرِينَةَ) تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ بَعْضِهِ (فَفَعَلَ) الْحَالِفُ أَوْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (بَعْضَهُ) كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرَّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ (لَمْ يَحْنَثْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَدْخُلُ بَيْتَ أُخْتِهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَدْخُلَهَا كُلَّهَا أَلَا تَرَى أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كُلِّي أَوْ بَعْضِي ; لِأَنَّ الْكُلَّ لَا يَكُونُ بَعْضًا وَالْبَعْضُ لَا يَكُونُ كُلًّا وَسَبَقَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ إلَى عَائِشَةَ فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ» وَالْمُعْتَكِفُ مَمْنُوعٌ مِنْ
الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ.
(فَمَنْ حَلَفَ عَلَى مُمْسَكٍ مَأْكُولًا) كَرُمَّانَةٍ أَوْ تُفَّاحَةٍ (لَا آكُلُهُ وَلَا أَلْقَاهُ وَلَا أَمْسِكُهُ فَأَكَلَ بَعْضًا وَرَمَى الْبَاقِي) أَوْ أَمْسَكَهُ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ كُلَّهُ وَلَمْ يُلْقِهِ كُلَّهُ وَلَمْ يُمْسِكْهُ كُلَّهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا فَأَدْخَلَهَا بَعْضَ جَسَدِهِ أَوْ دَخَلَ طَاقَ بَابِهَا) لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا بِجُمْلَتِهِ.
(أَوْ) حَلَفَ عَلَى امْرَأَةٍ (لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ) أَيْ غَزْلِهَا لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ كُلُّهُ لَيْسَ مِنْ غَزْلِهَا أَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ فَشَرِبَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهُ بَلْ بَعْضَهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَبِيعُ عَبْدَهُ وَلَا يَهَبُهُ) أَوْ يُؤَجِّرُهُ وَنَحْوَهُ (فَبَاعَ أَوْ وَهَبَ) أَوْ أَجَّرَ وَنَحْوَهُ (بَعْضَهُ) أَوْ بَاعَ بَعْضَهُ وَوَهَبَ بَاقِيَهُ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ كُلَّهُ وَلَا وَهَبَهُ كُلَّهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى فُلَانٍ شَيْئًا فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ) عَلَى الْحَالِفِ (بِسَبَبِ الْحَقِّ مِنْ قَرْضٍ أَوْ نَحْوِهِ) بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّ الْحَالِفَ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ أَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ (دُونَ أَنْ يَقُولَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (وَهُوَ) أَيْ الدَّيْنُ بَاقٍ (عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ بِدَفْعِ الْحَقِّ أَوْ بَرَاءَتِهِ مِنْهُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَا عَلَيْهِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ فَشَرِبَ مِنْهُ) حَنِثَ لِصَرْفِ يَمِينِهِ إلَى الْبَعْضِ لِاسْتِحَالَةِ شُرْبِ جَمِيعِهِ، وَكَذَا مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ أَوْ اللَّحْمَ أَوْ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ أَوْ الْعَسَلَ وَنَحْوَهُ مِنْ كُلِّ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ اسْمُ جِنْسٍ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ فَيَحْنَثُ بِالْبَعْضِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ حَنِثَ.
(أَوْ) حَلَفَ عَلَى امْرَأَةٍ (لَا يَلْبِسُ مِنْ غَزْلِهَا فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ) أَيْ غَزْلِهَا (يَحْنَثْ) ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ غَزْلِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَتَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ (إنْ لَبِسْت ثَوْبًا أَوْ لَمْ يَقُلْ ثَوْبًا) بِأَنْ قَالَ إنْ لَبِسْت (فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى) ثَوْبًا (مُعَيَّنًا قُبِلَ) مِنْهُ (حُكْمًا) ; لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ وَصِدْقُهُ مُمْكِنٌ (سَوَاءٌ) كَانَ حَلِفُهُ (بِطَلَاقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ و) إنْ حَلَفَ (لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ) أَيْ الثَّوْبَ (أَوْ نَسَجَهُ أَوْ طَبَخَهُ) أَيْ الطَّعَامَ (زَيْدٌ فَلَبِسَ) الْحَالِفُ (ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ) أَيْ زَيْدٌ (وَغَيْرُهُ) حَنِثَ (أَوْ) لَبِسَ ثَوْبًا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا (اشْتَرَيَاهُ أَيْ زَيْدٌ) وَغَيْرُهُ (أَوْ) لَبِسَ ثَوْبًا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ أَيْ زَيْدٌ لِغَيْرِهِ حَنِثَ (أَوْ أَكَلَ) الْحَالِفُ (مِنْ طَعَامٍ طَبَخَاهُ) أَيْ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ (حَنِثَ) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ غَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ
(وَإِنْ اشْتَرَى غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ زَيْدٍ (شَيْئًا) انْفَرَدَ بِشِرَائِهِ (فَخَلَطَهُ) أَيْ الْحَالِفُ أَوْ غَيْرُهُ (بِمَا اشْتَرَاهُ هُوَ) أَيْ زَيْدٌ (فَأَكَلَ) الْحَالِفُ مِنْهُ (أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَى شَرِيكُهُ حَنِثَ) ; لِأَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ يَقِينًا (وَإِلَّا) يَأْكُلُ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ غَيْرُ زَيْدٍ (فَلَا) حِنْثَ سَوَاءٌ أَكَلَ قَدْرَ مَا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ أَوْ دُونَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ وَلَمْ يُتَيَقَّنْ الْحِنْثُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَبِيتُ عِنْدَ زَيْدٍ حَنِثَ ب) مُكْثِهِ عِنْدَهُ (أَكْثَرَ اللَّيْلِ) ; لِأَنَّهُ يُسَمَّى مَبِيتًا بِخِلَافِ نِصْفِ اللَّيْلِ فَمَا دُونَهُ وَلَا يَحْنَثُ (إنْ حَلَفَ لَا أَقَمْت عِنْدَهُ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْ) حَلَفَ لَا أَبَيْت عِنْدَهُ و (نَوَاهُ) أَيْ كُلَّ اللَّيْلِ (فَأَقَامَ عِنْدَهُ بَعْضَهُ) أَيْ اللَّيْلِ وَلَوْ أَكْثَرَهُ.
(وَلَا) يَحْنَثُ (إنْ حَلَفَ لَا أَبَيْتُ) بِبَلَدٍ (أَوْ لَا آكُلُ بِبَلَدٍ فَبَاتَ أَوْ أَكَلَ خَارِجَ بُنْيَانِهِ) أَيْ الْبَلَدِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ أَوْ يَأْكُلْ فِيهِ وَيَحْنَثُ إنْ أَكَلَ أَوْ بَاتَ بِمَسْجِدِهَا ; لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ خَارِجَهَا قَرِيبًا مِنْهَا عَادَةً وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَتْ امْرَأَتِي فِي السُّوقِ فَعَبْدِي حُرٌّ وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فِي السُّوقِ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَكَانَا فِيهِ عَتَقَ الْعَبْدُ وَلَمْ تَطْلُقْ الْمَرْأَةُ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِالسُّوقِ عَبْدٌ.
[بَابُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ]
(وَهُوَ) أَيْ التَّأْوِيلُ (أَنْ يُرِيدَ) مُتَكَلِّمٌ (بِلَفْظِهِ مَا) أَيْ مَعْنَى (يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ) أَيْ اللَّفْظِ (وَلَا يَنْفَعُ) تَأْوِيلٌ فِي حَلِفٍ (ظَالِمًا) بِحَلِفِهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَفِي لَفْظه «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» فَمَنْ عِنْدَهُ حَقٌّ وَأَنْكَرَهُ فَاسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَتَأَوَّلَ انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى ظَاهِرِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ وَلَمْ يَنْفَعْ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ، لِئَلَّا يَفُوتَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِالتَّحْلِيفِ وَيَصِيرَ التَّأْوِيلُ وَسِيلَةً إلَى جَحْدِ الْحُقُوقِ وأَكْلِهَا بِالْبَاطِلِ (وَيُبَاحُ) التَّأْوِيلُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الظَّالِمِ مَظْلُومًا كَانَ أَوْ لَا ظَالِمًا، رُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا وَالْمَرُّوذِيَّ كَانَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ هُمَا وَجَمَاعَةٌ مَعَهُمَا، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمَرُّوذِيَّ وَلَمْ يُرِدْ الْمَرُّوذِيُّ أَنْ يُكَلِّمَهُ، فَوَضَعَ مُهَنَّا أُصْبُعَهُ فِي كَفِّهِ وَقَالَ: لَيْسَ الْمَرُّوذِيُّ هَا هُنَا، وَمَا يَصْنَعُ الْمَرُّوذِيُّ هَا هُنَا؟ يُرِيد فِي كَفِّهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا» وَمِنْهُ «إنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ» .
(فَلَوْ حَلَفَ آكِلٌ مَعَ غَيْرِهِ تَمْرًا أَوْ نَحْوَهُ) مِمَّا لَهُ نَوًى كَخُوخٍ وَمِشْمِشٍ عَلَى
الْغَيْرِ (لَتُمَيِّزَنَّ نَوَى مَا أَكَلْت أَوْ) حَلَفَ (لَتُخْبِرَن بِعَدَدِهِ) أَيْ عَدَدِ نَوَى مَا أَكَلْتَ (فَأَفْرَدَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (كُلَّ نَوَاةٍ) وَحْدَهَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَتُمَيِّزَنَّ نَوَى مَا أَكَلْت (أَوْ عَدَّ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَتُخْبِرَنَّ بِعَدَدِ نَوَى مَا أَكَلْت (مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَدَدٍ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ) نَوَى (مَا أَكَلَ فِيهِ) أَيْ فِيمَا عَدَّهُ لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ) حَلَفَ (لَيَطْبُخَنَّ قَدْرًا بِرِطْلِ مِلْحٍ وَيَأْكُلُ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا طَبَخَهُ بِرِطْلِ مِلْحٍ (فَلَا يَجِدُ فِيهِ طَعْمَ الْمِلْحِ فَصَلَقَ بِهِ بَيْضًا وَأَكَلَهُ) لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا وَلْيَأْكُلُنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوِعَاءِ فَوَجَدَ بَيْضًا وَتُفَّاحًا فَعَمِلَ مِنْ الْبَيْضِ نَاطِفًا وَمِنْ التُّفَّاحِ شَرَابًا وَأَكَلَهُ) لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ مِمَّا فِي الْإِنَاءِ وَلَيْسَ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا حَيْثُ اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَظْهَرْ طَعْمُهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ (أَوْ) حَلَفَ (مَنْ عَلَى سُلَّمٍ لَا نَزَلْت إلَيْكَ) أَيُّهَا السُّفْلَى (وَلَا صَعِدْت إلَى هَذِهِ) الْعُلْيَا.
(وَلَا أَقَمْت مَكَانِي سَاعَةً فَنَزَلَتْ الْعُلْيَا وَصَعِدَتْ السُّفْلَى وَطَلَعَ أَوْ نَزَلَ أَوْ) حَلَفَ مَنْ عَلَى سُلَّمٍ (لَا أَقَمْتُ عَلَيْهِ وَلَا نَزَلْت مِنْهُ وَلَا صَعِدْت فِيهِ فَانْتَقَلَ إلَى سُلَّمٍ آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ (إلَّا مَعَ حِيلَةٍ) عَلَى قَصْدِ التَّخَلُّصِ مِنْ الْحَلِفِ (أَوْ) إلَّا مَعَ (قَصْدٍ) فَمَنْ حَلَفَ لَتُخْبِرَن بِعَدَدِ نَوَى مَا أَكَلْت وَقَصْدُهُ الْإِخْبَارُ بِكَمِّيَّتِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِذَلِكَ وَلَا يَبْرَأُ بِالْحِيلَةِ بِمَا سَبَقَ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِيَلَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (أَوْ) مَعَ (سَبَبٍ) يَقْتَضِي إرَادَةَ مَعْرِفَةِ الْكَمِّيَّةِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَاهُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَةِ بَيْتِهِ وَلَا بِدَاخِلِهِ بَارِيَةً فَأَدْخَلَهُ) أَيْ بَيْتَهُ (قَصَبًا وَنَسَجَ) الْقَصَبَ (فِيهِ أَوْ نَسَجَ قَصَبًا كَانَ فِيهِ) بَارِيَةٌ (حَنِثَ) لِحُصُولِ الْبَارِيَةِ بِبَيْتِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ مَنْ بِمَاءٍ (لَا أَقَمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ وَهُوَ) أَيْ الْمَاءُ (جَارٍ لَمْ يَحْنَثْ) أَقَامَ بِهِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقِفُ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهِ (إلَّا بِقَصْدٍ) بِأَنْ قَصَدَ أَنْ لَا يُقِيمَ وَلَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَاءِ مُطْلَقًا (أَوْ) إلَّا (بِسَبَبٍ) يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيَحْنَثُ (وَإِنْ كَانَ) الْمَاءُ (رَاكِدًا حَنِثَ وَلَوْ حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا) ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا حَقِيقَةً قَالَ فِي شَرْحِهِ.
(وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ وَهِيَ) أَيْ وَدِيعَةُ فُلَانٍ (عِنْدَهُ فَ) حَلَفَ و (عَنَى) أَيْ قَصَدَ (بِمَا الَّذِي) فَكَأَنَّهُ قَالَ الَّذِي لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ (أَوْ نَوَى غَيْرَهَا) أَيْ مَا لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ غَيْرُ الْمَطْلُوبَةِ (أَوْ) نَوَى مَا لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ فِي مَكَانِ كَذَا
(غَيَّرَ مَكَانَهَا أَوْ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ) بِأَنْ نَوَى لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ إلَّا الْمَطْلُوبَةُ (فَلَا حِنْثَ) ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ (وَكَذَا لَوْ اسْتَحْلَفَهُ) ظَالِمٌ (بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا) أَيْ شَيْئًا (يَجُوزُ فِعْلُهُ أَوْ) اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ أَنْ (يَفْعَلَ مَا) أَيْ شَيْئًا (لَا يَجُوزُ) لَهُ فِعْلُهُ (أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا لِشَيْءٍ لَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ بِهِ فَحَلَفَ) بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا (وَنَوَى بِقَوْلِهِ طَالِقٌ مِنْ عَمَلٍ) تَعْمَلُهُ كَخِيَاطَةٍ وَغَزْلٍ لَا طَالِقٌ مِنْ عِصْمَتِهِ (أَوْ) نَوَى (بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ) كَأَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ.
(وَكَذَا إنْ قَالَ) لَهُ ظَالِمٌ (قُلْ زَوْجَتِي) طَالِقٌ إنْ فَعَلَتْ كَذَا (أَوْ) قَالَ لَهُ ظَالِمٌ قُلْ (كُلُّ زَوْجَةٍ لِي طَالِقٌ إنْ فَعَلْت كَذَا وَنَوَى زَوْجَتَهُ الْعَمْيَاءَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ الْحَبَشِيَّةَ أَوْ نَحْوَهُ) كَالرُّومِيَّةِ (أَوْ نَوَى) بِقَوْلِهِ (كُلَّ زَوْجَةٍ تَزَوَّجْتُهَا بِالصِّينِ وَنَحْوِهِ) كَالْهِنْدِ (وَلَا زَوْجَةَ لِلْحَالِفِ) عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي نَوَاهَا فِي الْأُولَى (وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِمَا نَوَاهُ) مِنْ الصِّينِ وَنَحْوَهُ لَمْ يَحْنَثْ (وَكَذَا لَوْ نَوَى إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا بِالصِّينِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا) فَلَا حِنْثَ وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ ظَالِمٌ (قُلْ نِسَائِي طَوَالِقُ إنْ كُنْتُ فَعَلْت كَذَا وَنَوَى) بِنِسَائِهِ (بَنَاتِهِ أَوْ نَحْوَهُنَّ) كَأَخَوَاتِهِ وَعَمَّاتِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
(وَلَوْ قَالَ) لَهُ ظَالِمٌ (كُلُّ مَا أُحَلِّفُكَ بِهِ فَقُلْ نَعَمْ أَوْ) قَالَ لَهُ (الْيَمِينُ الَّتِي أُحَلِّفُكَ بِهَا لَازِمَةٌ لَك قُلْ نَعَمْ فَقَالَ: نَعَمْ وَنَوَى) بِقَوْلِهِ نَعَمْ (بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ) لَمْ يَحْنَثْ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ لَهُ (قُلْ الْيَمِينُ الَّذِي تُحَلِّفُنِي بِهَا) لَازِمَةٌ لِي (أَوْ) قَالَ لَهُ: قُلْ (أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لِي) إنْ كُنْت فَعَلْتُ كَذَا وَقَدْ فَعَلَهُ وَنَحْوَهُ (فَقَالَ وَنَوَى) بِالْيَمِينِ (يَدَهُ أَوْ) بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ (الْأَيْدِي الَّتِي تَنْبَسِطُ عِنْدَ الْبَيْعَةِ) أَيْ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ بِالْخِلَافَةِ لَمْ يَحْنَثْ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ لَهُ (قُلْ الْيَمِينُ يَمِينِي وَالنِّيَّةُ نِيَّتُكِ وَنَوَى بِيَمِينِهِ يَدَهُ وَبِالنِّيَّةِ) مِنْ قَوْلِهِ وَالنِّيَّةُ نِيَّتُك (الْبَضْعَةَ) بِالْفَتْحِ.
قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ أَيْ الْقِطْعَةَ (مِنْ اللَّحْمِ) النِّيءِ لَمْ يَحْنَثْ.
(وَكَذَا لَوْ) قَالَ لَهُ قُلْ (إنْ كُنْتُ فَعَلْت كَذَا فَزَوْجَتِي عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِالظَّهْرِ مَا يُرْكَبُ مِنْ خَيْلٍ وَنَحْوِهَا) كَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ لَمْ يَحْنَثْ (وَكَذَا لَوْ) قَالَ لَهُ: قُلْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُظَاهِرٌ مِنْ زَوْجَتِي و (نَوَى بِمُظَاهِرٍ) قَائِلًا (اُنْظُرْ أَيَّنَا أَشَدُّ ظَهْرًا) لَمْ يَحْنَثْ.
(وَكَذَا) لَوْ قَالَ لَهُ (قُلْ) إنْ لَمْ أَكُنْ فَعَلْت كَذَا (وَإِلَّا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ) وَكَانَ فَعَلَهُ (وَنَوَى بِالْمَمْلُوكِ الدَّقِيقَ الْمَلْتُوتَ بِالزَّيْتِ أَوْ السَّمْنِ) لَمْ يَحْنَثْ (وَكَذَا لَوْ نَوَى بِالْحُرِّ الْفِعْلَ الْجَمِيلَ أَوْ الرَّمْلَ الَّذِي مَا وُطِئَ) فَلَا حِنْثَ.
(وَ) كَذَا إنْ قَالَ لَهُ: قُلْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَجَارِيَتِي حُرَّةٌ أَوْ فَجَوَارِيَّ أَحْرَارٌ أَوْ فَمَمَالِيكِي أَحْرَارٌ، فَقَالَ ذَلِكَ وَنَوَى (بِالْجَارِيَةِ السَّفِينَةَ أَوْ الرِّيحَ و) نَوَى (بِالْحُرَّةِ السَّحَابَةَ الْكَثِيرَةَ الْمَطَرِ) (أَوْ الْكَرِيمَةَ مِنْ النُّوقِ و) نَوَى (بِالْأَحْرَارِ الْبَقْلَ و) نَوَى (بِالْحَرَائِرِ الْأَيَّامَ) فَلَا حِنْثَ (وَمَنْ حَلَفَ) بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ (مَا فُلَانٌ هُنَا وَعَيَّنَ مَوْضِعًا لَيْسَ فِيهِ) فُلَانٌ (لَمْ يَحْنَثْ) ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى زَوْجَتِهِ لَا سَرَقْت مِنِّي شَيْئًا فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ لَمْ يَحْنَثْ) ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَرِقَةٍ (إلَّا بِنِيَّةٍ) بِأَنْ نَوَى بِالسَّرِقَةِ الْخِيَانَةَ (أَوْ) بِ (سَبَبٍ) بِأَنْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ خِيَانَتَهَا وَلَوْ حَلَفَ لَيَعْبُدَنَّ اللَّهَ عِبَادَةً يَنْفَرِدُ بِهَا دُونَ جَمِيعِ النَّاسِ فِي وَقْتِ تَلَبُّسِهِ بِهَا بَرَّ بِالطَّوَافِ وَحْدَهُ أُسْبُوعًا بَعْدَ أَنْ يُخْلَى لَهُ الْمَطَافُ.
[بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ]
الشَّكُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا تَرَجُّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَهُوَ هُنَا مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ) بَيْنَ وُجُودِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عَدَدِهِ أَوْ شَرْطِهِ وَعَدَمِهِ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّنُّ وَالْوَهْمُ (وَلَا يَلْزَمُ) الطَّلَاقُ (بِشَكٍّ فِيهِ أَوْ) شَكٍّ (فِيمَا عُلِّقَ عَلَيْهِ) الطَّلَاقُ (وَلَوْ) كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ (عَدَمِيًّا) كَإِنْ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ يَوْمَ كَذَا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَشَكَّ فِي قِيَامِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ مُضِيِّهِ فَلَا حِنْثَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءَ الْعِصْمَةِ إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُزِيلُ، كَالْمُتَطَهِّرِ يَشُكُّ فِي الْحَدَثِ وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» .
(وَسُنَّ تَرْكُ وَطْءٍ قَبْلَ رَجْعَةٍ) إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَيُبَاحُ) الْوَطْءُ (بَعْدَهَا) أَيْ الرَّجْعَةِ (وَتَمَامُ التَّوَرُّعِ قَطْعُ الشَّكِّ بِهَا) أَيْ بِالرَّجْعَةِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ.
لِحَدِيثِ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (أَوْ) قَطْعُ الشَّكِّ (بِعَقْدٍ) جَدِيدٍ (أَمْكَنُ) لِتَيَقُّنِ الْحِلِّ لِاحْتِمَالِ الْوُقُوعِ (وَإِلَّا) يُمْكِنُ رَجْعَةٌ وَلَا عَقْدٌ بِأَنْ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ مُتَمِّمًا لِعَدَمِ مَا يَمْلِكُهُ (ف) قَطْعُ الشَّكِّ (بِفُرْقَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ) تَمَامُ الْوَرَعِ (بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ تَكُنْ طَلُقَتْ فَهِيَ طَالِقٌ) لِئَلَّا تَبْقَى
مُعَلَّقَةً مَتْرُوكًا وَطْؤُهَا بِالتَّحَرُّجِ مِنْهُ.
وَمَتَى لَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ تَحِلَّ لِغَيْرِهِ.
(وَيُمْنَعُ) أَيْ وَرَعًا (حَالِفٌ لَا يَأْكُلُ ثَمَرَةً وَنَحْوِهَا) كَرُمَّانَةٍ أَوْ جُوزَةٍ (اشْتَبَهَتْ بِغَيْرِهَا مِنْ أَكْلِ وَاحِدَةٍ) مِمَّا اشْتَبَهَتْ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا (وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْهُ) أَيْ الْحَالِفَ (بِذَلِكَ) أَيْ بِأَكْلِهِ وَاحِدَةً مِمَّا اشْتَبَهَتْ بِهِ (مِنْ الْوَطْءِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَأْكُولَ غَيْرُهَا وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنِّ هَذِهِ الثَّمَرَةَ مَثَلًا لَمْ يَتَحَقَّقْ بَرُّهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَكَلَهَا أَوْ يَأْكُلَ مَا اخْتَلَطَتْ بِهِ كُلِّهِ مِنْ التَّمْرِ.
(وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ (بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ لِمَا سَبَقَ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ مَا طَلَّقَ زَيْدٌ زَوْجَتَهُ وَجَهِلَ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ مَا طَلَّقَ زَيْدٌ زَوْجَتَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ زَيْدٌ زَوْجَتَهُ وَقَعَ وَاحِدَةٌ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ زَيْدٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ.
فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ وَيَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ (فَطَلْقَةٌ) ; لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ.
(وَ) إنْ قَالَ (لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَثَمَّ مَنْوِيَّةٌ) بِأَنْ نَوَى مُعَيَّنَةً مِنْهُمَا (طَلُقَتْ) الْمَنْوِيَّةُ ; لِأَنَّهُ عَيَّنَهَا بِنِيَّتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَهَا بِلَفْظِهِ.
فَإِنْ ادَّعَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ عَنَاهَا وَقَالَ: إنَّمَا عَنَيْتُ ضَرَّتَهَا فَقَوْلُهُ ; لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَا تُعْرَفْ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَإِلَّا) يَنْوِ مُعَيَّنَةً (أُخْرِجَتْ) الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا (بِقُرْعَةٍ) نَصًّا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ (كَمُعَيَّنَةٍ مَنْسِيَّةٍ) أَيْ كَمَنْ طَلَّقَ مُعَيَّنَةً ثُمَّ نَسِيَهَا فَتُمَيَّزُ بِقُرْعَةٍ (وَكَقَوْلِهِ عَنْ طَائِرٍ إنْ كَانَ غُرَابًا فَحَفْصَةُ طَالِقٌ وَإِلَّا) يَكُنْ غُرَابًا (فَعَمْرَةُ) طَالِقٌ وَذَهَبَ الطَّائِرُ (وَجَهِلَ) أَغُرَابٌ أَمْ غَيْرُهُ؟ فَيُقْرِعُ بَيْنُهُمَا فَتَطْلُقُ مَنْ أَخْرَجَتْهَا الْقُرْعَةُ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْهُمَا عَيْنًا فَهُمَا سَوَاءٌ، وَالْقُرْعَةُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ لِإِخْرَاجِ الْمَجْهُولِ.
وَإِنْ مَاتَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا وَكَانَ نَوَى الْمُطَلَّقَةَ حَلَفَ لِوَرَثَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا وَوَرِثَهَا أَوْ لِلْحَيَّةِ وَلَمْ يَرِثْ الْمَيِّتَةَ وإنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ أَحَدَهُمَا أَقْرَعَ.
(وَإِنْ مَاتَ) قَبْلَ الْقُرْعَةِ (أَقْرَعَ وَرَثَتُهُ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ (وَلَا يَطَأُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهُ إحْدَاهُمَا وَدَوَاعِيهِ (قَبْلَهَا) أَيْ الْقُرْعَةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِإِحْدَاهُمَا يَقِينًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُصَادِفَهَا (وَتَجِبُ النَّفَقَةُ) لِلزَّوْجَتَيْنِ إلَى الْقُرْعَةِ ; لِأَنَّهُمَا مَحْبُوسَتَانِ لِحَقِّهِ فِي حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ (وَمَتَى ظَهَرَ أَوْ ذُكِرَ) بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ لِإِحْدَاهُمَا (أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ الْمُخْرَجَةِ) بِالْقُرْعَةِ بِأَنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ نِسْيَانِهِ (رُدَّتْ) الْمُخْرَجَةُ لِزَوْجِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فِيهَا بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَالْقُرْعَةُ لَا حُكْمَ لَهَا مَعَ الذِّكْرِ.
فَإِذَا أَعْلَم الْمُطَلَّقَةَ
رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا بِالِاشْتِبَاهِ فَإِذَا زَالَ عَنْهَا رُدَّتْ إلَيْهِ كَمَا لَوْ عَلِمَتْ مُذَكَّاةً بَعْدَ أَنْ اشْتَبَهَتْ بِمَيْتَةٍ (مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ) مُخْرَجَةٌ بِقُرْعَةٍ فَلَا تُرَدُّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إبْطَالِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (أَوْ) مَا لَمْ (يُحْكَمْ بِالْقُرْعَةِ) أَوْ يُقْرِعُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُنَّ ; لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ الزَّوْجُ رَفْعَهَا كَسَائِرِ الْحُكُومَاتِ.
(وَ) مَنْ قَالَ (لِزَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ) غَدًا (أَوْ حُرَّةٌ غَدًا فَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا) أَيْ الزَّوْجَتَيْنِ أَوْ الْأَمَتَيْنِ قَبْلَهُ (أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُمَا) بِأَنْ بَانَتْ مِنْهُ إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ أَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ وَنَحْوُهُ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْغَدِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ أَوْ الْعِتْقُ (بِالْبَاقِيَةِ) إذَا دَخَلَ الْغَدُ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَةَ وَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا قَبْلَ وَقْتِ الْوُقُوعِ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَلَا لِلْعِتْقِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَوْ لِأَمَةٍ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ.
(وَمَنْ زَوَّجَ بِنْتًا مِنْ بَنَاتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَجُهِلَتْ) الْمُزَوَّجَةُ (حُرِّمَ الْكُلُّ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُزَوَّجَةُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُقْرَعُ فَأَيَّتَهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ.
(وَمَنْ) لَهُ زَوْجَتَانِ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ وَ (قَالَ عَنْ طَائِرٍ إنْ كَانَ غُرَابًا فَحَفْصَةُ طَالِقٌ وَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَعَمْرَةُ) طَالِقٌ وَمَضَى الطَّائِرُ (وَجُهِلَ) جِنْسُهُ (لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا) أَيْ حَفْصَةُ وَعَمْرَةَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لَيْسَ غُرَابًا وَلَا حَمَامًا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْحِنْثِ، فَلَا يَزُولُ يَقِينُ النِّكَاحِ بِالشَّكِّ.
(وَإِنْ قَالَ) عَنْ طَائِرٍ (إنْ كَانَ غُرَابًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ) قَالَ فَ (أَمَتِي حُرَّةٌ وَقَالَ آخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا مِثْلَهُ) أَيْ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ أَوْ أَمَتِي حُرَّةٌ (وَلَمْ يَعْلَمَا) الطَّائِرَ غُرَابًا أَمْ غَيْرَهُ (لَمْ تَطْلُقَا) أَيْ زَوْجَتَاهُمَا (وَلَمْ تَعْتِقَا) أَيْ أَمَتَاهُمَا ; لِأَنَّ الْحَانِثَ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا يُحْكَمُ بِالْحِنْثِ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لِبَقَاءِ يَقِينِ نِكَاحِهِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْوَطْءُ) وَدَوَاعِيهِ لِحِنْثِ أَحَدِهِمَا بِيَقِينٍ وَتَحْرِيمِ امْرَأَتِهِ عَلَيْهِ وَقَدْ أُشْكِلَ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَنِثَ فِي إحْدَى امْرَأَتَيْهِ لَا بِعَيْنِهَا (إلَّا مَعَ اعْتِقَادِ أَحَدِهِمَا خَطَأَ الْآخَرِ) فَلَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ خَطَأَ رَفِيقِهِ وَطْءَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ لِتَيَقُّنِهِ الْحِلَّ وَبَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْمِلْكِ.
وَإِنْ أَقَرَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْحَانِثُ طَلُقَتْ زَوْجَتَاهُمَا وَعَتَقَتْ أَمَتَاهُمَا لِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ بِذَلِكَ أَخَذَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ الْحِنْثَ فَأَنْكَرَ فَقَوْلُهُ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا أَمَةَ الْآخَرِ فَيُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)
أَيْ الْأَمَتَيْنِ (حِينَئِذٍ) فَتَعْتِقُ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ كَمَنْ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ وَنَسِيَهَا وَلَهُ الْوَلَاءُ إنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِلَّتِي كَانَتْ أَمَتَهُ وَإِنْ خَرَجَتْ لِلْأُخْرَى فَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ حَتَّى يَتَصَادَقَا أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَدَّعِيهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) أَمَةٌ (مُشْتَرَكَةً بَيْنَ مُوسِرَيْنِ وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ طَائِرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا (فَنَصِيبِي حُرٌّ) وَقَالَ الْآخَرُ إنْ كَانَ غُرَابًا فَنَصِيبِي حُرٌّ (عَتَقَتْ) كُلُّهَا (عَلَى أَحَدِهِمَا وَيُمَيَّزُ) مَنْ عَتَقَتْ عَلَيْهِ (بِقُرْعَةٍ) لِيَغْرَمَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ.
(وَ) إنْ قَالَ (لِامْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ) طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِحَمَاتِهِ وَلَهَا بِنْتٌ غَيْرُ زَوْجَتِهِ بِنْتُكِ طَالِقٌ (أَوْ قَالَ سَلْمَى طَالِقٌ وَاسْمُهُمَا) أَيْ امْرَأَتُهُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ (سَلْمَى طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ) لِأَنَّهَا مَحَلُّ طَلَاقِهِ وَلَا يَمْلِكُ طَلَاقَ غَيْرِهَا (فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْأَجْنَبِيَّةَ دِينَ) أَيْ صُدِّقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهُ (وَلَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) فَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِهِ الْقَاضِي لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ كَدَفْعِ ظَالِمٍ وَتَخَلُّصٍ مِنْ مَكْرُوهٍ فَيُقْبَلُ حُكْمًا لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ زَوْجَتَهُ وَلَا الْأَجْنَبِيَّةَ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَادَى) مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ هِنْدٌ وَعَمْرَةُ (مِنْ امْرَأَتَيْهِ هِنْدًا) وَحْدَهَا (فَأَجَابَتْهُ) زَوْجَتُهُ (عَمْرَةُ أَوْ لَمْ تُجِبْهُ) عَمْرَةُ (وَهِيَ الْحَاضِرَةُ) عِنْدَهُ دُونَ هِنْدٍ (فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَظُنُّهَا) أَيْ عَمْرَةَ (الْمُنَادَاةَ) أَيْ هِنْدًا (طَلُقَتْ) هِنْدُ (دُونَ عَمْرَةَ) لِأَنَّ الْمُنَادَاةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالطَّلَاقِ فَوَقَعَ بِهَا كَمَا لَوْ أَجَابَتْهُ وَعَمْرَةُ لَمْ يَقْصِدْهَا بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ عَلِمَهَا) أَيْ الْمُجِيبَةَ (غَيْرَ الْمُنَادَاةِ طَلُقَتَا) أَيْ طَلُقَتْ الْمُنَادَاةُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ وَالْمُجِيبَةُ لِأَنَّهُ وَاجَهَهَا بِالطَّلَاقِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا غَيْرُ الْمُنَادَاةِ (إنْ أَرَادَ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ) وَهِيَ هِنْدُ (وَإِلَّا) يُرِدْ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ (طَلُقَتْ عَمْرَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ هِنْدٍ وَهِيَ الْمُنَادَاةُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُوَاجَهَةٍ بِالطَّلَاقِ وَلَا مَنْوِيَّةٌ بِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) زَوْجٌ (لِمَنْ) أَيْ امْرَأَةٍ (ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ فُلَانَةَ) وَسَمَّى زَوْجَتَهُ فُلَانَةَ (أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَمْ يُسَمِّهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ بَلْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ فُلَانَةَ (طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ) اعْتِبَارًا بِالْقَصْدِ دُونَ الْخِطَابِ (وَكَذَا عَكْسُهَا) بِأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَنْتِ طَالِقٌ فَتَطْلُقُ، لِأَنَّهُ وَاجَهَهَا بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ عَلِمَهَا زَوْجَتَهُ وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهَا أَجْنَبِيَّةً،
لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الطَّلَاقِ.
(وَمِثْلُهُ) أَيْ الطَّلَاقُ (الْعِتْقُ) فِيمَا تَقَدَّمَ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إزَالَةُ مِلْكٍ يُبْنَى عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ قَالَ: يَا غُلَامُ أَنْتَ حُرٌّ يَعْتِقُ عَبْدُهُ الَّذِي نَوَى ;.
وَفِي الْمُنْتَخَبِ أَوْ نَسِيَ أَنَّ لَهُ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً فَبَانَ لَهُ.
(وَمَنْ أَوْقَعَ بِزَوْجَتِهِ كَلِمَةً وَشَكَّ هَلْ هِيَ) أَيْ الْكَلِمَةُ (طَلَاقٌ أَوْ ظِهَارٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُمَا وَلَمْ يُتَيَقَّنْ أَحَدُهُمَا.
(وَإِنْ شَكَّ) زَوْجٌ (هَلْ ظَاهَرَ) مِنْ زَوْجَتِهِ (أَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -) لَا يَطَؤُهَا (لَزِمَهُ بِحِنْثٍ) بِأَنْ وَطِئَهَا (أَدْنَى كَفَّارَتَيْهَا) وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالْأَحْوَطُ أَعْلَاهَا.
[كِتَابُ الرَّجْعَةِ]
وَهِيَ: أَيْ الرَّجْعَةُ بِالْفَتْحِ فِعْلُ الْمُرْتَجِعِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلِهَذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى فَتْحِهَا.
وَشَرْعًا (إعَادَةُ مُطَلَّقَةٍ) طَلَاقًا (غَيْرَ بَائِنٍ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ) قَبْلَ الطَّلَاقِ (بِغَيْرِ عَقْدٍ) أَيْ نِكَاحٍ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ " «وَطَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إذَا طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ وَالْعَبْدَ دُونَ الِاثْنَيْنِ أَنَّ لَهُمَا الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ (إذَا طَلَّقَ حُرٌّ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مُمَيِّزًا يَعْقِلُهُ ; لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ وَهُوَ يَمْلِكُهُ لَا وَلِيُّهُ لَكِنْ ظَاهِرُ الْمُبْدِعِ يُخَالِفُهُ، كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْإِقْنَاعِ (مَنْ دَخَلَ) بِهَا (أَوْ خَلَا بِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) طَلَاقًا (أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ أَوْ) طَلَّقَ (عَبْدٌ) مَنْ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ طَلْقَةً (وَاحِدَةً بِلَا عِوَضٍ) مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا غَيْرِهَا فِي طَلَاقِ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ (فَلَهُ) أَيْ الْمُطَلِّقِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا فِي عِدَّتِهَا رَجْعَتُهَا.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِلَا إذْنِ سَيِّدِ زَوْجٍ (وَلِوَلِيِّ مَجْنُونٍ) طَلَّقَ بِلَا عِوَضٍ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ (فِي عِدَّتِهَا رَجْعَتُهَا وَلَوْ كَرِهَتْ) الْمُطَلَّقَةُ ذَلِكَ لِقِيَامِ وَلِيِّهِ مَقَامَهُ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهَا فَلَا رَجْعَةَ ; لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَلَا تُمْكِنُ رَجْعَتُهَا، وَكَذَا إنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا كَبِلَا وَلِيٍّ أَوْ شُهُودٍ فَيَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَا رَجْعَةَ لِأَنَّهَا إعَادَةٌ إلَى النِّكَاحِ فَإِذَا لَمْ تَحِلَّ بِالنِّكَاحِ وَجَبَ أَنْ لَا تَحِلَّ بِالرَّجْعَةِ إلَيْهِ، وَكَذَا إنْ طَلَّقَ الْحُرُّ ثَلَاثًا أَوْ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ كَمَا يَأْتِي فَلَا رَجْعَةَ وَكَذَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا
جُعِلَ لِتَفْتَدِيَ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الزَّوْجِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهَا إمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا كَالْمَبِيعِ زَمَنَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُرْتَجَعَةُ حُرَّةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ عَلَى أَمَةٍ (أَوْ أَمَةً) عَلَى أَمَةٍ أَوْ أَمَةً (عَلَى حُرَّةٍ) لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ لَا ابْتِدَاءٌ لَهُ (أَوْ) كَانَتْ الرَّجْعِيَّةُ أَمَةً و (أَبَى سَيِّدُهَا) رَجْعَتَهَا (أَوْ) كَانَتْ الرَّجْعِيَّةُ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً وَأَبَى (وَلِيٌّ) رَجْعَتَهَا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً مُكَلَّفَةً لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا فَكَذَا سَيِّدُهَا أَوْ وَلِيُّهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّجْعَةِ إرَادَةُ الْإِصْلَاحِ وَالْآيَةُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْإِصْلَاحِ وَالْمَنْعِ مِنْ قَصْدِ الْإِضْرَارِ.
وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ (بِلَفْظِ رَاجَعْتُهَا وَرَجَعْتُهَا وَارْتَجَعْتُهَا وَأَمْسَكْتُهَا وَرَدَدْتُهَا وَنَحْوَهُ) كَأَعَدْتُهَا لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ الرَّجْعَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَاشْتَهَرَ هَذَا الِاسْمُ فِيهَا عُرْفًا فَتُسَمَّى رَجْعَةً وَالْمَرْأَةُ رَجْعِيَّةً وَوَرَدَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ الرَّدِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وَبِلَفْظِ الْإِمْسَاكِ فِي - قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229] وَأُلْحِقَ بِهَا مَا هُوَ بِمَعْنَاهَا (وَلَوْ زَادَ لِلْمَحَبَّةِ أَوْ) زَادَ (لِلْإِهَانَةِ) بِأَنْ قَالَ رَاجَعْتُهَا وَنَحْوَهُ لِلْإِهَانَةِ وَكَذَا لِمَحَبَّتِي إيَّاكِ أَوْ لِإِهَانَتِكِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالرَّجْعَةِ وَبَيَّنَ سَبَبَهَا (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَجْعَتَهَا إلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَحَبَّةِ أَوْ الْإِهَانَةِ (بِفِرَاقِهِ) إيَّاهَا فَلَا رَجْعَةَ لِحُصُولِ التَّضَادِّ، لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تُرَادُ لِلْفِرَاقِ و (لَا) يَحْصُلُ بِقَوْلِ مُطَلِّقٍ (نَكَحْتُهَا أَوْ تَزَوَّجْتُهَا) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ وَالرَّجْعَةُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ فَلَا تَحْصُلُ بِكِنَايَةٍ كَالنِّكَاحِ.
(وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا) أَيْ الرَّجْعَةِ (الْإِشْهَادُ) عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ كَسَائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَكَذَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ وَلَا صَدَاقٍ وَلَا رِضَا الْمَرْأَةِ كَمَا مَرَّ وَلَا عِلْمِهَا إجْمَاعًا لِأَنَّ حُكْمَ الرَّجْعِيَّةِ حُكْمُ الزَّوْجَاتِ وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وَإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ وَانْعَقَدَ بِهَا سَبَبُ زَوَالِهِ فَالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شَعَثَهُ وَتَقْطَعُ مُضِيَّهُ إلَى الْبَيْنُونَةِ فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ (وَعَنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (بَلَى) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا (فَ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (تَبْطُلُ) الرَّجْعَةُ (إنْ أَوْصَى) الزَّوْجُ (الشُّهُودَ بِكِتْمَانِهَا) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِسَنَدِهِ إلَى خِلَاسٍ قَالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ عَلَانِيَةً وَرَاجَعَهَا سِرًّا وَأَمَرَ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَكْتُمَاهَا الرَّجْعَةَ فَاخْتَصَمُوا إلَى عَلِيٍّ فَجَلَدَ الشَّاهِدَيْنِ وَاتَّهَمَهُمَا وَلَمْ
يَجْعَلْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةً.
(وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ) يَمْلِكُ الزَّوْجُ مِنْهَا مَا يَمْلِكُهُ مِمَّنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا (فَيَصِحُّ أَنْ تُلَاعَن و) أَنْ (تَطْلُقَ وَيَلْحَقُهَا ظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ) وَيَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إجْمَاعًا وَيَصِحُّ خُلْعُهَا لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا وَنِكَاحُهَا بَاقٍ فَلَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ لَكِنْ لَا قَسَمَ لَهَا صَرَّحَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ.
(وَلَهَا) أَيْ الرَّجْعِيَّةِ (أَنْ تُشْرِفَ) أَيْ تَتَعَرَّضَ (لَهُ) أَيْ لِمُطَلِّقِهَا بِأَنْ تُرِيَهُ نَفْسَهَا.
(وَ) لَهَا أَيْضًا أَنْ (تَتَزَيَّنَ) لَهُ كَمَا تَتَزَيَّنُ النِّسَاءُ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِإِبَاحَتِهَا لَهُ كَمَا قَبْلَ الطَّلَاقِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُطَلِّقِ (السَّفَرُ) بِالرَّجْعِيَّةِ (وَالْخَلْوَةُ بِهَا وَوَطْؤُهَا) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ (وَتَحْصُلُ بِهِ) أَيْ بِوَطْئِهِ لَهَا (رَجْعَتُهَا وَلَوْ لَمْ يَنْوِهَا) أَيْ الرَّجْعَةَ بِالْوَطْءِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبُ زَوَالِ الْمِلْكِ وَمَعَهُ خِيَارٌ فَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ بِالْوَطْءِ فِي مُدَّتِهِ يَمْنَعُ عَمَلَهُ كَوَطْءِ الْبَائِعِ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي قَوْلٍ.
و (لَا) تَحْصُلُ رَجْعَتُهَا بِإِنْكَارِ طَلَاقِهَا ; لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِوُجُودِ حَقِّهِ فِي الرَّجْعَةِ وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ (بِمُبَاشَرَةِ) الرَّجْعِيَّةِ دُونَ الْفَرْجِ (وَ) لَا (بِنَظَرٍ لِفَرْجٍ وَكَذَا خَلْوَةٌ لِشَهْوَةٍ إلَّا عَلَى قَوْلٍ) أَيْ رِوَايَةٍ قَالَ (الْمُنَقِّحُ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) انْتَهَى قِيَاسًا عَلَى إلْحَاقِهَا بِالْوَطْءِ فِي تَكْمِيلِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ.
(وَتَصِحُّ) رَجْعَةٌ (بَعْدَ طُهْرٍ مِنْ) حَيْضَةٍ (ثَالِثَةٍ وَلَمْ تَغْتَسِلْ) نَصًّا رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّ أَثَرَ الْحَيْضِ يَمْنَعُ الزَّوْجَ الْوَطْءَ كَمَا يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ فَيُحْرَمُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ وَيُوجِبُ مَا أَوْجَبَهُ الْحَيْضُ كَمَا قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَتَنْقَطِعُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ التَّوَارُثِ وَالطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَيَأْتِي فِي الْعِدَّةِ.
(وَ) تَصِحُّ الرَّجْعَةُ (قَبْلَ وَضْعِ وَلَدٍ مُتَأَخِّرٍ) رَجْعَتُهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا بِعَدَدٍ وَقَبْلَ خُرُوجِ بَقِيَّةِ وَلَدٍ لِبَقَاءِ الْعِدَّةِ.
و (لَا) تَصِحُّ رَجْعَتُهَا (فِي رِدَّةٍ) مِنْ مُطَلَّقَةٍ أَوْ مُطَلِّقٍ ; لِأَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ فَلَا تَصِحُّ مَعَ الرِّدَّةِ كَنِكَاحٍ، وَكَذَا بَعْدَ إسْلَامِ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجِ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ.
و (لَا) يَصِحُّ (تَعْلِيقُهَا) أَيْ الرَّجْعَةِ (بِشَرْطٍ ك) قَوْلِهِ لَهَا (كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ) لِمَا سَبَقَ (وَلَوْ عَكَسَهُ) فَقَالَ لِلرَّجْعِيَّةِ كُلَّمَا رَاجَعْتُكِ فَقَدْ طَلَّقْتُكِ (صَحَّ) التَّعْلِيقُ (وَطَلُقَتْ) كُلَّمَا رَاجَعَهَا لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ.
(وَمَتَى اغْتَسَلَتْ) رَجْعِيَّةٌ (مِنْ حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا) قَبْلَهُ (بَانَتْ وَلَمْ تَحِلَّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) إجْمَاعًا لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أَيْ الْعِدَّةِ.
(وَتَعُودُ) إلَيْهِ
الرَّجْعِيَّةُ إذَا رَاجَعَهَا وَالْبَائِنُ إذَا نَكَحَهَا (عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَلَوْ) كَانَ عَوْدُهَا (بَعْدَ وَطْءِ زَوْجٍ آخَرَ) غَيْرِ الْمُطَلِّقِ فِي قَوْلِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَبُو مُعَاذٍ وَعِمْرَانُ ابْنُ حُصَيْنٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; وَلِأَنَّ وَطْءَ الثَّانِيَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِحْلَالِ لِلْأَوَّلِ، فَلَا يُغَيَّرُ حُكْمُ الطَّلَاقِ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ وَالسَّيِّدِ ; وَلِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّلَاثِ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي.
(وَإِنْ أَشْهَدَ) مُطَلِّقٌ رَجْعِيًّا (عَلَى رَجْعَتِهَا) فِي الْعِدَّةِ (وَلَمْ تَعْلَمْ) هِيَ (حَتَّى اعْتَدَّتْ وَنَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا) ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى رَجْعِيَّتَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ وَقُبِلَتْ (رُدَّتْ إلَيْهِ) لِثُبُوتِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأَنَّ نِكَاحَ الثَّانِيَ فَاسِدٌ لِتَزَوُّجِهِ امْرَأَةً فِي نِكَاحِ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُصِبْهَا الثَّانِي.
(وَلَا يَطَؤُهَا) الْأَوَّلُ إنْ أَصَابَهَا الثَّانِي (حَتَّى تَعْتَدَّ) مِنْ وَطْءِ الثَّانِي احْتِيَاطًا لِلْأَنْسَابِ (وَكَذَا إنْ صَدَّقَاهُ) أَيْ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي أَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُمَا أَبْلَغُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ رَجْعَتُهُ) بِبَيِّنَةٍ (وَأَنْكَرَاهُ) أَيْ أَنْكَرَ أَيْ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ أَنَّهُ رَاجَعَهَا (رُدَّ قَوْلُهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجِ الثَّانِي بِهَا وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهَا (وَإِنْ صَدَّقَهُ) الزَّوْجُ (الثَّانِي بَانَتْ مِنْهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا إنْ دَخَلَ وَخَلَا بِهَا وَإِلَّا فَنِصْفُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا عَنْهُ، وَلَا تُسَلَّمُ الْمَرْأَةُ إلَى الْمُدَّعِي ; لِأَنَّ قَوْلَ الثَّانِي لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا بَلْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ (وَإِنْ صَدَّقَتْهُ) الْمَرْأَةُ (لَمْ يُقْبَلْ عَلَى) الزَّوْجِ (الثَّانِي) فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ (وَلَا يَلْزَمُهَا مَهْرُ الْأَوَّلِ لَهُ) أَيْ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ لَهَا بِالدُّخُولِ (لَكِنْ مَتَى بَانَتْ) مِنْ الثَّانِي (عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ بِلَا عَقْدٍ جَدِيدٍ) وَلَا يَطَأُ حَتَّى تَعْتَدَّ لِلثَّانِي إنْ دَخَلَ بِهَا وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ قَبْلَ بَيْنُونَتِهَا مِنْ الثَّانِي فَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَبِعَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَرِثَهُ لِإِقْرَارِهِ بِزَوْجِيَّتِهَا وَتَصْدِيقِهَا، وَإِنْ مَاتَتْ لَا يَرِثُهَا الْأَوَّلُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الثَّانِي بِالْإِرْثِ، وإنْ مَاتَ الثَّانِي لَمْ تَرِثْهُ هِيَ لِإِنْكَارِهَا صِحَّةَ نِكَاحِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يُمَكَّنُ الْأَوَّلُ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهَا وَلَا أَرْبَعٍ سِوَاهَا.
(وَمَنْ ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا) بِوِلَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَأَمْكَنَ) بِأَنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهِ (قُبِلَتْ) دَعْوَاهَا - لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] قِيلَ هُوَ الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ.
فَلَوْلَا قَبُولُ
قَوْلِهِنَّ لَمْ يَخْرُجْنَ بِكِتْمَانِهِ ; وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ تَخْتَصُّ الْمَرْأَةُ بِمَعْرِفَتِهِ.
فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ كَالنِّيَّةِ مِنْ الْإِنْسَانِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا فِيهِ رُدَّ قَوْلُهَا، فَإِنْ مَضَى مَا يُمْكِنُ صِدْقُهَا فِيهِ ثُمَّ ادَّعَتْهُ فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى دَعْوَاهَا الْمَرْدُودَةِ لَمْ تُقْبَلْ وَإِنْ ادَّعَتْ انْقِضَاءَهَا فِي الْمُدَّةِ كُلِّهَا أَوْ فِيمَا يُمْكِنُ مِنْهَا قُبِلَتْ.
و (لَا) تُقْبَلُ دَعْوَاهَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا (فِي شَهْرٍ بِحَيْضٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) نَصًّا لِقَوْلِ شُرَيْحٍ إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ وَجَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ النِّسَاءِ الْعُدُولِ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى صِدْقُهُ وَعَدْلُهُ أَنَّهَا رَأَتْ مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ مِنْ الطَّمْثِ وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ فَقَالَ لَهُ: عَلِيٌّ قالون، وَمَعْنَاهُ بِالرُّومِيَّةِ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْت، وَإِنَّمَا لَمْ تُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِهِ لِنُدْرَتِهِ بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى الشَّهْرِ.
(وَأَقَلُّ مَا) أَيْ زَمَنٍ (تَنْقَضِي عِدَّةُ حُرَّةٍ فِيهِ لِأَقْرَاءٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا (وَلَحْظَةً) لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ، وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَيَكُونُ طَلْقُهَا مَعَ آخِرِ الطُّهْرِ وَاللَّحْظَةُ لِتَحَقُّقِ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَحَيْثُ اُعْتُبِرَ الْغُسْلُ اُعْتُبِرَ لَهُ لَحْظَةٌ أَيْضًا.
(وَ) أَقَلُّ مَا تَنْقَضِي فِيهِ عِدَّةُ (أَمَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا (وَلَحْظَةً) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَاسِقَةُ وَالْمَرْضِيَّةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ ; لِأَنَّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ إخْبَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالٍ.
(وَمَنْ) أَيْ مُطَلَّقَةٌ رَجْعِيَّةٌ (قَالَتْ ابْتِدَاءً) قَبْلَ دَعْوَى زَوْجِهَا رَجْعَتَهَا (انْقَضَتْ عِدَّتِي) فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ.
قُلْت أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ (فَقَالَ) زَوْجُهَا (كُنْتُ رَاجَعْتُكِ وَأَنْكَرَتْهُ) فَقَوْلُهَا: لِأَنَّ دَعْوَاهَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا إذَنْ مَقْبُولَةٌ فَصَارَتْ دَعْوَاهُ الرَّجْعَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَلَمْ تُقْبَلْ.
(أَوْ تَدَاعَيَا مَعًا) بِأَنْ قَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي.
وَقَالَ الزَّوْجُ: رَاجَعْتُكِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا وَلَوْ صَدَّقَهُ سَيِّدُ أَمَةٍ) رَجْعِيَّةٍ نَصًّا ; لِأَنَّ قَوْلَهَا لَا يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الزَّوْجِ، وإنْ صَدَّقَتْهُ وَكَذَّبَهُ مَوْلَاهَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا فِي إبْطَالِ حَقِّ السَّيِّدِ، وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا تَزْوِيجُهَا (وَمَتَى رَجَعَتْ عَنْ قَوْلِهَا) انْقَضَتْ حَيْثُ قُبِلَ قَوْلُهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ (قَبْلَ) رُجُوعِهَا (كَجَحْدِ أَحَدِهِمَا النِّكَاحَ) إذَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ (ثُمَّ يَعْتَرِفُ بِهِ) أَيْ النِّكَاحِ مُنْكِرُهُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ إنْكَارٌ.
(وَإِنْ سَبَقَ) زَوْجُ رَجْعِيَّةٍ (فَقَالَ) لَهَا (ارْتَجَعْتُكِ فَقَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ) وَأَنْكَرَهَا (فَقَوْلُهُ) لِسَبْقِ دَعْوَاهُ
الرَّجْعَةَ إخْبَارَهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا وَدَعْوَاهَا ذَلِكَ بَعْدَ دَعْوَى الزَّوْجِ الرَّجْعَةَ تَقْصِدُ بِهِ إبْطَالَ حَقِّهِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهَا.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا حُرٌّ ثَلَاثًا أَوْ طَلَّقَهَا عَبْدٌ ثِنْتَيْنِ]
فَصْلٌ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَيْ الزَّوْجَةَ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً زَوْجٌ (حُرٌّ ثَلَاثًا أَوْ) طَلَّقَهَا زَوْجٌ (عَبْدٌ ثِنْتَيْنِ وَلَوْ عَتَقَ) قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ) فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَنَسَخَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى -: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْت بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ تَحْتُ - وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِيَ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَيَتَزَوَّجُهَا آخَرُ فَتُغْلِقُ الْبَابَ وَتُرْخِي السِّتْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ " لَا حَتَّى يُجَامِعَهَا الْآخَرُ " وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا الْعُسَيْلَةُ: هِيَ الْجِمَاعُ (فِي قُبُلٍ) لِأَنَّ الْوَطْءَ الْمُعْتَبَرَ شَرْعًا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ (مَعَ انْتِشَارٍ) لِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ انْتِشَارٍ (وَلَوْ) كَانَ الزَّوْجُ الْوَاطِئُ (مَجْبُوبًا أَوْ خَصِيًّا) مَعَ بَقَاءِ ذَكَرِهِ (أَوْ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ وَأَدْخَلَتْهُ) أَيْ ذَكَرَهُ (فِيهِ) أَيْ فِي فَرْجِهَا مَعَ انْتِشَارِهِ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ مِنْ زَوْجٍ أَشْبَهَ حَالَ إفَاقَتِهِ وَوُجُودِ خَصِيَتَيْهِ (أَوْ) كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي (ذِمِّيًّا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ) لِحِلِّهَا لَهُ فَيَحِلُّهَا لِمُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ وَلَوْ مُسْلِمًا (أَوْ) كَانَ (لَمْ يُنْزِلْ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُسَيْلَةَ هِيَ الْجِمَاعُ (أَوْ) كَانَ لَمْ (يَبْلُغْ عَشْرًا) لِعُمُومِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (أَوْ) كَانَ حِينَ وَطْئِهِ (ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً) لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (وَيَكْفِي) فِي حِلِّهَا (تَغَيُّبُ الْحَشَفَةِ وَ) تَغْيِيبُ (قَدْرِهَا) أَيْ الْحَشَفَةِ (مِنْ مَجْبُوبِ) الْحَشَفَةِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَيُفْسِدُ الْحَجَّ أَشْبَهَ تَغْيِيبَ الذَّكَرِ (وَ) يَكْفِي فِي حِلِّهَا (وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِمَرَضِ الزَّوْجَةِ) أَوْ
الزَّوْجِ (وَ) وَطْءٌ مُحَرَّمٌ (لِضِيقِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَفِي مَسْجِدٍ و) فِي حَالِ مَنْعِ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا (لِقَبْضِ مَهْرٍ) حَالٍّ (وَنَحْوَهُ) كَقَصْدِ إضْرَارِهَا بِوَطْءٍ لِعَبَالَةِ ذَكَرِهِ وَضِيقِ فَرْجِهَا ; لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِمَعْنًى فِيهَا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - و (لَا) يَحِلُّهَا وَطْءٌ مُحَرَّمٌ (لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمِ فَرْضٍ أَوْ فِي دُبُرٍ أَوْ نِكَاحٍ بَاطِلٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ رِدَّةٍ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِمَعْنًى فِيهَا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فِي الْحِلِّ فَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] (أَوْ) أَيْ وَلَا يَكْفِي فِي حِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَطْؤُهَا (بِشُبْهَةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] الْآيَةَ وَهَذَانِ لَيْسَا بِزَوْجٍ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا (أَمَةً فَاشْتَرَاهَا مُطَلِّقُهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) لِلْآيَةِ وَيَطَؤُهَا لِلْحَدِيثِ.
(وَلَوْ طَلَّقَ عَبْدٌ طَلْقَةً ثُمَّ عَتَقَ) قَبْلَ ثَانِيَةٍ (مَلَكَ تَتِمَّةَ ثَلَاثٍ) لِأَنَّهُ فِي حَالِ طَلَاقِ الثَّانِيَةِ حُرٌّ فَاعْتُبِرَ حَالُهُ إذَنْ (كَكَافِرٍ) حُرٍّ (طَلَّقَ) زَوْجَتَهُ (ثِنْتَيْنِ ثُمَّ رَقَّ) بَعْدَ سَبْيِهِ فَيَمْلِكُ الثَّالِثَة وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِأَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ كَانَتَا غَيْرَ مُحَرِّمَتَيْنِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُمَا بِمَا طَرَأَ بَعْدَهُمَا كَمَا لَوْ طَلَّقَ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِوُقُوعِهِمَا مُحَرِّمَتَيْنِ.
(وَمَنْ غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَضَرَ فَذَكَرَتْ) لَهُ (أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا و) أَنَّهَا (انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَأَمْكَنَ) ذَلِكَ بِأَنْ مَضَى زَمَنٌ يَتَّسِعُ لَهُ وَكَذَا لَوْ غَابَتْ عَنْهُ ثُمَّ حَضَرَتْ وَذَكَرَتْ ذَلِكَ (فَلَهُ نِكَاحُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا) لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَقِيقَةً إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِيهِ كَإِخْبَارِهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ.
و (لَا) يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا (إنْ رَجَعَتْ) عَنْ إخْبَارِهَا بِذَلِكَ (قَبْلَ عَقْدٍ) عَلَيْهَا لِزَوَالِ الْخَبَرِ الْمُبِيحِ لَهُ (وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَهُ) أَيْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا (فَلَوْ) تَزَوَّجَتْ مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا بِآخَرَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَذَكَرَتْ لِلْأَوَّلِ أَنَّ الثَّانِي وَطِئَهَا و (كَذَّبَهَا الثَّانِي فِي وَطْءٍ فَقَوْلُهُ) أَيْ الثَّانِي (فِي تَنْصِيفِ مَهْرٍ) إنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا (وَقَوْلُهَا) فِي وَطْءٍ (فِي إبَاحَتِهَا لِلْأَوَّلِ) إلَّا إنْ قَالَ الْأَوَّلُ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَصَابَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ عَادَ فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ وَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ صِدْقَهَا دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ حِلَّهَا لَمْ تُحَرَّمْ بِكَذِبِهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ
يَعْلَمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ فِي الْمَاضِي، وَإِنْ قَالَ مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَصَابَهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حِلِّهَا لَهُ خَبَرٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ لَا حَقِيقَةُ الْعِلْمِ.
(وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ) امْرَأَةٌ (حَاضِرًا وَفَارَقَهَا وَادَّعَتْ إصَابَتَهُ) إيَّاهَا (وَهُوَ مُنْكِرُهَا) أَيْ الْإِصَابَةِ فَقَوْلُهُ فِي تَنْصِيفِ مَهْرٍ إنْ لَمْ يُقِرَّ بِخَلْوَةٍ وَقَوْلُهَا فِي حِلِّهَا لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَكُلُّ مَا يَلْزَمُهَا بِالْوَطْءِ، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ النِّكَاحِ، وَلِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا نِكَاحُهَا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا (وَمِثْلُ) الصُّورَةِ (الْأُولَى) وَهِيَ مَا إذَا ذَكَرَتْ مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا لِلْأَوَّلِ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
(لَوْ جَاءَتْ) امْرَأَةٌ (حَاكِمًا وَادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهُ تَزْوِيجُهَا) بِشَرْطِهِ (إنْ ظَنَّ صِدْقَهَا وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يُعْرَفُ) ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْمَجْهُولَ لَا يَصِحُّ.
وَأَيْضًا الْأَصْلُ صِدْقُهَا وَلَا مُنَازِعَ وَالْإِقْرَارُ لِمُعَيَّنٍ إنَّمَا يُثْبِتُ الْحَقَّ إذَا صَدَقَ مُقِرٌّ لَهُ.
[كِتَابُ الْإِيلَاءِ وَأَحْكَامِ الْمُولِي]
وَهُوَ إفْعَالٌ مِنْ الْأَلِيَّةِ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ يُقَالُ: آلَى يُولِي إيلَاءً وَأَلِيَّةً وَجَمْعُ الْأَلِيَّةِ أَلَايَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ يَحْلِفُونَ يُقَال آلَيْتُ مِنْ امْرَأَتِي أُولِي إيلَاءً إذَا حَلَفَ لَا يُجَامِعُهَا حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ (يُحْرَمُ) الْإِيلَاءُ لِأَنَّهُ يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ (كَظِهَارٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] (وَكَانَ كُلٌّ) مِنْ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ (طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَذَكَرَهُ آخَرُونَ فِي ظِهَارِ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي الظِّهَارِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَقَتَادَةَ (وَهُوَ) أَيْ الْإِيلَاءُ شَرْعًا (حَلِفُ زَوْجٍ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَتِهِ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِهِمْ (عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ) لَا أَمَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ (الْمُمْكِنِ جِمَاعُهَا فِي قُبُلٍ أَبَدًا أَوْ يُطْلِقُ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) مُصَرِّحًا بِهَا (أَوْ يَنْوِيَهَا) بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا وَيَنْوِيَ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَسَوَاءٌ حَلَفَ فِي حَالِ الرِّضَا أَوْ غَيْرِهِ وَالزَّوْجَةُ مَدْخُولٌ بِهَا أَوْ لَا نَصًّا وَتَأْتِي مُحْتَرَزَاتُ هَذِهِ الْقُيُودِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] الْآيَةَ وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ " يُقْسِمُونَ " مَكَانَ " يُؤْلُونَ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا طَلَبَ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ شَيْئًا فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبهَا السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَيَدَعَهَا لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كَانَ الْإِيلَاءُ ضِرَارًا عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(وَيَتَرَتَّبُ حُكْمُهُ) أَيْ الْإِيلَاءِ (مَعَ خِصَاءِ) زَوْجٍ أَيْ قَطْعِ خَصْيَتِهِ دُونَ ذَكَرِهِ (و) مَعَ (جَبٍّ) أَيْ قَطْعِ (بَعْضِ ذَكَرِ) زَوْجٍ إنْ بَقِيَ
مِنْهُ مَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ بِهِ.
(وَ) مَعَ (عَارِضٍ) بِزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ (يُرْجَى زَوَالُهُ كَحَبْسٍ لَا عَكْسُهُ) فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ عَارِضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ بِأَحَدِهِمَا (كَرَتْقٍ) وَجَبٍّ.
(وَيُبْطِلُهُ) أَيْ الْإِيلَاءَ (جَبُّ) ذَكَرِهِ (كُلِّهِ) بَعْدَ إيلَائِهِ ; لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مَعَهُ ابْتِدَاءُ شَيْءٍ امْتَنَعَ مَعَ حُدُوثِهِ دَوَامُ ذَلِكَ الشَّيْءِ (و) يُبْطِلُهُ (شَلَلُهُ) أَيْ الذَّكَرِ بَعْدَ إيلَائِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُبْطِلُهُ (نَحْوُهُمَا) كَمَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْإِيلَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْوَطْءُ (وَكَمُولٍ فِي الْحُكْمِ) مَنْ ضَرَبَ الْمُدَّةَ وَطَلَبَ الْفَيْئَةَ بَعْدَهَا وَالْأَمْرُ بِالطَّلَاقِ إنْ لَمْ يَفِ وَنَحْوُهُ (مَنْ تَرَكَ الْوَطْءَ) فِي قُبُلِ زَوْجَتِهِ (ضِرَارًا) بِهَا (بِلَا عُذْرٍ) لَهُ (أَوْ) أَيْ وَبِلَا (حَلِفٍ) عَلَى تَرْك وَطْءٍ (وَ) مِثْلُهُ (مَنْ ظَاهَرَ) مِنْ امْرَأَتِهِ (وَلَمْ يُكَفِّرْ) لِظِهَارِهِ ; لِأَنَّهُ ضَرَّهَا بِتَرْكِ وَطْئِهَا فِي مُدَّةٍ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْمُولِي فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ بِحَلِفِهِ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَبَ أَدَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِهِ كَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجْعَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ وَاجِبًا إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ; وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْإِيلَاءِ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَرْأَةِ وَإِزَالَةِ ضَرَرِهَا وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِيلَاءِ وَعَدَمِهِ.
فَإِنْ قِيلَ فَلَا يَبْقَى لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ فَلِمَ أُفْرِدَ بِبَابٍ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ لَهُ أَثَرًا لِدَلَالَتِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِيلَاءُ احْتَجْنَا إلَى دَلِيلٍ سَوَاءٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَارَةِ.
(وَإِنْ حَلَفَ) عَلَى زَوْجَتِهِ (لَا يَطَؤُهَا فِي دُبُرِهَا) لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَلَا تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِهِ (أَوْ) حَلَفَ لَا وَطِئَهَا (دُونَ فَرْجٍ أَوْ) حَلَفَ (لَا جَامَعَهَا إلَّا جِمَاعَ سُوءٍ يُرِيدُ) جِمَاعًا (ضَعِيفًا لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِلَا حِنْثٍ (وَإِنْ أَرَادَ) بِقَوْلِهِ إلَّا جِمَاعَ سُوءٍ كَوْنُهُ (فِي الدُّبُرِ أَوْ دُونَ الْفَرْجِ صَارَ مُولِيًا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَيْئَةِ إلَّا بِالْحِنْثِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِاحْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ.
(وَمَنْ عَرَفَ مَعْنَى مَا) أَيْ لَفْظٍ (لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ) أَيْ الْوَطْءِ (وَأَتَى بِهِ) أَيْ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَطْءِ (وَهُوَ) قَوْلُهُ وَاَللَّهِ (لَا نِكْتُكِ) وَكَذَا مَا يُرَادِفُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مِمَّنْ يُعْرَفُ مَعْنَاهُ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخَلْتُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ (أَوْ) قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخَلْتُ (حَشَفَتِي فِي فَرْجِكِ و) قَوْلُهُ (لِلْبِكْرِ خَاصَّةً) وَاَللَّهِ (لَا اقْتَضَضْتُكِ) بِالْقَافِ صَارَ مُولِيًا فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ غَيْرَ الْوَطْءِ (لَمْ يُدَيَّنْ مُطْلَقًا) ; لِأَنَّ هَذِهِ
الْأَلْفَاظَ نَصٌّ فِي الْوَطْءِ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
(وَ) إنْ قَالَ وَاَللَّهِ (لَا اغْتَسَلْتُ مِنْك أَوْ) لَا (أَفْضَيْتُ إلَيْكِ أَوْ) لَا (غَشَيْتُكِ أَوْ) لَا (لَمَسْتُكِ أَوْ) لَا (أَصَبْتُكِ أَوْ) لَا (افْتَرَشْتُكِ أَوْ) لَا (وَطِئْتُكِ أَوْ) لَا (جَامَعْتُكِ أَوْ) لَا (بَاضَعْتُكِ أَوْ) لَا (بَاشَرْتُكِ أَوْ) لَا (بَاعَلْتُك أَوْ) لَا (قَرُبْتُكِ أَوْ) لَا (مَسَسْتُكِ أَوْ) لَا (أَتَيْتُك صَرِيحٌ حُكْمًا لَا يَحْتَاج إلَى نِيَّة) حَيْثُ عُرِفَ مَعْنَاهَا لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عُرْفًا فِي الْوَطْءِ وَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: 222] ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] وَأَمَّا الْوَطْءُ وَالْجِمَاعُ فَهُمَا أَشْهَرُ أَلْفَاظِهِ (وَيُدَيَّنُ) فِي لَا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ وَمَا بَعْدَهُ إنْ قَالَ أَرَدْتُ غَيْرَ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ (مَعَ عَدَمِ قَرِينَةِ) إيلَاءٍ كَقَوْلِهِ أَرَدْتُ بِالْوَطْءِ الْوَطْءَ بِالْقَدَمِ أَوْ بِاللَّمْسِ أَوْ الْإِصَابَةِ فِعْلَهُمَا بِالْيَدِ وَنَحْوَهُ وُكِّلَ إلَى دِينِهِ (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ إنْ صَدَقَ (بَاطِنًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا وَاَللَّهِ (لَا ضَاجَعْتُكِ أَوْ) لَا (دَخَلْتُ إلَيْكِ أَوْ) لَا قَرُبْتُ فِرَاشَكِ أَوْ لَا (بِتُّ عِنْدَكِ وَنَحْوَهُ) كَلَا نِمْتُ عِنْدَكِ أَوْ لَا مَسَّ جِلْدِي جِلْدَك أَوْ لَا جَمَعَ رَأْسِي وَرَأْسَكِ شَيْءٌ (لَا يَكُونُ مُولِيًا فِيهَا إلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةِ) إيلَاءٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فِي الْجِمَاعِ كَظُهُورِ مَا قَبْلَهَا، وَلَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ (وَلَا إيلَاءَ بِحَلِفٍ) عَلَى تَرْكِ وَطْءٍ (بِنَذْرٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ) ; لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْقَسَمُ، وَلِهَذَا قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ " يُقْسِمُونَ " بَدَلَ " يُؤْلُونَ " وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْغُفْرَانُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(وَلَا) إيلَاءَ بِقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ (إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ زَانِيَةٌ) ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ (وَ) إنْ وَطِئْتُكِ (فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ) لِمَا مَرَّ (أَوْ) فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ (هَذَا الشَّهْرِ) لِأَنَّهُ حَلَفَ بِنَذْرٍ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ أَنَّهُ لَا إيلَاءَ بِحَلِفٍ بِنَذْرٍ فَإِنْ قَالَ إنْ وَطِئْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ عِشْرِينَ رَكْعَةً كَانَ مُولِيًا (أَوْ) بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ (لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذَا الْبَلَدِ أَوْ) لَا وَطِئْتُكِ (مَغْصُوبَةً أَوْ حَتَّى تَصُومِي نَفْلًا أَوْ) حَتَّى (تَقُومِي أَوْ) حَتَّى (يَأْذَنَ زَيْدٌ فَيَمُوتَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمَا فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلِإِمْكَانِ وَطْئِهَا بِدُونِ حِنْثٍ.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (إنْ وَطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي وَكَانَ ظَاهَرَ فَوَطِئَ عَتَقَ عَبْدُهُ عَنْ الظِّهَارِ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ ظَاهَرَ (فَوَطِئَ لَمْ يَعْتِقْ) لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَنْ ظِهَارِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
[فَصْلٌ وَإِنْ جَعَلَ الْمَوْلَى غَايَتَهُ شَيْئًا لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ غَالِبًا]
فَصْلٌ (وَإِنْ جَعَلَ غَايَتَهُ مَا أَيْ) شَيْئًا (لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ غَالِبًا كَ) قَوْلِهِ (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَالُ) أَوْ الدَّابَّةُ وَنَحْوَهُ، أَوْ يَمُوتَ وَلَدُكِ، أَوْ تَمْرَضِي أَوْ يَمْرَضَ زَيْدٌ، أَوْ آتِي إلَى الْهِنْدِ، أَوْ يَنْزِلَ الثَّلْجُ فِي الصَّيْفِ (أَوْ) حَتَّى (تَحْبَلَ وَهِيَ آيِسَةٌ أَوْ لَا) أَيْ غَيْرُ آيِسَةٍ (وَلَمْ يَطَأْ أَوْ) كَانَ (يَطَأُ وَنِيَّتُهُ حَبَلٌ مُتَجَدِّدٌ) فَمُولٍ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يُوجَدَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَنُزُولُ عِيسَى وَنَحْوَهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَحَبَلُ الْآيِسَةِ وَمَنْ لَا تُوطَأُ مُسْتَحِيلٌ أَشْبَهَ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى تَصْعَدِي السَّمَاءَ فَإِنْ أَرَادَ بِحَتَّى تَحْبَلِي السَّبَبِيَّةَ أَيْ لَا أَطَؤُكِ لِتَحْبَلِي مِنْ وَطْءٍ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ عَلَى تَرْك قَصْدِ الْحَبَلِ بِهِ ; لِأَنَّ حَتَّى تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ.
(أَوْ) جَعَلَ غَايَةَ الْإِيلَاءِ فِعْلَهَا (مُحَرَّمًا) كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (حَتَّى تَشْرَبِي خَمْرًا) أَوْ تَأْكُلِي لَحْمَ خِنْزِيرٍ، فَمُولٍ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ شَرْعًا يُشْبِهُ الْمُمْتَنِعَ حِسًّا (أَوْ) جَعَلَ غَايَتَهُ (إسْقَاطَ مَالِهَا) عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ (أَوْ) جَعَلَ غَايَتَهُ (هِبَتَهُ) أَيْ مَالِهَا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (أَوْ) جَعَلَ غَايَتَهُ (إضَاعَتَهُ) أَيْ مَالِهَا (وَنَحْوَهُ) كَإِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي مُهْلِكَةٍ (فَمُولٍ) لِأَنَّ إسْقَاطَ مَالِهَا وَهِبَتَهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا مُحَرَّمٌ، وَكَذَا إضَاعَتُهُ فَجَرَى مَجْرَى جَعْلِ غَايَتِهِ شُرْبَهَا الْخَمْرَ.
وَ (ك) قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (حَيَاتِي أَوْ حَيَاتُك أَوْ مَا عِشْتُ) أَنَا (أَوْ) (مَا عِشْتِ) أَنْتِ و (لَا) يَكُونُ مُولِيًا (إنْ غَيَّاهُ) أَيْ تَرْكَ الْوَطْءِ (بِمَا لَا يُظَنُّ خُلُوُّ الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا عَلَّقَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ.
(وَلَوْ خَلَتْ) الْمُدَّةُ مِنْهُ (كَ) قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (حَتَّى يَرْكَبَ زَيْدٌ وَنَحْوَهُ) كَحَتَّى يُسَافِرَ أَوْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يُطَلِّقَ (أَوْ) غَيَّا تَرْكَ الْوَطْءِ (بِالْمُدَّةِ) أَيْ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (كَ) قَوْلِهِ (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) أَوْ لَا وَطِئْتُكِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهُ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُمَا يَمِينَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مُدَّةٍ دُونَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ يَمِينٍ عَقِبَ مُدَّتِهَا بِلَا حِنْثٍ فِيهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَكِنْ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْمُضَارَّةِ فَكَمُولٍ كَمَا سَبَقَ.
(أَوْ قَالَ) وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (إلَّا بِرِضَاك أَوْ) إلَّا بِ (اخْتِيَارِكِ أَوْ إلَّا أَنْ) تَخْتَارِي (أَوْ) إلَّا أَنْ (تَشَائِي.
وَلَوْ لَمْ تَشَأْ بِالْمَجْلِسِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ مِنْهَا بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهَا فِيهِ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) لَهَا (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ مُدَّةً أَوْ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا حَتَّى يَنْوِيَ) بِذَلِكَ تَرْكَ وَطْئِهَا (فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ; لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
(وَإِنْ عَلَّقَهُ) أَيْ الْإِيلَاءَ (بِشَرْطٍ كَ) قَوْلِهِ (إنْ وَطِئْتُكِ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ إنْ قُمْتُ) فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (أَوْ إنْ شِئْتُ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يُوجَدَ) شَرْطُهُ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ فَقَبْلَهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ فَإِنْ وُجِدَ شَرْطُهُ صَارَ مُولِيًا.
(وَمَتَى أَوْلَجَ زَائِدًا عَلَى الْحَشَفَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) وَهِيَ إنْ وَطِئْتُكِ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (وَلَا نِيَّةَ) لَهُ حِينَ قَوْلِهِ ذَلِكَ (حَنِثَ) لِأَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ وَطْءٌ فَيَحْنَثُ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ فَإِنْ نَوَى وَطْئًا كَامِلًا عَلَى الْعَادَةِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْمُعْتَادِ.
(وَ) إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي السَّنَةِ) إلَّا يَوْمًا أَوْ مَرَّةً (أَوْ) قَالَ لَهَا: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ (سَنَةً إلَّا يَوْمًا أَوْ) إلَّا (مَرَّةً فَلَا إيلَاءَ) عَلَيْهِ (حَتَّى يَطَأَ وَقَدْ بَقِيَ فَوْقَ ثُلُثِهَا) أَيْ السَّنَةِ لِأَنَّ يَمِينَهُ مُعَلَّقَةٌ بِالْإِضَافَةِ فَقَبْلَهَا لَا يَكُونُ حَالِفًا ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْإِضَافَةِ حِنْثٌ فَإِنْ وَطِئَ وَالْبَاقِي مِنْ الْمُدَّةِ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَارَ مُولِيًا وَإِلَّا فَلَا.
(وَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ أَرْبَعِ) زَوْجَاتِهِ (ب) قَوْلِهِ لَهُنَّ (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ) مِنْكُنَّ (أَوْ) وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ (وَاحِدَةً مِنْكُنَّ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ إحْدَاهُنَّ بِلَا حِنْثٍ (فَيَحْنَثُ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (فِي الصُّورَتَيْنِ وَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ) بِوَطْءِ الْأُولَى لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَتَعَدَّدُ الْحِنْثُ فِيهَا وَلَا يَبْقَى حُكْمُهَا بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا (وَيُقْبَلُ مِنْهُ فِي) الصُّورَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ لَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ (إرَادَةُ) وَاحِدَةٍ (مُعَيَّنَةٍ) مِنْهُنَّ كَفَاطِمَةَ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا وَحْدَهَا ; لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ بِلَا بُعْدٍ.
(وَ) يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الثَّانِيَةِ إرَادَةُ وَاحِدَةٍ (مُبْهَمَةٍ) مِنْهُنَّ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ (وَتَخْرُجُ) الْمُبْهَمَةُ مِنْهُنَّ (بِقُرْعَةٍ) فَيَصِيرُ مُولِيًا مِنْهَا ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجَّحَ غَيْرِهَا.
(وَ) مَنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسَائِهِ (وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكُنَّ أَوْ) قَالَ لَهُنَّ (لَا وَطِئْتُكُنَّ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا) فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْءُ بَعْضِهِنَّ بِلَا حِنْثٍ (حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا) مِنْهُنَّ (فَتَتَعَيَّنُ الْبَاقِيَةُ) الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا بِلَا حِنْثٍ (فَلَوْ عَدِمَتْ إحْدَاهُنَّ) بِمَوْتٍ أَوْ إبَانَةٍ (انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِوَطْءِ الْأَرْبَعِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ الْبَائِنَ عَادَ حُكْمُ يَمِينِهِ (بِخِلَافِ مَا قَبْلَ) أَيْ قَوْلُهُ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَوْ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِمَوْتِ إحْدَاهُنَّ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ) مِنْ نِسَائِهِ (وَقَالَ لِأُخْرَى أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا) وَنَحْوَهُ (لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْ الثَّانِيَةِ)
لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِنْ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ وَالتَّشْرِيكُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ (بِخِلَافِ الظِّهَارِ) وَالطَّلَاقِ فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ إحْدَى نِسَائِهِ أَوْ طَلَّقَهَا وَقَالَ لِأُخْرَى أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا وَقَعَ بِالْأُخْرَى كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلَاقِ فِي التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ فَكَذَا فِي التَّشْرِيكِ.
[فَصْلٌ وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَيُمْكِنُهُ الْوَطْءُ]
(مِنْ) مُسْلِمٍ و (كَافِرٍ) وَحُرٍّ (وَقِنٍّ) وَبَالِغٍ (وَمُمَيِّزٍ) يَعْقِلُهُ وَسَكْرَانَ وَغَضْبَانَ وَمَرِيضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَمَنْ لَمْ (يَدْخُلْ) بِزَوْجَتِهِ و (لَا) يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] وَلَا (مِنْ مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمَا (و) لَا مِنْ (عَاجِزٍ عَنْ وَطْءٍ لِجَبٍّ كَامِلٍ أَوْ شَلَلٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْوَطْءُ لِامْتِنَاعِهِ بِعَجْزِهِ (وَيُضْرَبُ لِمُولٍ وَلَوْ) كَانَ (قِنًّا) لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ (مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَمِينِهِ) لِلْآيَةِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى ضَرْبِ حَاكِمٍ كَالْعِدَّةِ (وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ زَمَنُ عُذْرِهِ) فِيهَا كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَإِحْرَامٍ وَحَبْسٍ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ التَّمْكِينُ مِنْهَا.
و (لَا) يُحْسَبُ زَمَنُ (عُذْرِهَا كَصِغَرٍ وَجُنُونٍ وَنُشُوزٍ وَإِحْرَامٍ وَنِفَاسٍ) وَمَرَضِهَا وَحَبْسِهَا وَسَفَرِهَا وَلَا تُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ وَطْئِهَا وَالْمَنْعُ هُنَا مِنْ قِبَلِهَا (بِخِلَافِ حَيْضِهَا) فَيُحْسَبُ مِنْ الْمُدَّةِ وَلَا يَقْطَعُهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إذْ لَا يَخْلُو مِنْ الْحَيْضِ شَهْرٌ غَالِبًا (وَإِنْ حَدَثَ عُذْرُهَا) أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ (اُسْتُؤْنِفَتْ) الْمُدَّةُ (لِزَوَالِهِ) وَلَمْ تَبِنْ عَلَى مَا مَضَى لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] يَقْتَضِي أَنَّهَا مُتَوَالِيَةٌ فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِحُدُوثِ عُذْرِهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا كَمُدَّةِ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَةِ (وَلَا) تُسْتَأْنَفُ الْمُدَّةُ (إنْ حَدَثَ عُذْرُهُ) فِي أَثْنَائِهَا لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ.
(وَإِنْ ارْتَدَّا أَوْ) ارْتَدَّ (أَحَدُهُمَا بَعْدَ دُخُولٍ ثُمَّ أَسْلَمَا) فِي الْعِدَّةِ إنْ ارْتَدَّا (أَوْ أَسْلَمَ) مَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمَا (فِي الْعِدَّةِ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ) وَكَذَا إنْ أَسْلَمَ كَافِرَانِ أَوْ زَوْجُ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ بَعْدَ دُخُولٍ فِي الْعِدَّةِ (كَمَنْ بَانَتْ) فِي الْمُدَّةِ (ثُمَّ عَادَتْ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الْمُدَّةِ سَوَاءٌ بَانَتْ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ انْقِضَاءِ عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ ; لِأَنَّهَا بِالْبَيْنُونَةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ فَلَمَّا عَادَ
وَتَزَوَّجَهَا عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا فَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ إذَنْ (وَإِنْ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا فِي الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ (لَمْ تَنْقَطِعْ) الْمُدَّةُ (مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ) نَصًّا لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ عَلَى نِكَاحِهَا وَهِيَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ.
(وَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ) أَيْ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ (وَ) قَدْ حَدَثَ (بِهَا عُذْرٌ) بَعْدَهَا (يَمْنَعُ وَطْأَهَا) كَإِحْرَامٍ وَنِفَاسٍ (لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفِيئَةِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا فَطَلَبُهَا بِهِ عَبَثٌ (وَإِنْ كَانَ) الْعُذْرُ (بِهِ وَهُوَ) أَيْ الْعُذْرُ (مِمَّا يَعْجَزُ بِهِ عَنْ الْوَطْءِ) كَالْمَرَضِ وَالْإِحْرَامِ (أُمِرَ) أَيْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ (أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيَقُولَ مَتَى قَدِرْتُ جَامَعْتُكِ) ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْفِيئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْإِيلَاءِ وَاعْتِذَارُهُ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْإِضْرَارِ (ثُمَّ مَتَى قَدِرَ) أَنْ يُجَامِعَ (وَطِئَ أَوْ طَلَّقَ) لِزَوَالِ عَجْزِهِ الَّذِي أُخِّرَ لِأَجْلِهِ كَالدَّيْنِ يُوسِرُ بِهِ الْمُعْسِرُ وَلَا كَفَّارَةَ وَلَا حِنْثَ فِي الْفِيئَةِ بِاللِّسَانِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَلْ وَعَدَ بِهِ.
(وَيُمْهَلُ مُولٍ) طُلِبَتْ فِيئَتُهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ (لِصَلَاةِ فَرْضٍ وَتَغَدٍّ وَهَضْمِ طَعَامٍ وَنَوْمٍ عَنْ نُعَاسٍ وَتَحَلُّلٍ مِنْ إحْرَامٍ وَنَحْوَهُ) كَفِطْرٍ مِنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ وَدُخُولِ خَلَاءٍ وَرُجُوعٍ إلَى بَيْتِهِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ (وَ) يُمْهَلُ مُولٍ (مُظَاهِرٍ لِطَلَبِ رَقَبَةٍ) يَعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِهِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ; لِأَنَّهُ يَسِيرٌ و (لَا) يُمْهَلُ مُظَاهِرٌ (لِصَوْمٍ) عَنْ كَفَّارَتِهِ بَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ زَمَنَ الصَّوْمِ كَثِيرٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَبْقَ لِمُولٍ عُذْرٌ وَطَلَبَتْ) زَوْجَتُهُ (وَلَوْ) كَانَتْ (أَمَةً الْفِيئَةَ وَهِيَ الْجِمَاعُ لَزِمَ الْقَادِرُ) عَلَى وَطْءٍ (مَعَ حِلِّ وَطْئِهَا) أَنْ يَطَأَ وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ بِحَلِفِهِ (وَتُطَالِبُ) زَوْجَةٌ (غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ) لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ (إذَا كُلِّفَتْ) لِتَصِحَّ دَعْوَاهَا (وَلَا مُطَالَبَةَ لِوَلِيِّ) صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ (وَ) لَا (سَيِّدِ) أَمَةٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَطْءِ لِلزَّوْجَةِ دُونَ وَلِيِّهَا وَسَيِّدِهَا.
(وَيُؤْمَرُ بِطَلَاقِ مَنْ عُلِّقَ) الطَّلَاقُ (الثَّلَاثُ بِوَطْئِهَا وَيَحْرُمُ) وَطْؤُهَا لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ بِإِدْخَالِ ذَكَرِهِ فَيَكُونُ نَزْعُهُ فِي أَجْنَبِيَّةٍ وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ (وَمَتَى أَوْلَجَ) حَشَفَةً فِي زَوْجَةٍ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الثَّلَاثَ بِوَطْئِهَا (وَتَمَّمَ) وَطْأَهُ (أَوْ لَبِثَ) وَهُوَ مُولِجٌ (لَحِقَهُ نَسَبُهُ) أَيْ مَا وَلَدَتْهُ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ (وَلَزِمَهُ الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ) عَلَيْهِمَا لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ لِأَنَّهُ تَارِكٌ وَإِنْ نَزَعَ ثُمَّ أَوْلَجَ فَإِنْ جَهِلَا التَّحْرِيمَ فَالْمَهْرُ وَالنَّسَبُ وَلَا حَدَّ وَإِنْ عَلِمَا التَّحْرِيمَ فَلَا مَهْرَ وَلَا نَسَبَ وَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ
وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَتْهُ لَزِمَهُ الْمَهْرُ وَالْحَدُّ وَلَا نَسَبَ وَإِنْ عَلِمَتْ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَهُ لَزِمَهَا الْحَدُّ وَلَحِقَهُ النَّسَبُ وَلَا مَهْرَ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بِوَطْئِهَا فَوَطِئَهَا وَقَعَ رَجْعِيًّا.
قُلْتُ وَحَصَلَتْ رَجْعَتُهَا بِنَزْعِهِ إذْ النَّزْعُ جِمَاعٌ.
(وَتَنْحَلُّ يَمِينٌ مَنْ) أَيْ مُولٍ (جَامَعَ وَلَوْ مَعَ تَحْرِيمِهِ) أَيْ الْجِمَاعِ (ك) جِمَاعِهِ (فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صِيَامِ فَرْضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِهِ وَقَدْ وَفَّى الزَّوْجَةَ حَقَّهَا مِنْ الْوَطْءِ فَخَرَجَ مِنْ الْفَيْئَةِ كَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ (وَيُكَفِّرُ) لِحِنْثِهِ (وَأَدْنَى مَا يَكْفِي) مُولٍ فِي خُرُوجِهِ مِنْ فَيْئِهِ (تَغَيُّبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا (وَلَوْ مِنْ مُكْرَهٍ) قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إذْ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُتَصَوَّرُ (وَنَاسٍ وَجَاهِلٍ وَنَائِمٍ وَمَجْنُونٍ أَوْ أُدْخِلَ ذَكَرُ نَائِمٍ) لِوُجُودِ الْوَطْءِ وَاسْتِيفَاءِ الْمَرْأَةِ بِهِ حَقَّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ قَصْدًا (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ) أَيْ هَذِهِ الصُّوَرِ لِعَدَمِ حِنْثِهِ فَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ (فِي الْقُبُلِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَغْيِيبِ أَيْ قُبُلِ مَنْ آلَى مِنْهَا (فَلَا يَخْرُجُ) مُولٍ (مِنْ الْفَيْئَةِ بِوَطْءٍ دُونَ فَرْجٍ أَوْ) وَطْءٍ (فِي دُبُرٍ) لِأَنَّ الْفَيْئَةَ الرُّجُوعُ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا غَيْرُ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ.
كَمَا لَوْ قَبَّلَهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِهِ ضَرَرُ الْمَرْأَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يَفِ) مُولٍ بِوَطْءِ مَنْ آلَى مِنْهَا (وَأَعَفَّتْهُ سَقَطَ حَقُّهَا) لِرِضَاهَا بِإِسْقَاطِهِ (كَعَفْوِهَا) أَيْ زَوْجَةِ الْعِنِّينِ (بَعْدَ زَمَنِ الْعُنَّةِ) عَنْ الْفَسْخِ فَيَسْقُطُ (وَإِلَّا) تَعُفُّهُ الْمَرْأَةُ (أُمِرَ) أَيْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ (أَنْ يُطَلِّقَ) إنْ طَلَبَتْهُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226] وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَمْ يُمْسِكْ بِمَعْرُوفٍ فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ.
(وَلَا تَبِينُ زَوْجَةُ) مُولٍ مِنْهُ (بِ) طَلَاقٍ (رَجْعِيٍّ) سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ هُوَ أَوْ الْحَاكِمُ كَغَيْرِ مُولٍ (فَإِنْ أَبَى) مُولٍ أَنْ يَفِيءَ وَأَنْ يُطَلِّقَ (طَلَّقَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ طَلْقَةً أَوْ ثَلَاثًا أَوْ فَسَخَ) ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَدْخُلهُ النِّيَابَةُ وَقَدْ تَعَيَّنَ مُسْتَحَقُّهُ فَقَامَ الْحَاكِمُ فِيهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ كَأَدَاءِ الدَّيْنِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ رَأَى أَنْ يُطَلِّقَ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُولِي فَيَقَعُ مَا يُوقِعُهُ مِنْ ذَلِكَ كَالْوَكِيلِ الْمُطَلِّقِ.
اهـ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُطَلِّقَ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَكِيلٍ قِيلَ لَهُ: طَلِّقْ مَا شِئْتَ مَعَ أَنَّ الْمُولِي نَفْسَهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إيقَاعُ ثَلَاثٍ بِكَلِمَةٍ فَكَيْفَ تَجُوزُ لِغَيْرِهِ؟ .
(وَإِنْ قَالَ) حَاكِمٌ (فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا) وَلَمْ يَنْوِ طَلَاقًا (فَهُوَ فَسْخٌ) لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لَيْسَتْ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَا نِيَّتِهِ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: فَسَخْتُ النِّكَاحَ.
(وَإِنْ ادَّعَى) مُولٍ طَلَبَتْهُ زَوْجَتُهُ بِالْفَيْئَةِ (بَقَاءَ الْمُدَّةِ) قُبِلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ حَلِفِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ لِصُدُورِهِ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِيلَاءِ (أَوْ) ادَّعَى (وَطْأَهَا) بَعْدَ إيلَائِهِ (وَهِيَ ثَيِّبٌ قُبِلَ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ غَالِبًا، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ كَقَوْلِ امْرَأَةٍ فِي حَيْضِهَا.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) زَوْجَةُ مُولٍ ادَّعَى وَطْأَهَا (بَكَارَةً فَشَهِدَ بِهَا) أَيْ بِبَكَارَتِهَا امْرَأَةٌ (ثِقَةٌ قُبِلَتْ) كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ (وَإِلَّا) يَشْهَدْ بِبَكَارَتِهَا أَحَدٌ ثِقَةٌ (قُبِلَ) قَوْلُهُ فِي وَطْئِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا لِمَا مَرَّ (وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فِيهِنَّ) أَيْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَلِعُمُومِ حَدِيثِ " «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» .
[كِتَابُ الظِّهَارِ]
مُشْتَقٌّ مِنْ الظَّهْرِ، وَخُصَّ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمَرْكُوبُ ظَهْرًا وَالْمَرْأَةُ مَرْكُوبَةٌ إذَا غُشِيَتْ.
فَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ أُمِّهِ فِي التَّحْرِيمِ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ رُكُوبَهَا لِلْوَطْءِ حَرَامٌ كَرُكُوبِ أُمِّهِ لَهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: « ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2]- الْآيَاتُ نَزَلَتْ فِي خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ حِينَ ظَاهَرَ مِنْهَا ابْنُ عَمِّهَا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجَاءَتْ تَشْكُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُجَادِلُهُ فِيهِ، وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّك فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (وَهُوَ) أَيْ الظِّهَارُ (أَنْ يُشَبِّهَ) زَوْجٌ (امْرَأَتَهُ أَوْ) يُشَبِّهَ (عُضْوًا مِنْهَا) أَيْ امْرَأَتِهِ كَيَدِهَا وَظَهْرِهَا (بِمَنْ) أَيِّ امْرَأَةٍ (تَحْرُمُ عَلَيْهِ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَعَمَّاتِهِ وَزَوْجَةِ ابْنِهِ (وَلَوْ) كَانَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ (إلَى أَمَدٍ) كَأُخْتِ زَوْجَتِهِ وَخَالَتِهَا (أَوْ) يُشَبِّهَهَا (بِعُضْوٍ مِنْهَا) أَيْ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَوْ إلَى أَمَدٍ (أَوْ) يُشَبِّهَ امْرَأَتَهُ (بِذَكَرٍ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الذَّكَرِ.
(وَلَوْ) أُتِيَ بِهِ (بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ وَلَوْ اعْتَقَدَ الْحِلَّ) أَيْ حِلَّ مَنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِهَا مِنْ مَحَارِمِهِ (مَجُوسِيٌّ) بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي مُعْتَقِدًا حِلَّ أُخْتِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ إذَا أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا (نَحْوُ) قَوْلِ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ (أَنْتِ أَوْ يَدُكِ أَوْ وَجْهُكِ أَوْ أُذُنُكِ كَظَهْرِ) أُمِّي (أَوْ) كَ (بَطْنِ) أُمِّي (أَوْ) ك (رَأْسِ أُمِّي أَوْ كَعَيْنِ أُمِّي أَوْ) كَظَهْرِ أَوْ بَطْنِ أَوْ رَأْسِ أَوْ عَيْنِ (عَمَّتِي أَوْ خَالَتِي أَوْ حَمَاتِي أَوْ أُخْتِ زَوْجَتِي أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ) كَظَهْرِ أَوْ بَطْنِ أَوْ رَأْسِ أَوْ عَيْنِ (أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ) كَظَهْرِ أَوْ بَطْنِ أَوْ رَأْسِ
أَوْ عَيْنِ (أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ زَيْدٍ أَوْ رَجُلٍ، وَلَا يُدَيَّنُ) إنْ قَالَ: أَرَدْتُ فِي الْكَرَامَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي الظِّهَارِ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ أَوْ) قَالَ لَهَا (عَكْسَهُ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي (يَلْزَمَانِهِ) أَيْ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ لِإِتْيَانِهِ بِصَرِيحِهِمَا، وَجَزَمَ فِي الشَّرْحِ وَالْإِقْنَاعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ ظِهَارًا فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ عَلَيَّ) كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (أَوْ) قَالَ أَنْتِ (عِنْدِي) كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (أَوْ) أَنْتِ (مِنِّي) كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (أَوْ) أَنْتِ (مَعِي كَأُمِّي أَوْ) مَعِي (مِثْلُ أُمِّي وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَنْوِ بِهِ ظِهَارًا وَلَا غَيْرَهُ (فَ) هُوَ (ظِهَارٌ) لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ (وَإِنْ نَوَى) بِأَنْتِ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (فِي الْكَرَامَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْمَحَبَّةِ (دِينَ وَقُبِلَ حُكْمًا) لِاحْتِمَالِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ (وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ أُمِّي أَوْ) أَنْتِ (كَأُمِّي أَوْ) أَنْتِ (مِثْلُ أُمِّي) وَلَمْ يَقُلْ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي (لَيْسَ بِظِهَارٍ إلَّا مَعَ نِيَّةِ) ظِهَارٍ (أَوْ قَرِينَةٍ) لِأَنَّ احْتِمَالَ هَذِهِ الصُّوَرِ لِغَيْرِ الظِّهَارِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِ الصُّوَرِ الَّتِي قَبْلَهَا لَهُ وَكَثْرَةُ الِاحْتِمَالَاتِ تُوجِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي الْمُحْتَمَلِ الْأَقَلِّ لِيَتَعَيَّنَ لَهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كِنَايَةً فِيهِ وَالْقَرِينَةُ تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ.
(وَ) قَوْلُهُ لَهَا (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ظِهَارٌ وَلَوْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا أَوْ يَمِينًا) نَصًّا لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي امْرَأَتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَحَمْلُهُ عَلَى الظِّهَارِ أَوْلَى مِنْ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَبِينُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَهَذَا يُحَرِّمُهَا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ فَحَمْلُهُ عَلَى أَدْنَى التَّحْرِيمَيْنِ أَوْلَى (إلَّا إنْ زَادَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ سَبَقَ بِهَا) فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ظِهَارًا كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدْخُلُهُ التَّكْفِيرُ وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ شَاءَ زَيْدٌ.
(وَ) قَوْلُهُ (أَنَا مُظَاهِرٌ أَوْ عَلَيَّ) الظِّهَارُ (أَوْ يَلْزَمُنِي الظِّهَارُ أَوْ) عَلَيَّ الْحَرَامُ أَوْ يَلْزَمُنِي (الْحَرَامُ وَأَنَا عَلَيْكِ حَرَامٌ أَوْ) أَنَا عَلَيْكِ (كَظَهْرِ رَجُلٍ) أَوْ كَظَهْرِ أَبِي (مَعَ نِيَّةِ) ظِهَارٍ (أَوْ قَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَيْهِ (ظِهَارٌ) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ وَقَدْ نَوَاهُ بِهِ وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ نَفْسِهِ عَلَيْهَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَلِأَنَّ تَشْبِيهَ نَفْسِهِ بِأَبِيهِ يَلْزَمُهُ فِيهِ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ (وَإِلَّا) يَنْوِ ظِهَارًا وَلَا قَرِينَةً عَلَيْهِ (فَلَغْوٌ ك) قَوْلِهِ (أُمِّي) امْرَأَتِي (أَوْ أُخْتِي امْرَأَتِي أَوْ مِثْلُهَا) أَيْ أُمِّي أَوْ أُخْتِي مِثْلُ امْرَأَتِي وَنَحْوَهُ (وَكَ) قَوْلِ أَنْتِ عَلَيَّ (كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ) فَلَيْسَ ظِهَارًا
لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحِلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ (وَ) كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ (وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ) فَلَغْوٌ نَصًّا (وَكَالْإِضَافَةِ) أَيْ إضَافَةِ التَّشْبِيهِ أَوْ التَّحْرِيمِ (إلَى شَعْرٍ وَظُفُرٍ وَرِيقٍ وَلَبَنٍ وَدَمٍ وَرُوحٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ) بِأَنْ قَالَ شَعْرُكِ أَوْ ظُفُرُكِ إلَى آخِرِهِ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ شَعْرُكِ أَوْ ظُفُرُكِ إلَخْ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ لَغْوٌ كَمَا سَبَقَ فِي الطَّلَاقِ.
(وَلَا ظِهَارَ إنْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ (لِزَوْجِهَا) نَظِيرَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا لَوْ قَالَهُ (أَوْ عَلَّقَتْ بِتَزْوِيجِهِ نَظِيرَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا) لَوْ قَالَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ ; وَلِأَنَّ الظِّهَارَ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي النِّكَاحِ فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ كَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ فَلَا تَمْلِكُ إزَالَتَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَعَلَيْهَا كَفَّارَتُهُ) أَيْ الظِّهَارُ ; لِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَقَدْ أَتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ فِي تَحْرِيمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ أَشْبَهَتْ الزَّوْجَ (وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ) لِزَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ التَّكْفِيرِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِ فَلَا تَمْنَعُهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الظِّهَارِ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ تَغْلِيظًا وَلَيْسَ لَهَا ابْتِدَاءً الْقُبْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّخَعِيّ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (إنْ تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَسَأَلَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا كَفَّارَةً وَرَوَى سَعِيدٌ) أَنَّهَا اسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ فَأَمَرُوهَا أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ فَتَزَوَّجَتْهُ وَأَعْتَقَتْ عَبْدًا) (وَيُكْرَهُ دُعَاءُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (الْآخَرَ بِمَا يَخْتَصُّ بِذِي رَحِمٍ كَأَبِي وَأُمِّي وَأَخِي وَأُخْتِي) قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي.
[فَصْلٌ وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ]
فَصْلٌ وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ كُلِّ مَنْ أَيْ زَوْجٍ (يَصِحُّ طَلَاقُهُ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا كَبِيرًا أَوْ مُمَيِّزًا يَعْقِلُهُ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ كَالطَّلَاقِ فَجَرَى مَجْرَاهُ وَصَحَّ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ (وَيُكَفِّرُ كَافِرٌ بِمَالٍ) أَيْ عِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ (وَ) يَصِحُّ (مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ) مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَطْؤُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] الْآيَةَ فَخَصَّهُنَّ بِالظِّهَارِ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ فَاخْتَصَّ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُقِلَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ مَحَلُّهُ (فَلَا) يَصِحُّ ظِهَارٌ (مِنْ أَمَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ وَيُكَفِّرُ) سَيِّدٌ قَالَ لِأَمَتِهِ أَوْ
أُمِّ وَلَدِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (كَيَمِينِ يَحْنَثُ فِيهَا) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا ثُمَّ وَطْئِهَا، قَالَ نَافِعٌ «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ» .
(وَإِنْ نَجَّزَهُ) أَيْ الظِّهَارَ (لِأَجْنَبِيَّةٍ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي صَحَّ ظِهَارُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَكَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَالْآيَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ (أَوْ عَلَّقَهُ بِتَزْوِيجِهَا) بِأَنْ قَالَ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ قَالَ: النِّسَاءُ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(أَوْ قَالَ) لِأَجْنَبِيَّةٍ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى أَبَدًا صَحَّ) ذَلِكَ (ظِهَارًا) لِأَنَّهُ ظِهَارٌ فِي الزَّوْجَةِ فَكَذَا الْأَجْنَبِيَّةُ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَ (لَا) يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ظِهَارًا.
(إنْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَنْوِ أَبَدًا (أَوْ نَوَى) أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ (إذَنْ) لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ عَقْدِ التَّزْوِيجِ (وَيُقْبَلُ مِنْهُ) دَعْوَى ذَلِكَ حُكْمًا لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُنَجَّزًا) كَمَا تَقَدَّمَ (وَمُعَلَّقًا) كَإِنْ قُمْتُ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
(فَمَنْ حَلَفَ بِهِ) أَيْ الظِّهَارِ (أَوْ) حَلَفَ (بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ وَحَنِثَ لَزِمَهُ) مَا حَلَفَ بِهِ.
(وَ) يَصِحُّ الظِّهَارُ (مُطْلَقًا) كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (وَ) يَصِحُّ (مُؤَقَّتًا كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ إنْ وَطِئَ فِيهِ) أَيْ رَمَضَانَ (كَفَّرَ وَإِلَّا) يَطَأْ فِيهِ (زَالَ) حُكْمُ الظِّهَارِ بِمُضِيِّهِ لِحَدِيثِ صَخْرِ بْنِ سَلَمَةَ وَفِيهِ ( «ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِيهِ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ تَقَيُّدَهُ» ) بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ وَهَذَا يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُهُ التَّكْفِيرُ أَشْبَهَ الْإِيلَاءَ.
(وَيَحْرُمُ عَلَى مُظَاهَرٍ وَمُظَاهَرٍ مِنْهَا وَطْءٌ وَدَوَاعِيهِ قَبْلَ تَكْفِيرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] وَقَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] (وَلَوْ كَانَ) تَكْفِيرُهُ (بِإِطْعَامٍ) لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا: فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ؟ قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ» ) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّ مَا حَرَّمَ الْوَطْءَ مِنْ الْقَوْلِ حَرَّمَ دَوَاعِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ (بِخِلَافِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) فَلَهُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ.
(وَتَثْبُتُ) أَيْ تَسْتَقِرُّ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ الْمُظَاهِرِ (بِالْعَوْدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: 3] (وَهُوَ الْوَطْءُ) نَصًّا لَا الْعَزْمُ عَلَيْهِ فَلَا تَسْتَقِرُّ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا شَرْطٌ لِحِلِّ الْوَطْءِ فَيُؤْمَرُ بِهَا مَنْ أَرَادَهُ لِيَسْتَحِلَّهُ بِهَا كَمَا يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَنْ أَرَادَ حِلَّ الْمَرْأَةِ أَوْ لَوْ كَانَ الْوَطْءُ مِنْ مَجْنُونٍ بِأَنْ ظَاهَرَ ثُمَّ جُنَّ وَكَذَا لَوْ بَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ زَنَا بِهَا لَا إنْ كَانَ الْوَطْءُ (مِنْ مُكْرَهٍ) ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالْإِكْرَاهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ ضِدُّ قَوْلِ الْمُظَاهِرِ إذْ الْمُظَاهِرُ حَرَّمَ الْوَطْءَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنَعَهَا مِنْهُ فَالْعَوْدُ فِعْلُهُ وَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَنْ الْوَطْءِ فَلَيْسَ بِعَوْدٍ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مُتَرَاخٍ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ يَقْتَضِي تَرْكَ الْوَطْءِ فَلَا تَجِبُ كَفَّارَتُهُ إلَّا بِهِ كَالْإِيلَاءِ.
(وَيَأْثَمُ مُكَلَّفٌ) بِوَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ قَبْلَ تَكْفِيرٍ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ) إنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ (لَا يَطَأُ) بَعْدُ (حَتَّى يُكَفِّرَ) لِلْخَبَرِ وَلِبَقَاءِ التَّحْرِيمِ (وَتُجْزِيهِ) كَفَّارَةٌ (وَاحِدَةٌ) وَلَوْ كَرَّرَ الْوَطْءَ لِلْخَبَرِ وَلِأَنَّهُ وُجِدَ الْعَوْدُ وَالظِّهَارُ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ ( ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] ) الْآيَتَيْنِ (كَمُكَرِّرٍ ظِهَارًا مِنْ) امْرَأَةٍ (وَاحِدَةٍ قَبْلَ تَكْفِيرٍ وَلَوْ) كَرَّرَهُ (بِمَجَالِسَ أَوْ أَرَادَ) بِتَكْرَارِهِ (اسْتِئْنَافًا) نَصًّا ; لِأَنَّ تَكْرِيرَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَجِبْ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
(وَكَذَا) لَوْ ظَاهَرَ (مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ) كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ ظِهَارٌ وَاحِدٌ.
(وَ) إِن ظَاهَرَ مِنْهُنَّ (بِكَلِمَاتٍ بِأَنْ قَالَ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَعَلَيْهِ (لِكُلٍّ) مِنْهُنَّ (كَفَّارَةٌ) ; لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهَا بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى فَلَا تُكَفِّرُهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (وَيَلْزَمُهُ إخْرَاجُ) كَفَّارَةِ ظِهَارٍ (بِعَزْمٍ عَلَى وَطْءٍ) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] الْآيَتَيْنِ وَحَدِيثِ ( «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ» ) حَيْثُ أَمَرَ بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ التَّمَاسِّ (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجٌ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ عَزْمٍ عَلَى وَطْءٍ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الظِّهَارُ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) مُظَاهِرٌ (زَوْجَتَهُ) الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا وَهِيَ أَمَةٌ فَظِهَارُهُ بِحَالِهِ وَلَهُ عِتْقُهَا عَنْهُ فَإِنْ عَادَ وَتَزَوَّجَهَا فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ (أَوْ بَانَتْ زَوْجَةٌ مُظَاهَرٌ مِنْهَا) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً (قَبْلَ الْوَطْءِ ثُمَّ أَعَادَهَا مُطْلَقًا) ارْتَدَّ أَوْ لَا (فَظِهَارُهُ بِحَالِهِ) نَصًّا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ; وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَزُولُ بِالتَّكْفِيرِ.
(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ ظِهَارٍ (قَبْلَهُ)
أَيْ الْوَطْءِ (سَقَطَتْ) كَفَّارَةُ الظِّهَارِ سَوَاءٌ مَاتَ عَقِبَ ظِهَارِهِ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ وَيَرِثُهَا وَتَرِثُهُ كَمَا بَعْدَ التَّكْفِيرِ.
[فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا بِمَعْنَاهُ]
وَكَفَّارَتِهِ أَيْ الظِّهَارِ (وَكَفَّارَةُ وَطْءِ نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى التَّرْتِيبِ) وَهِيَ (عِتْقُ رَقَبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَمَّا الظِّهَارُ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] الْآيَتَيْنِ وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ (وَكَذَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ) فِي التَّرْتِيبِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا إطْعَامٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إطْعَامًا.
(وَالْمُعْتَبَرُ) فِي كَفَّارَاتٍ مِنْ قُدْرَةٍ أَوْ عَجْزٍ (وَقْتَ وُجُوبِ) كَفَّارَةٍ (كَحَدٍّ وَقَوَدٍ) فَيُعْتَبَرَانِ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ فَمَنْ قَذَفَ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ عَتَقَ لَمْ يُجْلَدْ إلَّا جَلْدَ عَبْدٍ وَمَنْ حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةُ عَبْدٍ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ فَإِنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَهُنَا لَوْ صَامَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ وَلَوْ قَتَلَ قِنًّا وَهُوَ رَقِيقٌ ثُمَّ عَتَقَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَوَدُ (وَإِمْكَانُ الْأَدَاءِ) فِي الْكَفَّارَاتِ (مَبْنِيٌّ عَلَى) اعْتِبَارِهِ فِي زَكَاةٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ لَا لِلْوُجُوبِ وَوَقْتُ وُجُوبٍ فِي طُهْرٍ وَقْتُ الْعَوْدِ وَهُوَ الْوَطْءُ.
وَفِي (وَطْءٍ) فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حِينَ الْوَطْءِ وَفِي قَتْلٍ زَمَنَ زُهُوقٍ لَا زَمَنَ جُرْحٍ وَفِي يَمِينٍ زَمَنَ حَنِثَ (فَلَوْ أَعْسَرَ مُوسِرٌ قَبْلَ تَكْفِيرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ صَوْمٌ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَتَبْقَى الرَّقَبَةُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى يَسَارِهِ كَسَائِرِ مَا وَجَبَ وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ (وَلَوْ أَيْسَرَ مُعْسِرٌ) بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ مُعْسِرًا (لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (وَيُجْزِيهِ) الْعِتْقُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ.
(وَلَا يَلْزَمُ عِتْقٌ إلَّا لِمَالِكِ رَقَبَةٍ) حِينَ وُجُوبٍ (وَلَوْ) كَانَتْ الرَّقَبَةُ (مُشْتَبِهَةً بِرِقَابِ غَيْرِهِ) لِإِمْكَانِ عِتْقِهَا (فَيُعْتِقُ رَقَبَةً) نَاوِيًا مَا يَمْلِكُهُ (ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الرِّقَابِ فَيُخْرِجُ مَنْ قُرِعَ) لِتَتَعَيَّنَ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ (أَوْ) إلَّا (لِمَنْ يُمْكِنُهُ) الرَّقَبَةُ بِأَنْ قَدَرَ عَلَى شِرَائِهَا (بِثَمَنِ مِثْلِهَا أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ) عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهَا (لَا يُحْجَفُ) بِهِ وَلَوْ كَثُرَتْ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ مَاءِ وُضُوءٍ (أَوْ) يُمْكِنُهُ شِرَاؤُهَا (نَسِيئَةً وَلَهُ
مَالٌ غَائِبٌ) يَفِي بِثَمَنِهَا (أَوْ) لَهُ (دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ) يَفِي بِثَمَنِهَا النَّسِيئَةَ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَ (لَا) يَلْزَمُ عِتْقٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى رَقَبَةٍ (بِهِبَةٍ) بِأَنْ وُهِبَتْ لَهُ هِيَ أَوْ ثَمَنُهَا لِلْمِنَّةِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ عِتْقٌ أَنْ (تَفْضُلَ) الرَّقَبَةُ (عَمَّا يَحْتَاجُهُ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (مِنْ أَدْنَى مَسْكَنٍ صَالِحٍ لِمِثْلِهِ وَ) مِنْ أَدْنَى (خَادِمٍ لِكَوْنِ مِثْلِهِ لَا يَخْدِمُ نَفْسَهُ أَوْ) لِ (عَجْزِهِ) عَنْ خِدْمَةِ نَفْسِهِ (وَ) أَنْ تَفْضُلَ (عَنْ مَرْكُوبٍ وَعَرَضٍ بَذَلَهُ) يَحْتَاجُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَلِبَاسِهِ وَفِرَاشِهِ وَأَوَانِيهِ وَآلَةُ حِرْفَتِهِ (وَ) أَنْ تَفْضُلَ عَنْ (كُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَثِيَابِ تَجَمُّلٍ) لَا تَزِيدُ عَلَى مَلْبُوسٍ مِثْلِهِ (وَ) عَنْ (كِفَايَتِهِ وَ) كِفَايَةِ (مَنْ يَمُونُهُ دَائِمًا وَ) عَنْ رَأْسِ مَالِهِ لِذَلِكَ أَيْ لِمَا يَحْتَاجُهُ وَكِفَايَتِهِ وَعِيَالِهِ (وَ) عَنْ (وَفَاءِ دَيْنٍ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ ; لِأَنَّ مَا اسْتَغْرَقَتْهُ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ كَالْمَعْدُومِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى بَدَلِهِ كَمَنْ وَجَدَ مَاءً يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ، لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ فَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ وَهُوَ مِمَّنْ يَخْدِمُ نَفْسَهُ لَزِمَ عِتْقُهُ لِفَضْلِهِ عَنْ حَاجَتِهِ وَمَا يَحْتَاجُ لِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَلُبْسِ النَّاعِمِ يَشْتَرِي بِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ لِعَدَمِ عِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ.
(وَمَنْ لَهُ فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ مِنْ خَادِمٍ وَنَحْوَهُ) كَمَرْكُوبٍ وَمَسْكَنٍ (وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ) بَدَلٍ (صَالِحٍ لِمِثْلِهِ وَ) شِرَاءُ (رَقَبَةٍ بِالْفَاضِلِ) (لَزِمَهُ) الْعِتْقُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِلَا ضَرَرٍ (فَلَوْ تَعَذَّرَ) لِكَوْنِ الْبَاقِي لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ رَقَبَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ (أَوْ كَانَ لَهُ سُرِّيَّةٌ يُمْكِنُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ سُرِّيَّةٍ وَرَقَبَةٍ بِثَمَنِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ) ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَرَضَهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ السُّرِّيَّةِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا.
(وَشُرِطَ) فِي إجْزَاءِ (رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ مُطْلَقًا وَ) فِي (نَذْرٍ عِتْقُ مُطْلَقٍ إسْلَامٌ) وَلَوْ كَانَ الْمُكَفِّرُ كَافِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ بَاقِي الْكَفَّارَاتِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا حُمِلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] بِجَامِعِ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَتِيقِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَتَكْمِيلِ أَحْكَامِهِ وَمَعُونَةِ الْمُسْلِمِينَ فَنَاسَبَ ذَلِكَ شَرْعَ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ وَحُمِلَ النَّذْرُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِهِ - تَعَالَى -.
(وَ) شُرِطَ فِيهَا (سَلَامَةٌ مِنْ عَيْبٍ مُضِرٍّ ضَرَرًا بَيِّنًا بِالْعَمَلِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْقِنِّ نَفْعَهُ وَتَمْكِينَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا غَيْرُ حَاصِلٍ مَعَ مَا يَضُرُّ بِعَمَلٍ كَذَلِكَ (كَعَمًى) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ (وَ) كَ (شَلَلِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ قَطْعِ
إحْدَاهُمَا) لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ الْبَطْشِ وَالرِّجْلَ آلَةُ الْمَشْي فَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ تَلَفِ أَحَدِهِمَا أَوْ شَلَلِهَا (أَوْ) قَطْعِ (سَبَّابَةٍ أَوْ) أُصْبُعٍ (وُسْطَى أَوْ إبْهَامٍ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ) تَبِعَ فِيهِ التَّنْقِيحَ وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ الْحَجَّاوِيِّ فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ خِنْصَرٍ وَبِنْصَرٍ) مَعًا (مِنْ يَدٍ) وَاحِدَةٍ لِزَوَالِ نَفْعِهَا بِذَلِكَ (وَقَطْعِ أُنْمُلَةٍ مِنْ إبْهَامٍ أَوْ) قَطْعِ (أُنْمُلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْإِبْهَامِ كَقَطْعِ الْأُصْبُعِ (كُلِّهِ) لِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْإِصْبَعِ بِذَلِكَ.
(وَيُجْزِئُ مَنْ قُطِعَتْ بِنَصْرِهِ مِنْ إحْدَى يَدَيْهِ) وَخِنْصَرِهِ مِنْ الْأُخْرَى (أَوْ) قُطِعَتْ بِنْصِرُهُ مِنْ إحْدَى (رِجْلَيْهِ وَ) قُطِعَتْ (خِنْصَرُهُ مِنْ الْأُخْرَى) لِبَقَاءِ نَفْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا (أَوْ جَدْعِ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَطْعِ (أَنْفِهِ) فَيُجْزِئُ (أَوْ) قَطْعِ (أُذُنِهِ أَوْ يُخْنَقُ أَحْيَانًا) لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ (أَوْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ بِخِلَافِ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ فَنَوَاهُ عِنْدَ وُجُودِهَا فَلَا يُجْزِئُ لِأَنَّ سَبَبَ عِتْقِهِ انْعَقَدَ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ فَلَا يَمْلِكُ صَرْفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُك أَوْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَلَا يُجْزِئُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ لِلْكَفَّارَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَهَا.
(وَ) يُجْزِئُ (مُدَبَّرٌ وَصَغِيرٌ) وَلَوْ غَيْرُ مُمَيِّزٍ (وَوَلَدُ زِنًا وَأَعْرَجُ يَسِيرٌ أَوْ مَجْبُوبٌ وَخَصِيٌّ) وَلَوْ مَجْبُوبًا (وَأَصَمُّ وَأَخْرَسُ تُفْهَمُ إشَارَتُهُ وَأَعْوَرُ) وَأَبْرَصُ وَأَجْذَمُ وَنَحْوُهُ (وَمَرْهُونٌ وَمُؤَجَّرٌ وَجَانٌّ وَأَحْمَقُ وَحَامِلٌ) وَلَهُ اسْتِثْنَاءُ حَمْلِهَا لِأَنَّ مَا فِيهِمْ مِنْ النَّقْصِ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ وَمَا فِيهِمْ مِنْ الْوَصْفِ لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ عِتْقِهِمْ.
(وَ) يُجْزِئُ (مُكَاتَبٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا) مِنْ كِتَابَتِهِ لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ كَامِلَةٌ سَالِمَةٌ لَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا عِوَضٌ وَ (لَا) يُجْزِئُ (مِنْ) أَيْ مُكَاتَبٍ (أَدَّى) مِنْهَا (شَيْئًا) لِحُصُولِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةٍ (أَوْ اشْتَرَى بِشَرْطِ عِتْقٍ) فَلَا يُجْزِئُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنْ ثَمَنِهِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى عِتْقِهِ عِوَضًا وَإِنْ قِيلَ لَهُ: اعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتكِ وَلَك كَذَا فَفَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهَا وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَلَوْ رَدَّ الْعِوَضَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَإِنْ قَصَدَ عِتْقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَحْدَهَا وَعَزَمَ عَلَى رَدِّ الْعِوَضِ أَوْ رَدَّهُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ أَجْزَأَ (أَوْ يُعْتَقُ) عَلَى مُكَفِّرٍ (بِقَرَابَةٍ) فَلَا يُجْزِئُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] وَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا كَذَلِكَ ; وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِغَيْرِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ (مَرِيضٌ مَأْيُوسٌ مِنْهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَ) لَا (مَغْصُوبٌ مِنْهُ وَ) لَا يُجْزِئُ (زَمِنٌ وَمُقْعَدٌ) لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمَا مِنْ
الْعَمَلِ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ (وَ) لَا يُجْزِئُ (نَحِيفٌ عَاجِزٌ عَنْ عَمَلٍ) ; لِأَنَّهُ كَمَرِيضٍ مَأْيُوسٍ مِنْ بُرْئِهِ (وَ) لَا يُجْزِئُ (أَخْرَسُ أَصَمُّ وَلَوْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ) لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِفَقْدِ حَاسَّتَيْنِ تَنْقُصُ بِنَقْصِهِمَا قِيمَتُهُ نَقْصًا كَثِيرًا وَكَذَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ (وَمَجْنُونٌ مُطْبَقٌ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَغَائِبٌ لَمْ تَتَبَيَّنْ حَيَاتُهُ) لِأَنَّ وُجُودَهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَلَا يَبْرَأُ بِالشَّكِّ فَإِنْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدُ كَوْنُهُ حَيًّا فَإِنَّهُ يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَ) لَا (مُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَبَدًا) لِنَقْصِهِ (أَوْ أُمُّ وَلَدٍ) لِاسْتِحْقَاقِ عِتْقِهَا بِسَبَبٍ آخَرَ (وَ) لَا (جَنِينٌ) وَلَوْ وُلِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ حَيًّا لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا بَعْدُ.
(وَمَنْ أَعْتَقَ) فِي كَفَّارَةٍ (جُزْءًا) مِنْ قِنٍّ (ثُمَّ) أَعْتَقَ (مَا بَقِيَ) مِنْهُ وَلَوْ طَالَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْزَأَ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ (أَوْ) أَعْتَقَ (نِصْفَ قِنَّيْنِ) ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ عَنْ كَفَّارَتِهِ (أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْبَاقِي مِنْهُمَا حُرًّا أَوْ رَقِيقًا لِغَيْرِهِ (لَا مَا سَرَى بِعِتْقِ جُزْءٍ) كَمَنْ يَمْلِكُ نِصْفَ قِنٍّ وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةٍ بَاقِيَةٍ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ وَسَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَا يَجْزِيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ بِإِعْتَاقِهِ ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ غَيْرُ فِعْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ آثَارِ فِعْلِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ نَاوِيًا عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
(وَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِظِهَارٍ) بِأَنْ قِيلَ لَهُ إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي فَأَنْتَ حُرٌّ (ثُمَّ ظَاهَرَ عَتَقَ) الْمُعَلَّقُ عِتْقَهُ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ كَمَا لَوْ نَجَزَهُ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ ظَاهَرَ) بِأَنْ قَالَ لِقِنِّهِ: أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عَنْ ظِهَارِي ثُمَّ ظَاهَرَ فَيُعْتِقُ، لَا يُجْزِئُهُ عَنْ ظِهَارِهِ (أَوْ عَلَّقَ ظِهَارَهُ بِشَرْطٍ) بِأَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَزَوْجَتِي عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (فَأَعْتَقَهُ) أَيْ قِنَّهُ عَنْ ظِهَارِهِ الْمُعَلَّقِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ ظِهَارِهِ فَيُعْتِقُ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ ظِهَارِهِ إذَا وُجِدَ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ.
(وَمَنْ أَعْتَقَ) عَنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ (غَيْرَ مُجْزِئٍ ظَانًّا إجْزَاءَهُ نَفَذَ) عِتْقُهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَبَقِيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ.
[فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُظَاهِرُ رَقَبَةً]
فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً كَمَا تَقَدَّمَ (صَامَ) الْمُكَفِّرُ (حُرًّا) كَانَ أَوْ مُبَعَّضًا (أَوْ قِنًّا شَهْرَيْنِ) لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (وَيَلْزَمُهُ تَثْبِيتُ النِّيَّةِ) لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ (وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْيِينُهَا) أَيْ النِّيَّةِ (جِهَةَ الْكَفَّارَةِ) لِحَدِيثِ " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ". (وَ) يَلْزَمُهُ (التَّتَابُعُ) أَيْ تَتَابُعُ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ بِأَنْ لَا يُفَرِّقَ الصَّوْمَ لِلْآيَةِ (لَا نِيَّتُهُ) أَيْ التَّتَابُعِ بَلْ يَكْفِي حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ كَمُتَابَعَةِ الرَّكَعَاتِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةِ التَّرْخِيصِ (وَيَنْقَطِعُ) تَتَابُعٌ (بِوَطْءِ مُظَاهَرٍ مِنْهَا وَلَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) لِعُمُومِ " ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] " وَلِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ (أَوْ) كَانَ وَطْؤُهُ (مَعَ عُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ) كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ (أَوْ) كَانَ وَطْؤُهُ (لَيْلًا) عَامِدًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ فَلَا يَخْتَصُّ النَّهَارُ وَلَا الذِّكْرُ وَكَوَطْئِهَا لَمْسُهَا وَمُبَاشَرَتُهَا دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ وَإِلَّا لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ وَ (لَا) يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِوَطْئِهِ (غَيْرَهَا) أَيْ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا (فِي) الْأَحْوَالِ (الثَّلَاثَةِ) أَيْ النِّسْيَانِ وَمَعَ عُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَفِي اللَّيْلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مَحَلٌّ لِتَتَابُعِ الصَّوْمِ أَشْبَهَ الْأَكْلَ.
(وَ) يَنْقَطِعُ تَتَابُعٌ (بِصَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ) لِأَنَّهُ فَرَّقَهُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ تَحَرُّزُهُ مِنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ (وَيَقَعُ) صَوْمُهُ (عَمَّا نَوَاهُ) لِأَنَّهُ زَمَانٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْكَفَّارَةِ.
(وَ) يَنْقَطِعُ تَتَابُعٌ (بِفِطْرٍ) فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ (بِلَا عُذْرٍ) وَلَوْ نَاسِيًا وُجُوبَ التَّتَابُعِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَتَمَّ الشَّهْرَيْنِ كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَاجِبَ شَهْرٌ وَاحِدٌ (لَا) يَنْقَطِعُ تَتَابُعٌ بِصَوْمِ (رَمَضَانَ) وَلَا بِفِطْرٍ فِيهِ بِسَفَرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ فِطْرٍ وَاجِبٍ ك) فِطْرِ يَوْمِ (عِيدٍ) وَأَيَّامِ تَشْرِيقٍ (وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجُنُونٍ وَمَرَضٍ مَخُوفٍ) لِتَعَيُّنِ رَمَضَانَ لِلصَّوْمِ الْوَاجِبِ فِيهِ وَتَعَيُّنِ الْفِطْرَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ ; وَلِأَنَّ الْحَيْضَ وَمَا بَعْدَهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا وَكَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ الْيَوْمِ.
(وَ) لَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعٌ بِفِطْرِ (حَامِلٍ وَمُرْضِعٍ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا) لِأَنَّهُمَا كَالْمَرِيضِ (أَوْ) فِطْرٍ (لِعُذْرٍ يُبِيحُهُ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ غَيْرِ مَخُوفٍ) لِشَبَهِهِمَا بِالْمَرَضِ الْمَخُوفِ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ (وَ) كَفِطْرِ (حَامِلٍ وَمُرْضِعٍ لِضَرَرِ وَلَدِهِمَا) بِالصَّوْمِ لِإِبَاحَةِ فِطْرِهِمَا بِسَبَبٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا (وَ) كَفِطْرِ (مُكْرَهٍ) عَلَى فِطْرِهِ (وَمُخْطِئٍ) كَآكِلٍ يَظُنُّهُ لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا (وَنَاسٍ) لِبَقَاءِ صَوْمِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَعُذْرِ الْمُخْطِئِ وَلِحَدِيثِ " «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " (لَا جَاهِلٍ) بِوُجُوبِ التَّتَابُعِ فَلَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ إذَا أَفْطَرَ بَلْ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ بِسُؤَالِهِ عَنْهُ.
[فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْمُظَاهِرُ صَوْمًا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ]
فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْمًا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَلَوْ رُجِيَ بُرْؤُهُ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (أَوْ يُخَافُ زِيَادَتُهُ أَوْ تَطَاوُلُهُ) أَيْ الْمَرَضِ بِصَوْمِهِ (أَوْ) لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْمًا (لِشَبَقٍ) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ أَوْ لِضَعْفٍ عَنْ مَعِيشَتِهِ (أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] وَلِمَا ( «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ بِالصَّوْمِ قَالَتْ امْرَأَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» ) «وَلِمَا أَمَرَ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِالصِّيَامِ قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ مَا أَصَبْتُ إلَّا مِنْ الصِّيَامِ قَالَ: فَأَطْعِمْ» " فَنَقَلَهُ إلَيْهِ لِمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ بِهِ مِنْ الشَّبَقِ وَالشَّهْوَةِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّوْمِ وَقِيسَ عَلَيْهِمَا مَنْ فِي مَعْنَاهُمَا وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمِسْكِينُ (مُسْلِمًا حُرًّا) كَالزَّكَاةِ وَيَأْتِي حُكْمُ الْمُكَاتَبِ (وَلَوْ أُنْثَى) كَزَكَاةٍ.
(وَلَا يَضُرُّ وَطْءُ مُظَاهَرٍ مِنْهَا أَثْنَاءَ الْإِطْعَامِ) نَصًّا وَكَذَا أَثَنَاء عِتْقٍ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ وَأَعْتَقَهُ فَلَا يَقْطَعُهُمَا وَطْؤُهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
(وَيُجْزِئُ دَفْعُهَا) أَيْ الْكَفَّارَةِ (إلَى صَغِيرٍ مِنْ أَهْلِهَا) كَمَا لَوْ كَانَ كَبِيرًا (وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ) ; لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتَاجٌ أَشْبَهَ الْكَبِيرَ وَلِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَكَذَا الزَّكَاةُ وَتَقَدَّمَ وَأَكْلُهُ لِلْكَفَّارَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيَصْرِفُ مَا يُعْطِي لِلصَّغِيرِ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ وَيَقْبِضُهَا لَهُ وَلِيُّهُ.
(وَ) يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى (مُكَاتَبٍ) ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَةٍ أَشْبَهَ الْحُرُّ الْمِسْكِينَ وَإِلَى مَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ كَفَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ وَابْنِ سَبِيلٍ وَغَارِمٍ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ لِأَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ وَالْغَارِمَ كَذَلِكَ يَأْخُذَانِ لِحَاجَتِهِمَا فَهُمَا فِي مَعْنَى الْمِسْكِينِ.
(وَ) يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى (مَنْ ظَنَّهُ مِسْكِينًا فَبَانَ غَنِيًّا) كَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْغِنَى مِمَّا يَخْفَى (وَ) يُجْزِئُ الدَّفْعُ (إلَى مِسْكِينٍ) وَاحِدٍ (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ) فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ إلَى الْعَدَدِ الْوَاجِبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ فِي يَوْمَيْنِ.
(وَلَا) يُجْزِئُهُ دَفْعُ كَفَّارَتِهِ (إلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِاسْتِغْنَائِهِ بِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ النَّفَقَةِ، وَلِأَنَّهَا لِلَّهِ فَلَا يَصْرِفُهَا لِنَفْعِهِ (وَلَا) يُجْزِئُ (تَرْدِيدُهَا عَلَى مِسْكِينٍ) وَاحِدٍ (سِتِّينَ يَوْمًا) (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) مِسْكِينًا (غَيْرَهُ) فَيُجْزِئُهُ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ وَتَرْدِيدُهَا إذَنْ فِي الْأَيَّامِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي مَعْنَى إطْعَامِ الْعَدَدِ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ حَاجَةَ الْمِسْكِينِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدًا فَكَأَنَّهُ أَطْعَمَ الْعَدَدَ
مِنْ الْمَسَاكِينِ وَالشَّيْءُ بِمَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ بِصُورَتِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهَا، وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْأَبْدَالُ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي الْمَعْنَى.
(وَلَوْ قَدَّمَ) نَحْوُ مُظَاهِرٍ (إلَى سِتِّينَ) مِسْكِينًا (سِتِّينَ مُدًّا) مِنْ بُرٍّ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ بَاقِي مَا يُجْزِئُ (وَقَالَ هَذَا بَيْنَكُمْ فَقَبَلُوهُ، فَإِنْ قَالَ بِالسَّوِيَّةِ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ (وَإِلَّا) يَقُلْ بِالسَّوِيَّةِ (فَلَا) يُجْزِئُهُ (مَا لَمْ يَعْلَمْ) مُكَفِّرٌ (أَنَّ كُلًّا) مِنْ الْمَسَاكِينِ (أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ) مِمَّا قَدَّمَهُ لَهُمْ فَيُجْزِئُهُ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ.
(وَالْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَاتِ مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ مِنْ مُدَبَّرٍ) وَهُوَ نِصْفُ قَدَحٍ بِكَيْلِ بَلَدِنَا مِصْرَ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْبُرِّ وَهُوَ الشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ (مُدَّانِ) نِصْفُ صَاعٍ وَذَلِكَ قَدَحٌ بِكَيْلِ مِصْرَ (وَسُنَّ إخْرَاجُ أُدْمٍ مَعَ) إخْرَاجِ (مُجْزِئٍ) مِمَّا سَبَقَ نَصًّا وَإِخْرَاجُ الْحَبِّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ إخْرَاجِ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَيُجْزِئَانِ بِوَزْنِ الْحَبِّ وَإِنْ أَخْرَجَهُمَا بِالْكَيْلِ زَادَ عَلَى كَيْلِ الْحَبِّ قَدْرًا يَكُونُ بِقَدْرِهِ وَزْنًا ; لِأَنَّ الْحَبَّ إذَا طُحِنَ تَوَزَّعَ (وَلَا يُجْزِئُ خُبْزٌ) لِخُرُوجِهِ عَنْ الْكَيْلِ وَالْإِدْخَارِ أَشْبَهَ الْهَرِيسَةَ.
(وَلَا) يُجْزِئُ فِي كَفَّارَتِهِ (غَيْرُ مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ وَلَوْ كَانَ) ذَلِكَ (قُوتَ بَلَدِهِ) ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ طُهْرَةٌ لِلْمُكَفَّرِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ الْفِطْرَةَ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ فَاسْتَوَيَا فِي الْحُكْمِ.
قُلْتُ: فَإِنْ عُدِمَتْ الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ أَجْزَأَ عَنْهَا مَا يُقْتَاتُ مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفِطْرَةِ.
(وَلَا) يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ (أَنْ يُغَدِّيَ الْمَسَاكِينَ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ) لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الصَّحَابَةِ إعْطَاؤُهُمْ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: (أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعَ مِنْ تَمْرٍ سِتَّةَ مَسَاكِينَ) وَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ تَمْلِيكُهُ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ (بِخِلَافِ نَذْرِ إطْعَامِهِمْ) أَيْ الْمَسَاكِينِ فَيُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ ; لِأَنَّهُ وَفَّى بِنَذْرِهِ (وَلَا تُجْزِئُهُ الْقِيمَةُ) عَنْ الْوَاجِبِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] وَكَالزَّكَاةِ.
(وَلَا) يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ (عِتْقٌ وَ) لَا (صَوْمٌ وَ) لَا (إطْعَامٌ إلَّا بِنِيَّةٍ) بِأَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ لِحَدِيثِ (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) ; وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ وَجْهُهُ فَيَقَعُ تَبَرُّعًا وَنَذْرًا وَكَفَّارَةً فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى الْكَفَّارَةِ إلَّا النِّيَّةُ (وَلَا تَكْفِي نِيَّةُ التَّقَرُّبِ) إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - (فَقَطْ) أَيْ دُونَ نِيَّةِ الْكَفَّارَةِ لِتَنَوُّعِ التَّقَرُّبِ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَمَحَلُّ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ اللَّيْلُ وَفِي الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ (فَإِنْ كَانَتْ) عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (وَاحِدَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ تَعَيُّنُ سَبَبِهَا) بِنِيَّتِهِ وَيَكْفِيهِ نِيَّةُ الْعِتْقِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الْإِطْعَامِ عَنْ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ
لِتَعَيُّنِهَا بِاتِّحَادِ سَبَبِهَا (وَيَلْزَمُهُ مَعَ نِسْيَانِهِ) أَيْ سَبَبِهَا (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) يَنْوِي بِهَا الَّتِي عَلَيْهِ (فَإِنْ عَيَّنَ) سَبَبًا (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ (غَلَطًا وَسَبَبُهَا مِنْ جِنْسٍ يَتَدَاخَلُ) كَمَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينِ فِي لُبْسٍ فَنَوَاهَا عَنْ يَمِينِ قِيَامٍ وَنَسِيَ يَمِينَ اللُّبْسِ (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ (عَنْ الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ لِتَدَاخُلِهَا (وَإِنْ كَانَتْ) عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ (أَسْبَابُهَا مِنْ جِنْسٍ لَا يَتَدَاخَلُ) كَمَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بِكَلِمَةٍ فَنَوَى الْكَفَّارَةَ عَنْ ظِهَارِهِ مِنْ إحْدَاهُنَّ أَجْزَأَهُ عَنْ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا بِأَنْ يَقُولَ: هَذِهِ عَنْ كَفَّارَةِ فُلَانَةَ وَهَذِهِ عَنْ كَفَّارَةِ فُلَانَةَ فَتَحِلُّ لَهُ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ فَتَخْرُجُ الْمُحَلَّلَةُ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ (أَوْ) كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ (أَجْنَاسٍ كَظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَ) وَطْءٍ فِي (صَوْمِ) رَمَضَانَ أَدَاءً (وَيَمِينٍ) بِاَللَّهِ - تَعَالَى - (فَنَوَى إحْدَاهَا) أَيْ الْكَفَّارَاتِ (أَجْزَأَ) الْمُخْرَجُ (عَنْ وَاحِدَةٍ) مِنْهَا (وَلَا يَجِبُ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ لِإِجْزَائِهَا (تَعَيُّنُ سَبَبِهَا) مِنْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَاجِبَةٌ فَلَمْ يَفْتَقِرْ صِحَّةُ أَدَائِهَا إلَى تَعَيُّنِ سَبَبِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.