(وَلَزِمَ) مَنْ رَأَى نَحْوَ بُصَاقٍ فِي مَسْجِدٍ (حَتَّى غَيْرَ بَاصِقٍ: إزَالَتُهُ مِنْ مَسْجِدٍ) لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ «وَجَدْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِنَا النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا تُدْفَنُ» . " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَسُنَّ تَخْلِيقُ مَحَلِّهِ) أَيْ: الْبُصَاقِ وَنَحْوِهِ.
أَيْ: طَلْيُ مَحَلِّ الْبُصَاقِ وَنَحْوِهِ بِالْخَلُوقِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (فِي نَفْلٍ: صَلَاةٌ عَلَيْهِ) أَيْ: النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي (ذَكَرَهُ) نَصًّا، وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ.
(وَ) سُنَّ أَنْ تَكُونَ (الصَّلَاةُ إلَى سُتْرَةٍ) فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ بَيْتٍ: صَلَّى إلَى حَائِطٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي فَضَاءٍ، صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ (مُرْتَفِعَةٍ) قَدْرَ ذِرَاعٍ فَأَقَلَّ، لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ: عُودٌ فِي مُؤَخِّرَتِهِ، ضِدُّ قَادِمَتِهِ، وَتَخْتَلِفُ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا وَتَارَةً تَكُونُ دُونَهُ
وَالْمُرَادُ: رَحْلُ الْبَعِيرِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْقَتَبِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ، خَشِيَ مَارًّا بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ لَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فِي السَّفَرِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، وَيَعْرِضُ لَهُ الْبَعِيرُ فَيُصَلِّي إلَيْهِ " (وَعَرْضُهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (أَعْجَبُ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) قَالَ: مَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ اهـ. لِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ،
فَقَوْلُهُ " وَلَوْ بِسَهْمٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ (وَ) سُنَّ (قُرْبُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (مِنْهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعْ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
(وَ) سُنَّ (انْحِرَافُهُ عَنْهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (يَسِيرًا) لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (وَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مُصَلٍّ (غَرْزُ عَصًا، وَضَعَهَا) بَيْنَ يَدَيْهِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ (وَيَصِحُّ) تَسَتُّرٌ (وَلَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ مَا اعْتَقَدَهُ سُتْرَةً) وَسُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ كَغَيْرِهَا،
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، قَالَ النَّاظِمُ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: سُتْرَةُ الذَّهَبِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّجِسَةَ لَيْسَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا (خَطَّ) خَطًّا
(كَالْهِلَالِ) وَصَلَّى إلَيْهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ أَمَامَهُ» .
" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِذَا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (شَيْءٌ، لَمْ يُكْرَهْ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) سُتْرَةٌ (فَمَرَّ) لَا إنْ وَقَفَ (بَيْنَ يَدَيْهِ كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ) أَيْ: لَا يُخَالِطُهُ لَوْنٌ آخَرُ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) وَكَذَا لَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» .
" «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ، إنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ (امْرَأَةٌ وَحِمَارٌ وَشَيْطَانٌ) وَكَلْبٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ.
لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ " مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ، لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارٌ لَنَا وَكُلَيْبَةٌ يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى بِذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَيَرْوِيهِ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ: سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ " وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِسُتْرَةٍ أُخْرَى فَلَا يَضُرُّهُمْ مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَلَوْ مِمَّا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ مَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ قَطَعَ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا.
وَهَلْ يَرُدُّ الْمَأْمُومُونَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ وَهَلْ يَأْثَمُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ مَيْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ: إلَى أَنَّ لَهُمْ رَدَّهُ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ.
وَصَوَّبَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ خَلْفَهُ: مَنْ اقْتَدَى بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ وَرَاءَهُ أَوْ بِجَانِبِهِ أَوْ قُدَّامَهُ حَيْثُ صَحَّتْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
[فَصْلٌ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالُهَا]
فَصْلٌ تَنْقَسِمُ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَسْقُطُ عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا وَهِيَ الْأَرْكَانُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا فَشُبِّهَتْ بِرُكْنِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ، وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهَا فُرُوضًا.
الثَّانِي: مَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَيَسْقُطُ سَهْوًا، وَيَسْجُدُ لَهُ، وَيُسَمَّى الْوَاجِبَ.
الثَّالِثُ: مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ مُطْلَقًا.
وَهُوَ السُّنَنُ فَ (أَرْكَانُهَا: مَا كَانَ فِيهَا) احْتِرَازًا عَنْ الشُّرُوطِ (وَلَا تَسْقُطُ عَمْدًا) خَرَّجَ السُّنَنَ، وَ (لَا) تَسْقُطُ (سَهْوًا) خَرَّجَ الْوَاجِبَاتِ (وَهِيَ) أَرْبَعَةَ عَشَرَ رُكْنًا (قِيَامُ قَادِرٍ فِي فَرْضٍ) وَلَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] " وَحَدِيثِ عِمْرَانَ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا - إلَى آخِرِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَخُصَّ بِالْفَرْضِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا» " الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (سِوَى خَائِفٍ بِهِ) أَيْ: بِالْقِيَامِ، كَمَنْ بِمَكَانٍ لَهُ حَائِطٌ يَسْتُرُهُ جَالِسًا فَقَطْ، وَيَخَافُ بِقِيَامِهِ نَحْوَ عَدُوٍّ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا.
(وَ) سِوَى (عُرْيَانٍ) لَا يَجِدُ سُتْرَةً، فَيُصَلِّي جَالِسًا نَدْبًا وَيَنْضَمُّ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) سِوَى مَرِيضٍ يُمْكِنُهُ قِيَامٌ لَكِنْ لَا تُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ قَائِمًا.
فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ (لِمُدَاوَاةٍ) وَيُصَلِّي جَالِسًا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(وَ) كَذَا يُصَلِّي جَالِسًا لِأَجْلِ (قِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنْ خُرُوجٍ) كَحَبْسٍ وَنَحْوِهِ بِمَكَانٍ قَصِيرِ السَّقْفِ.
(وَ) كَذَا قَادِرٌ يُصَلِّي عَلَى قِيَامٍ قَاعِدًا (خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ) أَيْ: الرَّاتِبِ (الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ،
وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ (وَحَدُّهُ) أَيْ: الْقِيَامِ (مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا) أَيْ: لَا يَصِير إلَى الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ.
وَلَا يَضُرُّهُ خَفْضُ رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَكْفِي لَوْ قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي الْمَذْهَبِ: لَا يُجْزِئُهُ.
وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بَشِيرٍ: لَا أَدْرِي.
(وَ) الثَّانِي (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاعْدِلُوا صُفُوفَكُمْ، وَسُدُّوا الْفُرَجَ فَإِذَا قَالَ إمَامُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَقُولُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِهَا، وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
(وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا، وَيَحْتَمِلُهَا إمَامٌ عَنْ مَأْمُومٍ.
وَيَأْتِي (وَ) الرَّابِعُ (رُكُوعٌ) إجْمَاعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» ". الْخَامِسُ (رَفْعٌ مِنْهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: «ثُمَّ ارْفَعْ» (إلَّا مَا) أَيْ: رُكُوعًا وَرَفْعًا مِنْهُ (بَعْدَ) رُكُوعٍ (أَوَّلَ فِي كُسُوفٍ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ،
فَالرُّكُوعُ الْأَوَّلُ وَالرَّفْعُ مِنْهُ رُكْنٌ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ.
(وَ) السَّادِسُ (اعْتِدَالٌ) لِقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ «: ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» " وَالْمُرَادُ: الِاعْتِدَالُ عَمَّا بَعْدَ أَوَّلَ فِي كُسُوفٍ، لِأَنَّ الرَّفْعَ وَالِاعْتِدَالَ تَابِعَانِ لِلرُّكُوعِ.
وَلَوْ أَخَّرَ: إلَّا مَا بَعْدَ أَوَّلَ فِي كُسُوفٍ: إلَى هُنَا: لَكَانَ وَاضِحًا فِي الْمَقْصُود.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (إنْ طَالَ) اعْتِدَالُهُ.
لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوَّلَهُ قَرِيبَ قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ» ".
(وَ) السَّابِعُ (سُجُودٌ) إجْمَاعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَاسْجُدُوا " وَلِحَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ.
(وَ) الثَّامِنُ (رَفْعٌ مِنْهُ) أَيْ: السُّجُودِ.
(وَ) التَّاسِعُ (جُلُوسٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» ".
(وَ) الْعَاشِرُ (طُمَأْنِينَةٌ فِي كُلِّ فِعْلٍ) مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ كُلِّ فِعْلٍ مِنْهَا بِالطُّمَأْنِينَةِ (وَهِيَ) أَيْ: الطُّمَأْنِينَةِ (السُّكُونُ، وَإِنْ قَلَّ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اطْمَأَنَّ الرَّجُلُ اطْمِئْنَانًا وَطُمَأْنِينَةً أَيْ: سَكَنَ.
وَقِيلَ: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ.
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (تَشَهُّدٌ أَخِيرٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كُنَّا نَقُولُ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَاهُ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، قَوْلُهُ: «قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ» "، وَالثَّانِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قُولُوا " وَالْأَمْرُ: لِلْوُجُوبِ،
وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا.
(وَ) الثَّانِيَ عَشَرَ (جُلُوسٌ لَهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَخِير (وَ) جُلُوسٌ (لِلتَّسْلِيمَتَيْنِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوسِ لِذَلِكَ.
وَقَالَ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، بَعْدُ) أَيْ: مَعَ (مَا يُجْزِئُ مِنْ) التَّشَهُّدِ (الْأَوَّلِ) وَيَأْتِي بِهَا مُؤَخَّرَةً عَنْهُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ.
(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ (التَّسْلِيمَتَانِ) عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لِحَدِيثِ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» " وَيَكْفِي فِي جِنَازَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ
وَشُكْرٍ: تَسْلِيمَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ.
وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ يُجْزِئُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: خِلَافٌ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ الْقَاضِي: فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٌ.
(وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هُنَا، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، حَيْثُ عَلَّمَهُ إيَّاهَا مُرَتَّبَةً بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يُصَلِّي كَذَلِكَ» " وَقَالَ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ". فَصْلٌ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا.
(وَاجِبَاتُهَا) وَهِيَ (مَا كَانَ فِيهَا) خَرَّجَ الشَّرْطَ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِهِ عَمْدًا) خَرَّجَ السُّنَنَ (وَ) يَسْقُطُ لِلسَّهْوِ (وَيَسْجُدُ لَهُ) أَيْ: لِتَرْكِهِ (سَهْوًا) خَرَّجَ الْأَرْكَانَ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، الْأَوَّلُ: (تَكْبِيرَةٌ لِغَيْرِ إحْرَامٍ) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا «إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ ; وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ (وَ) لِغَيْرِ (رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا) فَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ (فَ) إنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ (رُكْنٌ) مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) تَكْبِيرَةُ رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا (سُنَّةٌ) لِلِاجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ أَنَّهُ لِلْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
(وَ) الثَّانِي (تَسْمِيعٌ) أَيْ: قَوْلُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " (لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) دُونَ مَأْمُومٍ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي بِهِ.
وَقَالَ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
(وَ) الثَّالِثُ (تَحْمِيدٌ) أَيْ: قَوْلُ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " لِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ، لِقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» " مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الرَّابِعُ (تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي رُكُوعٍ، وَ) الْخَامِسُ تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي (سُجُودٍ) وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ.
(وَ) السَّادِسُ (رَبِّ اغْفِرْ لِي، إذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) مَرَّةً (لِلْكُلِّ) الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، لِثُبُوتِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " (وَمَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ وَالتَّسْمِيعِ، وَكَذَا التَّحْمِيدُ لِمَأْمُومٍ (بَيْنَ) ابْتِدَاءِ (انْتِقَالٍ وَانْتِهَائِهِ) لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهُ، فَاخْتُصَّ بِهِ (فَلَوْ) كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ مَحَلِّهِ.
وَإِنْ (شَرَعَ فِيهِ) أَيْ: الْمَذْكُورِ (قَبْلَ) شُرُوعِهِ فِي الِانْتِقَالِ، بِأَنْ كَبَّرَ لِسُجُودٍ قَبْلَ هَوِيِّهِ إلَيْهِ، أَوْ سَمِعَ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ لَمْ يُجْزِئْهُ (أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ) كَأَنْ أَتَمَّ تَكْبِيرَ الرُّكُوعِ فِيهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَكَذَا لَوْ شَرَعَ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهُ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ.
وَكَذَا سُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ لَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْجُلُوسِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ، وَكَذَا تَحْمِيدُ إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ، لَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ وَكَمَّلَهُ بَعْدَ هَوِيِّهِ مِنْهُ (كَتَكْمِيلِهِ وَاجِبَ قِرَاءَةٍ رَاكِعًا، وَكَتَشَهُّدِهِ قَبْلَ قُعُودٍ) لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ.
قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوَ بِهِ يَكْثُرُ، فَفِي الْإِبْطَالِ بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ (وَمِنْهَا) أَيْ: الْوَاجِبَاتِ (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ) وَهُوَ السَّابِعُ.
(وَ) الثَّامِنُ (جُلُوسٌ لَهُ) لِلْأَمْرِ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ لِتَرْكِهِ (عَلَى غَيْرِ مَنْ قَامَ إمَامُهُ) إلَى ثَالِثَةٍ (سَهْوًا) فَيُتَابِعُهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَجُلُوسُهُ لَهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ".
(وَالْمُجْزِئُ مِنْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ، أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحَادِيثِ (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ (عَمْدًا لِشَكٍّ فِي وُجُوبِهِ) بِأَنْ تَرَدَّدَ: أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا؟ (لَمْ يَسْقُطْ) وُجُوبُهُ وَلَزِمَهُ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ عَمْدًا مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ.
وَكَمَنْ تَرَدَّدَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَلَمْ يَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَاهِلًا حُكْمَهُ، بِأَنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ، فَهُوَ كَالسَّاهِي، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَبْلَ فَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ مُصَلٍّ الْفَرْضَ سُنَّةً، أَوْ عَكْسَهُ، أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ مِنْ الرُّكْنِ، وَأَدَّى الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهِهَا، فَهِيَ صَحِيحَةٌ، اكْتِفَاءً بِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الصَّلَاةِ.
[فَصْلٌ سُنَنُ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ وَالثَّالِثُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا (سُنَنُهَا.
وَهِيَ مَا كَانَ فِيهَا.
وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي لَهُ (وَلَوْ عَمْدًا) بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ (وَيُبَاحُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) أَيْ: تَرْكِهِ سَهْوًا،
فَلَا يَجِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ (وَهِيَ) ضَرْبَانِ: أَقْوَالٌ، وَهِيَ (اسْتِفْتَاحٌ وَتَعَوُّذٌ) مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى (وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَكُلِّ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(وَقِرَاءَةُ سُورَةٍ فِي فَجْرٍ، وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ، وَتَطَوُّعٍ، وَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ، وَقَوْلُ: آمِينَ، وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) إلَى آخِرِهِ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ لِغَيْرِ مَأْمُومٍ) وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " (وَمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فِي تَسْبِيحِ) رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، (وَ) مَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ (فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (وَدُعَاءٌ فِي تَشَهُّدٍ أَخِيرٍ، وَقُنُوتٌ فِي وِتْرٍ) وَمَا زَادَ عَلَى الْمُجْزِئِ فِي تَشَهُّدٍ أَوَّلَ وَأَخِيرٍ (وَسُنَنُ الْأَفْعَالِ مَعَ الْهَيْئَاتِ: خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ وَسُمِّيَتْ) أَيْ: سَمَّاهَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُ (هَيْئَةً، لِأَنَّهَا) أَيْ: الْهَيْئَةَ (صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا) وَمِنْ ذَلِكَ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ،
وَوَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَجَعْلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَنَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَتَفْرِقَتُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَهُمَا يَسِيرًا فِي قِيَامِهِ، وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، وَكَوْنُهُمَا مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ فِيهِ، وَمَدُّ ظَهْرِهِ مُسْتَوِيًا، وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِيهِ، وَبُدَاءَتُهُ بِوَضْعِ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَتَمْكِينُ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَسَائِرِ أَعْضَاءِ سُجُودِهِ بِالْأَرْضِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ، مُوَجَّهَتُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ فِيهِ، وَقِيَامُهُ إلَى الثَّانِيَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَكَذَلِكَ إلَى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.
وَاعْتِمَادُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ نُهُوضِهِ، وَافْتِرَاشُهُ إذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَتَوَرُّكُهُ فِي الْأَخِيرِ، وَوَضْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الـ {يُمْنَى، وَالْيُسْرَى عَلَى الْيُسْرَى، مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ إذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُمْنَى فِي تَشَهُّدِهِ مُحَلِّقًا إبْهَامَ يَدِهِ مَعَ الْوُسْطَى، قَابِضًا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَالْإِشَارَةُ بِسَبَّابَتِهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَوَضْعُ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ مَمْدُودَتَهَا مُوَجَّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَالْتِفَاتُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي سَلَامِهِ، وَتَفْضِيلُ الشِّمَالِ عَلَى الْيَمِينِ فِي الْتِفَاتٍ
(فَدَخَلَ) فِي سُنَنِ الْهَيْئَاتِ (جَهْرُ) إمَامٍ بِنَحْوِ تَكْبِيرٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى، وَقِرَاءَةٍ فِي جَهْرِيَّةٍ.
وَدَخَلَ (وَإِخْفَاتٌ) بِنَحْوِ تَشَهُّدِ تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَسُؤَالِ مَغْفِرَةٍ وَتَحْمِيدٍ، وَقِرَاءَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ جَهْرٍ.
وَكَذَا بِنَحْوِ تَكْبِيرٍ وَتَسْلِيمٍ، وَتَسْمِيعٍ لِغَيْرِ إمَامٍ، إلَّا الْمَأْمُومَ لِحَاجَةٍ.
(وَ) دَخَلَ (تَرْتِيلُ) قِرَاءَةٍ (وَتَخْفِيفُ) صَلَاةِ الْإِمَامِ (وَإِطَالَةُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) (وَتَقْصِيرُ) الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتٌ فِي غَيْرِهَا فَهِيَ مِنْ الْهَيْئَاتِ.
وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ (وَيُسَنُّ خُشُوعٌ) فِي صَلَاةٍ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ، فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] " أَيْ: الْمُخْبِتِينَ.
وَالْخُشُوعُ: الْإِخْبَاتُ قَالَ: وَالْخُضُوعُ اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: الْخُشُوعُ بِالْجَوَارِحِ، وَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] " أَيْ: خَائِفُونَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ، مُلْزِمُونَ أَبْصَارَهُمْ مَسَاجِدَهُمْ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُشُوعُ الْخُضُوعُ وَالْإِخْبَاتُ.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَعَنْ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (يُشْرَعُ) أَيْ: يَجِبُ، أَوْ يُسَنُّ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ (لِزِيَادَةٍ) فِي الصَّلَاةِ (وَنَقْصٍ) مِنْهَا سَهْوًا، وَ (لَا) يُشْرَعُ إذَا زَادَ، أَوْ نَقَصَ مِنْهَا (عَمْدًا) لِأَنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إلَى السَّهْوِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ.
وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِيهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ انْجِبَارِ السَّهْوِ انْجِبَارُ الْعَمْدِ، لِوُجُوبِ الْعُذْرِ فِي السَّهْوِ.
(وَ) يُشْرَعُ أَيْضًا سُجُودُ السَّهْوِ (لِشَكٍّ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ: بَعْضِ الْمَسَائِلِ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، فَلَا يُشْرَعُ لِكُلِّ شَكٍّ، بَلْ وَلَا لِكُلِّ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ (إذَا كَثُرَ) الشَّكُّ (حَتَّى صَارَ كَوَسْوَاسٍ) لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ فَيَقْضِي الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا فَلَزِمَهُ طَرْحُهُ وَاللَّهْوُ عَنْهُ (بِنَفْلٍ) مُتَعَلِّقٍ بِشَرْعٍ (وَفَرْضٍ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» ".
وَلِأَنَّ النَّفَلَ صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَشْبَهَ الْفَرِيضَةَ (سِوَى) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ) فَلَا سُجُودَ
لِسَهْوٍ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا فَجَبْرُهَا أَوْلَى.
(وَ) سِوَى (سُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَ) سُجُودِ (شُكْرٍ) لِئَلَّا يَلْزَمَ زِيَادَةُ الْجَابِرِ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَ) سِوَى سُجُودِ (سَهْوٍ) حَكَاهُ إِسْحَاقُ إجْمَاعًا، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّسَلْسُلِ.
وَكَذَا لَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ (فَمَتَى زَادَ) سَهْوًا (فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (قِيَامًا، أَوْ قُعُودًا، وَلَوْ) كَانَ الْقُعُودُ عَقِبَ رَكْعَةٍ، وَكَانَ (قَدْرَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) سَجَدَ لِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ زَادَ جِلْسَةً أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ قَائِمًا فَجَلَسَ (أَوْ) زَادَ
(رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا) سَهْوًا (أَوْ نَوَى الْقَصْرَ) حَيْثُ يُبَاحُ (قَائِمٌ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ) وُجُوبًا إلَّا فِي الْإِتْمَامِ فَاسْتِحْبَابًا لِحَدِيثِ «إذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَ) إنْ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ (عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِهَيْئَتِهَا (إلَّا فِي الْإِتْمَامِ) أَيْ: إذَا نَوَى الْقَصْرَ، فَأَتَمَّ عَمْدًا، فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ.
(وَإِنْ قَامَ) مُصَلٍّ (لِرَكْعَةٍ زَائِدَةٍ) سَهْوًا، كَثَالِثَةٍ فِي فَجْرٍ، وَرَابِعَةٍ فِي مَغْرِبٍ، وَخَامِسَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ (جَلَسَ) بِلَا تَكْبِيرٍ (مَتَى ذَكَرَ) أَنَّهَا زَائِدَةٌ وُجُوبًا لِئَلَّا يُغَيِّرَ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ (وَلَا يَتَشَهَّدُ إنْ) كَانَ (تَشَهَّدَ) قَبْلَ قِيَامِهِ، لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ.
وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
صَلَّى عَلَيْهِ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ (وَسَلَّمَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ قَبْلَ قِيَامِهِ تَشَهَّدَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا فَقَالُوا: فَإِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى، كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» .
" وَفِي رِوَايَةِ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ» " وَفِي رِوَايَةِ قَالَ «وَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ بِطُرُقِهِ مُسْلِمٌ.
(وَمَنْ نَوَى) صَلَاةَ (رَكْعَتَيْنِ) نَفْلًا (فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ نَهَارًا فَالْأَفْضَلُ) لَهُ (أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوٍ) لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فَأَكْثَرَ، رَجَعَ وَسَجَدَ، وَإِلَّا بَطَلَتْ.
(وَ) إنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ (لَيْلًا فَكَقِيَامِهِ إلَى) رَكْعَةٍ (ثَالِثَةٍ ب) صَلَاةِ (فَجْرٍ) نَصًّا.
لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» " وَلِأَنَّهَا
صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ أَشْبَهَتْ الْفَرِيضَةَ ;
(وَمَنْ) سَهَا عَلَيْهِ فَ (نَبَّهَهُ ثِقَتَانِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ امْرَأَتَيْنِ (فَأَكْثَرَ) سَوَاءٌ شَارَكُوهُ فِي الْعِبَادَةِ، بِأَنْ كَانَ إمَامًا لَهُمْ، أَوْ لَا (وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُهُ.
لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) لِيَرْجِعَ لِلصَّوَابِ إلَى تَنْبِيهُهُمْ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ قَوْلَ الْقَوْمِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ; فَإِنْ نَبَّهَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْجِعْ لِذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ.
وَكَذَا حُكْمُ طَوَافٍ، فَإِذَا قَالَ: اثْنَانِ فَأَكْثَرُ: طُفْت كَذَا، عَمِلَ بِقَوْلِهِمَا وَإِلَّا عَمِلَ بِالْيَقِينِ.
(وَلَوْ ظَنَّ) الْمُصَلِّي (خَطَأَهُمَا) أَيْ: الْمُنَبِّهَيْنِ لَهُ، كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الرُّجُوعُ إلَى شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ) مُصَلٍّ (صَوَابَ نَفْسِهِ) فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ، كَالْحَاكِمِ إذَا عَلِمَ كَذِبَ الْبَيِّنَةِ (أَوْ) لَا مَا لَمْ (يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مَنْ يُنَبِّهُهُ) فَيَسْقُطُ قَوْلُهُمْ، كَبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ رُجُوعٌ إلَى (فِعْلِ مَأْمُومِينَ) مِنْ نَحْوِ قِيَامٍ وَقُعُودٍ بِلَا تَنْبِيهٍ، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّنْبِيهِ: بِتَسْبِيحِ الرِّجَالِ، وَتَصْفِيقِ النِّسَاءِ.
(فَإِنْ أَبَاهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ (إمَامٌ) وَجَبَ عَلَيْهِ (قَامَ ل) رَكْعَةٍ (زَائِدَةٍ) مَثَلًا (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (ك) صَلَاةِ (مُتَّبِعِهِ) أَيْ: مَأْمُومٍ تَابَعَهُ فِي الزِّيَادَةِ (عَالِمًا) بِزِيَادَتِهَا (ذَاكِرًا) لَهَا لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ: بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ اتِّبَاعُهُ فِيهَا، وَإِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا فَهُوَ يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ، وَأَنَّ مَا قَامَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنْ تَبِعَهُ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ فَارَقَهُ صَحَّتْ لَهُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَابَعُوا فِي الْخَامِسَةِ لِتَوَهُّمِ النَّسْخِ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ، وَيَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ الْحَالَ مُفَارَقَتُهُ (وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا) أَيْ: بِالزَّائِدَةِ (مَسْبُوقٌ) دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا جَاهِلًا زِيَادَتَهَا ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يَعْتَدُّ بِهَا الْإِمَامُ، وَلَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا، عَلَى عَالِمٍ بِالْحَالِ، فَلَمْ يَعْتَدَّ بِهَا الْمَسْبُوقُ، وَعُلِمَ مِنْهُ: انْعِقَادُ صَلَاتِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ لِلْعُذْرِ (وَيُسَلِّمُ) الْمَأْمُومُ (الْمُفَارِقُ) لِإِمَامِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الزَّائِدَةِ، وَتَنْبِيهِهِ وَإِبَائِهِ الرُّجُوعَ، إذَا أَتَمَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ إمَامٍ (إنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ لِجُبْرَانِ نَقْصٍ) كَمَا لَوْ نَهَضَ عَنْ تَشَهُّدٍ أَوَّلَ وَنَحْوِهِ، وَنَبَّهُوهُ بَعْدَ أَنْ قَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَيَأْتِي مُوَضَّحًا.
(وَعَمَلٌ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثَرٍ عَادَةً) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ، بَلْ مَا عُدَّ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا، بِخِلَافِ مَا يُشْبِهُ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَتَأَخُّرِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَفِعْلِ أَبِي بَرْزَةَ لَمَّا نَازَعَتْهُ دَابَّتُهُ، فَهَذَا لَا يُبْطِلُهَا (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا) أَيْ:
الصَّلَاةِ، كَلَفِّ عِمَامَةٍ وَلُبْسٍ وَمَشْيٍ (يُبْطِلُهَا) أَيْ: الصَّلَاةَ (عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ) لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورِيَّةً: كَخَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَيْلٍ وَحَرِيقٍ وَسَبُعٍ،
فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةً لَمْ تَبْطُلْ.
وَعَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الضَّرُورَةِ مَنْ بِهِ حَكٌّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ يَسِيرًا، أَوْ لَمْ يَتَوَالَ، وَلَوْ كَثُرَ (وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ كَفِعْلِهِ) لَا كَقَوْلِهِ: فَلَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ إلَّا إذَا كَثُرَتْ وَتَوَالَتْ.
(وَكُرِهَ) عَمَلٌ (يَسِيرٌ) فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) وَلَوْ سَهْوًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ وَلَا لِحَدِيثِ نَفْسٍ ; لِأَنَّهُ يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةٌ (بِعَمَلِ قَلْبٍ) وَلَوْ طَالَ نَصًّا، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَ) لَا تَبْطُلُ أَيْضًا ب (إطَالَةِ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ) وَلَوْ إلَى كِتَابٍ وَقِرَاءَتِهِ مَا فِيهِ بِقَلْبِهِ دُونَ لِسَانِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ (وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ يَسِيرَيْنِ عُرْفًا، سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا) لِعُمُومِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» " فَإِنْ كَثُرَ أَحَدُهُمْ بَطَلَتْ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُسْتَكْثَرٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا.
(وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِبَلْعِ) مَصْلِ (مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ بِلَا مَضْغٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَيَسِيرٌ (وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بِهِ) أَيْ: بِمَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ (رِيقٌ) نَصًّا، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ الْعَسْكَرِيُّ ثُمَّ الشُّوَيْكِيُّ، وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ: وَمَا لَا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَلْ يَجْرِي بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا لَهُ جُرْمٌ تَبْطُلُ بِهِ، أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
وَهُوَ مَفْهُومُ الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ، وَإِنْ تَرَكَ فِي فَمِهِ لُقْمَةً بِلَا مَضْغٍ وَلَا بَلْعٍ كُرِهَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ لَاكَهَا بِلَا بَلْعٍ، فَكَالْعَمَلِ إنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا) يَبْطُلُ (نَفْلُ) صَلَاةٍ (بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْدًا) نَصًّا.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ " أَنَّهُ شَرِبَ فِي التَّطَوُّعِ " لِأَنَّ مَدَّهُ وَإِطَالَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ مَطْلُوبَةٌ، فَيَحْتَاجُ مَعَهُ كَثِيرًا إلَى جُرْعَةِ مَاءٍ لِدَفْعِ عَطَشٍ، كَمَا سُومِحَ فِيهِ فِي الْجُلُوسِ وَعَلَى الرَّاحِلَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ يُبْطِلُ الْفَرْضَ، وَأَنْ يَسِيرَ الْأَكْلِ عَمْدًا يُبْطِلُهُمَا ; لِأَنَّهُ يُنَافِي هَيْئَةَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْكَثِيرَ يُبْطِلُهُمَا وَلَوْ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَيَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهَا، وَهِيَ أَدْخَلُ فِي الْفَسَادِ بِدَلِيلِ الْحَدَثِ وَالنَّوْمِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَلِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ الْقِيَاسِ.
(وَبَلْعُ ذَوْبِ سُكَّرٍ وَنَحْوَهُ) كَحَلْوَى وَتَرْنْجَبِيلٍ (بِفَمٍ كَأَكْلٍ) فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا مَعَ الْعَمْدِ فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ فَتَحَ فَاهُ فَحَصَلَ فِيهِ مَاءٌ فَابْتَلَعَهُ،
فَكَشُرْبٍ.
(وَسُنَّ سُجُودُ) سَهْوٍ لِمُصَلٍّ (لِإِتْيَانِهِ بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ سَهْوًا، كَقِرَاءَتِهِ سُورَةً فِي) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأَخِيرَتَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ فِي ثَالِثَةِ مَغْرِبٍ (أَوْ) قِرَاءَتِهِ (قَاعِدًا) ، أَوْ رَاكِعًا (أَوْ سَاجِدًا، وَكَتَشَهُّدِهِ قَائِمًا) لِعُمُومِ «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَالسَّلَامِ مِنْ نُقْصَانٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا كَآمِينَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ سُجُودٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ".
(وَإِنْ سَلَّمَ) مُصَلٍّ (قَبْلَ إتْمَامِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا وَالْبَاقِي مِنْهَا إمَّا رُكْنٌ، أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا يُبْطِلُهَا تَرْكُهُ عَمْدًا (وَ) إنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ، وَلَهُ إتْمَامُهَا ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ لِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا.
(فَإِنْ ذَكَرَ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَهْوًا: أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّهَا (قَرِيبًا عُرْفًا وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) نَصًّا (أَوْ شَرَعَ فِي) صَلَاةٍ (أُخْرَى، وَتُقْطَعُ) الَّتِي شَرَعَ فِيهَا مَعَ قُرْبِ فَصْلٍ، وَعَادَ إلَى الْأُولَى (أَتَمَّهَا وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَهْوَهُ قَرِيبًا بِأَنْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفًا (بَطَلَتْ) لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (أَوْ أَحْدَثَ) بَطَلَتْ لِأَنَّ الْحَدَثَ بِنَاءٌ فِيهَا.
(أَوْ تَكَلَّمَ مُطْلَقَا) أَيْ: إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ، عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا، طَائِعًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا، لِمَصْلَحَتِهَا، أَوْ لَا فِي صُلْبِهَا، أَوْ بَعْدَ سَلَامِهِ سَهْوًا وَاجِبًا، كَتَحْذِيرِ نَحْوِ ضَرِيرٍ، أَوْ لَا بَطَلَتْ لِحَدِيثِ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرٍ لِمَصْلَحَتِهَا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ، لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ (أَوْ قَهْقَهَ هُنَا) أَيْ: بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ سَهْوًا بَطَلَتْ (أَوْ) قَهْقَهَ (فِي صُلْبِهَا بَطَلَتْ) كَالْكَلَامِ، وَأَوْلَى.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ نَامَ) مُصَلٍّ يَسِيرًا قَائِمًا، أَوْ جَالِسًا (فَتَكَلَّمَ، أَوْ سَبَقَ) الْكَلَامُ (عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ) لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى
الْكَلَامِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ غَلِطَ فِي الْقُرْآنِ فَأَتَى بِكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ النَّائِمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ (وَكَكَلَامٍ) فِي الْحُكْمِ (إنْ تَنَحْنَحَ بِلَا حَاجَةٍ) فَبَانَ حَرْفًا (أَوْ نَفَخَ ; فَبَانَ حَرْفَانِ) فَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَإِنْ كَانَ التَّنَحْنُحُ لِحَاجَةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ.
قَالَ الْمَرْوَزِيِّ: كُنْت آتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَيَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ لِأَعْلَمَ أَنَّهُ يُصَلِّي.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ انْتَحَبَ) مُصَلٍّ (خَشْيَةً) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (، أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ،، أَوْ عُطَاسٌ،، أَوْ تَثَاؤُبٌ وَنَحْوُهُ) كَبُكَاءٍ وَلَوْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ وَقَالَ مُهَنَّا: صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَتَثَاءَبَ خَمْسَ مُرَّاتٍ، وَسُمِعَتْ لِتَثَاؤُبِهِ هَاه هَاه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ تَقُولُ: تَثَاءَبْتُ، عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلْتُ: وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْتُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَيُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ اُلْبُكَا كَضَحِكٍ، وَيُجِيبُ وَالِدَيْهِ فِي نَفْلٍ وَتَبْطُلُ بِهِ،
وَيَجُوزُ إخْرَاجُ زَوْجَةٍ مِنْ نَفْلٍ لِحَقِّ زَوْجِهَا.
فَصْلٌ وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ
سَهْوًا كَرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ رَفَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ طُمَأْنِينَةٍ (فَذَكَرَهُ) أَيْ: الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ (بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا (بَطَلَتْ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) وَقَامَتْ الَّتِي تَلِيهَا مَقَامَهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُ الْمَتْرُوكِ، لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضِ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى فَلَغَتْ رَكْعَتُهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ إلَى أُخْرَى، فَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى،
فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا قَامَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا لِلثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَنْحَطُّ، وَيَسْجُدُ، وَيَعْتَدُّ بِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ عَمَلًا لَهَا، جَعَلَ هَذِهِ الْأُولَى، وَأَلْغَى مَا قَبْلَهَا قُلْت: فَيَسْتَفْتِحُ، أَوْ يَجْتَزِئُ بِالِاسْتِفْتَاحِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ الْأَوَّلُ قُلْت: فَنَسِيَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَلَا تَنْعَقِدُ
بِتَرْكِهَا، وَكَذَا النِّيَّةُ إنْ قِيلَ: هِيَ رُكْنٌ (فَلَوْ رَجَعَ) مَنْ تَرَكَ رُكْنًا إلَيْهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي مَقْصُودِ الْقِيَامِ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ: إلْغَاءً لِعَمَلٍ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ.
وَإِنْ رَجَعَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ فِي الرَّكْعَةِ لِأَنَّهَا فَسَدَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا فَلَمْ تَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ بِحَالٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَ) إنْ ذَكَرَ مَا تَرَكَهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ لِيَأْتِيَ بِهِ (رُكْنٌ لَا يَسْقُطُ بِسَهْوٍ) وَلَا غَيْرِهِ.
وَيَأْتِي بِمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ الرُّكْنِ الْمَنْسِيِّ فَلَوْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ، وَقَدْ جَلَسَ عَادَةً فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ سَجَدَ سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ، فَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ سَجَدَ الثَّانِيَةَ، وَلَمْ يَجْلِسْ وَإِلَّا جَلَسَ وَإِنْ كَانَ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ جِلْسَةِ الْفَصْلِ (إنْ لَمْ يَعُدْ) إلَى ذَلِكَ عَالِمًا (عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي مَحَلِّهِ عَالِمًا عَمْدًا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ أَخِيرَةٍ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ، وَلَمْ يَسْجُدْهَا فِي الْحَالِ (وَ) إنْ لَمْ يَعُدْ (سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا (بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ) الْمَتْرُوكُ رُكْنُهَا بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا.
(وَ) إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا تَرَكَهُ إلَّا (بَعْدَ السَّلَامِ فَ) ذَلِكَ (كَتَرْكِ رَكْعَةٍ) كَامِلَةٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، إنْ لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ، أَوْ يُحْدِثْ، أَوْ يَتَكَلَّمْ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِتَرْكِ رُكْنِهَا لَغَتْ فَصَارَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا فَكَأَنَّهُ سَلَّمَ عَنْ تَرْكِ رَكْعَةٍ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَا ذَكَرَ بَعْدَ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَهُ (تَشَهُّدًا أَخِيرًا، أَوْ) يَكُنْ (سَلَامًا فَيَأْتِيَ بِهِ) فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ.
(وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (وَيُسَلِّمُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِسُجُودِ السَّهْوِ كَمَا يَأْتِي، وَمَتَى مَضَى مُصَلٍّ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، أَوْ رَجَعَ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ، عَالِمًا تَحْرِيمَهُ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ كَتَرْكِ الْوَاجِبِ عَمْدًا وَإِنْ فَعَلَهُ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ لَمْ تَبْطُلُ، كَتَرْكِ الْوَاجِبِ سَهْوًا.
(وَإِنْ نَسِيَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ: أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةٌ (وَذَكَرَ وَقَدْ قَرَأَ فِي) رَكْعَةٍ (خَامِسَةٍ.
فَهِيَ أُولَاهُ) لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ أُولَاهُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَتِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَى، ثُمَّ صَارَتْ الثَّالِثَةُ أُولَاهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ الرَّابِعَةُ ثُمَّ الْخَامِسَةُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
(وَ) إنْ ذَكَرَ الْمَنْسِيَّ مِنْ السَّجَدَاتِ (قَبْلَهُ) أَيْ: الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الْخَامِسَةِ فَإِنَّهُ يَعُودُ فَ (يَسْجُدُ سَجْدَةً، فَتَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ) وَهِيَ الرَّابِعَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ (وَيَأْتِي بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الثَّلَاثَ قَبْلَ الرَّابِعَةِ لَغَتْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (بَعْدَ السَّلَامِ، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى سَلَّمَ: كَتَارِكِ رَكْعَةٍ فَيَكُونُ هَذَا كَتَارِكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ يَبْنِي عَلَيْهِ فَتَبْطُلُ.
(وَ) إنْ نَسِيَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (سَجْدَتَيْنِ، أَوْ) نَسِيَ (ثَلَاثًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا) فَلَمْ يَدْرِ: أَهُمَا مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ؟ (أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الرَّابِعَةِ فَيَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ، يَبْنِي عَلَيْهِمَا وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ.
(وَ) إنْ نَسِيَ (ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَجَهِلَهَا (أَتَى بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ وُجُوبًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَتَلْغُوَ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَة وَتَصِيرَ أُولَاهُ فَيَبْنِيَ عَلَيْهَا.
(وَ) إنْ نَسِيَ (خَمْسًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ (، أَوْ) نَسِيَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ (ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ أَرْبَعَ وَجَهِلَهَا (أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ) فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ (ثُمَّ) يَأْتِي (بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (أَوْ) يَأْتِي (بِرَكْعَتَيْنِ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
(وَ) إنْ نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَجْدَةً.
وَ) نَسِيَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ (وَ) نَسِيَ (مِنْ رَابِعَةٍ سَجْدَةً) وَأَتَى بِالثَّالِثَةِ تَامَّةً فَهِيَ أُولَاهُ وَ (أَتَى بِسَجْدَةٍ) فَتَتِمُّ لَهُ الرَّابِعَةُ، وَتَكُونُ ثَانِيَةً (ثُمَّ) يَأْتِي (بِرَكْعَتَيْنِ) فَتَتِمُّ لَهُ الْأَرْبَعُ.
(وَمَنْ ذَكَرَ) فِي صَلَاتِهِ (تَرْكَ رُكْنٍ جَهِلَهُ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ: أَهُوَ رُكُوعٌ، أَوْ رَفْعٌ مِنْهُ؟ (أَوْ) جَهِلَ (مَحَلَّهُ) بِأَنْ ذَكَرَ تَرْكَ سَجْدَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ: أَهِيَ مِنْ الْأَخِيرَةِ، أَوْ مِمَّا قَبْلَهَا؟ (عَمِلَ) وُجُوبًا (بِاسْتِوَاءِ التَّقْدِيرَيْنِ) فَيَجْعَلُهُ فِي الْأُولَى رُكُوعًا وَفِي الثَّانِيَةِ مِمَّا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ، فَيَقُومُ فِي الْأُولَى، وَيَرْكَعُ وَيَرْفَعُ وَيَعْتَدِلُ وَيَسْجُدُ لِتَحْصُلَ لَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ يَقِينًا وَيَأْتِي فِي الثَّانِيَةِ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ كَذَلِكَ، وَكَذَا كُلُّ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إتْمَامَ صَلَاتِهِ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونَ مُغَرِّرًا بِهَا وَفِي الْحَدِيثِ «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَيْ: لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينِ أَنَّهَا تَمَّتْ.
وَإِنْ نَسِيَ آيَتَيْنِ مِنْ
الْفَاتِحَةِ مُتَوَالِيَتَيْنِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
(وَتَشَهُّدُ) مَنْ نَسِيَ، فَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ (قَبْلَ سَجْدَتَيْ) رَكْعَةٍ (أَخِيرَةٍ) مَثَلًا (زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ) يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا لِأَنَّهُ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَتَشَهَّدَ بَعْدَ سَجْدَةٍ أُولَى (وَقِيلَ سَجْدَةٌ ثَانِيَةٌ) زِيَادَةٌ (قَوْلِيَّةٌ) يُسَنُّ السُّجُودُ لَهَا لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَحَلُّ جُلُوسٍ، فَلَمْ يَزِدْ سِوَى الْقَوْلِ.
(وَمَنْ نَهَضَ) إلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ (عَنْ تَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ) مَعَ (تَرْكِ) جُلُوسٍ لَهُ (أَوْ) عَنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ (دُونَهُ) أَيْ: الْجُلُوسِ لَهُ، بِأَنْ جَلَسَ وَنَهَضَ، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ (نَاسِيًا) لِمَا تَرَكَهُ (لَزِمَ رُجُوعُهُ) إنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، لِيَتَدَارَكَ الْوَاجِبَ وَيُتَابِعَهُ مَأْمُومٌ، وَلَوْ اعْتَدَلَ (وَكُرِهَ) رُجُوعُهُ (إنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ: الْكَرَاهَةُ.
وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْقِيَامَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ لِتَرْكِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ لَا إلَى بَدَلٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (وَحَرُمَ) رُجُوعٌ (إنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ (وَبَطَلَتْ) صَلَاتُهُ بِرُجُوعِهِ إذَنْ، عَالِمًا عَمْدًا لِزِيَادَتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا عَمْدًا أَشْبَهَ مَا لَوْ زَادَ رُكُوعًا.
وَ (لَا) تَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ (إذَا نَسِيَ، أَوْ جَهِلَ) تَحْرِيمَ رُجُوعِهِ.
لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» " وَمَتَى عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ: نَهَضَ وَلَمْ يُتِمَّهُ (وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ) أَيْ: الْإِمَامِ فِي قِيَامِهِ نَاسِيًا لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» " وَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّشَهُّدِ قَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إنْ سَبَّحُوا بِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ وَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ تَشَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يُتَابِعُوهُ، لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ وَلَوْ شَرَعُوا فِيهَا، لَا إنْ رَجَعَ بَعْدَهَا لِخِطَابِهِ وَيَنْوُونَ مُفَارَقَتَهُ (وَكَذَا) أَيْ: كَتَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلَ نَاسِيًا (كُلُّ وَاجِبٍ) تَرَكَهُ مُصَلٍّ نَاسِيًا (فَيَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحِ رُكُوعٍ، وَ) تَسْبِيحِ (سُجُودٍ قَبْلَ اعْتِدَالٍ) عَنْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ.
وَمَتَى رَجَعَ إلَى الرُّكُوعِ حَيْثُ جَازَ - وَهُوَ إمَامٌ، فَأَدْرَكَهُ فِيهِ مَسْبُوقٌ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَكَعَ ثَانِيًا نَاسِيًا وَ (لَا) يَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحٍ (بَعْدَهُ)
أَيْ: الِاعْتِدَالِ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّسْبِيحِ رُكْنٌ وَقَعَ مُجْزِئًا صَحِيحًا وَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ تَكْرَارًا لِلرُّكْنِ فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ اعْتِدَالٍ عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لَا نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ) لِلسَّهْوِ (لِلْكُلِّ) مِنْ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ.
" تَتِمَّةٌ " لَوْ أَحْرَمَ بِالْعِشَاءِ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، ظَنًّا أَنَّهُمَا مِنْ التَّرَاوِيحِ، أَوْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ ظُهْرٍ، ظَنًّا أَنَّهَا جُمُعَةٌ،، أَوْ فَجْرٌ فَائِتَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَعَادَ فَرْضَهُ، وَلَمْ يَبْنِ نَصًّا لِأَنَّهُ قَدْ قَطَعَ نِيَّةَ الْأُولَى بِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ فِي أُخْرَى وَعَمَلِهِ لَهَا مَا يُنَافِي الْأُولَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ مَا يُنَافِيهَا.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ إمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ الْعَصْرَ، فَظَنَّ أَنَّهَا الظُّهْرُ، فَطَوَّلَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ ذَكَرَ فَقَالَ: يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ.
فَصْلٌ وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ مَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ (رُكْنٍ) بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي فِعْلِهِ فَيُجْعَلُ كَمَنْ تَيَقَّنَ تَرْكَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ (أَوْ) شَكَّ فِي (عَدَدِ رَكَعَاتٍ) فَإِذَا شَكَّ: صَلَّى رَكْعَةً، أَوْ رَكْعَتَيْنِ، بَنَى عَلَى رَكْعَةٍ ;، أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا بَنَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَهَكَذَا إمَامًا كَانَ، أَوْ مُنْفَرِدًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ: أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى أَرْبَعًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ لِيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ فَتَحَرِّي الصَّوَابِ فِيهِ: هُوَ اسْتِعْمَالُ الْيَقِينِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَلَا يَرْجِعُ) مَأْمُومٌ (وَاحِدٌ) لَيْسَ مَعَهُ مَأْمُومٌ غَيْرُهُ (إلَى فِعْلِ إمَامِهِ) لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ لَا يَكْفِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَكَّ إمَامٌ فَسَبَّحَ بِهِ وَاحِدٌ بَلْ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ كَالْمُنْفَرِدِ وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ خَطَأَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ (أَتَى) مَأْمُومٌ (بِمَا شَكَّ فِيهِ) مَعَ إمَامِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِيَقِينٍ
وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ كَمَنْ نَبَّهَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ.
(وَلَوْ شَكَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا، بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ مَعَهُ: هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا أَمْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي إدْرَاكِهَا، فَيَأْتِي بِبَدَلِهَا (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ شَكَّ) مَأْمُومٌ (هَلْ دَخَلَ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى،، أَوْ) فِي الرَّكْعَةِ (فِي الثَّانِيَةِ) مَثَلًا (جَعَلَهُ) أَيْ: الدُّخُولَ مَعَهُ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) لِأَنَّهُ الْمُتَيَقِّنُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (وَلَا) يُشْرَعُ (سُجُودُ) سَهْوٍ (لِشَكٍّ فِي) تَرْكِ (وَاجِبٍ) لِأَنَّهُ شَكَّ فِي سَبَبِ وُجُوبِ السُّجُودِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُشْرَعُ سُجُودٌ لِشَكٍّ فِي (زِيَادَةٍ) بِأَنْ شَكَّ: هَلْ زَادَ رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا، أَوْ شَكَّ فِي تَشَهُّدِهِ الْأَخِيرِ: هَلْ صَلَّى أَرْبَعًا، أَوْ خَمْسًا وَنَحْوَهُ؟ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ فَلَحِقَ بِالْمَعْدُومِ يَقِينًا.
(إلَّا إذَا شَكَّ) فِي الزِّيَادَةِ (وَقْتَ فِعْلِهَا) بِأَنْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ وَهُوَ فِيهَا: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ، أَوْ لَا؟ ، أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ كَذَلِكَ، فَيَسْجُدُ لِأَنَّهُ أَدَّى جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ مُتَرَدِّدًا فِي كَوْنِهِ مِنْهَا، أَوْ زَائِدًا عَلَيْهَا فَضَعُفَتْ النِّيَّةُ وَاحْتَاجَتْ لِلْجَبْرِ بِالسُّجُودِ.
وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ غَيْرِهِ، فَبَنَى عَلَى يَقِينِهِ ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ لَمْ يَسْجُدْ مُطْلَقًا أَيْ: سَوَاءٌ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا، أَوْ لَا، عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ وَخَالَفَ فِي شَرْحِهِ.
(وَمَنْ سَجَدَ لِشَكٍّ) ظَنًّا أَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سُجُودٌ) لِذَلِكَ الشَّكِّ (سَجَدَ) وُجُوبًا (لِذَلِكَ) أَيْ: لِكَوْنِهِ زَادَ فِي صَلَاتِهِ سَجْدَتَيْنِ غَيْرِ مَشْرُوعَتَيْنِ.
وَمَنْ عَلِمَ سَهْوًا وَلَمْ يَعْلَمْ: أَيَسْجُدُ لَهُ أَمْ لَا؟ لَمْ يَسْجُدْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَمَنْ شَكَّ: هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ) الْمُتَيَقَّنِ (، أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ (سَجَدَ مَرَّةً) أَيْ: سَجْدَتَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّهُ يَكْفِي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ.
(وَلَيْسَ عَلَى مَأْمُومٍ) سَهَا دُونَ إمَامِهِ (سُجُودُ سَهْوٍ إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيَسْجُدَ مَعَهُ) وَلَوْ لَمْ يَسْهُ،، أَوْ يَسْجُدَ بَعْدَ سَلَامِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا إمَامُهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا سَجَدَ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالسَّلَامِ مِنْ نُقْصَانٍ سَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ.
وَلِعُمُومِ «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» " فَيَسْجُدُ مَأْمُومٌ مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ (وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ) الْمَأْمُومُ (مَا عَلَيْهِ) مِنْ (وَاجِبِ) تَشَهُّدٍ ثُمَّ (يُتِمُّهُ) بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لِحَدِيثِ
«وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» " وَلَا يُعِيدُ السُّجُودَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ عَنْ إمَامِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (مَسْبُوقًا) وَسَهَا الْإِمَامُ (فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ) الْمَسْبُوقُ فِيهِ، بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ سَهَا فِي الْأُولَى وَأَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَثَلًا فَيَسْجُدُ مَعَهُ مُتَابَعَةً لَهُ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ، حَيْثُ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ فِي بَقِيَّةِ الرَّكْعَةِ.
(فَلَوْ قَامَ) مَسْبُوقٌ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ) ظَانًّا عَدَمَ سَهْوِ إمَامِهِ، فَسَجَدَ إمَامُهُ (رَجَعَ) الْمَسْبُوقُ (فَسَجَدَ مَعَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ، فَيَرْجِعُ وُجُوبًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ، فَإِنْ اسْتَتَمَّ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ، كَمَنْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَ (لَا) يَرْجِعُ (إنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى وَاجِبٍ.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ: أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ إمَامَهُ (فِي آخِرِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ سَجَدَهَا) مَسْبُوقٌ (مَعَهُ) أَيْ: مَعَ إمَامِهِ (فَإِذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ (أَتَى) الْمَسْبُوقُ (ب) السَّجْدَةِ (الثَّانِيَةِ) لِيُوَالِيَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ) نَصًّا.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ: أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ الْإِمَامَ (بَعْدَهُمَا) أَيْ: سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (وَقَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدْ) مَسْبُوقٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ بَعْضًا مِنْهُ، فَيَقْضِيَ الْفَائِتَ، وَبَعْدَ السَّلَامِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ (وَيَسْجُدُ) مَسْبُوقٌ (إنْ سَلَّمَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ إمَامِهِ (سَهْوًا) بَعْدَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا (أَوْ) يَسْجُدُ أَيْضًا (لِسَهْوِهِ) أَيْ: الْمَسْبُوقِ دُونَ إمَامِهِ (مَعَهُ) أَيْ: مَعَ إمَامِهِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ.
وَلَوْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ (وَ) يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ أَيْضًا إذَا سَهَا (فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ) وَهُوَ مَا يَقْضِيهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ.
وَلَوْ كَانَ سَجَدَ مَعَهُ لِسَهْوِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا فَلَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ سُجُودَهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ) الْإِمَامُ وَقَدْ سَهَا عَلَيْهِ سَهْوًا يَجِبُ السُّجُودُ لَهُ (سَجَدَ مَسْبُوقٌ إذَا فَرَغَ) مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ (وَ) سَجَدَ (غَيْرُهُ) وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ مَعَ إمَامِهِ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ (بَعْدَ إيَاسِهِ) أَيْ: الْمَأْمُومِ (مِنْ سُجُودِهِ) أَيْ: إمَامِهِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ قَرِيبًا فَسَجَدَ، أَوْ رُبَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ السُّجُودُ عَنْ الْمَأْمُومِ بِتَرْكِ إمَامِهِ لَهُ، لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ بِنُقْصَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ فَلَزِمَهُ جَبْرُهَا هَذَا إنْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يَرَى وُجُوبَهُ، أَوْ تَرَكَهُ سَهْوًا، أَوْ كَانَ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ وإلَّا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَتَقَدَّمَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامٍ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ نَفْسِهِ، وَمَحَلِّهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِ تَرْكِهِ (وَسُجُودُ السَّهْوِ: لِمَا) أَيْ: لِفِعْلِ شَيْءٍ، أَوْ تَرْكِهِ (يُبْطِلُ عَمْدُهُ) أَيْ: تَعَمُّدُهُ الصَّلَاةَ، وَاجِبٌ كَسَلَامٍ عَنْ نَقْصٍ، وَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ، أَوْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهِ، وَتَرْكِ تَسْبِيحٍ وَنَحْوِهِ، وَإِتْيَانِهِ بِبَدَلِ رَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ شَكَّ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ السَّهْوُ» " وَلَفْظَةُ " عَلَى " لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ جُبْرَانٌ يَقُومُ مَقَامَ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ، أَوْ تَرْكُهُ فَكَانَ وَاجِبًا، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «: فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» " فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَقَعُ مَوْقِعَ النَّفْلِ فِي زِيَادَةِ الثَّوَابِ لَا أَنَّهُ نَافِلَةٌ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ التَّنَفُّلِ بِالرَّكْعَةِ كَحَدِيثِ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «تَوَضَّأَ وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، كَتَرْكِ سُنَّةٍ، أَوْ إتْيَانٍ بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لَمْ يَجِبْ السُّجُودُ لَهُ.
وَيُسَنُّ لِإِتْيَانِهِ بِقَوْلِهِ مَشْرُوعٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَيُبَاحُ لِتَرْكِ سُنَّةِ (وَ) سُجُودِ السَّهْوِ (لِلَحْنٍ يُحِيلُ الْمَعْنَى،) فِي الصُّورَةِ (سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا: وَاجِبٌ) لِأَنَّ عَمْدَهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَوَجَبَ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ وَفِي مَعْنَاهُ: سَبَقَ لِسَانُهُ بِتَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ بِمَا هُوَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُحِيلُ مَعْنَاهُ، نَحْوُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277] " ثُمَّ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39] ".
وَهَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ رَدًّا لِخِلَافِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِيهِ (إلَّا إذَا تَرَكَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ الْوَاجِبِ (مَا مَحَلُّهُ) أَيْ: مَا نُدِبَ كَوْنُهُ (قَبْلَ السَّلَامِ) وَيَأْتِي (فَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ) كَتَعَمُّدِهِ تَرْكَ وَاجِبٍ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَ (لَا) يُشْرَعُ (سُجُودٌ لِسَهْوِهِ) أَيْ: لِتَرْكِهِ سَهْوًا، لِئَلَّا يَتَسَلْسَلَ فَإِنْ ذَكَرَهُ قَرِيبًا أَتَى بِهِ نَفْسَهُ، وَإِلَّا فَاتَ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَعَمُّدِ تَرْكِ) سُجُودِ سَهْوٍ (مَشْرُوعٍ) أَيْ: مَسْنُونٍ مُطْلَقًا، كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْعَطْفَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا (وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُجُودِ سَهْوٍ (وَاجِبٍ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ) لِأَنَّهُ
خَارِجٌ عَنْهَا.
فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إبْطَالِهَا وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا لَهَا كَالْأَذَانِ، لَكَن يَأْثَمُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ (وَهُوَ) أَيْ: السُّجُودُ الَّذِي مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ (مَا إذَا سَلَّمَ) مِنْ صَلَاةٍ (قَبْلَ إتْمَامِهَا) لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ: السُّجُودِ (قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ نُدِبَ) لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ،
فَلَوْ سَجَدَ لِلْكُلِّ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ جَازَ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَنَا أَقُولُ: كُلُّ سَهْوٍ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَسَائِرُ السَّهْوِ يَسْجُدُ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ، كَسُجُودِ صُلْبِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ (وَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ: السُّجُودَ وَقَدْ نُدِبَ (قَبْلَهُ) أَيْ: السَّلَامُ (قَضَاهُ) وُجُوبًا إنْ وَجَبَ (وَلَوْ) كَانَ (شُرِعَ فِي) صَلَاةٍ (أُخْرَى فَ) يَقْضِيهِ (إذَا سَلَّمَ) مِنْهَا إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ، وَلَمْ يُحْدِثْ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ (وَإِنْ طَالَ فَصْلٌ عُرْفًا، أَوْ أَحْدَثَ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَقْضِهِ) أَيْ: السُّجُودَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ إذَا تَرَكَهَا سَهْوًا.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ وَقَضَاهُ لَمْ يَصِرْ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ، لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْهَا حَصَلَ بِالسَّلَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْعَوْدِ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِمُفْسِدٍ، مِنْ نَحْوِ حَدَثٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا نَوَاهُ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ دُخُولُ مَسْبُوقٍ مَعَهُ فِيهِ (وَيَكْفِي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا) أَيْ: السَّهْوَيْنِ، بِأَنْ كَانَ مَحَلُّ أَحَدِهِمَا قَبْلَ السَّلَامِ، كَتَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ وَالْآخَرِ: بَعْدَهُ كَمَا لَوْ سَلَّمَ أَيْضًا قَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا وَأَتَمَّهَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَمَاعَةً وَالْآخَرُ مُنْفَرِدًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " وَهُوَ يَتَنَاوَلُ السَّهْوَ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَكْثَرَ وَكَمَا لَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَأَمَّا حَدِيثُ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، فَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
ثُمَّ الْمُرَادُ: لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ، وَالسَّهْوُ وَإِنْ كَثُرَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ: السَّهْوِ، لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَالتَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ.
(وَ) إذَا اجْتَمَعَ مَا مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَمَا مَحَلُّهُ بَعْدَهُ (يَغْلِبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ) فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوَيْنِ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَآكَدُ، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ
فَإِذَا سَجَدَ لَهُ سَقَطَ الثَّانِي، وَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ (وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ (جَلَسَ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (تَشَهَّدَ وُجُوبًا التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، ثُمَّ سَلَّمَ) سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ،
وَلِأَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي حُكْمِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ فَاحْتَاجَ إلَى التَّشَهُّدِ كَمَا احْتَاجَ إلَى السَّلَامِ، إلْحَاقًا لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، بِخِلَافِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ فَلَيْسَ قَبْلَهُمَا مَا يُلْحَقَانِ بِهِ، وَبِخِلَافِ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَتَابِعٌ، فَلَمْ يُفْرَدْ لَهُ تَشَهُّدٌ، كَمَا لَا يُفْرَدُ بِسَلَامٍ (وَلَا يَتَوَرَّكُ) إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ بَعْدَ السُّجُودِ (فِي) صَلَاةٍ (ثُنَائِيَّةٍ) بَلْ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، كَتَشَهُّدِ نَفْسِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً، أَوْ رُبَاعِيَّةً تَوَرَّكَ لِمَا ذُكِرَ (وَهُوَ) أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، (وَمَا يُقَالُ فِيهِ) مِنْ تَكْبِيرٍ، وَتَسْبِيحٍ (وَ) مَا يُقَالُ (بَعْدَ رَفْعٍ) مِنْهُ، كَرَبِّ اغْفِرْ لِي، بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (كَسُجُودِ صُلْبٍ) لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْأَخْبَارِ فَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ لَبَيَّنَهُ.
[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
وَالتَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَشَرْعًا، وَعُرْفًا: طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالنَّفَلُ، وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ وَالتَّنَفُّلُ: التَّطَوُّعُ (صَلَاةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ جِهَادٍ) أَيْ: قِتَالِ كُفَّارٍ (فَ) بَعْدَ (تَوَابِعِهِ) أَيْ: الْجِهَادِ، كَالنَّفَقَةِ فِيهِ (فَ) بَعْدَ (عِلْمٍ: تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ) قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: " الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ.
وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ".
(مِنْ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهِمَا) كَتَفْسِيرٍ (أَفْضُلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ) خَبَرُ: صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فَأَفْضُلُ تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ: الْجِهَادُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] "،
وَحَدِيثِ «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» " فَالنَّفَقَةُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 261] " الْآيَةَ وَحَدِيثِ «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ،
فَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ لِحَدِيثِ «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» " وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ: نَفْلُ الْعِلْمِ، وَيَتَعَيَّنُ مِنْهُ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ: كَصَلَاتِهِ
وَصَوْمِهِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَنَقَلَ مُهَنَّا «طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ» " قِيلَ لَهُ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ.
وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ: الِاعْتِنَاءُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَيْسَ قَوْمٌ خَيْرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَعَابَ عَلَى مُحَدِّثٍ لَا يَتَفَقَّهُ.
وَفِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً، فَالصَّلَاةُ، لِلْأَخْبَارِ: بِأَنَّهَا أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ وَخَيْرُهَا، وَمُدَاوَمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْلِهَا.
(وَنَصَّ) أَحْمَدُ (أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ يَفُوتُ بِمُفَارَقَتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَالِاشْتِغَالُ بِمَفْضُولٍ يَخُصُّ بُقْعَةً، أَوْ زَمَنًا، أَفْضُلُ مِنْ فَاضِلٍ لَا يَخْتَصُّ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ) فِي التَّنْقِيحِ (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَفْضُلُ مِنْهُ) أَيْ: الطَّوَافِ، لِحَدِيثِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» " (خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ صَاحِبَ الْفُرُوعِ، حَيْثُ قَالَ: فَدَلَّ مَا سَبَقَ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ عِبَادَةٌ بِمُفْرَدِهِ، يُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ غَالِبًا.
(ثُمَّ) أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ (مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ) مِنْ صَدَقَةٍ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَقَضَاءِ حَاجَةِ مُسْلِمٍ وَنَحْوِهَا (وَيَتَفَاوَتُ) مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فِي الْفَضْلِ (فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ) أَجْنَبِيٍّ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: الْعِتْقُ أَفْضَلُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ صَدَقَةٍ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) لِعِظَمِ نَفْعِهِ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ (إلَّا زَمَنَ غَلَاءٍ وَحَاجَةٍ) . فَالصَّدَقَةُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ مِنْهُ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا إذَنْ (ثُمَّ حَجٌّ) لِقُصُورِ نَفْعِهِ عَلَيْهِ (فَصَوْمٌ) وَإِضَافَةُ اللَّهِ تَعَالَى الصَّوْمَ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَفْضَلِيَّتَهُ، فَإِنَّ مَنْ نَوَى صِلَةَ رَحِمِهِ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَحُجُّ، كَانَتْ نِيَّتُهُ عِبَادَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا، وَنُطْقُهُ جَهْرًا بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: أَفْضَلُ إجْمَاعًا، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ بِهِ غَيْرَهُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَيْضًا لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ، وَمَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ إلَى أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ: أَفْضَلِيَّةَ الْفِكْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ (وَأَفْضُلُهَا) أَيْ: صَلَاةِ التَّطَوُّعِ (مَا سُنَّ) أَنْ يُصَلَّى (جَمَاعَةً) لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْفَرَائِضِ، ثُمَّ الرَّوَاتِبِ (وَآكُدُهَا) أَيْ: آكَدُ مَا يُسَنُّ جَمَاعَةً (كُسُوفٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا، وَأَمَرَ بِهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ
الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (فَاسْتِسْقَاءٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَسْقِي، تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْكُسُوفِ.
فَلَمْ يَتْرُكْ صَلَاتَهُ عِنْدَهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، كَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «أَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» " (فَتَرَاوِيحُ) لِأَنَّهَا تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ (فَوِتْرٌ) لِأَنَّهُ تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا، فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ (وَلَيْسَ) الْوِتْرُ (بِوَاجِبٍ) قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ، فَإِنْ شَاءَ قَضَى الْوِتْرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْضِهِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا حَدِيثُ «الْوِتْرُ حَقٌّ» " وَنَحْوُهُ: فَمَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَكَانَ الْوِتْرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ.
(وَ) الْأَفْضَلُ (مِنْ) سُنَنٍ (رَوَاتِبَ) تُفْعَلُ مَعَ فَرْضٍ (سُنَّةُ فَجْرٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «: صَلُّوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَسُنَّ تَخْفِيفُهُمَا) أَيْ: رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِلْخَبَرِ وَأَنْ يُقْرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] "، أَوْ فِي الْأُولَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ﴾ [البقرة: 136] الْآيَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: 64] الْآيَةَ ".
(وَ) سُنَّ (اضْطِجَاعٌ بَعْدَهَا عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ) قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ، نَصًّا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» ".
وَفِي رِوَايَةِ «إنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَ) يَلِي سُنَّةَ فَجْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ: سُنَّةُ (مَغْرِبٍ) لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سُئِلَ: «أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِصَلَاةٍ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَيَقْرَأُ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿" قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] » (ثُمَّ) بَاقِي الرَّوَاتِبِ (سَوَاءٌ) فِي الْفَضِيلَةِ.
(وَوَقْتُ وِتْرٍ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلَوْ مَعَ) كَوْنِ الْعِشَاءِ جُمِعَتْ مَعَ مَغْرِبٍ (جَمْعَ تَقْدِيمٍ) فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ (وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، وَوَقْتُهَا: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلِمُسْلِمٍ «، أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» ".
وَحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ، وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» .
" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
(وَ) الْوِتْرُ (آخِرَ اللَّيْلِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ) أَنْ يَقُومَ (أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَأَقَلُّهُ) أَيْ: الْوِتْرِ (رَكْعَةٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ (وَلَا يُكْرَهُ) الْوِتْرُ (بِهَا) أَيْ: بِرَكْعَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِثُبُوتِهِ أَيْضًا عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَائِشَةُ.
(وَأَكْثَرُهُ) أَيْ: الْوِتْرُ (إحْدَى عَشْرَةَ) رَكْعَةً (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ» " وَفِي لَفْظٍ «يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» ".
وَلَهُ أَيْضًا: أَنْ يَسْرُدَ عَشَرًا، ثُمَّ يَجْلِسَ فَيَتَشَهَّدَ، وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَأْتِي بِالْأَخِيرَةِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَالْأُولَى أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ عَمَلًا، لِزِيَادَةِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ (وَإِنْ، أَوْتَرَ بِتِسْعِ) رَكَعَاتٍ (تَشَهَّدَ بَعْدَ ثَامِنَةٍ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَلَا يُسَلِّمُ (ثُمَّ) تَشَهَّدَ بَعْدَ (تَاسِعَةٍ) التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ (وَسَلَّمَ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَسُئِلَتْ عَنْ وِتْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ «: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنْ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إلَّا فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعنَاهُ» ".
(وَ) إنْ، أَوْتَرَ (بِسَبْعِ) رَكَعَاتٍ سَرَدَهُنَّ (أَوْ) أَوْتَرَ (بِخَمْسِ) رَكَعَاتٍ (سَرَدَهُنَّ) فَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ وِتْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى سَبْعًا، أَوْ خَمْسًا أَوْتَرَ بِهِنَّ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ، وَبِخَمْسٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
(وَأَدْنَى الْكَمَالِ) فِي
الْوِتْرِ (ثَلَاثُ) رَكَعَاتٍ (بِسَلَامَيْنِ) بِأَنْ يُصَلِّيَ ثِنْتَيْنِ وَيُسَلِّمَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ (وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ (ب) سَلَامٍ (وَاحِدٍ) قَالَ أَحْمَدُ: إنْ، أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهِنَّ، لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ عِنْدِي (سَرْدًا) مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَقِبَ الثَّانِيَةِ، لِتُخَالِفَ الْمَغْرِبَ.
وَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَنْ يُصَلِّيَهَا كَالْمَغْرِبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ صَلَّاهَا بِتَشَهُّدَيْنِ، فَفِي بُطْلَانِ وِتْرِهِ وَجْهَانِ صَحَّحَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: الْبُطْلَانَ وَقَطَعَ فِي الْإِقْنَاعِ بِالصِّحَّةِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ رَكْعَةً) مِنْ وِتْرِهِ (فَإِنْ كَانَ) إمَامُهُ (يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ) مِنْ الْوِتْرِ كَالشَّافِعِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ وَالْمُرَادُ (وَسَلَّمَ أَجْزَأَ) الْمَأْمُومَ وِتْرُهُ لِأَنَّ أَقَلَّهُ رَكْعَةٌ وَقَدْ أَتَى بِهَا مُسْتَقِلَّةً (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ ثِنْتَيْنِ، بَلْ أَحْرَمَ بِالثَّلَاثِ، وَأَدْرَكَهُ مَأْمُومٌ فِي الثَّالِثَةِ (قَضَى) مَأْمُومٌ مَا فَاتَهُ كَصَلَاةِ إمَامِهِ نَصًّا، لِئَلَّا يَخْتَلِفَ عَلَى إمَامِهِ.
.
وَإِذَا، أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَإِنَّهُ (يَقْرَأُ) نَدْبًا (فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
(وَ) فِي (الثَّانِيَة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ) " بَعْدَهَا.
(وَ) فِي (الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ) بَعْدَهَا لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ فِي وِتْرِهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى مَرْفُوعًا مِثْلُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: " أَصَحُّ شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْوِتْرِ: حَدِيثُ ابْنِ أَبْزَى " وَحَدِيثُ عَائِشَةَ " «فِي ضَمِّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مَعَ ﴿" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فِي الثَّالِثَةِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: ضَعِيفٌ.
(وَيَقْنُتُ) فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ وِتْرٍ (بَعْدَ الرُّكُوعِ نَدْبًا) لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا " كَانَا يَقْنُتَانِ بَعْدَ الرُّكُوعِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ ثُمَّ إنَّ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ عَمِلُوا بِمَا قُلْنَاهُ، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ نُدِبَ.
" فَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ " بَعْدَ الْقِرَاءَةِ (ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ (جَازَ) لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ، وَكَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَنَتَ ".
(فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى صَدْرِهِ) حَالَ قُنُوتِهِ (يَبْسُطُهُمَا وَبُطُونُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَلَوْ) كَانَ (مَأْمُومًا) لِحَدِيثِ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا
«إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَبْسُطَ الْعَبْدُ يَدَهُ يَسْأَلُهُ فِيهِمَا خَيْرًا فَيَرُدُّهُمَا خَائِبَتَيْنِ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ بِبُطُونِهِمَا
مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ (وَيَقُولُ جَهْرًا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ) أَيْ: نَطْلُبُ مِنْكَ الْعَوْنَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ (وَنَتُوبُ) أَيْ: نَرْجِعُ (إلَيْكَ وَنُؤْمِنُ) أَيْ: نُصَدِّقُ (بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ) أَيْ: نَعْتَمِدُ وَنُظْهِرُ عَجْزَنَا (وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ) أَيْ: نِصْفُكَ بِهِ (كُلَّهُ) وَنَمْدَحُك.
وَالثَّنَاءُ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً، وَبِتَقْدِيمِ النُّونِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (وَنَشْكُرُكَ، وَلَا نَكْفُرُكَ) أَيْ: لَا نَجْحَدُ نِعْمَتَك وَنَسْتُرُهَا لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ (اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) .
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْعِبَادَةُ أَقْصَى غَايَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا اللَّهُ وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ.
وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا: لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ (وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِك (وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ بِالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِهِ، أَيْ: نُسْرِعُ وَنُبَادِرُ (نَرْجُو) أَيْ: نُؤَمِّلُ (رَحْمَتَك) أَيْ: سَعَةَ عَطَائِك (وَنَخْشَى عَذَابَك) أَيْ: نَخَافُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49] .
(إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: الْحَقُّ لَا اللَّعِبُ (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ: لَاحِقٌ وَبِفَتْحِهَا عَلَى مَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يُلْحِقُهُ الْكُفَّارَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: سَأَلْت ثَعْلَبًا عَنْ مُلْحَقٍ وَمُلْحِقٍ؟ فَقَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُهُمَا جَمِيعًا وَهَذَا الْقُنُوتُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى هُنَا: مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ،
وَفِي أَوَّلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَفِي آخِرِهِ " اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك " وَهُمَا سُورَتَانِ: فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٍّ فِي مُصْحَفِهِ، إلَى قَوْلِهِ " مُلْحِقٌ " زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ " وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك " (اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت) أَيْ: ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَة، أَوْ زِدْنَا مِنْهَا وَهِيَ الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّك لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] " وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] " فَهِيَ مِنْ اللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْت) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَاءِ.
وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ،
وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْت) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلِيتُ الشَّيْءَ إذَا اعْتَنَيْتُ بِهِ، كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ حَالَ الْيَتِيمِ لِأَنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَيْت الشَّيْءَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَاسِطَة، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ، أَوْ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْت) أَيْ: أَنْعَمْت بِهِ وَالْعَطِيَّةُ الْهِبَةُ.
(وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك) لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
قَالَ «: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي - إلَى - وَتَعَالَيْتَ» " وَلَيْسَ فِيهِ «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَجَمَعَ، وَالرِّوَايَةُ بِالْإِفْرَادِ لِيُشَارِكَ الْإِمَامَ الْمَأْمُومُ فِي الدُّعَاءِ (اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك) أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ وَفَزِعَ إلَيْهِ مِنْهُ فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ.
(لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك) أَيْ: لَا نُطِيقُهُ (أَنْتَ كَمَا أَثَنَيْت عَلَى نَفْسِك) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ الثَّنَاءِ، وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، رَوَى الْخَمْسَةُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» " وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُنُوتِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ مَا شَاءَ مِمَّا يَجُوزُ بِهِ الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ،.
قَالَ الْمَجْدُ: فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ " (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ السَّابِقِ وَفِي آخِرِهِ " وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عُمَرَ " الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّك " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ) عَلَى قُنُوتِ إمَامِهِ إنْ سَمِعَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَيُفْرِدُ مُنْفَرِدٌ) أَيْ: مُصَلٍّ وَحْدَهُ (الضَّمِيرَ) فَيَقُولُ: إنِّي أَسْتَعِيذُك، اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَى آخِرِهِ، وَيَجْهَرُ بِهِ نَصًّا (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا) أَيْ: عَقِبَ الْقُنُوتِ (وَخَارِجَ الصَّلَاةِ) إذَا دَعَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ عُمَرَ
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِذَا فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَك» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ» " نَصًّا لِأَنَّ الْقُنُوتَ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(وَكُرِهَ قُنُوتٌ فِي غَيْرِ وِتْرٍ) حَتَّى فَجْرٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ قُلْت لِأَبِي: (يَا أَبَتِ إنَّكَ قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، هَهُنَا بِالْكُوفَةِ، نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ، أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ: بُنَيَّ مُحْدَثٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيح وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: (أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بِدْعَةٌ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: فَفِيهِ مَقَالٌ، وَيُحْتَمَلُ: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: طُولَ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا.
(إلَّا إنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) أَيْ: شِدَّةٌ مِنْ الشَّدَائِدِ (فَيُسَنُّ لِإِمَامِ الْوَقْتِ) أَيْ: الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ (خَاصَّةً) الْقُنُوتُ (فِيمَا عَدَا الْجُمُعَةَ) مِنْ الصَّلَوَاتِ لِرَفْعِ تِلْكَ النَّازِلَةِ وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَكْفِي الدُّعَاءُ فِي الْخُطْبَةِ (وَيُجْهَرُ بِهِ) أَيْ: الْقُنُوتُ لِلنَّازِلَةِ (فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَالْقِرَاءَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ، لَا يَقْنُتُ لِرَفْعِ الْوَبَاءِ فِي الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْأَخْيَارِ، وَلَا يُسْأَلُ رَفْعُهُ.
(وَمَنْ ائْتَمَّ) وَهُوَ لَا يَرَى الْقُنُوتَ فِي فَجْرٍ (بِقَانِتٍ فِي فَجْرٍ.
تَابَعَ) إمَامَهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (وَأَمَّنَ) عَلَى دُعَاءِ إمَامِهِ، كَمَا لَوْ قَنَتَ لِنَازِلَةٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَالصُّبْحِ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ; عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ وِتْرِهِ قَوْلَهُ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ
ثَلَاثًا، وَيَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، لِلْخَبَرِ (وَالرَّوَاتِبُ الْمُؤَكَّدَةُ) يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَتَسْقُطُ عَدَالَةُ مُدَاوَمَةٍ.
وَيَجُوزُ لِزَوْجَةٍ وَأَجِيرٍ وَوَلَدٍ وَعَبْدٍ فِعْلُهَا مَعَ الْفَرْضِ وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُمْ (عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «حَفِظْت عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ.
وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا أَحَدٌ، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ،» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ آكَدُ الرَّوَاتِبِ (فَيُخَيَّرُ فِي) فِعْلِ (مَا عَدَاهُمَا وَ) فِيمَا (عَدَا وِتْرٍ سَفَرًا) فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ، أَوْ تَرَكَهُ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فَأَمَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَيُحَافِظُ عَلَيْهِمَا حَضَرًا وَسَفَرًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قِبَلَ أَيِّ وِجْهَةٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَسُنَّ قَضَاءُ كُلٍّ) مِنْ الرَّوَاتِبِ، " لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْهُمَا، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ " وَقِيسَ الْبَاقِي.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا قَضَاءُ (وِتْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ، أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ، أَوْ ذَكَرَهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
(إلَّا مَا فَاتَ) مِنْ رَوَاتِبَ (مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) لِحُصُولِ الْمَشَقَّةِ بِهِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ) فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا لِتَأَكُّدِهَا (وَسُنَّةُ فَجْرٍ، وَ) سُنَّةُ (ظُهْرٍ الْأَوْلَى بَعْدَهُمَا) أَيْ: بَعْدَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ (قَضَاءً) لِأَنَّ السُّنَّةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَإِذَا فُعِلَتْ بَعْدَهَا كَانَتْ قَضَاءً وَأَمَّا السُّنَّةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَوَقْتُهَا: مِنْ فِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا.
(وَالسُّنَنُ غَيْرُ الرَّوَاتِبِ عِشْرُونَ) رَكْعَةً (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ) لِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» " صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،
وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سُنَّةً» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ: عَمْرُو بْنُ أَبِي خَثْعَمَ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «مَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ قَطُّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَيُبَاحُ اثْنَتَانِ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ) قَبْلَ صَلَاتِهَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ» ".
قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ: فَقُلْت لَهُ " أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ (جَالِسًا) .
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ؟ فَقَالَ: أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَلَّا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ قُلْت: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا مَا أَفْعَلُهُ أَيْ: لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَفِعْلُ) السُّنَنِ (الْكُلِّ) الرَّوَاتِبِ وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهَا (بِبَيْتٍ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا بِالْمَسْجِدِ لِحَدِيثِ «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَكِنْ مَا شُرِعَ لَهُ الْجَمَاعَةُ مُسْتَثْنًى أَيْضًا وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى نَفْلُ الْمُعْتَكِفِ.
(وَسُنَّ فَصْلٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّتِهِ) قَبْلِيَّةُ كَانَتْ، أَوْ بَعْدِيَّةً (بِقِيَامٍ، أَوْ كَلَامٍ) لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ «: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرْنَا أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً، حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَتُجْزِئُ سُنَّةُ) صَلَاةٍ (عَنْ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ الدَّاخِلُ بِالصَّلَاةِ، وَقَدْ وُجِدَ (وَلَا عَكْسَ) فَلَا تُجْزِئُ تَحِيَّةٌ عَنْ سُنَّةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ".
(وَإِنْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ) حَصَلَا لِأَنَّهُ نَوَاهُمَا (أَوْ) نَوَى بِصَلَاةٍ التَّحِيَّةَ (وَالْفَرْضَ، حَصَلَا) أَيْ: التَّحِيَّةُ وَمَا نَوَاهُ مَعَهَا أَمَّا التَّحِيَّةُ فَلِبَدْئِهِ بِالصَّلَاةِ مَعَ نِيَّتِهَا وَأَمَّا مَا نَوَاهُ مَعَهَا، فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ وَلَا تَحْصُلُ تَحِيَّةٌ بِرَكْعَةٍ، وَلَا بِصَلَاةِ جَنَازَةٍ، وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ.
(وَالتَّرَاوِيحُ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ أَرْبَعًا وَيَتَرَوَّحُونَ سَاعَةً، أَيْ: يَسْتَرِيحُونَ وَهِيَ (عِشْرُونَ رَكْعَةً بِرَمَضَانَ جَمَاعَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً» " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي
الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ.
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ " كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُومُونَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً " رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَعَلَّ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَهُ زِيَادَةَ تَطَوُّعٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا لَيَالِيَ فَصَلَّوْهَا مَعَهُ، ثُمَّ تَأَخَّرَ وَصَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ بَاقِيَ الشَّهْرِ وَقَالَ: إنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» ".
وَفِي الْبُخَارِيِّ " أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّى بِهِمْ التَّرَاوِيحَ " (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ اثْنَتَيْنِ، بِنِيَّةِ أَوَّلَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» " فَيَنْوِي أَنَّهُمَا مِنْ التَّرَاوِيحِ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ (وَيُسْتَرَاحُ بَيْنَ) أَيْ: بَعْدَ (كُلِّ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ، بِلَا دُعَاءٍ إذَنْ.
وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ أُسْبُوعًا وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (وَلَا بَأْسَ) بِدُعَائِهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَلَا (بِزِيَادَةٍ) عَلَى الْعِشْرِينَ نَصًّا، وَقَالَ: رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ وَلَمْ يُقْضَ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: رَأَيْت أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي.
(وَوَقْتُهَا) أَيْ: التَّرَاوِيحِ (بَيْنَ سُنَّةِ عِشَاءٍ وَوِتْرٍ) لِأَنَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَار، فَإِتْبَاعُهَا بِهَا أَوْلَى وَأَشْبَهُ، وَالتَّرَاوِيحُ لَا يُكْرَهُ مَدُّهَا وَتَأْخِيرُهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَهِيَ بِالْوِتْرِ أَشْبَهُ فَلَا تَصِحُّ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالتَّرَاوِيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ الْعِشَاءِ مَا يُبْطِلُهَا أَعَادَ التَّرَاوِيحَ، وَلَهُ فِعْلُهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ سُنَّتِهَا لَكِنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَهَا أَيْضًا، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) التَّرَاوِيحُ (بِمَسْجِدٍ) أَفْضَلُ مِنْهَا بِبَيْتٍ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةً، كَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ، وَمَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كَمَا رَوَاهُ 1584 أَبُو ذَرٍّ وَقَالَ: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» " وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا فِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي عَهْدِهِ عَنْ عِلْمٍ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَإِقْرَارٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ.
(وَ) فِعْلُهَا (أَوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ) لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ (وَ) السُّنَّةُ أَنْ (يُوتِرَ بَعْدَهَا) أَيْ: التَّرَاوِيحِ (فِي جَمَاعَةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ وَقَالَ: إنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُوتِرَ (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ، أَنْ يُوتِرَ بَعْدَهُ) لِحَدِيثِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحَبَّ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ قَامَ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ مِنْ وِتْرِهِ،
فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى ثُمَّ يُوتِرُ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ.
(وَإِنْ، أَوْتَرَ) وَحْدَهُ، أَوْ مَعَ الْإِمَامِ (ثُمَّ أَرَادَهُ) أَيْ: التَّهَجُّدَ (لَمْ يَنْقُضْهُ) أَيْ: لَمْ يَشْفَعْ وِتْرَهُ بِوَاحِدَةٍ (وَصَلَّى) تَهَجُّدَهُ (وَلَمْ يُوتِرْ) لِحَدِيثِ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ» " " وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ الَّذِي يَنْقُضُ وِتْرَهُ، فَقَالَتْ: ذَاكَ الَّذِي يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ.
(وَالتَّهَجُّدُ) الصَّلَاةُ (بَعْدَ نَوْمٍ) لَيْلًا (وَالنَّاشِئَةُ: مَا) صَلَّى (بَعْدَ رَقْدَةٍ) قَالَ أَحْمَدُ: النَّاشِئَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ، وَمَنْ لَمْ يَرْقُدْ فَلَا نَاشِئَةَ لَهُ، وَهِيَ أَشَدُّ وَطْئًا: أَيْ: تَثَبُّتًا، تَفْهَمُ مَا تَقْرَأُ، وَتَعِي أُذُنُكَ.
(وَكُرِهَ تَطَوُّعٌ بَيْنَهَا) أَيْ: التَّرَاوِيحُ لِأَنَّهَا رَغْبَةٌ عَنْ إمَامِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: عُبَادَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ فِيهِ رُخْصَةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ؟ فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ (طَوَافٌ) بَيْنَ التَّرَاوِيحِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَا سُنَّةٌ.
(وَ) لَا يُكْرَهُ أَيْضًا (تَعْقِيبٌ، وَهُوَ صَلَاتُهُ بَعْدَهَا) أَيْ: التَّرَاوِيحِ (وَبَعْدَ وِتْرٍ جَمَاعَةً) نَصًّا وَلَوْ رَجَعُوا إلَيْهِ قَبْلَ النَّوْمِ،، أَوْ لَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لِقَوْلِ أَنَسٍ " لَا تَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ تَرْجُونَهُ " وَلِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ،.
وَلَا يُسْتَحَبُّ لِإِمَامٍ زِيَادَةٌ عَلَى خَتْمَةٍ فِي تَرَاوِيحَ إلَّا أَنْ يُوتِرُوهَا وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُنْقِصُوا عَنْ خَتْمَةٍ لِيَحُوزُوا فَضْلَهَا، وَيَفْتَتِحُهَا أَوَّلَ لَيْلَةٍ بِسُورَةِ الْقَلَمِ: فَإِنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَقْرَأُ مِنْ الْبَقَرَةِ نَصًّا وَلَعَلَّهُ بَلَغَهُ فِيهِ أَثَرٌ وَيَجْعَلُ خَاتِمَةَ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ وَيَدْعُو عَقِبَهَا قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُطِيلُ نَصًّا.
[فَصْلٌ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ]
ِ أَيْ: النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فِيهِ (أَفْضَلُ) مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بِالنَّهَارِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» " وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهَا (وَنِصْفُهُ) أَيْ: اللَّيْلِ (الْأَخِيرُ: أَفْضَلُ مِنْ) نِصْفِهِ (الْأَوَّلِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ إلَخْ» " قَالَ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِيِ هَكَذَا.
وَفِي بَعْضِهَا هَكَذَا (وَ) نِصْفُهُ الْأَخِيرُ: أَفْضَلُ (مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ) لِلْخَبَرِ (وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ) أَيْ: الَّذِي يَلِي النِّصْفَ الْأَوَّلَ (أَفْضَلُ مُطْلَقًا) نَصًّا لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ تَهَجُّدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ نَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ،، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَصَفَ تَهَجُّدَهُ وَقَالَ: ثُمَّ، أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ» ".
(وَسُنَّ قِيَامُ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ.
وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ» " رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
(وَ) يُسَنُّ (افْتِتَاحُهُ) أَيْ: قِيَامُ اللَّيْلِ (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَمُسْلِمٌ.
(وَ) سُنَّ (نِيَّتُهُ) أَيْ: قِيَامِ اللَّيْلِ (عِنْدَ) إرَادَةِ (النَّوْمِ) لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَقُومَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ» " حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
(وَكَانَ) قِيَامُ اللَّيْلِ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2] الْآيَةَ " (وَلَمْ يُنْسَخْ) وُجُوبُهُ عَلَيْهِ وَقَطَعَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: بِنَسْخِهِ.
وَهَلْ الْوِتْرُ قِيَامُ اللَّيْلِ، أَوْ غَيْرُهُ؟ احْتِمَالَانِ الْأَظْهَرُ: الثَّانِي قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ.
(وَوَقْتُهُ) أَيْ: وَقْتُ قِيَامِ اللَّيْلِ (مِنْ الْغُرُوبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي قَالَ أَحْمَدُ: قِيَامُ اللَّيْلِ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
(وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُ) أَيْ: قِيَامُ اللَّيْلِ
«لِقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ.
فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا وَلِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ عَلَى مُدَاوَمَةِ قِيَامِهِ كُلِّهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَلَا يَقُومُهُ) أَيْ: اللَّيْلَ (كُلَّهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ " مَا عَلِمْتُ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ» " وَظَاهِرُهُ حَتَّى لَيَالِي الْعَشْرِ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ: قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي كُلِّهَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ (إلَّا لَيْلَةَ عِيدِ) فِطْرٍ وَأَضْحَى وَفِي مَعْنَاهَا: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِلْخَبَرِ (وَصَلَاةُ لَيْلٍ وَنَهَارٍ مَثْنَى) أَيْ: يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ عَيَّنَهُ فِي سُؤَالِهِ وَلَا النُّصُوصُ بِمُطْلَقِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا لَا تَنْفِي فَضْلَ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ.
(وَإِنْ تَطَوَّعَ نَهَارًا بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) كَوْنُ الْأَرْبَعِ (بِتَشَهُّدَيْنِ) كَالظُّهْرِ (أَوْلَى) مِنْ كَوْنِهَا سَرْدًا لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ أَرْبَعٍ تَطَوُّعًا نَهَارًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً) كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ.
(وَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ (نَهَارًا) صَحَّ وَكُرِهَ (أَوْ) زَادَ عَلَى (ثِنْتَيْنِ لَيْلًا، وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيًا) نَهَارًا، أَوْ لَيْلًا (بِسَلَامٍ وَاحِدٍ صَحَّ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صَلَّى الْوِتْرَ خَمْسًا، وَسَبْعًا، وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ» " وَهُوَ تَطَوُّعٌ فَأُلْحِقَ بِهِ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ.
وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ» " وَلَا يُنَافِيهِ مَا رُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا «أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» " لِإِمْكَانِ التَّعَدُّدِ (وَكُرِهَ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ قُلْت: إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالضُّحَى، لِوُرُودِهِ (وَيَصِحُّ تَطَوُّعٌ بِرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَثَلَاثٍ وَخَمْسٍ، قِيَاسًا عَلَى الْوِتْرِ وَفِي الْإِقْنَاعِ: مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُضْطَجِعٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ) وَلَوْ نَفْلًا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَدَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُمَا مَعَ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ.
(وَأَجْرُ) صَلَاةِ (قَاعِدٍ عَلَى نِصْفِ) أَجْرِ (صَلَاةِ قَائِمٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ.
وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ أَجْرُ نِصْفِ الْقَائِمِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا الْمَعْذُورَ) فَأَجْرُهُ قَاعِدًا كَأَجْرِهِ قَائِمًا لِلْعُذْرِ.
(وَسُنَّ تَرَبُّعُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي جَالِسًا لِعُذْرٍ، أَوْ
غَيْرِهِ (بِمَحَلِّ قِيَامٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
(وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (ثَنْيُ رِجْلَيْهِ بِرُكُوعٍ) أَيْ: حَالَ رُكُوعِهِ (وَسُجُودٍ) .
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرُّكُوعِ، إنْ شَاءَ مِنْ قِيَامٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ قُعُودٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ (وَكَثْرَتُهُمَا) أَيْ: الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (أَفْضَلُ مِنْ طُولِ قِيَامٍ) فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْوِيلُهُ، كَصَلَاةِ كُسُوفٍ لِحَدِيثِ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» " وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْ السُّجُودِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ وَآكَدُ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْقِيَامِ، وَالتَّطَوُّعُ سِرًّا أَفْضَلُ وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَاعَةِ فِيهِ.
قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يُتَّخَذَ عَادَةً وَسُنَّةً.
(وَتُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمَا (غِبًّا) بِأَنْ يُصَلِّيَهَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دُونَ بَعْضٍ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى، حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا.
وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلِأَنَّهَا دُونَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَلَا تُشَبَّهُ بِهِمَا.
(وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا دُونَهُمَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى» " وَصَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَسِتًّا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
(وَوَقْتُهَا) أَيْ: صَلَاةُ الضُّحَى (مِنْ خُرُوج وَقْتِ النَّهْيِ، أَيْ: ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ) لِحَدِيثِ «قَالَ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِك آخِرَهُ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ (إلَى قُبَيْلَ الزَّوَالِ) أَيْ: إلَى دُخُولِ وَقْتِ النَّهْيِ بِقِيَامِ الشَّمْسِ (وَأَفْضُلُهُ) أَيْ: وَقْتُ صَلَاةِ الضُّحَى (إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ: حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ، وَلَوْ فِي خَيْرٍ) كَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ (وَيُبَادِرُ بِهِ) أَيْ: الْخَيْرِ (بَعْدَهَا) أَيْ: الِاسْتِخَارَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ.
يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ.
ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِك، وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَيَسِّرْهُ لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ.
وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَقَدِّرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثَمَّ أَرْضِنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» .
" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِيهِ (ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) (وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى،، أَوْ) إلَى (آدَمِيٍّ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُك مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِك، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، لَا تَدَعَ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفْرَتَهُ.
وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْته، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَك رِضًا إلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» .
" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ التَّوْبَةِ) لِحَدِيثِ «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا غُفِرَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿" وَاَلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] إلَى آخِرِ الْآيَةِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي إسْنَادِهِ، مَقَالٌ (وَ) تُسَنُّ الصَّلَاةُ (عَقِبَ الْوُضُوءِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْت دُفَّ نَعْلَيْك بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا عَمِلْت عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ إلَّا صَلَّيْت بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ فِ (لِكُلٍّ) مِنْ الِاسْتِخَارَةِ وَالْحَاجَةِ وَالتَّوْبَةِ وَعَقِبِ الْوُضُوءِ (رَكْعَتَانِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَ (لَا) تُسَنُّ (صَلَاةُ التَّسْبِيحِ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ: مَا تُعْجِبُنِي قِيلَ: لِمَ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، وَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ
فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا تُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، ثُمَّ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، خَمْسَةَ عَشْرَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُهَا فِي رُكُوعِهِ عَشْرًا.
ثُمَّ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْهُ عَشْرًا ثُمَّ فِي السَّجْدَةِ الْأَوْلَى ثُمَّ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، ثُمَّ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهَا عَشْرًا عَشْرًا وَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ ثُمَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَذَلِكَ.
وَصَلَاةُ الرَّغَائِبِ وَالْأَلْفِيَّةِ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ: بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ: أَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهَا فَضْلٌ وَكَانَ مِنْ السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْمَسَاجِدِ لِإِحْيَائِهَا بِدْعَةٌ.
اهـ.
وَفِي اسْتِحْبَابِ قِيَامِهَا مَا فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ ذَكَرَهُ فِي اللَّطَائِفِ.
[فَصْلٌ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَسُجُودُ الشُّكْرِ]
فَصْلٌ وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ وَسُجُودُ شُكْرٍ كَنَافِلَةٍ الصَّلَاةُ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فِيمَا يُعْتَبَرُ) لَهَا مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (وَسُنَّ) السُّجُودُ (لِتِلَاوَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107] " وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ» ".
وَلِمُسْلِمٍ «فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» " وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «قَرَأْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: 1] . فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ «فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» " وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلَا أَثُمَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ "
وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأِ.
وَقَالَ فِيهِ " إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ، إلَّا أَنْ نَشَاءَ، وَلَمْ يَسْجُدْ
وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا ". وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْأَوَامِرُ بِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] " الْمُرَادُ بِهِ: الْتِزَامُ السُّجُودِ وَاعْتِقَادُهُ فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ إجْمَاعًا، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالتَّسْبِيحِ.
(وَيُكَرِّرُهُ) أَيْ: سُجُودَ التِّلَاوَةِ (بِتَكَرُّرِهَا) أَيْ: التِّلَاوَةِ، لِأَنَّهَا سَبَبٌ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِهَا، كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِتَكَرُّرِهِ، وَإِنْ سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا يَتَوَجَّهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، إنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ.
وَيُسَنُّ السُّجُودُ لَهَا (حَتَّى فِي طَوَافٍ) كَالصَّلَاةِ (مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ) بَيْنَ التِّلَاوَةِ، أَوْ الِاسْتِمَاعِ، أَوْ السُّجُودِ (فَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ) لِآيَةِ سَجْدَةٍ، أَوْ اسْتِمَاعِهَا (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ تَعَذُّرُ الْمَاءِ لِعَدَمٍ، أَوْ ضَرَرٍ (وَيَسْجُدُ مَعَ قَصْرِهِ) أَيْ: الْفَصْلِ بَيْنَ السُّجُودِ وَسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ لِطُولِ الْفَصْلِ (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) لِآيَةِ السَّجْدَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَ (لَا) يُسَنُّ السُّجُودُ ل (سَامِعٍ) مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِمَاعِ،.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ عُثْمَانُ: " إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ " مَا جَلَسْنَا لَهَا " وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا " مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ.
(وَلَا) يَسْجُدُ (مُصَلٍّ إلَّا مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ) فَلَا يَسْجُدُ إمَامٌ وَلَا مُنْفَرِدٌ لِتِلَاوَةِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ، مَنْهِيٌّ عَنْ اسْتِمَاعِ غَيْرِهِ، وَلَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ فَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةِ نَفْسِهِ، وَلَا لِاسْتِمَاعِ تِلَاوَةِ غَيْرِ إمَامِهِ إنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ (وَيُعْتَبَرُ) لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ لِمُسْتَمِعٍ (كَوْنُ قَارِئٍ يَصْلُحُ إمَامًا لَهُ) أَيْ: لِمُسْتَمِعٍ.
وَلَوْ فِي نَفْلٍ (فَلَا يَسْجُدُ) مُسْتَمِعٌ (إنْ لَمْ يَسْجُدْ) قَارِئٌ لِحَدِيثِ عَطَاءٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى إلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَجْدَةً، ثُمَّ نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّك كُنْت إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا» " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ (وَلَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ (قُدَّامَهُ) أَيْ: التَّالِي (أَوْ عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ) أَيْ: التَّالِي عَنْ سَاجِدٍ مَعَهُ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الِائْتِمَام بِهِ إذْن فَإِنْ سَجَدَ عَنْ يَمِينِهِ مَعَهُ جَازَ، وَكَذَا عَنْ يَسَارِهِ مَعَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ.
وَلَا يَسْجُدُ
(رَجُلٌ) مُسْتَمِعٌ وَلَا خُنْثَى (لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ، وَ) تِلَاوَةِ (خُنْثَى) لِعَدَمِ صِحَّةِ ائْتِمَامِهِ بِهِمَا (وَيَسْجُدُ) مُسْتَمِعٌ مِنْ رَجُلٍ وَأُنْثَى وَخُنْثَى (لِتِلَاوَةِ) رَجُلٍ (أُمِّيٍّ، وَ) لِتِلَاوَةِ (زَمِنٍ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالْقِيَامِ لَيْسَا رُكْنًا فِي السُّجُودِ.
(وَ) تِلَاوَةِ (صَبِيٍّ) لِصِحَّةِ إمَامَتِهِ فِي النَّفْلِ.
(وَالسَّجَدَاتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) : فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ عِنْدَ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15] " وَفِي النَّمْلِ عِنْدَ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] " وَفِي الْإِسْرَاءِ ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] " وَفِي مَرْيَمَ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] " " وَفِي الْحَجِّ ثِنْتَانِ " الْأُولَى: عِنْدَ ﴿يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27] " وَالثَّانِيَةُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] " وَفِي الْفُرْقَانِ ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] " وَفِي النَّمْلِ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] " وَفِي الم السَّجْدَةِ " لَا يَسْتَكْبِرُونَ " وَفِي فُصِّلَتْ ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] " وَفِي آخِرِ النَّجْمِ، وَفِي الِانْشِقَاقِ ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] " وَفِي آخِرِ اقْرَءُوا.
(يُكَبِّرُ) فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ تَكْبِيرَتَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ خَارِجِهَا: تَكْبِيرَةٌ (إذَا سَجَدَ وَ) تَكْبِيرَةً (إذَا رَفَعَ) كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ (وَيَجْلِسُ) خَارِجَ الصَّلَاةِ بَعْدَ رَفْعِهِ، لِيُسَلِّمَ جَالِسًا (وَيُسَلِّمَ) وُجُوبًا فَيُبْطِلُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَسَهْوًا لِعُمُومِ حَدِيثِ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» " (وَلَا يَتَشَهَّدُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) نَدْبًا إذَا أَرَادَ السُّجُودَ (وَلَوْ) كَانَ (فِي صَلَاةٍ) نَصًّا.
(وَكُرِهَ جَمْعُ آيَاتِهِ) أَيْ: السُّجُودِ فِي وَقْتٍ لِيَسْجُدَ لَهَا.
(وَ) كُرِهَ (حَذْفُهَا) أَيْ: آيَاتِ السُّجُودِ بِأَنْ يَتْرُكَهَا حَتَّى لَا يَسْجُدَ لَهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ، بَلْ نُقِلَتْ كَرَاهَتُهُ وَسَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا.
(وَ) كُرِهَ (قِرَاءَةُ إمَامٍ) آيَةَ (سَجْدَةٍ بِصَلَاةٍ سِرٍّ) كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ لِأَنَّهُ إنْ سَجَدَ لَهَا خَلَطَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَإِلَّا تَرَكَ السُّنَّةَ.
(وَ) كُرِهَ (سُجُودُهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (لَهَا) أَيْ: التِّلَاوَةِ بِصَلَاةِ سِرٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى مَنْ مَعَهُ وَرَدَّهُ فِي الْمُغْنِي بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ) أَيْ: الْإِمَامِ فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ: السِّرِّيَّةِ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» " وَأَمَّا صَلَاةُ السِّرِّ: فَإِنَّ الْمَأْمُومَ فِيهَا لَيْسَ بِتَالٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ، بِخِلَافِ الْجَهْرِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَانِعٌ، كَبُعْدٍ وَطَرَشٍ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْإِنْصَاتِ فِي الْجُمْلَةِ.
(وَسُجُودُ) تِلَاوَةٍ (عَنْ قِيَامٍ أَفْضُلُ) تَشْبِيهًا لَهُ بِصَلَاةِ النَّفْلِ وَرَوَى إِسْحَاقُ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِذَا انْتَهَتْ إلَى السَّجْدَةِ قَامَتْ