[فَصْلٌ وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ]
ِ مِنْ النَّسَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ التَّأْخِيرُ (بَيْنَ مَا) أَيْ مَبِيعَيْنِ (اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ) وَهِيَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَأَمَّا الْجِنْسُ فَشَرْطٌ لِتَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ كَمَا أَنَّ الزِّنَا عِلَّةُ الْحَدِّ، وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ لِلرَّجْمِ (كَ) بَيْعِ (مُدَبَّرٍ بِمِثْلِهِ) أَيْ مُدَبَّرٍ (أَوْ) ب (شَعِيرٍ وك) بَيْعِ دِرْهَمٍ مِنْ قَزٍّ ب) رَطْلٍ مِنْ خُبْرٍ فَيُشْتَرَطُ) لِذَلِكَ (حُلُولٌ وَقَبْضٌ بِالْمَجْلِسِ) مُطْلَقًا وَتَمَاثُلٌ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَتَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا عِلَّتُهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَحَرُمَ التَّفَرُّقُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ.
(تَنْبِيهٌ) التَّقَابُضُ هُنَا وَحَيْثُ اُعْتُبِرَ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ لَا لِصِحَّتِهِ إذْ الْمَشْرُوطُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى شَرْطِهِ
وَ (لَا) يُعْتَبَرُ شَرْطُ ذَلِكَ (إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْعِوَضَيْنِ (نَقْدًا) أَيْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً كَسُكَّرٍ بِدِرْهَمٍ وَخَزٍّ بِدِينَارٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ حَرُمَ النَّسَاءُ فِي ذَلِكَ لَسُدَّ بَابُ السَّلَمِ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ الشَّرْعُ وَأَصْلُ رَأْسِ مَالِهِ النَّقْدَانِ (إلَّا فِي صَرْفِهِ) أَيْ النَّقْدِ (بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ) نَصًّا فَيُشْتَرَطُ الْحُلُولُ وَالْقَبْضُ إلْحَاقًا لَهَا بِالنَّقْدِ، خِلَافًا لِجَمْعٍ
وَتَبِعَهُمْ فِي الْإِقْنَاعِ
(وَيُحْمَلُ نَسَاءٌ) أَيْ تَأْخِيرٌ (فِي) بَيْعِ (مَكِيلٍ بِمَوْزُونٍ) كَبُرٍّ بِسُكَّرٍ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي رِبَا الْفَضْلِ أَشْبَهَ بَيْعَ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ بِغَيْرِهِ
(وَ) يَحِلُّ نَسَاءٌ (فِي) بَيْعِ (مَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا فَضْلٍ كَثِيَابٍ) بِثِيَابٍ أَوْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَحَيَوَانٍ) بِحَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَتِبْنٍ) بِتِبْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو «أَنَّهُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئٍ) بِالْهَمْزِ (وَهُوَ) بَيْعُ (دَيْنٍ بِدَيْنٍ) مُطْلَقًا لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ
(وَلَا) بَيْعُ دَيْنٍ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَلَا بَيْعُهُ (بِمُؤَجَّلٍ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ (أَوْ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ (جَعْلُهُ) أَيْ الدَّيْنِ (رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يَصِحُّ (تَصَارُفُ الْمَدِينَيْنِ بِجِنْسَيْنِ فِي ذِمَّتَيْهِمَا) بِأَنْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو ذَهَبٌ وَلِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ فِضَّةٌ وَتَصَارَفَا ; لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ (وَلَا) أَيْ وَلَا يَصِحُّ (نَحْوُهُ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ بِأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا بُرٌّ وَلِلْآخَرِ شَعِيرٌ دَيْنًا وَتَبَايَعَاهُمَا
(وَيَصِحُّ) تَصَارُفُهُمَا وَنَحْوُهُ (إنْ أُحْضِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الدَّيْنَيْنِ نَصًّا (أَوْ كَانَ) أَحَدُهُمَا (أَمَانَةً) ; لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ
(وَمَنْ) عَلَيْهِ دَيْنٌ فَ (وَكَّلَ غَرِيمُهُ) رَبَّ الْحَقِّ (فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ) لِلْمَدِينِ (وَ) فِي (أَخْذِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا) أَيْ السِّلْعَةِ (فَبَاعَ الْوَكِيلُ) السِّلْعَةَ (بِغَيْرِ جِنْسِ مَا عَلَيْهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (لَمْ يَصِحَّ أَخْذُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْهُ فِي مُصَارَفَةِ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ (وَمَنْ عَلَيْهِ دِينَارٌ) دَيْنًا (فَبَعَثَ إلَى غَرِيمِهِ) صَاحِبِ الدِّينَارِ (دِينَارًا) نَاقِصًا (وَتَتِمَّتُهُ دَرَاهِمُ) لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ
(أَوْ أَرْسَلَ) مَنْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ رَسُولًا (إلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَقَالَ) الْمُرْسِلُ (لِلرَّسُولِ خُذْ قَدْرَ حَقِّك مِنْهُ دَنَانِيرَ، فَقَالَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ) لِلرَّسُولِ (خُذْ) دَرَاهِمَ (صِحَاحًا بِالدَّنَانِيرِ لَمْ يَجُزْ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ فِي الصَّرْفِ، وَلَوْ أَخَذَ الرَّسُولُ رَهْنًا أَوْ عِوَضًا عَنْهُ بَعَثَهُ الْمَدِينُ فَذَهَبَ فَمِنْ مَالِ بَاعِثٍ
[فَصْلٌ وَالصَّرْفُ بَيْعُ نَقْدٍ بِنَقْدٍ]
ٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الصَّرِيفِ وَهُوَ تَصْوِيتُ النَّقْدِ بِالْمِيزَانِ (وَيَبْطُلُ) صَرْفٌ (كَ) بُطْلَانِ (سَلَمٍ بِتَفَرُّقٍ) بِبَدَنٍ (يَبْطُلُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ قَبْلَ تَقَابُضٍ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي صَرْفٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَدًا بِيَدٍ» وَفِي سَلَمٍ قُبِضَ رَأْسُ مَالِهِ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
(وَإِنْ تَأَخَّرَ) تَقَابُضٌ فِي صَرْفٍ أَوْ فِي رَأْسِ مَالِ سَلَمٍ (فِي بَعْضٍ) مِنْ ذَلِكَ (بَطَلَا) أَيْ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ (فِيهِ) أَيْ الْمُتَأَخِّرِ قَبْضُهُ (فَقَطْ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَصَحَّا فِيمَا قُبِضَ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَيَقُومُ الِاعْتِيَاضُ عَنْ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَسُقُوطُهُ عَنْ ذِمَّةِ أَحَدِهِمَا مَقَامَ قَبْضِهِ
(وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ عَقْدٍ (فِي قَبْضٍ فِي صَرْفٍ وَنَحْوِهِ) كَرِبَوِيٍّ بِرِبَوِيٍّ وَسَلَمٍ وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلٍ مَقَامَ قَبْضِ مُوَكِّلِهِ (مَا دَامَ مُوَكِّلُهُ بِالْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ سَوَاءٌ بَقِيَ الْوَكِيلُ بِالْمَجْلِسِ إلَى قَبْضٍ أَوْ فَارَقَهُ ثُمَّ عَادَ وَقَبَضَ ; لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ فَإِنْ فَارَقَ مُوَكِّلٌ قَبْلَهُ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ وَكَّلَ فِي الْعَقْدِ اُعْتُبِرَ حَالُ الْوَكِيلِ
(وَلَا يَبْطُلُ) صَرْفٌ وَنَحْوُهُ (بِتَخَايُرٍ) أَيْ بِاشْتِرَاطِ خِيَارٍ (فِيهِ) كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَلْزَمُ بِالتَّفَرُّقِ
(وَإِنْ تَصَارَفَا عَلَى عَيْنَيْنِ) أَيْ مُعَيَّنَيْنِ (مِنْ جِنْسَيْنِ) كَصَارَفْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ فَيُقْبَلُ، ذُكِرَ وَزْنُهُمَا أَمْ لَا (وَلَوْ) كَانَ تَصَارُفُهُمَا (بِوَزْنٍ مُتَقَدِّمٍ) عَلَى مَجْلِسِ صَرْفٍ (أَوْ) ب (خَبَرِ صَاحِبِهِ) بِوَزْنِهِ وَتَقَابَضَا (وَظَهَرَ غَصْبٌ) فِي جَمِيعِهِ (أَوْ) ظَهَرَ (عَيْبٌ فِي جَمِيعِهِ) أَيْ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ (وَلَوْ) كَانَ الْعَيْبُ (يَسِيرًا) وَكَانَ عَيْبُهُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ الْمَعِيبِ بِأَنْ وَجَدَ الدَّنَانِيرَ رَصَاصًا أَوْ الدَّرَاهِمَ نُحَاسًا أَوْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (بَطَلَ الْعَقْدُ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ بَاعَهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ، أَشْبَهَ بِعْتُكَ هَذَا الْبَغْلَ فَبَانَ فَرَسًا
(وَإِنْ ظَهَرَ) الْغَصْبُ أَوْ الْعَيْبُ (فِي بَعْضِهِ) بِأَنْ كَانَ بَعْضُ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ مَغْصُوبًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ بِهِ نُحَاسٌ مَثَلًا (بَطَلَ) الْعَقْدُ (فِيهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَعِيبِ (فَقَطْ) بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَيَصِحُّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ
(وَإِنْ كَانَ) الْعَيْبُ (مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ الْمَعِيبِ كَوُضُوحِ ذَهَبٍ وَسَوَادِ فِضَّةٍ (فَلِآخِذِهِ) الَّذِي صَارَ إلَيْهِ (الْخِيَارُ) بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْسَاكٍ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَدَلِهِ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ فَإِنْ أَخَذَ غَيْرَهُ أَخَذَ مَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ (فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ الْمَعِيبَ
(بَطَلَ) الْعَقْدُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَمْسَكَ) أَيْ مَضَى الْعَقْدُ (فَلَهُ) أَرْشُهُ أَيْ الْعَيْبِ كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ الْمَبِيعَةِ (بِالْمَجْلِسِ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسٍ مَعِيبٍ لِاعْتِبَارِ التَّقَابُضِ فِيهِ
وَ (لَا) يَأْخُذُ أَرْشَهُ (مِنْ جِنْسِ) النَّقْدِ (السَّلِيمِ) لِئَلَّا يَصِيرَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ (وَكَذَا) يَجُوزُ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْمَجْلِسِ (إنْ جُعِلَ) الْأَرْشُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا) أَيْ النَّقْدَيْنِ كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إذَنْ (وَكَذَا سَائِرُ أَمْوَالِ الرِّبَا إذَا بِيعَتْ ب) رِبَوِيٍّ (غَيْرِ جِنْسِهَا مِمَّا الْقَبْضُ شَرْطٌ فِيهِ) كَمَكِيلٍ بِيعَ بِمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ بِيعَ بِمَوْزُونٍ غَيْرِ جِنْسِهِ (فَبُرٌّ) بِيعَ (بِشَعِيرٍ) وَ (وُجِدَ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْبُرِّ أَوْ الشَّعِيرِ (عَيْبٌ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (فَأَرْشٌ بِدِرْهَمٍ أَوْ نَحْوِهِ) مِنْ الْمَوْزُونَاتِ (مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ) وَهِيَ الْكَيْلُ فِي الْمِثَالِ (جَازَ) وَلَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لِمَا سَبَقَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ جَازَ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ
(وَإِنْ تَصَارَفَا عَلَى جِنْسَيْنِ فِي الذِّمَّةِ) كَدِينَارٍ بُنْدُقِيٍّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةً صَحَّ (إنْ تَقَابَضَا قَبْلَ تَفَرُّقٍ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعِوَضَانِ مَعَهُمَا وَاقْتَرَضَاهُمَا أَوْ مَشَيَا مَعًا إلَى مَحَلٍّ آخَرَ وَتَقَابَضَا وَحَدِيثُ «لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ» مَعْنَاهُ لَا يُبَاعُ عَاجِلٌ بِآجِلٍ أَوْ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ مَقْبُوضٍ وَالْقَبْضُ بِالْمَجْلِسِ كَالْقَبْضِ حَالَ الْعَقْدِ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا (وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَيْبٌ، ثُمَّ تَارَةً يَعْلَمُ الْعَيْبَ قَبْلَ تَفَرُّقٍ وَتَارَةً يَعْلَمُهُ بَعْدَهُ
(فَ) إنْ عَلِمَهُ (قَبْلَ تَفَرُّقٍ) عَنْ الْمَجْلِسِ فَ (لَهُ إبْدَالُهُ) أَيْ طَلَبُ سَلِيمٍ بَدَلَهُ كَالسَّلِيمِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (أَوْ أَرْشُهُ) أَيْ وَلَهُ إمْسَاكُهُ مَعَ أَرْشِهِ لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ (وَ) إنْ عَلِمَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ التَّفَرُّقِ فَ (لَهُ إمْسَاكُهُ مَعَ) أَخْذِ (أَرْشٍ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ السَّلِيمِ أَوْ الْمَعِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ
(وَ) لَهُ رَدُّهُ وَ (أَخَذَ بَدَلِهِ) ; لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ بَعْدَهُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ (بِمَجْلِسِ رَدٍّ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ أَخْذِ بَدَلِهِ (بَطَلَ) الْعَقْدُ لِحَدِيثِ «لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ»
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْعَيْبُ (مِنْ جِنْسِهِ فَتَفَرَّقَا) أَيْ الْمُتَصَارِفَانِ مِنْ الْمَجْلِسِ (قَبْلَ رَدِّ) مَعِيبٍ (وَأَخْذِ بَدَلِهِ بَطَلَ) الصَّرْفُ لِلتَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ
(وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا) أَيْ الْعِوَضَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي صَرْفٍ (دُونَ) الْعِوَضِ (الْآخَرِ) بِأَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ ظَهَرَ فِي أَحَدِهِمَا عَيْبٌ (فَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُعَيَّنِ وَمَا فِي الذِّمَّةِ (حُكْمُ نَفْسِهِ) فِيمَا تَقَدَّمَ (وَالْعَقْدُ عَلَى عَيْنَيْنِ رِبَوِيَّيْنِ مِنْ جِنْسٍ ك) هَذَا الدِّينَارُ بِهَذَا الدِّينَارِ (كَ) الْعَقْدِ عَلَى رِبَوِيَّيْنِ (مِنْ جِنْسَيْنِ) فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الذِّمَّةِ (إذْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَرْشٌ مُطْلَقًا) لَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا مِنْ الْجِنْسِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ إنْ كَانَ مِنْ الْجِنْسِ وَإِلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ
(وَإِنْ تَلِفَ عِوَضٌ قُبِضَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِي) عَقْدِ (صَرْفِ) ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ مِثْلًا (ثُمَّ عُلِمَ عَيْبُهُ) أَيْ التَّالِفِ (وَقَدْ تَفَرَّقَا فُسِخَ) صَرْفٌ أَيْ فَسَخَهُ الْحَاكِمُ (وَرُدَّ الْمَوْجُودُ) لِبَاذِلِهِ (وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ) التَّالِفِ (فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ) لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ (فَيَرُدُّ) مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ (مِثْلَهَا) أَيْ الْقِيمَةِ (أَوْ عِوَضَهَا إنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ الْعِوَضِ قُلْتُ: هَذَا إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَرْشُ كَمَا سَبَقَ
(وَيَصِحُّ أَخْذُ أَرْشِهِ) أَيْ الْعَيْبِ (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) أَيْ الْمُتَصَارِفَانِ (إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ) فِي صَرْفٍ (مِنْ جِنْسَيْنِ) ; لِأَنَّ الْأَرْش كَجُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ وَقَدْ حَصَلَ قَبْضُهُ بِالْمَجْلِسِ لَكِنْ لَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَصِحُّ أَخْذُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ النَّقْدَيْنِ
فَصْلٌ وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ (الشِّرَاءُ مِنْ الْآخَرِ مِنْ جِنْسِ مَا صَرَفَ) الْآخَرُ مِنْهُ (بِلَا مُوَاطَأَةٍ) كَأَنْ صَرَفَ مِنْهُ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ صَرَفَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ بِدِينَارٍ آخَرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَر هَكَذَا؟ قَالَ لَا وَاَللَّهِ إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَفْعَلْ بِعْ التَّمْرَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ
(وَصَارِفُ فِضَّةٍ بِدِينَارٍ) إنْ (أَعْطَى) فِضَّةً (أَكْثَرَ) مِمَّا بِالدِّينَارِ (لِيَأْخُذَ) رَبُّ الدِّينَارِ (قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا أُعْطِيَهُ أَكْثَرَ (فَفَعَلَ) أَيْ أَخَذَ صَاحِبُ الدِّينَارِ قَدْرَ حَقِّهِ (جَازَ) هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمَا (وَلَوْ) كَانَ أَخْذُهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ (بَعْدَ تَفَرُّقٍ) لِوُجُودِ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ التَّمْيِيزُ (وَالزَّائِدُ) عَنْ حَقِّهِ (أَمَانَةٌ) بِيَدِهِ لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ
(وَ) صَارِفُ (خَمْسَةِ دَرَاهِمَ) فِضَّةً (بِنِصْفِ دِينَارٍ فَأَعْطَى) صَارِفَ الْفِضَّةِ (دِينَارًا صَحَّ) الصَّرْفُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ
قَابِضِ الدِّينَارِ (مُصَارَفَتُهُ بَعْدَ) ذَلِكَ (بِالْبَاقِي) مِنْ الدِّينَارِ ; لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ (وَلَوْ اقْتَرَضَ) صَارِفُ الْخَمْسَةِ دَرَاهِمَ (الْخَمْسَةَ) الَّتِي دَفَعَهَا لِصَاحِبِ الدِّينَارِ (وَصَارَفَهُ بِهَا عَنْ) النِّصْفِ (الْبَاقِي) مِنْ الدِّينَارِ صَحَّ بِلَا حِيلَةٍ
(أَوْ) صَارَفَ (دِينَارًا بِعَشَرَةِ) دَرَاهِمَ صَفْقَةً (فَأَعْطَاهُ خَمْسَةَ) دَرَاهِمَ (ثُمَّ اقْتَرَضَهَا) أَيْ الْخَمْسَةَ الْمَدْفُوعَةَ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثَانِيًا (عَنْ الْبَاقِي) مِنْ الْعَشَرَةِ (صَحَّ) ذَلِكَ (بِلَا حِيلَةٍ) لِوُجُودِ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ (وَهِيَ) أَيْ الْحِيلَةُ (التَّوَسُّلُ إلَى مُحَرَّمٍ بِمَا ظَاهِرُهُ الْإِبَاحَةُ، وَالْحِيَلُ كُلُّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقِيسَ عَلَيْهِ بَاقِي الْحِيَلِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ الْمُحَرَّمَاتِ لِمَفْسَدَتِهَا وَضَرَرِهَا وَلَا يَزُولُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ مَعْنَاهَا
(وَمَنْ عَلَيْهِ دِينَارٌ) فَأَكْثَرُ (فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ مُتَفَرِّقَةً كُلَّ نَقْدَةٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ (بِحِسَابِهَا) أَيْ مَا يُقَابِلُهَا (مِنْهُ) أَيْ الدِّينَارِ (صَحَّ) نَصًّا لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَإِلَّا) يَكُنْ كُلُّ نَقْدَةٍ بِحِسَابِهَا، بِأَنْ صَارَ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ صَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ (فَلَا) يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ
(وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ) دَنَانِيرَ مَثَلًا (وَزْنًا فَوَفَّاهَا) أَيْ الْعَشَرَةَ (عَدَدًا فَوُجِدَتْ) أَيْ الْعَشَرَةُ (وَزْنًا أَحَدَ عَشَرَ) دِينَارًا (ف) الدِّينَارُ (الزَّائِدُ مُشَاعٌ مَضْمُونٌ) لِرَبِّهِ، لِقَبْضِهِ عَلَى أَنَّهُ عِوَضُ مَالِهِ فَكَانَ مَضْمُونًا بِهَذَا الْقَبْضِ (وَلِمَالِكِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ) بِصَرْفٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ وَغَيْرِهِ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ صَارَفَ بِوَدِيعَةٍ صَحَّ وَلَوْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا إلَّا إنْ ظَنَّ عَدَمَهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمَهُ حَالَ عَقْدٍ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا
(وَمَنْ بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ بِإِخْبَارِ صَاحِبِهِ) الْبَاذِلِ لَهُ (بِوَزْنِهِ) ثِقَةً بِهِ (وَتَقَابَضَاهُ وَافْتَرَقَا فَوَجَدَهُ) أَيْ الدِّينَارَ (نَاقِصًا) عَنْ وَزْنِهِ الْمَعْهُودِ (بَطَلَ الْعَقْدُ) ; لِأَنَّهُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا (وَ) إنْ وَجَدَهُ (زَائِدًا) عَلَى وَزْنِ الدِّينَارِ الْمَعْهُودِ (وَالْعَقْدُ عَلَى عَيْنَيْهِمَا) أَيْ الدِّينَارَيْنِ (بَطَلَ) الْعَقْدُ (أَيْضًا) لِلتَّفَاضُلِ
(وَ) إنْ كَانَا (فِي الذِّمَّةِ) بِأَنْ قَالَ: بِعْتُكَ دِينَارًا بِدِينَارٍ وَوَصَفَاهُمَا (وَقَدْ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا) ثُمَّ وَجَدَ أَحَدَهُمَا زَائِدًا (فَالزَّائِدُ بِيَدِ قَابِضٍ) لَهُ (مُشَاعٌ مَضْمُونٌ) لِرَبِّهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ دِينَارًا بِمِثْلِهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (وَلَهُ) أَيْ الْقَابِضِ (دَفْعُ عِوَضِهِ) أَيْ الزَّائِدِ لِرَبِّهِ (مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ الزَّائِدِ (وَ) مِنْ (غَيْرِهِ) ; لِأَنَّهُ
ابْتِدَاءُ مُعَاوَضَةٍ
(وَلِكُلٍّ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ (فَسْخُ الْعَقْدِ) ، أَمَّا الْقَابِضُ فَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ وَالشَّرِكَةُ عَيْبٌ وَأَمَّا الدَّافِعُ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ عِوَضِ الزَّائِدِ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَجْلِسِ اسْتَرْجَعَهُ رَبُّهُ وَدَفَعَ بَدَلَهُ
(وَيَجُوزُ الصَّرْفُ) بِنَقْدٍ مَغْشُوشٍ (وَ) يَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ (بِ) نَقْدٍ (مَغْشُوشٍ وَلَوْ) كَانَ غِشُّهُ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَالدَّرَاهِمِ تُغَشُّ بِنُحَاسٍ (لِمَنْ يَعْرِفُهُ) أَيْ الْغِشَّ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ شَيْئًا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، مِثْلَ الْفُلُوسِ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا بَأْسٌ وَلِأَنَّ غَايَتَهُ اشْتِمَالُهُ عَلَى جِنْسَيْنِ لَا غَرَرَ فِيهِمَا وَلِأَنَّ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الْأَعْصَارِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْآخَرُ غِشَّهُ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ
(وَيَحْرُمُ كَسْرُ السِّكَّةِ الْجَائِزَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) لِلْخَبَرِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ (إلَّا أَنْ يُخْتَلَفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا هَلْ هُوَ رَدِيءٌ أَوْ جَيِّدٌ) فَيَجُوزُ كَسْرُهُ لِلْحَاجَةِ وَتُسْبَكُ الدَّرَاهِمُ الزُّيُوفُ وَلَا تُبَاعُ وَلَا تُخْرَجُ فِي مُعَامَلَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِجَيِّدِهِ وَتَخْرُجُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ نَصًّا وَقَالَ لَا أَقُولُ: إنَّهُ حَرَامٌ، قَالَ فِي الشَّرْحِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ
(وَالْكِيمْيَاءُ غِشٌّ فَتُحَرَّمُ) ; لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْمَصْنُوعَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِالْمَخْلُوقِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثَبَتَتْ عَلَى الرُّوبَاصِ أَوْ لَا وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا مُبَاحًا لَوَجَبَ فِيهَا خُمْسٌ أَوْ زَكَاةٌ وَلَمْ يُوجِبْ فِيهَا عَالِمٌ شَيْئًا وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَارُونَ عَمِلَهَا بَاطِلٌ
[فَصْلٌ وَيَتَمَيَّزُ ثَمَنٌ عَنْ مُثَمَّنٍ بِبَاءِ الْبَدَلِيَّةِ]
ِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ الْعِوَضَيْنِ (نَقْدٌ) فَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ فَهُوَ الثَّمَنُ فَدِينَارٌ بِثَوْبٍ الثَّمَنُ الثَّوْبُ لِدُخُولِ الْبَاءِ عَلَيْهِ (وَيَصِحُّ اقْتِضَاءُ) نَقْدٍ (مِنْ آخَرَ) كَذَهَبٍ مِنْ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ
(إنْ أُحْضِرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ النَّقْدَيْنِ (أَوْ كَانَ) أَحَدُهُمَا (أَمَانَةً) أَوْ عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا (وَالْآخَرُ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ) لَا رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ (بِسِعْرِ يَوْمِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ «فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ عَنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ عَنْ هَذِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» وَلِأَنَّهُ صَرْفٌ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، فَجَازَ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ اشْتِغَالُ ذِمَّةٍ وَاعْتُبِرَ سِعْرُ يَوْمِهَا لِلْخَبَرِ، وَلِجَرَيَانِ ذَلِكَ مَجْرَى الْقَضَاءِ، فَتَقَيَّدَ بِالْمِثْلِ وَهُوَ هُنَا مِنْ حَيْثُ
الْقِيمَةُ لِتَعَذُّرِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي
(وَلَا يُشْتَرَطُ حُلُولُهُ) أَيْ مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَإِنْ نَقَصَهُ عَنْ سِعْرِ الْمُؤَجَّلَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ لِلْخَبَرِ
(وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا) كِتَابًا أَوْ نَحْوَهُ (بِنِصْفِ دِينَارٍ لَزِمَهُ شِقٌّ) أَيْ نِصْفٌ مِنْ دِينَارٍ (ثُمَّ إنْ اشْتَرَى) شَيْئًا (آخَرَ) كَثَوْبٍ (بِنِصْفٍ آخَرَ لَزِمَهُ شِقٌّ أَيْضًا) لِدُخُولِهِ بِالْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ
(وَيَجُوزُ إعْطَاؤُهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ (عَنْهُمَا) أَيْ الشِّقَّيْنِ دِينَارًا (صَحِيحًا) ; لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا فَإِنْ كَانَ نَاقِصًا أَيْ اشْتَرَى بِمُكَسَّرَةٍ وَأَعْطَى عَنْهَا صِحَاحًا أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ بِصِحَاحٍ وَأَعْطَى عَنْهَا مُكَسَّرَةً أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لِلتَّفَاضُلِ (لَكِنْ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ) أَيْ أَعْطَى صَحِيحًا عَنْ الشِّقَّيْنِ (فِي الْعَقْدِ الثَّانِي أَبْطَلَهُ) لِتَضَمُّنِهِ اشْتِرَاطَ زِيَادَةٍ عَنْ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ (وَ) اشْتِرَاطُ ذَلِكَ (قَبْلَ لُزُومِ) الْعَقْدِ (الْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَفَرَّقَا (يُبْطِلُهُمَا) أَيْ الْعَقْدَيْنِ لِوُجُودِ الْمُفْسِدِ قَبْلَ انْبِرَامِهِ
(وَتَتَعَيَّنُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ بِتَعْيِينٍ فِي جَمِيع عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ) نَصًّا ; لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْغَصْبِ، فَتَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ كَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَأَشْبَهَتْ الْآخَرَ (وَتُمْلَكُ) دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ (بِهِ) أَيْ بِالتَّعْيِينِ فِي جَمِيع الْعُقُودِ (فَلَا يَصِحُّ إبْدَالُهَا) إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى عَيْنِهَا لِتَعَيُّنِهَا (وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ (فِيهَا) قَبْلَ قَبْضِهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ: إنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَى وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ) فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا لِاحْتِيَاجِهَا لِحَقِّ تَوْفِيَةٍ
(فَإِنْ تَلِفَتْ) دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ مُعَيَّنَةٌ بِعَقْدٍ (فَمِنْ ضَمَانِهِ) أَيْ ضَمَانِ مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ إنْ لَمْ تَحْتَجْ لِعَدٍّ أَوْ وَزْنٍ وَإِلَّا فَمِنْ ضَمَانٍ بَاذِلٍ
(وَيَبْطُلُ غَيْرُ نِكَاحٍ وَخُلْعٍ) وَطَلَاقٍ (وَعِتْقٍ) عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ
(وَ) غَيْرُ (صُلْحٍ) بِهَا (عَنْ دَمٍ عَمْدٍ) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ (بِكَوْنِهَا) أَيْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمُعَيَّنَةُ (مَغْصُوبَةً) كَالْمَبِيعِ يَظْهَرُ مُسْتَحَقًّا (أَوْ) بِكَوْنِهَا (مَعِيبَةً) عَيْبًا (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا) كَكَوْنِ الدَّرَاهِمِ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا ; لِأَنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سُمِّيَ لَهُ (وَ) يَبْطُلُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ (فِي بَعْضٍ هُوَ كَذَلِكَ) أَيْ مَغْصُوبٌ أَوْ مَعِيبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (فَقَطْ) وَيَصِحُّ فِي الْبَاقِي بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ
(وَ) إنْ كَانَ الْعَيْبُ (مِنْ جِنْسِهَا) كَسَوَادِ دَرَاهِمَ وَوُضُوحِ دَنَانِيرَ (يُخَيَّرُ) مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ (بَيْنَ فَسْخِ) الْعَقْدِ لِلْعَيْبِ (وَإِمْسَاكٍ بِلَا أَرْشٍ إنْ تَعَاقَدَا عَلَى مِثْلَيْنِ) ، كَدِينَارٍ بِدِينَارٍ ; لِأَنَّ أَخْذَهُ يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ، أَوْ مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ (وَإِلَّا)
يَكُنْ الْعَقْدُ عَلَى مِثْلَيْنِ (فَلَهُ) أَيْ مَنْ صَارَتْ لَهُ الْمَعِيبَةُ (أَخْذُهُ) أَيْ الْأَرْشِ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ فِي صَرْفٍ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ حُصُولُ زِيَادَةٍ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَلَا تُمْنَعُ فِي الْجِنْسَيْنِ، وَلَا يُمْنَعُ فِي الْجِنْسَيْنِ
وَ (لَا) يَأْخُذُ أَرْشًا (بَعْدَ الْمَجْلِسِ إلَّا إنْ كَانَ) الْأَرْش (مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ) أَيْ جِنْسِ الْعِوَضَيْنِ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ بَعْدَهُ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النِّكَاحَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لَا يَبْطُلُ بِكَوْنِ الْعِوَضِ مَغْصُوبًا أَوْ مَعِيبًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَيَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ مُوَضَّحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَيَحْرُمُ الرِّبَا بِدَارِ حَرْبٍ وَلَوْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ) بِأَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ زِيَادَةً مِنْ الْحَرْبِيِّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَعُمُومِ السُّنَّةِ وَلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ كَدَارِ الْبَغْيِ فِي أَنَّهُ لَا يَدَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمَا وَحَدِيثُ مَكْحُولٍ مَرْفُوعًا «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ» رُدَّ بِأَنَّهُ خَبَرٌ مَجْهُولٌ لَا يُتْرَكُ لَهُ تَحْرِيمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ
وَ (لَا) يَحْرُمُ الرِّبَا (بَيْنَ سَيِّدٍ وَرَقِيقِهِ وَلَوْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلسَّيِّدِ (أَوْ مُكَاتَبًا فِي مَالِ كِتَابَةٍ) فَقَطْ بِأَنْ عَوَّضَهُ عَنْ مُؤَجَّلِهَا دُونَهُ، وَيَأْتِي وَلَا يَجُوزُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ
[بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَبَيْعِ الثِّمَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(الْأُصُولُ) جَمْعُ أَصْلٍ وَهُوَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْمُرَادُ هُنَا (أَرْضٌ وَدُورٌ وَبَسَاتِينُ وَنَحْوُهَا) كَطَوَاحِينَ وَمَعَاصِرَ (وَالثِّمَارُ) جَمْعُ ثَمَرٍ كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ مَعْرُوفَةٍ وَهِيَ (أَعَمُّ مِمَّا يُؤْكَلُ) فَيَشْمَلُ الْقَرْظَ وَنَحْوَهُ (وَمَنْ بَاعَ) دَارًا (أَوْ وَهَبَ) دَارًا (أَوْ رَهَنَ) دَارًا (أَوْ وَقَفَ) دَارًا (أَوْ أَقَرَّ) بِدَارٍ (أَوْ أَوْصَى بِدَارِ تَنَاوَلَ) ذَلِكَ (أَرْضَهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً، كَمِصْرٍ وَالشَّامِ وَسَوَادِ الْعِرَاقِ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَمُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَسَاكِنِ مِنْهَا دُخُولُهَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا هُنَا لِمَا يَأْتِي فِي الشُّفْعَةِ (بِمَعْدَنِهَا الْجَامِدِ) ; لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْجَارِي (وَ) تَنَاوَلَ (بِنَاءَهَا) أَيْ الدَّارِ ; لِأَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي مُسَمَّاهَا (وَ) تَنَاوَلَ (فِنَاءَهَا) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ مَا اتَّسَعَ أَمَامَهَا (إنْ كَانَ) لَهَا فِنَاءٌ ; لِأَنَّ غَالِبَ الدُّورِ لَا فِنَاءَ لَهَا (وَ) تَنَاوَلَ (مُتَّصِلًا بِهَا) أَيْ الدَّارِ (لِمَصْلَحَتِهَا كَسَلَالِمَ) مِنْ خَشَبٍ مُسَمَّرَةٍ، جَمْعُ سُلَّمٍ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَفْتُوحَةً، وَهُوَ الْمُرَقَّاةُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّلَامَةِ تَفَاؤُلًا (وَ) ك (رُفُوفٍ مُسَمَّرَةٍ وَ) ك (أَبْوَابٍ مَنْصُوبَةٍ) وَحِلَقِهَا (وَ) ك
(رَحًى مَنْصُوبَةٍ وَ) ك (خَوَابٍ مَدْفُونَةٍ) وَأَجِرْنَةٍ مَبْنِيَّةٍ وَأَسَاسَاتِ حِيطَانٍ ; لِأَنَّ اتِّصَالَهُ بِمَصْلَحَتِهَا أَشْبَهَ الْحِيطَانَ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّلَالِمُ وَالرُّفُوفُ مُسَمَّرَةً، أَوْ كَانَتْ الْأَبْوَابُ وَالرَّحَى غَيْرَ مَنْصُوبَةٍ، أَوْ الْخَوَابِي غَيْرَ مَدْفُونَةٍ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ ; لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا أَشْبَهَتْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ (وَ) تَنَاوَلَ (مَا فِيهَا) أَيْ الدَّارِ (مِنْ شَجَرٍ) مَغْرُوسٍ (وَ) مِنْ (عُرُشٍ) جَمْعُ عَرِيشٍ وَهُوَ الظُّلَّةُ لِاتِّصَالِهَا بِهَا وَ (لَا) يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ (كَنْزٍ وَحَجَرٍ مَدْفُونَيْنِ) ; لِأَنَّهُمَا مُودَعَانِ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا أَشْبَهَ السِّتْرَ وَالْفُرُشَ بِخِلَافِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْجَارِ الْمَخْلُوفَةِ فَإِنْ ضَرَّتْ بِالْأَرْضِ وَنَقَصَتْهَا فَعَيْبٌ (وَلَا) يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ (مُنْفَصِلٍ) مِنْهَا (كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ وَبَكَرَةٍ وَقُفْلٍ وَفُرُشٍ) ; لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَشْمَلُهُ وَلَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا.
(وَ) لَا (مِفْتَاحٍ) لِنَحْوِ دَارٍ (وَحَجَرِ رَحًى فَوْقَانِيٍّ) لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ وَتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، وَإِنْ قَالَ بِعْتُكَ مَثَلًا هَذِهِ الطَّاحُونُ أَوْ الْمَعْصَرَةُ وَنَحْوُهَا، شَمَلَ الْحَجَرَ الْفَوْقَانِيُّ كَالتَّحْتَانِيِّ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ (وَلَا) مَا فِيهَا مِنْ (مَعْدِنٍ جَارٍ وَمَاءٍ نَبْعٍ) ; لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ أَشْبَهَ مَا يَجْرِي مِنْ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ إلَى مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْحِيَازَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ بَائِعٌ فَلَهُ الْفَسْخُ
(وَ) مَنْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ أَوْ وَقَفَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى (بِأَرْضٍ أَوْ بُسْتَانٍ) أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا أَوْ عِوَضَ خُلْعٍ وَنَحْوِهِ (دَخَلَ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ) فِيهَا (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا) لِاتِّصَالِهِمَا بِهَا وَكَوْنِهِمَا مِنْ حُقُوقِهَا، وَالْبُسْتَانُ اسْمٌ لِلْأَرْضِ وَالشَّجَرِ وَالْحَائِطِ، إذْ الْأَرْضُ الْمَكْشُوفَةُ لَا تُسَمَّى بِهِ (وَلَا) يَدْخُلُ فِي نَحْوِ بَيْعِ أَرْضٍ (مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةٌ، كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ) وَأُرْزٍ (وَقِطْنِيَّاتٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ كَعَدَسٍ وَنَحْوِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُطُونِهَا أَيْ مُكْثِهَا بِالْبُيُوتِ.
(وَنَحْوِهَا كَجَزَرٍ وَفُجْلٍ وَثُومٍ وَنَحْوِهِ) كَبَصَلٍ وَلِفْتٍ ; لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ يُرَادُ لِلنَّقْلِ أَشْبَهَ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ (وَيَبْقَى) فِي الْأَرْضِ (لِبَائِعٍ) وَنَحْوِهِ (إلَى أَوَّلِ وَقْتِ أَخْذِهِ) كَالثَّمَرَةِ (بِلَا أُجْرَةٍ) ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُسْتَثْنَاةٌ لَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ أَوَّلِ وَقْتِ أَخْذِهِ وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ إلَّا بِرِضَا مُشْتَرٍ (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أَيْ الزَّرْعَ (مُشْتَرٍ) أَوْ مُتَّهِبٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ شَرَطَهُ كَانَ لَهُ وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ فِي بَيْعٍ وَلَا عَدَمُ كَمَالِهِ لِدُخُولِهِ تَبَعًا (وَإِنْ كَانَ) فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ (يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَرَطْبَةٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهِيَ الْقُصَّةُ فَإِنْ يَبِسَتْ فَهِيَ قَتٌّ (وَ) ك (بُقُولٍ) كَثَمَرٍ وَنَعْنَاعٍ (أَوْ) كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ
(تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ كَقِثَّاءٍ وَبَاذِنْجَانٍ) وَدُبَّاءٍ أَوْ يَتَكَرَّرُ زَهْرُهُ كَوَرْدٍ وَيَاسَمِينَ (فَأُصُولُ) جَمِيعِ هَذِهِ (لِمُشْتَرٍ) وَمُتَّهِبٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ أَشْبَهَ الشَّجَرَ.
(وَجْزَةٌ ظَاهِرَةٌ) وَقْتَ عَقْدٍ لِبَائِعٍ وَنَحْوِهِ (وَلَقْطَةٌ أُولَى) وَزَهْرٍ تَفَتَّحَ وَقْتَ عَقْدٍ (لِبَائِعٍ) وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ يُجْنَى مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ أَشْبَهَ الثَّمَرَ الْمُؤَبَّرَ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْبَائِعِ وَنَحْوِهِ (قَطْعُهَا) أَيْ الْجَزَّةِ الظَّاهِرَةِ وَاللَّقْطَةِ الْأُولَى وَنَحْوِهَا (فِي الْحَالِ) أَيْ فَوْرًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ غَيْرُ مَا كَانَ ظَاهِرًا فَيَعْسُرُ التَّمْيِيزُ (مَا لَمْ يَشْتَرِطْ مُشْتَرٍ) دُخُولَ مَا لِبَائِعٍ عَلَيْهِ فَإِنْ شَرَطَهُ كَانَ لَهُ لِحَدِيثِ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»
(وَقَصَبُ سُكَّرٍ كَزَرْعٍ) يَبْقَى لِبَائِعٍ إلَى أَوَانِ أَخْذِهِ فَإِنْ أَخَذَهُ بَائِعٌ قَبْلَ أَوَانِهِ لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ (وَ) قَصَبٌ (فَارِسِيٌّ كَثَمَرَةٍ) فَمَا ظَهَرَ مِنْهُ فَلِبَائِعٍ وَيَقْطَعُهُ فَوْرًا قَالَهُ فِي شَرْحِهِ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ: يُقْطَعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ الَّذِي يُؤْخَذُ فِيهِ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ (وَعُرُوقُهُ) أَيْ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ (لِمُشْتَرٍ) ; لِأَنَّهَا تُتْرَكُ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا أَشْبَهَتْ الشَّجَرَ (وَبَذْرٌ بَقِيَ أَصْلُهُ) كَبَذْرِ بُقُولٍ وَقِثَّاءٍ وَبَاذِنْجَانٍ وَرَطْبِهِ (كَشَجَرٍ) يَتْبَعُ الْأَرْضَ ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا لَوْ كَانَ ظَاهِرًا، فَأَوْلَى إذَا كَانَ مُسْتَتِرًا، وَلِأَنَّهُ يُتْرَكُ فِيهَا لِلْبَقَاءِ (وَإِلَّا) يَبْقَى أَصْلُهُ كَبَذْرِ بُرٍّ وَقِطْنِيَّاتٍ (فَ) هُوَ (كَزَرْعٍ) لِبَائِعٍ وَنَحْوِهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ (وَلِمُشْتَرٍ جَهِلَهُ) أَيْ جَعْلَ بَذْرٍ لَا يَتْبَعُ الْأَرْضَ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ) الْبَيْعِ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ.
(وَ) بَيْنَ (إمْضَاءٍ مَجَّانًا) بِلَا أَرْشٍ ; لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ بِالْأَرْضِ
(وَيَسْقُطُ) خِيَارُ مُشْتَرٍ (إنْ حَوَّلَهُ) أَيْ الْبَذْرَ (بَائِعٌ) مِنْ أَرْضٍ (مُبَادِرًا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ) لِزَوَالِ الْعَيْبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ الْأَرْضَ (أَوْ وَهَبَهُ) أَيْ وَهَبَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ (مَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ) أَيْ الْبَذْرَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا بِبَذْرِهَا فِيهَا صَحَّ وَدَخَلَ تَبَعًا
(وَكَذَا مُشْتَرٍ نَخْلًا) عَلَيْهَا طَلْعٌ (ظَنَّ) الْمُشْتَرِي (طَلْعَهَا لَمْ يُؤَبَّرْ) فَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ (فَبَانَ مُؤَبَّرًا) يَعْنِي تَشَقَّقَ طَلْعُهُ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَيَسْقُطُ إنْ وَهَبَهُ بَائِعُ الطَّلْعِ (لَكِنْ لَا يَسْقُطُ) خِيَارُ مُشْتَرٍ (بِقَطْعٍ) لِطَلْعٍ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إزَالَةِ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِفَوَاتِ الثَّمَرَةِ ذَلِكَ الْعَامَ
(وَيَثْبُتُ) خِيَارٌ (لِمُشْتَرٍ) أَرْضًا أَوْ شَجَرًا (ظَنَّ دُخُولَ زَرْعٍ) بِأَرْضٍ (أَوْ) دُخُولَ (ثَمَرَةٍ) عَلَى شَجَرٍ (لِبَائِعٍ كَمَا لَوْ جَهِلَ وُجُودَهُمَا) أَيْ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لِبَائِعٍ لِتَضَرُّرِهِ بِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ ذَلِكَ الْعَامَ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي
بِيَمِينِهِ (فِي جَهْلِهِ ذَلِكَ إنْ جَهِلَهُ مِثْلُهُ) كَعَامِّيٍّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ
(وَلَا يَدْخُلُ مَزَارِعُ قَرْيَةٍ) بِيعَتْ بَلْ الدُّورُ وَالْحِصْنُ الدَّائِرُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ مُسَمَّى الْقَرْيَةِ (بِلَا نَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ) فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ الْقَرْيَةَ بِمَزَارِعِهَا أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى دُخُولِهَا كَمُسَاوَمَةٍ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ بَذْلِ ثَمَنٍ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِيهَا وَفِي مَزَارِعِهَا دَخَلَتْ عَمَلًا بِالنَّصِّ أَوْ الْقَرِينَةِ (وَالشَّجَرُ بَيْنَ بُنْيَانِهَا) أَيْ الْقَرْيَةِ وَأُصُولُ بُقُولِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ فَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ
[فَصْلٌ وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا أَوْ رَهَنَ نَخْلًا أَوْ وَهَبَ نَخْلًا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ]
ُ أَيْ وِعَاءَ عُنْقُودِهِ (وَلَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ) أَيْ يُلَقَّحْ وَهُوَ وَضْعُ طَلْعِ الْفِحَالِ فِي طَلْعِ الثَّمَرِ، أَوْ بَاعَ أَوْ رَهَنَ أَوْ وَهَبَ نَخْلًا بِهِ (طَلْعُ فِحَالٍ يُرَادُ لِلتَّلْقِيحِ أَوْ صَالَحَ بِهِ) أَيْ بِنَخْلٍ بِهِ ذَلِكَ (أَوْ جَعَلَهُ أُجْرَةً أَوْ صَدَاقًا أَوْ عِوَضَ خُلْعٍ) أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ (فَثَمَرٌ) وَطَلْعُ فِحَالٍ (لَمْ يَشْتَرِطْهُ) كُلَّهُ (أَوْ) يَشْتَرِطْ (بَعْضَهُ الْمَعْلُومَ) كَنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ (أَخَذَ لِمُعْطٍ مَتْرُوكًا إلَى جَذَّاذٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لِمُشْتَرٍ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّأْبِيرَ حَدًّا لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ وَنَصَّ عَلَى التَّأْبِيرِ وَالْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالتَّشَقُّقِ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ غَالِبًا، وَأُلْحِقَ بِالْبَيْعِ بَاقِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ.
وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ الْهِبَةُ لِزَوَالِ الْمِلْكِ فِيهَا بِغَيْرِ فَسْخٍ وَيَصْرِفُ المُتَّهِتُ بِمَا شَاءَ أَشْبَهَ الْمُشْتَرَى وَالرَّهْنَ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَيْعِ لِيَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ وَتُرِكَ إلَى الْجِذَاذِ ; لِأَنَّ تَفْرِيغَ الْمَبِيعِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالْمَادَّةِ كَدَارٍ فِيهَا أَطْعِمَةٌ أَوْ مَتَاعٌ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ كُلَّهُ مُشْتَرٍ أَوْ شَرَطَ بَعْضًا مَعْلُومًا فَلَهُ مَا شَرَطَهُ لِلْخَبَرِ (مَا لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِأَخْذِهِ) أَيْ الثَّمَرِ (بُسْرًا أَوْ يَكُنْ) بُسْرُهُ (خَيْرًا مِنْ رُطَبِهِ) فَيَجُزُّهُ بَائِعٌ إذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ ; لِأَنَّهُ عَادَةُ أَخْذِهِ
(إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مُشْتَرٍ قَطْعَهُ) عَلَى بَائِعٍ فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِ قَطَعَ (وَ) مَا (لَمْ يَتَضَرَّرْ النَّخْلُ بِبَقَائِهِ فَإِنْ تَضَرَّرَ قُطِعَ) ; لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (بِخِلَافِ وَقْفٍ وَوَصِيَّةٍ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ تَدْخُلُ فِيهِمَا) نَصًّا أُبِّرَتْ أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ (كَفَسْخِ) بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ قَبْلَ دُخُولِهِ (لِعَيْبٍ وَمُقَابَلَةٍ فِي بَيْعٍ وَرُجُوعِ أَبٍ فِي هِبَةٍ) وَهَبَهَا لِوَلَدِهِ حَيْثُ لَا مَانِعَ مِنْهُ فَتَدْخُلُ الثَّمَرَةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا ; لِأَنَّهَا نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ أَشْبَهَتْ الثَّمَنَ.
(وَكَذَا) أَيْ كَطَلْعٍ تَشَقَّقَ (مَا بَدَا) أَيْ ظَهَرَ مِنْ ثَمَرَةٍ لَا قِشْرَ عَلَيْهَا وَلَا نَوْرَ لَهَا ك (عِنَبٍ) فِيهِ نَظَرٌ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَتِينٍ وَتُوتٍ) وَجُمَّيْزٍ (وَ) كَذَا مَا بَدَا فِي قِشْرِهِ وَبَقِيَ فِيهِ إلَى أَكْلِهِ ك (رُمَّانٍ) وَمَوْزٍ (وَ) مَا بَدَا فِي قِشْرَيْنِ ك (جَوْزٍ أَوْ ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ كَمُشْمُشٍ وَتُفَاحٍ وَسَفَرْجَلٍ وَلَوْز) وَخَوْخٍ وَإِجَّاصٍ (أَوْ خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ) جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الْكَافِ وَهُوَ الْغِلَافُ (كَوَرْدٍ) وَيَاسَمِينِ وَبَنَفْسَجٍ (وَقُطْنٍ) يُحْمَلُ كُلَّ عَامٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَثَابَةِ تَشَقُّقِ الطَّلْعِ (وَمَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْبُدُوِّ فِي نَحْوِ عِنَبٍ وَالْخُرُوجُ مِنْ النَّوْرِ فِي نَحْوِ مُشْمُشٍ وَالظُّهُورِ مِنْ الْأَكْمَامِ فِي نَحْوِ الْوَرْدِ (لِآخُذَ) مِنْ نَحْوِ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ (كَوَرَقِ) شَجَرٍ وَلَوْ مَقْصُودٍ أَوْ عَرَاجِينَ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا خُلِقَ لِمَصْلَحَتِهَا كَأَجْزَاءِ سَائِرِ الْمَبِيعِ (وَكَزَرْعِ قُطْنٍ يُحْصَدُ كُلَّ عَامٍ) ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَشْبَهَ الْبُرَّ
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُعْطٍ) مِنْ نَحْوِ بَائِعٍ وَوَاهِبٍ (فِي بُدُوِّ) ثَمَرَةٍ قَبْلَ عَقْدٍ لِتَكُونَ بَاقِيَةً لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْتِقَالِهَا عَنْهُ وَيَحْلِفُ (وَيَصِحُّ شَرْطُ بَائِعٍ) وَنَحْوِهِ (مَا لِمُشْتَرٍ) وَنَحْوِهِ (أَوْ) شَرْطَهُ (جُزْءًا مِنْهُ مَعْلُومًا) مِنْ نَحْوِ رُبْعٍ أَوْ خُمُسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَلْعِ النَّخْلِ وَلَهُ تَبَعِيَّتُهُ إلَى جِذَاذِهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ قَطْعَ غَيْرِ الْمُشَاعِ
(وَإِنْ ظَهَرَ أَوْ تَشَقَّقَ بَعْضُ ثَمَرِهِ أَوْ) بَعْضُ (طَلْعٍ وَلَوْ مِنْ نَوْعٍ ف) مَا ظَهَرَ أَوْ تَشَقَّقَ (لِبَائِعٍ) وَنَحْوِهِ لِمَا سَبَقَ (وَغَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الَّذِي تَشَقَّقَ أَوْ ظَهَرَ (لِمُشْتَرٍ) وَنَحْوِهِ لِلْخَبَرِ (إلَّا) إنْ ظَهَرَ أَوْ تَشَقَّقَ بَعْضُ ثَمَرِهِ (فِي شَجَرَةٍ فَالْكُلُّ) أَيْ كُلُّ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ مَا ظَهَرَ وَتَشَقَّقَ وَمَا لَمْ يَظْهَرْ وَيَتَشَقَّقْ (لِبَائِعٍ وَنَحْوِهِ) ; لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ يَتْبَعُ بَعْضَهُ (وَلِكُلٍّ) مِنْ مُعْطٍ وَآخِذٍ (السَّقْيُ) لِمَالِهِ (لِمَصْلَحَةٍ) وَيُرْجَعُ فِيهَا إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (وَلَوْ تَضَرَّرَ الْآخَرُ) بِالسَّقْيِ لِدُخُولِهِمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَةٌ فِي السَّقْيِ مُنِعَ مِنْهُ ; لِأَنَّ السَّقْيَ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ وَإِبَاحَتُهُ لِلْمَصْلَحَةِ
(وَمَنْ اشْتَرَى شَجَرَةً) أَوْ نَخْلَةً فَأَكْثَرَ لَمْ تَتْبَعْهَا أَرْضُهَا.
(وَ) إنْ (لَمْ يُشْتَرَطْ قَطْعُهَا أَبْقَاهَا فِي أَرْضِ بَائِعٍ) كَثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ بِلَا أُجْرَةٍ (وَلَا يَغْرِسُ مَكَانَهَا لَوْ نَادَتْ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ (وَلَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (الدُّخُولُ لِمَصْلَحَتِهَا) لِثُبُوتِ حَقِّ الِاجْتِيَازِ لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ لِتَفَرُّجٍ وَنَحْوِهِ
[فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا]
; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ (وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (زَرْعٍ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَعْدِلُ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ (لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ) أَيْ الشَّجَرِ (أَوْ) لِغَيْرِ مَالِكِ (الْأَرْضِ) .
فَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِمَالِكِ أَصْلِهَا، أَوْ بَاعَ الزَّرْعَ قُبْلَ اشْتِدَادِهِ لِمَالِكِ أَرْضِهِ صَحَّ الْبَيْعُ لِحُصُولِ التَّسْلِيمِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْكَمَالِ لِمِلْكِهِ الْأَصْلَ وَالْقَرَارَ، فَصَحَّ كَبَيْعِهَا مَعَهُمَا (وَلَا يَلْزَمُهُمَا) أَيْ مَالِكَ الْأَصْلِ وَمَالِكَ الْأَرْضِ (قَطْعُ) ثَمَرَةٍ أَوْ زَرْعٍ (شُرِطَ) فِي الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْأَرْضَ لَهُمَا (إلَّا) إذَا بِيعَتْ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ (مَعَهُمَا) أَيْ مَعَ الْأَصْلِ وَالْأَرْضِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ لِحُصُولِهِ فِيهِمَا تَبَعًا فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهِ، كَمَا اُحْتُمِلَتْ الْجَهَالَةُ فِي لَبَنِ ذَاتِ اللَّبَنِ وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ (أَوْ) أَيْ إلَّا إذَا بِيعَتْ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ (بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ) ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ التَّلَفِ وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ
(إنْ انْتَفَعَ بِهِمَا) أَيْ بِالثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ الْمَبِيعَيْنِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِمَا كَثَمَرَةِ الْجَوْزِ وَزَرْعِ التُّرْمُسِ لَمْ يَصِحَّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْبَيْعِ
(وَلَيْسَا) أَيْ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ (مُشَاعَيْنِ) فَإِنْ كَانَا كَذَلِكَ بِأَنْ بَاعَهُ النِّصْفَ وَنَحْوَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ (وَكَذَا رَطْبَةٌ وَبُقُولٌ) لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مَسْتُورٌ مُغَيَّبٌ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مَعْدُومٌ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَاَلَّذِي يَحْدُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ شَرَطَ قَطْعَهُ صَحَّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ وَلَا غَرَرَ
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (قِثَّاءٍ وَنَحْوَهُ) كَبَاذِنْجَانٍ وَبَامْيَا (إلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً) مَوْجُودَةٍ ; لِأَنَّ مَا لَمْ يُخْلَقْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (أَوْ) إلَّا (مَعَ أَصْلِهِ) فَيَجُوزُ ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ أَشْبَهَ الشَّجَرَ
(وَحَصَادُ) زَرْعٍ بِيعَ حَيْثُ صَحَّ عَلَى مُشْتَرٍ (وَلِقَاطُ) مَا
يُبَاعُ لَقْطَةً لَقْطَةً عَلَى مُشْتَرٍ (وَجِذَاذُ) ثَمَرٍ بِيعَ حَيْثُ يَصِحُّ (عَلَى مُشْتَرٍ) ; لِأَنَّ نَقْلَ الْمَبِيعِ وَتَفْرِيغَ مِلْكِ الْبَائِعِ مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي كَنَقْلِ مَبِيعٍ مِنْ مَحَلِّ بَائِعٍ بِخِلَافِ كَيْلٍ وَوَزْنٍ فَعَلَى بَائِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ مُؤَنِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَهُوَ عَلَى الْبَائِعِ، وَهُنَا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ بِدُونِ الْقَطْعِ لِجَوَازِ بَيْعِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا
(وَإِنْ تَرَكَ) مُشْتَرٍ (مَا) أَيْ ثَمَرًا أَوْ زَرْعًا (شَرَطَ قَطْعَهُ) حَيْثُ لَا يَصِحُّ بِدُونِهِ (بَطَلَ الْبَيْعُ بِزِيَادَتِهِ) لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَتَرْكِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَوَسَائِلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ كَبَيْعِ الْعِينَةِ
(وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ (عُرْفًا) لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَكَذَا) فِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِالتَّرْكِ
(لَوْ اشْتَرَى رُطَبًا عَرِيَّةً) لِيَأْكُلهَا (فَ) تَرَكَهَا وَلَوْ لِعُذْرٍ حَتَّى (أَتْمَرَتْ) أَيْ صَارَتْ تَمْرًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا كَذَلِكَ إنَّمَا جَازَ لِحَاجَةِ أَكْلِ الرُّطَبِ، فَإِذَا أَتَمْرَ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْحَاجَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَحَيْثُ بَطَلَ الْبَيْعُ عَادَتْ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا تَبَعًا لِأَصْلِهَا
(وَإِنْ حَدَثَ مَعَ ثَمَرَةٍ) لِبَائِعٍ (انْتَقَلَ مِلْكُ أَصْلِهَا) بِأَنْ بَاعَ شَجَرًا عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْهَا مُشْتَرٍ (ثَمَرَةٌ) فَاعِلُ حَدَثَ (أُخْرَى) غَيْرُ الْأُولَى وَاخْتَلَطَا (أَوْ اخْتَلَطَتْ) ثَمَرَةٌ (مُشْتَرَاةٌ) بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (بِغَيْرِهَا) أَيْ بِثَمَرَةٍ حَدَثَتْ (وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) الْحَادِثَةُ (فَإِنْ عُلِمَ قَدْرُهَا) أَيْ الْحَادِثَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُولَى كَالثُّلُثِ (فَالْآخِذُ) أَيْ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَادِثَةِ (شَرِيكٌ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمَعْلُومِ (وَإِلَّا) يُعْلَمْ قَدْرُهَا (اصْطَلَحَا) عَلَى الثَّمَرَةِ.
(وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ) لِعَدَمِ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً وَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخِلَافِ شِرَاءِ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ قَطْعٍ فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ كَمَا تَقَدَّمَ لِاخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ بِارْتِكَابِ النَّهْيِ، وَكَوْنِهِ يَتَّخِذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَيُفَارِقُ أَيْضًا مَسْأَلَةَ الْعَرِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى أَكْلِهِ رُطَبًا وَحَيْثُ بَقِيَ الْبَيْعُ فَهُوَ (كَتَأْخِيرِ قَطْعِ خَشَبٍ) اشْتَرَاهُ (مَعَ شَرْطِهِ) أَيْ الْقَطْعِ فَزَادَ، فَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ
(وَيَشْتَرِكَانِ) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي زِيَادَتِهِ) أَيْ الْخَشَبِ نَصًّا (مَتَى بَدَا صَلَاحُ ثَمَرٍ) جَازَ بَيْعُهُ
(أَوْ اشْتَدَّ حَبٌّ جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا) أَيْ بِلَا شَرْطِ قَطْعٍ (وَ) جَازَ بَيْعُهُ (بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ) أَيْ تَبْقِيَةِ الثَّمَرِ إلَى الْجِذَاذِ وَالزَّرْعِ إلَى الْحَصَادِ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ وَأَمْنِ الْعَاهَةِ (وَلِمُشْتَرٍ بَيْعُهُ) أَيْ الثَّمَرِ الَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ وَالزَّرْعِ الَّذِي اشْتَدَّ حَبُّهُ (قَبْلَ جَذِّهِ) ; لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِالتَّخْلِيَةِ فَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ
كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ (وَ) لِمُشْتَرٍ (قَطْعُهُ) فِي الْحَالِ (وَ) لَهُ (تَبْقِيَةٌ) إلَى جِذَاذٍ وَحَصَادٍ لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ (وَعَلَى بَائِعٍ سَقْيُهُ) أَيْ الثَّمَرِ بِسَقْيِ شَجَرِهِ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ كَامِلًا بِخِلَافِ شَجَرٍ بِيعَ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ لِبَائِعٍ فَلَمْ يَلْزَمْ مُشْتَرِيًا سَقْيُهُ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكْهُ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنَّمَا بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ
(وَلَوْ تَضَرَّرَ أَصْلٌ) أَيْ شَجَرٌ بِالسَّقْيِ (وَيُجْبَرُ) بَائِعٌ عَلَى سَقْيٍ (إنْ أَبَى) السَّقْيَ لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ (وَمَا تَلِفَ) مِنْ ثَمَرٍ بِيعَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُنْفَرِدًا عَلَى أُصُولِهِ قَبْلَ أَوَانِ أَخْذِهِ أَوْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ (سِوَى يَسِيرٍ) مِنْهُ (لَا يَنْضَبِطُ) لِقِلَّتِهِ (بِجَائِحَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِتَلَفِ (وَهِيَ) أَيْ الْجَائِحَةُ (مَا) أَيْ آفَةٌ (لَا صُنْعَ لِآدَمِيٍّ فِيهَا) كَجَرَادٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَعَطَشٍ
(وَلَوْ) كَانَ تَلَفُهُ (بَعْدَ قَبْضٍ) بِتَخْلِيَةٍ (ف) ضَمَانُهُ (عَلَى بَائِعٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» وَحَدِيثِ «إنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَتَّخِذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى الْبَائِعِ إلَى تَتِمَّةِ صَلَاحِهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِنْ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ فِي قَدْرِ تَالِفٍ ; لِأَنَّهُ غَارِمٌ (مَا لَمْ تُبَعْ) الثَّمَرَةُ (مَعَ أَصْلِهَا) فَإِنْ بِيعَتْ مَعَهُ فَمِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ وَكَذَا لَوْ بِيعَتْ لِمَالِكِ أَصْلِهَا لِحُصُولِ الْقَبْضِ التَّامِّ وَانْقِطَاعِ عُلَقِ الْبَائِعِ عَنْهُ (أَوْ يُؤَخِّرُ) مُشْتَرٍ (أَخْذَهَا عَنْ عَادَتِهِ) فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ فَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي لِتَلَفِهِ بِتَقْصِيرِهِ
(وَإِنْ تَعَيَّبَتْ) الثَّمَرَةُ (بِهَا) أَيْ الْجَائِحَةِ قَبْلَ أَوَانِ جِذَاذِهَا (خُيِّرَ) مُشْتَرٍ (بَيْنَ إمْضَاءِ) بَيْعٍ (وَ) أَخْذِ (أَرْشٍ أَوْ رَدِّ) مَبِيعٍ (وَأَخْذِ ثَمَنٍ كَامِلًا) ; لِأَنَّ مَا ضَمِنَ تَلَفَهُ بِسَبَبِهِ فِي وَقْتٍ كَانَ ضَمَانُ تَعَيُّبِهِ فِيهِ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى
(وَ) إنْ تَلِفَ الثَّمَرُ (بِصُنْعِ آدَمِيٍّ) وَلَوْ بَائِعًا فَحَرَقَهُ وَنَحْوَهُ (خُيِّرَ) مُشْتَرٍ (بَيْنَ فَسْخِ) بَيْعٍ وَطَلَبِ بَائِعٍ بِمَا قَبَضَهُ وَنَحْوِهِ مِنْ ثَمَنٍ (أَوْ إمْضَاءِ) بَيْعٍ (وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفٍ) بِبَدَلِهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ مُشْتَرٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ كَمَبِيعٍ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ (وَأَصْلُ مَا) أَيْ نَبَاتٍ (يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ مِنْ قِثَّاءٍ وَنَحْوِهِ) كَخِيَارٍ وَبِطِّيخٍ (كَشَجَرٍ وَثَمَرَتِهِ) أَيْ مَا يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ (كَثَمَرِ) شَجَرٍ (فِي جَائِحَةٍ وَغَيْرِهَا) مِمَّا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ زَرْعَ بُرٍّ وَنَحْوِهِ تَلِفَ بِجَائِحَةٍ مِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ حَيْثُ صَحَّ الْبَيْعُ
(وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ صَلَاحٌ لِجَمِيعِ نَوْعِهَا الَّذِي بِالْبُسْتَانِ) ; لِأَنَّ اعْتِبَارَ الصَّلَاحِ فِي الْجَمِيعِ يَشُقُّ وَكَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ وَلِأَنَّهُ يَتَتَابَعُ غَالِبًا وَكَذَا اشْتِدَادُ بَعْضِ حَبٍّ فَيَصِحُّ بَيْعُ الْكُلِّ تَبَعًا لِأَفْرَادِهِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِالْبَيْعِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ صَلَاحَ نَوْعٍ لَيْسَ صَلَاحًا لِغَيْرِهِ
(وَالصَّلَاحُ فِيمَا يَظْهَرُ) مِنْ الثَّمَرَةِ (فَمًا وَاحِدًا كَبَلَحٍ وَعِنَبٍ طَيِّبٍ أَكْلُهُ وَظُهُورِ نُضْجِهِ) لِحَدِيثِ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) الصَّلَاحُ (فِيمَا يَظْهَرُ فَمَا بَعْدَ فَمٍ كَقِثَّاءٍ أَنْ تُؤْكَلَ عَادَةً) كَالثَّمَرِ (وَ) الصَّلَاحُ (فِي حَبٍّ أَنْ يَشْتَدَّ أَوْ يَبْيَضَّ) ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ اشْتِدَادَهُ غَايَةً لِصِحَّةِ بَيْعِهِ كَبُدُوِّ صَلَاحِ ثَمَرٍ (وَشَمِلَ بَيْعَ دَابَّةٍ) كَفَرَسٍ (عِذَارًا) أَيْ لِجَامًا (وَمِقْوَدًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَنَعْلًا) لِتَبَعِيَّتِهِ لَهَا عُرْفًا (وَ) يَشْمَلُ بَيْعُ (قِنٍّ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (لِبَاسًا مُعْتَادًا) عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَةُ الْمَبِيعِ وَمَصْلَحَتُهُ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ مَعَهُ
(وَلَا يَأْخُذُ مُشْتَرٍ مَا لِجَمَالٍ) مِنْ لِبَاسٍ وَحُلِيٍّ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَادَةِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَةُ الْمَبِيعِ وَإِنَّمَا يُلْبِسُهُ إيَّاهُ لِيُنْفِقَهُ بِهِ، وَهَذِهِ حَاجَةُ الْبَائِعِ لَا حَاجَةُ الْمَبِيعِ (وَ) لَا يَشْمَلُ الْبَيْعُ (مَالًا مَعَهُ) أَيْ الرَّقِيقِ (أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْضَ مَا لِجَمَالٍ وَبَعْضَ الْمَالِ (إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ فِي الْعَقْدِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ (ثُمَّ إنْ قَصَدَ) مَا اشْتَرَطَ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ بَيْعٌ لَوْلَا الشَّرْطُ بِأَنْ لَمْ يُرِدْ تَرْكَهُ لِلْقِنِّ (اشْتَرَطَ لَهُ شُرُوطَ الْبَيْعِ) مِنْ الْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ لَا يُشَارِكَ الثَّمَنَ فِي عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ وَنَحْوِهِ، كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْعَيْنَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْصُودٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَمَّ إلَى الْقِنُّ عَيْنًا أُخْرَى وَبَاعَهُمَا (وَإِلَّا) يُقْصَدْ مَالُ الْقِنِّ أَوْ ثِيَابُ جَمَالِهِ أَوْ حُلِيُّهُ (فَلَا) يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ بَيْعٍ لِدُخُولِهِ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ أَشْبَهَ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ وَتَمْوِيهَ سَقْفٍ بِذَهَبٍ وَسَوَاءٌ قُلْنَا الْقِنُّ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ أَوْ لَا، وَمَتَى رُدَّ الْقِنُّ الْمَشْرُوطُ مَالُهُ لِنَحْوِ عَيْبٍ رُدَّ مَالُهُ مَعَهُ ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَكْثُرُ بِهِ وَتَنْقُصُ مَعَ أَخْذِهِ، فَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا يُزِيلُ نَقْصَهُ فَإِنْ تَلِفَ مَالُهُ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ فَكَعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَ مُشْتَرٍ
[بَاب السَّلَمِ]
ِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالسَّلَفُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَهُمَا لُغَةً شَيْءٌ وَاحِدٌ، سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ بِالْمَجْلِسِ وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ وَيُقَالُ السَّلَفُ لِلْقَرْضِ وَالسَّلَمُ شَرْعًا (عَقْدٌ عَلَى) مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ (مَوْصُوفٌ) بِمَا يَضْبِطُهُ (فِي ذِمَّةٍ) وَهِيَ وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الْمُكَلَّفُ أَهْلًا لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ (مُؤَجَّلٌ) أَيْ الْمَوْصُوفُ (بِثَمَنٍ) مُتَعَلِّقٍ بِ " عَقْدِ " (مَقْبُوضِ) ذَلِكَ
الثَّمَنُ (بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ) .
وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَجَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ» وَهَذَا اللَّفْظُ يَصْلُحُ لِلسَّلَمِ وَيَشْمَلُهُ بِعُمُومِهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ الْمُثَمَّنَ أَحَدُ عِوَضَيْ الْبَيْعِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ وَلِحَاجَةِ النَّاس إلَيْهِ (وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (بِلَفْظِهِ) كَ أَسْلَمْتُك هَذَا الدِّينَارَ فِي كَذَا مِنْ الْقَمْحِ.
(وَ) يَصِحُّ (بِلَفْظِ سَلَفٍ) ك أَسْلَفْتُكَ كَذَا فِي كَذَا ; لِأَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ فِيهِ ; لِأَنَّهُمَا لِلْبَيْعِ الَّذِي عُجِّلَ ثَمَنُهُ وَأُجِّلَ مُثَمَّنُهُ.
(وَ) يَصِحُّ بِلَفْظِ (بَيْعٍ) وَكُلُّ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ (وَهُوَ) أَيْ السَّلَمُ (نَوْعٌ مِنْهُ) أَيْ الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ إلَى أَجَلٍ فَشَمَلَهُ اسْمُهُ
(بِشُرُوطٍ) - مُتَعَلِّقٌ ب " يَصِحُّ " - سَبْعَةٍ (أَحَدُهَا) كَوْنُ مُسْلَمٍ فِيهِ مِمَّا يُمْكِنُ (انْضِبَاطُ صِفَاتِهِ) ; لِأَنَّ مَا لَا تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُشَاقَّةِ وَعَدَمُهَا مَطْلُوبٌ شَرْعًا (كَمَوْزُونٍ) مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَصُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ وَشَهْدٍ وَقُنَّبٍ وَكِبْرِيتٍ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمَوْزُونُ (شَحْمًا) نِيئًا قِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّهُ يَخْتَلِفُ؟ قَالَ كُلُّ سَلَفٍ يَخْتَلِفُ (وَلَحْمًا نِيئًا وَلَوْ مَعَ عَظْمِهِ) ; لِأَنَّهُ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ (إنْ عُيِّنَ مَحِلٌّ يُقْطَعُ مِنْهُ) كَظَهْرٍ وَفَخِذٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي مَطْبُوخٍ وَمَشْوِيٍّ وَلَا فِي لَحْمٍ بِعَظْمِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَحِلَّ قَطْعٍ لِاخْتِلَافِهِ (وَ) ك (مَكِيلٍ) مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ وَدُهْنٍ وَلَبَنٍ وَنَحْوِهَا (وَ) ك (مَذْرُوعٍ) كَثِيَابٍ وَخُيُوطٍ (وَ) ك (مَعْدُودٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَلَوْ آدَمِيًّا) كَعَبْدٍ صِفَتُهُ كَذَا.
و (لَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي أَمَةٍ وَوَلَدِهَا) أَوْ أُخْتِهَا وَنَحْوِهِ لِنُدْرَةِ جَمْعِهِمَا فِي الصِّفَةِ.
(وَ) فِي حَيَوَانٍ (حَامِلٍ) لِجَهْلِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فَلَا تَأْتِي الصِّفَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا شَاةٌ لَبُونٌ (وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي فَوَاكِهَ مَعْدُودَةٍ) كَرُمَّانٍ وَكُمِّثْرَى وَخَوْخٍ وَإِجَّاصٍ لِاخْتِلَافِهَا وَلَوْ أَسْلَمَ فِيهَا وَزْنًا بِخِلَافِ نَحْوِ عِنَبٍ وَرُطَبٍ (وَ) لَا فِي (بُقُولٍ) لِاخْتِلَافِهَا وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِالْحَزْرِ.
(وَ) لَا فِي (جُلُودٍ) لِاخْتِلَافِهَا صِغَرًا وَكِبَرًا وَلَا يُمْكِنُ ذَرْعُهَا لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِهَا.
(وَ) لَا فِي (رُءُوسٍ وَأَكَارِعَ) أَكْثَرُهَا الْعِظَامُ وَالْمَشَافِرُ وَلَحْمُهَا قَلِيلٌ وَلَيْسَتْ مَوْزُونَةً.
(وَ) لَا فِي (بَيْضٍ وَنَحْوِهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ كَجَوْزٍ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ كِبَرًا وَصِغَرًا (وَ) لَا فِي (أَوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ رُءُوسًا وَأَوْسَاطًا كَقَمَاقِمَ) جَمْعُ قُمْقُمٍ بِضَمَّتَيْنِ لِاخْتِلَافِهَا
فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ رُءُوسُهَا وَأَوْسَاطِهَا صَحَّ السَّلَمُ فِيهَا.
(وَلَا فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ كَجَوْهَرٍ) وَلُؤْلُؤٍ وَمِرْجَانٍ وَعَقِيقٍ وَنَحْوِهَا لِاخْتِلَافِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا صِغَرًا وَكِبَرًا، وَحُسْنَ تَدْوِيرٍ وَزِيَادَةَ ضَوْءٍ وَصَفَاءٍ.
وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بَيْضَ عُصْفُورٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ وَلَا شَيْءَ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ.
(وَ) لَا فِي (مَغْشُوشِ أَثْمَانٍ) ; لِأَنَّ غِشَّهُ يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ (أَوْ يَجْمَعُ أَخْلَاطًا) مَقْصُودَةً (غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَمَعَاجِينَ) مُبَاحَةٍ.
(وَ) لَا فِي (نِدٍّ وَغَالِيَةٍ) لِعَدَمِ ضَبْطِهِمَا بِالصِّفَةِ (وَ) لَا فِي (قِسِيٍّ وَنَحْوِهَا) مِمَّا يَجْمَعُ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ قَدْرِ كُلٍّ مِنْهَا وَلَا تَمْيِيزُ مَا فِيهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا) أَيْ شَيْءٍ (فِيهِ لِمَصْلَحَتِهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَجُبْنٍ) فِيهِ نَفْحَةٌ (وَ) ك (خُبْزٍ) وَعَجِينٍ فِيهِ مَاءٌ وَمِلْحٍ (وَ) ك (خَلٍّ تَمْرٍ) وَزَبِيبٍ فِيهِ مَاءٌ (وَ) ك (سَكَنْجَبِينَ) وَهُوَ مَا يُجْمَعُ مِنْ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ فِيهِ خَلٌّ (وَنَحْوِهَا) كَشَيْرَجٍ فِيهِ مِلْحٌ ; لِأَنَّ الْخَلْطَ يَسِيرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْمُعَارَضَةِ لِمَصْلَحَةِ الْمَخْلُوطِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ (وَ) يَصِحُّ (فِيمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مُتَمَيِّزَةً كَثَوْبٍ) نُسِجَ (مِنْ نَوْعَيْنِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ أَوْ إبْرَيْسَمٍ وَقُطْنٍ.
(وَ) ك (نُشَّابِ وَنَبْلِ مُرَيَّشَيْنِ وَخِفَافٍ وَرِمَاحِ وَنَحْوهَا) ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِصِفَاتٍ لَا يَخْتَلِفُ ثَمَنُهَا مَعَهَا غَالِبًا (وَ) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي أَثْمَانٍ) خَالِصَةٍ ; لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا فَتَثْبُتُ سَلَمًا كَعُرُوضٍ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَغْشُوشَةٍ (وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَهَا) أَيْ الْأَثْمَانِ كَثَوْبٍ وَفَرَسٍ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ، وَلَا يَكُونُ رَأْسُ مَالِهَا فُلُوسًا لِمَا يَأْتِي.
(وَ) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي فُلُوسٍ) وَلَوْ نَافِقَةً وَزْنًا وَعَدَدًا عَلَى مَا فِي الْإِقْنَاعِ (وَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهَا عَرَضًا) لَا نَقْدًا ; لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالنَّقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ (وَ) يَصِحُّ (فِي عَرَضٍ بِعِوَضٍ) كَتَمْرٍ فِي فَرَسٍ وَحِمَارٍ فِي حِمَارٍ.
و (لَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (إنْ جَرَى بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ وَرَأْسُ مَالِهِ (رِبًا فِيهِمَا) أَيْ فِي إسْلَامِ عَرْضٍ فِي فُلُوسٍ وَعَرْضٍ فِي عَرْضٍ فَلَوْ أَسْلَمَ فِي فُلُوسٍ وَزْنِيَّةٍ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ فِي تَمْرٍ بُرًّا وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ مَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ أَوْ مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ نَسِيئَةً (وَإِنْ جَاءَهُ) أَيْ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلِمَ لِعَرْضٍ فِي عَرْضٍ (بِعَيْنِهِ) أَيْ عَيْنِ رَأْسِ الْمَالِ (عِنْدَ مَحَلِّهِ) أَيْ السَّلَمِ كَمَنْ أَسْلَمَ عَبْدًا صَغِيرًا فِي عَبْدٍ كَبِيرٍ إلَى عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا، فَجَاءَهُ بِعَيْنِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْحُلُولِ وَقَدْ كَبِرَ وَاتَّصَفَ بِصِفَاتِ السَّلَمِ (لَزِمَ) الْمُسْلِمَ (قَبُولُهُ) لِاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءَهُ بِغَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الذِّمَّةِ وَهَذَا عِوَضٌ عَنْهُ
وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةٌ كَمَنْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي كَبِيرَةٍ إلَى أَمَدٍ تَكْبَرُ فِيهِ بِصِفَاتِ الصَّغِيرَةِ اسْتَمْتَعَ بِهَا وَيَرُدُّهَا عِنْدَ الْأَمَدِ بِلَا عِوَضِ وَطْءٍ فَلَا يَصِحُّ.
(تَتِمَّةٌ) يَصِحُّ السَّلَمُ فِي السُّكَّرِ وَالْفَانِيذَ وَالدُّبْسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا مَسَّتْهُ نَارٌ ; لِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ فِيهِ مَعْلُومٌ عَادَةً يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالنُّشَافِ وَالرُّطُوبَةِ أَشَبَهَ الْمُجَفَّفَ بِالشَّمْسِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي ذِكْرُ مَا يُخْتَلَفُ بِهِ) مِنْ صِفَاتِ (ثَمَنِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (غَالِبًا) ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ كَالثَّمَنِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ النَّادِرَ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِ الصِّفَاتِ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ (كَنَوْعِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ جِنْسِهِ.
(وَ) ذِكْرُ (مَا يُمَيِّزُ مُخْتَلِفَهُ) أَيْ النَّوْعِ فَفِي نَحْوِ بُرْتُقَالٍ صَعِيدِيٍّ أَوْ بُحَيْرِيٍّ بِمِصْرَ وَحُورَانِيٍّ أَوْ شَمَالِيٍّ بِالشَّامِ (وَ) ذِكْرُ (قَدْرِ حَبٍّ) كَصِغَارِ حَبٍّ أَوْ كِبَارٍ، مُتَطَاوَلِ الْحَبِّ أَوْ مُدَوَّرِهِ.
(وَ) ذِكْرُ (لَوْنٍ) كَأَحْمَرَ أَوْ أَبْيَضَ (إنْ اخْتَلَفَ) ثَمَنُهُ بِذَلِكَ لِيَتَمَيَّزَ بِالْوَصْفِ.
(وَ) ذِكْرُ (بَلَدِهِ) أَيْ الْحَبِّ فَيَقُولُ مِنْ بَلَدِ كَذَا بِشَرْطِ أَنْ تَبْعُدَ الْآفَةُ فِيهَا.
(وَ) ذِكْرُ (حَدَاثَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَضِدِّهِمَا) فَيَقُولُ حَدِيثٌ أَوْ قَدِيمٌ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ وَيُبَيِّنُ قِدَمَ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ وَنَحْوِهِ وَيُبَيِّنُ كَوْنَهُ مُشْعِرًا أَيْ بِهِ شَعِيرٌ وَنَحْوُهُ أَوْ زَرْعِيٌّ.
(وَ) ذِكْرُ (سِنِّ حَيَوَانٍ) وَيَرْجِعُ فِي سِنِّ رَقِيقٍ بَالِغٍ إلَيْهِ وَإِلَّا فَقَوْلُ سَيِّدِهِ فَإِنْ جَهِلَهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ تَقْرِيبًا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَيَذْكُرُ نَوْعَهُ كَضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ ثَنِيٍّ أَوْ جَذَعٍ (وَ) ذِكْرُ مَا يُمَيِّزُ مُخْتَلِفَهُ فَيَقُولُ (ذَكَرًا وَسَمِينًا وَمَعْلُوفًا وَكَبِيرًا أَوْ ضِدَّهَا) كَالْأُنْثَى وَهَزِيلٍ وَرَاعٍ وَفِي إبِلٍ، فَيَقُولُ: بُخْتِيَّةٌ أَوْ عِرَابِيَّةٌ أَوْ بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ لَبُونٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَبَيْضَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ وَنَحْوُهُمَا وَمِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ وَكَذَا خَيْلٌ وَتُنْسَبُ بِغَالٌ وَحَمِيرٌ لِبَلَدِهَا.
(وَ) فِي صَيْدٍ يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ نَوْعِهِ وَمَا يُمَيِّزُ مُخْتَلِفَهُ (صَيْدَ أُحْبُولَةٍ أَوْ) صَيْدَ (كَلْبٍ أَوْ) صَيْدَ (صَقْرٍ) أَوْ شَبَكَةٍ أَوْ فَخٍّ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّ صَيْدَ الْأُحْبُولَةِ سَلِيمٌ، وَالْكَلْبِ أَطْيَبُ نَكْهَةً مِنْ الْفَهْدِ وَيَذْكُرُ فِي تَمْرٍ النَّوْعَ، كَصَيْحَانِيٍّ وَالْجَوْدَةَ وَالْكِبَرَ أَوْ ضِدَّهُمَا، وَالْبَلَدَ نَحْوَ بَغْدَادِيٍّ ; لِأَنَّهُ أَحْلَى وَأَقَلُّ بَقَاءً لِعُذُوبَةِ مَائِهِ وَالْبَصْرِيُّ بِخِلَافِهِ وَالْحَدَاثَةَ فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقُ أَجْزَأَ وَإِنْ شَرَطَ عَتِيقٌ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ فَلَهُ شَرْطُهُ وَكَذَا الرُّطَبُ إلَّا الْحَدَاثَةَ وَلَا يَأْخُذُ إلَّا مَا أَرْطَبَ كُلُّهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ مَشْدُوخٍ وَلَا مَا قَارَبَ أَنْ يُتْمِرَ
وَيَذْكُرُ فِي عَسَلٍ جِنْسَهُ كَنَحْلٍ أَوْ قَصَبٍ وَبَلَدَهُ وَزَمَنَهُ، كَرَبِيعِيٍّ أَوْ صَيْفِيٍّ وَلَوْنَهُ كَأَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُصَفًّى مِنْ شَمْعَةٍ، وَفِي سَمْنٍ نَوْعَهُ كَسَمْنِ بَقَرٍ أَوْ ضَأْنٍ، وَلَوْنَهُ كَأَصْفَرَ أَوْ أَبْيَضَ، وَمَرْعَاهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْحَدَاثَةِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِيهَا وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَلَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ وَيَذْكُرُ فِي اللَّبَنِ النَّوْعَ وَالْمَرْعَى وَفِي حِينِ النَّوْعِ وَالْمَرْعَى، وَرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ، وَفِي ثَوْبٍ النَّوْعَ وَالْبَلَدَ وَاللَّوْنَ وَالطُّولَ وَالْعَرْضَ وَالْخُشُونَةَ وَالصَّفَاقَةَ وَضِدَّهَا.
فَإِنْ زَادَ الْوَزْنُ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ، وَفِي غَزْلٍ اللَّوْنَ وَالنَّوْعَ وَالْبَلَدَ وَالْوَزْنَ وَالْغِلَظَ وَالرِّقَّةَ، وَفِي صُوفٍ وَنَحْوِهِ ذِكْرُ بَلَدٍ وَلَوْنٍ وَطُولٍ أَوْ قِصَرٍ وَذُكُورَةٍ أَوْ أُنُوثَةٍ وَزَمَانٍ، وَفِي كَاغِدٍ يَذْكُرُ بَلَدًا وَطُولًا وَعَرْضًا وَغِلَظًا أَوْ رِقَّةً، وَاسْتِوَاءُ الصِّفَةِ وَاللَّوْنِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ وَهَكَذَا.
(وَ) فِي رَقِيقٍ ذِكْرُ نَوْعٍ كَرُومِيٍّ أَوْ حَبَشِيٍّ أَوْ زِنْجِيٍّ ; و (طُولِ رَقِيقٍ بِشِبْرٍ) .
قَالَ أَحْمَدُ: يَقُولُ خُمَاسِيٌّ سُدَاسِيٌّ أَعْجَمِيٌّ أَوْ فَصِيحٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى (وَكَحِلًا أَوْ دَعِجًا وَبَكَارَةً أَوْ ثُيُوبَةً وَنَحْوَهَا) كَسِمَنٍ وَهُزَالٍ وَسَائِرِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ ثَمَنُهُ وَالْكَحَلُ سَوَادُ الْعَيْنِ مَعَ سِعَتِهَا وَالدَّعَجُ أَنْ يَعْلُوَ الْأَجْفَانَ سَوَادٌ خِلْقَةً مَوْضِعُ الْكُحْلِ ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ وَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِ الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ وَإِنْ شَرَطَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْحُسْنِ، كَأَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ أَزَجَّ الْحَاجِبَيْنِ لَزِمَهُ.
(وَ) ذِكْرُ (نَوْعِ طَيْرٍ) كَحَمَامٍ وَكُرْكِيٍّ (وَ) ذِكْرُ (لَوْنِهِ وَكِبَرِهِ) إنْ اخْتَلَفَ بِهِ لَا ذُكُورِيَّةً وَأُنُوثِيَّةً إلَّا فِي نَحْوِ دَجَاجٍ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِهَا وَلَا إلَى مَوْضِعِ اللَّحْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُؤْخَذُ بَعْضُهُ كَالنَّعَامِ وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ رَأْسٍ وَسَاقَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ عَلَيْهَا (وَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ أَجْوَدَ) لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَا مِنْ جَيِّدٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ وُجُودُ أَجْوَدَ مِنْهُ (أَوْ أَرْدَأَ) ; لِأَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَطُولُ فِي الْأَوْصَافِ بِحَيْثُ يَنْتَهِي إلَى حَالٍ يَنْدُرُ وُجُودُ الْمُسْلَمُ فِيهِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ (وَلَهُ) أَيْ الْمُسْلَمُ (أَخْذُ دُونَ مَا وَصَفَ) مِنْ جِنْسِهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ رَضِيَ بِدُونِهِ.
(وَ) لَهُ أَخْذُ (غَيْرِ نَوْعِهِ) كَمَعْزٍ عَنْ ضَأْنٍ وَجَوَامِيسَ عَنْ بَقَرٍ (مِنْ جِنْسِهِ) ; لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ (أَخْذُ أَجْوَدَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا أَسْلَمَ فِيهِ (مِنْ نَوْعِهِ) ; لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَزَادَهُ نَفْعًا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَلَوْ أَجْوَدَ مِنْهُ كَضَأْنٍ عَنْ مَعْزٍ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا وَصَفَاهُ عَلَى شَرْطِهِمَا وَالنَّوْعُ صِفَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَ غَيْرُهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَإِنْ رَضِيَا جَازَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَلَحْمِ بَقَرٍ عَنْ ضَأْنٍ لَمْ يَجُزْ
وَلَوْ رَضِيَا لِحَدِيثِ «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهُ بِيعَ بِخِلَافِ غَيْرِ نَوْعِهِ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ قَضَاءٌ لِلْحَقِّ (وَيَجُوزُ) لِمُسْلِمٍ (رَدُّ) سَلَمٍ (مَعِيبٍ) أَخَذَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ وَيَطْلُبُ بَدَلَهُ.
(وَ) لَهُ (أَخْذُ أَرْشِهِ) مَعَ إمْسَاكِهِ كَمَبِيعٍ غَيْرِ سَلَمٍ.
(وَ) لِمُسْلَمٍ إلَيْهِ أَخْذُ (عِوَضِ زِيَادَةِ قَدْرٍ) دَفَعَهُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي قَفِيزٍ فَجَاءَهُ بِقَفِيزَيْنِ لِجَوَازِ إفْرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِالْبَيْعِ وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ عِوَضٍ (جَوْدَةً) إنْ جَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِمَّا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ (وَلَا) أَخْذُ عِوَضِ (نَقْصِ رَدَاءَةٍ) لَوْ جَاءَ بِأَرْدَأَ لِمَا سَبَقَ
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ) ذِكْرُ (قَدْرِ كَيْلٍ فِي مَكِيلٍ، وَ) قَدْرِ (وَزْنٍ فِي مَوْزُونٍ، وَ) قَدْرِ (ذَرْعٍ فِي مَذْرُوعٍ مُتَعَارَفٍ) أَيْ الْمِكْيَالِ وَالرَّطْلِ مَثَلًا وَالذِّرَاعِ (فِيهِنَّ) عِنْدَ الْعَامَّةِ لِحَدِيثِ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتَرَطَ مَعْرِفَةَ قَدْرِهِ كَالثَّمَنِ.
(فَلَا يَصِحُّ) سَلَمٌ.
(فِي مَكِيلٍ) كَلَبَنٍ وَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ وَتَمْرٍ (وَزْنًا، وَلَا فِي مَوْزُونٍ كَيْلًا) نَصًّا ; لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ كَبَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَلِأَنَّهُ قَدَّرَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَذْرُوعٍ وَزْنًا (وَلَا) يَصِحُّ (شَرْطُ صِحَّةٍ، أَوْ مِكْيَالٍ، أَوْ ذِرَاعٍ لَا عُرْفَ لَهُ) ; لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ فَاتَ الْعِلْمُ بِهِ وَلِأَنَّهُ غَرَرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَقْدُ (فَإِنْ عَيَّنَ فَرْدًا مِمَّا لَهُ عُرْفٌ) بِأَنْ قَالَ: رِطْلُ فُلَانٍ، أَوْ مِكْيَالِهِ، أَوْ ذِرَاعُهُ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ (صَحَّ الْعَقْدُ) لِلْعِلْمِ بِهَا (دُونَ التَّعْيِينِ) فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ لِمَا لَا يَلْزَمُ
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ) نَصًّا لِلْخَبَرِ فَأَمَرَ بِالْأَجَلِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ جَازَ لِلرِّفْقِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْأَجَلِ فَإِنْ انْتَفَى الْأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ فَلَا يَصِحُّ، كَالْكِتَابَةِ وَالْحُلُولُ يُخْرِجُهُ عَنْ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ بِخِلَافِ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنَى التَّأْجِيلِ (لَهُ) أَيْ الْأَجَلِ (وَقَعَ فِي الثَّمَنِ عَادَةً) ; لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَجَلِ لِتَحْقِيقِ الرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُدَّةٍ لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ (كَشَهْرٍ وَنَحْوِهِ) مِثَالٌ لِمَا لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ.
وَفِي الْكَافِي: كَنِصْفِهِ.
(وَيَصِحُّ) أَنْ يُسْلِمَ (فِي جِنْسَيْنِ) كَأُرْزٍ، وَعَسَلٍ (إلَى أَجَلٍ) وَاحِدٍ (إنْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) مِنْهُمَا فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَصِحَّ.
(وَ) يَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ (فِي جِنْسٍ) وَاحِدٍ (إلَى أَجَلَيْنِ) كَسَمْنٍ يَأْخُذُ بَعْضَهُ فِي رَجَبٍ، وَبَعْضَهُ فِي رَمَضَانَ ; لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ
إلَى أَجَلٍ جَازَ إلَى أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ (إنْ بَيَّنَ قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ وَثَمَنَهُ) ; لِأَنَّ الْأَجَلَ الْأَبْعَدَ لَهُ زِيَادَةُ وَقْعٍ عَلَى الْأَقْرَبِ، فَمَا يُقَابِلُهُ أَقَلُّ فَاعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ قِسْطِهِ وَثَمَنِهِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ جِنْسَيْنِ: كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فِي جِنْسٍ كَأُرْزٍ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يُسْلَمَ فِي شَيْءٍ) كَلَحْمٍ وَخُبْزٍ وَعَسَلٍ (يَأْخُذُهُ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا مَعْلُومًا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ قِسْطٍ أَوْ لَا لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَمَتَى قَبَضَ الْبَعْضَ وَتَعَذَّرَ الْبَاقِي رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجْعَلُ لِلْمَقْبُوضِ فَضْلًا عَلَى الْبَاقِي ; لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ فَقَسَّطَ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ أَوْ بَاعَ) مُطْلَقًا أَوْ لِمَجْهُولٍ (أَوْ أَجَّرَ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يَعِدْ بِغَايَةٍ (أَوْ) جَعَلَهَا (ل) أَجَلٍ (مَجْهُولٍ كَحَصَادٍ وَجِذَاذٍ وَنَحْوِهِمَا) كَنُزُولِ مَطَرٍ لَمْ يَصِحَّ غَيْرُ بَيْعٍ، لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَلِأَنَّ الْحَصَادَ وَنَحْوَهُ يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَكَذَا لَوْ أَبْهَمَ الْأَجَلَ كَإِلَى وَقْتٍ أَوْ زَمَنٍ (أَوْ جَعَلَهَا إلَى عِيدٍ، أَوْ رَبِيعٍ، أَوْ جُمَادَى، أَوْ النَّفْرِ لَمْ يَصِحَّ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَلَمٍ وَإِجَارَةٍ وَخِيَارِ شَرْطٍ لِلْجَهَالَةِ (غَيْرُ الْبَيْعِ) فَيَصِحُّ حَالًّا وَتَقَدَّمَ فَإِنْ عَيَّنَ عِيدَ فِطْرٍ، أَوْ أَضْحَى، أَوْ رَبِيعَ أَوَّلٍ أَوْ ثَانٍ، أَوْ جُمَادَى كَذَلِكَ، أَوْ النَّفْرَ الْأَوَّلُ وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ الثَّانِي وَهُوَ ثَالِثُهَا صَحَّتْ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (وَإِنْ قَالَا) أَيْ عَاقِدَا سَلَمٍ: (مَحَلُّهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْكَسْرُ لُغَةً: مَوْضِعُ الْحُلُولِ (رَجَبٌ أَوْ) مَحَلُّهُ (إلَيْهِ) أَيْ رَجَبٍ (أَوْ) مَحَلُّهُ (فِيهِ) أَيْ رَجَبٍ.
(وَنَحْوُهُ) كَشَعْبَانَ (صَحَّ) السَّلَمُ (وَحَلَّ) مُسْلَمٌ فِيهِ (بِأَوَّلِهِ) أَيْ رَجَبٍ وَنَحْوِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقُ إلَى رَجَبٍ أَوْ فِيهِ وَلَيْسَ مَجْهُولًا لِتَعَلُّقِهِ بِأَوَّلِهِ (وَ) إنْ قَالَا: مَحِلُّهُ (إلَى أَوَّلِهِ) أَيْ شَهْرِ كَذَا (أَوْ) إلَى (آخِرِهِ، يَحِلُّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَتَعْلِيقِ طَلَاقٍ (وَلَا يَصِحُّ) إنْ قَالَا (يُؤَدِّيهِ فِيهِ) أَيْ فِي شَهْرِ كَذَا لِجَعْلِهِ ظَرْفًا فَيَشْمَلُ أَوَّلَهُ وَآخِرِهِ فَهُوَ مَجْهُولٌ (وَيَصِحُّ) تَأْجِيلُهُ (لِشَهْرٍ وَعِيدٍ رُومِيَّيْنِ إنْ عُرِفَا) كَشُبَاطِ وَالنَّيْرُوزِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُمَا ; لِأَنَّهُمَا مَعْلُومَانِ، لَا يَخْتَلِفَانِ أَشْبَهَا أَشْهُرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْيَادُهُمْ بِخِلَافِ الشَّعَانِينَ، وَعِيدِ الْفَطِيرِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَدِينٍ) أَيْ مُسْلَمٍ إلَيْهِ (فِي قَدْرِهِ) أَيْ الْأَجَلِ.
(وَ) فِي عَدَمِ (مُضِيِّهِ) بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى الْأَجَلَ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ ; وَلِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ الْأَصْلُ.
(وَ) يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي (مَكَانِ تَسْلِيمٍ) نَصًّا إذْ
الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ مُؤْنَةِ نَقْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ ادَّعَى الْمُسْلِمُ شَرْطَ التَّسْلِيمِ فِيهِ (وَمَنْ أُتِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِمَالِهِ) أَيْ دَيْنِهِ (مِنْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَبْلَ مَحِلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ: أَيْ حُلُولِهِ.
(وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ (فِي قَبْضِهِ) كَخَوْفٍ، وَتَحَمُّلِ مُؤْنَةٍ، أَوْ اخْتِلَافِ قَدِيمِهِ وَحَدِيثِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ رَبَّ الدَّيْنِ قَبْضُهُ نَصًّا لِحُصُولِ غَرَضِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ: كَالْأَطْعِمَةِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْحَيَوَانِ أَوْ الزَّمَنِ مَخُوفًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي مَحِلِّهِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ قَبْضُهُ مُطْلَقًا كَمَبِيعٍ مُعَيَّنٍ.
(فَإِنْ أَبَى) قَبْضَهُ حَيْثُ لَزِمَهُ (قَالَ لَهُ حَاكِمٌ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ أَوْ تُبْرِئَ) مِنْ الْحَقِّ.
(فَإِنْ أَبَاهُمَا) أَيْ الْقَبْضَ وَالْإِبْرَاءَ (قَبَضَهُ) الْحَاكِمُ (لَهُ) أَيْ رَبِّ الدَّيْنِ: لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ كَمَا يَأْتِي فِي السَّيِّدِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِ الْكِتَابَةِ (وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ) مَدِينِ (غَيْرِهِ فَأَبَى رَبُّهُ) أَيْ الدَّيْنِ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَدِينِ (أَوْ أَعْسَرَ) زَوْجٌ (بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْسِرْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (فَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ) أَيْ مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا (فَأَبَتْ) الزَّوْجَةُ قَبُولَ نَفَقَتِهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ (لَمْ يُجْبَرَا) أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ وَالزَّوْجَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمَا (وَمَلَكَتْ) الزَّوْجَةُ (الْفَسْخَ) لِإِعْسَارِ زَوْجِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَبْذُلْهَا أَحَدٌ فَإِنْ مَلَّكَهُ لِمَدِينٍ وَزَوْجٍ، وَقَبَضَاهُ، وَدَفَعَاهُ لَهُمَا أُجْبِرَا عَلَى قَبُولِهِ وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ، وَتُسَلَّمُ الْحُبُوبُ نَقِيَّةً مِنْ تِبْنٍ وَعُقَدٍ وَنَحْوِهَا، وَتُرَابٍ إلَّا يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي كَيْلٍ، وَالتَّمْرُ جَافًّا
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ: غَلَبَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ فِي مَحِلِّهِ) أَيْ عِنْدَ حُلُولِهِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ عُدِمَ وَقْتَ عَقْدِ كَسَلَمٍ فِي رُطَبٍ، وَعِنَبٍ فِي الشِّتَاءِ إلَى الصَّيْفِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ غَالِبًا عِنْدَ وُجُوبِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ بَلْ أَوْلَى.
(وَيَصِحُّ) سَلَمٌ (إنْ عَيَّنَ) مُسْلَمٌ فِيهِ مِنْ (نَاحِيَةٍ تَبْعُدُ فِيهَا آفَةٌ) كَتَمْرِ الْمَدِينَةِ، و.
(لَا) يَصِحُّ السَّلَمُ إنْ عَيَّنَ (قَرْيَةً صَغِيرَةً أَوْ بُسْتَانًا وَلَا) إنْ أَسْلَمَ فِي شَاةٍ (مِنْ غَنَمِ زَيْدٍ، أَوْ أَسْلَمَ) فِي بَعِيرٍ مِنْ (نِتَاجِ فَحْلِهِ، أَوْ فِي) ثَوْبٍ (مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ) كَفِي عَبْدٍ مِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ أَسْلَفَ إلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ، وَلَا تَلَفُ الْمُسْلَمِ فِي مِثْلِهِ، أَشْبَهَ تَقْدِيرَهُ بِنَحْوِ مِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ (وَإِنْ أَسْلَمَ إلَى مَحِلٍّ) أَيْ وَقْتٍ (يُوجَدُ فِيهِ) مُسْلَمٌ فِيهِ
(عَامًّا، فَانْقَطَعَ وَيُحَقَّقُ بَقَاؤُهُ لَزِمَهُ تَحْصِيلُهُ) وَلَوْ شَقَّ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ) مُسْلَمٌ فِيهِ (أَوْ) تَعَذَّرَ (بَعْضُهُ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ (خُيِّرَ) مُسْلِمٌ (بَيْنَ صَبْرٍ) إلَى وُجُودِهِ، فَيُطَالِبُ بِهِ.
(أَوْ فَسْخٍ فِيمَا تَعَذَّرَ) مِنْهُ كَمَنْ اشْتَرَى قِنًّا فَأَبَقَ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَيَرْجِعُ) إنْ فَسَخَ لِتَعَذُّرِهِ كُلِّهِ (بِرَأْسِ مَالِهِ) إنْ وُجِدَ (أَوْ عِوَضِهِ) إنْ عُدِمَ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ وَإِنْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ إلَى ذِمِّيٍّ فِي خَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، رَجَعَ مُسْلِمٌ بِرَأْسِ مَالِهِ، أَوْ عِوَضِهِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ الْإِيفَاءِ.
الشَّرْطُ (السَّادِسِ: قَبْضُ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ السَّلَمِ (قَبْلَ تَفَرُّقٍ) مِنْ مَجْلِسِ عَقْدٍ تَفَرُّقًا يُبْطِلُ خِيَارَ مَجْلِسٍ، لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَاسْتَنْبَطَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَلْيُسْلِفْ " أَيْ فَلْيُعْطِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ السَّلَفِ فِيهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا أَسْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ أَسْلَفَهُ وَتَقَدَّمَ فِي الصَّرْفَ لَوْ قَبَضَ بَعْضَهُ (وَكَقَبْضٍ) فِي الْحُكْمِ (مَا بِيَدِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ) وَنَحْوُهُ فَيَصِحُّ جَعْلُهُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ وَقَوْلُهُ " أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ " بَدَلٌ مِنْ " مَا ".
وَ (لَا) يَصِحُّ جَعْلُ (مَا فِي ذِمَّتِهِ) رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ ; لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ فَإِذَا كَانَ رَأْسُ مَالٍ دَيْنًا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ بِخِلَافِ أَمَانَةٍ وَغَصْبٍ وَلَوْ عَقَدَا عَلَى نَحْوِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي نَحْوِ كُرِّ طَعَامٍ بِشَرْطِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مِنْهَا خَمْسِينَ وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْكُلِّ، وَلَوْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ; لِأَنَّ لِلْمُعَجَّلِ فَضْلًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤَجَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ (وَتُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ) أَيْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.
(وَ) مَعْرِفَةُ (صِفَتِهِ) ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فَسْخُ السَّلَمِ لِتَأَخُّرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مَالٍ لِيُرَدَّ بَدَلُهُ كَالْقَرْضِ، وَاعْتُبِرَ التَّوَهُّمُ هُنَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِهِ وَإِنَّمَا جُوِّزَ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا (فَلَا تَكْفِي مُشَاهَدَتُهُ) أَيْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ كَمَا لَوْ عَقَدَاهُ بِصُبْرَةٍ لَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهَا وَوَصْفَهَا.
(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ كَجَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ) كَكُتُبٍ (وَيُرَدُّ) مَا قُبِضَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَأْسُ مَالِ سَلَمٍ لِفَسَادِ الْعَقْدِ (إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا) يُوجَدْ (فَقِيمَتُهُ) وَلَوْ مِثْلِيًّا، قَالَ فِي شَرْحِهِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ (فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهَا) أَيْ الْقِيمَةِ أَيْ قَدْرِهَا (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ) بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَإِذَا تَعَذَّرَ) قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَا أَعْرِفُ قِيمَةَ مَا قَبَضْتُهُ (فَ) عَلَيْهِ (قِيمَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ مُؤَجَّلَةً) بِأَجَلِ السَّلَمِ إذْ الظَّاهِرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وُقُوعُهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ فِي قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَبَضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ
فَقَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَإِنْ وَجَدَهُ مَغْصُوبًا أَوْ مَعِيبًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ، إنْ عُيِّنَ أَوْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَخْذِ بَدَلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ فَلَهُ إمْسَاكُهُ مَعَ أَرْشِهِ وَرَدُّهُ، وَطَلَبُ بَدَلِ مَا فِي الذِّمَّةِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ.
الشَّرْطُ (السَّابِعُ أَنْ يُسْلَمَ فِي ذِمَّةٍ) وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَعْضُهُمْ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِذِكْرِ الْأَجَلِ، إذْ الْمُؤَجَّلُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذِمَّةٍ (فَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي عَيْنٍ كَشَجَرَةٍ نَابِتَةٍ وَنَحْوِهَا) ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَيْعُهَا فِي الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى السَّلَمِ فِيهِ.
[فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي السَّلَمِ ذِكْرُ مَكَان الْوَفَاءِ]
ِ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ وَكَبَاقِي الْبُيُوعِ (إنْ لَمْ يُعْقَدْ بِبَرِّيَّةٍ وَسَفِينَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَدَارِ حَرْبٍ وَجَبَلٍ غَيْرِ مَسْكُونٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَيَكُونُ مَحِلُّ التَّسْلِيمِ مَجْهُولًا فَاشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ بِالْقَوْلِ كَالزَّمَانِ (وَيَجِبُ) الْوَفَاءُ (مَكَانَ عَقْدِ) السَّلَمِ إذَا كَانَ مَحَلَّ إقَامَةٍ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِهِ
(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْوَفَاءِ (فِيهِ) أَيْ مَكَانِ الْعَقْدِ (مُؤَكَّدٌ) ; لِأَنَّهُ شَرْطُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَا يُؤَثِّرُ
(وَإِنْ دَفَعَ مُسْلَمٌ) إلَيْهِ السَّلَمَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ الْمَكَانِ الَّذِي شُرِطَ بِهِ إنْ عُقِدَ بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ أَوْ مَكَانِ الْعَقْدِ إنْ عُقِدَ بِغَيْرِ نَحْوِ بَرِّيَّةٍ (إلَّا مَعَ أُجْرَةِ حَمْلِهِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ (صَحَّ) أَيْ جَازَ الدَّفْعُ لِتَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ وَبَرِئَ دَافِعٌ (كَ) مَا يَصِحُّ (شَرْطُهُ) أَيْ الْوَفَاءِ (فِيهِ) أَيْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْعَقْدِ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ فَإِنْ دَفَعَهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ وَدَفَعَ مَعَهُ أُجْرَةَ حَمْلِهِ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ تَرَاضَيَا ; لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ بَعْضِ السَّلَمِ
(وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ بِمُسْلَمٍ فِيهِ) رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَالضَّمَانُ يُقِيمُ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مَقَامَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ عَنْهُ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ، وَرَدَّهُ الْمُوَفَّقُ
(وَلَا) يَصِحُّ (اعْتِيَاضٌ عَنْهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُهُ أَوْ) بَيْعُ (رَأْسِ مَالِهِ) الْمَوْجُودِ (بَعْدَ فَسْخِ) عَقْدٍ (وَقَبْلَ قَبْضِ) رَأْسِ مَالِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ (لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَا حَوَالَةَ بِهِ وَلَا) حَوَالَةَ (عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضَمْنَ وَحَدِيثِ «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ»
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ أَشْبَهَ الْمَكِيلَ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَيْضًا فَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ أَشْبَهَ الْمُسْلَمَ فِيهِ
(وَتَصِحُّ هِبَةُ كُلِّ دَيْنٍ) سَلَمٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِمَدِينٍ) ; لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، فَإِنْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ، وَاقْتِضَاءِ الْهِبَةِ وُجُودَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ
(وَ) يَصِحُّ (بَيْعُ) دَيْنٍ (مُسْتَقِرٍّ مِنْ ثَمَنٍ وَقَرْضٍ وَمَهْرٍ بَعْدَ دُخُولٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُهُ (وَأُجْرَةٍ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ) كَجُعْلٍ بَعْدَ عَمَلٍ وَعِوَضِ نَحْوِ خُلْعٍ (لِمَدِينٍ) فَقَطْ (بِشَرْطِ قَبْضِ عِوَضِهِ قَبْلَ تَفَرُّقٍ) لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعٍ فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
فَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ عِوَضٌ بِالْمَجْلِسِ لَمْ يَصِحَّ (أَيْ بَيْعُ) الدَّيْنِ (بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً) كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَبُرٍّ بِشَعِيرٍ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) بَيْعُ الدَّيْنِ (بِمَوْصُوفٍ فِي ذِمَّةٍ) وَلَمْ يُقْبَضْ بِالْمَجْلِسِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَإِنْ بِيعَ مَكِيلٌ بِمَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ وَعَكْسِهِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ عِوَضُهُ بِالْمَجْلِسِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ دَيْنٍ مُطْلَقًا (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَشْبَهَ الْآبِقَ
(وَلَا) بَيْعُ دَيْنٍ (غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ كَدَيْنِ كِتَابَةٍ وَنَحْوِهِ) كَأُجْرَةٍ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ نَفْعِهَا ; لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ غَيْرُ تَامٍّ
(وَتَصِحُّ إقَالَةُ فِي سَلَمٍ) ; لِأَنَّهَا فَسْخٌ (وَ) تَصِحُّ إقَالَةٌ فِي (بَعْضِهِ) ; لِأَنَّهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَكُلُّ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ صَحَّ فِي شَيْءٍ صَحَّ فِي بَعْضِهِ كَالْإِبْرَاءِ (بِدُونِ) مُتَعَلِّقٌ ب تَصِحُّ (قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ لِلسَّلَمِ إنْ وُجِدَ.
(وَ) بِدُونِ قَبْضِ (عِوَضِهِ) أَيْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ
(إنْ تَعَذَّرَ) رَأْسُ الْمَالِ لِتَلَفِهِ (فِي مَجْلِسِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَبْضٍ ; لِأَنَّهَا فَسْخٌ فَإِذَا حَصَلَتْ بَقِيَ الثَّمَنُ بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ ذِمَّتِهِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ كَالْقَرْضِ (وَيُفْسَخُ) سَلَمٌ.
(يَجِبُ) عَلَى مُسْلَمٍ إلَيْهِ (رَدُّ مَا أَخَذَ) مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ بَقِيَ لِرُجُوعِهِ لِمُشْتَرٍ (وَإِلَّا) يَكُنْ بَاقِيًا (فَ) عَلَيْهِ (مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا (ثُمَّ قِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، أَوْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ ; لِأَنَّ مَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ رُجِعَ بِبَدَلِهِ
(فَإِنْ أَخَذَ بَدَلَهُ ثَمَنًا) أَيْ نَقْدًا (وَهُوَ ثَمَنٌ فَ) هُوَ (صَرْفٌ) لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ بِأَنْ كَانَ الْمُعَوَّضَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عِوَضًا.
(يَجُوزُ تَفَرُّقٌ قَبْلَ قَبْضٍ) إنْ لَمْ يَتَّفِقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا أَوْ يُعَوِّضْ عَنْهُ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ
(وَمَنْ لَهُ سَلَمٌ وَعَلَيْهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ فَقَالَ: لِغَرِيمِهِ اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِك) فَفَعَلَ (لَمْ يَصِحَّ) قَبْضُهُ (لِنَفْسِهِ) ; لِأَنَّهُ حَوَالَةٌ بِهِ (وَلَا) قَبْضُهُ
(لِلْآمِرِ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ فِي قَبْضِهِ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ، فَيُرَدُّ لِمُسْلَمٍ إلَيْهِ (وَصَحَّ) قَبْضُهُ لَهُمَا إنْ قَالَ اقْبِضْهُ (لِي ثُمَّ) اقْبِضْهُ (لَكَ) لِاسْتِنَابَتِهِ فِي قَبْضِهِ لَهُ ثُمَّ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ لِمُوَكِّلِهِ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةً وَتَقَدَّمَ يَصِحُّ قَبْضُ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ سَلَمٍ لِغَرِيمِهِ (أَنَا أَقْبِضُهُ) أَيْ السَّلَمَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُ) صَحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ لِوُجُودِ قَبْضِهِ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ (أَوْ) قَالَ رَبُّ سَلَمٍ لِغَرِيمِهِ (أَحْضِرْ كُتَيِّبًا لِي مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ (لِأَقْبِضَهُ لَك) فَفَعَلَ (صَحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ: لِأَقْبِضَهُ لَك ; لِأَنَّ الْقَبْضَ مَعَ نِيَّتِهِ لِغَرِيمِهِ كَمَعَ نِيَّتِهِ لِنَفْسِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَبْضًا لِغَرِيمِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ لَهُ بِالْكَيْلِ فَإِنْ قَبَضَهُ بِدُونِهِ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ لِفَسَادِ الْقَبْضِ وَتَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الدَّافِعِ
(وَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ تَرَكَ الْقَابِضُ الْمَقْبُوضَ (بِمِكْيَالِهِ وَأَقْبَضَهُ لِغَرِيمِهِ صَحَّ) الْقَبْضُ (لَهُمَا) ; لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَكِيلِ كَابْتِدَائِهِ، وَقَبْضُ الْآخَرِ لَهُ فِي مِكْيَالِهِ جَرَى لِصَاعِهِ فِيهِ
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ قَابِضِ) السَّلَمِ أَوْ غَيْرِهِ (جُزَافًا فِي قَدْرِهِ) أَيْ الْمَقْبُوضِ بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزَّائِدَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُ) مَنْ قَبَضَ مَكِيلًا وَنَحْوِهِ جُزَافًا (فِي قَدْرِ حَقِّهِ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ) بِمِعْيَارِهِ لِفَسَادِ الْقَبْضِ وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُ (قَابِضٍ) وَلَا مُقْبِضٍ (بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ) وَنَحْوِهِ (دَعْوَى غَلَطٍ وَنَحْوِهِ) كَسَهْوٍ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ
(وَمَا قَبَضَهُ) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَأَكْثَرُ (مِنْ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بِإِرْثٍ أَوْ إتْلَافِ) عَيْنٍ مُشْتَرَكَةٍ (أَوْ) ب (عَقْدٍ) كَبَيْعِ مُشْتَرَكٍ أَوْ إجَارَتِهِ (أَوْ) ب (ضَرِيبَةٍ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا وَاحِدٌ) كَوَقْفٍ عَلَى عَدَدٍ مَحْصُورٍ (فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذٍ مِنْ غَرِيمٍ) لِبَقَاءِ اشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ (أَوْ) أَخْذٍ مِنْ (قَابِضٍ) لِلِاسْتِوَاءِ فِي الْمِلْكِ وَعَدَمِ تَمْيِيزِ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا مِنْ حِصَّةِ الْآخَرِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِهِ (وَلَوْ بَعْدَ تَأْجِيلِ الطَّالِبِ لِحَقِّهِ) لِمَا سَبَقَ (مَا لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ) أَيْ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ فِي نَصِيبِهِ فَقَبَضَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يُحَاصِصْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ اقْبِضْ لَك (أَوْ) مَا لَمْ (يُتْلَفْ) مَقْبُوضٌ (فَيُتَعَيَّنُ غَرِيمٌ) وَالتَّالِفُ مِنْ حِصَّةِ قَابِضٍ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا لِعَدَمِ تَعَدِّيه ; لِأَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ وَإِنَّمَا شَارَكَهُ لِثُبُوتِهِ مُشْتَرَكًا مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لَوْ أَخْرَجَهُ الْقَابِضُ بِرَهْنٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ، كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ
(وَمَنْ اسْتَحَقَّ) أَيْ تَجَدَّدَ لَهُ دَيْنٌ (عَلَى غَرِيمِهِ مِثْلُ مَالِهِ عَلَيْهِ) مِنْ
دَيْنٍ جِنْسًا وَ (قَدْرًا وَصِفَةً حَالَّيْنِ) بِأَنْ اقْتَرَضَ زَيْدُ مِنْ عَمْرٍو دِينَارًا مِصْرِيًّا مَثَلًا ثُمَّ اشْتَرَى عَمْرٌو مِنْ زَيْدٍ شَيْئًا بِدِينَارٍ مِصْرِيٍّ حَالٍّ (أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَجَلًا وَاحِدًا) كَثَمَنَيْنِ اتَّحَدَ أَجَلُهُمَا (تَسَاقَطَا) إنْ اسْتَوَيَا (أَوْ) سَقَطَ مِنْ الْأَكْثَرِ (بِقَدْرِ الْأَقَلِّ) إنْ تَفَاوَتَا قَدْرًا بِدُونِ تَرَاضٍ ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرّ وَصَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا مَا إذَا بَاعَ عَبْدَهُ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِثَمَنٍ مِنْ جِنْسِ مَا سُمِّيَ لَهَا وَ (لَا) يَتَسَاقَطَانِ (إذَا كَانَا) أَيْ الدَّيْنَانِ دَيْنَ سَلَمٍ (أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا دَيْنَ سَلَمٍ) وَلَوْ تَرَاضَيَا ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي دَيْنِ سَلَمٍ قَبْلَ قَبْضِهِ
(أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ) أَيْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ (حَقٌّ) بِأَنْ بِيعَ الرَّهْنُ لِتَوْفِيَةِ دَيْنِهِ مِنْ مَدِينٍ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ عَيَّنَ الْمُفْلِسُ بَعْضَ مَالِهِ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ فَلَا مُقَاصَّةَ لَتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ وَمَنْ عَلَيْهَا دَيْنٌ مِنْ جِنْسِ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مَعَ عُسْرَتِهَا ; لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ بِمَا فَضَلَ
(وَمَتَى نَوَى مَدْيُونٌ وَفَاءً) عَمَّا عَلَيْهِ (بِدَفْعٍ بَرِئَ) مِنْهُ (وَإِلَّا) يَنْوِ وَفَاءً (فَتَبَرُّعٌ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ رَدَّ الْأَمَانَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ لَا يَقِفُ عَلَى النِّيَّةِ أَيْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ (وَتَكْفِي نِيَّةُ حَاكِمٍ وَفَّاهُ قَهْرًا مِنْ) مَالِ (مَدْيُونٍ) لِامْتِنَاعِهِ أَوْ مَعَ غَيْبَتِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ رَبُّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ.
[بَاب الْقَرْضِ]
ِ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، مَصْدَرُ قَرَضَ الشَّيْءَ يَقْرِضُهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ إذَا قَطَعَهُ وَمِنْهُ الْمِقْرَاضُ وَالْقَرْضُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الِاقْتِرَاضِ وَشَرْعًا (دَفْعُ مَالٍ إرْفَاقًا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ) أَيْ الْمَالِ (وَيَرُدُّ بَدَلَهُ لَهُ) وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ لَفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَهُوَ) أَيْ الْقَرْضُ (مِنْ الْمَرَافِقِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا) لِلْمُقْرِضِ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجًا وَقَضَاءً لِحَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ.
(وَ) هُوَ (نَوْعٌ مِنْ السَّلَفِ) لِشُمُولِهِ لَهُ وَلِلسَّلَمِ، فَيَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَبِكُلِّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، كَمَلَّكْتُك هَذَا عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ
(فَإِنْ قَالَ مُعْطٍ) لِمَالٍ (مَلَّكْتُك وَلَا قَرِينَةَ عَلَى رَدِّ بَدَلِهِ) فَهِبَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ هِبَةٌ أَوْ قَرْضٌ
(فَقَوْلُ آخِذٍ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ هِبَةٌ) ; لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى رَدِّ بَدَلِهِ فَقَوْلُ مُعْطٍ إنَّهُ قَرْضٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى مُقْرِضٍ وَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ مُقْتَرِضٍ نَصًّا وَقَالَ إذَا اقْتَرَضَ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِحَالِهِ لَمْ يُعْجِبْنِي، وَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ لِإِخْوَانِهِ بِجَاهِهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى مَا إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ.
وَلَا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مَا يَقْدِرُ أَنْ يُوَفِّيَهُ إلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُتَعَذَّرُ مِثْلُهُ، وَكَذَا الْفَقِيرُ يَتَزَوَّجُ مُوسِرَةً يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهَا بِحَالِهِ لِئَلَّا يَغُرَّهَا وَلَهُ أَخْذُ جُعْلٍ عَلَى اقْتِرَاضِهِ لَهُ بِجَاهِهِ لَا عَلَى كَفَالَتِهِ
(وَشُرِطَ عِلْمُ قَدْرِهِ) أَيْ الْقَرْضِ بِمُقَدَّرٍ مَعْرُوفٍ فَلَا يَصِحُّ قَرْضُ دَنَانِيرَ وَنَحْوِهَا عَدَدًا إنْ لَمْ يَعْرِفْ وَزْنَهَا، إلَّا إنْ كَانَتْ يُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا فَيَجُوزُ وَيَرُدُّ بَدَلَهَا عَدَدًا
(وَ) مَعْرِفَةُ (وَصْفِهِ) لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ بَدَلِهِ (وَ) شُرِطَ
(كَوْنُ مُقْرِضٍ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) فَلَا يُقْرِضُ نَحْوُ وَلِيِّ يَتِيمٍ مِنْ مَالِهِ وَلَا مُكَاتَبٍ وَنَاظِرِ وَقْفٍ مِنْهُ كَمَا لَا يُحَابِي (وَمِنْ شَأْنِهِ) أَيْ الْقَرْضِ (أَنْ يُصَادِفَ ذِمَّةً) لَا عَلَى مَا يَحْدُثُ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الدَّيْنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الذِّمَمِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُوجَزِ يَصِحُّ قَرْضُ حَيَوَانٍ وَثَوْبٍ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَيَأْتِي فِي اللَّقِيطِ: الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَفِي الْوَقْفِ اقْتِرَاضُ النَّاظِرِ لَهُ وَشِرَاؤُهُ لَهُ نَسِيئَةً وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ «أَنْ يَأْخُذَ عَلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ»
(وَيَصِحُّ) الْقَرْضُ (فِي كُلِّ عَيْنٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا) مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَغَيْرِهِ وَجَوْهَرٍ وَحَيَوَانٍ (إلَّا بَنِي آدَمَ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهُمْ وَلَا هُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ.
وَلَا يَصِحُّ قَرْضُ مَنْفَعَةٍ (وَيَتِمُّ) الْقَرْضُ (بِقَبُولٍ) كَبَيْعٍ (وَيَمْلِكُ) مَا اقْتَرَضَ بِقَبْضٍ (وَيَلْزَمُ) عَقْدُهُ (بِقَبْضٍ) ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى الْقَبْضِ فَوَقَفَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ (فَلَا يَمْلِكُ مُقْرِضٌ اسْتِرْجَاعَهُ) أَيْ الْقَرْضَ مِنْ مُقْتَرِضٍ كَالْبَيْعِ لِلُزُومِهِ مِنْ جِهَةٍ (إلَّا إنْ حُجِرَ عَلَى مُقْتَرِضٍ لِفَلَسٍ) فَيَمْلِكُ مُقْرِضٌ الرُّجُوعَ فِيهِ بِشَرْطِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ»
وَيَأْتِي (وَلَهُ) أَيْ الْمُقْرِضِ (طَلَبُ بَدَلِهِ) أَيْ الْمُقْرَضِ مِنْ مُقْتَرَضٍ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ فَأَوْجَبَهُ حَالًّا كَالْإِتْلَافِ، فَلَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ فَلَهُ طَلَبُهُ بِهَا جُمْلَةً كَمَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا مُتَفَرِّقَةً ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً
(وَإِنْ شَرَطَ) مُقْرِضٌ (رَدَّهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَصِحَّ) الشَّرْطُ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ وَرَدُّهُ بِعَيْنِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ (وَيَجِبُ) عَلَى مُقْرِضٍ (قَبُولُ) قَرْضٍ (مِثْلِيٍّ رُدَّ) بِعَيْنِهِ وَفَاءً وَلَوْ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ لِرَدِّهِ عَلَى صِفَةِ مَا عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالسَّلَمِ بِخِلَافِ مُتَقَوِّمٍ
رُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ سِعْرُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَهُ قِيمَتُهُ (مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ) مِثْلِيٌّ رُدَّ بِعَيْنِهِ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ; لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ (أَوْ) مَا لَمْ (يَكُنْ) الْقَرْضُ (فُلُوسًا أَوْ) دَرَاهِمَ (مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمَهَا السُّلْطَانُ) أَيْ: يَمْنَعُ التَّعَامُلَ بِهَا وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ التَّعَامُلِ بِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ.
(فَلَهُ) أَيْ الْمُقْرِضِ (قِيمَتُهُ) أَيْ: الْقَرْضِ الْمَذْكُورِ (وَقْتَ قَرْضٍ) نَصًّا ; لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فِي مِلْكِهِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَتَكُونُ الْقِيمَةُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ: الْقَرْضِ (إنَّ جَرَى فِيهِ) أَيْ: أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسِهِ (رِبَا فَضْلٍ) بِأَنْ اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ مُكَسَّرَةً وَحُرِّمَتْ وَقِيمَتُهَا يَوْمَ الْقَرْضِ أَنْقَصُ مِنْ وَزْنِهَا فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ بِقِيمَتِهَا ذَهَبًا وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ حُلِيًّا (وَكَذَا ثَمَنٌ لَمْ يُقْبَضْ) إذَا كَانَ فُلُوسًا أَوْ مُكَسَّرَةً وَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ (أَوْ طَلَبُ ثَمَنٍ) مِنْ بَائِعٍ (بِرَدِّ مَبِيعٍ) عَلَيْهِ وَصَدَاقٍ وَأُجْرَةٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ وَنَحْوِهَا إذَا كَانَ فُلُوسًا أَوْ دَرَاهِمَ مُكَسَّرَةً وَحُرِّمَتْ فَحُكْمُهُ كَقَرْضٍ
(وَيَجِبُ) عَلَى مُقْتَرِضٍ (رَدُّ مِثْلِ فُلُوسٍ) اقْتَرَضَهَا وَلَمْ تَحْرُمْ الْمُعَامَلَةُ بِهَا (غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ أَوْ كَسَدَتْ) ; لِأَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ.
(وَ) يَجِبُ رَدُّ (مِثْلِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ) لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةً يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هُنَا مَعَ أَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ شَبَهًا بِهِ مِنْ الْقِيمَةِ (فَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْلُ فَ) عَلَيْهِ (قِيمَتُهُ يَوْمَ إعْوَازِهِ) ; لِأَنَّهُ يَوْمُ ثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ
(وَ) يَجِبُ رَدُّ (قِيمَةِ غَيْرِهِمَا) أَيْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَضُمِنَ بِقِيمَتِهِ كَمَا فِي الْإِتْلَافِ وَالْغَصْبِ (كَجَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ كَثِيرًا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ قَبْضٍ) لِاخْتِلَافِ قِيمَتِهِ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِكَثْرَةِ الرَّاغِبِ وَقِلَّتِهِ، فَتَزِيدُ زِيَادَةً كَثِيرَةً فَيَنْظُرُ الْمُقْتَرِضُ أَوْ تَنْقُصُ فَيَنْظُرُ الْمُقْرِضُ (وَغَيْرِهِ) أَيْ: الْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ كَمَذْرُوعٍ وَمَعْدُودٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ قَرْضٍ) ; لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ (وَيُرَدُّ مِثْلُ كَيْلِ مَكِيلٍ دُفِعَ وَزْنًا) ; لِأَنَّ الْكَيْلَ هُوَ مِعْيَارُهُ الشَّرْعِيُّ وَكَذَا يُرَدُّ مِثْلُ وَزْنِ مَوْزُونٍ دُفِعَ كَيْلًا.
(وَيَجُوزُ قَرْضُ مَاءٍ كَيْلًا) كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ (وَ) يَجُوزُ قَرْضُهُ (لِسَقْيٍ مُقَدَّرًا بِأُنْبُوبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) مِمَّا يُعْمَلُ عَلَى هَيْئَتِهَا مِنْ فَخَّارٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ.
(وَ) يَجُوزُ قَرْضُهُ مُنْدِرًا (بِزَمَنٍ مِنْ نَوْبَةِ غَيْرِهِ لِيَرُدَّ) مُقْتَرِضٌ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُقْرِضِ (مِثْلَهُ) فِي الزَّمَنِ (مِنْ نَوْبَتِهِ) نَصًّا قَالَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ كَرِهْتُهُ أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ
(وَ) يَجُوزُ قَرْضُ (خُبْزٍ وَخَمِيرٍ) وَرَدُّهُ (عَدَدًا بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ
«قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ الْجِيرَانُ يَسْتَقْرِضُونَ الْخُبْزَ وَالْخَمِيرَ وَيَرُدُّونَ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَلِمَشَقَّةِ اعْتِبَارِهِ بِالْوَزْنِ مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ
(وَيَثْبُتُ الْبَدَلُ) أَيْ بَدَلُ الْقَرْضِ فِي ذِمَّةِ مُقْتَرِضٍ (حَالًّا) ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْبَدَلِ فَأَوْجَبَهُ حَالًّا كَالْإِتْلَافِ أَوْ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُنِعَ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَمُنِعَ فِيهِ الْأَجَلُ كَالصَّرْفِ (وَلَوْ مَعَ تَأْجِيلِهِ) أَيْ الْقَرْضِ ; لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَأَيْضًا شَرْطُ الْأَجَلِ زِيَادَةٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ (وَكَذَا كُلُّ) دَيْنٍ (حَالٍّ أَوْ) مُؤَجَّلٍ (حَلَّ) فَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ شَرْطُ رَهْنٍ فِيهِ) أَيْ الْقَرْضِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اسْتَقْرَضَ مِنْ يَهُودِيٍّ شَعِيرًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ شَرْطُهُ (وَ) يَجُوزُ شَرْطُ ضَمِينٍ لِمَا تَقَدَّمَ
وَ (لَا) يَجُوزُ الْإِلْزَامُ بِشَرْطِ (تَأْجِيلِ) قَرْضٍ (أَوْ) شَرْطِ (نَقْصٍ فِي وَفَاءٍ) ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ (أَوْ) شَرْطٍ (جَرِّ نَفْعًا) فَيَحْرُمُ (كَ) شَرْطِهِ (أَنْ يُسْكِنَهُ) أَيْ الْمُقْتَرِضُ (دَارِهِ أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا أَقْرَضَهُ (أَوْ) أَنْ يَقْضِيَهُ (بِبَلَدٍ آخَرَ) وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةً ; لِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَشَرْطُ النَّفْعِ فِيهِ يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ فَقَالَ فِي الْمُغْنِي: الصَّحِيحُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ إرْسَالَ نَفَقَةٍ إلَى أَهْلِهِ فَأَقْرَضَهَا لِيُوَفِّيَهَا الْمُقْتَرِضُ لَهُمْ جَازَ وَلَا يَفْسُدُ الْقَرْضُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ مَا يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ بِأَنْ أَسْكَنَهُ دَارِهِ أَوْ قَضَاهُ بِبَلَدِ آخَرَ (بِلَا شَرْطٍ) جَازَ (أَوْ أَهْدَى) مُقْتَرِضٌ (لَهُ) هَدِيَّةً (بَعْدَ الْوَفَاءِ) جَازَ (أَوْ قَضَى مُقْتَرِضٌ خَيْرًا مِنْهُ) أَيْ مِمَّا أَخَذَهُ جَازَ كَصِحَاحٍ عَنْ مُكَسَّرَةٍ أَوْ أَجْوَدَ نَقْدًا أَوْ سِكَّةً مِمَّا اقْتَرَضَ، وَكَذَا رَدُّ نَوْعٍ خَيْرًا مِمَّا أَخَذَهُ أَوْ أَرْجَحَ يَسِيرًا فِي قَضَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ لِلْخَبَرِ (بِلَا مُوَاطَأَةٍ) فِي الْجَمِيع نَصًّا (أَوْ عُلِمَتْ زِيَادَتُهُ) أَيْ الْمُقْتَرِضِ عَلَى مِثْلِ الْقَرْضِ أَوْ قِيمَتِهِ (لِشُهْرَةِ سَخَائِهِ جَازَ) ذَلِكَ (لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اسْتَسْلَفَ بَكْرًا فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تُجْعَلْ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ وَلَا وَسِيلَةً إلَيْهِ وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ قَرْضٌ
(وَإِنْ فَعَلَ) مُقْتَرِضٌ ذَلِكَ بِأَنْ أَسْكَنَهُ دَارِهِ أَوْ أَهْدَى لَهُ (قَبْلَ الْوَفَاءِ وَلَمْ يَنْوِ) مُقْتَرِضٌ (احْتِسَابَهُ مِنْ دَيْنِهِ أَوْ) لَمْ يَنْوِ (مُكَافَأَتَهُ) عَلَيْهِ (لَمْ يَجُزْ إلَّا إنَّ جَرَتْ عَادَةٌ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمُقْرِضِ وَالْمُقْتَرِضِ (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْفِعْلِ (قَبْلَ قَرْضٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا
«إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى إلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ (وَكَذَا كُلُّ غَرِيمٍ) حُكْمُهُ كَالْمُقْتَرِضِ فِيمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ اسْتَضَافَهُ) مُقْتَرِضٌ (حَسَبَ لَهُ) مُقْرِضٌ (مَا أَكَلَ) نَصًّا وَيَتَوَجَّهُ لَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي الدَّعَوَاتِ كَغَيْرِهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ
(وَمَنْ طُولِبَ) مِنْ مُقْتَرِضٍ وَغَيْرِهِ أَيْ طَالَبَهُ رَبُّ دَيْنِهِ (بِبَدَلِ قَرْضٍ) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّةٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ) طُولِبَ بِبَدَلِ (غَصْبٍ بِبَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ بَلَدِ قَرْضٍ وَغَصْبٍ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمَدِينَ وَالْغَاصِبَ أَدَاءُ الْبَدَلِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ بِلَا ضَرَرٍ (إلَّا مَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ) كَحَدِيدٍ وَقُطْنٍ وَبُرٍّ (وَقِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْقَرْضِ) أَوْ الْغَصْبِ (أَنْقَصُ) مِنْ قِيمَتِهِ بِبَلَدِ الطَّلَبِ (فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قِيمَتُهُ بِهَا) أَيْ: بِبَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ إلَى بَلَدِ الطَّلَبِ فَيَصِيرُ كَالْمُتَعَذَّرِ وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمِثْلُ تَعَيَّنَتْ الْقِيمَةُ وَاعْتُبِرَتْ بِبَلَدِ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ مُسَاوِيَةً لِبَلَدِ الطَّلَبِ أَوْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ دَفْعُ الْمِثْلِ بِبَلَدِ الطَّلَبِ كَمَا سَبَقَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّ طُولِبَ بِعَيْنِ الْغَصْبِ بِغَيْرِ بَلَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ وَكَذَا لَوْ طُولِبَ بِأَمَانَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ وَنَحْوِهَا بِغَيْرِ بَلَدِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهَا إلَيْهِ.
(وَلَوْ بَذَلَهُ) أَيْ الْمِثْلَ (الْمُقْتَرِضُ أَوْ الْغَاصِبُ) بِغَيْرِ بَلَدِ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ (وَلَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ) إلَيْهِ كَأَثْمَانٍ (لَزِمَ) مُقْرِضًا وَمَغْصُوبًا مِنْهُ (قَبُولُهُ مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ إذَنْ، قُلْتُ: وَكَذَا ثَمَنٌ وَأُجْرَةٌ وَنَحْوُهُمَا فَإِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ الْبَلَدُ أَوْ الطَّرِيقُ غَيْرَ آمِنٍ لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُهُ، وَمَنْ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ وَابْتَاعَ مِنْهُ بِهَا شَيْئًا فَخَرَجَتْ زُيُوفًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ نَصًّا ; لِأَنَّهَا دَرَاهِمُهُ فَعَيْبُهَا عَلَيْهِ، وَلَهُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ بَدَلُ مَا أَقْرَضَهُ لَهُ بِصِفَتِهِ زُيُوفًا وَحَمَلَهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى مَا إذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ عَيْبَهَا فَأَمَّا إنْ بَاعَهُ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ قَبَضَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ دَرَاهِمُ لَا عَيْبَ فِيهَا وَيَرُدَّ عَلَيْهِ هَذِهِ، ثُمَّ لِمُقْتَرِضٍ رَدُّهَا عَنْ قَرْضِهِ وَيَبْقَى الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ حَسَبَهَا عَلَى مُقْرِضٍ مِنْ قَرْضِهِ وَوَفَّاهُ الثَّمَنَ جَيِّدًا جَازَ.
[بَابُ الرَّهْنِ]
ِ لُغَةً: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، وَمِنْهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] وَشَرْعًا: (تَوْثِقَةُ دَيْنٍ) غَيْرِ سَلَمٍ وَدَيْنِ كِتَابَةٍ، وَلَوْ فِي الْمَآلِ، كَعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ (بِعَيْنٍ) لَا دَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ
(يُمْكِنُ أَخْذُهُ) أَيْ الدَّيْنِ كُلِّهِ (وَ) أَخَذَ (بَعْضِهِ) إنْ لَمْ يَفِ بِهِ (مِنْهَا) أَيْ الْعَيْنِ، إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَنَحْوُهَا، مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ (أَوْ) يُمْكِنُ أَخْذُهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ (ثَمَنِهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] وَحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ حَضَرًا وَسَفَرًا ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُ الْكَاتِبِ
(وَالْمَرْهُونُ عَيْنٌ مَعْلُومَةٌ) قَدْرًا، وَجِنْسًا، وَصِفَةً (جُعِلَتْ وَثِيقَةً بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ: الْحَقِّ (أَوْ) اسْتِيفَاءُ (بَعْضِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ ثَمَنِهَا) كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ نَحْوِ وَقْفٍ، وَحُرٍّ، وَأُمِّ وَلَدٍ وَدَيْنِ سَلَمٍ وَكِتَابَةٍ
(وَتَصِحُّ زِيَادَةُ رَهْنٍ) بِأَنْ رَهَنَهُ شَيْئًا عَلَى دَيْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ شَيْئًا آخَرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ تَوْثِقَةٌ وَ (لَا) يَصِحُّ زِيَادَةُ (دَيْنِهِ) بِأَنْ اسْتَدَانَ مِنْهُ دِينَارًا وَرَهَنَهُ عَلَيْهِ كِتَابًا وَأَقْبَضَهُ لَهُ ثُمَّ اقْتَرَضَ مِنْهُ دِينَارًا آخَرَ وَجَعَلَ الْكِتَابَ رَهْنًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ رَهْنُ مَرْهُونٍ وَالْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ
(وَ) يَصِحُّ (رَهْنُ) كُلِّ (مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) مِنْ الْأَعْيَانِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيثَاقُ الْمُوَصِّلُ لِلدَّيْنِ (وَلَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّرًا أَوْ مُعَارًا) وَلَوْ لِرَبِّ دَيْنٍ ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ
(وَيَسْقُطُ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ) لِانْتِقَالِهَا لِلْأَمَانَةِ إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا الْمُرْتَهِنُ (أَوْ) كَانَ (مَبِيعًا) وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ إذَنْ فَصَحَّ رَهْنُهُ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ (غَيْرَ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ) وَمَا بِيعَ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ (قَبْلَ قَبْضِهِ) ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إذَنْ فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ
(وَلَوْ) كَانَ رَهْنُ الْمَبِيعِ (عَلَى ثَمَنِهِ) نَصًّا ; لِأَنَّ ثَمَنَهُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنٌ وَالْمَبِيعُ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي فَجَازَ رَهْنُهُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ (أَوْ) كَانَ (مُشَاعًا) وَلَوْ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ فِي مُشَاعٍ يُقْسَمُ إجْبَارًا بِأَنْ رَهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ يَمْلِكُ نِصْفَهَا ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ وَاحْتِمَالُ حُصُولِهِ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ فِي الْقِسْمَةِ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَتَصَرَّفُ بِمَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ وَإِذَا رَهَنَهُ الْمُشَاعَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُولًا لَمْ يَحْتَجْ فِي التَّخْلِيَةِ لِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْقَلُ وَرَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ (وَإِنْ لَمْ يَرْضَ شَرِيكٌ وَمُرْتَهِنٌ بِكَوْنِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ) بِيَدِ (غَيْرِهِمَا جَعَلَهُ حَاكِمٌ بِيَدِ أَمِينٍ أَمَانَةً أَوْ بِأُجْرَةٍ أَوْ أَجَّرَهُ) الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا فَيَجْتَهِدُ فِي الْأَصْلَحِ لَهُمَا ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُمْكِنُ
جَمْعُهُمَا فِيهِ فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِحِفْظِهِ عَلَيْهِمَا
(أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (مُكَاتَبًا) لِجَوَازِ بَيْعِهِ وَإِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ (وَيُمَكَّنُ مِنْ كَسْبٍ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْكِتَابَةِ وَهِيَ سَابِقَةٌ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ كِتَابَتِهِ وَرَقَّ (فَهُوَ وَكَسْبُهُ رَهْنٌ) ; لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ
(وَإِنْ عَتَقَ بِأَدَاءٍ أَوْ إعْتَاقٍ فَمَا أَدَّى بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنٌ) كَقِنِّ رَهْنٍ اكْتَسَبَ وَمَاتَ (أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (يَسْرُعُ فَسَادُهُ) كَفَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ وَبِطِّيخٍ.
وَلَوْ رَهَنَهُ (بِمُؤَجَّلٍ) ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ (وَيُبَاعُ) أَيْ يَبِيعُهُ حَاكِمٌ إنَّ لَمْ يَأْذَنْ رَبُّهُ لِحِفْظِهِ بِالْبَيْعِ (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ فَيُوَفِّيَ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ حَالًّا، وَكَذَا ثِيَابٌ خِيفَ تَلَفُهَا وَحَيَوَانٌ خِيفَ مَوْتُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَعِنَبٍ وَرُطَبٍ جُفِّفَ وَمُؤْنَتُهُ عَلَى رَاهِنٍ ; لِأَنَّهَا لِحِفْظِهِ كَمُؤْنَةِ حَيَوَانٍ، وَشَرْطُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ أَوْ يُجَفِّفَهُ فَاسِدٌ لِتَضَمُّنِهِ فَوَاتَ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ
(أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (قِنًّا مُسْلِمًا) وَلَوْ بِدَيْنٍ (لِكَافِرٍ إذَا شَرَطَ) فِي الرَّهْنِ (كَوْنَهُ بِيَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ كَ) رَهْنِ (كُتُبِ حَدِيثٍ وَتَفْسِيرٍ) لِكَافِرٍ لِأَمْنِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَيَصِحُّ رَهْنُ مُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَهَا قَبْلَ حُلُولِ دَيْنٍ، وَمُرْتَدٍّ وَجَانٍ وَقَاتِلٍ فِي مُحَارَبَةٍ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِالْحَالِ فَلَا خِيَارَ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ أَوْ عُفِيَ عَنْ جَانٍ، وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ وَلَهُ إمْسَاكُهُ بِلَا أَرْشٍ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ فِدَاءِ الْجَانِي لَمْ يُجْبَرْ وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ لِسَبْقِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ بِخِلَافِ مُرْتَهِنٍ
(لَا مُصْحَفًا) فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَلَوْ لِمُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى بَيْعِهِ الْمُحَرَّمِ (وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) كَحُرٍّ وَأُمِّ وَلَدٍ وَوَقْفٍ وَكَلْبٍ وَآبِقٍ وَمَجْهُولٍ (لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ) ; لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ.
وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمَسَاكِنِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَنَحْوِهَا وَلَوْ كَانَتْ آلَتُهَا مِنْهَا ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا (سِوَى) رَهْنِ (ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) بِلَا شَرْطِ قَطْعٍ.
(وَ) سِوَى رَهْنِ (زَرْعٍ أَخْضَرَ بِلَا شَرْطِ قَطْعٍ) فَيَصِحُّ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِهَا لِعَدَمِ أَمْنِ الْعَاهَةِ، وَبِتَقْدِيرِ تَلَفِهَا لَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الدَّيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ.
(وَ) سِوَى (قِنٍّ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَيَصِحُّ رَهْنُهُ (دُونَ وَلَدِهِ وَنَحْوِهِ) كَوَالِدِهِ وَأَخِيهِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ بَيْعِهِ وَحْدَهُ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا ; لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ بَيْعُ الرَّهْنِ (يُبَاعَانِ) مَعًا دَفْعًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ
(وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِمَا يَخُصُّ الْمَرْهُونَ مِنْ ثَمَنِهِمَا) فَيُوَفِّي
مِنْ دَيْنِهِ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ فَلِلرَّاهِنِ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ فَبِذِمَّةِ مَدِينٍ فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ مَعَ كَوْنِهِ ذَا وَلَدٍ مِائَةً وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسِينَ فَحِصَّةُ الرَّهْنِ ثُلُثَا الثَّمَنِ
(وَلَا يَصِحُّ) رَهْنٌ (بِدُونِ إيجَابٍ وَقَبُولٍ) كَرَهَنْتُك وَقَبِلْتُ أَوْ ارْتَهَنْتُ (أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا) مِنْ رَاهِنٍ وَمُرْتَهِنٍ كَبَاقِي الْعُقُودِ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ الرَّهْنِ]
فَصْلٌ (وَشُرِطَ لِلرَّهْنِ) سِتَّةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا (تَنْجِيزُهُ) أَيْ الرَّهْنِ فَلَا يَصِحُّ مُطْلَقًا كَالْبَيْعِ.
(وَ) الثَّانِي (كَوْنُهُ) أَيْ الرَّهْنِ، (مَعَ حَقٍّ) كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَكَ هَذَا فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ فَيَصِحُّ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَ الْحَقِّ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إلْزَامِ الْمُشْتَرِي بِهِ بَعْدُ (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ: الْحَقِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فَجَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الدَّيْنِ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لَهُ كَالشَّهَادَةِ فَلَا يَتَقَدَّمُهُ.
(وَ) الثَّالِثُ: كَوْنُ رَاهِنٍ (مِمَّنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ) وَتَبَرُّعُهُ ; لِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ.
(وَ) الرَّابِعُ (مِلْكُهُ) أَيْ الرَّاهِنِ لِرَهْنٍ (وَلَوْ لِمَنَافِعِهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ) لِلِانْتِفَاعِ بِهِ (بِإِعَارَةٍ) فَيَصِحُّ رَهْنُ مُؤَجَّرٍ وَمُعَارٍ (بِإِذْنِ مُؤَجِّرٍ وَمُعِيرٍ) وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الدَّيْنَ أَوْ يَصِفْهُ أَوْ يَعْرِفْ رَبَّهُ، لَكِنْ إنَّ شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَخَالَفَهُ لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ إلَّا إذَا أُذِنَ فِي رَهْنِهِ بِقَدْرٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ فِي الْمَأْذُونِ بِهِ دُونَ مَا زَادَ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَيَمْلِكَانِ) أَيْ: الْمُؤَجِّرُ وَالْمُعِيرُ.
(الرُّجُوعَ) عَنْ إذْنٍ فِي رَهْنٍ (قَبْلَ إقْبَاضِهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ الرَّهْنَ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَ (لَا) يَمْلِكُ مُؤَجِّرٌ الرُّجُوعَ (فِي إجَارَةِ) عَيْنٍ (لِرَهْنٍ قَبْلَ) مُضِيِّ (مُدَّتِهَا) أَيْ الْإِجَارَةِ لِلُزُومِهَا (وَلِمُعِيرٍ) عَيْنًا لِيَرْهَنَهَا مُسْتَعِيرٌ (طَلَبُ رَاهِنٍ) لِمُسْتَعَارٍ (بِفَكِّهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (مُطْلَقًا) أَيْ: عَيَّنَ مُدَّةَ الرَّهْنِ أَوْ لَا حَالًّا كَانَ الدَّيْنُ أَوْ مُؤَجَّلًا فِي مَحَلِّ الْحَقِّ وَقَبْله ; لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ.
(وَإِنْ بِيعَ) رَهْنٌ مُؤَجَّرٌ أَوْ مُعَارٍ فِي وَفَاءً دَيْنٍ (رَجَعَ) مُؤَجِّرٌ وَمُعِيرٌ عَلَى رَاهِنٍ (بِمِثْلٍ مِثْلِيٍّ) ; لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
(وَ) رَجَعَ (بِالْأَكْثَرِ مِنْ قِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ أَوْ مَا) أَيْ: ثَمَنٍ (بِيعَ بِهِ) قَدَّمَهُ فِي التَّنْقِيحِ ; لِأَنَّهُ إنَّ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ
ضَمِنَ رَاهِنٌ نَقْصَهُ وَبِأَكْثَرَ قِيمَتِهِ كُلِّهِ لِمَالِكِهِ، إذْ لَوْ أَسْقَطَ مُرْتَهِنٌ حَقَّهُ مِنْ رَهْنٍ رَجَعَ ثَمَنُهُ كُلُّهُ لِرَبِّهِ فَإِذَا قَضَى بِهِ دَيْنَ الرَّاهِنِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَمَانِ نَقْصِهِ أَنْ تَكُونَ زِيَادَتُهُ لِرَبِّهِ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ (وَالْمَنْصُوصُ) يَرْجِعُ (بِقِيمَتِهِ) يَوْمَ بَيْعِهِ أَيْ: الْمُتَقَوِّمِ لَا مَا بِيعَ بِهِ كَمَا لَوْ تَلِفَ، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَإِنْ تَلِفَ) رَهْنٌ مُعَارٍ أَوْ مُؤَجَّرٌ بِتَفْرِيطٍ ضَمِنَهُ رَاهِنٌ بِبَدَلِهِ، وَبِلَا تَفْرِيطٍ (ضَمِنَ) الرَّاهِنُ (الْمُعَارَ لَا الْمُؤَجَّرَ) ; لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ، وَالْمُؤَجَّرَةَ أَمَانَةٌ إنْ لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطْ.
(وَ) الْخَامِسُ (كَوْنُهُ) أَيْ الرَّهْنِ (مَعْلُومًا جِنْسُهُ وَقَدْرُهُ وَصِفَتُهُ) ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَالٍ فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ كَالْمَبِيعِ.
(وَ) السَّادِسُ كَوْنُهُ (بِدَيْنٍ وَاجِبٍ) كَقَرْضٍ وَثَمَنٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ (أَوْ) بِشَيْءٍ (مَآلُهُ إلَيْهِ) أَيْ: الدَّيْنِ الْوَاجِبِ (فَيَصِحُّ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ) كَغَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ (وَمَقْبُوضٍ) عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ وَ (بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَ) يَصِحُّ (بِنَفْعِ إجَارَةٍ فِي ذِمَّةٍ) كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ دَارٍ وَحَمْلِ مَعْلُومٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ وَيُمْكِنُ وَفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ ثَمَنِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ.
وَ (لَا) يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ (بِدِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ وَ) لَا (بِجُعَلٍ قَبْلَ) مُضِيِّ (حَوْلٍ) فِي مَسْأَلَةِ الدِّيَةِ (وَ) قَبْلَ تَمَامِ (عَمَلٍ) فِي مَسْأَلَةِ الْجُعَلِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ (وَيَصِحُّ) رَهْنٌ بِدِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ وَبِجُعَلٍ (بَعْدَهُمَا) أَيْ: الْحَوْلِ وَالْعَمَلِ لِاسْتِقْرَارِهِمَا (وَلَا) يَصِحُّ رَهْنٌ (بِدَيْنِ كِتَابَةٍ) لِفَوَاتِ الْإِرْفَاقِ بِالْأَجَلِ الْمَشْرُوعِ إذْ يُمْكِنُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ وَإِيفَاءُ الْكِتَابَةِ.
(وَ) لَا بِ (عُهْدَةِ مَبِيعٍ) ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَعُمُّ ضَرَرُهُ بِمَنْعِ الْبَائِعِ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِذَا وَثَّقَ الْبَائِعُ عَلَى عُهْدَةِ الْمَبِيعِ فَكَأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ وَلَا ارْتَفَقَ بِهِ (وَ) لَا بِ (عِوَضٍ غَيْرِ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةٍ كَثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَيْنِ وَإِجَارَةِ مَنَافِعِ) عَيْنٍ (مُعَيَّنَةٍ كَدَارٍ وَنَحْوِهَا) كَفَرَسٍ وَعَبْدٍ زَمَنًا مُعَيَّنًا (أَوْ دَابَّةٍ لِحَمْلِ مُعَيَّنٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ) ; لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ هَذِهِ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا بِتَلَفِهَا فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ حَقٌّ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى وَلِيٍّ رَهْنُ مَالِ يَتِيمٍ لِفَاسِقٍ (وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ مَالِ يَتِيمٍ لِفَاسِقٍ) ; لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِ لِلْهَلَاكِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجْحَدُ الْفَاسِقُ أَوْ يُفَرِّطُ فِيهِ فَيَضِيعُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: الْيَتِيمِ (مُكَاتَبٌ) وَسَفِيهٌ وَصَغِيرٌ وَمَجْنُونٌ (وَ) قِنٌّ (مَأْذُونٌ لَهُ) فِي تِجَارَةٍ لِاشْتِرَاطِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ
(وَإِنْ رَهَنَ ذِمِّيٌّ عِنْدَ مُسْلِمٍ خَمْرًا) وَلَوْ شَرَطَ جَعْلَهُ (بِيَدِ ذِمِّيٍّ لَمْ يَصِحَّ) الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا (فَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ: الْخَمْرَ (الْوَكِيلُ) صُورَةً أَيْ: الذِّمِّيُّ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ أَوْ بَاعَهَا رَبُّهَا (حَلَّ) لِرَبِّ دَيْنٍ أَخْذُ
دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا ; لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَ (فَيَقْبِضُهُ) أَيْ: الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ بَاعَهَا ذِمِّيٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَهُمْ الْخُمُورُ " وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا " (أَوْ يُبْرِئُ) رَبُّ الدَّيْنِ (مِنْهُ) وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ رَهْنٍ مِنْ مَدِينٍ وَلَا بِإِذْنِهِ ; لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنَهُ بِلَا إذْنِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَرْهَنَ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الْإِنْسَانُ مَالَ نَفْسِهِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَهُ وَأَوْلَى.
[فَصْلٌ وَلَا يَلْزَمُ رَهْنٌ إلَّا فِي حَقِّ رَاهِنٍ]
ٍ) ; لِأَنَّ الْأَحَظَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ كَالضَّمَانِ بِخِلَافِ مُرْتَهِنٍ ; لِأَنَّ الْأَحَظَّ فِيهِ لَهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ كَالْمَضْمُونِ لَهُ (بِقَبْضٍ) لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ كَالْقَرْضِ وَقَبْضُ رَهْنٍ (كَقَبْضِ مَبِيعٍ) عَلَى مَا سَبَقَ فَيَلْزَمُ بِهِ
(وَلَوْ) كَانَ الْقَبْضُ (مِمَّنْ اتَّفَقَا) أَيْ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ وَكِيلُ مُرْتَهِنٍ فِي ذَلِكَ، وَعَبْدُ رَاهِنٍ وَأُمُّ وَلَدٍ كَهُوَ، بِخِلَافِ مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ (وَيُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ الْقَبْضِ (إذْنُ وَلِيِّ أَمْرٍ) أَيْ حَاكِمٍ (لِمَنْ جُنَّ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ حَصَلَ لَهُ بِرْسَامٌ بَعْدَ عَقْدِ رَهْنٍ وَقَبْلَ إقْبَاضِهِ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ لِلْحَاكِمِ كَمَا يَأْتِي وَهُوَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، فَاحْتِيجَ إلَى نَظَرٍ فِي الْأَحَظِّ، فَإِنْ كَانَ الْأَحَظِّ فِي إقْبَاضِهِ كَأَنْ شُرِطَ فِي بَيْعٍ وَالْحَظُّ فِي إتْمَامِهِ أَقْبَضَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَبَضَهُ مُرْتَهِنٌ بِلَا إذْنِ رَاهِنٍ أَوْ وَلِيِّهِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْضًا وَإِنْ مَاتَ رَاهِنٌ قَبْلَ إقْبَاضِهِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ كَالْمَيِّتِ وَإِنْ أَحَبَّ إقْبَاضَهُ وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ سِوَى هَذَا الدَّيْنِ فَلَهُ ذَلِكَ
(وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ) رَاهِنٍ (إقْبَاضُهُ) أَيْ الرَّهْنِ (ثُمَّ غَرِيمٍ) لِلْمَيِّتِ (لَمْ يَأْذَنْ) فِيهِ نَصًّا ; لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لَهُ بِرَهْنٍ لَمْ يَلْزَمْ، وَسَوَاءٌ مَاتَ أَوْ جُنَّ وَنَحْوُهُ قَبْلَ الْإِذْنِ أَوْ بَعْدَهُ لِبُطْلَانِ الْإِذْنِ بِهِمَا
(وَلِرَاهِنٍ الرُّجُوعُ) فِي رَهْنٍ أَيْ فَسْخُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ الْإِقْبَاضِ (وَلَوْ أَذِنَ) الرَّاهِنُ (فِيهِ) أَيْ: الْقَبْضِ لِعَدَمِ لُزُومِ الرَّهْنِ إذَنْ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ فَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِيهِ أَوْ رَهَنَهُ ثَانِيًا بَطَلَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ أَقْبَضَ الثَّانِي أَوْ لَا، لِخُرُوجِهِ عَنْ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ وَإِنْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ لَمْ يَبْطُلْ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ كَاسْتِخْدَامِهِ
(وَيَبْطُلُ إذْنُهُ) أَيْ الرَّاهِنِ فِي الْقَبْضِ (بِنَحْوِ إغْمَاءٍ) وَحَجْرٍ لِسَفَهٍ (وَخَرَسٍ)
وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَةٌ وَلَا إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ كِتَابَةٌ أَوْ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ فَكَمُتَكَلِّمٍ
(وَإِنْ رَهَنَهُ) أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ (مَا) أَيْ عَيْنًا مَالِيَّةً (بِيَدِهِ) أَيْ: رَبِّ الدَّيْنِ أَمَانَةً أَوْ مَضْمُونَةً (وَلَوْ) كَانَتْ (غَصْبًا) صَحَّ الرَّهْنُ وَ (لَزِمَ) بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ كَهِبَةٍ ; لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الْقَبْضِ قَبْضٌ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ وَيُمْكِنُ تَغَيُّرُهُ مَعَ اسْتِدَامَةِ الْقَبْضِ كَوَدِيعَةٍ جَحَدَهَا مُودَعٌ فَصَارَتْ مَضْمُونَةً ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا فَصَارَتْ أَمَانَةً بِإِبْقَاءِ رَبِّهَا لَهَا عِنْدَهُ (وَصَارَ) مَضْمُونًا كَغَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ (أَمَانَةً) لَا يَضْمَنُهُ مُرْتَهِنٌ بِتَلَفِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لِلْإِذْنِ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ رَهْنًا، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ فِيهِ عُدْوَانٌ وَلِزَوَالِ مُقْتَضِي الضَّمَانِ وَحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُهُ
(وَاسْتِدَامَةُ قَبْضِ) رَهْنٍ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ مَنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ (شَرْطٌ لِ) بَقَاءِ (لُزُومِ) عَقْدٍ لِلْآيَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إحْدَى حَالَتَيْ الرَّهْنِ فَكَانَتْ شَرْطًا كَابْتِدَاءِ الْقَبْضِ (فَيُزِيلُهُ) أَيْ: اللُّزُومَ (أَخَذَ رَاهِنٍ) رَهْنًا (بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ) لَهُ فِي أَخْذِهِ (وَلَوْ) أَخَذَهُ إجَارَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ (نِيَابَةً لَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ كَإِيدَاعٍ لِزَوَالِ الِاسْتِدَامَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ اللُّزُومِ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ مُرْتَهِنٍ غَصْبًا أَوْ أَبِقَ مَرْهُونٌ أَوْ شَرَدَ أَوْ سَرَقَ لَمْ يَزُلْ لُزُومُهُ لِثُبُوتِ يَدِ مُرْتَهِنٍ عَلَيْهِ حُكْمًا
(وَ) يُزِيلُ لُزُومَهُ (تَخَمُّرُ عَصِيرٍ) رُهِنَ لِمَنْفَعَةٍ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ اللُّزُومِ وَتَجِبُ إرَاقَتُهُ فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الرَّهْنُ وَلَا خِيَارَ لِمُرْتَهِنٍ لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ (وَيَعُودُ) لُزُومُ رَهْنٍ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ (بِرَدِّهِ) إلَى مُرْتَهِنٍ أَوْ مَنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ.
(وَ) يَعُودُ لُزُومُهُ فِي عَصِيرٍ تَخَمَّرَ وَلَمْ يُرَقْ ثُمَّ (تَخَلَّلَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ) ; لِأَنَّهُ يَعُودُ مَلْسَكًا بِحُكْمِ الْأَوَّلِ فَيَعُودُ بِهِ حُكْمُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِهِ بَطَلَ رَهْنُهُ وَلَمْ يَعُدْ بِعَوْدِهِ لِضَعْفِهِ بِعَدَمِ لُزُومِهِ، كَإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ أُرِيقَ وَجُمِعَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَلِجَامِعِهِ
(وَإِنْ أَجَرَهُ) أَيْ الرَّهْنَ رَاهِنٌ لِشَخْصٍ (أَوْ أَعَارَهُ) رَاهِنٌ (لِمُرْتَهِنٍ أَوْ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (فَلُزُومُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (بَاقٍ) ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ فَلَمْ يُفْسِدْ الْقَبْضَ
(وَإِنْ وَهَبَهُ) أَيْ وَهَبَ رَاهِنٌ الرَّهْنَ (وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ وَقَفَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ جَعَلَهُ عِوَضًا فِي صَدَاقٍ وَنَحْوِهِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (صَحَّ) تَصَرُّفُهُ ; لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِإِذْنِهِ (وَبَطَلَ الرَّهْنُ) ; لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ يَمْنَعُ الرَّهْنَ ابْتِدَاءً فَامْتَنَعَ مَعَهُ دَوَامًا
(وَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ رَاهِنٌ رَهْنًا (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (وَالدَّيْنُ حَالٌّ) صَحَّ الْبَيْعُ لِلْإِذْنِ فِيهِ وَ (أَخَذَ) الدَّيْنَ (مِنْ ثَمَنِهِ) ; لِأَنَّ لَا دَلَالَةَ لَهُ فِي الْإِذْنِ بِالْبَيْعِ
عَلَى الرِّضَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الرَّهْنِ وَلَا مُقْتَضَى لِتَأْخِيرِ وَفَائِهِ، فَوَجَبَ دَفْعُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ فِي) إذْنٍ فِي بَيْعِ رَهْنٍ بِدَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ رَهْنَ ثَمَنِهِ) أَيْ الرَّهْنِ (مَكَانَهُ فَعَلَ) أَيْ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا بِيعَ كَانَ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ لِرِضَاهُمَا بِإِبْدَالِ الرَّهْنِ بِغَيْرِهِ (وَإِلَّا) يُشْتَرَطُ كَوْنُ ثَمَنِهِ رَهْنًا مَكَانَهُ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ (بَطَلَ) الرَّهْنُ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي هِبَتِهِ.
وَإِنْ شَرَطَ تَعْجِيلَ مُؤَجَّلٍ مِنْ ثَمَنِهِ صَحَّ الْبَيْعُ (وَشَرْطُ تَعْجِيلِهِ) أَيْ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ (لَاغٍ) ; لِأَنَّ التَّأْجِيلَ أَخْذُ قِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضَ مُدَّةِ الْأَجَلِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِذْنِ فَقَدْ أَذِنَ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْمُقَابِلُ لِبَاقِي مُدَّة الْأَجَلِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فَيَلْغُو الشَّرْطُ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي إذْنٍ فَقَوْلُ مُرْتَهِنٍ بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَا فِي شَرْطِ رَهْنِ ثَمَنِهِ مَكَانَهُ وَنَحْوِهِ فَقَوْلُ رَاهِنٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ
(وَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (الرُّجُوعُ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ) لِرَاهِنٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ (قَبْلَ وُقُوعِهِ) لِعَدَمِ لُزُومِهِ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ فِعْلِهِ فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ تَصَرُّفٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ وَإِنْ قَالَ مُرْتَهِنٌ كُنْتُ رَجَعْتُ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ وَقَالَ رَاهِنٌ بَعْدَهُ فَقِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُ مُرْتَهِنٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي، وَقِيلَ قَوْلُ رَاهِنٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْإِقْنَاعِ
(وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ) أَيْ الرَّاهِنِ لِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَلَوْ (بِلَا إذْنِ) مُرْتَهِنٍ مُوسِرًا كَانَ الرَّاهِنُ أَوْ مُعْسِرًا نَصًّا ; لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ فَنَفَذَ كَعِتْقِ الْمُؤَجَّرِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ.
(وَيَحْرُمُ) عِتْقُ رَاهِنٍ لِرَهْنٍ بِلَا إذْنِ مُرْتَهِنٍ لِإِبْطَالِ حَقِّهِ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ وَإِذَا نَجَّزَهُ) أَيْ الْعِتْقَ رَاهِنٌ بِلَا إذْنِ مُرْتَهِنٍ وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ فَوُجِدَتْ قَبْلَ فَكِّهِ (أَوْ أَقَرَّ) رَاهِنٌ (بِهِ) أَيْ بِعِتْقِهِ قَبْلَ رَهْنٍ (فَكَذَّبَهُ) مُرْتَهِنٌ (أَوْ أَحْبَلَ) رَاهِنٌ (الْأَمَةَ) الْمَرْهُونَةَ (بِلَا إذْنِ مُرْتَهِنٍ فِي وَطْءٍ) وَبِلَا اشْتِرَاطِهِ فِي رَهْنٍ (أَوْ ضَرَبَهُ) أَيْ الرَّهْنَ رَاهِنٌ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (فَتَلِفَ) بِهِ رَهْنٌ
(وَيُصَدَّقُ) مُرْتَهِنٌ (بِيَمِينِهِ) فِي عَدَمِهِ.
(وَ) يُصَدَّقُ (وَارِثُهُ) بِيَمِينِهِ (فِي عَدَمِهِ) أَيْ الْإِذْنِ إنْ اخْتَلَفَا فِي إذْنٍ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (فَعَلَى) رَاهِنٍ (مُوسِرٍ وَمُعْسِرٍ أَيْسَرَ قِيمَتُهُ) أَيْ الرَّهْنِ الْفَائِتِ عَلَى مُرْتَهِنٍ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ تَكُونُ (رَهْنًا) مَكَانَهُ كَبَدَلِ أُضْحِيَّةٍ وَنَحْوِهَا لِإِبْطَالِهِ حَقَّ مُرْتَهِنٍ مِنْ الْوَثِيقَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ أَبْطَلَهَا أَجْنَبِيٌّ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ حَالَ إعْتَاقِهِ أَوْ إقْرَارٍ بِهِ أَوْ إحْبَالٍ أَوْ ضَرْبٍ وَكَذَا لَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ حَالَ