بِمَسْحِهِ أَيْضًا (تَيَمَّمَ لَهُ) أَيْ لِلْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغُسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ) مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغُسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ) مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ضَبْطِهِ) أَيْ الْجَرِيحِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ (وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ حَاجَتِهِ (لَزِمَهُ) أَنْ يَسْتَنِيبَ لِيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِنَابَةِ أَيْضًا تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَتْهُ (وَيَلْزَمُ مَنْ جُرْحُهُ) وَنَحْوَهُ (بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إذَا تَوَضَّأَ تَرْتِيبٌ) لِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ (فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ لِلْعُضْوِ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ غَسْلِهِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا) فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ وَنَحْوُهُ فِي الْوَجْهِ وَعَمَّهُ تَيَمَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَغْسِلَ صَحِيحَهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِجُرْحِهِ وَعَكْسِهِ، ثُمَّ يُتِمَّ وُضُوءَهُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ عُضْوٍ آخَرَ لَزِمَهُ غُسْلُ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ كَانَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غُسْلِهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ، فَإِنْ غَسَلَ صَحِيحٌ وَجْهَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهُ وَلِيَدَيْهِ تَيَمُّمًا.
لَمْ يُجْزِهِ، لِأَدَائِهِ إلَى سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا.
(وَ) يَلْزَمُ أَيْضًا مَنْ جُرْحُهُ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إذَا تَوَضَّأَ (مُوَالَاةٌ) لِوُجُوبِهَا فِيهِ فَلَوْ كَانَ بِرِجْلِهِ، وَتَيَمَّمَ لَهُ عِنْدَ غُسْلِهَا وَمَضَى مَا تَفُوتُ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ (فَ) يُعِيدُهُ (وَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحَ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ) كَمَا لَوْ أَخَّرَ غَسْلَهُ حَتَّى فَاتَتْ وَلَوْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِنَحْوِ جُرْحٍ وَخَرَجَ الْوَقْتُ.
لَمْ يَعُدْ سِوَى التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ، وَلَا مُوَالَاةٌ (وَإِنْ وَجَدَ) مَنْ لَزِمَهُ طَهَارَةٌ (حَتَّى الْمُحْدِثُ) حَدَثًا أَصْغَرَ (مَاءً لَا يَكْفِي لِطَهَارَةٍ اسْتَعْمَلَهُ) وُجُوبًا (ثُمَّ تَيَمَّمَ) لِلْبَاقِي، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ لَمْ يَصِحَّ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] فَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ، اسْتَعْمَلَهُ وَصَلَّى وَيُعِيدُ إذَا وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ.
قُلْت: مُقْتَضَى مَا يَأْتِي: لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ، وَلَا إعَادَةَ وَإِنْ وَجَدَ جُنُبٌ مَا يَكْفِي أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ فَقَطْ اسْتَعْمَلَهُ فِيهَا نَاوِيًا رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَمَنْ بِبَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا غَسَلَ بِهِ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْحَدَثِ نَصًّا.
قَالَ الْمَجْدُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ يَصِحُّ تَطْهِيرُهُ مِنْ
الْحَدَثِ، فَيَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ عَنْهُمَا وَكَذَا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ.
أَزَالَهَا بِهِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ (وَمَنْ) لَزِمَتْهُ طَهَارَةٌ وَ (عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ إذَا) أَيْ كُلَّمَا (خُوطِبَ بِصَلَاةٍ) بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُهَا فَلَا أَثَرَ لِلطَّلَبِ قَبْلَهُ.
لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالطَّهَارَةِ إذَنْ (طَلَبُهُ فِي رَحْلِهِ) بِأَنْ يُفَتِّشُ مِنْ مَسْكَنِهِ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ أَثَاثِهِ وَرَحْلِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ.
(وَمَا قَرُبَ) مِنْهُ (عَادَةً) بِأَنْ يَنْظُرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ سَائِرًا طَلَبَهُ أَمَامَهُ، فَإِنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ.
(وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا: طَلَبُهُ (مِنْ رَفِيقِهِ) فَيَسْأَلُ عَنْ مَوَارِدِهِ، أَوْ عَنْ مَاءٍ مَعَهُ يَبِيعُهُ، أَوْ يَبْذُلُهُ لَهُ.
فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يَصِحَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ وَسَوَاءٌ تَحَقَّقَ وُجُودَهُ أَوْ ظَنَّهُ، أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ، أَوْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمُهُ) أَيْ الْمَاءِ، فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ، لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ (وَمَنْ تَيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَاءِ (ثُمَّ رَأَى مَا يَشُكُّ مَعَهُ فِي) وُجُودِ (الْمَاءِ) كَخُضْرَةٍ وَرَكْبٍ قَادِمٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ (لَا فِي صَلَاةٍ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ) لِوُجُوبِ طَلَبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَلَا تَبْطُلُ وَلَا تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ إذَنْ (فَإِنْ دَلَّهُ) أَيْ عَادِمَ الْمَاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَاءِ (ثِقَةٌ) قَرِيبًا عُرْفًا لَزِمَهُ قَصْدُهُ (أَوْ عَلِمَهُ) أَيْ عَلِمَ الْمَاءَ عَادِمُهُ (قَرِيبًا عُرْفًا) مِنْهُ (وَلَمْ يَخَفْ) بِقَصْدِهِ إيَّاهُ (فَوْتَ وَقْتٍ وَلَوْ) كَانَ الْوَقْتُ الْمَخُوفُ فَوَاتُهُ (لِلِاخْتِيَارِ) بِأَنْ ظَنَّ أَنْ لَا يُدْرِكَ الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ إلَّا وَقْتَ الضَّرُورَةِ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ فَوْتَ (رِفْقَةٍ، أَوْ) فَوْتَ (عَدُوٍّ، أَوْ) فَوْتَ (مَالٍ، أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ (عَلَى نَفْسِهِ) نَحْوَ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَخُوفُ مِنْهُ (فُسَّاقًا) يَفْسُقُونَ بِطَالِبِ الْمَاءِ (غَيْرَ جَبَانٍ) يَخَافُ بِلَا سَبَبٍ يُخَافُ مِنْهُ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ عَلَى (مَالِهِ) كَشُرُودِ دَابَّتِهِ، أَوْ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ (لَزِمَهُ قَصْدُهُ) أَيْ الْمَاءِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِلَا ضَرَرٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ (تَيَمَّمَ) وَسَقَطَ طَلَبُهُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ بِلَا ضَرَرٍ فَأَشْبَهَ عَادِمَهُ إعَادَةً وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى الْأَمْنِ.
وَإِذَا تَيَمَّمَ لِسَوَادٍ بِاللَّيْلِ يَظُنُّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ عَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَلَا إعَادَةَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ فِي الْأَسْفَارِ (وَلَا يَتَيَمَّمُ) مَعَ الْمَاءِ (لِخَوْفِ فَوْتِ جِنَازَةٍ) بِالْوُضُوءِ (وَلَا) لِخَوْفِ فَوْتِ وَقْتِ (فَرْضٍ) إنْ
تَوَضَّأَ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] (إلَّا هُنَا) أَيْ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ ثِقَةٌ قَرِيبًا وَخَافَ بِقَصْدِهِ فَوْتَ الْوَقْتِ.
(وَ) إلَّا فِيمَا (إذَا وَصَلَ مُسَافِرٌ إلَى مَاءٍ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ) عَنْ طَهَارَتِهِ (أَوْ) لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْهَا لَكِنْ (عَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ) لِيَسْتَعْمِلَهُ (إلَّا بَعْدَهُ) أَيْ الْوَقْتِ، فَيَتَيَمَّمُ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ.
فَاسْتُصْحِبَ حَالُ عَدَمِهِ لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ أَخَّرَ حَتَّى ضَاقَ فَكَحَاضِرٍ لِتَحَقُّقِ قُدْرَتِهِ (وَمَنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ) مِنْ مَاءٍ أَوْ ثَمَنِهِ أَوْ آلَتِهِ (أَوْ) تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ (تَحْصِيلُهُ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ) كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ (وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى.
أَعَادَ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ لَاحِقٍ لَهُ.
فَلَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، كَوَاجِدِهِ (وَمَنْ خَرَجَ) إلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِ بَلَدِهِ (لِحَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ) كَاحْتِطَابٍ (حَمَلَهُ) أَيْ الْمَاءَ مَعَهُ (إنْ أَمْكَنَهُ) لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ إذَنْ.
وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ (وَ) مَتَى حَمَلَهُ وَفَقَدَهُ، أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ (تَيَمَّمَ إنْ فَاتَتْ حَاجَتُهُ) الَّتِي خَرَجَ إلَيْهَا (بِرُجُوعِهِ) إلَى الْمَاءِ (وَلَا يُعِيدُ) صَلَاتَهُ بِهِ، لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُسَافِرِ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى.
(وَمَنْ فِي الْوَقْتِ) لِلصَّلَاةِ (أَرَاقَهُ) أَيْ الْمَاءَ (أَوْ مَرَّ بِهِ) أَيْ الْمَاءِ (وَأَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ) مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ (وَ) هُوَ (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ) فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مَنْ يَلْزَمُ بَذْلُهُ لَهُ (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ كَأُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ
(ثُمَّ إنْ تَيَمَّمَ) لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّ الْمَبِيعِ وَالْمَوْهُوبِ (وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ مَا سَبَقَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا إثْمَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ بِالْأَوْلَى (وَمَنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ وَبِهِ الْمَاءُ.
وَقَدْ طَلَبَهُ) أَيْ رَحْلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَتَيَمَّمَ أَجْزَأَهُ أَوْ ضَلَّ (عَنْ مَوْضِعِ بِئْرٍ كَانَ يَعْرِفُهَا فَتَيَمَّمَ أَجْزَأَهُ) وَلَا إعَادَةَ بَعْدَ وُجُودِ مَاءٍ ضَلَّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ حَالَ تَيَمُّمِهِ عَادِمُ الْمَاءِ.
فَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ (وَلَوْ بَانَ بَعْدَ) التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ (بِقُرْبِهِ بِئْرٌ خَفِيَّةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا) فَلَا إعَادَةَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ أَعْلَامُهَا ظَاهِرَةً أَوْ كَانَ يَعْرِفُهَا (لَا إنْ نَسِيَهُ أَيْ الْمَاءَ) أَوْ جَهِلَهُ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ
(وَلَوْ مَعَ نَحْوِ عَبْدِهِ (وَتَيَمَّمَ) وَصَلَّى.
فَلَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، كَمَنْ صَلَّى نَاسِيًا حَدَثَهُ وَ
(كَمُصَلٍّ عُرْيَانًا وَمُكَفِّرٍ بِصَوْمٍ نَاسِيًا لِلسُّتْرَةِ وَالرَّقَبَةِ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ (وَيُتَيَمَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ يُشْرَعُ التَّيَمُّمُ (لِكُلِّ حَدَثٍ) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ.
لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ.
فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا كَجُنُبٍ (وَ) تَيَمَّمَ (ل) كُلِّ (نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ) مُتَيَمِّمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ بِمُنْزِلَةِ الْجُنُبِ (لِعَدَمِ مَاءٍ أَوْ لِضَرَرٍ) فِي بَدَنِهِ وَلَوْ كَانَ الضَّرَرُ (مِنْ بَرْدٍ حَضَرَا) مَعَ عَدَمِ مَا يُسَخَّنُ بِهِ الْمَاءُ (بَعْدَ تَخْفِيفِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ عَنْ بَدَنِهِ (مَا أَمْكَنَ) بِمَسْحِ رَطْبِهِ أَوْ حَكِّ يَابِسِهِ (لُزُومًا وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَحَلٍّ صَحِيحٍ أَوْ جَرِيحٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ «: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَقَوْلِهِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا تَيَمُّمَ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ (الْمَاءُ وَالتُّرَابُ لِعَدَمٍ) كَمَنْ حُبِسَ بِمَحَلٍّ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا تُرَابَ (أَوْ لِقُرُوحٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِمَاءٍ وَلَا تُرَابٍ (وَنَحْوِهَا) أَيْ الْقُرُوحِ كَجِرَاحَاتٍ لَا يُمْكِنُ مَسُّهَا وَكَذَا مَرِيضٌ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَوْ عَمَّنْ يُطَهِّرُهُ بِأَحَدِهِمَا (صَلَّى الْفَرْضَ فَقَطْ) دُونَ النَّوَافِلِ (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فَلَمْ تُؤَخَّرْ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالسُّتْرَةِ.
(وَلَا يَزِيدُ) عَادِمُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ (عَلَى مَا يُجْزِئُ) فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَقْرَأُ زَائِدًا عَلَى الْفَاتِحَةِ وَلَا يَسْتَفْتِحُ، وَلَا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُبَسْمِلُ، وَلَا يُسَبِّحُ زَائِدًا عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ جُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ رَكَعَ فِي الْحَالِ، وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ نَهَضَ أَوْ سَلَّمَ فِي الْحَالِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَاجِبِ.
إذْ لَا ضَرُورَةَ لِزَائِدٍ وَلَا يَقْرَأُ خَارِجَ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ جُنُبًا
(وَلَا يَؤُمُّ) عَادِمُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ (مُتَطَهِّرًا بِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ لَا يَؤُمُّ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى التُّرَابِ، فِي الصَّلَاةِ فَكَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ (وَلَا إعَادَةَ) عَلَى مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ (وَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِحَدَثٍ وَنَحْوِهِ)
كَنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا (فِيهَا) لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ، فَأَبْطَلَهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.
وَتَبْطُلُ صَلَاةٌ عَلَى مَيِّتٍ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُيَمَّمْ بِغُسْلِهِ مُطْلَقًا، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِهِ وَيُيَمَّمُ، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِأَحَدِهِمَا مَعَ أَمْنِ تَفَسُّخِهِ (وَإِنْ وَجَدَ) عَادِمٌ (ثَلْجًا وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ مَسَحَ بِهِ أَعْضَاءَهُ) لُزُومًا، لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا كَذَلِكَ، فَوَجَبَ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
وَظَاهِرُهُ: لَا يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ، لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ (وَصَلَّى وَلَمْ يُعِدْ) صَلَاتَهُ (إنْ جَرَى) الثَّلْجُ أَيْ سَالَ (بِمَسِّ الْأَعْضَاءِ) الْوَاجِبِ غَسْلُهَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَسْلًا خَفِيفًا، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ بِمَسٍّ.
أَعَادَ، وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى بِلَا تَيَمُّمٍ وَعِنْدَهُ: طِينٌ يَابِسٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَقِّهِ لِيَكُونَ لَهُ غُبَارٌ الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: تُرَابٌ) فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ بِرَمْلٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ جِصٍّ، أَوْ نَحْتِ حِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِهِ (طَهُورٌ) بِخِلَافِ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ، لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ، وَإِنْ تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، صَحَّ، كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا مِنْ حَوْضٍ يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ (مُبَاحٌ) فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ، كَالْوُضُوءِ بِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ، مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ (غَيْرُ مُحْتَرِقٍ) فَلَا يَصِحُّ بِمَا دَقَّ مِنْ نَحْوِ خَزَفٍ، لِأَنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ (يَعْلَقُ غُبَارُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ لَا يُمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ " فَلَوْ ضَرَبَ عَلَى نَحْوِ لَبَدٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ صَخْرَةٍ أَوْ بَرْذَعَةِ حِمَارٍ أَوْ عَدْلِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا عَلَيْهِ غُبَارٌ طَهُورٌ يَعْلَقُ بِيَدِهِ، صَحَّ تَيَمُّمُهُ بِخِلَافِ سَبَخَةٍ وَنَحْوِهَا لَا غُبَارَ لَهَا.
(فَإِنْ خَالَطَهُ) أَيْ التُّرَابَ الطَّهُورُ (ذُو غُبَارٍ) غَيْرُهُ، كَالْجِصِّ، وَالنُّورَةِ (فَكَمَاءٍ) طَهُورٍ (خَالَطَهُ طَاهِرٌ) فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُخَالَطِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالَطُ لَا غُبَارَ لَهُ لَمْ يُمْنَعْ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ، كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ، وَإِنْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ كَثُرَ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا، وَإِلَّا جَازَ وَإِنْ شَكَّ فِي التَّكْرَارِ صَحَّ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَلَا بِطِينٍ، لَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُ تَجْفِيفُهُ، وَالتَّيَمُّمُ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ جَازَ، لَا بَعْدَهُ وَأَعْجَبَ أَحْمَدَ حَمْلُ التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَحْمِلُهُ وَظَهَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ، إذْ لَمْ يَنْقُلْ.
[فَصْلٌ فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ]
فَصْلٌ وَفَرَائِضُهُ أَيْ التَّيَمُّمِ خَمْسَةٌ فِي الْجُمْلَةِ أَحَدُهَا (مَسْحُ وَجْهِهِ) وَمِنْهُ اللِّحْيَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: 6] (سِوَى مَا تَحْتَ) شَعْرٍ، وَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ (خَفِيفًا وَ) سِوَى (دَاخِلِ فَمٍ وَأَنْفٍ، وَيُكْرَهُ) إدْخَالُ التُّرَابِ فَمَهُ وَأَنْفَهُ لِتَقْذِيرِهِ.
(وَ) الثَّانِي مَسْحُ (يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَإِذَا عُلِّقَ حُكْمٌ بِمُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الذِّرَاعُ، كَقَطْعِ السَّارِقِ وَمَسِّ الْفَرْجِ.
وَلِحَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ ; فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدِك هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ أَمَرَّ الْمَحَلَّ) الْمَمْسُوحَ فِي التَّيَمُّمِ (عَلَى تُرَابٍ) وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ (أَوْ صَمَدَهُ) أَيْ نَصَبَ الْمَحَلَّ الَّذِي يَمْسَحُ فِي التَّيَمُّمِ (لِرِيحٍ فَعَمَّهُ) التُّرَابُ (وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ) تَيَمُّمُهُ إنْ نَوَاهُ، كَمَا لَوْ صَمَّدَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِمَاءٍ فَجَرَى عَلَيْهَا (لَا إنْ سَفَتْهُ) أَيْ سَفَتْ رِيحٌ الْمَحَلَّ بِتُرَابٍ مِنْ غَيْرِ تَصْمِيدٍ (فَمَسَحَهُ بِهِ) لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِقَصْدِ الصَّعِيدِ.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ بِبَعْضِ يَدَيْهِ، أَوْ) تَيَمَّمَ (بِحَائِلٍ) كَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، فَكَوُضُوءٍ يَصِحُّ حَيْثُ مَسَحَ مَا يَجِبُ مَسْحُهُ، لِوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ (أَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَكَوُضُوءٍ) يَصِحُّ حَيْثُ نَوَاهُ الْمُتَيَمِّمُ، وَلَمْ يُكْرَهْ مُيَمَّمٌ.
(وَ) الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ (تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ لِحَدَثٍ أَصْغَرَ) دُونَ حَدَثٍ أَكْبَرَ وَنَجَاسَةِ بَدَنٍ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَهُمَا فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ مَا سِوَاهُ
(وَهِيَ) أَيْ الْمُوَالَاةُ (هُنَا بِقَدْرِهَا) زَمَنًا (فِي وُضُوءٍ) فَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ مَسْحَ عُضْوٍ حَتَّى يَجِفَّ مَا قَبْلَهُ لَوْ كَانَ مَغْسُولًا بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ.
(وَ) الْخَامِسُ (تَعْيِينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) كَصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ غَيْرَهُمَا (مِنْ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِبَاحَةِ (حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ، وَيَكْفِيهِ لَهَا تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ.
وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مَوَاضِعُهَا.
فَإِنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ (فَلَا يَكْفِي) مَنْ هُوَ مُحْدِثٌ وَبِبَدَنِهِ نَجَاسَةُ التَّيَمُّمِ (لِأَحَدِهِمَا) عَنْ الْآخَر.
(وَ) لَا يَكْفِي مَنْ هُوَ مُحْدِثٌ وَجُنُبٌ التَّيَمُّمُ عَنْ غُسْلِهِ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
وَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ: مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ دُونَ صَلَاةٍ
وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَإِذَا أَحْدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا التَّيَمُّمِ.
(وَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ الْحَدَثَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ (أَوْ) نَوَى الْحَدَثَ وَنَجَاسَةً بِبَدَنٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُمَا أَوْ نَوَى (أَحَدَ أَسْبَابِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْحَدَثَيْنِ، بِأَنْ بَالَ وَتَغَوَّطَ وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ وَنَحْوُهُ، وَنَوَى وَاحِدًا مِنْهُمَا وَتَيَمَّمَ (أَجْزَأَ) التَّيَمُّمُ (عَنْ الْجَمِيع) وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مِنْهُ مُوجِبَانِ لِلْغُسْلِ وَنَوَى أَحَدَهُمَا، لَكِنَّ قِيَاسَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ: لَا إنْ نَوَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَمَنْ نَوَى) بِتَيَمُّمِهِ (شَيْئًا) تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا (اسْتِبَاحَةً) أَيْ مَا نَوَاهُ.
(وَ) اسْتَبَاحَ (مِثْلَهُ) فَمَنْ تَيَمَّمَ لِظُهْرٍ اسْتَبَاحَهَا وَمَا يُجْمَعُ إلَيْهَا وَفَائِتَةٍ فَأَكْثَرَ (وَ) اسْتَبَاحَ (دُونَهُ) كَمَنْذُورَةٍ وَنَافِلَةٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ بِالْأَوْلَى
(فَأَعْلَاهُ) أَيْ أَعْلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ (فَرْضُ عَيْنٍ) كَوَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ (فَنَذْرٌ فَ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) كَصَلَاةِ عِيدٍ (فَنَافِلَةٌ) كَرَاتِبَةٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ (فَطَوَافُ) فَرْضٍ، فَطَوَافُ (نَفْلٍ) كَمَا أَوْضَحْته فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ (فَمَسُّ مُصْحَفٍ، فَقِرَاءَةُ) قُرْآنٍ (فَلُبْثِ) بِمَسْجِدٍ.
وَلَمْ يَذْكُرُوا وَطْءَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَلَعَلَّهُ بَعْدَ اللُّبْثِ.
وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا لَا يَسْتَبِيحُ مَا فَوْقَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَا تَابِعَ لِمَا نَوَاهُ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ".
(وَإِنْ أَطْلَقَهَا) أَيْ نِيَّةَ الِاسْتِبَاحَةِ (لِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَرْضَهُمَا وَلَا نَفْلَهُمَا وَتَيَمَّمَ (لَمْ يَفْعَلْ إلَّا نَفْلَهُمَا) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ، فَلَمْ يَحْصُل لَهُ.
وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ ; لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ.
(وَتَسْمِيَةٌ فِيهِ) أَيْ التَّيَمُّمِ (ك) تَسْمِيَةٍ فِي (وُضُوءٍ) فَتَجِبُ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ كَالنِّيَّةِ وَتَسْقُطُ سَهْوًا.
(وَيَبْطُلُ) التَّيَمُّمُ (حَتَّى تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِقِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ وَ) حَتَّى تَيَمَّمَ (حَائِضٌ لِوَطْءٍ: بِخُرُوجِ وَقْتٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ " التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَلِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ.
فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَوْلَى.
فَلَوْ تَيَمَّمَ وَقْتَ الصُّبْحِ بَطَلَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ بَعْدَ الشُّرُوقِ، بَطَلَ بِالزَّوَالِ (ك) لَوْ تَيَمَّمَ ل (طَوَافٍ، وَ) لِصَلَاةِ (جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ وَنَحْوِهَا) كَسُجُودِ شُكْرٍ (وَ) كَذَا لَوْ تَيَمَّمَ عَنْ (نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ، فَيَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، لِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ كَمَسْحِ الْخُفِّ، فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ) فَلَا تَبْطُلُ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى (أَوْ) مَا لَمْ (يَنْوِ الْجَمْعَ فِي وَقْتٍ ثَانِيَةٍ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ.
فَإِنْ نَوَاهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَهَا أَوْ لِفَائِتَةٍ لَمْ تَبْطُلْ بِخُرُوجِهِ.
لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ صَيَّرَتْ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِوُجُودِ مَاءٍ) مَقْدُورٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلَا ضَرَرٍ كَمَا مَرَّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا وَلَوْ انْدَفَقَ أَوْ كَانَ قَلِيلًا فَيَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا ب (زَوَالِ مُبِيحٍ) كَبُرْءِ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ تَيَمَّمَ لَهُ، لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا ب (مُبْطِلٍ مَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ، فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ عَنْ وُضُوءٍ بِمَا يُبْطِلُهُ مِنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ، وَعَنْ غُسْلٍ بِمَا يُنْقِضُهُ كَخُرُوجِ مَنِيٍّ بِلَذَّةٍ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ وَبَقِيَ لِلْجَنَابَةِ بِحَالِهِ.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِخَلْعِ مَا يُمْسَحُ) كَخُفٍّ وَعِمَامَةٍ وَجَبِيرَةٍ لُبِسَتْ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ (إنْ تَيَمَّمَ) بَعْدَ حَدَثِهِ.
(وَهُوَ عَلَيْهِ) سَوَاءٌ مَسَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَا، لِقِيَامِ تَيَمُّمِهِ مَقَامَ وُضُوئِهِ وَهُوَ يَبْطُلُ بِخَلْعِ ذَلِكَ فَكَذَا مَا قَامَ مَقَامَهُ وَالتَّيَمُّمُ وَإِنْ اُخْتُصَّ بِعُضْوَيْنِ صُورَةً فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْبَعَةِ حُكْمًا، وَكَذَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ وَ (لَا) يَبْطُلُ تَيَمُّمٌ (عَنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ بِحَدَثِ غَيْرِهِمَا) كَجِمَاعٍ وَإِنْزَالٍ كَالْغُسْلِ لَهُمَا.
وَالْوَطْءُ وَنَحْوُهُ يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ.
(وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ) مَنْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِهِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ بَطَلَا) لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ، فَيَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ، وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ أَوْ الطَّوَافَ.
(وَ) إنْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ (أَنْ انْقَضَيَا) أَيْ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ (لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُمَا) وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ.
فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةٌ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ.
(وَ) إنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِعَدَمِ مَاءٍ ثُمَّ وَجَدَهُ (فِي قِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِهِمَا) كَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ (يَجِبُ التَّرْكُ) أَيْ تَرْكُ قِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِهِمَا لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَبِغُسْلِ مَيِّتٍ) يُمِّمَ لِعَدَمِ مَاءٍ (وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يُدْفَنْ حَتَّى وُجِدَ مَاءٌ (وَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ وَالْأَوْلَى بِوُضُوءٍ.
(وَسُنَّ لِعَالِمٍ) وُجُودَ مَاءٍ (وَلِرَاجٍ وُجُودَ مَاءٍ، أَوْ مُسْتَوٍ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ) أَيْ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ (تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ) أَيْ يَمْكُثُ وَيَنْتَظِرُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ " يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ " فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، وَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدُ، كَمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، أَوْ لِمَرَضٍ جَالِسًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ.
(وَصِفَتُهُ) أَيْ التَّيَمُّمِ (أَنْ يَنْوِيَ) اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهِ
مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ نَحْوِهِ (ثُمَّ يُسَمِّي) وُجُوبًا (وَيَضْرِبُ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ مَفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا بَيْنَهُمَا، وَيَنْزِعُ نَحْوَ خَاتَمٍ (ضَرْبَةً وَاحِدَةً) فَإِنْ كَانَ التُّرَابُ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ بِلَا ضَرْبٍ.
فَعَلِقَ بِهِمَا كَفَى.
وَيُكْرَهُ نَفْخُ التُّرَابِ إنْ كَانَ قَلِيلًا.
فَإِنْ ذَهَبَ بِهِ أَعَادَ الضَّرْبَ (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ) جَمِيعَهُ.
فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْ التُّرَابُ إلَيْهَا أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ.
فَإِنْ فَصَلَهَا فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ جَازَ أَيْضًا الْمَسْحُ بِهَا.
وَإِلَّا ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى (بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ.
وَ) يَمْسَحُ ظَاهِرَ (كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارٍ.
وَتَقَدَّمَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قِيلَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَتَكُونُ مُفَسِّرَةً لِلْمُرَادِ بِالْكَفَّيْنِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيث إنَّمَا رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ وَشَكَّ فِيهِ.
ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ مَعَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ.
وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ضَرْبَتَيْنِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَأُخْرَى لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ
(وَإِنْ بُذِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ - مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ: (أَوْ نُذِرَ) مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ وُقِفَ) مَاءٌ عَلَى أَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ وُصِّيَ بِمَاءٍ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ: قُدِّمَ) بِهِ مِنْهُمْ (غُسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ) لِأَنَّ تَأْخِيرَ غُسْلِهِ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ.
(فَ) إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَ غُسْلُ (نَجَاسَةِ ثَوْبٍ) لِوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى عَادِمِ غَيْرِهِ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ غُسْلُ نَجَاسَةِ (بُقْعَةٍ) تَعَذَّرَتْ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فِيهَا لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ غُسْلُ نَجَاسَةِ (بَدَنٍ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَهَا، بِخِلَافِ حَدَثٍ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ (مَيِّتٌ) فَيُغَسَّلُ بِهِ.
لِأَنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ.
وَالْأَحْيَاءُ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِلُونَ (فَ) إنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَتْ بِهِ (حَائِضٌ) انْقَطَعَ دَمُهَا، لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ.
لِأَنَّهُ أَغْلَظُ مِنْ الْجَنَابَةِ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ بِهِ (جُنُبٌ) لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَأَيْضًا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْجُنُبُ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُحْدِثُ بِهِ.
(فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ تَوَضَّأَ بِهِ (مُحْدِثٌ لَا إنْ كَفَاهُ) أَيْ الْمُحْدِثَ لِلْوُضُوءِ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْجُنُبِ، بِأَنْ كَانَ لَا يَكْفِيهِ لِغُسْلِهِ (فَيُقَدَّمُ) بِهِ الْمُحْدِثُ (عَلَى جُنُبٍ) لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ طَهَارَةٍ، بِأَنْ لَمْ يَكْفِ كُلًّا مِنْهُمَا قُدِّمَ بِهِ جُنُبٌ.
لِأَنَّهُ
يَسْتَفِيدُ بِهِ فِي تَطْهِير بَعْضِ أَعْضَائِهِ.
(وَيُقْرَعُ مَعَ التَّسَاوِي) كَحَائِضَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَمُحْدِثَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا، لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ فَمَنْ قَرَعَ رَفِيقَهُ رُجِّحَ بِالْقُرْعَةِ (وَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ) أَيْ الْمَاءِ الْمَذْكُور (غَيْرُ الْأَوْلَى) بِهِ، كَمُحْدِثٍ مَعَ ذِي نَجَسٍ (أَسَاءَ) لِفِعْلِهِ مَا لَيْسَ لَهُ (وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِكَوْنِهِ أَوْلَى وَإِنَّمَا رُجِّحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ تَعَيَّنَ لَهُ.
وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِهِ، وَلَوْ أَبَاهُ.
إنْ كَانَ مُشْتَرَكًا، تَطَهَّرَ كُلٌّ بِنَصِيبِهِ مِنْهُ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غُسِّلَ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَلِلْحَاضِرِ أَخْذُهُ لِلطَّهَارَةِ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ
(وَالثَّوْبُ) الْمَبْذُولُ لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَحْتَاجَانِهِ (يُصَلِّي فِيهِ) الْحَيُّ (ثُمَّ يُكَفَّنُ بِهِ) الْمَيِّتُ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَإِنْ احْتَاجَ حَيٌّ لِكَفَنِ مَيِّتٍ، لِنَحْوِ بَرْدٍ، قُدِّمَ الْحَيُّ عَلَيْهِ.
وَيُصَلِّي فِيهِ عَادِمُ السُّتْرَةِ عُرْيَانًا لَا فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ.
[بَابٌ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ]
ِ أَيْ الطَّارِئَةِ عَلَى عَيْنٍ طَاهِرَةٍ.
وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا النَّجَاسَاتِ، وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا.
وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُشْتَرَطُ ل) تَطْهِيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ حَتَّى أَسْفَلَ خُفٍّ، وَ) أَسْفَلَ (حِذَاءٍ) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلُهُ، أَيْ نَعْلٌ (وَ) حَتَّى (ذَيْلِ امْرَأَةٍ سَبْعُ غَسَلَاتٍ) لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا بِغُسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا» فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَقِيسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ عَلَى الرَّجُلِ، وَذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى بَقِيَّةِ ثَوْبِهَا وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ، أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْمَحَلَّ.
فَيَجِبُ الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهَا.
فَيُجْزِئُ (إنْ أَنْقَتْ) السَّبْعُ غَسَلَاتٍ النَّجَاسَةَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُنْقَ بِهَا (فَ) يَزِيدُ عَلَى السَّبْعِ (حَتَّى تُنْقَى) النَّجَاسَةُ (بِمَاءٍ طَهُورٍ) أَيْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ غَسْلَةٍ مِنْ السَّبْعِ بِمَاءٍ طَهُورٍ.
لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ.
كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " (وَأَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ
فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ " وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ.
فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ.
فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الْغَسَلَاتِ بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ.
لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا (مَعَ حَتٍّ وَقَرْصٍ) لِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ مَعَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ (لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ وَلَوْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحَلُّ) بِالْحَتِّ أَوْ الْقَرْصِ فَيَسْقُطُ.
(وَ) مَعَ (عَصْرٍ مَعَ إمْكَانِ) الْعَصْرِ (فِيمَا تَشْرَبُ) النَّجَاسَةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، بِحَيْثُ لَا يُخَافُ فَسَادُهُ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ السَّبْعِ (خَارِجَ الْمَاءِ) لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ (وَإِلَّا) يَعْصِرْهُ خَارِجَ الْمَاءِ، بَلْ عَصَرَهُ فِيهِ وَلَوْ سَبْعًا (فَ) هِيَ (غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ يَبْنِي عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعِ (أَوْ دَقُّهُ) أَيْ مَا تَشْرَبُ النَّجَاسَةُ (أَوْ تَقْلِيبُهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ عَصْرُهُ (أَوْ تَثْقِيلُهُ) كُلَّ غَسْلَةٍ، حَتَّى يَذْهَبَ أَكْثَرُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
وَلَا يَكْفِي عَنْ عَصْرِهِ وَنَحْوِهِ تَجْفِيفُهُ، وَمَا لَا يَتَشَرَّبُ يَطْهُرُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ (وَ) يُشْتَرَطُ (كَوْنُ إحْدَاهَا) أَيْ السَّبْعِ غَسَلَاتٍ (فِي مُتَنَجِّسٍ بِكَلْبٍ أَوْ) مُتَنَجِّسٍ ب (خِنْزِيرٍ أَوْ مُتَوَلِّدٍ) مِنْهُمَا أَوْ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ (بِتُرَابٍ طَهُورٍ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» .
وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ وَلَا مُسْتَعْمَلٌ (يَسْتَوْعِبُ) أَيْ يَعُمُّ التُّرَابُ (الْمَحَلَّ) الْمُتَنَجِّسَ.
لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُمَّهُ لَمْ تَكُنْ غَسْلَةً (إلَّا فِيمَا) أَيْ مَحَلٍّ (يَضُرُّهُ) التُّرَابُ (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) أَيْ مَا يُسَمَّى تُرَابًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ (وَيُعْتَبَرُ مَائِعٌ يُوصِلُهُ) أَيْ التُّرَابَ (إلَيْهِ) أَيْ الْمَحَلِّ النَّجَسِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَذُرَّهُ عَلَيْهِ وَيُتْبِعَهُ الْمَاءَ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَائِعِ هُنَا: الْمَاءُ الطَّهُورُ، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ ابْنِ قُنْدُسٍ (وَ) الْغَسْلَةُ (الْأُولَى) يُجْعَلُ التُّرَابُ فِيهَا (أَوْلَى) مِمَّا بَعْدَهَا، لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْخَبَرِ.
وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ.
فَإِنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهَا جَازَ.
لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ " إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ".
وَفِي حَدِيثٍ " أُولَاهُنَّ ".
وَفِي حَدِيثٍ " فِي الثَّامِنَةِ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ التُّرَابِ مِنْ الْغَسَلَاتِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ (وَيَقُومُ أُشْنَانٌ وَنَحْوُهُ) كَصَابُونٍ وَنُخَالَةٍ (مَقَامَهُ) أَيْ التُّرَابِ.
لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْإِزَالَةِ.
فَنَصُّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا.
وَلِأَنَّهُ جَامِدٌ أُمِرَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُمَاثِلُهُ، كَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ (وَيَضُرُّ بَقَاءُ طَعْمِ) النَّجَاسَةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاء الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ.
فَلَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِ.
وَ (لَا) يَضُرُّ (بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ بَقَاؤُهُمَا عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ (وَإِنْ لَمْ تُزَلْ النَّجَاسَةُ إلَّا بِمِلْحٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَأُشْنَانٍ (مَعَ الْمَاءِ لَمْ يَجِبْ) اسْتِعْمَالُهُ مَعَهُ (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَطْعُوم) كَدَقِيقٍ (فِي إزَالَتِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ.
لِأَنَّ فِيهِ إفْسَادَ الطَّعَامِ بِالتَّنْجِيسِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ النُّخَالَةِ الْخَالِصَةِ وَنَحْوِهَا فِي غَسْلِ الْأَيْدِي وَنَحْوِهَا لِلتَّنْظِيفِ (وَمَا تَنَجَّسَ ب) إصَابَةِ مَاءِ (غَسْلَةٍ يُغْسَلُ عَدَدَ مَا بَقِيَ بَعْدَهَا) أَيْ تِلْكَ الْغَسْلَة لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تَطْهُرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ.
فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ.
فَمَا تَنَجَّسَ بِرَابِعَةٍ مَثَلًا غُسِلَ ثَلَاثًا، إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ طَهُورٍ حَيْثُ اُشْتُرِطَ) التُّرَابُ، كَنَجَاسَةِ كَلْبٍ (وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ) قَبْلَ تَنَجُّسِ الثَّانِي.
فَإِنْ كَانَ اُسْتُعْمِلَ لَمْ يُعِدْ (وَيُغْسَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِخُرُوجِ مَذْيٍ) مِنْ ذَكَرٍ (ذَكَرٍ وَأُنْثَيَانِ مَرَّةً) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ.
قِيلَ لِتَبْرِيدِهِمَا.
وَقِيلَ: لِتَلْوِيثِهِمَا غَالِبًا.
لِنُزُولِهِ مُتَسَبِّبًا (وَ) يُغْسَلُ (مَا أَصَابَهُ) الْمَذْيُ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَمِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ (سَبْعًا) كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ (وَيُجْزِي فِي بَوْلِ غُلَامٍ) وَمِثْلُهُ قَيْئُهُ (لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ) وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَرْسٍ وَعَصْرٍ.
لِحَدِيثِ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مُحْصِنٍ " أَنَّهَا «أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ الْغَائِطِ مُطْلَقًا وَبَوْلِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَبَوْلِ صَبِيٍّ أَكَلَ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ.
فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ نُضِحَ.
لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ.
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّكَ بِالتَّمْرِ.
(وَ) يُجْزِئُ (فِي صَخْرٍ وَأَجْرِنَةٍ صِغَارٍ) مَبْنِيَّةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مُطْلَقًا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَأَحْوَاضٍ وَنَحْوِهَا) كَحِيطَانٍ (وَأَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ: مُكَاثَرَتُهَا بِالْمَاءِ، حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ نَجَاسَةٍ وَرِيحُهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ.
فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ بَقِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَطْهُرْ لِأَنَّهُ دَلِيلُ بَقَائِهَا (مَا لَمْ يُعْجَزْ) عَنْ إذْهَابِهِمَا أَوْ إذْهَابِ أَحَدِهِمَا.
فَتَطْهُرُ كَغَيْرِ الْأَرْضِ (وَلَوْ لَمْ يُزَلْ) الْمَاءُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْضُوحِ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَمَسْأَلَةِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا.
فَيَطْهُرَانِ مَعَ بَقَاء الْمَاءِ عَلَيْهِمَا.
لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ
(وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ) تَنَجَّسَ
لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سُئِلَ عَنْ السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَوْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ لَمَا أُمِرْنَا بِإِرَاقَتِهِ (وَلَا) تَطْهُرُ (أَرْضٌ اخْتَلَطَتْ بِنَجَاسَةٍ ذَاتِ أَجْزَاءٍ) مُتَفَرِّقَةٍ، كَالرِّمَمِ وَالدَّمِ إذَا جَفَّ، وَالرَّوْثِ إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ.
فَلَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ.
لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تَنْقَلِبُ، بَلْ بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ، بِحَيْثُ يُتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ (وَلَا) يَطْهُرُ (بَاطِنُ حَبٍّ وَلَا إنَاءٌ وَعَجِينٌ وَلَحْمٌ تَشَرَّبَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ بِغَسْلٍ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَأْصِلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ مِمَّا ذُكِرَ (وَ) لَا تَطْهُرُ (سِكِّينٌ سَقَيْتهَا) النَّجَاسَةَ (بِغَسْلٍ) .
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الْعَجِينِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ وَلَا يُطْعَمُ الشَّيْءَ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ، وَهُوَ يَصِيرُ كَالْجَلَّالَةِ (وَ) لَا يَطْهُرُ (صَقِيلٌ كَالسَّيْفِ) وَمِرْآةٌ وَزُجَاجٌ (بِمَسْحٍ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَالْأَوَانِي فَإِنْ قَطَعَ بِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ مَا فِيهِ بَلَلٌ كَبِطِّيخٍ نَجَّسَهُ.
وَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَا بَلَلَ فِيهِ كَجَيْنٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ (وَ) لَا تَطْهُرُ (أَرْضٌ بِشَمْسٍ وَرِيحٍ وَجَفَافٍ) لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ نَجَسٍ فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْلِ كَالثِّيَابِ (وَ) لَا تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِنَارٍ فَرَمَادُهَا) وَدُخَانُهَا وَبُخَارُهَا وَغُبَارُهَا (نَجَسٌ) إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ إلَّا هَيْئَةُ جِسْمُهَا، كَالْمَيْتَةِ تَصِيرُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ تُرَابًا.
وَكَذَا صَابُونٌ عُمِلَ مِنْ زَيْتٍ نَجَسٍ (وَلَا) تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ أَيْضًا (بِاسْتِحَالَةٍ فَالْمُتَوَلَّدُ مِنْهَا كَدُودِ جُرْحٍ وَصَرَاصِيرَ كُنُفٍ) جَمْعُ كَنِيفٍ، وَكَالْكِلَابِ تُلْقَى فِي مَلَّاحَةٍ فَتَكُونُ مِلْحًا (نَجِسَةٌ) كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ قَيْحًا «وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» لِأَكْلِهَا النَّجَاسَةَ.
فَلَوْ كَانَتْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَكْلُهَا النَّجَاسَةَ لِأَنَّهَا تَسْتَحِيلُ (إلَّا عَلَقَةٌ يُخْلَقُ مِنْهَا) حَيَوَانٌ (طَاهِرٌ) فَيَتَطَهَّرُ بِذَلِكَ (وَ) إلَّا (خَمْرَةٌ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا) فَتَطْهُرُ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا.
وَقَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، كَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ الْكَثِيرِ يَزُولُ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ.
بِخِلَافِ النَّجَاسَاتِ الْعَيْنِيَّةِ (أَوْ) انْقَلَبَتْ خَلًّا (بِنَقْلٍ) مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ.
فَتَطْهُرُ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَ (لَا) تَطْهُرُ بِنَقْلٍ مِمَّا ذُكِرَ (لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ) لِخَبَرِ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِهَا.
فَلَا تَطْهُرُ (وَدَنُّهَا) أَيْ الْخَمْرِ وَهُوَ وِعَاؤُهَا (مِثْلُهَا) يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا.
لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا الْحُكْمَ بِطَهَارَتِهِ، حَتَّى مَا لَمْ يُلَاقِ الْخَلَّ مِمَّا فَوْقَهُ مِمَّا أَصَابَهُ الْخَمْرُ فِي غَلَيَانِهِ (كَمُحْتَفَرٍ) فِي أَرْضٍ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، فَيَتَطَهَّرُ هُوَ وَمَحَلُّهُ تَبَعًا لَهُ.
وَكَذَا مَا بُنِيَ بِالْأَرْضِ كَالصَّهَارِيجِ وَالْبَحَرَاتِ (وَلَا) يَطْهُرُ (إنَاءٌ طَهُرَ مَاؤُهُ) بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ
بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِضَافَةٍ أَوْ نَزْحٍ.
لِأَنَّ الْأَوَانِيَ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَطْهُرُ إلَّا بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ.
فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ الْمَاءُ حَسَبَ غَسْلَهُ ثُمَّ تُكْمَلُ، وَلَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ بِدُونِ إرَاقَتِهِ (وَيُمْنَعُ غَيْرُ خَلَّالٍ) أَيْ صَانِعِ الْخَلِّ (مِنْ إمْسَاكِهَا) أَيْ الْخَمْرِ (لِتُخَلَّلَ) أَيْ لِتَصِيرَ خَلًّا، لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إمْسَاكِهَا وَهِيَ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا.
وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ، وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، حَتَّى لَا يَغْلِيَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ فَغَلَى؟ فَقَالَ يُهْرَاقُ (ثُمَّ إنْ تَخَلَّلَتْ) الْخَمْرَةُ بِنَفْسِهَا بِيَدِ مُمْسِكِهَا وَلَوْ غَيْرَ خَلَّال حَلَّتْ (أَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِتَخْمِيرٍ فَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ) مِنْ غَيْرِ ضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وَلَا نُقِلَ بِقَصْدِ تَخْلِيلٍ (حَلَّ) أَيْ طَهُرَ، لِمَا تَقَدَّمَ
(وَمَنْ بَلَعَ لَوْزًا أَوْ نَحْوَهُ) كَبُنْدُقٍ (فِي قِشْرِهِ ثُمَّ قَاءَهُ أَوْ نَحْوِهِ) بِأَنْ خَرَجَ مِنْ أَيَّ مَحَلٍّ كَانَ (لَمْ يَنْجُسْ بَاطِنُهُ) لِصَلَابَةِ الْحَائِطِ (كَبَيْضٍ فِي خَمْرٍ صُلِقَ) وَنَحْوِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَلَا يَنْجُسُ بَاطِنُهُ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ بِخِلَافِ نَحْوِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ
(وَأَيُّ نَجَاسَةٍ خَفِيَتْ) فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ (غُسِلَ) مَا احْتَمَلَ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَصَابَتْهُ (حَتَّى يَتَيَقَّنَ غَسْلَهَا) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، فَإِنْ جَهِلَ جِهَتَهَا مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ، غَسَلَهُ كُلَّهُ وَإِنْ عَلِمَهَا فِي إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ إحْدَى كُمَّيْهِ وَنَسِيَهُ، وَإِنْ عَلِمَهَا غَسَلَهُمَا.
فِيمَا يُدْرِكُهُ بَصَرُهُ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، غَسَلَ مَا يُدْرِكُهُ مِنْهَا فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْمَانِعَ فَهُوَ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ غَسْلٌ إنْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ (فِي صَحْرَاءَ وَنَحْوِهَا) كَالْحُوشِ الْوَاسِعِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ (وَيُصَلِّي فِيهَا بِلَا تَحَرٍّ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَالْبَيْتِ وَالْحُوشِ الصَّغِيرِ وَخَفِيَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ، لَزِمَهُ غَسْلُهُ كُلِّهِ كَالثَّوْبِ.
[فَصْلٌ فِي النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (الْمُسْكِرُ) نَجَسٌ، خَمْرًا كَانَ أَوْ نَبِيذًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ - إلَى قَوْلِهِ - رِجْسٌ " وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ.
أَشْبَهَ الدَّمَ
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ النَّبِيذَ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ.
أَشْبَهَ الْخَمْرَةَ.
وَكَذَا الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ.
قَالَهُ فِي شَرْحِهِ.
(وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ الطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ فَمَا فَوْقَ الْخَمْرِ خِلْقَةً) نَجَسٌ، كَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَالْحِدَأَةِ وَالْبُومَةِ وَالنَّسْرِ وَالرَّخَمِ وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ وَالْفِيلِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَابْنِ آوَى وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالسِّمْعِ وَالْعِسْبَارِ.
وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فِي الْخِلْقَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ، كَالنِّمْسِ وَالنَّسْنَاسِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْقُنْفُذِ وَالْفَأْرِ
(وَمَيْتَةُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَ) غَيْرِ (سَمَكٍ، وَ) غَيْرِ (جَرَادٍ، وَ) غَيْرِ (مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالْعَقْرَبِ) نَجِسَةٌ.
وَأَمَّا مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ فَطَاهِرَةٌ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] وَلِحَدِيثِ «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» لِأَنَّهُ لَوْ نَجِسَ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ.
وَأَجْزَاؤُهُ وَأَبْعَاضُهُ كَجُمْلَتِهِ.
وَمَيْتَةُ السَّمَكِ وَسَائِرِ مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ وَالْجَرَادِ طَاهِرَةٌ أَيْضًا.
لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا، بِخِلَافِ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَمَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ، كَالضُّفْدَعِ.
وَمَيْتَةُ مَا لَا نَفْسَ أَيْ دَمَ لَهُ يَسِيلُ، كَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ وَالنَّحْلِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّمْلِ وَالدُّودِ مِنْ طَاهِرٍ وَالْقَمْلِ وَالصَّرَاصِيرِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ وَنَحْوِهَا طَاهِرَةٌ.
لِحَدِيثِ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ " فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ " وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ بَارِدٍ وَحَارٍّ وَدُهْنٍ مِمَّا يَمُوتُ الذُّبَابُ بِغَمْسِهِ فِيهِ.
فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ كَانَ آمِرًا بِإِفْسَادِهِ (إلَّا الْوَزَغُ وَالْحَيَّةُ) فَمَيْتَتُهُمَا نَجِسَةٌ لِأَنَّ لَهُمَا نَفْسًا سَائِلَةً
(وَالْعَلَقَةُ يُخْلَقُ مِنْهَا حَيَوَانٌ.
وَلَوْ) كَانَ (آدَمِيًّا أَوْ طَاهِرًا) نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ (وَالْبَيْضَةُ تَصِيرُ دَمًا) نَجِسَةٌ كَالْعَلَقَةِ.
وَكَذَا بَيْضُ مَذَرٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
وَفِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ.
وَنَقَلَ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ أَنَّ الصَّحِيحَ: طَهَارَتُهَا
(وَلَبَنُ) غَيْرِ آدَمِيٍّ وَمَأْكُولٍ كَلَبَنِ هِرٍّ نَجَسٌ (وَمَنِيُّ غَيْرِ آدَمِيٍّ وَمَأْكُولٍ) نَجَسٌ.
وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ.
وَكَذَا مَنِيُّ الْآدَمِيِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
فَلَا يَجِبُ فَرْكٌ وَلَا غُسْلٌ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَنْ اسْتِجْمَارٍ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَخْرَجِ نَجَاسَةٌ، فَالْمَنِيُّ نَجَسٌ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَبَيْضُهُ) أَيْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ نَجَسٌ (وَالْقَيْءُ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجَسٌ (وَالْوَدْيُ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجَسٌ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ غَيْرُ لَزِجٍ (وَالْمَذْيُ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجَسٌ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٍ، كَمَاءِ السَّيْسَبَانِ يَخْرُجُ عِنْدَ مَبَادِي
الشَّهْوَةِ وَالِانْتِشَارِ
(وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ أَوْ) مِنْ (آدَمِيٍّ) نَجَسٌ.
وَأَمَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ.
لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الْإِبِلِ.
وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي.
وَكَذَا مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ (وَالنَّجَسُ هُنَا) كَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (طَاهِرٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ) مِنْ (سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَكْرِيمًا لَهُمْ
(وَمَاءُ قُرُوحٍ) نَجَسٌ كَدَمٍ (وَدَمٌ) نَجَسٌ (غَيْرِ) مَا يَبْقَى مِنْهُ (فِي عِرْقٍ مَأْكُولٍ) بَعْدَ ذَبْحِهِ (وَلَوْ ظَهَرَتْ حُمْرَتُهُ) أَيْ حُمْرَةُ دَمِ عِرْقِ الْمَأْكُولِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ.
وَكَذَا مَا يَبْقَى فِي خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ طَاهِرٌ (وَ) غَيْرُ دَمِ (سَمَكٍ وَ) غَيْرُ دَمِ (بَقٍّ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيث وَذُبَابٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَسِيلُ دَمُهُ فَدَمُهُ طَاهِرٌ (وَ) غَيْرُ دَمِ (شَهِيدٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فُصِلَ عَنْهُ فَنَجَسٌ (وَقَيْحٌ) نَجَسٌ (وَصَدِيدٌ نَجَسٌ) لِأَنَّهُمَا مُتَوَلِّدَانِ مِنْ الدَّمِ النَّجَسِ (وَيُعْفَى فِي غَيْرِ مَائِعٍ، وَ) غَيْرُ (مَطْعُومٍ عَنْ يَسِيرٍ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ) خُرُوجُ قَدْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ (مِنْ دَمٍ.
وَلَوْ) كَانَ الدَّمُ (حَيْضًا وَنِفَاسًا وَاسْتِحَاضَةً) كَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَ) يُعْفَى أَيْضًا فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ يَسِيرٍ مِنْ (قَيْحٍ وَصَدِيدٍ) لِتَوَلُّدِهِمَا مِنْهُ، فَهُمَا أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَفْوِ (وَلَوْ) كَانَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ (مِنْ غَيْرِ مُصَلٍّ) بِأَنْ أَصَابَتْ الْمُصَلِّيَ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْهُ.
وَ (لَا) يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ أَوْ صَدِيدٍ (مِنْ حَيَوَانٍ نَجَسٍ) كَكَلْبٍ وَحِمَارٍ، لِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ فَضَلَاتِهِ، كَعَرَقِهِ وَرِيقِهِ، فَدَمُهُ أَوْلَى (أَوْ) كَانَ الدَّمُ أَوْ الْقَيْحُ أَوْ الصَّدِيدُ مِنْ (سَبِيلٍ) قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ: فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
(وَ) يُعْفَى (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ بِلَا خِلَافٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى مَحَلُّهُ إلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَيُعْفَى أَيْضًا عَنْ يَسِيرِ سَلَسِ بَوْلٍ بَعْدَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (دُخَانِ نَجَاسَةٍ وَغُبَارِهَا وَبُخَارِهَا مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ) أَيْ الدُّخَانِ وَالْغُبَارِ وَالْبُخَارِ (صِفَةٌ) فِي الشَّيْءِ الطَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ مَاءٍ نَجَسٍ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ) كَدَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ (قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ) فِي رِعَايَتِهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَعَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجَسِ بِمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ (وَأَطْلَقَهُ) أَيْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجَسِ (الْمُنَقَّحُ) فِي التَّنْقِيحِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ حَمْدَانَ، فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا عُفِيَ عَنْ
يَسِيرِهِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَنَجِّسَ بَلْ كُلَّ مُتَنَجِّسٍ حُكْمُهُ حُكْمُ نَجَاسَتِهِ.
فَإِنْ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهَا كَالدَّمِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، وَإِلَّا كَالْبَوْلِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ.
لِأَنَّهُ فَرْعُهَا.
وَالْفَرْعُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ (وَيُضَمُّ) نَجَسٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ (مُتَفَرِّقٌ بِثَوْبٍ) وَاحِدٍ.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ بُقَعٌ مِنْ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ أَوْ صَدِيدٍ.
فَإِنْ صَارَ بِالضَّمِّ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ.
(وَلَا) يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي (أَكْثَرَ) بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ ثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ (وَ) يُعْفَى عَنْ (نَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ) وَتَقَدَّمَ: لَا يَجِبُ غَسْلُهَا لِلتَّضَرُّرِ بِهِ (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (حَمْلِ كَثِيرِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ) لِلضَّرُورَةِ (وَعَرَقٍ وَرِيقٍ مِنْ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ) مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ طَاهِرٍ.
(وَالْبَلْغَمُ) مِنْ صَدْرٍ أَوْ رَأْسٍ أَوْ مَعِدَةٍ طَاهِرٌ (وَلَوْ أَزْرَقَ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا - وَوَصَفَهُ الْقَاسِمُ - فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ» " وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجَسًا لَنَجَّسَ الْفَمَ ; وَلِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْأَبْخِرَةِ أَشْبَهَ الْمُخَاطَ (وَرُطُوبَةُ فَرْجِ آدَمِيَّةٍ) طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ، وَلَوْ عَنْ جِمَاعٍ،
فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَكَانَ نَجِسًا لِخُرُوجِهِ مِنْهُ (وَسَائِلٌ مِنْ فَمِ) : ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (وَقْتَ نَوْمٍ) طَاهِرٌ كَالْبُصَاقِ (وَدُودُ قَزٍّ) وَبُزَيْرُهُ طَاهِرٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: بِلَا خِلَافٍ (وَمِسْكٌ وَفَأْرَتُهُ) طَاهِرَانِ، وَهُوَ سُرَّةُ الْغَزَالِ.
وَانْفِصَالُهُ بِطَبْعِهِ كَالْجَنِينِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَكَذَا.
الزَّبَادُ طَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ عِرْقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَقِيلَ: لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ: نَجَسٌ ; لِأَنَّهُ عِرْقُ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ.
قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي مُفْرَدَاتِهِ: قَالَ الشَّرِيفُ الْإِدْرِيسِيُّ: (الزَّبَادُ) نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْمَعُ مِنْ بَيْنِ أَفْخَاذِ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ، يُصَادُ وَيُطْعَمُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعْرَقُ فَيَكُونُ مِنْ عَرَقٍ بَيْنَ فَخِذَيْهِ حِينَئِذٍ.
وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ الْأَهْلِيِّ.
(وَالْعَنْبَرُ) طَاهِرٌ، وَطِينُ شَارِعٍ ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ طَاهِرٌ.
وَكَذَا تُرَابُهُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ،
وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ سُؤْرِ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَهُوَ فَضْلُ مَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ غَيْرُ دَجَاجَةٍ مُخْلَاةٍ، أَيْ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ فَيُكْرَهُ سُؤْرُهَا، احْتِيَاطًا.
وَقِيلَ: وَسُؤْرُ الْفَأْرِ ; لِأَنَّهُ يُنْسِي.
وَلَوْ أَكَلَ هِرٌّ
وَنَحْوُهُ، وَكَنِمْسٍ وَفَأْرٍ وَقُنْفُذٍ، وَدَجَاجَةٍ وَبَهِيمَةٍ: نَجَاسَةً (أَوْ أَكَلَ طِفْلٌ نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَ) الْهِرُّ وَنَحْوُهُ أَوْ الطِّفْلُ (وَلَوْ قَبْلَ، أَنْ يَغِيبَ) بَعْدَ أَكْلِ النَّجَاسَةِ (مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ) أَوْ مَائِعٍ لَا يُؤَثِّرُ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(أَوْ وَقَعَ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ الْيَسِيرِ أَوْ مَائِعٍ غَيْرِهِ (هِرٌّ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَنْضَمَّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ فِي مَائِعٍ) كَالْفَأْرِ (وَخَرَجَ حَيًّا.
لَمْ يُؤَثِّرْ) لِعَدَمِ وُصُولِ نَجَاسَةٍ إلَيْهِ (وَكَذَا) لَوْ وَقَعَ (فِي جَامِدٍ) وَخَرَجَ حَيًّا.
لَمْ يُؤَثِّرْ (وَهُوَ) أَيْ الْجَامِدُ (مَا يَمْنَعُ انْتِقَالَهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (فِيهِ) لِكَثَافَتِهِ
(وَإِنْ مَاتَ) حَيَوَانٌ يَنْجُسُ بِمَوْتٍ، (أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَسَمْنٍ جَامِدٍ (أَلْقَى) الْمَيِّتَ (وَمَا حَوْلَهُ) مِنْ دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ، لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَسَ وَاسْتُعْمِلَ الْبَاقِي (وَإِنْ اخْتَلَطَ) النَّجَسُ بِغَيْرِهِ (وَلَمْ يَنْضَبِطْ.
حَرُمَ) الْكُلُّ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ مَائِعًا لِلْخَبَرِ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
ِ) لُغَةً: السَّيَلَانُ، مَصْدَرُ حَاضَ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَاضَ الْوَادِي.
إذَا سَالَ.
وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ وَهُوَ الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَتَحَيَّضَتْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ نَحْوِ صَلَاةٍ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالْفِرَاكُ وَالدِّرَاسُ، وَاسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا.
وَشَرْعًا (دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، أَيْ سَجِيَّةً وَخِلْقَةً.
جَبَلَ اللَّهُ بَنَاتِ آدَمَ عَلَيْهَا (تُرْخِيهِ الرَّحِمُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا مَعَ كَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا فِيهِمَا، بَيْتُ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ، وَمَخْرَجُهُ مِنْ قَعْرِهِ (يَعْتَادُ) ذَلِكَ الدَّمُ (أُنْثَى إذَا بَلَغَتْ، فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ) فِي الْغَالِبِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، إنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا وَلَا مُرْضِعًا، وَلِأَنَّهُ لَا مَصْرِفَ لَهُ إذَنْ، فَإِذَا حَمَلَتْ صَرَفَهُ اللَّهُ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ.
وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ.
فَإِذَا أَرْضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّ أَنْ تَحِيضَ الْمُرْضِعُ (وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ) اثْنَيْ عَشَرَ شَيْئًا (الْغُسْلَ لَهُ، فَلَا) يَصِحُّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ.
(وَلَا) يَمْنَعُ الْغُسْلَ (لِجَنَابَةٍ) أَوْ نَحْوِ إحْرَامٍ (بَلْ يُسَنُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ، تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ.
(وَ) يَمْنَعُ (الْوُضُوءَ) فَلَا يَصِحُّ لِمَا
تَقَدَّمَ (وَ) يَمْنَعُ (وُجُوبَ الصَّلَاةِ) إجْمَاعًا فَلَا تَقْضِيهَا إجْمَاعًا.
قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَالَ: لَا، هَذَا خِلَافٌ.
أَيْ بِدْعَةٌ.
وَتَفْعَلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ بِمَعْنَاهُ.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (فِعْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لِمُسْتَمِعَةٍ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهَا.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (فِعْلَ طَوَافٍ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَوُجُوبُهُ بَاقٍ فَتَفْعَلُهُ إذَا طَهُرَتْ أَدَاءً، لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ.
وَيَسْقُطُ عَنْهَا وُجُوبُ طَوَافٍ لِلْوَدَاعِ.
كَمَا يَأْتِي.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا فِعْلَ (صَوْمٍ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ (وُجُوبَهُ) أَيْ الصَّوْمِ، فَتَقْضِيهِ إجْمَاعًا.
لِحَدِيثِ مُعَاذَةَ قَالَتْ " سَأَلْت عَائِشَةَ، فَقُلْت: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْت: لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ.
فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَضَاؤُهُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ، لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (مَسَّ مُصْحَفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (قِرَاءَةَ قُرْآنٍ) مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (اللُّبْثَ بِمَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَوْ) كَانَ (اللُّبْثُ) بِوُضُوءٍ، مَعَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ.
فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ (الْمُرُورَ) بِالْمَسْجِدِ (إنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ نَصًّا) فَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُ مُنِعَتْ.
(وَ) يَمْنَعُ الْحَيْضُ أَيْضًا وَطْئًا فِي فَرْجٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ وَهُوَ مَوْضِع الْحَيْضِ، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ.
وَإِنْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْهُ قُبِلَ مِنْهَا.
نَصًّا إنْ أَمْكَنَ كَطُهْرِهَا (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) مَرَضٌ مَعْرُوفٌ.
فَيُبَاحُ لَهُ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ (بِشَرْطِهِ) بِأَنْ يُخَافَ تَشَقُّقُ أُنْثَيَيْهِ، إنْ لَمْ يَطَأْ، وَلَا تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِهِ فِي الْفَرْجِ.
وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ.
(وَ) يَمْنَعُ الْحَيْضُ أَيْضًا (سُنَّةَ طَلَاقٍ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
كَمَا يَأْتِي مُوَضَّحًا فِي بَابِهِ (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ) أَيْ الْحَائِضُ الزَّوْجَ (خُلْعًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى عِوَضٍ) فَيُبَاحُ لَهُ إجَابَتُهَا.
لِأَنَّ الْمَنْعَ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ سُؤَالِهَا قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إنْ سَأَلَتْهُ طَلَاقًا بِلَا عِوَضٍ.
وَلَا إنْ كَانَ السَّائِلُ غَيْرَهَا.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (اعْتِدَادًا بِأَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: 4] الْآيَةَ (إلَّا) الِاعْتِدَادُ (لِوَفَاةٍ) فَبِالْأَشْهُرِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَلَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]
(وَيُوجِبُ) الْحَيْضُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ (الْغُسْلَ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا.
ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُوجِبُ (الْبُلُوغَ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَأَوْجَبَ أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ.
(وَ) يُوجِبُ (الِاعْتِدَادَ بِهِ إلَّا لِوَفَاةٍ) وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
زَادَ فِي الْإِقْنَاعِ الْحُكْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الِاعْتِدَادِ وَالِاسْتِبْرَاءِ إذْ الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ.
وَالْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ فِيهِ (وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْحَيْضِ فِيمَا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ (اعْتِدَادٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرُوءٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ (وَكَوْنُهُ) أَيْ النِّفَاسِ (لَا يُوجِبُ بُلُوغًا) لِأَنَّهُ حَصَلَ بِالْإِنْزَالِ السَّابِقِ لِلْحَمْلِ (وَ) كَوْنُهُ (لَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي مُدَّةِ إيلَاءٍ) أَيْ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمَوْلَى لِطُولِ مُدَّتِهِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ (وَلَا يُبَاحُ قَبْلَ غُسْلٍ بِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ غَيْرَ صَوْمٍ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجَنَابَةِ (وَ) غَيْرَ (طَلَاقٍ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ.
وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ وَيُبَاحُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ: لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ بِوُضُوءٍ.
وَتَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (مِنْ حَائِضٍ بِدُونِ فَرْجٍ) مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتَيْهَا.
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] أَيْ اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ.
وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيُخَصُّ التَّحْرِيمُ بِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ " إلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ.
وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ
وَغَيْرُهُ،
وَبِهِ تَسْلِيمُ صِحَّتِهِ فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ بِالْمَفْهُومِ.
وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِلتَّحْرِيمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَعَذُّرًا،
كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ (وَيُسَنُّ سَتْرُهُ) أَيْ الْفَرْجِ (إذَا) أَيْ حِينَ اسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَهُ، لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ أَوْلَجَ) فِي فَرْجِ حَائِضٍ (قَبْلَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ الْحَيْضِ (مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ: حَشَفَتَهُ، أَوْ قَدْرَهَا إنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا (وَلَوْ بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُولِجِ (كَفَّارَةُ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ، كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ.
وَالدِّينَارُ هُنَا: الْمِثْقَالُ مِنْ الذَّهَبِ مَضْرُوبًا أَوْ لَا.
وَيُجْزِي قِيمَتُهُ مِنْ الْفِضَّةِ فَقَطْ، سَوَاءٌ وَطِئَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ أَوْ آخِرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَكَذَا لَوْ جَامَعَهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَحَاضَتْ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ (وَلَوْ) كَانَ الْوَاطِئُ (مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا) الْحَيْضَ (أَوْ جَاهِلًا الْحَيْضَ وَالتَّحْرِيمَ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَكَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ (وَكَذَا هِيَ) أَيْ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْكَفَّارَةِ، قِيَاسًا عَلَيْهِ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى الْوَطْءِ.
فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا وَقِيَاسُهُ: لَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً (وَتُجْزِئُ) الْكَفَّارَةُ إنْ دَفَعَهَا (إلَى) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ) أَيْ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ، وَأَطْلَقَ.
جَازَ دَفْعُهُ لِوَاحِدٍ (وَتَسْقُطُ) الْكَفَّارَةُ (بِعَجْزٍ) عَنْهَا كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَكَالصَّوْمِ.
وَبَدَنُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ، وَلَا يُكْرَهُ عَجْنُهَا وَنَحْوُهُ، وَلَا وَضْعُ يَدِهَا فِي مَائِعٍ
(وَأَقَلُّ سِنِّ حَيْضٍ) أَيْ مِنْ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) تَحْدِيدًا.
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ.
وَلِأَنَّهُ خُلِقَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، فَلَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ،
وَالْمُرَادُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ.
فَمَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَبِبُلُوغِهَا وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ أَكْثَرُ سِنٍّ
تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ (خَمْسُونَ سَنَةً) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَعَنْهَا أَيْضًا " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ " (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) نَصًّا.
لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمَّا طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ، كَالطُّهْرِ.
احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ: إنَّمَا تَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ.
وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يُرَى فِيهِ الدَّمُ غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَرَاهُ حَيْضًا كَالْآيِسَةِ.
فَإِذَا رَأَتْ دَمًا فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، فَلَا تُتْرَكُ لَهُ الصَّلَاةُ وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ نَصًّا (وَأَقَلُّهُ) أَيْ أَقَلُّ زَمَنٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَمُهُ حَيْضًا (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا.
لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " (وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) «لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَمْنَةَ تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتٍ» (وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ " عَلِيٍّ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا.
فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: قالون " أَيْ جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ.
وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا.
وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ يَقِينًا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُخْتَلَفُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ (وَ) أَقَلُّ الطُّهْرِ (زَمَنُ حَيْضٍ) أَيْ فِي أَثْنَائِهِ (خُلُوصُ النَّقَاءِ، بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ مَعَهُ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا) طَالَ الزَّمَنُ أَوْ قَصُرَ (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ (زَمَنَهُ) أَيْ زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا.
لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى
، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى (وَغَالِبُهُ) أَيْ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ) بَعْدَ مَا حَاضَتْهُ مِنْهُ.
إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فَمَنْ تَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مِنْ الشَّهْرِ، فَغَالِبُ طُهْرِهَا أَرْبَعَةٌ
وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ الطُّهْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ شَرْعًا.
وَمِنْ النِّسَاءِ مَنْ لَا تَحِيضُ الشَّهْرَ وَالثَّلَاثَ وَالسَّنَةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا.
[فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ]
ٍ أَيْ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (تَجْلِسُ) أَيْ تَدَعُ نَحْوَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَطَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ (بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ دَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ.
لِأَنَّ الْحَيْضَ جِبِلَّةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسَادِ.
فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ غُسْلٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، وَإِلَّا جَلَسَتْ (أَقَلَّهُ) يَوْمًا وَلَيْلَةً (ثُمَّ تَغْتَسِلُ) بَعْدَهُ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ لِذَلِكَ أَوْ لَا (وَتُصَلِّي) وَتَصُومُ وَنَحْوَهُمَا.
لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّهِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحَاضَةَ، فَلَا تَتْرُكُ الْوَاجِبَ بِالشَّكِّ، وَلَا تُصَلِّي قَبْلَ الْغُسْلِ، لِوُجُوبِهِ لِلْحَيْضِ.
(فَإِذَا) جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ انْقَطَعَ (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ، بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ (اغْتَسَلَتْ أَيْضًا) وُجُوبًا لِصَلَاحِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا (تَفْعَلُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ وَهُوَ جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهِمَا وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ (ثَلَاثًا) أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وَهِيَ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، فَلَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِدُونِهَا،
وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ، كَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَكَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ (فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ) حَيْضُهَا فِي الشُّهُورِ الثَّلَاثَةِ (صَارَ عَادَةً تَنْتَقِلُ إلَيْهِ) فَتَجْلِسُ جَمِيعَهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، لِتَيَقُّنِهِ حَيْضًا (وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ) كَرَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَنَذْرٍ (وَنَحْوَهُ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ إذَا (وَقَعَ) ذَلِكَ (فِيهِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَيْضِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَةٌ، فَحَيْضٌ مُرَتَّبًا كَانَ، كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ، وَسِتَّةٍ فِي ثَانٍ، وَسَبْعَةٍ فِي ثَالِثٍ، أَوْ غَيْرِ مُرَتَّبٍ.
و (لَا) تُعِيدُ ذَلِكَ (إنْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ) ثَلَاثًا (أَوْ لَمْ يَعُدْ) الدَّمُ إلَيْهَا إلَّا بِأَنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ حَيْضًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا) وَالدَّمُ بَاقٍ، وَلَوْ بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (قَبْلَ تَكْرَارِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ احْتِيَاطًا، فَيَجِبُ أَيْضًا تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا.
(وَلَا يُكْرَهُ) وَطْؤُهَا (إنْ طَهُرَتْ) فِي أَثْنَائِهِ (يَوْمًا فَأَكْثَرَ) بَعْدَ غُسْلِهَا ; لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَمَفْهُومُهُ: يُكْرَهُ إنْ كَانَ دُونَ يَوْمٍ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا سَبَقَ لِأَنَّهُ فِي الْمُعْتَادَةِ، وَهَذَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ.
وَظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ: لَا فَرْقَ (وَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ جَاوَزَ دَمُ مُبْتَدَأَةٍ أَكْثَرَ حِيَضٍ (فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالِاسْتِحَاضَةُ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ مِنْ عِرْقٍ، يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقِيلَ: بِالْمُهْمَلَةِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ وَالْعَاذِرُ لُغَةٌ فِيهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ، دُونَ قَعْرِهِ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ: دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ.
وَخَارِجٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ، مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ.
وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَالدَّمُ الْفَاسِدُ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ بِمَعْنَاهُ.
ثُمَّ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيَّزَةً وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (فَمَا بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ دَمِهَا (ثَخِينٌ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ (أَوْ) بَعْضُهُ (أَسْوَدُ) وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ (أَوْ) بَعْضُهُ (مُنْتِنٌ) وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُنْتِنٍ.
(وَصَلُحَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا أَيْ الثَّخِينُ أَوْ الْأَسْوَدُ أَوْ الْمُنْتِنُ (حَيْضًا) بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ (تَجْلِسُهُ) أَيْ تَدَعُ زَمَنَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا، مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَإِذَا مَضَى اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ.
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ.
فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد «إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ» فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ، إنَّهَا وَاَللَّهِ إنْ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ أَيَّامِ مَحِيضِهَا إلَّا كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ " وَحَيْثُ صَلُحَ ذَلِكَ جَلَسَتْهُ.
(وَلَوْ لَمْ يَتَوَالَ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ وَيَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ، إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونُ، ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ، فَتَضُمُّ الْأَسْوَدَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَتَجْلِسُهُ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَسِتَّةً أَحْمَرَ، فَتَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ فِي زَمَنِ الْأَسْوَدِ (أَوْ) لَمْ (يَتَكَرَّرْ) فَتَجْلِسُ زَمَنَ الْأَسْوَدِ الصَّالِحِ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْرَارِهِ وَتَجْلِسُهُ أَيْضًا وَلَوْ انْتَفَى التَّوَالِي وَالتَّكْرَارُ مَعًا لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا تَحْتَاجُ ضَمَّ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَةَ
أَشْهُرٍ، فَتَجْلِسُهُ فِي الرَّابِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ دَمِهَا ثَخِينًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ مُنْتِنًا، وَصَلُحَ حَيْضًا بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْأَسْوَدُ مِنْهُ وَنَحْوُهُ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (فَ) تَجْلِسُ (أَقَلَّ الْحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ (حَتَّى يَتَكَرَّرَ) دَمُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَتَجْلِسُ) إذَا تَكَرَّرَ (مِنْ) مِثْلِ (أَوَّلِ وَقْتِ ابْتِدَائِهَا) إنْ عَلِمَتْهُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ (أَوْ) تَجْلِسُ مِنْ (أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ إنْ جَهِلَتْهُ) أَيْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ (سِتًّا أَوْ سَبْعًا) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا (بِتَحَرٍّ أَيْ بِاجْتِهَادٍ) فِي حَالِ الدَّمِ، وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا مِنْ النِّسَاءِ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ.
فَقَالَ: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ
(وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا) أَيْ عَادَتَهَا وَلَوْ كَانَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَالِحٌ لِعُمُومِ «قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ: إذْ سَأَلَتْهُ عَنْ الدَّمِ اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى، لِكَوْنِهَا لَا تُبْطِلُ دَلَالَتَهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّوْنِ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطُلَتْ دَلَالَتُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً.
و (لَا) تَجْلِسُ (مَا نَقَصَتْهُ) عَادَتُهَا (قَبْلَ) اسْتِحَاضَتِهَا فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ النَّقْصُ وَإِنَّمَا تَجْلِسُ الْمُسْتَحَاضَةُ عَادَتَهَا (إنْ عَلِمَتْهَا) بِأَنْ تَعْرِفَ شَهْرَهَا، وَيَأْتِي وَتَعْرِفَ وَقْتَ حَيْضِهَا مِنْهُ وَوَقْتَ طُهْرِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا (وَإِلَّا) تَعْلَمْ عَادَتَهَا بِأَنْ جَهِلَتْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (عَمِلَتْ) وُجُوبًا (بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ) لِلْحَيْضِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَتَقَدَّمَ (وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ، بِأَنْ لَمْ يَتَوَالَ (أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ (وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ) أَيْ التَّمْيِيزِ الصَّالِحِ (بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ) وَهُمَا الْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ وَالثَّخِينُ وَالرَّقِيقُ أَوْ الْمُنْتِنُ وَغَيْرُهُ (عَلَى شَهْرٍ) أَيْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، نَحْوُ أَنْ تَرَى عَشَرَةً أَسْوَدَ وَثَلَاثِينَ فَأَكْثَرَ أَحْمَرَ دَائِمًا، فَتَجْلِسَ الْأَسْوَدَ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ (وَلَا يُلْتَفَتُ لِتَمْيِيزٍ إلَّا مَعَ اسْتِحَاضَةٍ) فَتَجْلِسَ جَمِيعَ دَمٍ لَا يُجَاوِزُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ صِفَةً لِأَنَّهُ يَصْلُحُ حَيْضًا كُلُّهُ (فَإِنْ عُدِمَ) التَّمْيِيزُ وَجِهَاتُ عَادَتِهَا (فِ) هِيَ (مُتَحَيِّرَةٌ) لِتَحَيُّرِهَا فِي حَيْضِهَا، لِجَهْلِ عَادَتِهَا وَعَدَمِ تَمْيِيزِهَا
(لَا تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ) بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ.
وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنْ تَنْسَى عَدَدَ أَيَّامِهَا دُونَ مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (وَتَجْلِسُ نَاسِيَةُ الْعَدَدِ فَقَطْ غَالِبَ الْحَيْضِ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي (فِي مَوْضِع حَيْضِهَا) مِنْ أَوَّلِهِ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ إلَّا شَهْرَهَا، وَهُوَ مَا يَجْتَمِعُ) لَهَا (فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ) وَأَقَلُّهُ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فَ) تَجْلِسُ (فِيهِ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا (إنْ اتَّسَعَ لَهُ) أَيْ لِغَالِبِ الْحَيْضِ كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا عِشْرِينَ فَأَكْثَرَ فَتَجْلِسَ فِي أَوَّلِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ بَقِيَّةَ الْعِشْرِينَ ثُمَّ تَعُودَ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ أَبَدًا.
(وَإِلَّا) يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ بِأَنْ يَكُونَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَ (جَلَسَتْ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَقَلِّ الطُّهْرِ) وَهُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
فَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جَلَسَتْ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ جَلَسَتْ يَوْمَيْنِ.
وَهَكَذَا.
ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي بَقِيَّتَهُ.
الثَّانِي: أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَتَنْسَى مَوْضِعَهُ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَتَجْلِسُ الْعَدَدَ بِهِ) أَيْ بِشَهْرِهَا، أَيْ فِيهِ (مَنْ ذَكَرَتْهُ) أَيْ الْعَدَدَ (وَنَسِيَتْ الْوَقْتَ) مِنْ أَوَّلِ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَمِنْ أَوَّلِ كُلِّ هِلَالِيٍّ، حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لَهُمَا.
وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَ) تَجْلِسُ (غَالِبَ الْحَيْضِ مَنْ نَسِيَتْهُمَا) أَيْ الْعَدَدَ وَالْوَقْتَ (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا.
وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي) أَوْ الْأَوَّلِ أَوْ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْهُ (فَإِنْ جَهِلَتْ) مُدَّةَ حَيْضِهَا (فَ) لَمْ تَدْرِ: أَكَانَتْ تَحِيضُ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ أَيْضًا (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ كَمُبْتَدَأَةٍ) أَيْ كَمَا تَفْعَلُ الْمُبْتَدَأَةُ ذَلِكَ.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَمْنَةَ «تَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَيَّامَهَا وَصُومِي» فَقَدَّمَ حَيْضَهَا عَلَى الطُّهْرِ، ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ (وَمَتَى ذَكَرَتْ) النَّاسِيَةُ (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَجَلَسَتْهَا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ وَقَدْ زَالَ
فَرَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ) مِنْ نَحْوِ صَوْمِ (زَمَنِهَا) أَيْ زَمَنِ عَادَتِهَا، لِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ، بِكَوْنِهِ صَادَفَ حَيْضَهَا (وَ) قَضَتْ الْوَاجِبَ أَيْضًا مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ عَادَتِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيْضَهَا.
فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةً إلَى آخِرِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ
فَجَلَسَتْ سَبْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَتْ.
لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ صَلَاةٍ وَالصِّيَامُ الْوَاجِبُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ (وَمَا تَجْلِسُهُ نَاسِيَةً) لِعَادَتِهَا (مِنْ) حَيْضٍ (مَشْكُوكٍ فِيهِ،
فَهُوَ كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِي أَحْكَامِهِ، مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالْوَطْءِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا (وَمَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ (إلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
فَهُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَحُكْمُهُ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) فِي أَحْكَامِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ، فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُبَاحُ.
وَيَسْقُطُ.
وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْوَطْءُ فِي طُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَالِاسْتِحَاضَةِ (وَغَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِمَا (اسْتِحَاضَةٌ) لِخَبَرِ حَمْنَةَ.
وَلِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَطُولُ مُدَّتُهَا غَالِبًا.
وَلَا غَايَةَ لِانْقِطَاعِهَا تُنْتَظَرُ فَيَعْظُمُ مَشَقَّةُ قَضَاءِ مَا فَعَلَتْهُ فِي الطُّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، بِخِلَافِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ غَالِبًا.
وَبِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، وَلَمْ يُجَاوِزْ الْأَكْثَرَ.
وَعَلَى عَادَةِ الْمُعْتَادَةِ لِانْكِشَافِ أَمْرِهِ بِالتَّكْرَارِ
(وَإِنْ تَغَيَّرَتْ عَادَةٌ) مُعْتَادَةٌ (مُطْلَقًا) بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ (فَ) الدَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَادَةِ أَوْ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهَا أَوْ الْمُتَأَخِّرُ عَنْهَا (كَدَمٍ زَائِدٍ عَلَى أَقَلِّ حَيْضٍ مِنْ مُبْتَدَأَةٍ فِي) أَنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي فِيهِ وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا.
وَفِي (إعَادَةِ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ فَعَلَتْهُ فِيهِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ زَمَنُ حَيْضٍ، وَصَارَ عَادَةً لَهَا، فَتَنْتَقِلُ إلَيْهِ (وَمَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا) فِي عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ كَالطَّاهِرَةِ (ثُمَّ) إنْ (عَادَ) الدَّمُ (فِي عَادَتِهَا جَلَسَتْهُ) وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ لِأَنَّهُ صَادَفَ عَادَتَهَا.
أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ و (لَا) تَجْلِسُ (مَا جَاوَزَهَا) أَيْ الْعَادَةَ (وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ الْحَيْضِ (حَتَّى يَتَكَرَّرَ) فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَتَجْلِسَهُ بَعْدُ ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ (وَصُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ) أَيْ شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ (فِي أَيَّامِهَا) أَيْ الْعَادَةِ (حَيْضٌ) تَجْلِسُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] وَهُوَ يَتَنَاوَلُهُمَا.
وَلِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ " يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ " تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مَنْ الْحَيْضِ.
وَفِي الْكَافِي: قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: هِيَ مَاءٌ أَبِيضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ (لَا بَعْدَ) الْعَادَةِ، فَلَيْسَ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضًا (وَلَوْ تَكَرَّرَ) ذَلِكَ.
فَلَا تَجْلِسُهُ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ " كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ
وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ " بَعْدَ الطُّهْرِ ".
(وَمَنْ تَرَى يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ دَمًا) مُتَفَرِّقًا (يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ) أَيْ الدَّمِ (أَقَلَّهُ) أَيْ الْحَيْضِ.
(وَ) تَرَى (نَقَاءً مُتَخَلِّلًا) لِتِلْكَ الدِّمَاءِ لَا يَبْلُغُ أَقَلَّ الطُّهْرِ (فَالدَّمُ حَيْضٌ) لِصَلَاحِيَّتِهِ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، وَالنَّقَاءُ طُهْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَمَتَى انْقَطَعَ) الدَّمُ (قَبْلَ بُلُوغِ الْأَقَلِّ وَجَبَ الْغُسْلُ) إذَنْ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ حَيْضٌ لَا فَسَادٌ.
(فَإِنْ جَاوَزَ) الْمَجْمُوعُ أَيْ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنَّقَاءِ (أَكْثَرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (كَمَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) يَوْمًا (مَثَلًا فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا إنْ عَلِمَتْهَا، وَإِلَّا فَبِالتَّمْيِيزِ إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَمُتَحَيِّرَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَلَا تَمْيِيزَ جَلَسَتْ أَقَلَّ الْحَيْضِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى غَالِبِهِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهَلْ تُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةً مِنْ سَبْعَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ اهـ. وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِالثَّانِي.
[فَصْلٌ مَنْ دَامَ حَدَثُهُ]
فَصْلٌ يَلْزَمُ كُلُّ مَنْ دَامَ حَدَثُهُ مِنْ مُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، أَوْ مَذْيٍ، أَوْ رِيحٍ، أَوْ جُرْحٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، أَوْ رُعَافٌ (غَسْلُ الْمَحَلِّ) الْمُلَوَّثِ بِالْحَدَثِ، لِإِزَالَتِهِ عَنْهُ (وَتَعْصِيبُهُ) أَيْ فِعْلُ مَا يَمْنَعُ الْخَارِجَ حَسَبَ الْإِمْكَانِ: مِنْ حَشْوٍ بِقُطْنٍ، وَشَدَّهُ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ، وَتَسْتَثْفِرُ الْمُسْتَحَاضَةُ إنْ كَثُرَ دَمُهَا بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطِهَا عَلَى الْفَرْجِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثٍ «تَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ» وَقَالَ لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ» يَعِنِي الْقُطْنَ " تَحْشِي بِهِ الْمَكَانَ قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: تَلَجَّمِي " فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ شَدُّهُ كَبَاسُورٍ وَنَاصُورٍ وَجُرْحٍ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، صَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.
و (لَا) يَلْزَمُهُ (إعَادَتُهُمَا) أَيْ الْغُسْلِ وَالْعَصْبِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ) ، لِأَنَّ الْحَدَثَ مَعَ غَلَبَتِهِ وَقُوَّتِهِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ.
فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَتَوَضَّأُ) مِنْ حَدَثٍ دَائِمٍ (لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الْمُسْتَحَاضَةِ «وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ ; وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ لَمْ يَبْطُلْ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لَوْ كَانَتْ تَوَضَّأَتْ قَبْلَهُ.
قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ أَوْلَى.
وَجَزَمَ بِهِ فِي نَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَسَوَّى فِي الْإِقْنَاعِ بَيْنَهُمَا، تَبَعًا لِأَبِي يَعْلَى.
وَإِلَيْهِ مَيْلُهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَيُصَلِّي دَائِمُ الْحَدَثِ عَقِبَ طُهْرِهِ نَدْبًا (وَإِنْ اُعْتِيدَ انْقِطَاعُهُ) أَيْ الْحَدَثِ الدَّائِمِ (زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ) أَيْ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ لَهَا (تَعَيَّنَ) فِعْلُ الْمَفْرُوضَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا عُذْرَ مَعَهُ وَلَا ضَرُورَةَ.
فَتَعَيَّنَ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ) أَيْ انْقِطَاعُ الْحَدَثِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ (لِمَنْ عَادَتُهُ الِاتِّصَالُ) لِلْحَدَثِ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ (بَطَلَ وُضُوءُهُ) لِأَنَّهُ صَارَ بِهِ فِي حُكْمِ مَنْ حَدَثُهُ غَيْرُ دَائِمٍ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ انْقِطَاعَهُ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ لَا أَثَرَ لَهُ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُضِيَّ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ دَوَامِهِ (وَمَنْ تَمْتَنِعُ قِرَاءَتُهُ) فِي الصَّلَاةِ (قَائِمًا) لَا قَاعِدًا صَلَّى قَاعِدًا (أَوْ يَلْحَقُهُ السَّلَسُ) فِي الصَّلَاةِ (قَائِمًا) لَا قَاعِدًا (صَلَّى قَاعِدًا) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا بَدَلَ لَهَا، وَالْقِيَامَ بَدَلُهُ الْقُعُودُ.
وَإِنْ كَانَ لَوْ قَامَ لَمْ يَحْبِسْهُ وَإِنْ اسْتَلْقَى حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا (وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ) السَّلَسُ (إلَّا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ) نَصًّا، كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَلَا يَكْفِيه الْإِيمَاءُ (وَحَرُمَ وَطْءُ مُسْتَحَاضَةٍ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ عَنَتٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا " فَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَتْهُ أُبِيحَ وَطْؤُهَا، وَلَوْ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ.
وَكَذَا إنْ كَانَ بِهِ شَبَقٌ شَدِيدٌ.
لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْحَيْضِ.
وَمُدَّتُهُ تَطُولُ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ.
وَلِأَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا.
وَحَيْثُ حَرُمَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ (وَلِرَجُلٍ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ) كَكَافُورٍ.
لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (وَلِأُنْثَى شُرْبُهُ) أَيْ الْمُبَاحِ (لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ وَحُصُولِ حَيْضٍ) إذْ الْأَصْلُ الْحِلُّ حَتَّى يَرِدَ التَّحْرِيمُ.
وَلَمْ يَرِدْ.
و (لَا) تَشْرَبُ مُبَاحًا (لِحُصُولِ حَيْضٍ قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَهُ) أَيْ رَمَضَانَ كَالسَّفَرِ لِتُفْطِرَ.
(وَ) الْأُنْثَى أَيْضًا تَشْرَبُ مُبَاحًا (لِقَطْعِهِ) أَيْ الْحَيْضِ لِمَا تَقَدَّمَ و (لَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ (فِعْلُ الْأَخِيرِ) أَيْ مَا يَقَعُ الْحَيْضُ
(بِهَا بِلَا عِلْمِهَا) بِهِ: لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّهَا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ.
وَفِي الْفَائِقِ: لَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ.
ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
[فَصْلٌ النِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ]
ِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ.
فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ.
وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا.
.
وَرُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَرَ دَمًا.
فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ» وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِبَ سَبَبِهِ.
فَكَانَ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ (وَهُوَ) أَيْ النِّفَاسُ بَقِيَّةٌ لِلدَّمِ الَّذِي اُحْتُبِسَ فِي مُدَّة الْحَمْلِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّفَسِ.
وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْجَوْفِ، أَوْ مِنْ نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، أَيْ فَرَّجَهَا، وَعُرْفًا (دَمٌ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مَعَ وِلَادَةٍ وَقَبْلَهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِأَمَارَةٍ) أَيْ عَلَامَةٍ عَلَى الْوِلَادَةِ، كَالتَّأَلُّمِ.
وَإِلَّا فَلَا تَجْلِسُهُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمَهُ أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ (وَبَعْدَهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (إلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ) يَوْمًا (مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ) فَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ (وَإِنْ جَاوَزَهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ دَمُ النِّفَاسِ (وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا وَلَمْ يَزِدْ) عَنْ عَادَتِهَا.
فَالْمُجَاوِزُ حَيْضٌ ; لِأَنَّهُ فِي عَادَتِهَا.
أَشْبَهُ مَا لَوْ لَمْ يَتَّصِلْ بِنِفَاسٍ (أَوْ زَادَ) الدَّمُ الْمُجَاوِزُ لِلْأَرْبَعِينَ عَنْ الْعَادَةِ (وَتَكَرَّرَ) ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ (فَهُوَ حَيْضٌ) لِأَنَّهُ دَمٌ مُتَكَرِّرٌ صَالِحٌ لِلْحَيْضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ نِفَاسٌ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ، أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَتَكَرَّرَ أَوَّلًا (أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةَ) حَيْضٍ (فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا،
فَإِنْ تَكَرَّرَ وَصَلُحَ حَيْضًا فَحَيْضٌ (وَلَا تَدْخُلُ اسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ) كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ حَيْضٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَقْوَى (وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) أَيْ النِّفَاسِ (بِوَضْعِ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ) وَلَوْ خَفِيًّا ; لِأَنَّهُ وِلَادَةٌ، لَا عَلَقَةٌ أَوْ مُضْغَةٌ لَا تَخْطِيطَ فِيهِمَا.
وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُهُ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا، وَيَأْتِي وَغَالِبُهُ كَمَا.
قَالَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَالنَّقَاءُ زَمَنُهُ) أَيْ النِّفَاسِ (طُهْرٌ) كَالْحَيْضِ.
فَتَغْتَسِلُ وَتَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ الطَّاهِرَاتُ (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا فِيهِ)
أَيْ النَّقَاءِ زَمَنُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا، عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ " أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ.
فَقَالَ: " لَا تَقْرَبِينِي " وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْعَوْدَ مِنْ الْوَطْءِ (فَإِنْ عَادَ الدَّمُ فِي الْأَرْبَعِينَ) بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (أَوْ لَمْ تَرَهُ) عِنْدَ الْوِلَادَةِ (ثُمَّ رَأَتْهُ فِيهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ، فَهُوَ (مَشْكُوكٌ فِيهِ) ، أَيْ كَوْنِهِ نِفَاسًا أَوْ فَسَادًا، لِتَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ فِيهِ (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي) مَعَهُ.
لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطُهُ بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَلَيْسَ كَالْحَيْضِ لِتَكَرُّرِهِ (وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ وَنَحْوَهُ) احْتِيَاطًا.
لِأَنَّهَا تَيَقَّنَتْ شُغْلَ ذِمَّتِهَا بِهِ.
فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ (وَلَا تُوطَأُ) فِي هَذَا الدَّمِ كَالْمُبْتَدَأَةِ فِي الزَّائِدِ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ قَلَّ تَكَرُّرُهُ (وَإِنْ صَارَتْ نُفَسَاءَ بِتَعَدِّيهَا) عَلَى نَفْسِهَا بِضَرْبٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (لَمْ تَقْضِ) الصَّلَاةَ فِي زَمَنِ نِفَاسِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ التَّعَدِّي مِنْ غَيْرِهَا.
لِأَنَّ وُجُودَ الدَّمِ لَيْسَ مَعْصِيَةً مِنْ جِهَتِهَا.
وَلَا يُمْكِنُهَا قَطْعُهُ، بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا السُّكْرُ فَجُعِلَ شَرْعًا كَمَعْصِيَةٍ مُسْتَدَامَةٍ يَفْعَلُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْإِثْمِ وَالتَّكْلِيفِ.
وَالشُّرْبُ أَيْضًا يُسْكِرُ غَالِبًا.
فَأُضِيفَ إلَيْهِ كَالْقَتْلِ، يَحْصُلُ مَعَهُ خُرُوج الرُّوحِ.
فَأُضِيفَ إلَيْهِ (وَفِي وَطْءِ نُفَسَاءَ مَا فِي وَطْءِ حَائِضٍ) مِنْ الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (وَمَنْ وَضَعَتْ تَوْأَمَيْنِ) أَيْ وَلَدَيْنِ (فَأَكْثَرَ، فَأَوَّلُ نِفَاسٍ وَآخِرُهُ مِنْ) ابْتِدَاءِ خُرُوجِ (الْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ انْفَرَدَ الْحَمْلُ (فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْوَلَدَيْنِ (أَرْبَعُونَ) يَوْمًا فَأَكْثَرَ (فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي) بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ.
فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ.
كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي أَوَّلِهِ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
كِتَابُ الصَّلَاةِ لُغَةً الدُّعَاءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ أَنْزِلْ رَحْمَتَك عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَصِلْ» . وَشَرْعًا (أَقْوَالٌ) وَلَوْ مُقَدَّرَةً، كَمَنْ أُخْرِسَ (وَأَفْعَالٌ) مَعْلُومَةٌ (مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ) لِلْخَبَرِ، سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ تَثْنِيَةُ صَلَا كَعَصَا.
وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ، أَوْ عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّ رَأْسَ الْمَأْمُومِ عِنْدَ صَلَوَى إمَامِهِ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: إنَّهَا مِنْ صَلَيْت الْعُودَ، إذَا لَيَّنْته، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ.
وَفَرْضُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بَعْدَ بَعْثَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ، وَهِيَ آكَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ (وَتَجِبُ) الصَّلَاةُ (الْخَمْسُ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ (مُكَلَّفٍ) أَيْ بَالِغٍ عَاقِلٍ (غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا.
كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا لَأُمِرَتَا بِقَضَائِهَا (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ الْمَذْكُورَ (الشَّرْعُ) كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهَا إذَا عَلِمَ، كَالنَّائِمِ (أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) أَوْ سَاهِيًا لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ) كَانَ (مُغَطًّى عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَمَّارًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ " وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ.
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ ; وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا.
وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ.
وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ.
فَكَذَا
الصَّلَاةُ، كَالنَّوْمِ (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ (بِشُرْبِ) دَوَاءٍ فَيَقْضِي كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَوْلَى أَوْ كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِشُرْبِ (مُحَرَّمٍ) اخْتِيَارًا، لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.
فَلَا يُنَاسِبُهَا إسْقَاطُ الْوَاجِبِ، أَوْ كُرْهًا، إلْحَاقًا لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ (فَيَقْضِي) السَّكْرَانُ زَمَنَ سُكْرِهِ (حَتَّى زَمَنَ جُنُونٍ طَرَأَ) عَلَى السُّكْرِ (مُتَّصِلًا بِهِ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ.
الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ (وَيَلْزَمُ) مُتَيَقِّظًا (إعْلَامُ نَائِمٍ بِدُخُولِ وَقْتِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (مَعَ ضِيقِهِ) أَيْ الْوَقْتِ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: 17] وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا حَالَ كُفْرِهِ وَلَا بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَإِلَّا فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالتَّوْحِيدِ (وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ) لِعَدَمِ النِّيَّةِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ، حَتَّى لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَا عَلَى الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يُفِيقُ.
(وَإِذَا صَلَّى) كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ.
حُكِمَ بِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِ أَنَسٍ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ.
لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا.
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَصَلَّى صَلَاتَنَا " أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُونِهَا، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْرُوعَةِ تَخْتَصُّ بِشَرْعِنَا أَشْبَهَتْ الْأَذَانَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا، بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ أَذَّنَ وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ) أَيْ الْأَذَانِ (كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ) وَهُوَ الْمُمَيِّزُ الَّذِي يَعْقِلُهُ (حُكِمَ بِهِ) أَيْ إسْلَامِهِ، لِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَمَعْنَى الْحُكْمِ بِهِ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِنَا، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ، دُونَ الْكُفَّارِ.
وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَالَ: صَلَّيْت مُسْتَهْزِئًا وَنَحْوَهُ.
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ (وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ) أَيْ الْكَافِرِ (ظَاهِرًا) فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا: لِفَقْدِ شَرْطِهَا، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ فَهِيَ صَحِيحَةٍ (وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ.
وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ وَفِطْرٍ وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ، وَلَا
حَجِّهِ، وَلَا صَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ
(وَلَا تَجِبُ) الصَّلَاةُ (عَلَى صَغِيرٍ) لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ مِنْ جُنُونِهِ» وَلِضَعْفِ عَقْلِهِ وَنِيَّتِهِ.
وَلَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِفَقْدِ شَرْطِهَا (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ، وَهُوَ مَنْ بَلَغَ) أَيْ اسْتَكْمَلَ (سَبْعًا) مِنْ السِّنِينَ.
وَفِي الْمَطْلَعِ: مَنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ.
وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِتٍّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِفْهَامِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَقَالَ: إنَّ الِاشْتِقَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ. وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهَا مِنْ الْمُمَيِّزِ.
وَيُشْتَرَطُ لِصَلَاتِهِ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ الْكَبِيرِ، إلَّا فِي السُّتْرَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا (وَالثَّوَابُ) أَيْ ثَوَابُ عَمَلِ الْمُمَيِّزِ (لَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: 46] فَهُوَ يُكْتَبُ لَهُ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَمْرُهُ) أَيْ الْمُمَيِّزِ (بِهَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ (ل) تَمَامِ (سَبْعِ) سِنِينَ (وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْلِيمُهُ إيَّاهَا) أَيْ الصَّلَاةَ.
(وَ) تَعْلِيمُهُ (الطَّهَارَةَ ك) مَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ فِعْلُ مَا فِيهِ (إصْلَاحُ مَالِهِ.
و) كَمَا يَلْزَمُهُ (كَفُّهُ عَنْ الْمَفَاسِدِ) لِيَنْشَأَ عَلَى الْكَمَالِ (وَ) لَزِمَهُ أَيْضًا (ضَرْبُهُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرِ) سِنِينَ تَامَّةٍ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا، فَلَا يَتْرُكَهَا.
وَأَمَّا وُجُوبُ تَعْلِيمِهِ إيَّاهَا وَالطَّهَارَةَ فَلِتَوَقُّفِ فِعْلِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (وَإِنْ بَلَغَ) الصَّغِيرُ (فِي) صَلَاةٍ (مَفْرُوضَةٍ) بِأَنْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْبُلُوغِ وَهُوَ فِيهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا.
وَسُمِّيَ بُلُوغًا لِبُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا) كَالْحَجِّ.
وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ.
فَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ الْوَقْتِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَى مَا يَأْتِي (مَعَ) إعَادَةِ (تَيَمُّمٍ) لَهَا ; لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَانَ لِنَافِلَةٍ،
فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرِيضَةَ (وَ) لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ (وُضُوءٍ) وَلَا غُسْلِ نَحْوِ جِمَاعٍ ; لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ.
(وَ) لَا إعَادَةَ (إسْلَامٍ) لِأَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ، فَلَا يَصِحُّ نَفْلًا.
فَإِذَا وُجِدَ فَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَأَبِيهِ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) فَرِيضَةٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ (تَأْخِيرُهَا) عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ (أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ) وَهُوَ وَقْتُهَا الْمَعْلُومُ مِمَّا يَأْتِي، أَوْ
الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فِيمَا لَهَا وَقْتَانِ ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَاجِبِ مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ،
وَلِئَلَّا تَفُوتَ فَائِدَةُ التَّأْقِيتِ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ (ذَاكِرًا) لِلصَّلَاةِ عِنْدَ تَأْخِيرِهَا (قَادِرًا عَلَى فِعْلِهَا) بِخِلَافِ نَحْوِ نَائِمٍ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا لِمَنْ لَهُ الْجَمْعُ) بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لِنَحْوِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ (وَيَنْوِيه) أَيْ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى الْمُتَّسِعِ لَهَا،
فَيَجُوزُ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكُونُ الْأُولَى أَدَاءً (أَوْ مُشْتَغِلٌ بِشَرْطِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (الَّذِي يُحَصِّلُهُ) أَيْ الشَّرْطُ (قَرِيبًا) كَمَنْ بِسُتْرَتِهِ خَرْقٌ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا.
وَاشْتَغَلَ بِخِيَاطَتِهِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَنَحْوُهُ، فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ.
بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ تَحْصِيلُ الشَّرْطِ بَعِيدًا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْ.
(وَ) يَجُوزُ (لَهُ) أَيْ لِمَنْ لَزِمَتْهُ صَلَاةٌ
(تَأْخِيرُ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ الْجَوَازِ (مَعَ الْعَزْمِ عَلَيْهِ) أَيْ فِعْلِهَا لِمَفْهُومِ الْحَدِيث السَّابِقِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى فِعْلِهَا فِيهِ أَثِمَ (مَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا) مِنْ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ (كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ وَحَيْضٍ) فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُ الْوَقْتِ.
لِئَلَّا تَفُوتَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ أَدَاؤُهَا (أَوْ) مَا لَمْ يَعُدْ (سُتْرَةَ أَوَّلِهِ) أَيْ الْوَقْتِ (فَقَطْ) دُونَ آخِرِهِ.
فَيَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ (أَوْ لَا يَبْقَى وُضُوءُ عَادِمِ الْمَاءِ سَفَرًا) أَوْ حَضَرًا (إلَى آخِرِهِ) أَيْ الْوَقْتِ (وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ) أَيْ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ.
فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُ الْوَقْتِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ شَرْطُهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَمَنْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ) الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا.
وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا أَوْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ إذَا مَاتَ قَبْلَهُ.
(تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ) لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ زَكَاةٍ وَحَجٍّ (وَلَمْ يَأْثَمْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ فَهُوَ آثِمٌ، مَاتَ أَوْ لَمْ يَمُتْ، وَمَتَى فَعَلَهَا فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى تَرْكِهَا فِيهِ كَانَتْ أَدَاءً
(وَمَنْ تَرَكَهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (جُحُودًا) يَعْنِي مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ تَرَكَهَا أَوْ فَعَلَهَا (وَلَوْ) كَانَ جَحْدُهُ لِوُجُوبِهَا (جَهْلًا) بِهِ (وَعَرَفَ) الْوُجُوبَ (وَأَصَرَّ) عَلَى جُحُودِهِ (كَفَرَ) أَيْ صَارَ مُرْتَدًّا، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (وَكَذَا لَوْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا إذَا دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ لِفِعْلِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (وَأَبَى) فِعْلَهَا (حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا) بِأَنْ يُدْعَى لِلظُّهْرِ مَثَلًا، فَيَأْبَى حَتَّى يَتَضَايَقَ وَقْتُ الْعَصْرِ عَنْهَا،
فَيُقْتَلُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «: بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِقَوْلِهِ «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبِقَ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ عُمَرُ " لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ " وَقَالَ عَلِيٌّ " مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ " وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ " لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ " وَلَا قَتْلَ وَلَا تَكْفِيرَ قَبْلَ الدِّعَايَةَ، وَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْأُولَى، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى تَرْكِهَا إلَّا بِخُرُوجِ وَقْتِهَا.
فَإِذَا خَرَجَ عُلِمَ تَرْكُهُ لَهَا، لَكِنَّهَا فَائِتَةٌ لَا يُقْتَلُ بِهَا،
فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَة وَجَبَ قَتْلُهُ (وَيُسْتَتَابَانِ) أَيْ الْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا بَعْدَ الدِّعَايَةِ (وَالْإِبَاءِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمَا وَيُدْعَيَانِ كُلَّ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَيْهَا (فَإِنْ تَابَا بِفِعْلِهَا) مَعَ إقْرَارِ الْجَاحِدِ لِوُجُوبِهَا بِهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الرِّدَّةِ خُلِّيَ سَبِيلُهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: أُصَلِّي بِمَنْزِلِي مَثَلًا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا، وَوُكِلَ إلَى أَمَانَتِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتُوبَا بِذَلِكَ (ضُرِبَتْ عُنُقُهُمَا) بِالسَّيْفِ.
لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَيْ الْهَيْئَةَ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَكَذَا) أَيْ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ جُحُودًا أَوْ تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا (تَرْكُ رُكْنٍ) لِلصَّلَاةِ (أَوْ) تَرْكُ (شَرْطٍ) لَهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (يَعْتَقِدُ) التَّارِكُ (وُجُوبَهُ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: لَا يُكَفَّرُ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الرِّدَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ بِتَرْكِ فَائِتَةٍ وَنَذْرٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا زَكَاةٍ، إلَّا بِجَحْدِ وُجُوبِهَا.
[بَابُ الْأَذَانِ]
ِ لُغَةً الْإِعْلَامُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] أَيْ أَعْلِمْهُمْ بِهِ يُقَالُ: أَذَّنَ بِالشَّيْءِ يُؤَذِّنُ أَذَانًا وَتَأْذِينًا وَأَذِينًا كَعَلِيمٍ، إذَا أَعْلَمَ بِهِ، فَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْأُذُنِ، وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ.
كَأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ مَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ.
وَشَرْعًا (إعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ) أَوْ إعْلَامُ (قُرْبِهِ) أَيْ وَقْتِهَا (كَفَجْرٍ) فَقَطْ (وَالْإِقَامَةُ) مَصْدَر قَامَ.
وَحَقِيقَتُهُ: إقَامَةُ الْقَاعِدِ، فَكَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ، إذَا أَتَى بِأَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ أَقَامَ الْقَاعِدِينَ وَأَزَالَهُمْ عَنْ قُعُودِهِمْ.
وَشَرْعًا (إعْلَامٌ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ فِيهِمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
وَيُطْلَقَانِ عَلَى نَفْسِ الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ (وَهُوَ) أَيْ الْأَذَانُ (أَفْضَلُ مِنْهَا) أَيْ الْإِقَامَةِ.
لِأَنَّهُ أَكْثَرُ أَلْفَاظًا.
وَأَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَ) الْأَذَانُ أَفْضَلُ أَيْضًا (مِنْ الْإِمَامَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَالْأَمَانَةُ أَعْلَى مِنْ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْأَذَانَ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ.
قَالَ عُمَرُ: " لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْت " وَيَشْهَدُ لِفَضْلِ الْأَذَانِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْمُؤَذِّنُ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَوْلُهُ «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ كَثِيرَةٌ.
وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ.
مَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعَلِّمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ.
فَذَكَرُوا أَنْ يُوقِدُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا؟ فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (وَسُنَّ أَذَانٌ فِي يَمِينِ أُذُنِ مَوْلُودٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (حِينَ يُولَدُ.
و) سُنَّ (إقَامَةٌ فِي) الْأُذُنِ (الْيُسْرَى) لِخَبَرِ ابْنِ السُّنِّيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» أَيْ التَّابِعَةِ مِنْ الْجِنِّ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَاطِمَةُ» وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِيَكُونَ إعْلَامُهُ
بِالتَّوْحِيدِ أَوَّلَ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ عِنْدَ قُدُومِهِ إلَى الدُّنْيَا.
كَمَا يُلَقَّنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ يُدْبِرُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ.
وَفِي مُسْنَدِ رَزِينٍ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ» قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَالْمُرَادُ أُذُنُهُ الْيُمْنَى (وَهُمَا) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِحَدِيثِ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَلِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ كَالْجِهَادِ وَلَا يُشْرَعَانِ لِكُلِّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ.
بَلْ تَكْفِيهِمْ الْمُتَابَعَةُ، وَتَحْصُلُ لَهُمْ الْفَضِيلَةُ.
كَقِرَاءَةِ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لِلْمَأْمُومِ (لِل) صَلَوَاتِ (الْخَمْسِ) دُونَ الْمَنْذُورَةِ وَغَيْرِهَا (الْمُؤَدَّاةِ) لَا الْمُقْتَضَيَاتِ؟ (وَالْجُمُعَةِ) عَطْفٌ عَلَى الْخَمْسِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِدُخُولِهَا فِي الْخَمْسِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْرَضَا فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا: الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْقِيَامُ إلَيْهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا (عَلَى الرِّجَالِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، لَا الْوَاحِدِ، وَلَا النِّسَاءِ وَلَا الْخَنَاثَى (الْأَحْرَارِ) لَا الْأَرِقَّاءِ وَالْمُبَعَّضِينَ (إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ رَقِيقًا) لِاشْتِغَالِهِمْ بِخِدْمَةِ مَالِكِهِمْ، أَيْ فِي الْجُمْلَةِ.
وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ نَحْوِ رَدِّ سَلَامٍ، وَتَغْسِيلِ مَيِّتٍ، وَصَلَاةٍ عَلَى رَقِيقٍ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِتَعَيُّنِ أَخْذِ اللَّقِيطِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ (حَضَرًا) فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَمَنْ صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ صَحَّتْ، لَكِنْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرُهُ:؟ وَيُكْرَهُ.
وَإِنْ اقْتَصَرَ مُسَافِرٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ عَلَى الْإِقَامَةِ لَمْ يُكْرَهْ
(وَيُسَنَّانِ) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (لِمُنْفَرِدٍ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَلِ يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي.
أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْت لِعَبْدِي وَأَدْخَلْته الْجَنَّةَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَ) يُسَنَّانِ أَيْضًا (سَفَرًا) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِابْنِ عَمٍّ لَهُ «إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) يُسَنَّانِ أَيْضًا (لِمَقْضِيَّةٍ) مِنْ الْخَمْسِ.
لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.
فَنَامَ عَنْ الصُّبْحِ، حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: تَنَحَّوْا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ.
ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ» رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد.
وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ إنْ خَافَ تَلْبِيسًا.
كَمَا لَوْ أَذَّنَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ.
(وَيُكْرَهَانِ) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (لِخَنَاثَى وَنِسَاءٍ، وَلَوْ) كَانَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مِنْهُمَا (بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ) لِأَنَّهُمَا وَظِيفَةُ الرِّجَالِ، فَفِيهِ نَوْعُ تَشَبُّهٍ بِهِمْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي التَّحْرِيمِ جَهْرًا الْخِلَافُ فِي قِرَاءَةٍ وَتَلْبِيَةٍ، انْتَهَى.
وَيَأْتِي: لَا يَصِحَّانِ مِنْهُمَا (وَلَا يُنَادَى) بِأَذَانٍ وَلَا غَيْرِهِ (لِ) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ وَتَرَاوِيحَ) نَصًّا.
لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ (بَلْ) يُنَادَى (لِعِيدٍ) " الصَّلَاةَ جَامِعَةً " أَوْ الصَّلَاةُ قِيَاسًا عَلَى الْكُسُوفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ «لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَلَا بَعْدَمَا يَخْرُجُ، وَلَا إقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُنَادَى لِصَلَاةِ (كُسُوفٍ) لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَ) يُنَادَى أَيْضًا لِصَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ) بِأَنْ يُقَالَ: (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: بِنَصْبِهِمَا وَرَفْعِهِمَا (أَوْ) يُقَالُ (الصَّلَاةَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَوَّلِ، أَوْ بِهِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الثَّانِي (وَكُرِهَ) النِّدَاءُ فِي عِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ (بِحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ (وَيُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوهُمَا) أَيْ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، كَالْعِيدِ، فَيُقَاتِلُهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
وَإِذَا قَامَ بِهِمَا مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ غَالِبًا، وَلَوْ وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنْ الْكُلِّ نَصًّا.
وَمَنْ صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا قَالَا: " دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَصَلَّى بِنَا بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ " وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ لَكِنْ يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إلَّا بِمَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ مُسَافِرٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ عَلَى الْإِقَامَةِ لَمْ يُكْرَهْ.
(وَتَحْرُمُ الْأُجْرَةُ) أَيْ أَخْذُهَا (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالْإِقَامَةِ كَأَذَانٍ مَعْنًى وَحُكْمًا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ) بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مِنْ مَالِ الْفَيْءِ (مَنْ يَقُومُ بِهِمَا) لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَّةً إلَيْهِمَا.
وَهَذَا الْمَالُ مُعَدٌّ لِلْمَصَالِحِ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمُتَطَوِّعُ لَمْ يُعْطَ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَشُرِطَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ: فِي الْمُؤَذِّنِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (كَوْنُهُ مُسْلِمًا) فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ كَافِرٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ.
وَكَوْنُهُ (ذَكَرًا) فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ أُنْثَى وَخُنْثَى.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَالْحِكَايَةِ.
وَكَوْنُهُ (عَاقِلًا) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَبَصِيرًا أَوْلَى) بِالْأَذَانِ مِنْ أَعْمَى.
لِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَنْ يَقِينٍ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى.
فَرُبَّمَا غَلِطَ فِي الْوَقْتِ.
وَمِثْلُهُ عَارِفٌ بِالْوَقْتِ مَعَ جَاهِلٍ بِهِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: صِحَّةُ أَذَانِ أَعْمَى.
لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ حَتَّى يُقَالَ: أَصْبَحَتْ أَصْبَحَتْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَصِيرٌ، كَمَا كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، يُؤَذِّنُ بَعْدَ بِلَالٍ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَسُنَّ كَوْنُهُ) أَيْ الْمُؤَذِّنِ (صَيِّتًا) أَيْ رَفِيعَ الصَّوْتِ.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ.
فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ الْمَقْصُود بِالْأَذَانِ، وَسُنَّ أَيْضًا كَوْنُهُ (أَمِينًا) لِحَدِيثِ «أُمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَسُحُورِهِمْ الْمُؤَذِّنُونَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
وَفِيهِ كَلَامٌ (وَ) سُنَّ أَيْضًا كَوْنُهُ (عَالِمًا بِالْوَقْتِ) لِيُؤْمَنَ خَطَؤُهُ (وَيُقَدَّمُ مَعَ التَّشَاحِّ) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي الْأَذَانِ (الْأَفْضَلُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْخِصَالِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَدَّمَ بِلَالًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ» لِأَنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْهُ.
وَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِصَوْتِهِ.
وَقِيسَ عَلَيْهِ بَاقِي الْخِصَالِ (ثُمَّ) يُقَدَّمُ (إنْ اسْتَوَوْا) فِي الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ وَالْأَفْضَلُ (فِي دِينٍ وَعَقْلٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (ثُمَّ) يُقَدَّمُ مَعَ التَّسَاوِي فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ (مَنْ يَخْتَارُهُ أَكْثَرَ الْجِيرَانِ) الْمُصَلِّينَ، لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِهِمْ.
وَلِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ نَظَرًا (ثُمَّ) مَعَ التَّسَاوِي أَيْضًا فِي رِضَا الْجِيرَانِ (يُقْرَعُ) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ قُدِّمَ.
لِحَدِيثِ " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ (وَيَكْفِي مُؤَذِّنٌ) فِي الْمِصْرِ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَى زِيَادَةٍ نَصًّا.
وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى أَرْبَعَةٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (وَيُزَادُ) مَعَ الْحَاجَةِ أَكْثَرُ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِوَاحِدٍ (بِقَدْرِهَا) أَيْ الْحَاجَةِ كُلُّ وَاحِدٍ فِي جَانِبٍ أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً (وَيُقِيمُ) الصَّلَاةَ (مَنْ يَكْفِي) فِي الْإِقَامَةِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا (وَهُوَ) أَيْ الْأَذَانُ (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً) أَيْ جُمْلَةً (بِلَا تَرْجِيعٍ) لِلشَّهَادَتَيْنِ، بِأَنْ يَخْفِضَ بِهِمَا صَوْتَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُمَا رَافِعًا بِهِمَا صَوْتَهُ، فَيَكُونُ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعًا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ: إلَى أَيْ الْأَذَانِ تَذْهَبُ؟ فَقَالَ: إلَى أَذَانِ بِلَالٍ.
فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ حَدِيثُ