[فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِث ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ] .
شَعِيرٌ لَا تُسَمَّى شَعِيرًا (إلَّا إذَا ظَهَرَ طَعْمُ شَيْءٍ مِنْ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ) كَظُهُورِ طَعْمِ السَّمْنِ فِي الْخَبِيصِ أَوْ الْبَيْضِ فِي النَّاطِفِ أَوْ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ فَيَحْنَثُ
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا أَوْ) لَا يَأْكُلُ هَذَا (السَّوِيقَ فَشَرِبَهُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ شَيْءٍ أَوْ شُرْبِهِ يُقْصَدُ بِهَا عُرْفًا اجْتِنَابُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] وَقَوْلُ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ لَا تَأْكُلْ عَسَلًا
(وَ) إنْ حَلَفَ عَنْ شَيْءٍ (لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَمَصِّهِ) لِأَنَّ الطَّعْمَ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَكْلَ يَتَنَاوَلُ الشُّرْبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] وَالْمَصُّ لَا يَخْلُو عَنْ كَوْنِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا وَ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ (بِذَوْقِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ اللِّسَانَ فَلَيْسَ طَعْمًا بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَيُجَاوِزَانِ الْحَلْقَ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَشْرَبُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَفْعَلُهُمَا) أَيْ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ (لَمْ يَحْنَثْ بِمَصِّ قَصَبِ سُكَّرٍ وَ) مَصِّ (رُمَّانٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا وَلَا شُرْبًا عُرْفًا (وَلَا) يَحْنَثُ (بِبَلْعِ ذَوْبِ سُكَّرٍ فِي فِيهِ بِحَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَصِّ الْقَصَبِ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مَائِعًا فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ) حَنِثَ لِأَنَّهُ يُسَمَّى أَكْلًا لِحَدِيثِ «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ»
(أَوْ) حَلَفَ (لَا يَشْرَبُ مِنْ النَّهْرِ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَشْرَبُ مِنْ الْبِئْرِ فَاغْتَرَفَ) مِنْ أَحَدِهِمَا (بِإِنَاءٍ وَشَرِبَ) مِنْهُ (حَنِثَ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا آلَةَ شُرْبٍ عَادَةً بَلْ الشُّرْبُ مِنْهُمَا عُرْفًا بِالِاغْتِرَافِ بِالْيَدِ أَوْ الْإِنَاءِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْكُوزِ فَصَبَّ مِنْهُ فِي إنَاءٍ وَشَرِبَهُ) لِأَنَّ الْكُوزَ آلَةُ شُرْبٍ فَالشُّرْبُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْكَرْعِ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ حَنِثَ بِثَمَرَتِهَا) إذَا أَكَلَهَا فَقَطْ دُونَ وَرَقِهَا وَنَحْوِهِ لِأَنَّهَا الَّتِي تَتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ فَاخْتَصَّ الْيَمِينُ بِهَا (وَلَوْ لَقَطَهَا مِنْ تَحْتِهَا) أَوْ أَكَلَهَا فِي إنَاءٍ لِأَنَّهَا مِنْ الشَّجَرَةِ.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا فَلَبِسَ ثَوْبًا]
فَصْلٌ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا فَلَبِسَ ثَوْبًا أَوْ دِرْعًا أَوْ جَوْشَنًا، أَوْ قَلَنْسُوَةً أَوْ عِمَامَةً (أَوْ خُفًّا أَوْ نَعْلًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا كَالثِّيَابِ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ إنَّك تَلْبَسُ هَذِهِ النِّعَالَ.
قَالَ «إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا» لَكِنْ إنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ لِبْسًا عُرْفًا.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا حَنِثَ كَيْفَ لَبِسَهُ وَلَوْ تَعَمَّمَ بِهِ أَوْ ارْتَدَى بِسَرَاوِيلَ) حَلَفَ لَا يَلْبَسُهَا (أَوْ اتَّزَرَ بِقَمِيصٍ) حَلَفَ لَا يَلْبَسُهُ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِطَيِّهِ وَتَرْكِهِ عَلَى رَأْسِهِ) مَطْوِيًّا (وَلَا بِنَوْمِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَدَثُّرِهِ) أَيْ: جَعْلِهِ دِثَارًا أَوْ الْتِحَافِهِ (بِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لِبْسًا (وَلَا يَلْبَسُ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِهِ) بِأَنْ جَعَلَهُ مَكَانَ الرِّدَاءِ حَنِثَ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدِيَ لَابِسٌ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ اتَّزَرَ بِهِ) أَيْ: جَعَلَهُ مَكَانَ الْإِزَارِ
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ) لَبِسَ (مِنْطَقَةً مُحَلَّاةً) بِذَلِكَ (أَوْ) لَبِسَ (خَاتَمًا) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَلَوْ فِي غَيْرِ خِنْصَرٍ أَوْ) فَلَبِسَ (دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ) أَوْ مِخْنَقَةٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ أَوْ جَوْهَرٍ وَ (حِنْثَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12]- ﴿يُحَلُّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23] وَلِأَنَّ الْفِضَّةَ حُلِيٌّ إذَا كَانَتْ سِوَارًا أَوْ خَلْخَالًا، فَكَذَا إذَا كَانَتْ خَاتَمًا، وَلِأَنَّ اللُّؤْلُؤَ وَالْجَوْهَرَ حُلِيٌّ مَعَ غَيْرِهِ فَكَانَ حُلِيًّا وَحْدَهُ كَالذَّهَبِ وَ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا إنْ لَبِسَ (عَقِيقًا أَوْ سَبْحًا أَوْ حَرِيرًا) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى حِلْيَةً كَحِرْزِ الزُّجَاجِ (وَلَا إنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً فَلَبِسَهَا فِي رِجْلِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَابِسًا لَهَا
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ حَنِثَ بِمَا جَعَلَهُ) فُلَانٌ (لِعَبْدِهِ) مِنْ دَارٍ وَدَابَّةٍ وَثَوْبٍ لِأَنَّهُ مِلْكُ سَيِّدِهِ (أَوْ) بِمَا (أَجَّرَهُ) فُلَانٌ مِنْ هَذِهِ (أَوْ اسْتَأْجَرَهُ) مِنْهَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِ لِلْمُؤَجِّرِ وَلِمِلْكِهِ مَنَافِعَ مَا اسْتَأْجَرَهُ وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِمَا اسْتَعَارَهُ) فُلَانٌ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ بَلْ الْإِعَارَةُ إبَاحَةٌ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ مَسْكَنَهُ) أَيْ فُلَانٍ (حَنِثَ بِمُسْتَأْجَرٍ) يَسْكُنُهُ.
(وَ) بِ (مُسْتَعَارٍ) يَسْكُنُهُ (وَبِمَغْصُوبٍ يَسْكُنُهُ) لِأَنَّهُ مَسْكَنُهُ وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) دُخُولِ (مِلْكِهِ الَّذِي لَا يَسْكُنُهُ) لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى مَسْكَنِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَسْكَنًا لَهُ (وَإِنْ قَالَ) وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ (مِلْكَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِ) دُخُولِ (مُسْتَأْجَرٍ) وَلَا مُسْتَعَارٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِ فُلَانٍ حَنِثَ) بِرُكُوبِ (مَا جُعِلَ) مِنْ الدَّوَابِّ (بِرَسْمِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ (كَ) حِنْثِهِ بِ (حَلِفِهِ لَا يَرْكَبُ رَحْلَ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لَا يَبِيعُهُ) إذَا رَكِبَ أَوْ بَاعَ مَا جَعَلَ رَحْلًا لَهَا
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ) دَارًا مُعَيَّنَةً فَدَخَلَ سَطْحَهَا (حَنِثَ) لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَلِذَلِكَ صَحَّ الِاعْتِكَافُ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ وَمُنِعَ مِنْهُ نَحْوِ حَائِضٍ (أَوْ) حَلَفَ
(لَا يَدْخُلُ بَابَهَا فَحَوَّلَ) الْبَابَ (وَدَخَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ الْمُحْدَثَ هُوَ بَابُهَا وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ) لِأَنَّ الدَّارَ عُرْفًا مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُهَا فَطَاقُ الْبَابِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْهَا (أَوْ وَقَفَ عَلَى حَائِطِهَا) فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُخُولًا كَمَا لَوْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ خَارِجَ الدَّارِ وَأَصْلُهَا بِهَا
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يُكَلِّمُ إنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إنْسَانٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا وَكَبِيرًا حُرًّا وَرَقِيقًا لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ (حَتَّى بِ) قَوْلِهِ لَهُ (تَنَحَّ أَوْ اُسْكُتْ) وَزَجْرِهِ بِكُلِّ لَفْظٍ لِأَنَّهُ كَلَامٌ فَيَدْخُلُ فِيمَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِسَلَامٍ مِنْ صَلَاةٍ صَلَّاهَا إمَامًا) نَصًّا لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ كَالتَّكْبِيرَاتِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا كَلَّمْت زَيْدًا فَكَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ حَنِثَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51] وَحَدِيثِ «مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ» (مَا لَمْ يَنْوِ) حَالِفٌ (مُشَافَهَتَهُ) بِالْكَلَامِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَلَا الْمُرَاسَلَةِ لِعَدَمِ الْمُشَافَهَةِ فِيهِمَا (إلَّا إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ (فِي صَلَاةٍ فَفَتَحَ) حَالِفٌ (عَلَيْهِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا لَهُ فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: لَوْ حَلَفَ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ فَسَمِعَ الْقُرْآنَ حَنِثَ إجْمَاعًا (وَ) إنْ حَلَفَ (لَا بَدَأْتَهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ بِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا كَلَّمْته) أَيْ فُلَانًا (حَتَّى يُكَلِّمَنِي أَوْ) حَتَّى (يَبْدَأَنِي بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا حَنِثَ) لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا كَلَّمْته) أَيْ فُلَانًا (حِينًا أَوْ) حَلَفَ لَا كَلَّمْته (الزَّمَانَ وَلَا نِيَّةَ) لِحَالِفٍ (تَخُصُّ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْهُ فَ) الْمُدَّةُ (سِتَّةَ أَشْهُرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] إنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالزَّمَانُ مُعَرَّفًا فِي مَعْنَاهُ (وَ) إنْ حَلَفَ لَا كَلَّمْت زَيْدًا (زَمَنًا أَوْ أَمَدًا أَوْ دَهْرًا أَوْ بَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا أَوْ عُمْرًا أَوْ طَوِيلًا أَوْ حُقُبًا أَوْ وَقْتًا فَأَقَلُّ زَمَانٍ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا حَدَّ لَهَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، بَلْ تَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُ الِاسْمُ وَقَدْ يَكُونُ الْبَعِيدُ قَرِيبًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالتَّحَكُّمِ (وَ) إنْ حَلَفَ لَا كَلَّمْته (الْعُمُرَ) مُعَرَّفًا (أَوْ) حَلَفَ لَا كَلَّمْته (الْأَبَدَ) مُعَرَّفًا (أَوْ) حَلَفَ لَا كَلَّمْته (الدَّهْرَ) مُعَرَّفًا (فَ) ذَلِكَ (كُلُّ الزَّمَانِ) حَمْلًا
لِأَلْ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ لِتَبَادُرِهِ وَالْحُقَبُ مُعَرَّفًا ثَمَانُونَ سَنَةً جَزَمَ بِهِ جَمْعٌ.
(وَ) إنْ حَلَفَ لَا كَلَّمْته (أَشْهُرًا أَوْ) لَا كَلَّمْته (شُهُورًا أَوْ) لَا كَلَّمْته (أَيَّامًا فَ) ذَلِكَ (ثَلَاثَةُ) أَشْهُرٍ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ أَيَّامٍ فِي الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ الْجَمِيعِ وَالزَّائِدُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَإِنْ عَيَّنَ بِحَلِفِهِ أَيَّامًا تَبِعَهَا اللَّيَالِي.
(وَ) إنْ حَلَفَ لَا كَلَّمْته (إلَى الْحَصَادِ أَوْ) إلَى (الْجِذَاذِ فَ) إنَّهُ تَنْتَهِي مُدَّةُ حَلِفِهِ (إلَى أَوَّلِ مُدَّتِهِ) أَيْ: الْحَصَادِ، وَالْجِذَاذِ لِأَنَّ إلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ فَلَا تَدْخُلُ مُدَّتُهَا فِي حَلِفِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ لَا كَلَّمْت زَيْدًا (الْحَوْلَ فَ) عِدَّةُ حَلِفِهِ حَوْلٌ (كَامِلٌ) مِنْ الْيَمِينِ (لَا تَتِمَّتُهُ) إنْ حَلَفَ فِي أَثْنَاءِ حَوْلٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَوْلًا.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ قَالَ لِمَنْ دَقَّ عَلَيْهِ الْبَابَ: ﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46] بِقَصْدِ الْقُرْآنِ وَتَنْبِيهُهُ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْكَلَامَ عُرْفًا كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ خَاصَّةً لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أَحْدَثَ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] «فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ» وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 41] وَلِأَنَّ مَا لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَحْنَثُ بِهِ خَارِجَهَا (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ) أَيْ: بِادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (الْقُرْآنَ حَنِثَ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (وَحَقِيقَةُ الذِّكْرِ مَا نَطَقَ بِهِ) وَمَا لَا يَنْطِقُ بِهِ حَدِيثُ نَفْسٍ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا مِلْكَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِدَيْنٍ) لَهُ لِاخْتِصَاصِ الْمِلْكِ بِالْأَعْيَانِ الْمَالِيَّةِ، وَالدَّيْنُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْمِلْكُ فِيمَا يَقْبِضُهُ مِنْهُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا مَالَ لَهُ أَوْ) أَنَّهُ (لَا يَمْلِكُ مَالًا حَنِثَ بِ) مِلْكِ مَالٍ وَلَوْ (غَيْرِ زَكَوِيٍّ وَبِدَيْنٍ) لَهُ (وَضَائِعٍ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ عَوْدِهِ وَبِمَغْصُوبٍ) لِأَنَّ الْمَالَ مَا تَنَاوَلَ النَّاسُ عَادَةً لِطَلَبِ الرِّبْحِ مِنْ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ، وَجَانِبٍ إلَى جَانِبٍ سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاةٌ أَوْ لَا لِقَوْلِ عُمَرَ: أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ،.
وَفِي الْحَدِيثِ «خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ أَوْ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» وَالسِّكَّةُ الطَّرِيقَةُ مِنْ النَّخْلِ الْمُصْطَفَّةُ وَالتَّأْبِيرُ التَّلْقِيحُ، وَقِيلَ السِّكَّةُ سِكَّةُ الْحَرْثِ، وَالدَّيْنُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا، وَالضَّائِعُ وَالْمَغْصُوبُ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا وَ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، أَوْ لَا يَمْلِكُ مَالًا (بِمُسْتَأْجَرٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَالًا إذْ
لَا يَمْلِكُ إلَّا مَنْفَعَتَهُ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لِيَضْرِبَنَّهُ بِمِائَةٍ فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً) وَاحِدَةً (بَرَّ) لِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِالْمِائَةِ وَ (لَا) يَبَرُّ (إنْ حَلَفَ لِيَضْرِبَنَّهُ بِمِائَةٍ) فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً (وَلَوْ آلَمَهُ) بِهَا لِأَنَّ ظَاهِرَ يَمِينِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِيَتَكَرَّرَ أَلَمُهُ بِتَكَرُّرِ الضَّرْبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ مِائَةَ بِنَحْوِ عُصَاةٍ وَاحِدَةٍ بَرَّ، وَلِأَنَّ الْآلَةَ هُنَا أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَانْتَصَبَتْ انْتِصَابَهُ فَتَعَدَّدَ الضَّرْبُ بِتَعَدُّدِهَا.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ امْرَأَةٍ وَعَلَيْهِ مِنْهُ فَاسْتَدَامَهُ]
فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا أَيْ امْرَأَةٍ عَيَّنَهَا (وَعَلَيْهِ مِنْهُ) فَاسْتَدَامَهُ حَنِثَ نَصًّا ; لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ لُبْسٌ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى ذَكَرٍ أَحْرَمَ فِي مِخْيَطٍ وَاسْتَدَامَهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ أَوْ لَا يَلْبَسُ أَوْ لَا يَقُومُ أَوْ لَا يَقْعُدُ أَوْ لَا يُسَافِرُ) وَاسْتَدَامَ ذَلِكَ حَنِثَ لِصِحَّةِ أَنْ يُقَالَ فَعَلْت كَذَا يَوْمًا (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَطَأُ) وَاسْتَدَامَ ذَلِكَ حَنِثَ لِمَا سَبَقَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يُمْسِكُ) شَيْئًا هُوَ مَاسِكُهُ وَاسْتَدَامَ حَنِثَ لِوُجُودِ الْإِمْسَاكِ وَلِذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ صَيْدٌ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يُشَارِكُ) وَاسْتَدَامَ الشَّرِكَةَ حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَصُومُ) وَاسْتَدَامَهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَائِمًا (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَحُجُّ) أَوْ يَعْتَمِرُ (أَوْ لَا يَطُوفُ) أَوْ يَسْعَى (وَهُوَ كَذَلِكَ) أَيْ: مُتَلَبِّسٌ بِمَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ مِمَّا سَبَقَ وَدَامَ حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ دَاخِلُهَا) وَدَامَ حَنِثَ إذْ اسْتِدَامَةُ الْمَقَامِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ (أَوْ) حَلَفَ عَلَى امْرَأَةٍ (لَا يُضَاجِعُهَا عَلَى فِرَاشٍ فَضَاجَعَتْهُ وَدَامَ) حَنِثَ بِالِاسْتِدَامَةِ كَالِابْتِدَاءِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ فُلَانٌ بَيْتًا فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ) بَيْتًا (فَأَقَامَ مَعَهُ حَنِثَ) قِيَاسًا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا وَكَذَلِكَ فِعْلٌ يَنْقَضِي وَيَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ كَالْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْبِنَاءِ إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ وَاسْتَدَامَ حَنِثَ (مَا لَمْ تَكُنْ) لِحَالِفٍ (نِيَّةٌ) كَأَنْ نَوَى لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا غَيْرَ مَا هُوَ لَابِسُهُ أَوْ غَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ أَوْ لَا يُسَافِرُ أَوْ لَا يَطَأُ غَيْرَ هَذِهِ الْمَرَّةِ فَيَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَإِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ إنْ كَانَ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ أَوْ) لَا (يَتَطَهَّرُ أَوْ) لَا (يَتَطَيَّبُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ) لِأَنَّ اسْمَ الْفِعْلِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُطْلَقُ عَلَى مُسْتَدِيمِهَا فَلَا يُقَالُ تَزَوَّجْت أَوْ تَطَهَّرْت أَوْ تَطَيَّبْت شَهْرًا بَلْ مُنْذُ شَهْرٍ لِأَنَّ
فِعْلَهَا انْقَضَى وَلَا يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ وَالْبَاقِي أَثَرُهُ وَلَمْ يُنَزِّلْ الشَّرْعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالتَّطَيُّبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهِمَا فِي الْإِحْرَامِ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَسْكُنُ) مَعَ فُلَانٍ (أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ سَاكِنٌ) مَعَهُ (أَوْ مُسَاكِنٌ) لَهُ (فَأَقَامَ فَوْقَ زَمَنٍ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ فِيهِ عَادَةً نَهَارًا بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ الْمَقْصُودِ) حَنِثَ بِالِاسْتِدَامَةِ (وَلَوْ بَنَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ حَاجِزًا وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ حَنِثَ) لِتَسَاكُنِهِمَا قَبْلَ انْتِهَاءِ بِنَاءِ الْحَاجِزِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ أَوْدَعَ مَتَاعَهُ أَوْ أَعَارَهُ أَوْ مَلَّكَهُ) لِغَيْرِهِ.
قُلْت بِلَا حِيلَةٍ (أَوْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا) يَنْتَقِلُ إلَيْهِ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (مَا يَنْقُلُهُ) أَيْ: مَتَاعَهُ (بِهِ أَوْ أَبَتْ زَوْجَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا وَلَا النُّقْلَةُ بِدُونِهَا) فَأَقَامَ (مَعَ نِيَّةِ النُّقْلَةِ إذَا قَدَرَ) عَلَيْهَا (أَوْ أَمْكَنَتْهُ) نُقْلَةٌ (بِدُونِهَا) أَيْ: زَوْجَتِهِ (فَخَرَجَ وَحْدَهُ) لِوُجُودِ مَقْدُورِهِ مِنْ النُّقْلَةِ (أَوْ كَانَ بِالدَّارِ حُجْرَتَانِ لِكُلِّ حُجْرَةٍ) أَيْ: مَسْكَنٍ (مِنْهُمَا بَابٌ وَمِرْفَقٌ) أَيْ: مِرْحَاضٍ يَخْتَصُّ بِهَا (فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً وَلَا نِيَّةَ) لِحَالِفٍ تَمْنَعُ ذَلِكَ (وَلَا سَبَبَ) لِيَمِينِهِ يَقْتَضِي مَنْعَهُ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَاكِنًا لَهُ بَلْ وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةٍ أَوْ سَبَبٍ رَجَعَ إلَيْهِ (وَلَا) يَحْنَثُ (إنْ حَلَفَ عَلَى) دَارٍ (مُعَيَّنَةٍ لَا سَاكِنَتِهِ) أَيْ: فُلَانًا (بِهَا وَهُمَا) أَيْ: الْحَالِفُ وَفُلَانٌ (غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ) عِنْدَ حَلِفٍ (فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: الْمَوْضِعَيْنِ الَّذِي يُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَسْكُنَهُ (حَائِطًا وَفَتَحَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (لِنَفْسِهِ بَابًا وَسَكَنَاهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُسَاكِنُهُ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ (أَوْ) حَلَفَ (لَيَرْحَلَنَّ مِنْ) هَذِهِ (الدَّارِ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْوِي) فِي هَذِهِ الدَّارِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَنْزِلُ فِيهَا) فَهُوَ (كَ) حَلِفِهِ (لَا يَسْكُنُهَا) فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَكَذَا) إنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلَدِ (إلَّا أَنَّهُ يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ) مِنْ الْبَلَدِ (وَحْدَهُ إذَا حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْهُ) أَيْ: الْبَلَدِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ إذَنْ بِخِلَافِ الدَّارِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّاتٍ عَادَةً فَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمُعْتَادِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ وَحْدَهُ إذَا حَلَفَ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ الْبَلَدِ بَلْ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ الْمَقْصُودِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الدَّارِ (وَلَا يَحْنَثُ بِعَوْدِهِ) إلَى الدَّارِ وَالْبَلَدِ (إذَا حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ الدَّارِ) لَا إنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا (أَوْ) مِنْ (الْبَلَدِ وَخَرَجَ) لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِالْخُرُوجِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ تَكُنْ) لَهُ (نِيَّةٌ أَوْ) يَكُنْ هُنَاكَ (سَبَبٌ) يَقْتَضِي هِجْرَانَ مَا حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْهُ (وَالسَّفَرُ الْقَصِيرُ سَفَرٌ يَبَرُّ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ وَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ) لِدُخُولٍ فِي مُسَمَّى السَّفَرِ (وَكَذَا النَّوْمُ الْيَسِيرُ) فَيَبَرُّ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَيَنَامَنَّ وَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَنَامُ (وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَسْكُنُ الدَّارَ) أَوْ الْبَلَدَ (فَدَخَلَهَا أَوْ كَانَ فِيهَا غَيْرَ سَاكِنٍ) كَالزَّائِرِ (فَدَامَ جُلُوسُهُ لَمْ يَحْنَثْ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الزِّيَارَةُ لَيْسَتْ بِسُكْنَى اتِّفَاقًا وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا) وَنَحْوَهَا (فَحُمِلَ وَأُدْخِلَهَا وَأَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعُ) حَنِثَ لِدُخُولِهِ غَيْرَ مُكْرَهٍ كَمَا لَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ لَمْ يَحْنَثْ نَصًّا لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَدِمْ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ وَمَتَى دَخَلَهَا بَعْدَ اخْتِيَارٍ حَنِثَ
(أَوْ) حَلَفَ (لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا) مَثَلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا (فَخَدَمَهُ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَالِفُ (سَاكِتٌ حَنِثَ) لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ اسْتِخْدَامٌ لَهُ وَلِهَذَا يُقَالُ فُلَانٌ اسْتَخْدَمَ عَبْدَهُ إذَا خَدَمَهُ وَلَوْ بِلَا أَمْرِهِ.
[فَصْلٌ حَلَفَ ليشربن هَذَا الْمَاءَ]
فَصْلٌ وَمَنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ غَدًا أَوْ فِي غَدٍ أَوْ أَطْلَقَ (أَوْ) حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا أَوْ فِي غَدٍ أَوْ أَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يَقُلْ غَدًا وَلَا فِي غَدٍ (فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَاءُ بِأَنْ أُرِيقَ وَنَحْوِهِ وَالْغُلَامُ بِأَنْ مَاتَ (قَبْلَ الْغَدِ أَوْ فِيهِ) أَيْ الْغَدِ (قَبْلَ الشُّرْبِ أَوْ الضَّرْبِ حَنِثَ حَالَ تَلَفِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ فِي وَقْتٍ بِلَا إكْرَاهٍ وَلَا نِسْيَانٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِنْثِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَنَّ الْعَامَ فَلَمْ يَقْدِرْ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ.
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا وَأَطْلَقَ وَتَلِفَ قَبْلَ فِعْلِهِ لِلْيَأْسِ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (وَإِنْ جُنَّ حَالِفٌ) لَيَفْعَلَنَّ كَذَا غَدًا أَوْ فِي غَدٍ (قَبْلَ الْغَدِ حَتَّى خَرَجَ الْغَدُ) لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلٌ وَلَا تَرْكٌ يُعْتَدُّ بِهِ (وَإِنْ أَفَاقَ) مِنْ جُنُونِهِ (قَبْلَ خُرُوجِهِ) أَيْ الْغَدِ (حَيْثُ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ) بِأَنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الْغَدِ يَسَعُهُ (أَوْ لَا) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ فِيهِ إلَى الْحِنْثِ وَيُحْكَمُ بِحِنْثِهِ (مِنْ أَوَّلِ الْغَدِ) كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي أَوَّلِهِ جُزْءًا لَوْ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْفِعْلِ، ثُمَّ جُنَّ بَقِيَّتَهُ.
وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ مَاتَ) الْحَالِفُ (قَبْلَ الْغَدِ أَوْ أُكْرِهَ) عَلَى تَرْكِ شُرْبِهِ أَوْ ضَرْبِهِ حَتَّى خَرَجَ الْغَدُ (وَإِنْ قَالَ) وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ هُنَا الْمَاءَ، أَوْ لَأَضْرِبَنَّ غُلَامِي وَنَحْوَهُ (الْيَوْمَ فَأَمْكَنَهُ) فِعْلُ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ بِأَنْ مَضَى بَعْدَ يَمِينِهِ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ (فَتَلِفَ)
مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ قَبْلَهُ (حَنِثَ عَقِبَهُ) لِلْيَأْسِ مِنْ فِعْلِهِ بِتَلَفِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهِ لَا حِنْثَ.
وَظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ يَحْنَثُ (وَلَا يَبَرُّ) مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ غَدًا أَوْ فِي غَدٍ، أَوْ يَوْمَ كَذَا (بِضَرْبِهِ قَبْلَ وَقْتٍ عَيَّنَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ كَمَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَصَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ.
وَ (لَا) يَبَرُّ بِضَرْبِهِ (مَيِّتًا) لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى ضَرْبِهِ حَيًّا تَأْلِيمًا لَهُ (وَ) لِهَذَا (لَا) يَبَرُّ (بِضَرْبٍ لَا يُؤْلِمُ) الْمَضْرُوبَ (وَيَبَرُّ) الْحَالِفُ (بِضَرْبِهِ مَجْنُونًا) حَالٌ مِنْ الْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ كَالْعَاقِلِ
(وَ) إنْ حَلَفَ لِرَبِّ حَقٍّ (لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا فَأَبْرَأَهُ) رَبُّ الْحَقِّ (الْيَوْمَ) لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ بِإِبْرَائِهِ مِنْ قَضَائِهِ أَشْبَهَ الْمُكْرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَ الْيَمِينِ الْبَرَاءَةُ إلَيْهِ فِي الْغَدِ وَقَدْ حَصَلَتْ (أَوْ أَخَذَ) رَبُّ الْحَقِّ (عَنْهُ عَرَضًا) لِحُصُولِ الْإِيفَاءِ بِهِ كَحُصُولِ بِجِنْسِ الْحَقِّ (أَوْ مُنِعَ) الْحَالِفُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ (كَرْهًا) بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ فَلَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِهِ (أَوْ مَاتَ) رَبُّ الْحَقِّ (فَقَضَاهُ) الْحَالِفُ (لِوَرَثَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِقِيَامِ وَارِثِهِ مَقَامَهُ فِي الْقَضَاءِ كَوَكِيلِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَقْضِيَنَّهُ) حَقَّهُ (عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ أَوْ مَعَ) رَأْسِهِ (أَوْ إلَى رَأْسِهِ.
أَوْ) إلَى (اسْتِهْلَالِهِ.
أَوْ عِنْدَ) رَأْسِ الشَّهْرِ (أَوْ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ فَمَحِلُّهُ) أَيْ: الْقَضَاءِ الَّذِي يَبَرُّ بِهِ (عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) فَيَبَرُّ بِقَضَائِهِ فِيهِ (وَيَحْنَثُ) بِقَضَائِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ: غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ لِفَوَاتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَلَا يَضُرُّ فَرَاغُ تَأَخُّرِ كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ وَعَدِّهِ وَذَرْعِهِ) لِكَثْرَتِهِ حِينَ شَرَعَ مِنْ الْغُرُوبِ (وَ) لَا يَضُرُّ تَأَخُّرُ فَرَاغِ أَكْلِهِ (إذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ وَشَرَعَ فِيهِ إذَا تَأَخَّرَ لِكَثْرَتِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ عَمَلًا بِالْعَادَةِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ عَلَى غَرِيمِهِ (لَا أَخَذْت حَقَّك مِنِّي فَأُكْرِهَ) مَدِينٌ (عَلَى دَفْعِهِ) فَأَخَذَهُ غَرِيمَهُ حَنِثَ (أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ الْحَقَّ (حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ لِي غَرِيمُهُ فَأَخَذَهُ) غَرِيمُهُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ نَصًّا (كَ) حَلِفِهِ (لَا تَأْخُذْ حَقَّك عَلَيَّ) فَأَخَذَهُ لِوُجُودِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ اخْتِيَارًا وَهُوَ الْأَخْذُ (لَا إنْ أُكْرِهَ قَابِضٌ) عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلُ الْأَخْذِ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ بِلَا حَقٍّ (وَلَا إنْ وَضَعَهُ) حَالِفٌ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: الْغَرِيمِ (أَوْ) وَضَعَهُ فِي (حَجْرِهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمَحْلُوفُ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ الْأَخْذُ (إلَّا أَنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُعْطِيكَهُ) فَيَحْنَثُ بِوَضْعِهِ بَيْنَ
يَدَيْهِ أَوْ فِي حَجْرٍ وَلِأَنَّهُ أَعْطَى (لِبَرَاءَتِهِ) أَيْ: مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ (بِمِثْلِ هَذَا) الْفِعْلِ أَيْ الْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي حِجْرِهِ (مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَأُجْرَةٍ وَزَكَاةٍ) وَنَحْوِهَا
(وَ) إنْ حَلَفَ عَلَى مَدِينِهِ (لَا فَارَقْتَنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك فَفَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرِ) طَوْعًا (لَا كَرْهًا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ) حَالِفٍ حَقَّهُ (حَنِثَ) لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا حَصَلَ مِنَّا فُرْقَةً وَقَدْ حَصَلَتْ طَوْعًا.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا افْتَرَقْنَا أَوْ لَا فَارَقْتُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ فَهَرَبَ) مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْهُ حَنِثَ نَصًّا لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ بِذَلِكَ (أَوْ فَلَّسَهُ حَاكِمٌ وَحَكَمَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْحَالِفُ (بِفِرَاقِهِ) فَفَارَقَهُ حَنِثَ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِفِرَاقِهِ (فَفَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ) لِعُسْرَتِهِ (حَنِثَ) لِمَا سَبَقَ (وَكَذَا إنْ أَبْرَأَهُ) الْحَالِفُ مِنْ حَقِّهِ فَفَارَقَهُ (أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ) فَفَارَقَهُ (أَوْ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ) لَهُ فِي الْفُرْقَةِ فَيَحْنَثُ لِمَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إذَا أُكْرِهَ) عَلَى فِرَاقِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا لَا يُنْسَبُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ قَضَاهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا) قَبْلَ فُرْقَتِهِ لِحُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ بِأَخْذِ الْعَرَضِ لِحُصُولِ بِجِنْسِ الْحَقِّ (وَفِعْلُ وَكِيلِهِ) أَيْ: الْحَالِفِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ وَنَظَائِرِهِ (كَ) فِعْلِهِ (هُوَ) فَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ وَأَمَرَ مَنْ ضَرَبَهُ بَرَّ أَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ فَوَكَّلَ مَنْ يَبِيعُهُ فَبَاعَهُ حَنِثَ لِصِحَّةِ إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى مَنْ فَعَلَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلِهِ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27] وَإِنَّمَا الْحَالِقُ غَيْرُهُمْ وَكَذَا ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: 36] وَنَحْوَهُ وَهَذَا فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِخِلَافِ مَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ أَوْ لَيَأْكُلَنَّ أَوْ لَيَشْرَبَنَّ وَنَحْوَهُ
(وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ زَيْدًا فَبَاعَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لَهُ) فَيَحْنَثُ لِقِيَامِ وَكِيلِ زَيْدٍ مَقَامَهُ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ (وَلَوْ تَوَكَّلَ حَالِفٌ لَا يَبِيعُ وَنَحْوَهُ) كَلَا يَسْتَأْجِرُ (فِي بَيْعٍ) وَنَحْوِهِ وَبَاعَ وَنَحْوَهُ بِكَوْنِهِ وَكِيلًا (لَمْ يَحْنَثْ) لِإِضَافَةِ فِعْلِهِ إلَى مُوَكِّلِهِ دُونَهُ سَوَاءٌ (أَضَافَهُ لِمُوَكِّلِهِ) بِأَنْ قَالَ لِمُشْتَرٍ بِعْتُك هَذَا عَنْ مُوَكِّلِي فُلَانٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ لَا) بِأَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُضَافٌ لِمُوَكِّلِهِ دُونَهُ.
قُلْت إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ أَوْ سَبَبُ الْيَمِينِ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَيَحْنَثُ إذَنْ بِذَلِكَ
(وَ) إنْ حَلَفَ مَدِينٌ (لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيَك حَقَّك فَأُبْرِئَ) مَدِينٌ (مِنْهُ) لَمْ يَحْنَثْ بِفِرَاقِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ يُوَفِّيهِ لَهُ (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ) فَفَارَقَهُ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا) كَعَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ (فَوُهِبَتْ لَهُ) أَيْ الْغَرِيمِ الْحَالِفِ (وَقَبِلَ) الْهِبَةَ
(حَنِثَ) بِفِرَاقِهِ لِتَرْكِهِ الْوَفَاءَ بِاخْتِيَارِهِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ أَقْبَضَهَا) حَالِفٌ لِرَبِّهَا (قَبْلَ) الْهِبَةِ ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهَا ثُمَّ فَارَقَهُ لِحُصُولِ الْوَفَاءِ (وَإِنْ كَانَ حَلَفَ) مَنْ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ الْحَقُّ (لَا أُفَارِقُك، وَلَك قِبَلِي حَقٌّ فَأُبْرِئَ) مِنْ الدَّيْنِ (أَوْ وَهَبَ لَهُ) الدَّيْنَ أَوْ الْعَيْنَ (لَمْ يَحْنَثْ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَقْبَضَهُ الْعَيْنَ قَبْلَ الْهِبَةِ أَوْ لَا إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَالَ الْفُرْقَةِ قَبْلَهُ حَقٌّ (وَقَدْرُ الْفِرَاقِ مَا عُدَّ عُرْفًا) فِرَاقًا (كَ) فِرَاقٍ فِي خِيَارِ مَجْلِسٍ فِي (بَيْعٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدَّ لَهُ حَدٌّ شَرْعًا فَرُجِعَ فِيهِ لِلْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَكْفُلُ مَا لَا يُكْفَلُ بَدْنًا وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ) مِنْ الْمَالِ إنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ مَالًا وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ ذَلِكَ الشَّرْطِ فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الْبَرَاءَةَ حَنِثَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ.
بَابُ النَّذْرِ
(وَهُوَ) لُغَةً الْإِيجَابُ يُقَالُ نَذَرَ دَمَ فُلَانٍ أَيْ: أَوْجَبَ قَتْلَهُ.
وَشَرْعًا (إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا بِعِبَادَةٍ) نَصًّا لِحَدِيثِ عُمَرَ «: إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ» وَلِأَنَّ نَذْرَ الْعِبَادَةِ لَيْسَ عِبَادَةً (نَفْسَهُ) مَفْعُولُ إلْزَامٍ (لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِلْزَامُ (تَعَالَى) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْإِلْزَامِ فَلَا يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ عَلَيَّ وَنَحْوِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْقَوْلِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ (شَيْئًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِإِلْزَامٍ (غَيْرَ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ) كَصَدَقَةٍ بِدِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَنْعَقِدُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا وَيَأْتِي (وَلَا مُحَالَ) بِخِلَافِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَلَا يَنْعَقِدُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] . وَحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا " مَنْ «نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا (فَلَا تَكْفِي نِيَّتُهُ) أَيْ: الْإِلْزَامِ كَالْيَمِينِ (وَهُوَ) أَيْ: النَّذْرُ (مَكْرُوهٌ) لِحَدِيثِ «النَّذْرُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ (لَا يَرُدُّ قَضَاءً) وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيرَةُ﴾ [القصص: 68] وَحَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ يُصَلِّي النَّفَلَ كَمَا هُوَ لَا يَنْذِرُهُ، ثُمَّ يُصَلِّيهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ
(وَيَنْعَقِدُ) النَّذْرُ (فِي وَاجِبٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَنَحْوُهُ) كَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطُ غَيْرِ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مِنْ التَّعْرِيفِ (فَيُكَفِّرُ) نَاذِرٌ (إنْ لَمْ يَصُمْهُ) أَيْ: مَا نَذَرَهُ مِنْ الْوَاجِبِ (كَحَلِفِهِ عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ رَمَضَانَ ثُمَّ لَمْ يَصُمْهُ فَيُكَفِّرُ (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ لَا) يَنْعَقِدُ النَّذْرُ فِي وَاجِبٍ وَالتَّعْرِيفُ عَلَيْهِ (كَ) مَا لَا يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ (لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمُحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِيمَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ
(وَأَنْوَاعُ) نَذْرٍ (مُنْعَقِدٍ سِتَّةٌ.
أَحَدُهَا) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ كَ) قَوْلِهِ (لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا) فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ (وَلَا نِيَّةَ) لَهُ بِشَيْءٍ (وَفَعَلَهُ) أَيْ: مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ نَذْرَهُ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَفَّارَةُ النَّذْرِ إنْ لَمْ يُسَمِّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
النَّوْعُ (الثَّانِي نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ وَهُوَ تَعْلِيقُهُ) أَيْ: النَّذْرِ (بِشَرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنْ) فِعْلِ (شَيْءٍ أَوْ) يَقْصِدُ (الْحَمْلَ عَلَيْهِ) فَالْأَوَّلُ (كَ) قَوْلِهِ (إنْ كَلَّمْتُك) فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْعِتْقُ أَوْ الصَّوْمُ سَنَةً أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ (أَوْ) أَيْ: وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ (إنْ لَمْ أُخْبِرْك) بِكَذَا (فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْعِتْقُ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِ) ذَلِكَ (وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حُصَيْنٍ " أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ) فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ (عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ) الْمَنْذُورِ كَمَالِكٍ (أَوْ) قَوْلُهُ (لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ وَنَحْوَهُ) لِأَنَّهُ تَوْكِيدٌ وَالشَّرْعُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ (وَمَنْ عَلَّقَ صَدَقَةَ شَيْءٍ بِبَيْعِهِ وَ) عَلَّقَهَا (آخَرُ بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ كَفَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (كَفَّارَةَ يَمِينٍ) نَصًّا كَمَا لَوْ حَلَفَا عَلَيْهِ وَحَنِثَا.
النَّوْعُ (الثَّالِثُ نَذْرُ) فِعْلٍ (مُبَاحٍ كَ) قَوْلِهِ (لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي أَوْ) لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ (أَرْكَبَ دَابَّتِي فَيُخَيَّرُ أَيْضًا) بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد " أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ.
فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكِ» النَّوْعُ (الرَّابِعُ نَذْرُ) فِعْلِ (مَكْرُوهٍ كَ) نَذْرِ (طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ) كَأَكْلِ ثُومٍ وَبَصَلٍ (فَيُسَنُّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلُهُ) كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْعُ زَوْجَتِهِ إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ.
النَّوْعُ (الْخَامِسُ نَذْرُ) فِعْلِ (مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَصَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ أَوْ) يَوْمِ (حَيْضٍ أَوْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ (فَيَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ) لِحَدِيثِ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» ، وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُبَاحُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ (وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ) إنْ نَذَرَ الْمَعْصِيَةَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
رَوَى نَحْوَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ (وَيَقْضِي) مَنْ نَذَرَ صَوْمًا مُحَرَّمًا (غَيْرَ) صَوْمِ (يَوْمِ حَيْضٍ) فَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ عِيدٍ أَوْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَضَاهَا وَكَفَّرَ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا وَهُوَ كَوْنُهُ لَهُ ضِيَافَةَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَذْرِ مَرِيضٍ صَوْمَ يَوْمٍ يُخَالَفُ عَلَيْهِ فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَكَذَا نَذْرُ صَلَاةٍ فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ بِخِلَافِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ حَيْضٍ فَلَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِ كَنَذْرِ صَوْمِ لَيْلَةٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ صَوْمٍ.
(وَمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ مَعْصُومٍ حَتَّى نَفْسِهِ فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ) يَمِينٍ فَقَطْ لِحَدِيثِ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَكَالْيَمِينِ لِحَدِيثِ «النَّذْرُ حَلْقَةٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (وَتَتَعَدَّدُ) كَفَّارَةٌ عَلَى نَذْرِ ذَبْحِ وَلَدِهِ (بِتَعَدُّدِهِ) وَلِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ (مَا لَمْ يَنْوِ) بِنَذْرِهِ وَلَدًا (مُعَيَّنًا) بِذَبْحِهِ فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَكَذَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
النَّوْعُ (السَّادِسُ نَذْرُ تَقَرُّبٍ كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَدَقَةٍ) مِمَّا لَا يَضُرُّهُ وَلَا عِيَالَهُ وَلَا غَرِيمَهُ (وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) وَزِيَارَةِ أَخٍ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ (بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ مُطْلَقًا) أَيْ: غَيْرِ مُعَلَّقٍ (بِشَرْطٍ أَوْ عُلِّقَ بِشَرْطِ) وُجُودِ (نِعْمَةٍ) يَرْجُوهَا (أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ) يَخَافُهَا (كَ) قَوْلِ (إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلِمَ مَالِي) لَأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا (أَوْ حَلَفَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ كَ) قَوْلِهِ (وَاَللَّهِ لَئِنْ سَلِمَ مَالِي لَأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا، فَوُجِدَ شَرْطُهُ لَزِمَهُ) الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ نَصًّا.
وَكَذَا إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا.
ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لِعُمُومِ حَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَذَمَّ تَعَالَى الَّذِينَ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ.
فَقَالَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ أَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: 75]
إلَى قَوْلِهِ - ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: 77]
وَمَنْ نَذَرَ طَاعَةً وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ فَقَطْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: وَيُكَفِّرُ لِلْمَتْرُوكِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَلَوْ خِصَالًا كَثِيرَةً لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ
(وَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ) أَيْ مَا نَذَرَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَفِعْلُ مَا نَذَرَهُ مِنْ الطَّاعَةِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ وُجُودِ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ النَّذْرُ كَإِخْرَاجِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ قَبْلَ الْحِنْثِ (وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ مَنْ تُسَنُّ لَهُ) الصَّدَقَةُ (بِكُلِّ مَالِهِ أَوْ بِأَلْفٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَعْدَادِ (وَهُوَ) أَيْ الْأَلْفُ وَنَحْوُهُ (كُلُّ مَالِهِ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِنَذْرٍ (أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ) يَوْمَ نَذَرَهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَلَا كَفَّارَةَ نَصًّا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ حِينَ قَالَ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنُكَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ " أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي إيجَابَ الصَّدَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْإِجْزَاءُ غَالِبًا إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبَاتِ وَلَوْ كَانَ مُخَيَّرًا بِإِرَادَةِ الصَّدَقَةِ لَمَّا لَزِمَهُ شَيْءٌ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْضُهُ
(وَ) لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ مَنْ تُسَنُّ لَهُ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ (بِبَعْضٍ) مِنْ مَالِهِ (مُسَمًّى) كَنِصْفِهِ أَوْ أَلْفٍ وَهُوَ بَعْضُ مَالِهِ (لَزِمَهُ) مَا سَمَّاهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ شَيْءٌ كَسَائِرِ النُّذُورِ (وَإِنْ نَوَى) بِنَذْرِهِ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ شَيْئًا (ثَمِينًا) مِنْ مَالِهِ (أَوْ) نَوَى (مَالًا دُونَ مَالٍ أُخِذَ بِنِيَّتِهِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تُسَنَّ لَهُ الصَّدَقَةُ بِأَنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ وَغَرِيمِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْقُرْبَةَ بِأَنْ كَانَ لَهُ لَجَاجٌ أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ (وَإِنْ نَذَرَهَا بِمَالٍ وَنِيَّتُهُ أَلْفٌ يُخْرِجُ مَا شَاءَ) مِنْ مَالِهِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَمَّا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ (فَيَصْرِفُهُ لِلْمَسَاكِينِ) وَيُجْزِئُ لِوَاحِدٍ (كَ) نَذْرِ (صَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ) فَإِنْ عُيِّنَتْ لِزَيْدٍ مَثَلًا لَزِمَ دَفْعُهَا إلَيْهِ (وَلَا يُجْزِيهِ) أَيْ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ بِمَالٍ (إسْقَاطُ دَيْنٍ) عَنْ مَدِينِهِ وَلَوْ فَقِيرًا.
قَالَ أَحْمَدُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ أَيْ: لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ، وَهَذَا إسْقَاطٌ كَالزَّكَاةِ
(وَمَنْ حَلَفَ) لَا رَدَدْت سَائِلًا (أَوْ نَذَرَ لَا رَدَدْت سَائِلًا فَ) هُوَ (كَمَنْ حَلَفَ) عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ (أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فَيُجْزِيهِ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ (فَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ) أَيْ: الْحَالِفِ أَوْ النَّاذِرِ مِنْ نَحْوِ كَسْبِهِ (إلَّا مَا يَحْتَاجُهُ) لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالٍ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِتَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ نَذَرَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَحْصُلَ لَهُ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُهُ (تَصَدَّقَ بِثُلُثِ الزَّائِدِ) عَنْ حَاجَتِهِ (وَحَبَّةِ بُرٍّ وَنَحْوِهَا) كَأَرُزَّةٍ وَشَعِيرَةٍ (لَيْسَتْ سُؤَالَ السَّائِلِ) اعْتِبَارٌ بِالْمَقَاصِدِ.
قُلْت وَحَدِيثِ «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ نِصْفِ التَّمْرَةِ وَنَحْوِهَا فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ
(وَ) مَنْ قَالَ (إنْ مَلَكْت مَالَ فُلَانٍ فَعَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهِ فَمَا مَلَكَهُ فَ) هُوَ (كَمَالِهِ) أَيْ: النَّاذِرِ فَيُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ
(وَمَنْ حَلَفَ فَقَالَ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ) لَا فَعَلْت كَذَا (فَحَنِثَ فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) كَالْحَلِفِ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ.
[فَصْلٌ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ]
فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ شَهْرُ (رَمَضَانَ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) لِأَنَّ رَمَضَانَ لَا يَقْبَلُ صَوْمَ غَيْرِهِ وَأَيَّامُ النَّهْيِ لَا تَقْبَلُ صَوْمَ النَّذْرِ كَاللَّيْلِ فَلَا كَفَّارَةَ بِفِطْرِهَا وَلَا قَضَاءَ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ) كَالْمُحَرَّمِ (فَلَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَ) عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ) لِوُجُوبِهِ بِالنَّذْرِ كَرَمَضَانَ (مُتَتَابِعًا) لِأَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِ بِالشَّهْرِ إذْ الْقَضَاءُ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ فِيمَا يُمْكِنُ.
(وَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ) أَيْ: الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) كَصَوْمِ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ الَّذِي بَعْدَهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ) يَوْمًا فَأَكْثَرَ (لِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ شَهْرًا مِنْ يَوْمِ فِطْرِهِ) لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ وَلَوْ بَنَى عَلَى مَا مَضَى لَبَطَلَ التَّتَابُعُ (وَكَفَّرَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فِيمَا يَصُومُهُ بَعْدَ الشَّهْرِ.
(وَ) إنْ أَفْطَرَ مِنْهُ يَوْمًا فَأَكْثَرَ (لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَحَيْضٍ (بَنَى) عَلَى مَا صَامَهُ (وَقَضَى مَا أَفْطَرَهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِتَمَامِهِ وَكَفَّرَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ جُنَّهْ) أَيْ: الشَّهْرُ الَّذِي نَذَرَ صَوْمَهُ (كُلَّهُ لَمْ يَقْضِهِ) وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ فِيهِ كَرَمَضَانَ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُعَيِّنْهُ (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِيهِ سَوَاءٌ صَامَ شَهْرًا هِلَالِيًّا أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِالْعَدَدِ.
(وَإِنْ قَطَعَهُ) أَيْ: الصَّوْمَ (بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَهُ) لِئَلَّا يَفُوتَ التَّتَابُعُ (وَ) إنْ قَطَعَهُ لِعُذْرٍ يُخَيَّرُ (بَيْنَهُ) أَيْ: الِاسْتِئْنَافِ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِفِعْلِهِ الْمَنْذُورَ عَلَى وَجْهِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ) عَلَى مَا مَضَى (وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا (وَيُكَفِّرُ) كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَكَذَا) لَوْ نَذَرَ صَوْمَ (سَنَةٍ فِي) لُزُومِ (تَتَابُعٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَصُومُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ وَ) سِوَى
(أَيَّامِ النَّهْيِ) أَيْ: يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِانْصِرَافِ نَذْرِهِ إلَى صَوْمِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ بِالنَّذْرِ (وَلَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فَيَقْضِي) عِوَضَ رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ.
(وَ) إنْ نَذَرَ صَوْمَ (سَنَةٍ مِنْ الْآنَ أَوْ) نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ (مِنْ وَقْتِ كَذَا فَ) كَنَذْرِ صَوْمِ سَنَةٍ (مُعَيَّنَةٍ) فَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَأَيَّامُ النَّهْيِ فَلَا يَقْضِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّ تَعْيِينَ أَوَّلِهَا تَعْيِينٌ لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] فَإِذَا عَيَّنَ أَوَّلَهَا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا انْتِهَاءَ الثَّانِي عَشَرَ
(وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ) كَسَائِرِ النُّذُورِ إذْ جِنْسُ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَشْرُوعٌ (فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ فَقَطْ) أَيْ: بِلَا قَضَاءٍ (بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِأَنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرِقٌ لِلصَّوْمِ الْمَنْذُورِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِهِ إلَّا بِتَرْكِ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ فَتَرْكُهُ يُوجِبُ كَفَّارَةً فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى التَّسَلْسُلِ وَتَرْكِ الْمَنْذُورِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ (وَلَا يَدْخُلُ) فِي نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ (رَمَضَانُ وَ) لَا (يَوْمُ نَهْيٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَقْضِي فِطْرَهُ بِهِ) أَيْ: بِرَمَضَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّذْرِ كَتَقْدِيمِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْذُورَةِ وَيُكَفِّرُ بِفِطْرِهِ بِرَمَضَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ (وَيُصَامُ لِظِهَارٍ) إذَا عَدِمَ الْمُظَاهِرُ الرَّقَبَةَ (وَنَحْوِهِ) كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَالْقَتْلِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدَّهْرِ الْمَنْذُورِ صَوْمُهُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ (وَيُكَفِّرُ مَعَ صَوْمِ ظِهَارٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّهُ سَبَبُهُ
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ (فَوَافَقَ) يَوْمُ نَذْرِهِ (عِيدًا أَوْ حَيْضًا أَوْ نِفَاسًا) أَوْ أَيَّامَ تَشْرِيقٍ أَفْطَرَ وُجُوبًا لِتَحْرِيمِ صَوْمِهَا (وَقَضَى) نَذْرَهُ لِانْعِقَادِ نَذْرِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ (وَكَفَّرَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ كَمَا لَوْ لَمْ يَصُمْهُ لِمَرَضٍ
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ) فُلَانٌ (لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: النَّاذِرِ لِتَبَيُّنِ أَنَّ نَذْرَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ.
(وَ) إنْ قَدِمَ (نَهَارًا وَهُوَ) أَيْ: النَّاذِرُ (صَائِمٌ وَقَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ لِخَبَرٍ سَمِعَهُ صَحَّ) صَوْمُهُ (وَأَجْزَأَهُ) لِوَفَائِهِ بِنَذْرِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ بَيَّتَ النِّيَّةَ لِخَبَرٍ سَمِعَهُ (أَوْ كَانَ مُفْطِرًا أَوْ وَافَقَ قُدُومَهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ أَوْ) وَافَقَ قُدُومَهُ (يَوْمَ عِيدٍ أَوْ) وَافَقَ قُدُومَهُ يَوْمَ (حَيْضِ) نَاذِرَةٍ (قَضَى وَكَفَّرَ) لِأَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ لَمْ يَفِ بِهِ كَسَائِرِ النُّذُورِ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومَهُ) أَيْ: فُلَانٍ (وَهُوَ) أَيْ: النَّاذِرُ (صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَتَمَّهُ) أَيْ: لِوُجُوبِهِ (وَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ وَيَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ كَصَائِمٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ) فِي (كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ) فَيُتِمُّهُ وَيَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ) أَيْ: يَوْمَ قُدُومِ فُلَانٍ (وَهُوَ) أَيْ: النَّاذِرُ (مَجْنُونٌ فَلَا قَضَاءَ) عَلَيْهِ (وَلَا كَفَّارَةَ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ فِيهِ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَجُنَّهُ (وَنَذَرَ اعْتِكَافَهُ) فِيمَا تَقَدَّمَ (كَ) نَذْرِ (صَوْمِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (ثَلَاثِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَتَابُعُ) صَوْمِهَا نَصًّا لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّتَابُعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] (إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ يَقُولَ مُتَتَابِعَةٌ فَيَلْزَمُهُ وَفَاءٌ بِنَذْرِهِ (أَوْ) إلَّا (بِنِيَّةِ) التَّتَابُعِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ التَّلَفُّظِ بِهِ وَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ
(وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ) كَشَهْرٍ (فَأَفْطَرَ) فِيهِ (لِمَرَضٍ يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ) كَخَوْفِهِ بِصَوْمِهِ تَلَفًا (أَوْ) أَفْطَرَتْ فِيهِ امْرَأَةٌ (لِحَيْضٍ خُيِّرَ) نَاذِرٌ (اسْتِئْنَافَهُ) أَيْ: الصَّوْمِ بِأَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَوْمِهِ (وَيُكَفِّرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَإِنْ) أَفْطَرَ فِيهِ (لِشَهْرٍ أَوْ مَا) أَيْ: شَيْءٍ (يُبِيحُ الْفِطْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ) كَمَرَضٍ يَجُوزُ مَعَهُ الْفِطْرُ (لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابِ لِعَدَمِ تَفْرِيقِهِمْ فِي ذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَهَذَا الْأَخِيرُ لَا يَعْدِلُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِكَوْنِ الْمَرَضِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ لَا يَقْطَعُهُ.
(وَ) إنْ أَفْطَرَ مَنْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ (لِغَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ) تَدَارُكًا لِمَا تَرَكَهُ مِنْ التَّتَابُعِ الْمَنْذُورِ بِلَا عُذْرٍ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ حَمْلًا لِلْمَنْذُورِ عَلَى الْمَشْرُوعِ وَسَبَبُ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَسَبَبُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ وَاجِبٍ بِالصَّوْمِ فَاخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ (أَوْ نَذَرَهُ) أَيْ: الصَّوْمَ (حَالَ عَجْزِهِ) عَنْهُ لِمَا سَبَقَ (أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَعُلِمَ مِنْهُ انْعِقَادُ نَذْرِهِ إذَنْ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَلِأَنَّ الْعَجْزَ إنَّمَا هُوَ عَنْ فِعْلِ الْمَنْذُورِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَالَ عَقْدِ النَّذْرِ وَيَسْتَمِرُّ أَوْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ
(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَنَحْوَهَا) كَجِهَادٍ (وَعَجَزَ) عَنْهُ
(فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ إنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ كَمَرَضٍ انْتَظَرَ وَلَا كَفَّارَةَ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَقْتًا فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ فَكَمَا تَقَدَّمَ
(وَ) إنْ نَذَرَ (حَجًّا لَزِمَهُ) مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَبَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ (فَإِنْ لَمْ يُطِقْهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ حُجَّ عَنْهُ) كَمَنْ عَجَزَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَطْلَقَ بَعْضَ مَا نَذَرَهُ كَأَنْ نَذَرَ حَجَّاتٍ وَقَدَرَ عَلَى بَعْضِهَا (أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي) الَّذِي لَمْ يُطِقْهُ (وَمَعَ عَجْزِهِ عَنْ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ حَالَ نَذْرِهِ لَا يَلْزَمُهُ) شَيْءٌ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُمَا) أَيْ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ (لَزِمَهُ) بِالنَّذْرِ السَّابِقِ فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ مَعَ الْعَجْزِ كَمَا تَقَدَّمَ
(وَإِنْ نَذَرَ) مُكَلَّفٌ (صَوْمًا) وَأَطْلَقَ (أَوْ) نَذَرَ (صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ) كَنِصْفِهِ (لَزِمَهُ) صَوْمُ (يَوْمٍ) تَامٍّ (بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِأَنَّهُ أَقَلُّ الصَّوْمِ (وَنَذَرَ صَوْمَ لَيْلَةٍ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ كَنَذْرٍ مُسْتَحِيلٍ (وَكَذَا نَذْرُ صَوْمِ يَوْمٍ أَتَى فِيهِ بِمُنَافٍ) لِلصَّوْمِ نَحْوِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ
(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً) وَأَطْلَقَ (ف) عَلَيْهِ (رَكْعَتَانِ قَائِمًا لِقَادِرٍ) عَلَى قِيَامٍ (لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئ فِي فَرْضٍ) وَلَوْ حَلَفَ لَيُوتِرَنَّ اللَّيْلَةَ أَجْزَأَتْهُ رَكْعَةٌ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّهَا أَقَلُّهُ.
(وَ) إنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي (أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَوْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَقُلْ بِتَسْلِيمَةٍ وَلَا تَسْلِيمَتَيْنِ (يُجْزِئُ) أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا (بِتَسْلِيمَةٍ كَعَكْسِهِ) بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ فَصَلَّاهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ (وَلِمَنْ نَذَرَ صَلَاةً جَالِسًا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا) لِإِتْيَانِهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا نَذَرَهُ وَظَاهِرِهِ وَلَا كَفَّارَةَ
(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ) إلَى (مَوْضِعٍ مِنْ مَكَّةَ) كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ (أَوْ) إلَى (حَرَمِهَا وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقُلْ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا غَيْرِهِ (أَوْ قَالَ غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ) فِي (عُمْرَةٍ) حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ وَإِلْغَاءً لِإِرَادَتِهِ غَيْرَهُ (مِنْ مَكَانِهِ) أَيْ: النَّذْرِ أَيْ: دُوَيْرَةٍ أَهْلِهِ كَمَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (إحْرَامٌ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) كَحَجِّ الْفَرْضِ (مَا لَمْ يَنْوِ مَكَانَا بِعَيْنِهِ) لِلْمَشْيِ مِنْهُ أَوْ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ لِعُمُومِ حَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . قُلْت مُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ إحْرَامٌ بِحَجٍّ قَبْلَ مِيقَاتِهِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَهُ لَا يَفِي بِهِ وَيُكَفِّرُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَصْلُ الْإِحْرَامِ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ تَقْدِيمُهُ (أَوْ) يَنْوِي بِنَذْرِهِ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (إتْيَانُهُ لَا حَقِيقَةَ الْمَشْيِ) فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ لِحُصُولِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ
خَارِجَ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ وَمَوَاقِيتِ إحْرَامٍ لَمْ يَلْزَمْهُ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالْكَفَّارَةِ (وَإِنْ رَكِبَ) مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ (أَوْ نَذَرَ الرُّكُوبَ) لِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (فَمَشَى) إلَيْهِ.
(فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» وَالْمَشْيُ أَوْ الرُّكُوبُ لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ لِيَجِبَ بِهِ دَمٌ (وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ (أَوْ) إلَى الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى لَزِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ: الْمَشْيُ إلَيْهِ.
(وَ) لَزِمَتْهُ (الصَّلَاةُ فِيهِ) رَكْعَتَيْنِ إذْ الْقَصْدُ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرُهُمْ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَيْثُ وَجَبَ بِهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ نَذَرَهَا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَجْزَأَتْهُ فِيهِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِنْ نَذَرَهَا فِي الْأَقْصَى أَجْزَأَتْهُ فِيهِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَتَقَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ دَلِيلُ ذَلِكَ (وَإِنْ عَيَّنَ) بِنَذْرِهِ أَنْ يَأْتِيَ (مَسْجِدًا فِي غَيْرِ حَرَمٍ) أَيْ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ لِحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» فَإِنْ جَاءَهُ (لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَانِ) لِمَا سَبَقَ
(وَإِنْ نَذَرَ) عِتْقَ (رَقَبَةٍ فَ) عَلَيْهِ عِتْقُ (مَا يُجْزِي عَنْ وَاجِبٍ) فِي نَحْوِ ظِهَارٍ وَتَقَدَّمَ حَمْلًا لِلنَّذْرِ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا (إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا) أَيْ: الرَّقَبَةَ كَهَذَا الْعَبْدِ أَوْ هَذِهِ الْأَمَةِ أَوْ سَالِمٍ أَوْ يَنْوِيهِ (وَيُجْزِئُهُ مَا عَيَّنَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ سِوَاهُ (لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ) الْمُعَيَّنُ (أَوْ أَتْلَفَهُ نَاذِرٌ قَبْلَ عِتْقِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا عِتْقٍ) نَصًّا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَعَلَى مُتْلِفِ) الْمَنْذُورِ عِتْقُهُ قَبْلَهُ (غَيْرِهِ) أَيْ: النَّاذِرِ (قِيمَتُهُ لَهُ) أَيْ: النَّاذِرِ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ
(وَ) مَنْ قَالَ (إنْ مَلَكْت عَبْدَ زَيْدٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ) بِذَلِكَ (أُلْزِمَ بِعِتْقِهِ إذَا مَلَكَهُ) لِأَنَّهُ نَذْرٌ تَبَرَّرَ وَإِنْ كَانَ فِي لَجَاجٍ وَغَضَبٍ خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ
(وَمَنْ نَذَرَ طَوَافًا أَوْ سَعْيًا فَأَقَلُّهُ) أَيْ: الْمُجْزِئِ (أُسْبُوعٌ) حَمْلًا عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا.
(وَ) مَنْ نَذَرَ طَوَافًا أَوْ سَعْيًا (عَلَى أَرْبَعٍ فَ) عَلَيْهِ (طَوَافَانِ أَوْ سَعْيَانِ) أَحَدُهُمَا عَنْ يَدَيْهِ وَالْآخَرُ عَنْ رِجْلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّوَافِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَبْشَةَ بِنْتِ مَعْدِي كَرِبَ حِينَ قَالَتْ «يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُوفِي عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعَيْنِ، سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ»
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ مِثْلُهُ وَقِيسَ عَلَيْهِ السَّعْيُ
(وَمَنْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ عُرْيَانًا أَوْ الْحَجِّ حَافِيًا حَاسِرًا وَنَحْوَهُ) كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ حَرِيرٍ (وَفَّى بِهَا) أَيْ: الطَّاعَةِ الْمَنْذُورَةِ (عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ) كَمَا لَوْ أَطْلَقَ (وَتُلْغَى تِلْكَ الصِّفَةُ) لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، قَالَ: فَمُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ.
وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مَقْرُونَيْنِ فَقَالَ: أَطْلِقَا قِرَانَكُمَا» (وَيُكَفِّرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ وَإِنْ أَفْسَدَ حَجًّا نَذَرَهُ مَاشِيًا قَضَاهُ كَذَلِكَ وَكَذَا لَوْ فَاتَهُ وَيَسْقُطُ لِفَوَاتِهِ تَوَابِعَ الْوُقُوفِ مِنْ مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيِ جِمَارٍ وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ وَيَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ مَاشِيًا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ (وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِوَعْدٍ) نَصًّا وَيَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23] أَيْ: لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ إلَّا مُعَلَّقًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَالنَّهْيُ الْمُتَقَدِّمُ مَعَ إلَّا الْمُتَأَخِّرَةِ حَصْرٌ بِالْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَحْدَهَا فَتَخْتَصُّ بِالْإِبَاحَةِ وَغَيْرُهَا بِالتَّحْرِيمِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ إلَّا هَذِهِ فَتَكُونُ وَاجِبَةً.
هَذَا مُدْرَكُ الْوُجُوبِ مِنْ الْآيَةِ وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فَهُوَ مِنْ قَوْلِنَا مُعَلِّقًا الْمَحْذُوفَ كَقَوْلِك لَا تَخْرُجَنَّ إلَّا ضَاحِكًا فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْأَمْرَ بِالضَّحِكِ وَالْخُرُوجِ.
هَذَا حَاصِلٌ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِرُمَّتِهِ فِي أَصْلِهِ.
[كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا]
قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَبَدَأَ بِأَحْكَامِهَا قَبْلَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (وَهِيَ) أَيْ: الْفُتْيَا اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ أَفْتَى يُفْتِي إفْتَاءً (تَبَيَّنَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) لِلسَّائِلِ عَنْهُ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَهَابُونَ الْفُتْيَا كَثِيرًا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَهَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ عَلَى مَنْ يَهْجُمُ عَلَى الْجَوَابِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ وَقَالَ إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ عَلَى أَنْ يَقُولَهُ وَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي حِفْظُ الْأَدَبِ مَعَ الْمُفْتِي وَيُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ وَلَا يَفْعَلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَوَامّ بِهِ كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ مَا مَذْهَبُ إمَامِك فِي كَذَا أَوْ مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا أَوْ أَفْتَانِي فُلَانٌ غَيْرُك بِكَذَا وَكَذَا قُلْت أَنَا وَإِنْ كَانَ جَوَابُك مُوَافِقًا فَاكْتُبْ وَإِلَّا فَلَا تَكْتُبُ لَكِنْ إنْ عَلِمَ مُفْتٍ غَرَضَ سَائِلٍ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ بِغَيْرِهِ وَلَا يَسْأَلَهُ عِنْدَ هَمٍّ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ قِيَامٍ وَنَحْوِهِ وَلَا يُطَالِبُ بِالْحُجَّةِ (وَلَا يَلْزَمُ) الْمُفْتِيَ (جَوَابُ مَا لَمْ يَقَعْ) رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ) وَلَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ " مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ " وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101] وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ " وَفِي لَفْظٍ «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا
(وَلَا) يَلْزَمُ جَوَابُ (مَا لَا يَحْتَمِلُهُ سَائِلٌ) قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ عَلِيٌّ " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " وَفِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ»
(وَلَا) يَلْزَمُ جَوَابُ (مَا لَا نَفْعَ فِيهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ " مَنْ سَأَلَك عَمَّا لَا يَعْنِيهِ فَلَا تُفْتِهِ " وَسَأَلَ مُهَنَّا أَحْمَدَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَغَضِبَ وَقَالَ " خُذْ وَيْحَك فِيمَا تَنْتَفِعُ بِهِ وَإِيَّاكَ وَهَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُحْدَثَةَ وَخُذْ فِيمَا فِيهِ حَدِيثٌ "
(وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ) مِنْ إبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ أَوْ وَقْفٍ عَلَى الْخِلَافِ وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ
(وَيَحْرُمُ تَسَاهُلُ مُفْتٍ) فِي الْإِفْتَاءِ لِئَلَّا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
(وَ) يَحْرُمُ (تَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ بِهِ) أَيْ التَّسَاهُلُ فِي الْإِفْتَاءِ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ (وَيُقَلَّدُ) الْمُجْتَهِدُ (الْعَدْلُ وَلَوْ مَيْتًا) لِبَقَاءِ قَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَكَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ لَا يَبْطُلُ حُكْمُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ بِمَوْتِهِ.
.
قَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا (وَيُفْتِي مُجْتَهِدٌ فَاسِقٌ نَفْسَهُ) فَقَطْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ عَلَى مَا يَقُولُ.
وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ
(وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُقَلِّدَ عَامِّيٌّ مَنْ ظَنَّهُ عَالِمًا) وَلَوْ عَبْدًا أَوْ أُنْثَى أَوْ أَخْرَسَ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَكَذَا مَنْ رَآهُ مُنْتَصِبًا لِلْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ مُعَظَّمًا لِأَنَّهُ دَلِيلُ عِلْمِهِ (لَا إنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ.
قُلْت وَفِيهِ حَرَجٌ كَبِيرٌ خُصُوصًا السَّائِلُ الْغَرِيبُ وَتَقَدَّمَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ
(وَلِمُفْتٍ رَدُّ الْفُتْيَا إنْ) خَافَ غَائِلَتَهَا أَوْ (كَانَ بِالْبَلَدِ) أَهْلٌ لِلْفُتْيَا (عَالِمٌ قَائِمٌ مَقَامَهُ) لِفِعْلِ السَّلَفِ وَلِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْإِفْتَاءِ إذَنْ (وَإِلَّا) يَكُنْ بِالْبَلَدِ عَالِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ رَدُّ الْفُتْيَا لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ
(كَ) مَا لَا يَجُوزُ (قَوْلُ حَاكِمٍ لِمَنْ ارْتَفَعَ إلَيْهِ) فِي حُكُومَةٍ (امْضِ إلَى غَيْرِي) وَلَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لِأَنَّ تَدَافُعَ الْحُكُومَاتِ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ
(وَيَحْرُمُ) عَلَى مُفْتٍ (إطْلَاقُ الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا (فَمَنْ سُئِلَ أَيُؤْكَلُ) أَوْ يُشْرَبُ أَوْ نَحْوُهُ (بِرَمَضَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ) الْفَجْرُ (الْأَوَّلُ أَوْ) الْفَجْرُ (الثَّانِي) وَمِثْلُهُ مَا اُمْتُحِنَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ فَقَصَّرَهُ وَجَحَدَهُ هَلْ لَهُ أُجْرَةٌ إنْ عَادَ وَسَلَّمَهُ لِرَبِّهِ فَقَالَ إنْ كَانَ قَصَّرَهُ قَبْلَ جُحُودِهِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ جُحُودِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّهُ قَصَرَهُ لِنَفْسِهِ وَمِثْلُهُ مَنْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ رِطْلِ تَمْرٍ بِرِطْلِ تَمْرٍ هَلْ يَصِحُّ؟ وَجَوَابُهُ إنْ تَسَاوَيَا كَيْلًا صَحَّ وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ لَا يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى احْتِمَالٍ بَعِيدٍ وَمِثْلُهُ شُرُوطُ إرْثٍ وَمَوَانِعُهُ وَنَحْوُهَا وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِخَطِّ الْمُفْتِي لِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ
(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ) بِمَا ذَكَرَهُ
بِقَوْلِهِ (وَيَتَخَيَّرُ) مُسْتَفْتٍ (وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ) مُفْتٍ لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ بِالْأَخْذِ بِقَوْلٍ مُعَيَّنٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (وَلَا) يَجُوزُ (لِمَنْ يَنْتَسِبُ لِمَذْهَبِ إمَامٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ) لِإِمَامَةٍ أَوْ وَجْهَيْنِ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُفْتِي أَوْ يَحْكُمُ بِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَعْمَلُ بِهِ
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مُفْتِيًا) وَاحِدًا (لَزِمَ أَخْذُهُ بِقَوْلِهِ) كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ حَاكِمٌ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَلَا سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ (وَكَذَا مُلْتَزَمُ قَوْلِ مُفْتٍ وَثَمَّ غَيَّرَهُ) قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ لَوْ أَفْتَى الْمُقَلِّدَ مُفْتٍ وَاحِدٌ وَعَمِلَ بِهِ الْمُقَلِّدُ لَزِمَهُ قَطْعًا وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا إجْمَاعًا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ هَذَا الْأَشْهَرُ
(وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ.
وَفِيهِ الْأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ الْمَفْضُولُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ بِلَا نَكِيرٍ خُصُوصًا وَالْعَامِّيُّ يَقْصُرُ عَنْ التَّرْجِيحِ وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ.
وَقَدْ ذَمَّ تَعَالَى التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 23] الْآيَةَ.
وَهِيَ فِيمَا يُطْلَبُ لِلْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ فِي الْفُرُوعِ
(وَالْقَضَاءُ) لُغَةً إحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] وَبِمَعْنَى أَوْجَبَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] وَبِمَعْنَى إمْضَاءِ الْحُكْمِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: 4] أَيْ: أَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا أَوْ لَا يُجَابِهُ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَاصْطِلَاحًا (تَبَيُّنُهُ) أَيْ: الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (وَالْإِلْزَامُ بِهِ وَفَصْلُ الْحُكُومَاتِ) أَيْ الْخُصُومَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى﴾ [ص: 26] وَقَوْلُهُ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ
عَلَى نَصْبِ الْقَضَاءِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ (وَهُوَ) أَيْ: الْقَضَاءُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ (كَالْإِمَامَةِ) وَالْجِهَادِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ الْحَقَّ فِيهِ وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُهَا دِينًا وَقُرْبَةً فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ بَعْضِهِمْ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ بِهَا وَمِنْ فِعْلِ مَا يُمَكِّنُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ (فَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْصِبَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ (قَاضِيًا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْإِمَامِ تَوَلِّي الْخُصُومَاتِ وَالنَّظَرِ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَلِئَلَّا تَضِيعَ الْحُقُوقُ بِتَوَقُّفِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ عَلَى السَّفَرِ لِلْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَكُلْفَةِ النَّفَقَةِ وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ الْقُضَاةَ لِلْأَمْصَارِ فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا وَبَعَثَ مُعَاذًا قَاضِيًا أَيْضًا وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَكَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ يَأْمُرُهُمَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ فِي الشَّامِ.
(وَ) عَلَى الْإِمَامِ أَنْ (يَخْتَارَ لِذَلِكَ) أَيْ: نَصْبِ الْقُضَاةِ (أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَحَرِّي الْأَصْلَحِ لَهُمْ (وَيَأْمُرُهُ) أَيْ: الْإِمَامُ إذَا وَلَّاهُ (بِالتَّقْوَى) لِأَنَّهَا رَأْسُ الْأَمْرِ وَمِلَاكُهُ.
(وَ) يَأْمُرُهُ (بِتَحَرِّي الْعَدْلِ) أَيْ: إعْطَاءِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ بِلَا مَيْلٍ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقَضَاءِ (وَ) يَأْمُرُهُ (أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ: نَاحِيَةٌ مِنْ عَمَلِهِ (أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُهُمْ) عِلْمًا وَوَرَعًا لِحَدِيثِ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ
(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (إذَا طُلِبَ) لَهُ (وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ إذَنْ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَلِئَلَّا تَضِيعَ حُقُوقُ النَّاسِ فَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ لَهُ أَوْ وُجِدَ مَوْثُوقٌ بِهِ غَيْرُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الدُّخُولُ فِيهِ (إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ) الدُّخُولُ فِي الْقَضَاءِ (عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ) فَلَا يَلْزَمُهُ إذَنْ الدُّخُولُ فِيهِ لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَمَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ) مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ (الْأَفْضَلُ) لَهُ (أَنْ لَا يُجِيبَ) إذَا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ ; طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَدَفْعًا لِلْخَطَرِ وَاتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي لَهُ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا حُبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ حَتَّى يُوقِعَهُ عَلَى جَهَنَّمَ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى اللَّهِ فَإِنْ قَالَ أَلْقِهِ أَلْقَاهُ فِي مَهْوًى فَهَوَى أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ
(وَكُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (إذَا) أَيْ: مَعَ وُجُودِ صَالِحٍ لَهُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا " «إنَّا وَاَللَّهِ لَا نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلَ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرِيصًا عَلَيْهِ» " (وَيَحْرُمُ بَذْلُ مَالٍ فِيهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ.
(وَ) يَحْرُمُ عَلَى مَنْ بُذِلَ لَهُ الْمَالُ فِي الْقَضَاءِ (أَخْذُهُ) وَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
(وَ) يَحْرُمُ (طَلَبُهُ) أَيْ: الْقَضَاءِ (وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ) أَيْ: صَالِحٌ لَهُ وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ إيذَاءٌ لِلْمُبَاشِرِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشِرُهُ أَهْلًا جَازَ لِلْأَهْلِ طَلَبُهُ بِلَا مَالٍ وَيَحْرُمُ الدُّخُولُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ وَالشَّفَاعَةُ لَهُ وَإِعَانَتُهُ عَلَى التَّوْلِيَةِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ
(وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ وَاشْتُهِرَ وَتَكَرَّرَ وَلَمْ يُنْكَرْ.
(وَ) تَصِحُّ تَوْلِيَةُ (حَرِيصٍ عَلَيْهَا) بِلَا كَرَاهَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْدَحُ فِي أَهْلِيَّتِهِ لَكِنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ
(وَ) يَصِحُّ (تَعْلِيقُ وِلَايَةِ قَضَاءٍ) وَتَعْلِيقُ وِلَايَةِ (إمَارَةِ) بَلَدٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ (بِشَرْطٍ) نَحْوِ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنْ مَاتَ فُلَانٌ الْقَاضِي أَوْ الْأَمِيرُ فَفُلَانٌ عِوَضُهُ لِحَدِيثِ " «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ»
(وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ (كَوْنُهَا مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ فِيهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ (وَأَنْ يَعْرِفَ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْقَضَاءِ (أَنَّ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ (صَالِحٌ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْجَهْلَ بِصَلَاحِيَتِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهَا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ سَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ (وَتَعَيَّنَ مَا يُوَلِّيه) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْقَضَاءِ (الْحُكْمَ فِيهِ مِنْ عَمَلٍ) أَيْ: مَا يَجْمَعُ بِلَادًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً كَمِصْرِ وَنَوَاحِيهَا وَبَلَدًا كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ فَيَحْكُمَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ وَبَعَثَ عُمَرُ فِي كُلِّ مِصْرٍ قَاضِيًا وَالِيًا (وَمُشَافَهَتُهُ بِهَا) أَيْ: الْوِلَايَةِ إنْ كَانَ بِمَجْلِسِهِ (أَوْ مُكَاتَبَتُهُ) بِالْوِلَايَةِ إنْ كَانَ غَائِبًا كَالْوَكَالَةِ فَيَكْتُبُ لَهُ الْإِمَامُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ لِلْيَمَنِ وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ بَعَثْت إلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا فَاسْمَعُوا لَهُمَا وَأَطِيعُوا (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهِمَا) أَيْ: التَّوْلِيَةِ إنْ بَعُدَ مَا وَلَّاهُ فِيهِ عَنْ بَلَدِ الْإِمَامِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَيَكْتُبُ الْعَهْدَ وَيَقْرَأُ عَلَى
الْعَدْلَيْنِ وَيَقُولُ الْمُوَلِّي لَهُمَا اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ وَلَّيْت فُلَانًا قَضَاءَ كَذَا وَتَقَدَّمْت إلَيْهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْعَهْدُ لِيَمْضِيَ إلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ هُنَاكَ (أَوْ اسْتِفَاضَتُهَا) أَيْ: الْوِلَايَةِ (إذَا كَانَ بَلَدُ الْإِمَامِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ بِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةُ مَعْنَاهُ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وُلِّيَ فِيهِ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ آكَدُ مِنْ الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَالْمَوْتُ فَلَا حَاجَةَ مَعَهَا إلَى الشَّهَادَةِ وَ (لَا) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ (عَدَالَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَعَذُّرِ التَّوْلِيَةِ
(وَأَلْفَاظُهَا) أَيْ: التَّوْلِيَةِ (الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُك الْحُكْمَ وَقَلَّدْتُك) الْحُكْمَ (وَفَوَّضْت) إلَيْك الْحُكْمَ (وَرَدَدْت) إلَيْكَ الْحُكْمَ (وَجَعَلْت إلَيْكَ الْحُكْمَ وَاسْتَخْلَفْتُك) فِي الْحُكْمِ (وَاسْتَنْبَتُك فِي الْحُكْمِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهَا) أَيْ: أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ (وَقَبِلَ مُوَلًّى) بِفَتْحِ اللَّامِ (حَاضِرٌ بِالْمَجْلِسِ) انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ (أَوْ) قَبِلَ التَّوْلِيَةَ (غَائِبٌ) عَنْ الْمَجْلِسِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الْوِلَايَةِ بِهِ (أَوْ شَرَعَ الْغَائِبُ فِي الْعَمَلِ انْعَقَدَتْ) لِدَلَالَةِ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ عَلَى الْقَبُولِ كَالْوَكَالَةِ (وَالْكِنَايَةُ) مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْلِيَةِ (نَحْوُ اعْتَمَدْت) عَلَيْك (أَوْ عَوَّلْت عَلَيْك أَوْ وَكَّلْت) إلَيْكَ (أَوْ اسْتَنَدْت إلَيْكَ لَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ بِهَا) أَيْ الْكِنَايَةِ (إلَّا بِقَرِينَةٍ نَحْوُ فَاحْكُمْ) أَوْ اقْضِ فِيهِ (أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْت عَلَيْك فِيهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ الْوِلَايَةَ وَغَيْرَهَا كَالْأَخْذِ بِرَأْيِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى التَّوْلِيَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ لَهُ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ (مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي بَلَدِ كَذَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَقَدْ وَلَّيْته لَمْ تَنْعَقِدْ) الْوِلَايَةُ (لِمَنْ نَظَرَ لِجَهَالَتِهِ) حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ بِعْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ (وَإِنْ قَالَ وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي انْعَقَدَتْ) الْوِلَايَةُ (لَهُمَا) جَمِيعًا بِقَوْلِهِ وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا (وَيَتَعَيَّنُ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا) بِالنَّظَرِ بِقَوْلِهِ مَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي.
[فَصْلٌ تُفِيدُ وِلَايَةُ حُكْمٍ عَامَّةٍ النَّظَرَ فِي أَشْيَاءَ وَالْإِلْزَامَ بِهَا]
فَصْلٌ وَتُفِيدُ وِلَايَةُ حُكْمٍ عَامَّةٍ أَيْ لَمْ تُفِدْ بِحَالٍ دُونَ أُخْرَى (النَّظَرَ فِي أَشْيَاءَ وَالْإِلْزَامَ بِهَا) أَيْ: بِأَشْيَاءَ وَهِيَ
(فَصْلُ الْحُكُومَةِ وَأَخَذَ الْحَقِّ) مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (وَدَفْعُهُ لِرَبِّهِ وَالنَّظَرُ فِي مَالِ يَتِيمٍ وَ) مَالِ (مَجْنُونٍ وَ) مَالِ (سَفِيهٍ) لَا وَلِيَّ لَهُمْ غَيْرُهُ (وَ) مَالِ (غَائِبٍ وَالْحَجْرُ لِسَفَهٍ وَ) وَالْحَجْرُ (لِفَلَسٍ وَالنَّظَرُ فِي وُقُوفِ عَمَلِهِ لِتَجْرِيَ عَلَى شَرْطِهَا وَ) النَّظَرُ (فِي مَصَالِحِ طُرُقِ عَمَلِهِ وَأَفْنِيَتِهِ) جَمْعُ فِنَاءٍ مَا اتَّسَعَ أَمَامَ دُورِ عَمَلِهِ (وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا وَتَزْوِيجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) مِنْ النِّسَاءِ (وَتَصَفُّحُ) حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ لِيَسْتَبْدِلَ بِمَنْ (يُثْبِتُ جَرَّ حَدٍّ وَإِقَامَةَ حَدٍّ وَ) إقَامَةَ (إمَامَةِ جُمُعَةٍ وَ) إمَامَةِ (عِيدٍ مَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ) فَيُقِيمُهَا عَمَلًا عَلَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ (وَجِبَايَةُ خَرَاجٍ وَ) جِبَايَةُ (زَكَاةٍ مَا لَمْ يُخَصَّا) أَيْ: الْخَرَاجُ وَالزَّكَاةُ (بِعَامِلٍ) يَجْبِيهِمَا كَالْأَذَانِ وَ (لَا) تُفِيدُ وِلَايَةُ (حُكْمِ الِاحْتِسَابِ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَإِلْزَامُهُمْ بِالشَّرْعِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِتَوَلِّي الْقَاضِي لِذَلِكَ
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (طَلَبُ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَحُلَفَائِهِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَفَرَضَ لَهُ رِزْقًا وَرَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَعَثَ إلَى الْكُوفَةِ عَمَّارًا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَرِزْقُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةٍ نِصْفُهَا لِعَمَّارٍ وَنِصْفُهَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ " وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَاضِيَهُمْ وَمُعَلِّمَهُمْ وَكَتَبَ إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الشَّامِ أَنْ اُنْظُرَا رِجَالًا مِنْ صَالِحِي مَنْ قَبْلَكُمْ فَاسْتَعْمِلُوهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ وَأَوْسِعُوا عَلَيْهِمْ وَارْزُقُوهُمْ وَاكْفُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى " (حَتَّى مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْقَضَاءِ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْفَرْضُ لَهُمْ لَتَعَطَّلَ الْقَضَاءُ وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَرَضُوا لَهُ رِزْقًا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ
(فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (شَيْءٌ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَلَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ) وَيَكْفِي عِيَالَهُ (وَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعْلٍ جَازَ) لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ لَا الْأُجْرَةِ قَالَ عُمَرُ لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ بِهِ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ أَيْضًا (لَا مَنْ تَعَيَّنَ أَنْ يُفْتِيَ وَلَهُ كِفَايَةٌ) فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى الْإِفْتَاءِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأَنْ كَانَ بِالْبَلَدِ عَالِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ جَازَ (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مِنْ الْمُفْتِينَ (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ مُسْتَفْتٍ (أُجْرَةً لِفُتْيَاهُ وَلَا لِخَطِّهِ) اكْتِفَاءً بِمَا يَأْخُذْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
[فَصْلٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّي الْقَاضِي عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ]
فَصْلٌ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ (أَنْ يُوَلِّيَهُ) أَيْ الْقَاضِيَ (عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ) بِأَنْ يُوَلِّيَهُ سَائِرَ الْأَحْكَامِ بِسَائِرِ الْبِلَادِ.
(وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا فِي أَحَدِهَا أَوْ) خَاصًّا (فِيهَا فَيُوَلِّيهِ عُمُومَ النَّظَرِ) بِمَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ (أَوْ) يُوَلِّيهِ (خَاصًّا) كَعُقُودِ الْأَنْكِحَةِ مَثَلًا (بِمَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي مُقِيمٍ بِهَا) أَيْ: تِلْكَ الْمَحَلَّةِ (وَ) فِي (طَارِئٍ إلَيْهَا) مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلِذَلِكَ جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ مِنْ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ (فَقَطْ) فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَنْ لَيْسَ مُقِيمًا بِهَا وَلَا طَارِئًا إلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ (لَكِنْ لَوْ أَذِنَتْ لَهُ) امْرَأَةٌ (فِي تَزْوِيجِهَا) وَهُوَ فِي عَمَلِهِ (فَلَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ عَمَلِهِ لَمْ يَصِحَّ) تَزْوِيجُهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَيْسَتْ فِي وِلَايَتِهِ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ) فِي تَزْوِيجِهَا (وَهِيَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ ثُمَّ) زَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ (دَخَلَتْ إلَى عَمَلِهِ) فَلَا يَصِحُّ إذْ لَا أَثَرَ لِإِذْنِهَا بِغَيْرِ عَمَلِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا، إذَنْ كَمَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ إلَى عَمَلِهِ بَعْدَ إذْنِهَا لَهُ
(وَلَا يَسْمَعُ) قَاضٍ (بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ وَهُوَ) أَيْ: عَمَلُهُ (مَحَلُّ) نُفُوذِ (حُكْمِهِ) فَمَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِمَجْلِسٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ إلَّا فِيهِ وَلَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً إلَّا فِيهِ وَلَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ فِي غَيْرِ عَمَلِ قَاضٍ إذَا دَخَلْت فِي عَمَلِهِ فَقَدْ أَذِنْت لَهُ فِي تَزْوِيجِي وَنَحْوِهِ، وَزَوَّجَهَا، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عَمَلِهِ صَحَّ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِذْنِ بِالشَّرْطِ كَالْوَكَالَةِ (وَتَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ) إذَا سَمِعَهَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (فِيهِ) أَيْ: فِي عَمَلِهِ (كَتَعْدِيلِهَا) أَيْ: الْبَيِّنَةِ فَلَا يَسْمَعُهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ فَإِنْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِهِ أَعَادَهُ فِيهِ كَالشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ سَمَاعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ عَمَلِهِ كَسَمَاعِهِ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ (أَوْ يُوَلِّيهِ) أَيْ يُوَلِّي الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِيهِ الْقَاضِيَ (الْحُكْمَ فِي الْمَدِينَاتِ خَاصَّةً أَوْ) يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ (فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ أَوْ يَجْعَلُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِيهِ (إلَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي (عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا) فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ أَوْ فِي بَلَدٍ خَاصٍّ لِأَنَّ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ فَمَلَكَ الِاسْتِنَابَةَ فِي جَمِيعِهِ وَبَعْضِهِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَسْتَنِيبُ أَصْحَابَهُ كُلًّا فِي شَيْءٍ، فَوَلِيَ عُمَرُ الْقَضَاءَ وَبَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ يَبْعَثُ أَصْحَابَهُ فِي جَمْعِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ "
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ (أَنْ
يُوَلِّيَ) قَاضِيًا (مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ) فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ فَفِي الرِّعَايَةِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ
(وَ) لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ (قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ بِبَلَدٍ) وَاحِدٍ (وَإِنْ اتَّحَدَ عَمَلُهُمَا) لِأَنَّ الْغَرَضُ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ وَخُلَفَاءَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ (وَيُقَدَّمُ قَوْلُ طَالِبٍ) إذَا تَنَازَعَ خَصْمَانِ وَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْحُكْمَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فَيُقَدَّمُ مُدَّعٍ (وَلَوْ عِنْدَ نَائِبٍ) وَالْآخَرُ عِنْدَ مُسْتَنِيبٍ لِأَنَّ الدَّعْوَى حَقٌّ لِلْمُدَّعِي (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ: الْخَصْمَانِ فِي الطَّلَبِ (كَمُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ فَأَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ) يُقَدَّمُ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى كُلْفَةِ الْمُضِيِّ لِلْأَبْعَدِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَى الْحَاكِمَانِ أَيْضًا فِي الْقُرْبِ يُقَدَّمُ مِنْ الْحَاكِمَيْنِ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ (الْقُرْعَةُ) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلَّدَ الْقَضَاءُ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ فَإِنْ قَلَّدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بَطَلَ الشَّرْطُ فَقَطْ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ قَالَ يَعْنِي كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا قَالَ وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِإِمَامِهِ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ أَوْ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ وَأَتْقَى فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ
(وَإِنْ زَالَتْ وِلَايَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ) بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ عَزَلَ) الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ (الْمُوَلَّى بِفَتْحِهَا مَعَ صَلَاحِيَتِهِ) لِلْقَضَاءِ (لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ لَا الْإِمَامُ) إذْ تَوْلِيَةُ الْإِمَامِ الْقَاضِيَ عَقْدٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تَبْطُلْ لِزَوَالِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهُ كَعُقْدَةِ النِّكَاحِ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ وَلَّوْا حُكَّامًا فِي زَمَانِهِمْ فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ وَلِمَا فِي عَزْلٍ بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَنَحْوِهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِتَعَطُّلِ الْأَحْكَامِ وَتَوَقُّفِهَا إلَى أَنْ يُوَلَّى الثَّانِي (وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَاضِيًا فَعَزَلَ نُوَّابَهُ أَوْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ انْعَزَلُوا) لِأَنَّهُمْ نُوَّابُهُ كَالْوُكَلَاءِ لَهُ بِخِلَافِ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ قَاضِيًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ عِنْدَهُ وَعِنْدَ نُوَّابِهِ بِالْبُلْدَانِ فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَكَذَا وَالٍ وَمُحْتَسِبٌ وَأَمِير جِهَادٍ وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ وَمَنْ نُصِّبَ لِجِبَايَةِ مَالٍ) كَخَرَاجٍ (وَصَرْفِهِ) إذَا وَلَّاهُمْ الْإِمَامُ فَلَا يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِهِ وَلَا مَوْتِهِ لِأَنَّهَا عُقُودٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ
(وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ
فَارِضٌ) مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَأُجْرَةِ مَسْكَنٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ وَعَطَاءٍ مِنْ دِيوَانٍ لِمَصْلَحَةٍ (فِي الْمُسْتَقْبَلِ) إذَا مَاتَ مَنْ فَرَضَهُ أَوْ عُزِلَ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ تَغْيِيرُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ
(وَمَنْ عَزَلَ نَفْسَهُ) مِنْ إمَامٍ وَقَاضٍ وَوَالٍ وَمُحْتَسِبٍ وَنَحْوِهِمْ (انْعَزَلَ) لِأَنَّهُ وَكِيلٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ إنْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ وَ (لَا) يَنْعَزِلُ قَاضٍ (بِعَزْلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ) لِتَعَلُّقِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامِهِمْ بِهِ فَيَشُقُّ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ
(وَمَنْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ) نَحْوِ قَاضٍ (مُوَلًّى بِبَلَدٍ وَوَلَّى غَيْرَهُ فَبَانَ حَيًّا لَمْ يَنْعَزِلْ) وَكَذَا مَنْ أَنْهَى شَيْئًا فَوُلِّيَ بِسَبَبِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ لَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهُ لِأَنَّهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى صِحَّةِ الْإِنْهَاءِ.
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقَاضِي]
وَهِيَ عَشَرَةٌ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ قَاضٍ بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ وِلَايَةِ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ وَالِيًا عَلَى غَيْرِهِ (ذَكَرًا) لِحَدِيثِ ( «مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» ) وَلِأَنَّهَا ضَعِيفَةُ الرَّأْي نَاقِصَةُ الْعَقْلِ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحُضُورِ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ وَلَمْ يُوَلِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ امْرَأَةً قَضَاءً (حُرًّا) كُلُّهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ (مُسْلِمًا عَدْلًا وَلَوْ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ) نَصًّا فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّبْيِينُ عِنْدَ حُكْمِهِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ قَاضِيًا (سَمِيعًا) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ (بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّزُ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا الْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ (مُتَكَلِّمًا) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ (مُجْتَهِدًا) ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ﴾ [النساء: 105] . (وَلَوْ) كَانَ اجْتِهَادُهُ (فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ لِلضَّرُورَةِ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ أَوْ مُقَلِّدًا.
وَفِي الْإِنْصَافِ قُلْت وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ انْتَهَى.
وَفِي الْإِفْصَاحِ الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ وَفِي
خُطْبَةِ الْمُغْنِي النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ (فَيُرَاعِي) الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ (أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي كَوْنِ ذَلِكَ لَفْظَ إمَامِهِ فِي الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ أَدْرَى بِهِ (وَيَحْكُمُ بِهِ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ) لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ مِنْهُ وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِالْهَوَى إجْمَاعًا وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا قَالَ شَيْخُنَا ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هَذِهِ الشُّرُوطُ تُعْتَبَرُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَتَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيُوَلَّى لِعَدَمٍ أَنْفَعُ الْفَاسِقَيْنِ وَأَقَلُّهُمَا شَرًّا وَأَعْدَلُ الْمُقَلِّدَيْنِ وَأَعْرَفُهُمَا بِالتَّقْلِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخُوَارِزْمِيَّ الْوِلَايَةُ أُنْثَى تَصْغُرُ وَتَكْبُرُ بِوَلِيِّهَا كَمَطِيَّةٍ تَحْسُنُ وَتَقْبُحُ بِمُمْتَطِيهَا فَالْأَعْمَالُ بِالْعُمَّالِ كَمَا أَنَّ النِّسَاءَ بِالرِّجَالِ وَالصُّدُورُ مَجَالِسُ ذَوِي الْكَمَالِ وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (كَوْنُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (كَاتِبًا) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أُمِّيًّا وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ الْكِتَابَةُ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ (وَرِعًا أَوْ زَاهِدًا أَوْ يَقِظًا أَوْ مُثْبِتًا لِلْقِيَاسِ أَوْ حَسَنَ الْخُلُقِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ.
(وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ كَذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ كَالْأَسَنِّ إذَا سَاوَى الشَّابَّ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ (وَمَا يَمْنَعُ التَّوْلِيَةَ ابْتِدَاءً) كَالْجُنُونِ وَالْفِسْقِ وَالصَّمَمِ وَالْعَمَى (يَمْنَعُهَا دَوَامًا) فَيَنْعَزِلُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ وَنَحْوِهَا لِفَقْدِ شَرْطِ التَّوْلِيَةِ (إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) وَهُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ) حَتَّى عَمِيَ أَوْ طَرِشَ (فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ) لِأَنَّ فَقْدَهُمَا لَيْسَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الِاجْتِهَادِ وَالْحُكْمُ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَقَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي حَالٍ يَسْمَعُ فِيهِ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ وَيُمَيِّزُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْفِسْقِ وَالْجُنُونِ وَالرِّدَّةِ وَنَحْوِهَا (وَيَتَعَيَّنُ عَزْلُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (مَعَ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ الْقَضَاءَ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى إقَامَةِ غَيْرِهِ (وَيَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى عَبْدٌ إمَارَةَ سَرِيَّةٍ وَقَسْمَ صَدَقَةٍ وَ) قَسْمَ (فَيْءٍ وَإِمَامَةَ صَلَاةٍ) غَيْرَ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ (وَالْمُجْتَهِدُ) مِنْ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ وُسْعَهُ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابِ) أَيْ: كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَ) مِنْ (السُّنَّةِ) أَيْ: سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْحَقِيقَةَ) أَيْ: اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ (وَالْمَجَازَ) أَيْ: اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ الْعَلَاقَةِ (وَالْأَمْرَ) أَيْ: اقْتِضَاءَ الطَّلَبِ
(وَالنَّهْيَ) أَيْ: اقْتِضَاءَ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ لَا يَقُولُ كُفَّ (وَالْمُجْمَلَ) أَيْ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ.
(وَالْمُبَيَّنَ) أَيْ: الْمُخْرَجَ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ الْوُضُوحِ وَالتَّجَلِّي (وَالْمُحْكَمَ) أَيْ: اللَّفْظَ الْمُتَّضِحَ الْمَعْنَى (وَالْمُتَشَابِهَ) مُقَابِلُهُ أَمَّا الِاشْتِرَاكُ أَوْ ظُهُورُ شَبِيهٍ أَوْ غَيْرِهِ كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ (وَالْعَامَّ) مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا (وَالْخَاصَّ) مُقَابِلُهُ (وَالْمُطْلَقَ) مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ (وَالْمُقَيَّدَ) مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى.
(وَالنَّاسِخَ) أَيْ الرَّافِعُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (وَالْمَنْسُوخَ) أَيْ: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ شَرْعًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ شَرْعًا (وَالْمُسْتَثْنَى) أَيْ: الْمُخْرَجُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا (وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) وَيَعْرِفُ (صَحِيحَ السُّنَّةِ) أَيْ: مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ قَادِحَةٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْحَسَنَ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ (وَسَقِيمُهَا) أَيْ: السُّنَّةِ وَهُوَ مَا لَا تُوجَدُ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ كَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُنْكَرِ وَالشَّاذِّ وَنَحْوِهَا.
(وَ) يَعْرِفُ (مُتَوَاتِرَهَا) أَيْ: مَا نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مِثْلِهِمْ إلَى انْتِهَاءِ إسْنَادِهِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعَدَدِ وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْهُ ضَرُورِيٌّ (وَ) يَعْرِفُ (آحَادَهَا) أَيْ: السُّنَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا رَاوِيهِ وَاحِدٌ بَلْ مَا لَمْ يَبْلُغْ التَّوَاتُرَ فَهُوَ آحَادٌ.
(وَ) يَعْرِفُ (مُسْنَدَهَا) أَيْ: السُّنَّةِ أَيْ: مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ مِنْ رَاوِيهِ إلَى مُنْتَهَاهُ وَيُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي الْمَرْفُوعِ.
(وَ) يَعْرِفُ (الْمُنْقَطِعَ) مِنْ السُّنَّةِ وَهُوَ مَا لَا يَتَّصِلُ سَنَدُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الِانْقِطَاعُ (مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ) فَقَطْ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ حِفْظُ الْقُرْآنِ بَلْ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ نَقَلَهُ الْمُعْظَمُ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الصَّوَابَ بِدَلِيلِهِ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ وَلِكُلٍّ مِمَّنْ ذُكِرَ دَلَالَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِتُعْرَفَ دَلَالَتُهُ وَوَقَفَ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
(وَ) يَعْرِفُ (الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا اجْتِهَادَ فِيهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ لِئَلَّا يَقُولَ فِيهِ قَوْلًا يَخْرُجُ عَنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَعْضِ.
(وَ) يَعْرِفُ (الْقِيَاسَ) وَهُوَ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ (وَ) يَعْرِفُ (شُرُوطَهُ) أَيْ: الْقِيَاسِ لِيَرُدَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ إلَى أَصْلِهِ.
(وَ) يَعْرِفُ (كَيْفَ يَسْتَنْبِطُ) الْأَحْكَامَ مِنْ أَدِلَّتِهَا وَمَحَلُّ بَسْطِ ذَلِكَ كُتُبُ أُصُولِ الْفِقْهِ.
(وَ) يَعْرِفُ (الْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْيَمَنِ (وَمَا يُوَالِيهِمْ) أَيْ: وَمَنْ يُوَالِي هَذِهِ الْبِلَادَ مِنْ الْعَرَبِ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْإِعْرَابُ وَالْأَلْفَاظُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصُهَا بِأَحْوَالٍ هِيَ الْإِعْرَابُ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللُّغَاتِ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَمَنْ عَرَفَ أَكْثَرَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِذَلِكَ لِشُبْهَةٍ أَوْ إشْكَالٍ لَكِنْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ وَكَيْفِيَّةِ أَخْذِ الْأَحْكَامِ مِنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا وَزَادَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ وَيَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ وَاسْتِصْحَابَ الْحَالِ وَالْقُدْرَةَ عَلَى إبْطَالِ شُبَهِ الْمُخَالِفِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مَذْهَبِهِ.
[فَصْلٌ حَكَّمَ اثْنَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلًا صَالِحًا لِلْقَضَاءِ]
فَصْلٌ وَإِنْ حَكَّمَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ (اثْنَانِ) فَأَكْثَرَ (بَيْنَهُمَا) رَجُلًا (صَالِحًا لِلْقَضَاءِ) بِأَنْ اتَّصَفَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِ الْقَاضِي وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْعَشْرُ صِفَاتٍ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ فِي الْقَاضِي لَا تُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحَكِّمُ الْخَصْمَانِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمَا (نَفَذَ حُكْمُهُ فِي كُلِّ مَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ مَنْ وَلَّاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ «: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ.
قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِكَ؟ قَالَ: شُرَيْحٌ.
قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ
وَرُوِيَ مَرْفُوعًا " «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَلْعُونٌ» " وَتَحَاكَمَ عُمَرُ وَأُبَيٌّ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَاضِيًا (لَكِنْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُتَحَاكِمَيْنِ (الرُّجُوعُ) عَنْ تَحْكِيمِهِ (قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ كَرُجُوعِ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ تَصَرُّفِ وَكِيلِهِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ وَلَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِحُكْمِهِ وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ قَبُولُهُ وَكِتَابُهُ كَكِتَابِ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِالرِّضَا بِحُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ حُكْمُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَفِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مُتَقَدِّمُو الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْوَسَاطَاتِ وَالصُّلْحِ عِنْدَ الْغَوْرَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَمْرِ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
[بَابُ آدَابِ الْقَاضِي]
الْأَدَبُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ يُقَالُ أَدُبَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا أَيْ: صَارَ أَدِيبًا فِي خُلُقٍ وَعِلْمٍ (وَهُوَ أَخْلَاقُهُ الَّتِي يَنْبَغِي) لَهُ (التَّخَلُّقُ بِهَا وَالْخُلُقُ) بِالضَّمِّ (صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ) أَيْ: بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَوْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ تَأْخُذَ بِهِ نَفْسُهُ أَوْ أَعْوَانُهُ مِنْ الْآدَابِ وَالْقَوَانِينِ الَّتِي تَضْبِطُ أُمُورَ الْقُضَاةِ وَتَحْفَظُهُمْ عَنْ الْمَيْلِ (يُسَنُّ كَوْنُهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَوِيًّا بِلَا عُنْفٍ) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ الظَّالِمُ (لَيِّنًا بِلَا ضَعْفٍ) لِئَلَّا يَهَابَهُ الْمُحِقُّ (حَلِيمًا) لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمِ فَيَمْنَعُهُ الْحُكْمَ (مُتَأَنِّيًا) مِنْ التَّأَنِّي وَهُوَ ضِدُّ الْعَجَلَةِ لِئَلَّا تُؤَدِّيَ عَجَلَتُهُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي (مُتَفَطِّنًا) لِئَلَّا يُخْدَعَ مِنْ بَعْضِ الْخُصُومِ لِغِرَّةٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ: عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ (عَفِيفًا) أَيْ: كَافًّا نَفْسَهُ عَنْ الْحَرَامِ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِي مَيْلِهِ بِأَطْمَاعِهِ (بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى تَكْمُلَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ حَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَتَتَّضِحُ لَهُ طَرِيقُهُ
(وَ) يُسَنُّ (سُؤَالُهُ إنْ وَلِيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ عَنْ عُلَمَائِهِ) لِيُشَاوِرَهُمْ فِي الْحَوَادِثِ وَيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى قَضَائِهِ (وَ) عَنْ (عُدُولِهِ) لِاسْتِنَادِ أَحْكَامِهِ إلَيْهِمْ وَثُبُوتِ الْحُقُوقِ عِنْدَهُ بِهِمْ فَيَقْبَلُ أَوْ يَرُدُّ مَنْ يَرَاهُ لِذَلِكَ أَهْلًا وَلِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُمْ
(وَ) يُسَنُّ (إعْلَامُهُمْ) بِأَنْ يُنْفِذَ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ (يَوْمَ دُخُولِهِ) الْبَلَدَ (لِيَتَلَقَّوْهُ) لِأَنَّهُ أَوْقَعُ لَهُ فِي النُّفُوسِ وَأَعْظَمُ لِحِشْمَتِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَلَقِّيهِ) لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِمَقَامِهِ (وَ) يُسَنُّ (دُخُولُهُ) بَلَدًا وَلِيَ الْحُكْمَ فِيهِ (يَوْمَ اثْنَيْنِ أَوْ) يَوْمَ (خَمِيسٍ أَوْ) يَوْمَ (سَبْتٍ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِي الْهِجْرَةِ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَكَذَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَالَ " «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» " وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَهَا (ضَحْوَةً) تَفَاؤُلًا لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) أَيْ: أَحْسَنَهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْجَمَالَ وَقَالَ: " ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] " لِأَنَّهَا مَجَامِعُ النَّاسِ وَهُنَا يَجْتَمِعُ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي الْمَسَاجِدِ فَهُوَ أَوْلَى بِالزِّينَةِ (وَكَذَا أَصْحَابُهُ) لِأَنَّهُ أَعْظَمُ لَهُ وَلَهُمْ فِي النُّفُوسِ (وَلَا يَتَطَيَّرُ) أَيْ: لَا يَتَشَاءَمُ (وَإِنْ تَفَاءَلَ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَيَنْهَى عَنْ الطِّيَرَةِ
(فَيَأْتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّيَ) فِيهِ (رَكْعَتَيْنِ) تَحِيَّتَهُ (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلًا) الْقِبْلَةَ لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ (وَيَأْمُرُ) الْقَاضِي (بِعَهْدِهِ فَيُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ) لِيَعْلَمُوا تَوْلِيَتَهُ وَاحْتِفَاظَ الْإِمَامِ عَلَى اتِّبَاعِ الْأَحْكَامِ وَقَدْرَ الْمُوَلَّى بِفَتْحِ اللَّامِ عِنْدَهُ وَحُدُودَ وِلَايَتِهِ وَمَا فُوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ.
(وَ) يَأْمُرُ بِمَنْ يُنَادِيهِمْ بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ لِيَعْلَمَهُ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَأْتِيَ فِيهِ (وَيُقِلُّ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ) لِلْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَهْيَبُ (ثُمَّ يَمْضِي إلَى مَنْزِلِهِ) الْمُعَدِّ لَهُ لِيَسْتَرِيحَ
(وَيُنْفِذُ) أَيْ: يَبْعَثُ ثِقَةً (لِيَتَسَلَّمَ دِيوَانَ الْحُكْمِ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَهُوَ الدَّفْتَرُ الْمُعَدُّ لِكَتْبِ الْوَثَائِقِ وَالسِّجِلَّاتِ وَالْوَدَائِعِ (مِمَّنْ كَانَ قَاضِيًا قَبْلَهُ) لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ وَقَدْ صَارَتْ إلَيْهِ (وَيَأْمُرُ كَاتِبًا ثِقَةً يُثْبِتُ مَا تَسَلَّمَهُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ) احْتِيَاطًا (ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْوَعْدِ) أَيْ: الَّذِي وَعَدَ النَّاسِ بِالْجُلُوسِ فِيهِ لِلْحُكْمِ (بِأَعْدَلِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَضْبَانَ وَلَا جَائِعٍ وَلَا حَاقِنٍ وَلَا مَهْمُومٍ بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْفَهْمِ) لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِقَلْبِهِ وَأَبْلَغُ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ (فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ وَلَوْ صَبِيًّا) لِأَنَّهُ إمَّا رَاكِبٌ أَوْ مَاشٍ وَالسُّنَّةُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ (ثُمَّ) يُسَلِّمُ (عَلَى مَنْ بِمَجْلِسِهِ) لِحَدِيثِ " «مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ» " (وَيُصَلِّي إنْ كَانَ بِمَسْجِدٍ تَحِيَّتَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ كَغَيْرِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ مَسْجِدًا (خُيِّرَ) بَيْنَ الصَّلَاةِ وَتَرْكِهَا كَسَائِرِ الْمَجَالِسِ (وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ) لِيَنَالَ ثَوَابَهَا (وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ نَحْوِهِ) يَخْتَصُّ بِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ جُلَسَائِهِ لِأَنَّهُ أَهْيَبُ لَهُ لِأَنَّهُ مَقَامٌ عَظِيمٌ يَجِبُ فِيهِ إظْهَارُ الْحُرْمَةِ تَعْظِيمًا لِلشَّرْعِ (وَيَدْعُو) اللَّهَ تَعَالَى (بِالتَّوْفِيقِ) لِلْحَقِّ (وَالْعِصْمَةِ) مِنْ زَلَلِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّهُ مَقَامُ خَطَرٍ وَكَانَ مَنْ دُعَاءِ عُمَرَ اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَوَفِّقْنِي لِاتِّبَاعِهِ وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَوَفِّقْنِي لِاجْتِنَابِهِ (مُسْتَعِينًا) أَيْ: طَالِبًا الْمَعُونَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (مُتَوَكِّلًا) أَيْ: مُفَوِّضًا أَمْرَهُ إلَيْهِ (وَيَدْعُو سِرًّا) لِأَنَّهُ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ (وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَأَذَّى فِيهِ بِشَيْءٍ) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بَالُهُ بِمَا يُؤْذِيهِ (فَسِيحًا كَجَامِعٍ) فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ مَالِكٌ الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ
النَّاسِ الْقَدِيمِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ وَأَمَّا الْجُنُبُ فَيَغْتَسِلُ وَالْحَائِضُ تُوَكِّلُ أَوْ تَأْتِي الْقَاضِيَ فِي مَنْزِلِهِ (وَيَصُونُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدَ (عَمَّا يُكْرَهُ فِيهِ) مِنْ نَحْوِ رَفْعِ صَوْتٍ (وَكَدَارٍ وَاسِعَةٍ وَسْطَ الْبَلَدِ إنْ أَمْكَنَ) لِتَسْتَوِيَ أَهْلُ الْبَلَدِ فِي الْمُضِيِّ إلَيْهِ
(وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا بِلَا عُذْرٍ إلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إنْ شَاءَ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ مَرْفُوعًا " «مَا مِنْ إمَامٍ أَوْ وَالٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّهُمَا رُبَّمَا مَنَعَا ذَا الْحَاجَةِ لِغَرَضِ النَّفْسِ أَوْ غَرَضِ الْحُطَامِ
(وَيُعْرَضُ الْقَصَصُ وَيَجِبُ تَقْدِيمُ سَابِقٍ) لِسَبْقِهِ إلَى مُبَاحٍ وَفِي مَعْنَاهُ الْمُعَلِّمُ إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ الطَّلَبَةُ وَ (لَا) يُقَدَّمُ سَابِقٌ (فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ) لِئَلَّا يَسْتَوْعِبَ الْمَجْلِسَ فَيَضُرَّ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي حَكَمَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْتَبِرُ الْأَوَّلَ فِي الدَّعْوَى لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَيُقْرِعُ) بَيْنَهُمْ (إنْ حَضَرُوا دَفْعَةً) وَاحِدَةً (وَتَشَاحُّوا) فِي التَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي (الْعَدْلُ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ) تَرَافَعَا إلَيْهِ (فِي لَحْظِهِ) أَيْ مُلَاحَظَتِهِ (وَلَفْظِهِ) أَيْ كَلَامِهِ لَهُمَا (وَمَجْلِسِهِ وَدُخُولٍ عَلَيْهِ إلَّا إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا) عَلَيْهِ (فَيَرُدُّ) عَلَيْهِ (وَلَا يَنْتَظِرُ سَلَامَ الثَّانِي) لِوُجُوبِ الرَّدِّ فَوْرًا (وَإِلَّا الْمُسْلِمُ) إذَا تَرَافَعَ إلَيْهِ (مَعَ كَافِرٍ فَيُقَدَّمُ) الْمُسْلِمُ (دُخُولًا) عَلَى الْقَاضِي (وَيُرْفَعُ جُلُوسًا) لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا " «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ " وَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي النَّظَرِ وَالْمَجْلِسِ وَالْإِشَارَةِ " وَلِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ أَحَدَهُمَا حَصَرَ الْآخَرِ وَانْكَسَرَ وَرُبَّمَا لَمْ تَقُمْ حُجَّتُهُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ظُلْمِهِ
(وَلَا يُكْرَهُ قِيَامُهُ) أَيْ الْقَاضِي (لِلْخَصْمَيْنِ) فَإِذَا قَامَ لِأَحَدِهِمَا وَجَبَ أَنْ يَقُومَ لِلْآخَرِ
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُسَارَّ أَحَدَهُمَا أَوْ يُلَقِّنَهُ حُجَّةً أَوْ يُضَيِّفَهُ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ وَكَسْرِ قَلْبِهِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ أَلَك خَصْمٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَحَوَّلْ عَنَّا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَخَصْمُهُ مَعَهُ» )
(أَوْ يُعَلِّمَهُ كَيْفَ يَدَّعِي إلَّا أَنْ يَتْرُكَ مَا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ) فِي الدَّعْوَى (كَشَرْطِ عَقْدٍ وَ) سَبَبِ إرْثٍ وَ (نَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ) ضَرُورَةً تَحْرِيرًا لِلدَّعْوَى وَلَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ وَأَكْثَر الْخُصُومِ لَا يَعْلَمُهُ وَلِيَتَّضِح لِلْقَاضِي وَجْهُ الْحُكْمِ
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَزِنَ) عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِخَصْمِهِ (وَ) لَهُ أَنْ (يَشْفَعَ لَهُ) عِنْدَ خَصْمِهِ (لِيَضَعَ عَنْ خَصْمِهِ شَيْئًا) لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: 85] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّهُ «تَقَاضَى ابْنَ أُبَيٍّ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا كَعْبُ فَقُلْت لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ.
قَالَ قَدْ فَعَلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (أَوْ) أَيْ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ (لِيُنْظِرَهُ) أَيْ: يُمْهِلَ الْمَدِينَ بِدَيْنِهِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْوَضْعِ
(وَ) لِلْقَاضِي (أَنْ يُؤَدِّبَ خَصْمًا افْتَاتَ عَلَيْهِ) كَقَوْلِهِ ارْتَشَيْت عَلَيَّ أَوْ حَكَمْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَنَحْوِهِ بِضَرْبٍ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرٍ وَحَبْسٍ وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ (وَلَوْ لَمْ يُثْبِتْهُ) أَيْ: افْتِيَاتَهُ عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِثْبَاتِ جَرْحًا وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَرِيعَةً لِلِافْتِيَاتِ (وَ) لَهُ (أَنْ يَنْتَهِرَهُ إذَا الْتَوَى) عَنْ الْحَقِّ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ
(وَيُسَنُّ) لِلْقَاضِي (أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ وَمُشَاوَرَتُهُمْ فِيمَا يَشْكُلُ) إنْ أَمْكَنَ وَسُؤَالُهُمْ إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لِيَذْكُرُوا جَوَابَهُمْ وَأَدَاتَهُمْ فِيهَا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِاجْتِهَادِهِ وَأَقْرَبُ لِصَوَابِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] قَالَ الْحَسَنُ إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَغَنِيٌّ عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ بَعْدَهُ (فَإِنْ اتَّضَحَ) لَهُ الْحُكْمُ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ (أَخَّرَهُ) حَتَّى يَتَّضِحَ (فَلَوْ حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ لَمْ يَصِحَّ) حُكْمُهُ (وَلَوْ أَصَابَ الْحَقَّ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ
(وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ (تَقْلِيدُ غَيْرِهِ) وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ (أَعْلَمَ) مِنْهُ كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ لَا تُقَلِّدْ أَمْرَك أَحَدًا وَعَلَيْك بِالْأَثَرِ وَقَالَ أَحْمَدُ لِلْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ وَلَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا
(وَ) يَحْرُمُ عَلَى قَاضٍ (الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَان كَثِيرًا) لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا " «لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَضَبٍ يَسِيرٍ لَا يَمْنَعُ فَهْمَ الْحُكْمِ (أَوْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ أَنْ يَقْضِيَ
وَهُوَ (حَاقِنٌ أَوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ) فِي شِدَّةِ (عَطَشٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ مَلَلٍ أَوْ كَسَلٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْفِكْرَ الْمُوصِلَ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ غَالِبًا (وَإِنْ خَالَفَ) وَحَكَمَ وَهُوَ غَضْبَان وَنَحْوُهُ (فَأَصَابَ الْحَقَّ نَفَذَ) حُكْمُهُ وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذْ (وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَضَاءُ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ لِحَدِيثِ مُخَاصَمَةِ الْأَنْصَارِيِّ وَالزُّبَيْرِ فِي الشِّرَاجِ الْحُرَّةِ لَمَّا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: " اسْبِقْ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجِدَارِ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ الْغَضَبُ الْحُكْمَ (لِأَنَّهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَلَطٌ يُقَرُّ) أَيْ: يُقِرُّهُ اللَّهُ تَعَالَى (عَلَيْهِ لَا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا فِي حُكْمٍ) بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي حُكْمٍ احْتِرَازٌ عَمَّا وَقَعَ لَمَّا «مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلَحَ حَالُهُ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ
(وَيَحْرُمُ) عَلَى الْحَاكِمِ (قَبُولُهُ رِشْوَةً) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» ".
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِي الْحُكْمِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ وَزَادَ: وَالرَّائِشَ.
وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْتَشِي لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْ يُوقِفَ الْحُكْمَ عَنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ (وَكَذَا) يَحْرُمُ عَلَى حَاكِمٍ قَبُولُ (هَدِيَّةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا " «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا غَالِبًا اسْتِمَالَةُ الْحَاكِمِ لِيَعْتَنِيَ بِهِ فِي الْحُكْمِ فَتُشْبِهُ الرِّشْوَةَ (إلَّا) الْهَدِيَّةَ (مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ فَيُبَاحُ) لَهُ أَخْذُهَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذَنْ (كَ) مَا يُبَاحُ (لِمُفْتٍ) أَخْذُ الْهَدِيَّةِ (وَرَدُّهَا) أَيْ: الْهَدِيَّةِ مِنْ الْحَاكِمِ (أَوْلَى) .
وَقَالَ الْقَاضِي يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا (فَإِنْ خَالَفَ) الْحَاكِمُ فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ حَيْثُ حُرِّمَتْ (رُدَّتَا لِمُعْطٍ) لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ أَخَذَهُمَا بِغَيْرِ حَقٍّ كَالْمَأْخُوذِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ
(وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ) أَيْ الْقَاضِي (وَشِرَاؤُهُ إلَّا بِوَكِيلٍ لَا يُعْرَفُ بِهِ) أَيْ: أَنَّهُ وَكِيلُهُ لِئَلَّا يُحَابِيَ وَالْمُحَابَاةُ كَالْهَدِيَّةِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (وَلَا لِوَالٍ أَنْ يَتَّجِرَ) لِحَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا " «مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا» " وَإِنْ احْتَاجَ إلَى التِّجَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ لَمْ تُكْرَهْ لَهُ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصَدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَلِوُجُوبِ
الْقِيَامِ بِعِيَالِهِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ.
(وَتُسَنُّ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشَهَادَةُ الْجَنَائِزِ وَتَوْدِيعُ غَازٍ وَحَاجٍّ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ) ذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْقُرَبِ وَفِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ وَلَهُ حُضُورُ بَعْضِ ذَلِكَ وَتَرْكُ بَعْضِهِ ; لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ بِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ وَالْقُرْبَةِ، بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ فَإِنَّهُ يُرَاعِي فِيهَا حَقَّ الدَّاعِي فَيَنْكَسِرُ فِيهَا قَلْبُ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ إذَا أَجَابَ غَيْرَهُ (وَهُوَ) أَيْ الْقَاضِي (فِي دَعَوَاتِ) الْوَلَائِمِ (كَغَيْرِهِ) ; ; «لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْضُرُهَا وَأَمَرَ بِحُضُورِهَا وَقَالَ: وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَمَتَى كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ تَرَكَهَا كُلَّهَا (وَلَا يُجِيبُ قَوْمًا وَيَدَعُ قَوْمًا بِلَا عُذْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا عُذْرٌ كَمُنْكَرٍ أَوْ بُعْدِ مَكَان أَوْ اشْتَغَلَ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا دُونَ الْأُخْرَى أَجَابَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهَا.
(وَيُوصِي) الْقَاضِي وُجُوبًا (الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ بِبَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ) لِئَلَّا يَضُرُّوا بِالنَّاسِ (وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ) ، لِيَكُونُوا أَقَلَّ شَرًّا، فَإِنَّ الشَّبَابَ شُعْبَةٌ مِنْ الْجُنُونِ وَالْحَاكِمُ تَأْتِيهِ النِّسَاءُ وَفِي اجْتِمَاعِ الشَّبَابِ بِهِنَّ مَفْسَدَةٌ
(وَيُبَاحُ) لِقَاضٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ (أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا) ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اسْتَكْتَبَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرَهُمَا» وَلِكَثْرَةِ اشْتِغَالِ الْحَاكِمِ بِنَفْسِهِ وَنَظَرِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ، فَلَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) أَيْ: كَاتِبِ الْقَاضِي (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118] وَقَالَ عُمَرُ: لَا تُؤَمِّنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ (عَدْلًا) ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ، (وَيُسَنُّ كَوْنُهُ حَافِظًا عَالِمًا) ; لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى أَمْرِهِ، وَكَوْنُهُ حُرًّا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَكَوْنُهُ جَيِّدَ اللَّحْظِ ; لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَكَوْنُهُ عَارِفًا قَالَهُ فِي الْكَافِي، لِئَلَّا يُفْسِدَ مَا يَكْتُبُهُ بِجَهْلِهِ، (وَيَجْلِسُ) الْكَاتِبُ (بِحَيْثُ يُشَاهِدُ) الْقَاضِي (مَا يَكْتُبُهُ) ; لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ، (وَيَجْعَلُ) الْقَاضِي (الْقِمَطْرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (، وَهُوَ مَا يَجْمَعُ فِيهِ الْقَضَايَا مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِيُحْفَظَ عَنْ التَّغْيِيرِ
(وَيُسَنُّ حُكْمُهُ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ) لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ، وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحُجَجُ وَالْمَحَاضِرُ
(وَيَحْرُمُ) عَلَى قَاضٍ (تَعْيِينُهُ قَوْمًا بِالْقَبُولِ) أَيْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ لِوُجُوبِ قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ
(وَلَا يَصِحُّ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) أَيْ الْقَاضِي (عَلَى عَدُوِّهِ) كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ (بَلْ يُفْتِي عَلَى عَدُوِّهِ) ; لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ فِي الْفُتْيَا بِخِلَافِ الْقَضَاءِ، (وَلَا) يَصِحُّ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ (لِنَفْسِهِ وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ) كَزَوْجَتِهِ وَعَمُودَيْ نَسَبِهِ كَالشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ أَوْ بَيْنَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ عَرَضَتْ لِلْقَاضِي أَوْ لِمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ حُكُومَةٌ تَحَاكَمَا إلَى بَعْضِ خُلَفَائِهِ أَوْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ، فَإِنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَاكَمَ رَجُلًا عِرَاقِيًّا إلَى شُرَيْحٍ، وَحَاكَمَ عَلِيٌّ رَجُلًا يَهُودِيًّا إلَى شُرَيْحٍ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، (وَلَهُ اسْتِخْلَافُهُمْ) أَيْ لِلْقَاضِي اسْتِنَابَةُ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَنَحْوِهِمَا عَنْهُ فِي الْحُكْمِ مَعَ صَلَاحِيَتِهِمْ كَغَيْرِهِمْ (كَحُكْمِهِ) أَيْ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ (لِغَيْرِهِمْ) أَيْ: لِغَيْرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ (بِشَهَادَتِهِمْ) كَأَنْ حَكَمَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِشَهَادَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ، (وَ) كَحُكْمِهِ (عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَيَصِحُّ حُكْمُهُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِمْ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ) .
[فَصْلٌ الْقَاضِي يَبْدَأُ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ]
(فَصْلٌ وَيُسَنُّ لِقَاضٍ أَنْ يَبْدَأَ بِ) النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ ; لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ، (فَيُنْفِذَ ثِقَةً) إلَى الْحَبْسِ فَ (يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ و) أَسْمَاءَ (مَنْ حَبَسَهُمْ وَفِيمَ ذَلِكَ) ؟ أَيْ حَبْسُهُمْ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ النَّظَرُ فِي حَالِ الْأَوَّلِ لَوْ كُتِبُوا فِي رُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُخْرِجُ وَاحِدَةً مِنْ الرِّقَاعِ بِالِاتِّفَاقِ كَالْقُرْعَةِ، (ثُمَّ يُنَادِي فِي الْبَلَدِ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمْ) أَيْ: الْمَحْبُوسِينَ فِي يَوْمِ كَذَا، فَمَنْ لَهُ خَصْمٌ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِحُضُورِهِمْ مِنْ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِمْ، (فَإِذَا جَلَسَ) الْقَاضِي (لِوَعْدِهِ) نَظَرَ ابْتِدَاءً فِي رِقَاعِ الْمَحْبُوسِينَ فَتُخْرَجُ رُقْعَةٌ مِنْهَا وَيُقَالُ: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانٍ فَمَنْ خَصْمُهُ؟ (فَمَنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ نَظَرَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ) الْمَحْبُوسُ (حُبِسَ لِتُعَدَّلَ الْبَيِّنَةُ) أَيْ: بَيِّنَةُ خَصْمِهِ عَلَيْهِ (فَإِعَادَتُهُ) إلَى الْحَبْسِ (مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَبْسِهِ فِي ذَلِكَ) ، وَالْأَصَحُّ حَبْسُهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ حَدٍّ فَيُعَادُ لِلْحَبْسِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ خَصْمِهِ) أَيْ: الْمَحْبُوسِ (فِي أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (حَبَسَهُ بَعْدَ تَكْمِيلِ بَيِّنَتِهِ وَ) بَعْدَ (تَعْدِيلِهَا) ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا حَبَسَهُ لِحَقٍّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، (وَإِنْ ذَكَرَ) مَحْبُوسٌ أَنَّهُ (حَبَسَهُ بِقِيمَةِ كَلْبٍ أَوْ خَمْرِ ذِمِّيٍّ وَصَدَّقَهُ غَرِيمٌ) فِي ذَلِكَ (خَلَّى) سَبِيلَهُ ; لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ غَرِيمَهُ وَقَالَ: بَلْ بِحَقٍّ وَاجِبٍ غَيْرِ هَذَا فَقَوْلَهُ: لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَإِنْ بَانَ حَبْسُهُ فِي تُهْمَةٍ أَوْ تَعْزِيرٍ كَافْتِيَاتٍ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ وَنَحْوَهُ) كَكَوْنِهِ غَائِبًا (خَلَّاهُ) أَيْ: أَطْلَقَهُ، (أَوْ أَبْقَاهُ) فِي الْحَبْسِ (بِقَدْرِ مَا يَرَى) بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِ ; لِأَنَّ التَّعْزِيرَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ (فَإِطْلَاقُهُ) أَيْ: الْمَحْبُوسِ
(وَإِذْنُهُ) أَيْ الْقَاضِي (وَلَوْ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَ) فِي (نَفَقَةٍ لِيَرْجِعَ) قَاضِي الدَّيْنِ وَالْمُنْفِقُ حُكْمٌ،.
(وَ) إذْنُهُ فِي (وَضْعِ مِيزَابٍ وَ) وَضْعِ (بِنَاءٍ) مِنْ جَنَاحٍ وَسَابَاطٍ بِدَرْبٍ نَافِذٍ بِلَا ضَرَرٍ حُكْمٌ، فَيُمْنَعُ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ كَإِذْنِ الْجَمِيعِ، (وَ) إذْنُهُ (فِي غَيْرِهِ) كَوَضْعِ خَشَبٍ عَلَى جِدَارِ جَارٍ بِشَرْطِهِ حُكْمٌ، (وَأَمْرُهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِإِرَاقَةِ نَبِيذٍ) حُكْمٌ ذَكَرَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي الْمُحْتَسِبِ، (وَقُرْعَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي (حُكْمٌ يَرْفَعُ الْخِلَافَ إنْ كَانَ) ثَمَّ خِلَافٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأَحَدٍ بِاسْتِحْقَاقِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ فَعَقَدَ أَوْ فَسَخَ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حُكْمِهِ بِصِحَّتِهِ بِلَا نِزَاعٍ.
(وَكَذَا نَوْعٌ مِنْ فِعْلِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (كَتَزْوِيجِهِ يَتِيمَةً) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (وَشِرَاءِ عَيْنٍ غَائِبَةٍ) مَوْصُوفَةٍ بِمَا يَكْفِي فِي سَلَمٍ لِقَضَاءِ دَيْنِ غَائِبٍ وَمُمْتَنِعٍ (وَعَقْدِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ) ، حَيْثُ رَآهُ وَفَسْخٍ لِعُنَّةٍ وَعَيْبٍ وَنَحْوَهُ، فَهُوَ حُكْمٌ يَرْفَعُ الْخِلَافَ إنْ كَانَ، وَكَذَا نَصْبُهُ لِنَحْوِ مِيزَابٍ لِنَصْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيزَابَ الْعَبَّاسِ،.
وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُهُ لِأَرْضِ الْعَنْوَةِ لِمَصْلَحَةٍ وَتَرْكُهُ لَهَا بِلَا قِسْمَةٍ وَقْفٌ لَهَا عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي، (وَحُكْمُهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِشَيْءٍ) كَبَيْعِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ (حُكْمٌ بِلَازِمِهِ) أَيْ الشَّيْءَ الْمَحْكُومَ بِهِ وَهُوَ بُطْلَانُ الْعِتْقِ فِي الْمِثَالِ ; لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ فَلَا يَحْكُمُ غَيْرُهُ بِخِلَافِهِ ; لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِهِ.
(وَإِقْرَارُهُ) أَيْ الْقَاضِي مُكَلَّفًا (غَيْرَهُ عَلَى فِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) أَيْ فِي صِحَّتِهِ أَوْ حِلِّهِ لَيْسَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ أَوْ حِلِّهِ إنَّهُ الْإِقْرَارُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ، (وَثُبُوتِ شَيْءٍ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْقَاضِي كَوَقْفٍ وَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (لَيْسَ حُكْمًا بِهِ) ، بِخِلَافِ إثْبَاتِ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَأَهْلِيَّةِ وَصِيَّةٍ فَهُوَ حُكْمٌ عَلَى مَا يَأْتِي، وَكَذَا ثُبُوتُ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَفَرْضِهِ مَهْرَ مِثْلٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ أُجْرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ
(وَتَنْفِيذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ) قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، (وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ التَّنْفِيذَ حُكْمٌ، بَلْ قَدْ فُسِّرَ فِي الشَّرْحِ التَّنْفِيذُ بِالْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ.
وَفِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ نَفْسُ الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ، لَكِنْ